البكاء حتى كف بصرها.
سمعت قائلا يقول: " ما أشد العمى على من كان بصيرًا "! فقالت: " يا عبد الله، عمى القلب عن الله أشد من عمى العين، وددت أن الله وهب لي كنه محبته، وأنه لم يبق مني جارحة إلّا أخذها " (١٥٣١) .
آمنة بنت أبي الورع:
(كانت آمنة بنت أبي الورع من العابدات الخائفات، وكانت إذا ذكرت النار قالت: " أدخِلُوا النار، وأكلوا النار، وشربوا من النار، وعاشوا"، ثم تبكي، وكأنها حبة على مِقْلَى، وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت) (١٥٣٢) .
وذكر الحافظ ابن الجوزي ﵀:
(أن امرأة من الصالحات كانت تعجن عجينة، فبلغها- وهي تعجن- موتُ زوجها، فرفعت يدها منه، وقالت: " هذا طعام قد صار لنا فيه شركاء"!!
وأخرى كانت تستصبح بمصباح، فجاءها خبر زوجها، فأطفأت المصباح، وقالت: " هذا زيت قد صار لنا فيه شركاء " (١٥٣٣)) .
ميمونة:
(بنت شاقولة الواعظة التي هي للقرآن حافظة، ذكرت يومًا في وعظها أن ثوبها الذي عليها- وأشارت إليه- له في صحبتها تلبسه منذ سبع وأربعين سنة وما تغير، وأنه كان من غزل أمها، قالت: " والثوب إذا لم يُعْص الله فيه لا يتخرق سريعا "، وقال ابنها عبد الصمد: كان في دارنا
стр. 912
حائط يريد أن ينقض فقلت لأمي: " ألا ندعو البَنَّاءَ ليصلح هذا الجدار؟ "، فأخذت رقعة، فكتبت فيها شيئًا، ثم أمرتني أن أضعها في موضع من الجدار، فوضعتها، فمكث على ذلك عشرين سنة، فلما توفيت أردت أن أستعلمَ ما كتبت في الرقعة، فحين أخذتها من الجدار سقط، وإذا في الرقعة: (إن الله يمسك السمواتِ والأرضَ أن تزولا) اللهم ممسك السموات والأرض أمسكه) (١٥٣٤) .
منيبة:
وعن أبي عياش القطان قال:
[كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها: منيبة، وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن رُبما رآها، وتعجب من عبادتها على حداثتها.
فبينا الحسن ذات يوم جالس، إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت؟ فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: "يا حبيبتي ما يبكيك؟ "، قالت له: (يا أبا سعيد الترابُ يُحْثَي على شبابي، ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: " احفر لابنتي قبرًا واسعا، وكفنها بكفن حسن"، والله لو كنت أجهز إلى مكة لطال بكائي، كيف وأنا أجهزُ إلى ظلمة القبور ووحشتها، وبيت الظلمة والدود؟) ] (١٥٣٥) .
قال الوضاح بن حسان الأنباري: (حدثني رجل من أهل الكوفة قال: كانت امرأة من التيم مجتهدة في العبادة، فكانت تفطر في كل ثلاثٍ مرة، ولا تخرج من مسجد الحي إلا لحاجة، فقال لها إبراهيم التيمي: " صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في مسجد الحي"، ففعلت، فلزمت بيتها، فلم تزدَد إلا خيرًا) (١٥٣٦) .
стр. 913
عن ابن السماك قال: أذنب غلام امرأة من قريش ذنبًا، فَسَعَتْ إليه بالسوط، فلما قربت منه رمت بالسوط، وقالت: " ما تَركتِ التقوى أحدًا يَشْفِي غيظَه " (١٥٣٧) .
فاطمة بنت نصر العطار:
كانت من سادات النساء، وهي من سلالة أخت صاحب المخزن، كانت من العابدات المتورعات المخدرات، يقال إنها لم تخرج من منزلها سوى ثلاث مرات وقد أثنى عليها الخليفة وغيره والله أعلم (١٥٣٨) .
رابعة بنت إسماعيل العدوية:
(ومن هؤلاء الناسكات رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية، وكانت مضرب المثل في تَدَلُّه القلب واحتراق الكبد حبا لله وإيثارًا لرضاه، وكانت على تواصل صيامها وقيامها، وتتابع زفراتها، وتدفق عبراتها، تستقل كل ذلك في جنب الله، قال يوما شيخ الزهاد سفيان الثوري وهو عندها: " واحزناه! " فقالت: " لا تكذب! بل قل: واقلة حزناه، ولو كنت محزونا لم يتهيأ لك أن تتنفس ".
ومن حديث خادمتها عبدة بنت أبي شوال- وكانت أشبه الناس بها في نسكها وعبادتها-: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في صلاتها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك، وهي فزعة: " يا نفس كم تنامين؟! يوشك أن تنامي نومة (١٥٣٩) لا تقومين منها إلا بصرخة يوم النشور ") .
قالت عبدة: (وكان هذا دأبها أمد دهرها حتى ماتت، ولما حضرتها
стр. 914
الوفاة دعتني، وقالت: " يا عبدة! لا تؤذني بموتي أحدًا، وكفنيني في جبتي هذه "- وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون) ، ومن قولها: " ما ظهر من أعمالي فلا أعده شيئا "، ومن وصاياها " اكتموا حسناتكم، كما تكتمون سيئاتكم " (١٥٤٠)) .
عن أزهر بن مروان قال: دخل على رابعة رِياح القيسي، وصالح بن عبد الجليل، وكلاب، فتذاكروا الدنيا، فأقبلوا يذمونها، فقالت رابعة: " إني لأرى الدنيا بترابيعها في قلوبكم "، قالوا: " ومن أين تَوَهمت علينا؟ " قالت: " إنكم نظرتم إلى أقرب الأشياء من قلوبكم، فتكلمتم فيه " (١٥٤١)
[ (قال خالد بن خِداش: سَمعتْ رابعةُ صالحًا المُريَّ يذكر الدنيا في قصصه، فنادته: " يا صالح، من أحب شيئا أكثر مِنْ ذِكْرِه ".
وقال محمد بن الحسين البرجلاني: حدثنا بشر بن صالح العَتَكي، قال: استأذن ناس على رابعة، ومعهم سفيان الثوري، فتذاكروا عندها ساعةً، وذكروا شيئا من الدنيا، فلما قاموا، قالت لخادمتها: " إذا جاء هذا الشيخ وأصحابه، فلا تأذني لهم، فإني رأيتهم يحبون الدنيا ".
وعن أبي يسار مِسْمَع، قال: (أتيت رابعة، فقالت: جئتني وأنا أطبخ أرزًا، فآثرتُ حديثك على طبيخ الأرز، فرجعتْ إلى القدر، وقد طُبخَت) .
وعن حماد قال: (دخلت أنا وسلام بن أبي مطيع على رابعة، فأخذ سلام في ذكر الدنيا، فقالت: " إنما يُذكر شيء هو شيء، أما شيء ليس
стр. 915
بشيء فلا ") (١٥٤٢) .
وقال أبو سعيد بن الأعرابي: (أما رابعة، فقد حَمَلَ الناسُ عنها حكمة كثيرة، وحكى عنها سفيان وشُعبة وغيرهما ما يَدُل على بطلان ما قيل عنها، وقد تمثلته بهذا:
ولقد جعلتُك في الفؤاد مُحَدثي ... وَأبَحْتُ جسمي مَنْ أرادَ جُلوسي فنسبها بعضهم إلى الحلول بنصف البيت، وإلى الإباحة بتمامه.
قلت- أي الحافظ الذهبي-: فهذا غلُو وجهل، ولعل مَنْ نسبها إلى ذلك مُباحِيُّ حلولي ليحتجَّ بها على كفره، كاحتجاجهم بخبر: " كنت سمعه الذي يسمع به " (١٥٤٣)) (١٥٤٤) اهـ.
قال ابن كثير ﵀:
وقد (ذكروا لها أحوالًا وأعمالًا صالحة، وصيامَ نهارٍ، وقيامَ ليل، ورؤيت لها منامات صالحة، فالله أعلم) وقال أيضا: (وأثنى عليها أكثر الناس، وتكلم فيها أبو داود السجستاني، واتهمها بالزندقة، فلعله بلغه عنها أمر) (١٥٤٥) اهـ والله أعلم.
زوجة الملك الصالح نور الدين محمود بن زنكي: عصمت الدين خاتون بنت الأتابك معين الدولة:
كانت -رحمها الله- كثيرة التهجد، وأحسن النساء في عصرها،
стр. 916
وأعفَهن، وأكبرهن صدقة، و (كانت تكثر القيام في الليل، فنامت ذات ليلة عن وِرْدها، فأصبحت وهي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها، فذكرت نومهَا الذي فوَّت عليها وِردَها، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب " طبلخانة" في القلعة وقت السحر، لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل، وأعطى الضارب على الطبلخانة أجرًا جزيلًا، وجراية كثيرة) (١٥٤٦) .
وقد تزوجت هذه المرأة الصالحة بعد وفاة نور الدين تلميذه صلاح الدين الأيوبي (سنة ٥٧٢ هـ) ﵀ (١٥٤٧) .
فخربة بنت عثمان البصرية:
كانت من أسرة عريضة الجاه موفورة الغنى، ولكن ذلك كله لم يطب لها، فخرجت، وتزهدت، وتنسكت، وهجرت الراحة والمنام إلى الصلاة والقيام، وقنعت من العيش برغيف وقدح ماء، فذلك قوتها كل يوم.
وكانت أشبه الناس برابعة في الوحشة من الدنيا والتدله، هاجرت إلى بيت المقدس وأقامت أربعين عامًا تقف الليل كله بباب المسجد الأقصى تصلي حتى يفتح الباب، فتكون أول داخل وآخر خارج) (١٥٤٨) .
стр. 917
الخاتمة
"نسأل الله حسنها، إذا بلغت الروح المنتهى "
إن للأبواب السابقة تعلقًا بقضية " الحجاب"، وإن بدا لأول وهلة خلافُ ذلك، سيما إذا لم نضيق مفهوم " الحجاب "، ونفهم منه فقط ما يتعلق بستر بدن المرأة. كلا، ليس الحجاب مجرد غطاء لبدن المرأة، إن الحجاب هو عنوان تلك المجموعة الدقيقة من الأحكام الاجتماعية المتعلقة بوضع المرأة في النظام الإسلامي، والتي شرعها الله لتكون " الحصن الحصين" الذي يحمي المرأة، و " السياج الواقي " الذي يعصم المجتمع من الافتتان بها، و" الإطار المنضبط" الذي تؤدي المرأة من خلاله دورها العظيم الذي وكلها الله به، واصطفاها له من أجل تحصيل سعادتي الدنيا والآخرة لها ولأمتها كافة، وذلك كله في انسجام دقيق من خلال معنى أعم وأشمل هو تحقيق العبودية الخالصة لله رب العالمين.
(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (١٥٤٩) .
ويغالط هؤلاء المُضِلون المفسدون الذين يتشدقون بأن حجاب المرأة هو هو " حجاب على العقل، أو سُلَّم إليه.. " إلى آخر عباراتهم الجوفاء التى قد يسيغها الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، والأدباء الذين هم في كل واد يهيمون، ولكنها لا تجد مساغا عند أحد من العقلاء فضلًا عن العلماء. إن عقولهم هي "المحجوبة" عن إدراك حكمة العليم الحكيم من تشريع
стр. 918
" الحجاب".. وإن تصوراتهم وأذواقهم وأخلاقهم هي " الممسوخة" حيث تجعل العري " الحيواني" تقدمًا ورقيًا، والستر " الإنساني تخلفًا ورجعية! ولقد رأينا- فيما تقدم- كيف تأثرت المرأة المسلمة بهذه التشريعات الربانية الحكيمة، ومارست دورها العظيم على أكمل وجه- من خلال "الحجاب " بمفهومه الشامل، فكان أن أثرت في الأمة أجمل التأثير وأحسنه.
لقد اعتزت بالإسلام واعتز الإسلام بها، حتى صار بين أيدينا تاريخ مجيد حافل بسيرتها العطرة بوصفها أما وزوجة وابنة، وعالمة فقيهة محدثة، وعابدة خاشعة قانتة، فبان للجميع ما الذي كان يخفيه الحجاب، وماذا كان يدور خلف الخدور.
إنها الثمرات المباركة التي جنتها الأمة من وراء الحجاب..
إنه الشرف العزيز الذي صانه الحجاب..
وإن هؤلاء هن " خريجات مدرسة الحجاب" قبل أن تعرف الدنيا مدرسة، وقبل أن يطرق سمعها " حقوقُ المرأة وتكريمها "، وإنما كان ذلك الوثوب إلى المجد، وكانت تلك النهضة إلى علياء السمو، يوم أدرك المسلمون الأوائل عِظم مكانة المرأة، وخطورة دورها:
فأدوا إليها حق التربية والتهذيب "من وراء حجاب ".
وحفظوا لها حق التعليم النافع " في إطار الحجاب ".
فكان ما رأينا من نماذج مشرفة لا يأتي عليها الحصر.
واليوم:
(يريد نساؤنا أن ينهضن، فهن يبتغين الوسائل، ويتلمسن الخطى،
стр. 919
وما لهن لا ينهضن؟ ومن ذا يذودهن عما شرع الله لهن من الحقوق؟ وهل هن إلا منابت حُماتِنا، وأساةُ جراحنا، وبناة نهضتنا، ومنار دعوتنا، ومثار قوتنا؟ وهل نحن وإيَّاهن إلا كجناحي النَّسْر الصاعد، إذا هِيض أحدُهما خُفِض الآخر، فيصبح لا يجد في الأرض مقعدًا، ولا في السماء مصعدًا؟ لينهض النساء ما شئن أن ينهضن- ففي نهوضهن نهوضنا وبلوغ غايتنا-، ولكن ليحذر الآخذون بيدها، والداعون إلى نهضتها التواءَ القصد، والتباس الطريق، والتنكب عن صراط الله المستقيم، وشرعه القويم، فينالها الزلل، وتلجَّ بها العثرات، حتى يقول قوم: " لقد كان ما كانت فيه خيرًا وأبقى ".
ألا وإن من التواء القصد، وضلال الطريق، أن يتخذ نساؤنا المرأة الغربية مثالًا يحتذينه، ويُمْعِنَّ في التشبه به.
ونحن لا نَكْذِبُ المرأة الغربية، فليست جديرة بأن تكون مثلا أعلى يحتذى، فهي أولًا كافرة أو لا دين لها، وهي ثانيا هائمة لا خلق لها، إلا أن تهتدي بنور الإسلام، وتستضيء بأخلاقه وأحكامه، ولا يشفع لها أن يقال: " هي كاتبة حاسبة، وصانعة بارعة، وباحثة قديرة "، فإنها لم تزد أن دعمت حياة " المادة"، وزادتها نوطا جديدًا.
ولا يخدعنا ما يدعيه مقلدة الأجنبي وعساكره الفكريون من أن المرأة الأوربية حظيت بتكريم حقيقي، فإنها إنما أعطيت مظاهر كاذبة تُستغل من ورائها كلُعبة للهو بها هنا وهناك، وغطى القوم ذلك بما أسموه تحريرا ورقيا.
إن وضع المرأة عند الأجانب ليس إلا مظهرًا خاليا من القيم الرفيعة الصادقة، مثلها في ذلك مثل التقليد الذي جرى عليه الحاكم البريطاني حين يأمر باعتقال شخص، فيرسل إليه كتابا يختمه بهذا التوقيع: (خادمكم المطيع فلان) هكذا يُذَيلُ الحاكم خطابه الذي يعتقل به سيده المطاع!!.
стр. 920
ولا شك أنه لو لم يكن لهذه الوضعية المعكوسة للمرأة ما يؤيدها من قوة السلاح وبهارج المادة والدعاية المتعصبة التي ألبستها عند مقلدتهم في ديارنا لبوس الحق، لو لم يكن لها ذلك لكانت سواد وجه لأي قوم اختاروها وسلكوا طريقها، ولكن هكذا يَضِل من اغتر، وغاب عن طريق الله وهداه.
لكل ذلك نناشد نساءنا أن يسدلن الحجب بينهن وبين نساء أوروبة، ففي أمهاتنا الأوليات فضل وغَناء، أولئك اللواتي نَسْتَن عن طيب أعراقهن، وكرم أخلاقهن، وتلك دماؤهن تترقرق بين جوانحنا، وأعطاف قلوبنا، ولا نزال نَحِن إلى أمجادهن، لأن لنا في المجد نسبا عريقًا، وطريقًا عميقًا، فأما ما نحن فيه من مظاهر النوء بالواجب، والنكول عن الجِدّ، فإنما هو صدأ عارض وغشاء مستحدث ألقاه علينا تطاول الأمد، وتتابع الحادثات، وما أصابنا في سبيل ذلك من فداحة الظلم، وذل الإسار الذي فرضته علينا الأيدي الأوربية " الرحيمة" التي تمسح شعث الكلب، وتدمي قلوب الشعوب!
فيا أيتها الأخت المسلمة:
لقد حق لك أن تتيهي، وتفاخري نساء العالمين بما أسداه الإسلام إليك من تكريم، وما رفع عنك عن ظلم ومهانة.
فاحذري أن تبدلي نعمة الله كفرا، أو أن تستبدلي الذي هو أدني بالذي هو خير.
وأنت أيتها الأم الرؤوم (١٥٥٠) :
ليس ذاك الذي بين يديك بالطفل الذي يبقى أمد الحياة طفلًا، بل
стр. 921
هو سر الوجود يذاع عنك، وصفحة الحياة تنشر عن أثرك، وهو أدل عليك من أسارير (١٥٥١) وجهك، وبيان لسانك.
ليست هذه البَضْعةُ (١٥٥٢) المتحركة باللعبة الملْهِية بل هي العالَم الأكبر، يضطرب كاضطرابه، ويتخايل في مخايله، فانظري على أي حالة تريدين أن يكون الكون.
ليس ذلك الدارج بين عينيك بالصبي الخَلي (١٥٥٣) بل هو خبيئة الدهر وعُدَّتُه.
وربما ضُم معاطفُ ثوبك على رجل الدنيا وواحدها، وما ينبئك لعل هناك مُلْكًا يترقب سيفه، أو عرشًا يطمئن لقدميه، أو أمة متعثرة تنتظر النَصَفة من وَضَح رأيه، وفيض بيانه) (١٥٥٤) .
إن تلك المنزلة التي أعدكِ الله لها هي تلك التي وصفها بعضهم بحق فقال: " إن المرأة التي تهز المهد بيمينها، تهز العالم بيسراها".
* * *
ليست المرأة بالخَلْق الضعيف النفس، فإن من احتمل ما احتملته في ظلمات التاريخ، وعَسْف الأب، وصَلَف الزوج، إلى وَقر الحمل، وألم المخاض، وسُهْد الأمومة- راضيًا مطمئنا- لا يكون ضعيف النفس.
стр. 922
وليست بالخلق الحقير، فإن من وكَلَه الله بابتناء الشعوب، وإنشاء الأمم لا يكون حقيرا.
ألا إنما المرأة دعامة المجتمع، لا يزال ناهضا مكينًا ما نهضت به، فإن هي وَهَنت دونه، وتخاذلت عنه، واستهانت بالفضيلة، وأغرقت في الترف، تهاوت عَمَدهُ، وتَصَدعت جوانبه، وانبت نظامه، وانفصمت عراه، وكان حقا على الله أن يُديل من الأمة، ويبدلها، (وما ربك بظلام للعبيد) (١٥٥٥) .
والآن أيتها الأخت المسلمة:
- فمن أجل " عودة الحجاب " تصفحنا تاريخ" المعركة بين الحجاب والسفور " أولا.
- ومن أجل " عودة الحجاب" كانت هذه الوقفة مع " المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية" ثانيًا.
- ومن أجل " عودة الحجاب " نواصل المسيرة المباركة إن شاء الله مع القسم الثالث: " الأدلة".
اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا الإسلام حتى نلقاك عليه، ولا تحرمنا خير ما عندك، بسوء ما عندنا، واجعلنا هادين مهديين، غير ضالين ولا مضلين، سِلْما لأوليائك، حربًا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادى بعداوتك من عاداك، ربنا اغفر لي، ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، وصلِّ اللهم على عبدك ونبيك ورسولك محمدٍ، وعلى آله
стр. 923
وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إِلى يوم الدين، آمين، والحمد لله رب العالمين.
الثلاثاء ١٧ من ذي القعدة ١٤٠٤ هـ
الموافق ١٤ من أغسطس ١٩٨٤م
وكان الفراغ من إعداد الطبعة الخامسة في ليلة الأحد ٩ من ربيع الثاني ١٤١١ هـ، الموافق ٢٨ من أكتوبر ١٩٩٠م.
стр. 924
أدلة الحجاب
بحث جامع لفضائل الحجاب وأدلة وجوبه والرد على من أباح السفور
الدكتور محمد أحمد إسماعيل المقدم
عفا الله عنه
دار القمة لتوزيع الكتاب والشريط والسي دي
دار الإيمان إسكندرية
стр. 925
أدلة الحجاب
стр. 926
أدلة الحجاب
بحث جامع لفضائل الحجاب وأدلة وجوبه والرد على من أباح السفور
تأليف
الدكتور محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم
دار القمة لتوزيع الكتاب والشريط والسي دي فاكس: ٥٤٥٧٧٦٩ ت: ٥٢٢٢٠٠٢
دار الإيمان للطبع والنشر والتوزيع إسكندرية ت: ٥٤٥٧٧٦٩
стр. 927
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة هذه الطبعة
الحمد لله كما ينبغي لجلاله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله.
أما بعد:
فلا تزال قضية "الحجاب والسفور" تستقطب اهتمام المصنفين منذ فَتح بابَها "قاسم أمين " حتى اليوم، ولا تزال المطابع تقذف بالجديد من الإصدارات حول هذا الموضوع بين مؤيد ومُعارض، والجديد في هذا
"الجديد" أن بعض المصنفين من داخل الصف الإسلامي خاضوا فيه بأسلوب
ينتهي إلي موافقة "قاسم أمين " في القول بإباحة السفور، وإن سلكوا-
لإثبات ذلك- مسلكا يتنزه عن المقاصد الرديئة التي تلطخ بها "قاسم أمين " وشيعته من بعده، لكنه لم يسلم- في الوقت نفسه - من بعض التحفظات:
أولها: أن بعض المصنفين طوعت لهم أنفسهم استعمال مصطلحات "دخيلة" على الوسط العلمي، لم يعهد إطلاقها إلا في سياق الخطاب
العالماني الذي درج على وصف المتشرعين بالتطرف، والتشدد، والغلو، والتعصب.
الثاني: ضعف الملكة الفقهية، وغياب "الحِسِّ " الفقهي عند ربط حكم الحجاب بواقع المجتمعات الإسلامية المعاصر:
فهذا أحدهم يضيق ذرعًا بإعمال فقهاء المذاهب المتأخرين قاعدة "سد الذرائع " في هذه المسألة، قائلاً: ".. حتى اشترطوا ذلك الشرط العجيب الذي لم يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة، ألا وهو: شرط أمن الفتنة" اهـ.
وهذا أحدهم يبالغ في إهمال قاعدة "سد الذرائع " إلى حد القول بإباحة كشف الوجه والكفين من المرأة الجميلة، ولو خُشيت الفتنة، باعتبار السفور حقا مشروعًا لها.
- أ-
стр. 928
كما أنهم لا يراعون عواقب مذهبهم حيث إن هناك كما هائلا ممن يضقن بالحجاب الشرعي من ضعيفات الإيمان، يتربصن في انتظار الإشارة "الصفراء" التي تبيح لهن المرور إلى مرحلة السفور لتضيء في إثرها الإشارة "الخضراء" فينطلقن زرافات ووحدانًا إلى التبرج والتهتك في أبشع صوره، كما حدث في بعض البلاد الإسلامية، والتاريخ يعيد نفسه، والسفور مطية الفجور.
الثالث: أن هذه المصنفات موجهة أساسًا إلى المنقبات، وليس إلي المتبرجات، وتكاد تنحصر غايتها في حمل المنقبة على السفور، وليس هداية المتبرجة إلى الحجاب.
الرابع. إهمال بعض أدلة المخالف، والإعراض عنها، وبخاصة فقه بعض الآيات القرآنية المتعلقة بالحجاب رغم وضوح دلالتها على وجوب الحجاب الكامل.
الخامس: التركيز على نسبة القول بوجوب النقاب إلى المعاصرين
من العلماء والدعاة وطلبة العلم، والانبساط في نقدهم ووصفهم بالتشدد والغلو والتعصب مع حجب أسماء الأئمة السابقين الذين نصروا هذا المذهب وتبنوه، بحيث يخيل للقاصر في العلم أن هذا مذهب مُحْدَث ليس من السلف ولا الأئمة من قال به، وأنه من بنات أفكار "المتطرفين"
السادس: غلبة ملامح "الغرور العلمي " على المصنفين الذين يشتطون في دمغ مخالفيهم بأوصاف كريهة منفرة، ويسرفون في تحقيرهم، وطرحهم أرضًا الواحد تلو الآخر، وكأن الترجيح بين الآراء يعتمد على كم الشتائم والازدراء والتعالي على المخالف، ولو كان من العلماء العاملين، والهداة المهتدين، غافلين عن أنهم بهذا المسلك يقدمون لطلاب العلم أسوة تُحتذى، وأنموذجًا يقتدى به، ونحن لا ننكر أن في المسألة خلافا قديما، ولكن الذي ننكره هو الحيدة عن "أخلاقيات الخلاف " التي التزمها الأئمة
- ب -
стр. 929
المهديون في كل عصر ومصر.
السابع: أن بعضهم يعمد إلى المختلفين في المسالة فيقسمهم إلى طرفين ووسط، بحيث يحتكر لرأيه منذ البداية الوسطية والاعتدال، ومن خالفه إما غال مُفْرِط، وإما جافٍ مُفَرِّط.
إن ظاهرة "القسمة الثلاثية" هذه تعني التحكم بالعاطفة في قضايا الخلاف الفقهي السائغ الذي لا يجوز فيه رمي المخالف بالبدعة والضلالة والتشدد.. إلخ، كما أنها تعني مصادرة آراء المخالفين منذ البداية، لأن صاحب هذا المسلك- وبهذا الأسلوب العاطفي- يبدو وكأنه يسوق الناس بعصاه لتبني مذهبه "المحتَّم "، فهو يقول: "ليس لكم أن تبيحوا التبرج لأنه تفريط وجفاء، وليس لكم أن توجبوا النقاب لأن القول بالوجوب إفراط وتشدد، وغلو وتعصب، وبما أن "كلا طرفي قصد الأمور ذميم "، إذن فلا مناص لكم من السبيل الأوحد الذي يحتكر الوسطية والاعتدال، والذي لا بديل له ألا وهو القول بإباحة السفور".
* وهاك أمثلة لظاهرة "القَسمة الثلاثية" تشي بها عناوين بعض الكتب:
الأول: "الرد المفحم على من خالف العلماء، وتشدد، وتعصب، وألزم المرأة أن تستر وجهها وكفيها، وأوجب، ولم يقنع بقولهم: إنه سنة ومستحب (١) .
الثاني: "النقاب للمرأة: بين القول ببدعيته، والقول بوجوبه "
الثالث: الحجاب بين الإفراط والتفريط.
стр. 930
ويبقى في هذه العجالة تنبيهان:
الأول: وهي مسألة دقيقة لا يتفطن إليها من "يحتار" بين الأقوال والأدلة المتعارضة في المسألة؟ وينزعج من الخلاف فيها، وهي أن مسائل الفقه ليست كلها على درجة واحدة من الوضوح والحسم في حكمها، فالألفاظ منها واضح الدلالة كالظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم، ومنها غير
واضح الدلالة كالمتشابه، والمجمل، والمشكل، والخفي، وأنه لا يشترط أن يقوم دليل قطعي على كل مسألة، بل أغلب مسائل الفقه ظنية، وإن الاجتهاد كما يجري في "ثبوت النص " كذلك يجري في "دلالته "، وأن المسائل الفقهية الخلافية يتم الترجيح فيها بالنظر في مجموع الأدلة، وليس في طائفة منها، وأن ضعف الدليل لا يستلزم ضعف المدلول، بمعنى أن صاحب المذهب الراجح قد يكون في ضمن أدلته دليل ضعيف من حيث ثبوته، أو من حيث دلالته، دون أن يقدح هذا في ترجيح مذهبه بالنظر إلى مجموع الأدلة التي استند إليها.
الثاني: أننا يجب أن نتلقى الحكم الشرعي الراجح بصدور منثسرحة، وتسليم مطلق، وثقة كاملة بأن شريعة الله فيها صلاحنا وخيرنا، وأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأنه لا تخلو عبادة من مشقة معتادة، ومجاهدة للنفس، غير أن هذه المشقة إذا زادت وتضاعفت وصارت فوق الاحتمال، فهنا تأتي الرخصة الشرعية رفعًا للحرج، ودفعًا للعنت، وتيسيرًا على المكلفين، وأن على الباحث في المسألة أن يفرق بين "الحكم الشرعي" الأصلي الذي نستنبطه من الأدلة بتجرد، ونزاهة، وبين "الفتوى" التي تعتمد على المواءمة بين الحكم الشرعي وظروف المستفتي الخاصة أو الطارئة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الإسكندرية في السبت ٢٨ صفر ١٤٢٣ هـ
الموافق ١١ مايو ٢٠٠٢م
-د-
стр. 931
مقدمة الطبعة الأولى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده! ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
[آل عمران: ١٠٢] .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: ١] .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)) [الأحزاب: ٧٥- ٧١] .
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
من نافلة القول أن نربط بين "عودة الحجاب " إلى وجوه المسلمات وبين الصحوة الإسلامية الناهضة التي أشرق بنورها كثير من البلاد الإسلامية ومنها "مصر"، فقد فرضت قضية "حكم النقاب " نفسها في واقعنا الفكري المعاصر بعد أن خُيِّل إلى الجميع أن مثل هذه المفاهيم، بل "التقاليد" (١) -
стр. 932
في زعمهم - قد ولَّت إلى غير رجعة.
أجل! حدث هذا في أعقاب الصحوة الإسلامية القائمة على الأصالة، والاقتباس من منابع ديننا الحنيف الذي حملت رسالته، وحفظت أمانتَه هذه الأمةُ طيلة اثنى عشر قرنا من الزمان- قبل طروء الغزو الفكري- فكان أن امتزجت به مشاعرها، وجرت في سبيله دماؤها، وأصبح هو حياتها وفكرها، ومبدأها ومعادها، ونبض قلوبها.
لقد تتابعت الحملات العسكرية ثم الفكرية للقضاء على هذا الدين وأهله، وخُيل إلى أعداء الإسلام أن الأمة مجتمعة قد استجابت لجهودهم، وأزمعت أن تُوَدعِّ الإسلام نهائيُّا إلى غير رجعة.
وإذا بالطائفة الظاهرة المنصورة من علماء الأمة الربانيين يتصدَّوْنَ عن وَعي واقتدار في كل عصر ومِصر لأعداء الإسلام، ويبشرون الذين تسرب اليأس إلى قلوبهم بقوله تعالى: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧] )
وتوله (سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: ٧] وقوله سبحانهْ: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [الشورى: ٢٨] ، وقوله جل وعلا: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف: ٢١] .
ويوبخون أعداء الله بقوله جل وعز: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا) [الكهف: ١٠٢] . وإذا بشباب في ريعان الصبا، وفتياتٍ في عمر الورود ينسابون من كل حدب وصوب، ينضمون إلى ركب الإيمان، ينادون بالعودة إلى كتاب الله وتحكيم شرعه، حاملين أنفسَهم وأنفاسَهم وأموالهم وأوقاتهم وزهرات شبابهم على أكفهم، باذلين ذلك كله في سبيل إعلاء كلمة الله، متحملين العذاب، والاضطهاد، والتشريد، والتنكيل، واثقين بوعد الله
موقنين أن الشهداء والأسرى والمعذبين معالم على طريق النصر والتمكين.
стр. 933
لقد تجاوبت الآفاق بأصداء دعائهم: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) [آل عمران: ١٩٣] ، حين رددها شباب تركيا، والباكستان، وأفغانستان، ومصر، وجزيرة العرب، والشام، والمغرب، والسودان، وسائر الديار الإسلامية، بل في أعماق أوربة وأمريكا، وراحوا ينهلون من كتاب الله سبحانه، وسنة رسول الله ﷺ ، وقد وجهوا قلوبهم ووجوههم من جديد- بعد حيرة واغتراب- شطر البيت العتيق،
وولوْا ظهورَهم (لِلْقُلَّيْس) (١) قبلةِ الضرار التي أقامها "أبرهة" (٢) روسيا، و"أبرهة، أمريكا في "موسكو" و "واشنطن "، والتي قام على سدانتها، وتسيير الوفود نحوها " آباءُ رِغال " (٣) عصرنا.
لقد وَلَّوْها ظهورهم عملًا بقوله : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: ١٥٠] .
لقد أذهلت الصحوة الإسلامية أعداء الإسلام، فأخذوا يرقصون رقصة الموت التي يحاول فيها الذبيح باستماتة كأنه يحارب معركته الأخيرة، وما هي إلا "صحوة الموت " الزؤام أمام "صحوة البعث "
وما أكثر الإرهاصات التي تبشر باقتراب الوعد الحق الذي وعد الله عباده المؤمنين في قوله ﵎: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩] ) .
فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا
يذهبُ الليلُ والنهار حتى تُعْبَد اللات والعزى"، قالت: قلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩] ) أن ذلك تام، قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله " (١) الحديث "
ومما يوضح هذه البشارة:
ما رواه شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
"إن الله زَوَىَ (٢) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ
مُلْكها ما زويَ لي منها" (٣) الحديث.
стр. 937
وما رواه جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ أنَه قال: "لَيَبلُغَن هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار، ولا ترك الله بيتَ مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدينَ، بِعِز عزيز، أو بِذلِّ ذليل، عِزّا يعز الله به الإسلام، وذلّا يذل به الكفر" (١) .
إن واقع الصحوة الإسلامية العالمية اليوم يبشر بأنها أخذت تقترب شيئًا فشيئًا من الموعد المرتقب الذي بَشر به رسول الله ﷺ في قوله: "ثم تكون خلافة على منهاج النبوة " (٢) .
стр. 938
وآية ذلك أنك ترى الشباب يترقى رويدا رويدا ليصل إلى "منهاج النبوة" فها هم يقيمون دعوتهم على أصل الأصول في دعوة الأنبياء والمرسلين ألا وهو توحيد الله سبحانه، والبراءة من الشرك، وتحرير ولائهم لله ورسوله والمؤمنين، ومنابذة أعداء "لا إله إلا الله " والبراءة منهم، والدعوة إلى التوحيد، ونشر عقيدة "أهل السنة والجماعة"، كل ذلك يحتل مساحة شاسعة من خريطة دعوتهم، أليس هذا هو جوهر "منهاج النبوة" ولبه وقطب رحاه؟
وها هم يحيون الدعوة إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة في كل ما يعرض لهم من قضايا ومشكلات.
وها هم يجددون الدعوة إلى نبذ الفرقة والاختلاف، والاعتصام بحبل الله والائتلاف بالتمسك بالسنة، والبراءة من البدعة.
وها هم ينفضون الغبار عن تراثهم، ويُحْيُونَ مفاهيم السلف الصالح ﵃، ويجتهدون في أن يترقَوْا، إلى منهج السلف الصالح، وأن "يَتَسَامَوْا"، إلى أخلاقهم وعبادتهم! وجهادهم، وأن "يتقدموا " إلى تصوراتهم التي تلقوها من مشكاة النبوة الخاتمة دونما كدر ولا دَخَن.
أليست هذه أهم خصائص "منهاج النبوة"؟!
لقد أوْلى الإسلام المرأة اهتماما بليغا، وَبَوَّأها مكانة سامقة، وكرَّمها أعظم تكريم، وكيف تفاعلت بهذا كُلّه، فمارست دَوْرَها العظيم، وخلَّفت لنا تاريخًا حافلًا بسيرتها العطرة كأم وزوجة وابنة، وكمؤمنة مجاهدة صابرة، وكعالمة فقيهة محدثة، وكعابدة خاشعة قانتة، حتى بان للجميع ما الذي كان يخفيه الحجاب، وماذا كان يدور خلف الخدور؟
إنها الثمرات المباركات التي جنتها الأمة من وراء الحجاب، إنه الشرف العزيز الذي صانه الحجاب، وإن هؤلاء هُنَّ خريجات "مدرسة الحجاب" قبل أن تعرف الدنيا مدرسة، وقبل أن يطرق سمعها "حقوق المرأة وتكريمها".
стр. 939
لقد كان من القضايا التي واجهت الصحوة الإسلامية "قضية المرأة" تلك القضية ذات الارتباط الوثيق بالنظام الاجتماعي في الإسلام، والتي يتفرع عنها مسائل تعليمها، وعملها، وحجابها..
وحول هذا الأخير نشأ الجدل، وثارت التساؤلات ما بين مخلص حائر يبحث عن الحق، وبين مغرض مجادل في الحق بعد ما تبين.
من هنا احتدم الجدال حول "حكم تغطية المرأة وجهها وكفيها عن الرجال الأجانب عنها. وهل ذلك فرض أم فضل؟ ".
فمن قائل: إن النقاب بدعة تركية، أو مملوكية، أو فارسية إيرانية.
ومن قائل: إنه رجعية جاهلية.
ومن قائل إنه بدعة وتنطع يأباه دين الإسلام ... إلخ.
بل ذهب بعض المضلين إلى الإفتاء بأن العلماء مجمعون على بدعيته، و"براءة" الإسلام منه!!
لقد راجت هذه القضية في توقيت لافت للنظر، من حيث اقترانه بأحداث سياسية جذرية، وتحركات فكرية عَلمانية، وحملات قمع محمومة، وإجراءات تعسفية (١) حاول الساسة من خلالها إخفاء هزيمتهم النفسية أمام الصحوة الإسلامية الجارفة، وخنق هذه الدعوة الناشئة، ووأدها في مهدها.
стр. 940
وكانت كل هذه الأحداث والتحركات والحملات والإجراءات تصب في مجرى العداء والخصومة للإسلام وللعاملين من أجله، ذلك المجرى الخبيث الذي أصبح من السمات الثابتة لخارطة الوقائع على طول القرن الحالي، والذي ازداد اندفاعه النكِد في العهود القريبة.
إذ طفت على السطح "فقاقيع " المتغربين، واعتلت المنابرَ الإعلامية وجوه مشبوهة، وألسنة مسعورة سبق اختيارها بدقة وعناية، ثم دُفع بها إلى حلبة الإعلام لتؤدي دورها المرسوم سلفا خدمة للعديد من تيارات التدخل الدولي، أو التبعية المحلية، ولتسعى سعيا حثيثا دائبا لتقليص مساحة هيمنة الإسلام على الحياة وتخطيطه لها، وتفريغه من مضمونه الرباني الشمولي.
من هنا كان لزاما أن تُواجَهَ هذه الحملاتُ الخبيثة، وأن تُفْضَحَ هذه المؤمرات، وَتكشَفَ أبعادُ قضية "تحرير المرأة، وخلفياتها لوضعها تحت منظار الفحص، وتعرية جذور وفروع هذا النبت الخبيث.
وقد تقدم بيان ذلك في كتاب "معركة الحجاب والسفور".
والآن: جاء دور التفنيد والرد وبيان الأدلة وكشف الشبهات:
لقد حرَّر لفيف من الكُتَّاب كثيرَا من المصنفات المطوَّلة، والرسائل المختصرة، حول "حكم كشفَ الوجه والكفين من المرأة"، وركز بعضهم على جانب من جوانب أدلته دون سائرها، فكان كلا منها على حدة، لا يَشفي من القارئ المعاصر غُلةَ الصدى (١) ، فتجاسر المقصر المذنب، المتعرض لما لا يطيق، وتطفَّل على مائدة أولئك الأفاضل، وحاول جهده أن يجمع من كتبهم ورسائلهم مجموعا يؤلف بينها، ويلم شعثها، ويجمع شتاتها، - ويستوعب ذكر أدلتها، ويدفع شُبَه المخالفين لها، في صحيفة
стр. 941
كاملة، ورقيمة حافلة.
فشرعت منذ سنوات طوال أحاول الإنجاز والإتمام، لكن يعوقني القصور والتقصير، فظللت بين إقدام وإحجام، حتى مَن الكريم المتعال بإخراج كتابين، الأول: "معركة الحجاب والسفور"، والثاني: "المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية"، وهما كالتوطئة والتمهيد، لهذا الثالث المقصود.
ثم جمعت- حسبما تمكنت، وقدر ما تَحَصَّلتُ- آيات بينات، وأحاديثَ شريفات، وأخبارَا نيرات في موضوع البحث، مع تفسيرها الذي حرَّره العلماء الفحول، وشرحِها الذي حبَّره أئمة المنقول، وأذعن له جمهورهم بالتلقي والقبول، ضاما إلى ذلكّ من مقالات أهل العلم المتقدمين منهم والمتأخرين ما وقفت عليه، جامعا لأشتات هذه الأبواب المتفرقة في الدواوين.
غير أن هذا المجموع مع كونه شَذَرَمَذَرَ، لفقده الترتيبَ المتقن والتهذيبَ المستحسن، لم يُوفّ بالمقصود، لكنني حاولت من باب "سَددوا، وقاربوا"، فا لا يُدْرَكُ كُلُّه لا يُتْرَك جلّه.
ولم أرَ في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمامِ
стр. 942
هذا، وقد رتبتُ الكتاب على مقدمة، وستة أبواب، وخاتمة:
الباب الأول:
الفصل الأول: فتنة المرأة.
الفصل الثاني: احتياطات الإسلام لسد ذرائع الفتنة بالمرأة.
الباب الثاني:
الفصل الأول: معنى الحجاب ودرجاته.
الفصل الثاني: تاريخ الحجاب.
الباب الثالث:
الفصل الأول: فضائل الحجاب.
الفصل الثاني: مثالب التبرج.
الباب الرابع:
الفصل الأول: شروط الحجاب الشرعي.
الفصل الثاني: أين نحن من الحجاب الشرعي.
الباب الخامس: أدلة وجوب ستر الوجه والكفين:
الفصل الأول: أدله القرآن الكريم.
الفصل الثاني: الأحاديث النبوية المتعلقة بحكم الحجاب.
الباب السادس:
الفصل الأول: شبهات وجوابها.
الفصل الثاني: نصوص علماء المذاهب الأربعة في حكم الحجاب
стр. 943
والله أسأل أن يجعله نورا لإخواني المسلمين، ونارا على أعداء الدين، وصلى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الإسكندرية في/ الأحد ١٥ جمادى الآخرة ١٤٠٩ هـ
الموافق ٢٢ يناير ١٩٨٩ م.
стр. 944
الباب الأول
الفصل الأول:
فتنه المرأة.
الفصل الثاني:
احتياطات الإسلام لسد منابع الفتنة بالمرأة
стр. 945
الفصل الأول
فتنة المرأة
إن المرأة المسلمة لقيت عناية فائقة من الإسلام بما يصون عفتها، ويجعلها عزيزة الجانب، سامية المكانة، وإن الضوابط التي فرضها عليها في ملبسها، وزينتها وعلاقتها بالرجال لم تكن إلا لِسَدِّ ذريعة الفساد، وتجفيف منابع الافتتان بها، فإذا هي تنكبت تلك المحجة، وانحرفت عن هذا السبيل، وحطمت تلك الحواجز، وتعدت تلك الضوابط، فثارت على البيت والولد، وانكشفت في المجامع والأندية، وانغمرت في اللهو واللعب، وراحت تعلن عن نفسها بشقاشق القول، وفضول اللسان، فهنالك الويل والوبال، والفتنة والدمار، والداء العضال.
لقد كان الإشفاق من وبال ذلك الداء أشد ما خامر قلب رسول الله ﷺ ، وفي سبيله ألقى على السابقين الأولين من المسلمين كلمته الخالدة-: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " (١) ، ليبين لنا كيف أن الافتتان بالمرأة قد يؤدي إلى إحباط عمل مِن أفضل ما يتقرب به إلى الله ، وهو
стр. 946
الهجرة إلى الله سبحانه ورسوله ﷺ .
وقد أشار القرآن الكريم إلى خطر الفتنة بالمرأة، فقال : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [آل عمران: ١٤] ، فقدَّم سبحانه النساء لعراقتهن في هذا الباب؛ ولأن أكثر الرجال إنما دخل عليهم الخلل من قِبل هذه الشهوة، ولعله لأجل ذلك أيضا قدم المرأة على الرجل في قوله جل وعلا: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢] ،.
وقال حاكيا عن عزيز مصر: (قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) [يوسف: ٢٨] ،.
وحذر رسول الله ﷺ من فتنة المرأة، ونصح لأمته قي هذا الباب أعظم النصح.
فعن أسامة بن زيد ﵄ قال قال رسول الله ﷺ :
"ما تركتُ بعدي فتنةً هي أَضَر على الرجالِ من النساء " (١) .
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان " (٢) .
стр. 947
قال الطيبي: والمعنى المتبادر أنها ما دامت في خِدرها لم يطمع الشيطان فيها، وفي إغواء الناس، فإذا خرجت طمع، وأطمع لأنها حبائله، وأعظم فخوخه (١) .
قوله: "فيستشرفها الشيطان " أصل الاستشراف: وضع الكف فوق الحاجب، ورفع الرأس للنظر.
قال المنذري: أي ينتصب ويرفع بصره إليها، ويَهمُّ بها؛ لأنها قد تعاطت سببًا من أسباب تسلطه عليها، وهو خروجها من بيتها (٢) اهـ.
وعنه ﵁ قال: "إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته، وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عَبَدَت امرأة رَبها مثلَ أن تعبده في بيتها" (٣) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلِفُكم فيها، فناظِر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أولَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء" (٤) .
стр. 948
وقد أوغل نساء بني إسرائيل في المعاصي، وتَفَنَّنَّ في فتنة الرجال، ومن مظاهر ذلك:
ما أخبر به ﷺ في قوله: "كانت أمرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتما من ذهب، مُغَلَّفًا بطين، ثم حشته مِسكا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين، فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا" (١) .
وفي رواية. "فكانت إذا مرت بالمجلس حركته، فنفخ ريحه ".
وروى عروة عن عائشة ﵂ قالت: "كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلًا من خشب يتشرفن للرجال في المسجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسُلِّطت عليهن الحيضة" (٢) .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "كان الرجال والنساء من بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة إذا كان لها خليل تلبس القالَبين (٣) تطوّل بهما لخليلها، فألقى الله عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: أخرجوهن من حيث أخرجهن الله" (٤) .
стр. 949
وقد عاقبهن الله على إحداث التبرج والزينة.
فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت فيما روته عنها عمرة بنت عبد الرحمن: "لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما مُنِعَهُ نساءُ بنى إسرائيل " (١)
قيل لعمرة: أوَ مُنِعْنَ؟ قالت: نعم.
وجاء في كتبهم ما يشر إلى هذا العقاب، فقد جاء في الأصحاح الثالث من سفر أشعيا: "إن الله سيعاقب بنات صِهيون على تبرجهن، والمباهات برنين خلاخيلهن باْن ينزع عنهن زينة الخلاخيل، والضفائر، والأهلة، وا لحِلَق، والأساور، والبراقع، والعصائب ".
وقد نبأ النبي ﷺ بوقوع بعض نساء أمته في نفس الكبيرة، وبشرهن بأسوء مصير، فقال ﷺ : "صِنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" (٢)
وقد يقع الافتتان بالمرأة من وجه آخر، إذا خلبت لُبَّ الرجل،
стр. 950
وسحرت عقله، وزينت له ترك الواجب، أو فعل المحرم.
عن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : "ما رأيت من ناقصات عقلٍ ولا دين أغلبَ لذي لُبّ منكن " (١) الحديث.
ولذا قال الشاعر:
يَصْرَعْن ذا اللُّبِّ حتى لاحِراك به ... وَهُنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا
ومن هنا قال الله ﵎: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) [التغابن: ١٤، ١٥] ،.