← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الهجرة إلى الله سبحانه ورسوله ﷺ . وقد أشار القرآن الكريم إلى خطر الفتنة بالمرأة، فقال : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [آل عمران: ١٤] ، فقدَّم سبحانه النساء لعراقتهن في هذا الباب؛ ولأن أكثر الرجال إنما دخل عليهم الخلل من قِبل هذه الشهوة، ولعله لأجل ذلك أيضا قدم المرأة على الرجل في قوله جل وعلا: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢] ،. وقال حاكيا عن عزيز مصر: (قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) [يوسف: ٢٨] ،. وحذر رسول الله ﷺ من فتنة المرأة، ونصح لأمته قي هذا الباب أعظم النصح. فعن أسامة بن زيد ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "ما تركتُ بعدي فتنةً هي أَضَر على الرجالِ من النساء " (١) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان " (٢) .

стр. 947

قال الطيبي: والمعنى المتبادر أنها ما دامت في خِدرها لم يطمع الشيطان فيها، وفي إغواء الناس، فإذا خرجت طمع، وأطمع لأنها حبائله، وأعظم فخوخه (١) . قوله: "فيستشرفها الشيطان " أصل الاستشراف: وضع الكف فوق الحاجب، ورفع الرأس للنظر. قال المنذري: أي ينتصب ويرفع بصره إليها، ويَهمُّ بها؛ لأنها قد تعاطت سببًا من أسباب تسلطه عليها، وهو خروجها من بيتها (٢) اهـ. وعنه ﵁ قال: "إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته، وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عَبَدَت امرأة رَبها مثلَ أن تعبده في بيتها" (٣) . وعن أبي سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلِفُكم فيها، فناظِر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أولَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء" (٤) .

стр. 948

وقد أوغل نساء بني إسرائيل في المعاصي، وتَفَنَّنَّ في فتنة الرجال، ومن مظاهر ذلك: ما أخبر به ﷺ في قوله: "كانت أمرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتما من ذهب، مُغَلَّفًا بطين، ثم حشته مِسكا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين، فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا" (١) . وفي رواية. "فكانت إذا مرت بالمجلس حركته، فنفخ ريحه ". وروى عروة عن عائشة ﵂ قالت: "كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلًا من خشب يتشرفن للرجال في المسجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسُلِّطت عليهن الحيضة" (٢) . وعن ابن مسعود ﵁ قال: "كان الرجال والنساء من بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة إذا كان لها خليل تلبس القالَبين (٣) تطوّل بهما لخليلها، فألقى الله عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: أخرجوهن من حيث أخرجهن الله" (٤) .

стр. 949

وقد عاقبهن الله على إحداث التبرج والزينة. فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت فيما روته عنها عمرة بنت عبد الرحمن: "لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما مُنِعَهُ نساءُ بنى إسرائيل " (١) قيل لعمرة: أوَ مُنِعْنَ؟ قالت: نعم. وجاء في كتبهم ما يشر إلى هذا العقاب، فقد جاء في الأصحاح الثالث من سفر أشعيا: "إن الله سيعاقب بنات صِهيون على تبرجهن، والمباهات برنين خلاخيلهن باْن ينزع عنهن زينة الخلاخيل، والضفائر، والأهلة، وا لحِلَق، والأساور، والبراقع، والعصائب ". وقد نبأ النبي ﷺ بوقوع بعض نساء أمته في نفس الكبيرة، وبشرهن بأسوء مصير، فقال ﷺ : "صِنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" (٢) وقد يقع الافتتان بالمرأة من وجه آخر، إذا خلبت لُبَّ الرجل،

стр. 950

وسحرت عقله، وزينت له ترك الواجب، أو فعل المحرم. عن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : "ما رأيت من ناقصات عقلٍ ولا دين أغلبَ لذي لُبّ منكن " (١) الحديث. ولذا قال الشاعر: يَصْرَعْن ذا اللُّبِّ حتى لاحِراك به ... وَهُنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا ومن هنا قال الله ﵎: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) [التغابن: ١٤، ١٥] ،.

стр. 951

الفصل الثاني احتياطات الإسلام لسد ذرائع الفتنة بالمرأة من حكمة الله أن ركب في الإنسان شهوة الفرج تركيبا قويا، وجعل لها عليه سلطانَا شديدَا، فإذا ثارت كانت أشد الشهوات عصيانًا على العقل، فلا تقبل منه صرفَا ولا عدلا، إلا من تحجزه التقوى، ويعصمه الله بتوفيقه. والدليل على شدة هذا الميل أن الإنسان يحتمل بكل الرضا مشاق وتكاليف الزوجية وتربية الأولاد، والكد والتعب من أجلهم، بحيث صار الإنسان مسوقا عن طريق تسليط هذه الشهوة إلى التناسل وعمارة الدنيا ليقضي الله أمرًا كان مفعولا. إن المرأة من طبعها استهواءُ الرجل، والسيطرة على مشاعره، وامتلاك حسه ولبه، وفي سبيل إغوائه، ولفت نظره إليها قد تصنع من ألوان الفتن ما يجر إلى المنكر. والإسلام يقدر ما رُكب في طبيعة النوعين من التجاذب الذي يؤدي إلى الافتتان والفساد، فإذا تُرِك الناس لدواعي أهوائهم فسدت الأعراض، وفثست الإباحية. والله عليم بخلقه سواء منهم الرجل أو المرأة أو الشيطان، قال جل وعلا: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: ١٤] ، وقد نبهنا سبحانه إلى أن غاية الشيطان في هذا الباب أن يوقع النوعين في حضيض الفحشاء، لكنه يسلك في تزيينها، والإغراء بها مسلك التدرج والاستدراج عن طريق خطوات يقود بعضها إلى بعض،

стр. 952

أولها النظرة، ثم النظرة تولد خطرة تطرق القلب، فإن دفعها العبد استراح مما بعدها، وإن لم يدافعها قويت، فصارت وسوسة، فكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها، وإلا قويت، وصارت شهوة، فإن عالجها، وإلا صارت إرادة، فإن عالجها، وإلا صارت عزيمة، ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها، وأقترن بها الفعل ولابد) (١) . ولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء من أوله أيسر وأهون من استفراغه بعد حصوله إن ساعد القدر، وأعان التوفيق. ومن هنا قال العليم الخبير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [النور: ٢١] ، ولما أراد الله أن ينهانا عن الفاحشة لم يقل: (ولا تزنوا) ، ولكن قال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) [الإسراء: ٣٢] ، فهذا أبلغ؟ لأنه نهى عن مجرد الدنو منه عن طريق ذرائعه ومقدماته، وقال سبحانه: (تِلْكَ حُدُودُ الله فَلَا تَقْرَبُوهَا) [البقرة: ١٨٧] ، فا بالك بمن يتخطاها؟! ومن أجل ذلك كله كان (الحفاظ على العرض) أحد المقاصد الأساسية العليا للشريعة الإسلامية، والتي تدور حولها جملة كبيرة من الأحكام، مَنْ تأمَّلَها وجد أنها كُلَّها تقود إلى هدفٍ واحد وهو: "منع وقع فاحشة الزنا"؛ - تعظيمًا لحرمات الله. - وصيانة للأعراض. - ومحافظة على النسل. - وتطهيرا للمجتمع من الرذيلة. واتخذت الشريعة في ذلك اتجاهين: الأول: اتجاه وقائي يمنع وقوع الفاحشة عن طريق سد المنافذ المؤدية إليها سدًّا محكمَا.

стр. 953

والثاني: اتجاه علاجي عن طريق فتح أبواب التعفف والحصانة على مصاريعها، وشق الطرق المعبدة الموصلة إلى ما أحَلَّه الله. وهذا نفصله فيما يلي إن شاء الله تعالى. أولاً- الإجراءات الوقائية: تحريم الزنا وبيان أنه خراب للدنيا والدين أجمعت الشرائع السماوية على تحريم الزنا، واعتبرته من أكبر الآثام، وأعظم الجرائم التي تدنس النفس البشرية، وتحول بينها وبس سعادتها وكمالها، ووضعت له أقصى عقوبة في باب العقوبات وأشنعها، وهي الرجم بالحجارة حتى الموت، وتوعدت فاعليها بالعقوبات العاجلة، والعذاب الأليم في الآخرة، واتفقت المذاهب الأخلاقية علي تحريم الزنا واستقبحته، وحكمت عليه بالشناعة القبيحة، وجعلته قب عداد الجرائم الكبرى، قال : (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) [الإسراء: ٣٢] ، والقرآن الكريم يجعل الزنا قرين الشرك والقتل قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)) [الفرقان: ٦٨ - ٧١] عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في صلاة الكسوف: "يا أمة محمد، والله إنه لا احَدَ أَغْيَرُ مِنَ الله، يَزْنِي عَبْدَه، أو تزني أَمَتُهُ، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحِكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرا"، ثم رفع يديه فقال: "اللهم هل بلغت" (١) .

стр. 954

وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولّا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن " (١) . وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان على رأسه كالظلَّة، فإذا أقلع رجع إليه " (٢) . وعن ابن عباس ﵄، قال رسول ﷺ : " إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله " (٣) . وعن ابن عمر ﵄، قال رسول ﷺ : "لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوْا" (٤) .

стр. 955

وعن بريدة مرفوعا: "ما ظهرت فاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت " (١) . وبلغ التنفير من هذه الفاحشة وأهلها أن أم جرَيْج العابد دعت على ابنها أن يعاقبه الله بأن "لا يموت حتى يرى وجوه المياميس " (٢) كما جاء في الحديث، وقد ابتلي بذلك- ﵀ في قصة معروفة، والشاهد منها أن مجرد وقوع العين على هؤلاء الفواحش عقوبة وشر. ولقد جعل الله التعفف عن الزنا، والتصون منه من صفات المؤمنين المفلحين، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)) [المؤمنون: ١ - ٨] ،. وفي قصة يوسف ﵇ أبلغ دليل على فضيلة العفة وحسن عاقبتها. وفي السنة أحاديث كثيرة صحيحة في هذا المعنى: ففي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: فعَدَّ منهم رجلاً "دعته امرأة ذاتُ مَنْصب وجمال، فقال: إنى أخاف الله " (٣)

стр. 956

وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال رسول الله ﷺ : "من يضمنْ لي ما بين رجليه، وما بين لَحْيَيهِ أضمنْ له الجنة" (١) . وفي حديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم صخرة وهم في الغار، فلم يجدوا بُدًّا من التوسل إلى الله بصالح أعمالهم، فاستشفع أحدهم ببره لوالديه، واستشفع الثاني برده أجر عامل كان تركه عنده، فنماه له أضعافًا مضاعفة، واستشفع الثالث بأنه كانت له ابنة عمِّ يهواها، فما زال يراودها عن نفسها، حتى ألمّ بها قحط، فراودها، فخضعت له، فلما تمكن منها، قالت له: اتق الله، ولا تفضَّ الخاتمْ إلا بحقه، فإذا هو يرتعد من خشية الله، وينصرف عنها، ويترك لها الذهب الذي أعطاها ابتغاء وجه الله، فأزال الله الصخرة عن فم الغار بفضل أعمالهم الصالحة (٢) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: كان فيمن كان قبلكم رجل اسمه الكِفْل، وكان لا ينزع عن شيء"- وفي رواية: " كان الكفْل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتى امرأة علم بها حاجه، فأعطاها عطاءً كثيرًا"- وفي رواية: "ستين دينارًا- فلما أرادها على نفسها- ارتعدت، وبكت، فقال؟ ما يُبكيك؟ قالت: لأن هذا عمل ما عمِلته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنتِ هذا من مخافة الله؟ فأنا

стр. 957

أحرى، اذهبي فَلَك ما أعطيتُكِ، ووالله لا أعصيه أبدا، فمات مِن ليلته، فأصبح مكتوب على بابه: إن الله تعالى قد غفر للكفل، فعجب الناس من ذلك، حتى أوحى الله تعالى إلى نبي زمانهم بشأنه " (١) . وقد شدد الله عقوبة الزاني الأثيم المادية والمعنوية، فالعقوبة المادية: العذابّ الأليم بالجلد أو الرجم، والمعنوية: أن لا نرأف به، ولا نشفق عليه حتى يبرأ من جريرته، ويتوب منها، قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)) [النور: ٢، ٣] ،. وقد زادت السنة الشريفة وهي الوحي الثاني بعد القرآن على الحكم بجلد الزاني البكر والزانية البكر مائه جلدة أن يغربا عامًا. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خذوا عنى، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر، جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم (٢) ، ويؤخذ منه أن زنا الثيب أقبح من زنا البكر بدليل اختلاف حديهما. قال أبن القيم ﵀: وخَصَّ سبحانه حَدّ الزنا من بين سائر الحدود بثلاث خصائص:

стр. 958

أحدهما: القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه فقد جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة (١) . الثاني: أنه نهى عباده عن أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم. الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حَدُّهما بمشهد من المؤمنين، فلا يكون في خلوة حيث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد، وحكمة الزجر (٢) اهـ. ويعذب الزناة في قبورهم إلى يوم القيامة على النحو الذي جاء في حديث رؤيا النبي ﷺ التي رأى فيها صورا من عذاب القبر، فقد ذكر ﷺ أنه جاءه جبريل وميكائيل، قال: "فانطلقنا فأتينا على مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوْا- أي صاحوا من شدة حره- فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء هم الزناة والزواني " يعني من الرجال والنساء، فهذا عذابهم في القبر إلى يوم القيامة

стр. 959

نسأل الله العافية، وفي رواية: "فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نارا، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة " وفي نهاية الحديث: "والذي رأيته في الثقب فهم الزناة" (١) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يلج الناسُ به النار، فقال: "الأجوفان الفم والفرج " (٢) . وعن أبي بَرزة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أكثر ما أخاف عليكم شهوات الغَيّ، وبطونكم، وفروجكم، ومُضِلات الفتن" (٣) . والزنا له مراتب، فهو بأجنبية لا زوج لها عظيم، وأعظم منه بأجنبية لها زوج، وأقبح منه: زوجة الجار: عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: قا! ل رسول الله ﷺ لأصحابه: "ما تقولون في الزنا؟ " قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال ﷺ لأصحابه: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من

стр. 960

أن يزني بامرأة جاره " (١) . وعن ابن مسعود ﵁ قال؟ سألت رسول الله ﷺ : "أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك "، قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك " (٢) ، الحديث. وعن بريدة ﵁ مرفوعًا: " حُرمَةُ نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، ما من رجل من القاعدين يخلف وجلا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى"، ثم التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: "فما ظنكم؟ " وزاد النسائي قوله: "أترون يدع له من حسناته شيئًا؟ " (٣) . ثم إن زنا الشيخ- لكمال عقله- أقبح من زنا الشاب: فعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، ومَلِك كذاب، وعائل مستكبر" (٤) .

стр. 961

ومن مفاسد الزنا وعواقبه الوخيمة: أنه يعمي القلب، ويَطْمس نوره، وأنه يُحَقِّر النفسَ، ويقمعها، ويُسْقِطُ كرامة الإنسان عند الله وعند خلقه، وأنه يؤثر في نقصان العقل، وأنه يمحق بركة العمر، ويضعف في القلب تعظيم الله، ويوجب الفقر، ويكسو صاحبه سواد الوجه، وثوب المقت بين الناس، ومن خاصيته أيضًا أنه يشتت القلب، ويمرضه، ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك، ويقربه من الشيطان. فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدة الزنا، ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها، ولو بلغ العبدَ أن امرأة من نسائه قُتِلَتْ لكان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زَنَت. وبما أن الجزاء من جنس العمل، فقد ينتقم الله من الزاني بأن يسلط على عرضه من لا يتقي الله فينال منه، كما فعل هو بعرض غيره، قال الشاعر: يا هاتكًا حرمَ الرجال وتابعا ... طرقَ الفساد فأنت غير مكرمِ من يَزْنِ في قوم بألفي دِرْهَم ... في أهلهِ يُزْنَى بربع الدرهم إن الزنا دَيْن أذا استقرضته ... كان الوفا من أهل بيتك فاعلم (١) وقد وصف بعضهم آثار هذه الفاحشة المدمرة فقال: "عارُه يهدِمُ البيوتَ الرفيعة، ويطأطئ الرؤوسَ العالية، وُيسَوِّدُ الوجوهَ البيض، ويصبغ بأسودَ من القارِ أنصع العمائم بياضًا، ويُخْرِسُ الألسنةَ البليغة، وَيُبَدّلُ أشجع الناس من شجاعتهم جبنا لا يدانيه جبن، ويهوى

стр. 962

بأطول الناس أعناقا، وأسماهم مقامًا، وأعرقهم عِزا إلى هاوية من الذل والازدراء والحقارة ليس لها من قرار. وهو أقدر أنواع العار على نزع ثوب الجاه مهما اتسع، ونباهة الذكر مهما بعدت، وإلباس ثوب من الخمول ينبو بالعيون عن أن تلفت إلى من كان في بيوتهم لفتة احترام، وهو- أي الزنا- لطخة سوداء إذا لحقت تاريخ أسرة غمرت كل صحائفه البيض، وتركت العيون لا ترى منها إلا سوادًا حالكًا. وهو الذنب الظلوم الذي إن كان في قوم لا يقتصر على شَيْن مَنْ قارفته من نسائهم، بل يمتد شينه إلى من سواها منهم، فيشينهن جميعا شينا يترّك لهن من الأثر في أعين الناظرين ما يقضي على مستقبلهم النسوي، وهو العار الذي يطول عمره طولا، فقاتله الله من ذنب، وقاتل فاعليه " (١) . وقال ابن القيم ﵀: ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار عل أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس، وإن حملت من الزنا: فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل، وإن أبقته حملته على الزوج فأدخلت على أهلها وأهله أجنبيًا ليس منهم، فورثهم وليس منهم، ورآهم، وخلا بهم، وانتسب إليهم وليس منهم، وأما زنا الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضًا، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضها للتلف والفساد، ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين " (٢) . عود لى بدء يعتبر إصلاح القلب، وتطهيره، وتعميره بتقوى الله ومراقبته

стр. 963

أعظم رادع عن المعاصي، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه " (١) الحديث، وقال ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب " (٢) . ومن هنا كانت التربية الإيمانية، والتوجيه الواعي، ولزوم الجماعة الصالحة، واجتناب صحبة الفاسقين والبطالين، من وسائل الإسلام في محاربة الرذيلة، واستئصال شأفتها. غير أن الشريعة المطهرة لم تكلنا فقط إلى الضمائر التي قد تهن، والنفوس التي قد تضعف، ولكنها حددت إجراءات ترد هذه الضمائر إلى الاستقامة إذا نزعت إلى التمرد، ولم ترتدع بوازع الإيمان والتقوى، وتروض هذه النفوس إذا استشرفت للفتن، وتعيدها إلى الجادة، وقد ذكرنا طرفا من هذه الإجراءات، ونردف بجملة أخرى من الإجراءات الوقائية ضد الفاحشة، فمن ذلك: أن الله سبحانه منع الزواج ممن عُرف- أو عرفت- بالفاحشة إذا لم يتب فقال سبحانه: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)) [النور: ٣] ، أخذَا بالحيطة؛ إذ من اعتاد الفاحشة لا يأمن أن يعاودها. حرَّم البذاء، ومنع الفحش في القول، وكره التلفظ بالسوء: قال : (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) [النساء: ١٤٨] ،

стр. 964

وقال: ليس المؤمن بالطعَّان، ولا باللعان، ولا الفاحش ولا البذيء" (١) . * وحرم أن يُظَنَّ بمؤمن سوء. وأوجب على المؤمن إذا سمع عن أخيه سوءًا أن يظن به البراء من الإثم، والطهارة من السوء كما هو طاهر وبريء، قال الله تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)) [النور: ١٢ - ١٤] ، والقصد من وراء هذا عدم السماح للفاحشة أن تظهر، ولو على ألسنة المتكلمين، أو في أذهان السامعين تركيزا للطهارة وتثبيتَا لها في جو البلاد والعباد، وفي هذا من معنى محاربة الفاحشة- بالوقاية مالا يخفى على عاقل. * وحرم قذف المؤمن أو المؤمنة بالفاحشة، ووضع لذلك عقوبة زاجرة: (الجلد ثمانين جلدهّ) ، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: ٤، ٥] وعليه فمن قذف امرأة مؤمنة عفيفة اْو مؤمنًا عفيفَا بكلمة الفاحشة،

стр. 965

وجب عليه أن يحضر أربعة شهود على صحة ما قاله، أو يجلد حدا على ظهره ثمانين جلدة، مع إسقاط عدالته حتى يتوب توبة نصوحا. وحرم مجرد حب إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور: ١٩] ، يردُّ على من يتصاغر هذا الأمر، ويقول في نفسه: كيف تعظم العقوبة لمجرد حب الفاحشة وظهورها وإن لم يعمل على ظهورها؟ فنبه إلى أن مجرد حب الفاحشة عمل على إيجادها وانتشارها، وإن الفاحشة البغيضة يجب أن تطارد من القلوب والنفوس قبل أن تطارد من العضلات والحركات. ومن إجراءات الإسلام في هذا الشأن تحريم التحدث بما يكون بين الزوجين متعلقا بالوقاع ونحوه (٢) . * حظر على الرجل أن يغيب عن زوجه مدة طويلة. قال تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)) [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٨] ، فإذا حلف الرجل ألا يطأ زوجته أربعة أشهر فأكثر كان موليا، فإما أن يرجع في تلك المدة فيطؤها، ويكفر عن يمينه، وإلا تطلق منه بمجرد مضي المدة حتى لا تتضرر الزوجة. ومن أعظم التدابير الوقائية في هذا الباب: فرض الحجاب على النساء، واعتبار قرارهن في البيت هو الأصل

стр. 966

الأصيل في دائرة عملهن، قال ﷺ : "والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسئولة عن رعيتها" (١) ، وما عداه استثناء، ثم إن هي خرجت تخرج محجوبة، لا تخالط الرجال، وبشروط أخرى جِماعها: حمايتها، وحماية المجتمع من الافتتان بها. * عن ابن مسعود ﵁ قال: "إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس، فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتِهِ، وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها" (٢) . * ومن ذلك أيضَا: تحريم التبرج، وإظهار الزينة، والتجمل للفت نظر الأجانب، قال تعالى: (وَقَرن فِي بيُوتكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرجَّ الجاهِلِيَّةِ اَلأُولَى) [الأحزاب: ٣٣] . ء ومنها!: تشريع الاستئذان: فقد حرم الله الدخول إلى البيوت إلا بعد الإذن، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا

стр. 967

حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) [النور: ٢٧-٢٨] . ووضحت السنَّة الهدف من الاستئذان، وهو خشية أن تقع عين آثمة على عورة غافلة، فتلد تلك النظرة الخاطفه فاحشة فاضحة، لا قِبَلَ بتحملها. فعن سهل بن سعد ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر". وعنه ﵁ قال: اطَّلع رجل من ثقب في حجرة النبي ﷺ ، ومعه مِدْرَى- مشط كبير من حديد - يحك به رأسه، فقال النبي ﷺ : "لو علمت أنك تنظر، لطعنت به عينيك، إنما جُعِل الإذن من أجل البصر" (١) . وهذا المسلك يدل على مبلغ عناية الإسلام بصيانة البيوت، وحفظها من النظر إلى ما فيها، فقد يقع البصر على شيء يكره أهل البيت اطلاع أحد عليه، ولولا الاستئذان لتعرضت البيوت إلى انكشاف العورات. * وهده طريقة النبي ﷺ في الاستئذان: * عق عبد الله بن بُسْر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ع ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر؟ فيقول: "السلام عليكم.. السلام عليكم " (٢) ذلك أن الدُّور لم يكن عليها يومئذ ستور) .

стр. 968

وهذا ما صنعه الصحابة رضوان الله عليهم: فقد ثبت أِن عمر ﵁ قال لأُبي بن كعب ﵁: ما منعك أن تأتينا؟، فقال: أتيت فسلمت على بابك ثلاث مرات، فلم تردَّ عليّ، فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له، فليرجع " (١) . * ولابد أن يُعَين المستأذِنُ اسمه، ليؤذن له أم لا، فربما يكون شخصا غير مرغوب فيه، أو ربما يكون أهل البيت على حالة لا تخول لهم استقبال الزائرين، فعن جابر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فدققت الباب، فقال: "من ذا؟ " فقلت: أنا، فقال: "أنا، أنا؟! " كأنه كرهها (٢) . - وتبلغ عناية الإسلام بأدب الاستئذان آفاقًا لا تُطاول، ودرجة من الخلق الكريم، الذي لم تعرف الدنيا له مثيلًا، فلم يخول للابن أن يدخل على أمه أو أخته دون استئذان. رُوي في حديث عطاء بن يسار أن رجلا قال للنبي ﷺ : أسْتَأذِنُ على أمي؟ فقال: "نعم "، فقال: إني معها في البيت؟ فقال رسول الله ﷺ : "استأذن عليها"، فقال الرجل: إني خادمها، فقال رسول الله ﷺ : "استأذن عليها، أتحب أن تراها عُريانة؟ "، قال: لا، قال: "فاستأذن

стр. 969

عليها" (١) . فهذه الآداب تبرز لنا مدى عناية الإسلام بحرمة البيوت، وكيف أعطاها التشريع الإلهي من القداسة ما يجعلها في مأمن من الشكوك والريب، وفي حصانة من جراثيم الفساد، وعوامل الانهيار (٢) . * ومنها الأمر بغض البصر: قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) [النور: ٣٠، ٣١] الآيتان. فالله سبحانه يعلم مدى تأثير النظرة المحرمة في القلب، وما تحدثه من تحويل النفس إلى بركان، وما تحركه من الاندفاع نحو المرأة، والواقع يصدق ذلك، فكم من نظرة محرمة أودت بصاحبها إلى الوقوع في المعصية، وفتنةِ الرجل بالمرأة، وفتنةِ المرأة بالرجل. وقد قرن الله الأمر بغض البصر بالأمر بحفظ الفرج لأن غض البصر هو السبيل لحفظ الفرج (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) .

стр. 970

وقد تقع النظرة الخائنة دون أن يراها أحد، ومن ثم جاء ختام الآية بعلم الله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فقال : (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) . وقال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) [غافر ١٩] ،قال ابن عباس ﵄: "هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء أو تمر به، فإذا غَفَلوا لَحَظَ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غَفَلوا لَحَظ، فإذا فطنوا غَضَّ "، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود لو اطَّلع على فرجها وأن لو قدر عليها فزنى بها (١) . وقال سفيان الثوري: الرجل يَكون في المجلس في القوم يسترق النظر إلى المرأة تمر بهم، فإن رأوه ينظر إليها اتَّقاهم فلم ينظر، وإن غَفَلوا نظر، هذا خائنة الأعين (وَمَا تخفِى ألصُدُورُ) قال: ما يجد في نفسه من الشهوة (٢) . وعنه رحمه الله تعالى أنه قال في قوله تعالى: (يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ) وهي النظرة بعد النظرة (٣) . فإن النظرة، الأولى تكون وليدة المفاجأة فلا مؤاخذة عليها، وإذا وقعت

стр. 971

فعلى الناظر ألا يُعْقِبَها بأخرى، وعليه أن يُحَوّلَ بصره إلى الأرض، أو إلى جهة أخرى. فعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة" (١) . وعن جرير بن عبد الله قال: "سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري " (٢) . وعلى من يرى رجلًا يترصد امرأة لينظر إليها أن ينصحه، ويرشده إلى غض البصر. فعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كان الفضل ابن عباس رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر" (٣) . ومنها تحريم مس الأجنبية ومصافحتها: وإذا كان الإسلام يطارد الحرام أنى وجد، ويترصد المنكر حيثما كان ليقضي عليه، فلمس المرأة باليد يحرك كوامن النفس، ويفتح أبواب الفساد، ويسهل مهمة الشيطان، من أجل ذلك توعد الله من يفعل ذلك بصارم عقابه، وشديد عذابه.

стр. 972

* فعن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له " (١) ، وإذا كان هذا في مجرد المس إذا كان بغير شهوة، فما بالك بما فوقه؟! * وعن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : "كُتبَ على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجْلُ زناها الخطا، والقلب يهوي ويتمنى، وَيُصَدقُ ذلك الفرجُ ويكذبه" (٢) والشاهد قوله ﷺ : "واليد زناها البطش " وهو المس باليد بأن يمس امرأة أجنبية بيده. ومن تساهل في مصافحة النساء، واحتج بطهارة قلبه، وسلامة نيته، وأنه لا يتأثر بذلك، فإنه ينادي على نفسه بنقص الرجولة، وهو كذاب في دعواه طهارة قلبه وسلامة نيته، وهذا أطهر ولد آدم ﷺ وأخوفهم لله، وأرعاهم لحدوده، يقول وهو المعصوم: "لا أمس أيدي النساء" (٣) ، ويقول: "إني لا أصافح النساء" (٤) ، ويمتنع من ذلك حتى في وقت البيعة الذي يقتضي عادة المصافحة، فكيف يباح لغيره من الرجال مصافحة النساء مع أن الشهوة فيهم غالبة، والفتنة غير مأمونة، والشيطان يجري منهم مجرى الدم؟! كيف وقد قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ

стр. 973

حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (٢١)) [الأحزاب ٢١] . وعن عائشة ﵂: "وما مستا يَدُ رسولِ الله ﷺ يَدَ امرأة إلا امرأة يملكها" (١) أي يملك نكاحها. * ومن ذلك تحريم الخلوة بالأجنبية: وحقيقة الخلوة أن ينفرد رجل بامرأة في غيبة عن أعين الناس. إن الخلوة بالأجنبية من أعظم الذرائع، وأقرب الطرق إلى اقتراف الفاحشة الكبرى. وقد صرح القرطبي رحمه الله تعالى بأن الخلوة بغير محرم من الكبائر،

стр. 974

ومن أفعال الجاهلية (١) . وقال مجاهد في قوله تعالى: (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعرُوفٍ) [الممتحنة: ١٢] ،: لا تخلو المرأة بالرجال، ذكره البغوي في تفسيره، وذكره أيضًا عن سعيد بن المسيب، والكلبي، وعبد الرحمن بن زيد أنهم قالوا: لا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر إلا مع ذي محرم. إن خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية مدرجة الهلاك، وداعية الإثم والفجور، وكيف لا يكون ذلك، والفرصة سانحة، وقد مهدت الخلوة للغريزة ألن تستيقظ؟ وإذ كان الفعل يمر بمراحل ثلاث: * مرحلة النزوع والرغبة في الفعل. * ثم مرحلة الوجدان، فيجد الشخص، ويعزم علي الفعل. * ثم تأتي المرحلة الثالثة والأخيرة، وهي مرحلة التنفيذ. أما في هذا الباب، فالكائن البشري حين تتقد فيه نار الشهوة، ويستيقظ فيه الحيوان، تراه يندفع إلى الفعل إن لم تحجزه التقوى والخوف من الله . ومن ثم رأينا القرآن الكريم ينهى عن الاقتراب من أسباب الزنى، فيعالج هذه الجريمة الخلقية بحجز النفس عن أسبابها، فيقول تعالى: (وَلَا تَقربُوأ الزِّنَى) الآية [الإسراء: ٣٢] ،، بينما يعالج جريمة القتل بتوجيه النهي إلى الفعل نفسه، وهو جريمة بشعة؟ إذ ليس بعد الشرك بالله أعظم ولا أكبر من القتل،- ولكن النفس بطبيعتها تأباه وتنكره، قال : (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء: ٣٣] ) ،. وهذا يرينا إلى أيِّ حَد يسد الإسلام على هذه الجريمة كل منفذ، ويحجز النفس عن أسبابها.

стр. 975

وقد نهى رسول الله ﷺ عن الخلوة بالأجنبية، وشدَّد في ذلك، والأحاديث في ذلك كثيرة منها: حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: "لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم " (١) الحديث. ومنها: حديث عامر بن ربيعة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان " (٢) الحديث، وهذا يعم جميع الرجال ولو كانوا صالحين أو مسنين، وجميع النساء ولو كن صالحات أو عجائز. ومنها: حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان " (٣) . وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ نهانا أن ندخل على المُغِيبات" (٤) . وعنه ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن (٥) .

стр. 976

وقال ﷺ : "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان " (١) . وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم " (٢) . وقد تكون القرابة إلى المرأة أو زوجها سبيلًا إلى سهولة الدخول عليها أو الخلوة بها، كابن العم وابن الخال مثلا، ولذلك حذرنا النبي ﷺ من ذلك لأنه من مداخل الشيطان، ومسارب الفساد. فعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والدخول على. النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت " (٣) ، والحمو هو قريب الزوج الذي لا يحل للمرأة، فبيَّن النبي ﷺ أنه يفسد الحياة الزوجية كما يفسد الموت البدن. وقد حكى الإجماعَ كل تحريم الخلوة بالأجنبية غير واحد من العلماء منهم النووي، وابن حجر العسقلاني. قال النووي ﵀: وكذا لو كان معهما من لا يستحيا منه لِصِغَره كابن سنتين، وثلاث، ونحو ذلك، فإن وجوده كالعدم، وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام (٤) اهـ.

стр. 977

قال الأبي ﵀: لا تعرض المرأة نفسها بالخلوة مع أحد، وإن قل الزمن، لعدم الأمن لا سيما مع فساد الزمن، والمرأة فتنة إلا فيما جُبلت عليه النفوس من النفرة من محارم النسب (١) اهـ. لا يأمنن على النساء أخ أخًا ... مافي الرجال على النساء أمين إن الأمين وإن تعفف جهده ... لابد أن بنظرة سيخون * ومن ذلك: أنه حَرَّم سفر المرأة بغير محرم: فإن المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد تقي- نفسها، لضعفها ونقصها، ولا يغار عليها مثل محارمها، الذين يرون أن النيل منها نيل من شرفهم وعرضهم، وسفرها بدون محرم يعرضها إلى الخلوة بالرجال ومحادثتهم، وقد يطمع فيها من في قلبه مرض، وربما سهل خداع المرأة، وربما يعتريها مرض، وإذا سلمت من كل هذا فلن تسلم من القيل والقال إذا سافرت بدون محرم يصونها ويرعاها. عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب، يقول: "لا يخلون وجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " (٢) ، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجَّة،

стр. 978

وإني اكْتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا؟ قال: "انطلق فَحُجَّ مع امرأتك " (١) . قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: النساء لحم على وَضَم (٢) إلا ما ذُبَّ عنه، كُلُّ أحدٍ يشتهيهن وهن لا مدفع عندهن، بل ربما كان الأمر إلى التخلي والاسترسال أقرب من الاعتصام، فحض الله عليهن بالحجاب، وقطع الكلام، ومباعدة الأشباح، إلا مع من يستبيحها وهو الزوج، أو يمنع منها وهم أولو المحرمية، ولما لم يكن بدٌّ من تصرفهن أذن لهن فيه بشرط صحبة من يحميهن، وذلك في مكان المخالفة وهو السفر مقر الخلوة، ومعدن الوحدة (٣) اهـ. وقال النووي ﵀: المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كبيرة، وقد قالوا: "لكل ساقطة لاقطة"، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطتهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته وحيائه (٣) اهـ. فتبُّا لهؤلاء المستغربين، وسحقا سحقًا لعبيد المدنية الزائفة الذين أطلقوا لبناتهم ونسائهم العنان يسافرن دون محرم، ويخلون بالرجال الأجانب، مُدَّعين أن الظروف تغيرت، وأن ما اكتسبته المرأة من التعليم، وما أخذته من الحرية يجعلها موضع ثقة أبيها وزوجها، فما هذا إلا فكر خبيث دَلَفَ إلينا ليفسد حياتنا، وما هي إلا حجج واهية ينطق بها الشيطان على ألسنة هؤلاء الذين انعدمت عندهم غيرة الرجولة والشهامة فضلًا عن كرامة المسلم ونخوته.

стр. 979

ومَثَل الذين يتهاونون في الخلوة والاختلاط الآثم بدعوى أنهم رُبّوا على الاستجابة لنداء الفضيلة ورعاية الخُلُق، مَثَلُ قوم وضعوا كمية من البارود بجانب نار متوقدة، ثم ادعوا أن الانفجار لا يكون لأن على البارود تحذيرًا من الاشتعال والاحتراق.. إن هذا خيال بعيد عن الواقع، ومغالطهْ للنفس، وطبيعة الحياة وأحداثها (١) . * ومنها تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة: فمن المعلوم أن من دواعي فتنة الرجل بالمرأة، ونزوعه إليها ما يشم منها من الطيب الذي يفوح شذاه فيجر إلى الفتنة، ويكون رسولًا من نفس شريرة إلى نفوس أخرى شريرة. قال ﷺ : "أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية" (٢) ، وقال رسول الله ﷺ : "كل عين زانية، وإن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا، يعني زانية" (٣) ، وقال ﷺ : "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا" (٤) .

стр. 980

ولا ضير على المرأة أن تستعطر في بيتها ولزوجها، بشرط أن لا تغشى به مجالس الرجال؟ لأن الطيب من ألطف وسائل المخابرة والمراسلة، والحياء الإسلامي يبلغ من رقة الإحساس أن لا يحتمل حتى هذا العامل اللطيف الخفي. خرجت امرأة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ متطيبة، فوجد ريحَها، فعلاها بالدرة، ثم قال: "تخرجن متطيبات، فيجد الرجل ريحكن؟ وإنما قلوب الرجال عند أنوفهم، اخرجن تَفِلات " (١) . * ومنها تحريم الخضوع بالقول: فقد يكون صوت المرأة رخيمًا، يحرك النفوس المريضة، فيجرها إلى التفكير في المعصية، أو يوقعها ويوقع بها في بلية العشق، قال بشار: يا قومِ أُذْني لبعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ ... والأذْنُ تَعْشَقُ قبلَ العينِ أحيانا ومن هنا نهيت المرأة عن مخاطبة الأجانب بكلام فيه ترخيم كما تخاطب زوجها، وأمرت أن تتحرى الصوت الجاد العاري عن أسباب الفتنة، ولم يخول لها الإسلام إذا نابها شيء في الصلاة أن تسبح كالرجال، بل عليها أن تصفق، وهي في الحج لا ترفع صوتها بالتلبية، ولا يشرع لها أن تؤذن للصلاة في المسجد، ولا أن تؤم الرجال. وقد سدَّ الإسلام على المرأة كل سبيل للتسيب في هذا الباب حينما جعل أمهات المؤمنين " محلا للقدوة، فلم يبق هناك عذر لمعتذر، قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب: ٣٢] ) ، وقال ﷺ : "والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام " (٢) . وفي رواية: "والأذن تزني، وزناهما السمع ".

стр. 981

ومن أعظم وسائل الإسلام لتجفيف منابع الفتنة بالمرأة: * تحريم الاختلاط المستهتر: تعريف الاختلاط المستهتر: هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعًا يؤدي إلى ريبة، أو: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد. وقد حذر القرآن الكريم من هذا الاختلاط كما في قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: ٣٣] ) ، فخير حجاب للمرأة بيتها، وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣] ) ، إلى غير ذلك من الآيات. * وقال ﷺ : "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها" (١) . وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول- وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق: "استأخِرن، فليس لكن أن تَحْقُقْنَ (٢) الطريق، عليكن بحافات الطريق "، فكانت المرأة تلصَقُ بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به (٣) . وقد أفرد ﷺ في المسجد بابا خاصا للنساء يدخلن ويخرجن منه، لا يخالطهن

стр. 982

ولا يشاركهن فيه الرجال: فعن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لو تركنا- هذا الباب للنساء؟ " قال نافع: فلم يدخل منه ابنُ عمر حتى مات (١) . وعن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: "كان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى أن يُدْخَلَ المسجدُ من باب النساء" (٢) . ومن ذلك: تشريعه للرجال إمامًا ومؤتمين أن لا يخرجوا فور التسليم من الصلاة إذا كان في الصفوف الأخيرة بالمسجد نساء، حتى يخرجن، وينصرفن إلى دورهن قبل الرجال، لكي لا يحصل الاختلاط بين الجنسين- ولو بدون قصد- إذا خرجوا جميعا. قال أبو داود في "سننه": (باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة) ثم ساق حديث أم سلمة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا سلم مكث قليلا، وكانوا يرون أن ذلك كيما يَنفُذَ النساء قبل الرجال " (٣) . ورواه البخاري أيضًا وفيه: قال ابن شهاب: (فنُرى والله أعلم- لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن مَن انصرف من القوم) (٤) أي الرجال.

стр. 983

* وعن أم سلمة ﵂ قالت: "كان يسلم فينصرفُ النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أّن ينصرف رسول الله ﷺ . وروي النسائي: "أن النساء كن إذا سلمن قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومَن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال " (٢) . قال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث ... كراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلًا عن البيوت) اهـ (٣) . * وعن أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، فقال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي " (٤) . * وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتُهن خير لهن" (٥) . * وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" (٦) ، وهذا

стр. 984

كله في حالة العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه. * وعن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس ﵄ قيل له: أشهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغَر ما شهدتُه، حتى أتى العَلَم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن، وذكَرهن، وأمرهن بالصدقة (١) الحديث. قال الحافظ ابن حجر: قوله: "ثم أتى النساء" يشعر بأن النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم، قوله: "ومعه بلال " فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم أن لا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهدٍ ونحوه؟ لأن بلالا كان خادم النبي ﷺ ، ومتولي قبض الصدقة، وأما ابن عباس فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب صغره اهـ (٢) . * وعن ابن عباس ﵄ قال: "شهدت الفطر مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ يصلونها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد، خرج النبي ﷺ كأني أنظر إليه حين يُجَلِّس بيده، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء" (٣) الحديث. وفي رواية مسلم: " يُجَلِّس الرجال بيده" وذلك كي لا يختلطوا بالنساء.

стр. 985

* ولقد حرصت الصحابيات علي عدم الاختلاط حتى في أشد المساجد زحاما، وفي أشد الأوقات زحامًا، في موسم الحج بالمسجد الحرام: (فعن ابن جريج قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساءَ الطوافَ مع الرجال، قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟) أي غير مختلطات بهن (قال: قلت: أَبَعْدَ الحجاب أو قبلُ؟ قال: أي لَعمري، لقد أدركتهُ بعد الحجاب، قال: قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يَكُنَّ يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف. حَجْرَةً) بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها راء أي ناحية، يقال: نزل فلان حجرة من الناس أي معتزلا، وفي رواية: "حجزة" بالزاي يعني مجوزًا بينها وبين الرجال بثوب (من الرجال، لا تخالطهم، فقالت امرأة: "انطلقي نستلم يا أم المؤمنين "، قالت: " انطلقي عنكِ "، وأبت، يخرجن متنكرات بالليل، فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن) أي وقفن حتى يدخلن حال كون الرجال مخرجين منه (حتى يدخلن، وأخْرِج الرجال) (١) . ودخلت على عائشة ﵂ مولاة لها، فقالت لها: يا أم المؤمنين، طفت بالبيت سبعا، واستلمت الركن مرتين أو ثلاثًا، فقالت لها عائشة ﵂: "لا آجركِ الله، لا آجركِ الله، تدافعين الرجال؟! ألا كبرتِ ومررتِ؟! " (٢) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلا معهن فضربه بالدرة (٣) .
следующие страницы →