الجر١ وهو مذهب الأخفش٢. ٣٥/ب والله أعلم.
ص: الخامس المفعول معه، وهو الاسم الفضلة التالي واو المصاحبة مسبوقا بفعل أو ما فيه معناه وحروفه، كسرت والنيلَ وأنا سائر والنيلَ.
ش: الباب الخامس من المنصوبات باب المفعول معه، وهو آخر المفاعيل الخمسة، وجُعل آخرها للتردد في كونه قياسيا أو سماعيا٣.
ولكون العامل لا يصل إليه إلا بواسطة الواو ذكره المصنف٤.
وحدّه بقوله: (الاسم الفضلة) إلى آخره.
فالاسم كالجنس، والفضلة مخرج للعمدة.
وقوله: (التالي واو المصاحبة) يخرج غيره من المفاعيل، فإنه ليس شيء منها بعد الواو.
ومعنى المصاحبة كونه مشاركا لذلك المعمول الذي قبل الواو في ذلك الفعل في وقت واحد.
стр. 422
[ف (زيد) في] ١ قولك: سرتُ وزيدًا مشارك للمتكلم٢ في السير في وقت واحد، أي وقع سيرهما معا.
وفي قولك: سرت أنا وزيدٌ بالعطف مشارك٣ في السير، لكن لا يلزم كون سيرهما في وقت واحد.
وقوله: (مسبوقة) أي واو المصاحبة.
وقوله: (بفعل) إلى آخره مخرج٤ لنحو (هذا لك وأباك) ٥ فلا يتكلم به بالنصب، وأما بالجر٦، بدون إعادة الجار ففيه الخلاف الآتي في باب العطف٧.
وقوله: (كسرت والنيل) مثال للفعل.
وقوله: (وأنا سائر والنيل) مثال لما فيه معنى الفعل وحروفه.
стр. 423
فإن قيل: فقد قالوا: (ما أنت وزيدا) ١ و (كيف أنت وزيدا) ٢ فنصبوه على المفعول معه مع عدم الفعل والاسم الذي بمعناه وحروفه.
فالجواب أن الفعل موجود تقديرا، لأن (أنت) فاعل بفعل محذوف، والتقدير: ما تكون٣ وكيف تصنع٤ ثم حذف الفعل وحده فبرز الضمير وانفصل.
فإن قيل: مثل ذلك في نحو (هذا لك وأباك) ٥ ويتكلم به بالنصب على المفعول معه، ويراعى فيه٦ التقدير كما روعي في قولهم: (مالك ٣٦/أ
стр. 424
وزيدا) ١ حيث أوجبوا فيه النصب على المفعول معه.
فالجواب٢ الفرق بينهما قوة الداعي إلى تقدير الفعل في (مالك وزيدا) بسبب تقديم (ما) الاستفهامية التي هي بالأفعال أولى. وتأخر الجار والمجرور لاقتضائه ما يتعلق به وجوبا، فصار كأنه مذكور، ولم يوجد في نحو (هذا لك) إلا داع واحد، وهو تأخر الجار والمجرور، ولا يلزم من اعتبار أمر عند قوة الداعي إليه اعتباره عند عدم قوته٣.
فائدة:
العامل في المفعول معه ما سبقه من فعل أو شبهه٤.
وقال الجرجاني٥: الواو٦.
стр. 425
وقال الزجاج١: العامل فيه محذوف، والتقدير (سرت٢ ولابست النيلَ) فيكون حينئذ مفعولا به.
وقال الكوفيون٣: هو منصوب على الخلاف٤.
فيكون العامل فيه معنويا.
والأولى إحالة العامل٥ على اللفظي ما لم يُضطر إلى المعنوي٦.
ص: السادس المشبّه بالمفعول به، نحو زيدٌ حسن وجهَه، وسيأتي.
ش: السادس من المنصوبات المنصوب على التشبيه بالمفعول به.
وهو معمول الصفة المشبهة باسم الفاعل.
وهي الصفة التي استُحسنت إضافتها لفاعلها في المعنى ك (حسن الوجه) و (طاهر العِرض) ٧.
стр. 426
فخرج نحو (زيد ضارب أبوه عمرا) فليس منها١.
لأنه يمتنع أن يقال فيه: (ضارب أبيه) لالتباسه بالمفعول به٢ ونحو (زيد كاتبٌ أبوه) فإنه لا يحسن فيه إضافة (كاتب) إلى (الأب) وإن فات اللبس٣.
وسبب عدم حسن ذلك أن الصفة لا تضاف لمرفوعها حتى يقدر تحويل٤ إسنادها عنه إلى ضمير موصوفها.
والدليل على ذلك أمران:
أحدهما: أنهم لو لم يقدّروا ذلك لزم إضافة الشيء إلى نفسه٥.
والثاني: أنهم يؤنثون٦ الصفة في نحو (هند حسنة الوجه) فحينئذ لم يحسن أن يقال: (كاتب الأب) لأن من كتب أبوه لان يصح إسناد الكتابة
стр. 427
إليه وحسن أن يقال: (حسن الوجه) لأن من حسن وجهه صح١ إسناد الحسن إلى جملته، / فيقال: (زيد حسن) فيكون في (حسن) ضمير عائد على (زيد) هو فاعل، ويصح لك حينئذ أن تذكر بعده٢ (الوجه) أو (وجهه) منصوبا٣.
ولا يصح أن يكون تمييزا٤ لتعريفه، فيكون منصوبا على أنه مشبه بالمفعول به، لأن عامله وهو الصفة وإن كان قاصرا٥، شُبّه باسم فاعل الفعل المتعدي.
ووجه الشبه بينهما الوصفية وقبول التثنية والجمع والتأنيث وطلب كل منهما بعد استيفاء فاعله ما بعده٦.
ص: السابع الحال، وهو وصف فضلة مسوق لبيان هيئة صاحبه أو تأكيده أو تأكيد عامله٧ أو مضمون الجملة قبله، نحو ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ٨ ﴿لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ
стр. 428
جَمِيعاً﴾ ١ ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً﴾ ٢ ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ ٣ وقوله ٤: أنا ابن دارة معروفا بها نسبي.
ش: السابع من المنصوبات الحال، وهي٥ قسمان:
مؤسِّسة، وهي مالا يستفاد معناها٦ بدونها.
ومؤكِّدة، وهي بخلاف ذلك، أي ما استفيد معناها من غيرها٧.
وكان الأحسن تقسيمها وإفراد٨ كل قسم بحدّ.
لكن المصنف كثيرا ما يراعى الاختصار، ويحدّ الشيء المختلف الأقسام بحد واحد ويأتي فيه ب (أو) الدالة على تنويع المحدود وانقسامه، ومنه ما ذكره في هذا المحل.
فقوله: (وصف) كالجنس، يدخل فيه الخبر في نحو (زيد قائم) والمبتدأ ك (القائم أخوك) والنعت في (جاءني رجلٌ راكبٌ) والتمييز في نحو (لله دَرّه٩ عالماً)
стр. 429
ويخرج به (القهقرى) ١ في نحو (رجع زيد القهقرى) فإنه ليس بوصف.
وقوله: (فضلة) كالفصل مخرج للخبر والمبتدأ.
وقوله: (مسوق) إلى آخره فصل أخرج به النعت والتمييز المذكورين، فإن النعت مذكور لتخصيص المنعوت، والتمييز لبيان جنس المتعجب منه٢ وبيان الهيئة وقع بهما ضمنا لا قصدا٣.
وقوله: (هيئة صاحبه أو تأكيده) بيان لأنواع الحال٤، وهي كما تقدم مؤسِّسة وهي المسوقة لبيان هيئة ٣٧/أصاحبها.
ومؤكِّدة وهي أنواع:
مؤكِّدة لصاحبها، ومؤكِّدة لعاملها، ومؤكِّدة لمضمون جملة قبلها.
مثال المبيِّنة للهيئة ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ٥ ومثله قولك: جاء زيدٌ راكباً.
ومثال المؤكِّدة لصاحبها قوله تعالى: ﴿لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ ٦.
стр. 430
ومثال المؤكِّدة لعاملها قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا﴾ ١ وقوله٢ ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ ٣.
وذكر لها المصنف هذين المثالين إشارة إلى أن المؤكدة لعاملها قد تكون مؤكِّدة له معنى فقط، كالمثال الأول٤، أو لفظا ومعنى كالمثال الثاني.
ومثال المؤكِّدة لمضمون الجملة قولك: زيد أبوك عطوفا، وقول سالم بن دارة اليربوعي٥:
٥٨- أنا ابنُ دارةَ معروفاً بها نسبي ... وهل بدارةَ يالَلناسِ من عارِ٦
стр. 431
فقوله: (عطوفا) مؤكد١ لمضمون جملة (زيد أبوك) .
وقوله: (معروفا) مؤكد٢ لمضمون جملة (أنا ابن دارة) .
ولابد في هذه الجملة أن يكون جزآها اسمين معرفتين جامدين، ولابد أن يتأخر الحال عنها، فلا يتقدم عليها، ولا يتوسط بين جزءيها٣.
وعامل هذه الحال محذوف وجوبا٤، لتنزيل الجملة المذكورة بدلا من اللفظ به، وتقديره في نحو (زيد أبوك عطوفا) مما المبتدأ فيه (أنا) : أَحُقّه٥ أو أعرفه وفي نحو (أنا ابن دارة) ٦ مما المبتدأ فيه غيرُ (أنا) : أحق أو أعرف، أو أحقني أو أعرفني.
تنبيهان:
الأول: يؤخذ اعتبار شروط الجملة المذكورة من المثال.
стр. 432
وقد يقال: يؤخذ اشتراط تعريف جزأيها١ من ذكر التأكيد في الحال الحاصلة عنها، لأن التأكيد إنما يكون لشيء عُرف.
ويؤخذ اشتراط الجمود من جعلها مؤكدة بالحال، لأنه إذا كان أحد جزأيها مشتقا أو شبيها به كان عاملا في الحال، وكانت مؤكدة لعاملها لا لمضمون الجملة.
ويستفاد وجوب تأخير هذه الحال من قوله: (قبله) .
التنبيه الثاني: كما تكون الحال مفردة تكون جملة اسمية أو فعلية، وظرفا، ومجرورا٢.
وشمل ذلك قوله في الحدّ: (وصف) .
فإن ٣٧/ب المراد به، كما قال٣: وصف باللفظ أو بالقوة.
ص: ويأتي من الفاعل ومن المفعول، ومنهما مطلقا، ومن المضاف إليه إن كان المضاف بعضه، نحو: ﴿لحمَ أخيهِ مَيْتاً﴾ ٤ أو كبعضه: نحو ﴿مِلّةَ
стр. 433
إِبرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ ١ أو عاملا فيها، نحو ﴿إليهِ مَرجعُكمْ جَمِيعاً﴾ ٢.
ش: لما قسم الحال باعتبار وصفها القائم بها من التأسيس والتأكيد أخذ يقسمها باعتبار صاحبها، وهو تقسيم له٣ أيضا، فقال:
إنها تأتي من الفاعل٤، أي يكون صاحب الحال فاعلا نحو جاء زيد راكبا، ونحو ﴿فَخَرَجَ مِنْها خَائِفاً﴾ ٥.
وتأتي من المفعول، أي يكون صاحب الحال مفعولا، نحو ضربتُ اللِّصَّ مكتوفاً، ونحو ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ ٦.
ومن الفاعل والمفعول، نحو لقيته راكبين.
وقوله: (مطلقا) أي تأتي الحال من الفاعل ومن المفعول ومنهما بلا شرط.
بخلاف مجيئها من المضاف إليه، فإنه مشروط بأن يكون المضاف بعضه٧، أي بعض المضاف إليه، نحو قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ
стр. 434
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ ١ وقولك: أعجبني وجهها مسفرة.
ونحو٢ قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ ٣.
أو يكون كبعضه، أي يكون المضاف كبعض٤ المضاف إليه، بأن يستقيم الكلام بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، نحو قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٥.
أو عاملا، أي أو يكون٦ المضاف عاملا في الحال، نحو أعجبني انطلاقك منفردا، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ ٧ ونحو هذا شاربُ السويقِ ملتوتًا.
стр. 435
واعلم أن بعضهم١، منع مجيء الحال من المضاف إليه في الصورتين الأولَيين٢، أعني إذا كان المضاف بعضا٣، أو كبعض منه.
لأنه يصير العامل في الحال غير العامل في صاحبها، وهو ممتنع٤.
والصواب اعتباره٥، لأنه إذا كان بعض المضاف إليه أو كبعضه كانا كالشيء الواحد، وصح مجيء الحال منه، ألا ترى أنه لو قيل في الكلام: ونزعنا ما فيهم من غِلّ٦، واتَّبِعوا إبراهيمَ حنيفا، ٣٨/ألكان سائغا حسنا.
ص: وحقها أن تكون نكرةً، منتقلةً، مشتقةً، وأن يكون صاحبُها معرفةً أو خاصا، أو عاما، أو مؤخرا، وقد يتَخَلَّفْنَ.
ش: لما فرغ٧ من ذكر الحال وأقسامها أخذ يذكر لها أوصافا معتبرة فيها. فمنها أن تكون نكرة.
وإنما كان كذلك لأنه سيأتي٨ أن الغالب في الحال أن تكون٩
стр. 436
مشتقة، وصاحبها معرفة، فإذا كانت معرفة فربما توهم أنها صفة١.
وقد يتخلف كونها نكرة بأن تتعرَّف في اللفظ، إما باللام، كجاؤوا الأولَ فالأولَ٢، و:
٥٩- أرسلَها العِراكَ٣ ... ...........................
أو بالضمير، ك (جاءَ وحدَهُ) ٤.
ومع ذلك فيحكم بتنكيرها معنى بتقدير (أل) زائدة، وأن الإضافة لا تفيد تعريفا.
стр. 437
هذا١ هو مذهب الجمهور٢.
وأجاز يونس٣ والبغداديون٤ أن تكون معرفة٥. وقاسوا على نحو (ادْخلوا الأوّلَ فالأوّلَ) .
وحينئذ فحكم المصنف بتخلف التنكير أراد به تخلفه في اللفظ، ليوافق مذهب الجمهور، ولو حُمل على التخلف لفظا ومعنى لصح ووافق المذهب الآخر.
ومنها أن تكون منتقلة، أي غير لازمة للمتصف بها، كما في جاء زيدٌ راكباً، وضربْتُ اللِّصّ مكتوفاً.
وهذا الوصف٦ غالب، لا لازم، لورودها بدونه فيما إذا كانت مؤكدة لمضمون٧ الجملة، ك (زيد أبوك عطوفا) ٨.
стр. 438
أو دل عاملها على تجدد صاحبها، نحو (خلقَ اللهُ الزَّرافةَ يدَيها أطوَلَ مِن رجلَيها) ١. وفي غير ذلك٢ أيضا، نحو قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالقِسْطِ﴾ ٣ ونحو ﴿وخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٤.
ومنها أن تكون مشتقة، أي مصوغة من مصدر للدلالة على متصف. وهذا الوصف أيضا غالب، لا لازم.
فتقع جامدة مؤولة بالمشتق، نحو بدت الجاريةُ قمرًا وتثنَّتْ غصنًا أي مضيئةً ومعتدلةً. وغير مؤولة بالمشتق، نحو ﴿قُرآناً عرَبيًّا﴾ ٥ ونحو هذا حديدُك خاتَمًا وهذا مالُك ٣٨/ب ذهباً٦.
ومنها أن يكون صاحبها معرفة.
لأن الحال وصاحبها في المعنى خبر ومخبر عنه، فالأصل في صاحبها التعريف٧، كما في المبتدأ. وقد٨ يأتي٩ نكرة بمسوّغ، كالمبتدأ.
стр. 439
فمن مسوغات١ تنكير صاحب الحال أن يكون خاصا أي مخصوصا، إما بوصف، نحو قول الشاعر:
٦٠- نجَّيتَ يا ربِّ نوحاً واستَجبْتَ له ... في فُلُكٍ ماخرٍ في اليمِّ مشحُونَا٢
أو بإضافة، نحو قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ ٣ أو بمعمول نحو (عجبتُ مِن ضَرْبٍ أخوك٤ شديداً) .
ومن المسوغات لتنكيره أيضا أن يكون عاما، كأن يتلو نفيا أو شبهه وهو النهي والاستفهام.
مثال النفي قولك: ما جاء أحدٌ راكباً.
ومثال النهي قول الشاعر:
стр. 440
٦١- لا يركنَنْ أحدٌ إلى الإحجَامِ ... يومَ الوَغَى مُتخوِّفاً لحِمامِ١
ومثال الاستفهام قول الشاعر:
٦٢- يا صاحِ هلْ حُمَّ عيشٌ باقياً فترى ... لنفسك العذرَ في إبعادِها الأملا٢
ومن المسوغات لتنكيره٣ أيضا أن يتأخر [عن] ٤ الحال، نحو في
١ البيت من الكامل، وهو لقطرئ بن الفجاءة، وقد ورد في (ج) : (لا تركننْ أبدا) وهو لا يصح
стр. 441
الدار جالسا رجل، وقول الشاعر:
٦٣- لِمَيَّة مُوحشاً طَلَلُ ... يَلوحُ كأنّه خَلَلُ١
وقد يأتي صاحب الحال نكرة بغير مسوّغ، كقوله: (عليه مائةٌ بِيضاً) ٢ وفي الحديث٣: "صلّى رجالٌ قياماً"٤.
تنبيهان:
الأول: أشار إلى تخلف الأوصاف المذكورة، أو تخلف بعضها بقوله:
стр. 442
(وقد يتخلفْنَ) أي وقد تتخلف١ جميع الأوصاف المذكورة وقد يتخلف٢ مجموعها في حال من الأحوال، لكنها ليست سواء في تخلفها. فإن منها ماتخلفه شاذ، ومنها ما تخلفه مطّرد، وإن كان قليلا.
الثاني: يؤخذ من قوله: (مشتقة) ٣ بالمعنى الذي عرفته أن الحال لا يكون مصدرا، لأن المصدر ليس بمشتق، بل مشتق منه. ولئلا يلزم الإخبار عن الذات بالمعنى.
وإنما كان كذلك لأن الحال وصاحبها في المعنى خبر ومخبر عنه، كما تقرر٤، فحق الحال أن تدل على ما يدل عليه نفس صاحبها، كالخبر بالنسبة إلى المبتدأ، فلذلك يصح (جاء زيد ضاحكا) ٥ ويمتنع (جاء ضِحكًا) ٦.
لكن قد ورد من كلامهم ما وقع فيه المصدر حالا، قليلا في المعارف ك (جاء وحدَه) ٧ ٣٩/أو (أرسلها العراكَ) وكثيرا في النكرات، ك (طَلَع
стр. 443
بغتةً) و (جاء ركْضًا) ١ وأُوِّلَ بالوصف، أي مباغتا٢ وراكضا.
وأجمع الفريقان البصريون٣ والكوفيون٤ على عدم اطراده إلا المبرد٥ فقاسه فيما كان نوعا من العامل، ك (جاء سرعة) بخلاف (جاء ضِحكا) ٦.
وقاسه ابن مالك٧ أيضا في مثل (أمّا علمًا فعالم) وفي نحو (زيدٌ زهيرٌ شعرًا) ، وفي مثل (أنت الرجل علمًا) ٨.
стр. 444
وقد يعرب المنصوب في هذه الثلاثة تمييزا١.
ص: الثامن التمييز، وهو اسم نكرة فضلة، يرفع إبهامَ اسمٍ أو إجمال نسبة
ش: الباب الثامن من المنصوبات التمييز.
وهو لغة فصل الشيء من غيره، وفي الاصطلاح ما قاله المصنف.
فقوله: (اسم) إعلام بجنسيته، وأنه ليس كالحال في كونه ظرفا أو مجرورا أو جملة.
وقوله: (نكرة) فصل٢ مخرج لنحو (زيدٌ حسنٌ وجهَهُ) ٣ وأما قوله:
٦٤-. ................................ ... صددت وطِبْتَ النّفسَ ياقيسُ عن عمرٍو٤
стр. 445
فخُرّج على زيادة (أل) ١.
وقوله: (فضلة) مخرج لنحو قائم من (زيد قائم) فإنه اسم نكرة ولكنه٢ ليس فضلة.
وقوله: (يرفع إبهام اسم) إلى آخره يخرج الحال، نحو (جاء زيدٌ راكباً) . فإنه ليس رافعا لإبهام اسم ولا لإجمال نسبة، وإنما هو مبيّن للهيئة، ويفيد أن التمييز على نوعين٣:
نوع رافع إبهام اسم، ك (رَطْلٌ زيتاً) .
ونوع رافع إجمال نسبة، ك (طبتَ نفساً) .
وقد أُورد على هذا الحد (طويلا) من قولك: رأيتُ رجلا طويلاً٤ فإنه اسم نكرة رافع إبهام اسم، وهو (رجل) لأنه ذات مبهمة
стр. 446
بالوضع صالح لكل فرد من أفراد الرجال، فبذكر أحد أوصافه تمييز١ عما يخالفه.
ويمكن أن يجاب بأن الإبهام المرتفع بالتمييز هو فيما يرجع إلى الجنس.
ألا ترى أنك إذا قلت: (عندي رطلٌ) ولم تذكر تمييزا تُرُدّد في جنس ذلك الرطل، فإذا قلت: (زيتا) ارتفع ذلك الإبهام، بخلاف (رأيت رجلا طويلا) فإن الإبهام المرتفع بالوصف بالنسبة إلى أمر زائد على الجنس فإن٢ (رجلا) ٣ يفيده٤ , الله أعلم.
ص: فالأول بعد ٣٩/ب العدد، الأحد عشر فما فوقها إلى المائة، و (كم) الاستفهامية نحو ٥ كَمْ عبداً ملكْتَ، وبعد المقادير، ك (شبر أرضاً) و (قفيز بُرًّا) وشبههن، نحو ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ ٦ و (نحيٌ سمْناً) و (مثلُها زُبداً) و (مَوضعُ ٧ راحةٍ سحاباً) وبعد فرعه، نحو (خاتمٌ حديداً) .
стр. 447
ش: لما ذكر أن التمييز نوعان أخذ يبين كل نوع على جهة التفصيل فذكر هنا النوع الأول، وهو الرافع إبهام١ اسم.
فمنه الواقع بعد عدد، صريحا كان ذلك٢ العدد، كالأحد عشر والإحدى عشرة وأخواتها٣ والعشرين وأخواتها إلى آخر التسعين وهو المراد بقوله: (إلى المائة) كقوله تعالى ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ ٤ وقوله: ﴿اثْنَي عَشَرَ نقيباً﴾ ٥ وقوله: ﴿ثلاثينَ ليلةً﴾ ٦ و ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ٧و ﴿سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ ٨ و ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ ٩.
أو غير صريح، وهو (كم) الاستفهامية، كقوله: كمْ عبداً ملكتَ وكمْ شخصا رأيت ١٠.
стр. 448
ومنه١ الواقع بعد ما يفيد مقدارا، وهو المراد بقوله: (بعد المقادير) . وهو إما أن ٢ يفيد مساحة٣ ك (شبر أرضا) أو كيلا، نحو (قفيز بُرًّا) أو وزنا نحو٤ (مَنَوانِ عَسَلاً) ٥.
ومنه الواقع بعد ما يفيد شبه المقادير، وهو المراد بقوله: (وشبههنّ) .
وهذا تارة يشبه الوزن، نحو ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً﴾ ٦ أو يشبه الكيل، نحو (نحْي سَمْنًا) ٧.أو يشبه المساحة، نحو (موضعُ راحةٍ سَحَابًا) ٨ أو يحتمل مشابهة المساحة والوزن، نحو (على التمرةِ مثْلُها زُبْدًا) ٩.
ومنه الواقع بعد ما هو فرع له، نحو (خَاتَمٌ حَدِيداً) . فإن الخاتم فرع
стр. 449
الحديد. ومثله (بابٌ سَاجًا) ١ و (جُبّةً خَزًّا) .
وقيل في هذا: إنه حال ٢.
تنبيهان:
الأول تمثيله في (كم) الاستفهامية ب (كم عبدا ملكت) يفهم أمرين:
أحدهما تعيّن إفراده ٣، وهو الصحيح ٤.
وقيل: يجوز جمعه مطلقا ٥.
وقيل: يجوز إن كان السؤال عن الجماعات، نحو كم غلمانا لك.
إذا أردت أصنافا من الغلمان. وهذا مذهب الأخفش ٦.
ثانيهما تعين نصبه٧، وهو مذهب بعض النحويين٨، سواء جُرَّت
стр. 450
(كَمْ) أم لم تُجَرّ.
وقيل: يجوز جره مطلقا، ٤٠/أسواء أيضا جُرَّتْ أَمْ لاَ١، حملا على (كَمْ) الخبرية.
وقيل: يجوز إن جُرَّتْ٢، ويمتنع إن لم تجر، وهذا هو الصحيح٣، وينبغي حمل كلام الشيخ عليه لتمثيله ب (كم) غير مجرورة.
الثاني: الناصب للتمييز الرافع لإبهام الاسم هو ذلك الاسمُ المبهمُ٤. والله أعلم.
ص: والثاني إما محولٌ ٥ عن الفاعل، نحو ﴿واشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيْبًا﴾ ٦ أو عن المفعول، نحو ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً﴾ ٧ أو عن غيرهما، نحو ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً﴾ ٨. أو غير محول، نحو لِلهِ دَرُّهُ فَارِسًا.
стр. 451
ش: هذا بيان للنوع الثاني وهو الرافع لإبهام النسبة.
وهو على نوعين ١: محوّل وغير محوّل٢.
النوع الأول المحوَّل، وهو أقسام.
لأن النسبة المبهمة إما نسبة الفعل إلى الفاعل، نحو قوله تعالى: ﴿واشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيْبًا﴾ ٣ أي اشتعل من جهة الشيب.
والأصل: واشتعل شيبُ الرأسِ، فحوّل الإسناد إلى الرأس، ونصب (شيب) ٤ على التمييز.
ومثله (طاب زيد نفسا) أصله طابت نفسُ زيد.
وإما نسبة الفعل إلى المفعول، نحو قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً﴾ ٥ والأصل: وفجرنا عيونَ الأرض، ثم أوقع الفعل على (الأرض) ونصب (العيون) على التمييز ٦.
стр. 452
ومنه غَرَسْتُ الأَرْضَ شَجَراً، أصله غرست شجرَ الأرضِ
وإما نسبة الخبر إلى المبتدأ، نحو (زيدٌ أكثرُ مالاً) .
والأصل: مال زيد أكثر، ثم حول الإسناد إلى (زيد) ونصب (مالا) على التمييز ومثله (عمرو أطيب نفسا) ، أصله نفس عمرو أطيب١.
النوع الثاني غير المحوَّل، وهو الواقع بعد ما يفيد التعجب، نحو (لِلهِ دَرُّهُ فارِساً) و (ما أَحْسَنَه رَجُلاً) و (أحْسِنْ به أباً) .
تنبيه:
الناصب للتمييز الرافع لإبهام النسبة٢ هو المسند من الفعل أو شبهه٣.
خاتمة:
يجوز في التمييز الرافع لإبهام الاسم أن يجُرّ بإضافة ذلك الاسم إليه ك (شبر أرض) و (قفيز برٍّ) ٤. إلا أن يكون الاسم عددا، نحو (عشرين
стр. 453
رجلا) أو مضافا، نحو (مثلها زبدا) ١.
ويجوز أيضا أن تجرّه ب (مِنْ) ك (رطل من زيت) و (قفيز من برّ) ٢ إلا في ٤٠/ب العدد، كما تقدم.
وأما الرافع لإبهام النسبة ٣ فلا يجر بالإضافة أصلا.
ويجر ب (مِنْ) في نحو (ما أحسنه رجلا) و (لله دره فارسا) ٤ لا في٥ نحو (ما أحسنه أدبا) و (طاب نفسا) ٦و ﴿فَجَّرْنَا الأَرْضَ﴾ ٧.
ص: التاسع المستثنى ب (ليس) أو ب (لا يكون) ٨ أو ب (ما
стр. 454
خلا) أو ب (ما عدا) مطلقا.
ش: الباب التاسع من المنصوبات المستثنى. وهو المذكور بعد (إلا) أو إحدى أخواتها.
والمستثنى من حيث هو قد يكون منصوبا، وقد يكون غير منصوب، وقد ذكر هنا مع المنصوب غيره استيفاء للأقسام، وتتميما للفائدة.
والأدوات التي يستثنى بها ثمانية ألفاظ١.
حرفان وهما (إلاَّ) عند الجميع٢ و (حاشا) عند سيبويه ٣وفعلان، وهما (ليس) و (لا يكون) .
ومترددان٤ بين الحرفية والفعلية٥، وهما (خلا) و (عدا) ٦ واسمان، وهما (غير) و (سوى) .
стр. 455
وبدأ بالكلام على المستثنى ب (ليس) وما ذكر معها في هذا الكلام لتعين نصبه على كل تقدير، وفي كل حال، على ما سنبينه، ولذلك قال: (مطلقا) فكان تقديمه أهمّ.
فأما المستثنى ب (ليس) و (لايكون) فهو واجب النصب، كقولك: قام القوم ليس زيدا ولا يكون زيدا.
وإنما وجب نصبه لأنه خبرهما، واسمهما ضمير مستتر فيهما عائد إما على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، أي ليس هو أي١ القائم زيدا أو على البعض المدلول عليه بكلّه السابق، أي ليس هو أي بعض القائمين زيدا، والأول مذهب الكوفيين٢، والثاني مذهب البصريين٣.
واختلفوا في جملة الاستثناء ٤، هل لها محل أم لا ٥؟
فقيل: محلها النصب على الحالية ٦.
стр. 456
وقيل: لا ١، لأنها مستأنفة ٢، وصححه ابن عصفور ٣.
وأما المستثنى ب (خلا) و (عدا) الواقعتين بعد (ما) فهو متعين النصب٤ لتعين فعليتهما حينئذ، لأن (ما) مصدرية ولا يليها حرف جر.
وبعضهم٥ قدّرها زائدة، فجوز الجر ٦.
وهو شاذ٧، لأنه لم يعهد زيادة (ما) قبل حروف الجر٨، وإنما عهدت الزيادة٩ بعدها.
وموضع (ما) وصلتها نصب بلا خلاف.
стр. 457
وإن اختلفت، ٤١/أهل هو على الحال ١، أو على الظرفية على حذف مضاف٢ فتقدير٣ (قاموا ماعدا زيدا) أي مجاوزين زيدا، أو وقت٤ مجاوزتهم زيدا.
ص: أو ب (إلا) بعد كلام تام موجب، أو غير موجب وتقدَّم المستثنى نحو: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ ٥ و (مالي إلا آل أحمدَ شيعَةٌ) .
ش: للمستثنى بإلا أحوال، لأنه٦ تارة يكون الكلام تاما وتارة غير تام وإذا كان تاما فتارة يكون واجب النصب، وتارة يكون راجحه، وتارة يكون مرجوحه. وسنبين هذا كله إن شاء الله تعالى.
وقدم المصنف ذكر ما يجب نصبه.
فقوله: (أو بإلا) معطوف على قوله في الكلام السابق: (بليس) أي يجب نصب المستثنى بعد (ليس) وما ذكر معها مطلقا، وبعد (إلا) في حالتين٧:
стр. 458
الحالة الأولى أن يكون بعد كلام تام موجب.
والكلام التام١ هو الذي اشتمل على ذكر المستثنى منه.
والموجب هو الذي لم يسبق بنفي أو شبهه، وهو النهي٢ والاستفهام.
ومثل له٣ بقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ ٤ ونحوه (قام القوم إلا زيدا) .
الحالة الثانية أن يتقدم المستثنى على المستثنى منه، وهذا٥ على قسمين: القسم الأول أن يكون الكلام موجبا، نحو (قام إلا زيدا القوم) فهذا واجب النصب٦ باتفاق.
والقسم الثاني أن يكون الكلام غير موجب، نحو (ما قام إلا زيدا القوم) . ومنه ما مثل به المصنف، وهو قول كُميت بن زيد الأسدي٧ يمدح بني هاشم وأهل البيت:
стр. 459
٦٥- ومالي إلا آلَ أحمدَ شيعةٌ ومالي إلا مذهبَ الحقِّ مذهبُ١
فإن تقديم المستثنى وقع في كل من شطريه٢.
وهذا واجب النصب أيضا٣.
إلا أن بعضهم٤ جوّز فيه تفريغ العامل له٥، وجعل المستثنى منه بدلا٦.
قال سيبويه٧: "حدثني يونس أن قوما يوثق بعربيتهم٨ يقولون:
стр. 460
(مالي إلا أبوك ناصرٌ) فيجعلون ناصراً١ بدلا" انتهى.
وهو قليل، ولذلك لم يذكره الشيخ.
تنبيهان:
الأول: اقتصاره، في غير الموجب حيث تقدّم المستثنى الذي هو محل ٤١/ب الخلاف، على وجوب النصب، يفهم منه الوجوب في الموجب، والحالة هذه من باب الأولى.
ويجوز أن يكون معنى الكلام: يجب نصب المستثنى ب (إلا) بعد كلام تام موجب، سواء تقدم المستثنى، والبعدية حينئذ تقديرية٢ أو لم يتقدم، والبعدية حينئذ حقيقية (أو غير موجب) إذا تقدم المستثنى. ولو حذف قوله: (أو غير موجب) وقال: (أو تقدم المستثنى) لوفَّى بما ذكر مع الاختصار.
التنبيه الثاني ٣: إنما وجب نصب المستثنى من الموجب التام لأن التفريغ لا يجوز فيه، والإبدال لا يجوز لأن المبدل منه في حكم الساقط فيؤدي إلى التفريغ في الإثبات٤ فلم يبق إلا النصب.
واختلف في الناصب للمستثنى.