وقيل: لا ١، لأنها مستأنفة ٢، وصححه ابن عصفور ٣.
وأما المستثنى ب (خلا) و (عدا) الواقعتين بعد (ما) فهو متعين النصب٤ لتعين فعليتهما حينئذ، لأن (ما) مصدرية ولا يليها حرف جر.
وبعضهم٥ قدّرها زائدة، فجوز الجر ٦.
وهو شاذ٧، لأنه لم يعهد زيادة (ما) قبل حروف الجر٨، وإنما عهدت الزيادة٩ بعدها.
وموضع (ما) وصلتها نصب بلا خلاف.
стр. 457
وإن اختلفت، ٤١/أهل هو على الحال ١، أو على الظرفية على حذف مضاف٢ فتقدير٣ (قاموا ماعدا زيدا) أي مجاوزين زيدا، أو وقت٤ مجاوزتهم زيدا.
ص: أو ب (إلا) بعد كلام تام موجب، أو غير موجب وتقدَّم المستثنى نحو: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ ٥ و (مالي إلا آل أحمدَ شيعَةٌ) .
ش: للمستثنى بإلا أحوال، لأنه٦ تارة يكون الكلام تاما وتارة غير تام وإذا كان تاما فتارة يكون واجب النصب، وتارة يكون راجحه، وتارة يكون مرجوحه. وسنبين هذا كله إن شاء الله تعالى.
وقدم المصنف ذكر ما يجب نصبه.
فقوله: (أو بإلا) معطوف على قوله في الكلام السابق: (بليس) أي يجب نصب المستثنى بعد (ليس) وما ذكر معها مطلقا، وبعد (إلا) في حالتين٧:
стр. 458
الحالة الأولى أن يكون بعد كلام تام موجب.
والكلام التام١ هو الذي اشتمل على ذكر المستثنى منه.
والموجب هو الذي لم يسبق بنفي أو شبهه، وهو النهي٢ والاستفهام.
ومثل له٣ بقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ ٤ ونحوه (قام القوم إلا زيدا) .
الحالة الثانية أن يتقدم المستثنى على المستثنى منه، وهذا٥ على قسمين: القسم الأول أن يكون الكلام موجبا، نحو (قام إلا زيدا القوم) فهذا واجب النصب٦ باتفاق.
والقسم الثاني أن يكون الكلام غير موجب، نحو (ما قام إلا زيدا القوم) . ومنه ما مثل به المصنف، وهو قول كُميت بن زيد الأسدي٧ يمدح بني هاشم وأهل البيت:
стр. 459
٦٥- ومالي إلا آلَ أحمدَ شيعةٌ ومالي إلا مذهبَ الحقِّ مذهبُ١
فإن تقديم المستثنى وقع في كل من شطريه٢.
وهذا واجب النصب أيضا٣.
إلا أن بعضهم٤ جوّز فيه تفريغ العامل له٥، وجعل المستثنى منه بدلا٦.
قال سيبويه٧: "حدثني يونس أن قوما يوثق بعربيتهم٨ يقولون:
стр. 460
(مالي إلا أبوك ناصرٌ) فيجعلون ناصراً١ بدلا" انتهى.
وهو قليل، ولذلك لم يذكره الشيخ.
تنبيهان:
الأول: اقتصاره، في غير الموجب حيث تقدّم المستثنى الذي هو محل ٤١/ب الخلاف، على وجوب النصب، يفهم منه الوجوب في الموجب، والحالة هذه من باب الأولى.
ويجوز أن يكون معنى الكلام: يجب نصب المستثنى ب (إلا) بعد كلام تام موجب، سواء تقدم المستثنى، والبعدية حينئذ تقديرية٢ أو لم يتقدم، والبعدية حينئذ حقيقية (أو غير موجب) إذا تقدم المستثنى. ولو حذف قوله: (أو غير موجب) وقال: (أو تقدم المستثنى) لوفَّى بما ذكر مع الاختصار.
التنبيه الثاني ٣: إنما وجب نصب المستثنى من الموجب التام لأن التفريغ لا يجوز فيه، والإبدال لا يجوز لأن المبدل منه في حكم الساقط فيؤدي إلى التفريغ في الإثبات٤ فلم يبق إلا النصب.
واختلف في الناصب للمستثنى.
стр. 461
فقيل: هو (إلا) وهو مذهب المبرد١ والزجاج٢، واختاره بعض المتأخرين٣ واستدل له بما يطول ذكره.
وبه يُشعر قول المصنف في الاستثناء المفرغ: (فلا أثر لإلاّ) .
وقال الكسائي٤: هو منصوب ب (أن) مقدرة، محذوفة الخبر٥.
وقال البصريون العامل فيه٦ الفعل المتقدم أو معنى الفعل بتوسط (إلا) .
стр. 462
وقيل١: هو منصوب بأستثنى مضمرا.
ص: وغير الموجب إن ترك فيه المستثنى منه فلا أثر فيه٢ ل (إلا) ويسمى مفرغا، نحو ما قام إلا زيد.
ش: لما فرغ من ذكر حكم الاستثناء٣ من الكلام التام الموجب أخذ يتكلم على الاستثناء المفرغ، وهو مقابله من الوجهين، أعني أن اللفظ السابق عليه غير تام وغير موجب.
وسمّي مفرغا لأن ما قبل إلاَّ تفرَّغ٤ للعمل فيما بعدها، كما سنبين. وغير التام هو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه.
وغير الموجب كما تقدم أن يتقدمه نفي أو نهي أو استفهام.
تقول في النفي: (ما قام إلا زيد) ، فترفع (زيد) ب (قام) و (ما رأيت إلا زيدا) فتنصبه ب (رأيت) و (ما مررت إلا بزيد) فتجره بالباء وصار الحكم معها كالحكم٥ بدونها.
ومثال النهي ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاّ الْحَقّ﴾ ٦. ومثال الاستفهام ﴿فَهَلْ ٤٢/ب
стр. 463
يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١.
ص: وإن ذكر، وكان الاستثناء متصلا فإتباعه للمستثنى منه أرجح نحو ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ ٢. أو منقطعا فتَمِيم تجيز إتباعه إن صح التفريغ.
ش: ذكر في هذا الكلام ما كان نصبه مرجوحا، وما كان نصبه راجحا من المستثنى بإلاَّ.
فأما الأول فهو المستثنى من كلام تام، وإليه أشار بقوله: (وإن ذكر) أي المستثنى منه، بشرط أن يكون غير موجب. وهذا معلوم من كونه جعله قسما من غير الموجب. وأن يكون الاستثناء متصلا، كما صرح به، أي المستثنى من جنس المستثنى منه.
والأرجح إتباعه للمستثنى منه بدل بعض عند البصريين٣.
وعطف نسق٤ عند الكوفيين٥.
стр. 464
ونصبه على الاستثناء مرجوح، مع أنه عربي جيد١.
مثاله قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ٢ قريء بالرفع٣ على الإبدال، وبالنصب٤ على الاستثناء.
وأما الثاني، وهو ما كان النصب فيه راجحا فهو المستثنى من٥ كلام تام غير موجب إذا كان منقطعا، أي المستثنى من غير جنس المستثنى منه، وصح فيه التفريغ.
ومعنى صحة التفريغ أن يمكن تسلّط العامل السابق (إلا) ٦ على المستثنى٧. نحو قوله:
٦٦- وبلدَةٍ ليسَ بها أنِيسُ ... إلاّ اليَعافِيرُ وإلاّ العِيسُ٨
стр. 465
فإن المستثنى منه، وهو (أنيس) يصح إسقاطه وتسليط عامله وهو (ليس) على ما بعد (إلا) وهو (اليعافير) .
والنصب فيه راجح عند تميم، وواجب عند الحجازيين١.
فإن فقد الشرط الأخير، وهو صحة التفريغ نحو (ما زادَ هذا المالَ إلاّ ما نَقَصَ) ٢ إذ لا يصح أن يقال٣: (زاد النقصُ) تعيّن النصبُ إجماعاً٤.
ص: والمستثنى بغير وسوى مخفوض، وبخلا وعدا وحاشا مخفوض
стр. 466
أو منصوب، وتعرب (غير) باتفاق ١، و (سوى) على الأصح إعراب المستثنى بإلا.
ش: أخذ يتكلم على حكم المستثنى ببقية الأدوات، وهي (غير) و (سوى) و (خلا) و (عدا) مجردتين عن (ما) و (حاشا) .
وذكر أنها كلها مشتركة في خفض ٤٢/ب المستثنى بها، وأن الخفض واجب بعد (غير) و (سوى) ٢ جائز بعد الثلاثة الأخر.
ولنبدأ بالكلام على المستثنى ب (غير) و (سوى) فنقول:
أما (غير) فالأصل فيها أن تقع صفة. وقد تخرج على الصفة وتتضمن معنى (إلا) فيستثنى بها٣ اسم مجرور بها لإضافتها إليه. ولا تخرج عن الجر أصلا.
ويجب في لفظ (غير) أن يُعرب بما كان يعرب به المستثنى ب (إِلاَّ) وقد عرفت تفصيله.
فيجب نصب (غير) بعد الكلام التام الموجب، نحو قاموا غيرَ زيد، وفي التام غير الموجب الذي لا يصح تفريغه، نحو (ما نفعَ هذا المالَ غيرَ الضررِ) ٤.
стр. 467
ويترجح على الإبدال١ في التام الغير الموجب٢ إذا كان منقطعا وصح التفريغ عند تميم نحو (ما فيها أحد غيرَ حمار) . ويتعين٣ عند الحجازيين.
ويترجح الإبدال على النصب في الكلام التام غير الموجب، إذا كان الاستثناء متصلا نحو (ما قاموا غيرُ زيد) بالضم و (ما رأيتهم غيرَ زيد) بالنصب و (ما مررت بهم غيرِ زيد) بالجر٤.
وأما (سوى) فالمستثنى بها كالمستثنى ب (غير) في وجوب خفضه أبدا.
وأما هي نفسها فقال سيبويه٥ والجمهور٦: هي منصوبة على
стр. 468
الظرفية أبدا١ ولا تخرج عنها إلا في الشعر.
وقال الرماني٢ والعكبري٣: هي ظرف غالبا وكغير قليلا.
قال المصنف٤: (وإلى هذا القول أذهب) .
стр. 469
وقال الزجاجي١ وابن مالك٢: سوى كغير معنى وإعرابا فيستثنى بها اسمٌ مجرور بها، لإضافتها إليه، كما تقدم، وتعرب تقديرا بما يعرب به٣ (غير) لفظا، خلافا لأكثر البصريين في ادعاء٤ لزومها النصب على الظرفية، أي عدم التصرف.
قال ابن مالك٥ ﵀: "وإنما اخترت غير ما ذهبوا إليه لأمرين: أحدهما إجماع أهل اللغة على أن٦ معنى قولك٧: قاموا
стр. 470
سواك، وقاموا غيرك، واحد. فإن أحدا لا يقول: إن (سوى) هنا عبارة عن مكان أو زمان وما لم يدل على مكان ولا زمان١ ٤٣/أفهو بمعزل عن الظرفية.
ثانيهما أن من حكم بظرفيتها حكم بلزومها إياها، وأنها لا تتصرف. والواقع في كلام العرب نثرا ونظما خلاف ذلك.
فإنها قد أضيف٢ إليها، وابتدىء بها وعملت فيها نواسخ الابتداء ونحوها من العوامل اللفظية". انتهى.
وقد نُظر فيهما٣ من أوجه٤ ليس هذا موضع ذكرها. والله أعلم.
وأما المستثنى بخلا وعدا فهو مجرور أو منصوب، لكن جره قليل. والكثير هو النصب٥.
فالجر على أنهما حرفان جاران متعلقان بالفعل أو معنى الفعل٦، فموضعهما نصب٧ والنصب على أنهما فعلان، والمنصوب مفعولهما، وفاعلهما ضمير عائد، إما على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق،
стр. 471
وإما على البعض المدلول عليه بكلّه١ السابق٢. كما تقدم في (ليس) و (لا يكون) ٣ والتقدير٤ قاموا خلا هو أي القائم أو بعضهم زيدا. والجملة إما حالية أو مستأنفة٥، على ما تقدم في جملة (ليس) و (لا يكون) ٦ أيضا.
وأما المستثنى بحاشا فهو أيضا مجرور أو منصوب٧.
فإذا جُر كان٨ حرفا، وفي متعلقها ما تقدم في متعلق (خلا) و (عدا) لا فرق بينها وبينهما في شيء من ذلك. وإن افترقا من وجه آخر،
стр. 472
قال سيبويه٣: "لو قلت: (أتوني ما حاشا زيدا) لم يكن كلاما".
وقد أجازه بعضهم٤ على قلّة.
قال ابن مالك: (وربما قيل: ما حاشا) ٥.
واستشهد على ذلك بقوله ﷺ : "أسامةُ أحبّ الناس إليَّ، ما حاشا فاطمةَ" ٦ وقول الشاعر:
٦٧- رأيتُ الناسَ مَا حاشَا قريشًا ... فإنّا نحنُ أفضلُهم فَعَالا٧
стр. 473
ص: والبواقي ١ خبر (كان) وأخواتها وخبر (كاد) وأخواتها، ويجب كونه مضارعا، مؤخرا عنها، رافعا لضمير أسمائها ٢، مجرداً من (أنْ) بعد أفعال الشروع ومقرونا بها بعد (حَرَى) و (اخْلولق) وندر تجرد خبر (عسى) و (أوشك) ٤٣/ب واقتران خبر (كاد) و (كرب) .
وربما رفع السببي بخبر (عسى) ٣ ففي قوله: (وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده) فيمن رفع (جهده) شذوذان.
ش: اشتمل هذا الكلام على العاشر والحادي عشر من المنصوبات.
وهما خبر (كان) وأخواتها وخبر (كاد) وأخواتها.
فأما خبر (كان) وأخواتها فهو المسند إلى اسمها بعد دخولها، نحو كان زيد عالما وأصبح عمرو قائما وأمسى بكر فاضلا ولايزال قصدك ناجحا.
стр. 474
وله أحكام منها أنه يجوز توسطه بين هذه الأفعال وبين أسمائها مطلقا١ نحو قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ وقول الشاعر:
٦٨- لا طيب للعيشِ مادامَتْ منَغَّصةً ... لذاتُهُ بادِّكار الموت والهرم٣
اللهم٤ إلا أن يمنع مانع من ذلك، نحو ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ ٥.
стр. 475
ومنها أنه يجوز تقديمه١ على هذه الأفعال٢ إلا خبر (دام) فلا يجوز تقديمه على (ما) المقترنة بها٣ بالاتفاق٤.
وأما توسطه بينهما٥ ففيه خلاف٦، والصحيح المنع٧.
وإلا خبر (ليس) فلا يجوز عند جمهور البصريين٨.
стр. 476
واستدل لهذا الحكم١ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ٢ لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل٣.
ومنها أن معموله٤ يجوز أن يلي هذه الأفعال٥ إن كان ظرفا أو مجرورا باتفاق فإن لم يكن أحدهما امتنع عند جمهور البصريين٦، وجاز عند الكوفيين٧.
стр. 477
وأما خبر (كاد) وأخواتها فهو١ مثل خبر (كان) إلا أنه اختص٢ باعتبار أمور زائدة فيه ولذلك٣ أفرد بباب.
فمنها أنه يجب كونه جملة، وشذ مجيئه مفردا بعد (عسى) و (كاد) ٤.
وأن تكون الجملة فعلية، وشذ كونها اسمية بعد (جعل) ٥.
وأن يكون فعل هذه الجملة مضارعا، وشذ كونه ماضيا بعد (جعل) ٦. وإلى ذلك كله أشار المصنف ﵀ بقوله: (ويجب كونه مضارعا) .
ومنها أنه لا يجوز تقديمه على شيء من هذه الأفعال٧.
стр. 478
ومقتضى كلامه جواز توسطه بينها وبين ٤٤/أأسمائها مطلقا، وهو مذهب المبرد١ والسيرافي٢ والفارسي٣.
ومنعه الشلوبين٤ فيما اقترن فيه الخبر بأنْ.
ومنها أنه يجب أن يكون فاعل هذا المضارع ضميرا يعود على اسمها ولا يخرج عن ذلك من جميع هذه الأفعال إلا (عسى) فإنه يجوز فيها٥ خاصة أن يرفع خبرُها السببيَّ.
والمراد به الظاهر المتصل بضمير اسمها، نحو قول الشاعر:
٦٩- وماذا عسى الحَجّاجُ يبلغُ جُهدَُه٦ ... .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..
стр. 479
يروى بنصب (جهده) على الأصل، وبرفعه على خلاف الأصل، لاتصاله بضمير اسمها، وإلى ذلك أشار الشيخ بقوله: (وربما رُفع السببي بخبر عسى) .
وقوله: (ففي قوله..) إلى آخره.
الشذوذان هما تجرد خبر (عسى) من (أن) ورفعه السببي. والله أعلم.
ومنها وجوب اقترانه ب (أن) إن كان الفعل (حَرَى) ١ أو (اخْلولق) ٢ نحو حرى زيد أن يأتي، واخلولقت السماء أن تمطر. فلا يجوز (حرى زيد يأتي) و (اخلولقت السماء تمطر) ٣.
стр. 480
ومنها وجوب تجرده من (أن) في أفعال الشروع١.
والحكمة٢ في ذلك أن (أَنْ) تخلّص الفعل للاستقبال، والشروع للحال فبينهما تناف. فتقول: أخذ يقول، وشرع ينشد.
ولا يجوز أخذ أن يقول، ولا [شرع] ٣ أن ينشد.
وأما الأفعال الأربعة الأخر، وهي عسى وأوشك وكاد وكرب، فإن الكثير في الأولين منها الاقتران، نحو ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ ٤ وقوله:
٧٠- فإنك مُوشك ألا تراها ... .. .. .. ٥
والتجرد٦ قليل، كقوله:
стр. 481
٧١- عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب١
وقوله:
٧٢- يوشك من فرمن منيّته ... في بعض غراته يوافقها٢
وفي الأخيرين٣ يقل الاقتران، نحو قول الشاعر:
٧٣- كادت النفس أن تفيض عليه٤ ... ..................................
стр. 482
وقوله:
٧٤-.. .. .. ... وقد كربت أعناقها أن تقطعا١
ويكثر التجرد٢، نحو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ ٣ ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ٤ وقوله:
٧٥- كَرَبَ القلب من جواه يذوب ... حين قال الوشاة هند غضوب٥
стр. 483
تنبيهات:
الأول: استغنى المصنف رحمه الله تعالى١ عن التصريح باشتراط كون الخبر جملة فعلية، باشتراط ٤٤/ب كونه مضارعا، لاستلزامه لها، لأن الفعل لابد له من فاعل.
الثاني: استثناء رفع خبر (عسى) السببي ساقط٢ في بعض النسخ وثابت في كثير منها، وهي النسخة التي شرحُنا عليها، وعبارته فيه أحسن من عبارة التوضيح حيث قال: "ويجوز في (عسى) خاصة أن ترفع السببي"٣. فإن الرافع له خبرها٤ لا هي.
الثالث: ذكر المصنف وغيره من النحاة أن هذه الأفعال ناقصة٥ وظاهر مذهب سيبويه٦ رحمه الله تعالى أنها تامة، وأن (أن) والفعل
стр. 484
بعدها منصوب على إسقاط الخافض.
ولعل ذلك إنما هو لأجل أَنَّ جعلهما خبرا عنها لا يستقيم إلا بتقدير المبالغة أو حذف المضاف، لأن قولنا: (عسى زيد أن يقوم) إذا جعلنا (أنْ) والفعل فيه خبرا عن (زيد) يلزم منه الإخبار عن الذات بالمعنى، وهو ممتنع فيحتاج إلى التأويل المذكور، وهو إما المبالغة بجعل (زيد) نفس القيام وإما بتقدير مضاف وكأنه قيل: عسى أمر زيد القيام١.
إذا علمت ذلك، فلا تكون هذه الأفعال على مذهب سيبويه ملحقة بكان٢ لأن (أن) والفعل معها ليسا خبرا عنها.
وقال الشيخ بدر الدين بن مالك٣ رحمه الله تعالى: "والحق أن
стр. 485
أفعال المقاربة ملحقة ب (كان) إذا لم يقترن الفعل بعدها ب (أن) دون ما إذا اقترن" ١. انتهى.
ووجهه أن الجار يطرد حذفه قبل (أنْ) ٢ فقوي مذهب سيبويه به٣ إذا اقترن الفعل ب (أن) ، دون ما إذا لم يقترن بها. ص: وخبر ما حمل على (ليس) .
ش: الثاني عشر من المنصوبات خبر ما حمل على (ليس) وهي الأحرف الأربعة المتقدم ذكرها في المرفوعات، أعني (لات) ، و (لا) و (ما) الحجازية و (إن) النافية. وتقدم هناك سبب حملها على (ليس) ٤.
وينبغي أن يعلم هنا أن الباء تزاد بكثرة في خبر (ما) الحجازية بلا خلاف ٥.
وفي خبر التميمية على الأصح ٦، نحو قوله تعالى:٤٥/أ ﴿وَمَا رَبُّكَ
стр. 486
بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١ وتزاد بقلة في خبر (لا) نحو قوله:
٧٦- فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغنٍ فتيلاً عن سوادِ بن قَارِبِ٢
والله أعلم.
ص: واسم (إن) وأخواتها. وإن قرنت ب (ما) المزيدة ألغيت وجوبا إلا (ليت) فجوازا. وتُخفَّف ذوات النون ٣. منها فتلغى (لكن) وجوبا [وكأن قليلا] ٤ و (إنَّ) غالبا، ويغلب معها مهملةً اللام وكون الفعل التالي لها ناسخا، ويجب استتار اسم (أنَّ) وكون خبرها جملة، وكون الفعل [بعدها] ٥ دعائيا أو جامدا أو مفصولا بتنفيس أو نفي أو شرط٦ أو قد أو لو. ويغلب ل (كأنَّ) ما وجب ل (أَنَّ) إلا أن الفعل
стр. 487
بعدها [دائما] ١ خبري مفصول بقد أو لم ٢ خاصة.
ش: الباب الثالث عشر من المنصوبات اسم (إنَّ) وأخواتها وهي (أَنَّ) و (لكنَّ) و (كأنَّ) و (ليت) و (لعلَّ) .
وذكر الشيخ ﵀ لهذه الأحرف حالتين، وأردف كل حالة منهما ببيان حكمها.
فأما الحالة الأولى فهي اتصال (ما) المزيدة بهذه الأحرف.
وحكمها أنها تلغى، أي يبطل عملها.
ولهذا سميت (ما) هذه كافة لأنها كفَّت ما اتصلت به من الأحرف عن العمل. وهذه الأحرف بالنسبة إلى هذا الإلغاء٣ على قسمين:
قسم يلغى وجوبا، وهو ماعدا (ليت) .
وذلك لأنها قد أزالت اختصاصه بالأسماء٤، فوجب إهماله.
وقسم يلغى جوازا، وهو (ليت) .
وذلك لأن (ليت) لم يَزُل اختصاصها٥ بالأسماء بسبب اتصال (ما) بها٦.
стр. 488
وإنما جاز إلغاؤها نظرا إلى أن (ما) كافة في الجملة.
هذا مذهب سيبويه١، وهو الصحيح.
وقيل٢: إلغاؤها كلها على سبيل الجواز، وهو ضعيف.
مثال ما عدا (ليت) : ﴿قُل إِنّما يُوحَى إليّ أَنّما إلهُكم إلهٌ واحِدٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿كأَنّما يُساقُون إلى الموتِ وهُم ينظُرُون﴾ ٤.
وقول الشاعر:
٧٧-.... ................... ... ولكنَّما يُقْضَى فَسوْف يكون٥
стр. 489
وقوله:
٧٨- ... ...لًعلَّما ... أضَاءَتْ لك النّارُ الحِمارَ المُقيّدا١
ومثال (ليت) قول الشاعر:
٧٩- قَالتْ ألا لَيْتما هذا الحمامُ لنا٢ ... .... .... ..........................
стр. 490
يروى بنصب (الحَمَام) على الإعمال وبرفعه على الإلغاء.
وأما ٤٥/ب الحالة الثانية فهي تخفيف ذوات النون منها.
وذوات النون كما علمت أربعة ١، وحكمها مختلف بعد تخفيفها. فمنها (لكنّ) وحكمها إذا خفّفت أن تهمل وجوبا.
نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكِن اللهُ قَتَلَهُمْ﴾ ٢ في قراءة ٣.
هذا مذهب الجمهور٤، وأجاز الأخفش ويونس٥ إعمالها حينئذ٦.
ومنها (إنّ) المكسورة، ويجوز بعد تخفيفها إعمالها وإهمالها، لكن
стр. 491
إهمالها أكثر، وإليه أشار بقوله: (وإن غالبا) أي وتهمل (إن) غالبا.
وإنما أهملت في الغالب لزوال اختصاصها بالأسماء.
وإنما أعملت قليلا استصحابا لما كان١، نحو ﴿وَإِنْ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ..﴾ ٢ ثم إنها لمّا أن أهملت صارت بصورة (إنْ) النافية، فخيف اللبس فجيء بعدها باللام فارقة بينهما.
وهذه اللام إنما تجيء إذا لم تغن عنها قرينة لفظية، نحو (إنْ زيدٌ لن يقوم ٣ أو معنوية، نحو قوله:
٨٠- أنَا ابْنُ أُباة الضَّيْمِ مِن آلِ مالِكٍ ... وإِنْ مالكٌ كانتْ كِرامَ المَعَادِنِ٤
стр. 492
وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (ويغلب ١معها مهملةً اللام) .
وقوله: (وكون الفعل التالي٢ لها ناسخا) هو معطوف على قوله: (اللام) أي يغلب مع (إنْ) المهملة أمران اللام وكون الفعل ناسخا.
والأكثر في هذا الناسخ أن يكون ماضيا، نحو ﴿وإنْ كانَتْ لكَبيَرةً﴾ ٣ ويكون مضارعا كثيرا، نحو ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ ٤.
ووقوع غير الناسخ بعدها ماضيا أكثر من وقوعه مضارعا، مثال الأول قوله:
٨١- شَلَّتْ يَمينُكَ إنْ قتلْتَ لَمُسلِماً ... حلّتْ عليك عُقُوبَةُ المُتَعَمّدِ ٥
стр. 493
ومثال الثاني١ قوله: (إِنْ يَزينُك لنفْسُك وإنْ يَشِينُك لَهِيَهْ)
ومنها (أن) المفتوحة. وحكمها بقاء عملها.
ولكن يجب في اسمها كونه ضميرا، ويجب في خبرها أن يكون جملة.
وأشار إلى الأمور الثلاثة٣ بقوله: (ويجب استتار اسم (أنْ) وكون خبرها جملة) . ثم إن هذه الجملة قد تكون اسمية نحو قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤
وقد تكون فعلية ٤٦/أفعلها جامد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ ٥ أو دعاء، نحو قوله تعالى: ﴿والخَامِسةَ أنْ غَضِبَ الله
стр. 494
عليْها﴾ ١ فلا تحتاج لفاصل. وقد يكون غير ذلك فيجب حينئذ الفصل بأحد أمور٢:
إما بتنفيس إما٣ بالسين، نحو ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ٤، أو بسوف، كقوله:
٨٢- واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا٥
وإما٦ بنفي إما بلا، نحو ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٧.
أو بلن، نحو ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ٨.
стр. 495
وإما بقد نحو قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ١ أو (لو) نحو ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ ٢.
ومنها (كأن) وحكمها بقاء عملها٣.
ويجوز ثبوت اسمها وإفراد خبرها.
وإذا حذف اسمها، وكان خبرها جملة اسمية لم تحتج لفاصل ٤ وإن كانت فعلية وجب في فعلها٥ أن يكون خبريا لا دعائيا، وفصلت ب (لم) أو (قد) ٦.
تنبيهان:
الأول اعتباره للفاصل في الفعل الذي ليس بدعائي ولا جامد يؤخذ منه عدم الاحتياج إليه مع الجملة الاسمية كالفعلية التي فعلها جامد أو دعاء كما تقدم.