إهمالها أكثر، وإليه أشار بقوله: (وإن غالبا) أي وتهمل (إن) غالبا.
وإنما أهملت في الغالب لزوال اختصاصها بالأسماء.
وإنما أعملت قليلا استصحابا لما كان١، نحو ﴿وَإِنْ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ..﴾ ٢ ثم إنها لمّا أن أهملت صارت بصورة (إنْ) النافية، فخيف اللبس فجيء بعدها باللام فارقة بينهما.
وهذه اللام إنما تجيء إذا لم تغن عنها قرينة لفظية، نحو (إنْ زيدٌ لن يقوم ٣ أو معنوية، نحو قوله:
٨٠- أنَا ابْنُ أُباة الضَّيْمِ مِن آلِ مالِكٍ ... وإِنْ مالكٌ كانتْ كِرامَ المَعَادِنِ٤
стр. 492
وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (ويغلب ١معها مهملةً اللام) .
وقوله: (وكون الفعل التالي٢ لها ناسخا) هو معطوف على قوله: (اللام) أي يغلب مع (إنْ) المهملة أمران اللام وكون الفعل ناسخا.
والأكثر في هذا الناسخ أن يكون ماضيا، نحو ﴿وإنْ كانَتْ لكَبيَرةً﴾ ٣ ويكون مضارعا كثيرا، نحو ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ ٤.
ووقوع غير الناسخ بعدها ماضيا أكثر من وقوعه مضارعا، مثال الأول قوله:
٨١- شَلَّتْ يَمينُكَ إنْ قتلْتَ لَمُسلِماً ... حلّتْ عليك عُقُوبَةُ المُتَعَمّدِ ٥
стр. 493
ومثال الثاني١ قوله: (إِنْ يَزينُك لنفْسُك وإنْ يَشِينُك لَهِيَهْ)
ومنها (أن) المفتوحة. وحكمها بقاء عملها.
ولكن يجب في اسمها كونه ضميرا، ويجب في خبرها أن يكون جملة.
وأشار إلى الأمور الثلاثة٣ بقوله: (ويجب استتار اسم (أنْ) وكون خبرها جملة) . ثم إن هذه الجملة قد تكون اسمية نحو قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤
وقد تكون فعلية ٤٦/أفعلها جامد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ ٥ أو دعاء، نحو قوله تعالى: ﴿والخَامِسةَ أنْ غَضِبَ الله
стр. 494
عليْها﴾ ١ فلا تحتاج لفاصل. وقد يكون غير ذلك فيجب حينئذ الفصل بأحد أمور٢:
إما بتنفيس إما٣ بالسين، نحو ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ٤، أو بسوف، كقوله:
٨٢- واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا٥
وإما٦ بنفي إما بلا، نحو ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٧.
أو بلن، نحو ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ٨.
стр. 495
وإما بقد نحو قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ١ أو (لو) نحو ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ ٢.
ومنها (كأن) وحكمها بقاء عملها٣.
ويجوز ثبوت اسمها وإفراد خبرها.
وإذا حذف اسمها، وكان خبرها جملة اسمية لم تحتج لفاصل ٤ وإن كانت فعلية وجب في فعلها٥ أن يكون خبريا لا دعائيا، وفصلت ب (لم) أو (قد) ٦.
تنبيهان:
الأول اعتباره للفاصل في الفعل الذي ليس بدعائي ولا جامد يؤخذ منه عدم الاحتياج إليه مع الجملة الاسمية كالفعلية التي فعلها جامد أو دعاء كما تقدم.
стр. 496
الثاني قوله: (ويغلب لكأنْ ما وجب لأنْ) ١ يقتضي أن إعمالها غالب وأنه يجوز إهمالها، كما شرحناه. وهو ٢مذهب الزمخشري ٣خلافا للجمهور ٤.
ص: واسم (لا) النافية للجنس، وإنما يظهر نصبه إن كان مضافا أو شبهه، نحو لا غلامَ سفرٍ عندنا ولا طالعاً جبلاً حاضرٌ.
ش: الباب الرابع عشر من المنصوبات اسم (لا) النافية للجنس وهو٥ على قسمين:
مبني، وهو المفرد المتقدم ذكره بشروطه ٦، وهو منصوب المحل لا
١ أي من العمل، فالعمل الواجب لأنْ المخففة غالب لكأنْ المخففة وليس واجبا.
٢ أي إهمالها مذهب الزمخشري لأنه يرى أن (كأن) إذا خففت بطل عملها، ولكن ابن يعيش تأول قوله: يبطل عملها بأن المراد به أنها تعمل في ضمير الشأن. وهذا كلام غريب. ينظر المفصل ص ٣٠١ وشرح المفصل ٨/٨٢.
٣ هو محمود بن عمر الزمخشري، من أهل خوارزم، كان واسع العلم، متبحرا في أكثر العلوم، ولد سنة ٤٩٧ هـ، وجاور بمكة فسمي جار الله، صنف كتبا نافعة منها الكشاف والمفصل والفائق في غريب الحديث وأساس البلاغة. توفي سنة ٥٣٨ هـ.
ينظر نزهة الألباء ص٢٩٠ وإنباه الرواة ٣/٢٦٥ ومعجم الأدباء ١٩/١٢٦ وبغية الوعاة ٢/٢٧٩.
٤ مذهب الجمهور هو إعمال (كأن) إذا خففت وجوبا.
ينظر التصريح ١/٢٣٤ وهمع الهوامع ١/١٤٣ وشرح الأشموني ١/٢٩٣.
٥ في (ج) : (وهي) .
٦ تقدم ذلك في المبنيات ص ٢٤٦.
стр. 497
غير. وغير مبني، وهو ما ليس بمفرد، وهو المضاف والشبيه به وهو الذي اتصل به شيء من تمام معناه ١. ويظهر النصب في لفظه.
فالمضاف نحو (لا غلامَ سفرٍ عندنا) .
والشبيه به ٢نحو: (لا طالعا جبلا حاضر) .
وقوله: (اسم (لا) النافية للجنس) تصريح بأن المفرد وغيره معدودان من المنصوبات، لكن المفرد منصوب محلاَّ لا غير ٣ وغيره٤ منصوب لفظا أيضا وهو ظاهر.
٤٦/ب ص:٥ والمضارع بعد ناصب، وهو لن أو كي المصدرية مطلقا، أو إذن إن صُدرت وكان الفعل مستقبلا متصلا أو منفصلا بقسم أو بلا أو [بعد] ٦ أن المصدرية [نحو ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي
стр. 498
خَطِيئَتِي﴾ ١ إن لم تسبق بعلم، نحو ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ٢.
فإن سبقت بظن فوجهان، نحو ﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٣.
ش: الباب الخامس عشر من المنصوبات المضارع الداخل عليه أحد أدوات النصب الأربعة المذكورة، وهي لن وكي المصدرية وإذن وأنْ.
وقدم (لن) لأنها لا تكون غير ناصبة، وأخر (أنْ) وإن كانت هي٤ أم الباب وأقوى من غيرها في العمل، إذ تعمل ظاهرة ومقدرة، لانتشار الكلام فيها، واستتباعه ما يطول.
فأما (لن) فهي لنفي المستقبل، ولا تقتضي تأبيد النفي٥ ولا تأكيده٦
стр. 499
ولا تقع دعائية١ وليس أصلها (لا) ٢ ولا٣ (لا أن) ٤.
وأما (كي) فلا بد أن تكون مصدرية، كما صرّح به الشيخ، احترازا من التعليلية فإن الناصب بعدها (أنْ) مضمرة، وليس هي الناصبة.
وتتعين مصدريتها إن سبقتها اللام، نحو ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ ٥ وتعليليتها٦ إن تأخرت اللام أو (أن) نحو جئتك كي لتقضيني حقي٧ وقوله:
٨٣-.. .. ... .. كيما أن تغر وتخدعا ٨
стр. 500
لأنه لا يفصل بين الحرف المصدري وصلته، والتوكيد خلاف الأصل فلا يرتكب ١ لغير ضرورة.
ويصح الأمران في٢ نحو قوله: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ ٣، وكذا في قول الشاعر:
٨٤- أردتَ لِكيما أَنْ تَطِير بِقِرْبتي ... ..................................... ٤
стр. 501
فيصح فيه اعتبار كونها تعليلية مؤكدة لللام ١ وأن تكون مصدرية و (أنْ) مؤكدة لها٢.
وقوله: (مطلقا) أي ينصب بلَنْ وكي المصدرية مطلقا عن الشروط المعتبرة في نصب أختيها.
وأما (إذن) فهي حرف جواب وجزاء ٣
وشرطها أن تتصدر، فلا تكون حشوا، وإليه أشار بقوله: (إن صُدرت) . ومتى وقعت حشوا أهملت ٤، كقول الشاعر:
٨٥- لئنْ عادَ لي عبدُ العزيز بمثلِهَا وأمْكَنَني منها إذَنْ لا أقيلُها٥
وحمل على الضرورة نحو قوله:
٨٦-.... .... ... إني إذَنْ أَهْلِكَ أو أَطِيرا ٦
стр. 502
مما وقعت فيه عاملة وهى في حشو الكلام.
ويجوز أن يقدر ٤٧/أذلك محذوفا منه خبر (إنّ) و (إذَنْ) واقعة في الابتداء١. وبجوز النصب بها بعد الواو والفاء٢.
وأن يكون المنصوب بها مستقبلا، فلو قيل لك: أنا أحبك، فقلت٣: (إذَنْ تَصْدُقُ) رفعت لأنه حالّ، وأدوات النصب تخلص الفعل للاستقبال فلا تعمل في الحال.
وأن تتصل بالفعل المنصوب بها. وفي معناه٤ أن يفصِل بينهما
стр. 503
القَسَمُ، أو (لا) كما صرح به المصنف.
ووجهه أن النافي كالجزء من المنفي، فكأنه لا فاصل.
وأما القَسَم فإنه زائد مؤكد فلم يمنع الفصل به من النصب هنا كما لم يمنع من الجر في قولهم: (إنّ الشّاةَ لتجْترُّ فتسمعُ صَوتَ واللهِ ربِّها) ١.
واعلم أن سيبويه٢حكى عن بعض العرب إلغاء (إذن) مع توفر الشروط. قال بعضهم٣: (وهو القياس، لأنها غير مختصة والأكثرون أعملوها حملا لها على (ظن) لأنها مثلها في جواز تقديمها على الجملة وتأخرها عنها٤ وتوسطها بين جزأيها، كما حملت (ما) على (ليس) وان كانت غير مختصة) ٥.
وأما (أنْ) فنحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ٦ وشرط نصبها ألاَّ تكون مخففة من الثقيلة.
وربما أهملت، حملا على (ما) المصدرية، كما أعملت (ما) المصدرية
стр. 504
قليلا، حملا عليها١. فمن الأول٢ قوله:
٨٧- أن تَقْرَآنِ عَلَى أَسْماءَ وَيْحَكُما ... مَنّي السَّلاَمَ وَأَلاَّ تُشْعِرَا أَحَدًا٣
ومن الثاني٤ الحديث في بعض الروايات: "كما تكونوا يولى عليكم"٥.
والمخففة من الثقيلة هي الواقعة بعد ما يدل على التحقيق، سواء
стр. 505
كان بلفظ العلم أو الظن، والى ذلك أشار بقوله: (إن لم تُسبق بعلم) فإن المراد بالعلم ما دل على التحقيق، كما ذكرنا لا لفظ (علم) .
فإن وقعت بعد ما يفيد ظنا، سواء كان بلفظ (ظن) أو ما أشبهه من (حسب) ١ ونحوه، جاز فيه اعتبار كونها مصدرية، حملا للظن على بابه، وكونها مخففة حملا له على اليقين. والى ذلك أشار المصنف٢ بقوله: (فإن سبقت بظن ٤٧/ب فوجهان) . ومثّل له بقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَُ فِتْنَةٌ﴾ ٣.
فمن نصبه٤ جعلها مصدرية، ومن رفعه٥ جعلها مخففة من الثقيلة٦.
ص: وتضمر (أنْ) بعد ثلاثة من حروف الجر، وهي (كي) نحو ﴿كَيْلا يَكُونَ دُولَةً﴾ ٧ و (حتى) إن كان الفعل مستقبلا بالنظر إلى ما
стр. 506
قبلها، نحو ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ١ [وأسلمت حتى أدخل الجنة] ٢ واللام تعليلية مع المجرد من (لا) نحو ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ ٣ بخلاف ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ ٤ أو جحودية نحو ما كنت أو لم أكن لأفعل.
ش: قد أسلفا فيما سبق أن (أنْ) تعمل ظاهرة ومقدرة، وقد تقدم أمثلة ما تعمل فيه ظاهرة، والغرض الآن بيان ما تعمل فيه مضمرة.
وإضمارها على قسمين واجب وجائز.
وقد اشتمل هذا الكلام على إضمار (أنْ) بعد حروف الجر٥.
ومنها ما أضمرت بعده على سبيل الوجوب ومنها ما تضمر بعده على سبيل الجواز كما سنبينه إن شاء الله تعالى
الحرف الأول مما تنصب (أنْ) المضارع بعده مضمرة هي (كي) التعليلية لا المصدرية، فإن تلك هي الناصبة كما تقدم ٦
وهذا الإضمار على سبيل الوجوب فلا يظهر إلا في الشعر.
وقد سبق ذكر ما يتعين أن تكون فيه تعليلية وما يتعين أن تكون فيه
стр. 507
مصدرية وما يجوز فيه الأمران.
ومثالها قوله تعالى: ﴿كَيْلا يَكُونَ دُولَةً﴾ ف (يكون) منصوب١ بأن مضمرة لا تظهر ٢.
الثاني من الحروف التي تضمر بعدها (أنْ) وجوبا (حتّى) الجارّة وهي التي تدخل على الاسم الصريح، بمعنى (إلى)
وتدخل على المضارع فيتعين حينئذ إضمار (أن) بعدها ناصبة لتكون٤مع الفعل في تأويل مصدر مجرور ب (حتّى) ٥.
ولا يجوز إظهار (أنْ) بعدها لا في شعر ولا في نثر، ولا يكون الفعل بعدها إلا مستقبلا أو مؤولا به.
وخرج بالجارّة العاطفة، وهي التي تعطف بعضاً٦ على كلٍّ، كما سيأتي في باب التوابع٧.
стр. 508
والابتدائية وهي الداخلة على جملة مضمونها غاية لشيء قبلها، كقول الشاعر:
..... .... .... . ... ... ... حتّى ماءُ دِجلةَ أشكَلُ١
وقولهم: (شربَتْ ٤٨/أالإبلُ حتى يجيءُ البعير يجر بطنه)
ولا يكون الفعل بعدها٣ إلا حالا أو مؤولا به
بخلاف الجارّة فلا بد أن يكون الفعل الذي بعدها مستقبلا٤، كما تقدم. وذلك بالنظر إلى ما قبله٥ سواء كان مستقبلا بالنظر أيضا إلى زمن التكلم أم لا.
نحو قوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ٦
стр. 509
وقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ ١ في قراءة النصب٢.
واعلم أنه حيث انتصب المضارع ب (أنْ) بعد (حتى) فالغالب٣ أن تكون (حتى) للغاية، نحو قوله تعالى٤: ﴿لَنْ نَبْرَحَ ... ﴾ الآية.
وعلامتها صلوح (إلى) موضعها. وقد تكون للتعليل، كقوله: (جُد حتّى تُغني فقيرا) ٥. وعلامتها صلوح كي٦ في موضعها.
وقال ابن مالك٧ تبعا لبعضهم ٨ (وقد تكون بمعنى إلاَّ أنْ) ٩ كقوله:
٨٩- ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجودَ وما لديك قليل١٠
стр. 510
أي إلا أن تجود.
والذين لا يثبتون هذا المعنى يجعلون هذا البيت على معنى (إلى) ١.
الثالث من الحروف الجارة التي تضمر٢ بعدها (أنْ) هي اللام.
وإضمار (أنْ) بعدها إما واجب أو جائز أو ممتنع.
فإن كانت تعليلية وتجرد الفعل من (لا) فالإضمار جائز نحو جئتك لأقرأ، أي لأن أقرأ، ويجوز إظهارها.
وإن قرن الفعل ب (لا) سواء كانت نافية أو مؤكدة وجب إظهار (أنْ) بعد اللام، وامتنع الإضمار٣ نحو قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ ٤.وقوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ٥.
стр. 511
وان كانت لام الجحود١ وهي المسبوقة بكون منفي، ماض إما لفظا ومعنى أو معنى فقط٢، وجب بعدها إضمار (أن) ولا يجوز إظهارها بحال من الأحوال٣، نحو قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ٥.
تنبيهات:
الأول: أراد المصنف رحمه الله تعالى ٦ بقوله: وتضمر (أن) مجرد الإضمار، أعمّ من أن يكون واجبا أو جائزا، بدليل أنه٧ بعد أن استوفى ذكر مواضع الإضمار مطلقا بيّن مواضع الوجوب من مواضع الجواز.
الثاني: تقييده اللام [٤٨/ب] بما ذكره٨ ربّما يخرج لام٩ العاقبة١٠ واللام
стр. 512
المؤكدة١ بناء على مغايرتهما لها، وهو ظاهر صنعه في الشرح٢، مع أن إضمار (أنْ) بعدهما جائز٣ أيضا.
ومذهب الجمهور٤ رد لام العاقبة إلى التعليلية.
وقال في شرح الزوائد٥: (والمختار رد المؤكدة إليها) ٦أيضا.
الثالث: قوله: (أو جحودية) معطوف على قوله: (تعليلية) أي تضمر (أن) بعد اللام حال كونها تعليلية أو جحودية.
وقوله: (ما كنت أو لم أكن لأفعل) تقديره: ما كنت لأفعل أو لم أكن لأفعل. ومثّل بمثالين أحدهما للماضي في اللفظ والمعنى، والثاني للماضي في المعنى فقط وهو المنفى ب (لم) ٧.
ص: وبعد ثلاثة من حروف٨ العطف، وهي أو بمعنى (إلى) نحو لألزمنك أو تقضيني حقي، أو (إلا) نحو لأقتلنه أو يسلم وفاء السببية
стр. 513
وواو المعية مسبوقين بنفي محض أو طلب بغير اسم الفعل نحو ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ ١ ونحوه٢ ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣ ونحو ﴿لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ ٤ و (لا تَنْه عن خلق وتأتيَ مثله) .
ش: لما فرغ من ذكر٥ ما أضمرت (أنْ) بعده من الحروف الجارة أخذ يذكر ما أضمرت أيضا بعده من الحروف العاطفة.
فمنها (أو) وتضمر (أنْ) بعدها وجوبا إذا صلُح في موضعها (إلى) نحو (لألزمنك أو تقضيَني حقي) أي إلى أن تقضيني حقي.
أو (إلا) نحو (لأقتلنه أو يسلمَ) أي إلاّ أن يُسلم.
والضابط في ذلك٦ أن الفعل الذي بعدها إن كان مما ينقضي شيئا فشيئا فهو موضع٧ (إلى) وإن لم يكن فهو موضع (إلاَّ) .
فإن لم يصلح في موضعها أحدهما، وورد المضارع منصوبا بعدها نحو قول الشاعر:
стр. 514
٩٠- فلولا رجال من رزام أعِزة ... وآل سُبيع أو أسوءك علقما١
جاز إظهار (أنْ) ولم يجب إضمارها.
ومنها فاء السببية، وهي التي قصد بها الجزاء، إذا كانت مسبوقة بنفي محض، والمراد به ألاّ تتلو تقريرا٢، نحو (ألم ٣ تأتني فأحسنُ إليك) ، وألا يكون متلوا بنفي محض٤نحو (ما تزال [٤٩/أ] تأتينا فتحدثُنا) . وألاَّ ينتقض بإلاّ نحو (ما تأتينا إلاّ فتحدثُنا) ٥.
стр. 515
أو كانت مسبوقة بطلب محض أيضا، وهو الذي أشار إليه الشيخ بقوله: (بغير اسم الفعل) .
والمراد به أن يكون بفعلٍ أصلٍ في ذلك، فخرج الطلب بالمصدر، نحو (سقيا) أو باسم فعل١، نحو (صه) أو بلفظ الخبر، نحو (رحم الله زيدا) . فلا ينصب الفعل بعد شيء منها٢.
مثال ذلك (ما تأتينا فتحدثَنَا) بالنصب إذا قصدت معنى الجزاء والسببية، أي ما تأتينا محدثا٣ فيكون المقصود نفي اجتماعها.
أو٤ (ما تأتينا فكيف تحدثَنا) فيكون المقصود نفي الثاني لانتفاء الأول.
وخرجت الفاء التي لمجرد العطف، نحو (ما تأتينا فتحدثُنا) على معنى فما٥ تحدثنا، والاستئنافية، نحو (ما تأتينا فتحدثُنا) على معنى ما تأتينا فأنت تحدثنا.
стр. 516
والفرق بينهما١ أن في الأول ما قبل الفاء وما بعدها منفيان، وفي الثاني ما قبلها منفي وما بعدها مثبت.
ومنها واو المعية، وهي التي تفيد٢ معنى (مع) فإن (أنْ) مضمرة ٣ بعدها وجوبا أيضا بعد النفي والطلب بشرطيهما السابقين٤.
نحو (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن) ٥. أي لا يكن٦ منك أكل للسمك مع شرب اللبن ٧ فيكون ذلك نهيا عن الجمع بينهما، فلا يمتنع الإتيان بأحدهما منفردا.
وخرجت الواو التي لمجرد العطف نحو (لا تأكلْ السمك وتشربْ اللبن) بجزم (تشرب) عطفا على (تأكل) ، فيكون ذلك نهيا عن كل واحد منهما. والاستئنافية نحو (لا تأكل السمك وتشربُ اللبن) ٨، أي وأنت تشرب اللبن. فلا يجوز النصب أيضا، بل يجب الرفع، ويكون نهيا عن أكل السمك وإخبارا بشرب اللبن٩
стр. 517
ومثل المصنف للنصب بعد الفاء الواقعة بعد النفي المذكور، بقوله تعالى ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ ١. وللنصب بعد الواو الواقعة بعده بقوله٢ تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣ فإن قبله النفي في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ [٤٩/ب] جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ .
وشمل الطلب المذكور الأمر، ومثاله بعد الفاء قوله:
٩١- يا ناقُ سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا٤
ومثاله٥ بعد الواو كقوله٦:
стр. 518
٩٢-فقلتُ ادْعِي وأدعوَ إن أنْدى لصوتٍ أن يُنادي داعيان١
والنهي٢، ومثل المصنف٣ له بعد الفاء بقوله تعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ ٤، وبعد الواو بقول أبي الأسود الدؤلي ٥:
٩٢- لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه ... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم٦
стр. 519
والدعاء ١ والاستفهام والعرض٢ والتمني والتحضيض٣ ولا تخفى أمثلتها ٤ بعد الفاء والواو٥.
стр. 520
تنبيهات:
الأول: قوله: (وهي أو بمعنى إلى أو إلا) قد يتوهم منه مرادفة (أو) للحرفين المذكورين، وليس كذلك، بل هي (أو) العاطفة التي لأحد الشيئين. فلو عبّر بصلاحية أحد الحرفين موضعها، كما عبرنا لكان أحسن.
الثاني: تقييده الطلب بغير اسم الفعل قد١ علمت أن في معنى اسم الفعل الخبر٢ والمصدر، فكأنه قال: بغير اسم الفعل وما في معناه.
وكأنه إنما اقتصر عليه ٣ لأن الكسائي٤ جوّز النصب بعد الطلب به٥ كما في الطلب بالخبر، فينتفي الطلب بالمصدر من باب أولى، إذ لم يقل بالنصب بعده أحد فيما علمت.
الثالث: قد علم مما تقرر أن النصب بعد الواو ليس على معنى النصب بعد الفاء ٦، وإن اشتركا في شرطه.
الرابع: ما ذكره من أن النصب بأنْ المقدرة بعد أو والواو والفاء هو الصحيح٧.
стр. 521
ومذهب الكسائي١ أن أو والواو والفاء [هي الناصبة] ٢. ومذهب الفراء وجماعة من الكوفيين٣ أن النصب بالمخالفة.
ويرد على الكسائي أن هذه حروف٤ عاطفة فلا تصلح للعمل لعدم اختصاصها٥. وعلى الفراء ومن معه أن العامل اللفظي حيث أمكن لا يعدل عنه إلى المعنوي كما تقدم. والله أعلم.
ص: وبعد الفاء والواو وأو وثم إن عطفن على اسم خالص نحو ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ ٦ ونحو (ولُبسُ عباءة وتقرَّ عيني) .
ش: يعني ٥٠/ب أن (أن) كما أضمرت بعد ما تقدم من الحروف، وهي (أو) والواو والفاء كذلك تضمر بعدهن وبعد (ثم) لكن في محل آخر، وهو ما إذا عطف أحد هذه الحروف٧ على اسم خالص، أي من تأويل الفعل.
стр. 522
واحترز بذلك من نحو قولهم١: (الطائر فيغضبُ زيدٌ الذبابُ) فإنه لا ينصب الفعل وان كان العطف على اسم وهو (الطائر) ،لأنه في تأويل الفعل، أي الذي يطير.
فمثال (أو) قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ ٢ في قراءة النصب٣ عطفا على (وَحْيَاَ) ٤.
ومثال الواو قول ميسون٥ زوج معاوية، رضى الله عنه:
٩٤- ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عَيني ... أحبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ٦
تنبيه:
اقتصاره على حذف (أنْ) بعد ما ذكره من الحروف يفهم منه أنها لا تحذف في غيره، وهو كذلك. لكن قد وردت مواضع شاذه، نصب الفعل فيها ب (أنْ) محذوفة وليست مما تقدم.
فمن ذلك١ قولهم (خذ اللص قبل يأخذَك) ٢ بالنصب.
وقولهم (تسمَع بالمعيدي خير من أنْ تراه) ٣ بالنصب أيضا. فيحفظ ما ورد منها ولا يقاس عليه.
ص: ولك معهن ومع لام التعليل إظهار (أن) .
ش: بَيّن في هذا الكلام ما يجب فيه إضمار (أَنْ) وما لا يجب مما تقدم. فذكر أنه يجوز إظهارها٤ بعد هذه الأحرف الأربعة في مسألة العطف على اسم خالص، وبعد لام (كي) وهي٥ المراد بقوله: (لام التعليل) .
стр. 525
وفهم من ذلك أن الإضمار واجب في غير ذلك. وهو سائر ما تقدم، ومنه١ لام الجحود.
وتدخل٢ لام العاقبة واللام المؤكدة أي الزائدة في لام التعليل، التي هي لام كي، على ما تقدم.
стр. 526
ص: باب المجرورات ثلاثة، المجرور بالحرف وهو ١ من وإلى وعن وعلى والباء، واللام وفي مطلقا.
ش: لما أنهى الكلام على المنصوبات شرع في ذكر المجرورات، وهي ثلاثة أنواع:
مجرور بالحرف، ٥٠/ب ومجرور بالإضافة ومجرور بالمجاورة.
وقدّم المجرور بالحرف على المجرور بالإضافة٢ لكونها على معنى الحرف، حتى قيل٣: إنه٤ العامل في المضاف إليه الجر، فكأنها٥ فرع
стр. 527
وأخر المجرور بالمجاورة لشذوذه١.
والحروف الجارة منها ما يجر الظاهر والمضمر.
وقدمه على غيره لعمومه، فإنه يدخل على الظاهر زمانا أو غيره وعلى الضمير، وإلى عمومه أشار بقوله: (مطلقا) .
ومنها ما يختص ببعض ذلك وهو أنواع٢ ستأتي.
وذكر هنا القسم الأول، وهو سبعة: أحدها (مِنْ) نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ ٣ وتأتي للتبعيض، نحو ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ٤ ولبيان الجنس، نحو ﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب﴾ ٥ ولابتداء الغاية المكانية٦ باتفاق، نحو ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٧ والزمانية على الأصح٨، نحو ﴿مِن أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ٩
عَنْهُم﴾ ١. وتارة للمجاوزة٢، نحو سرت عن البلد٣ ورميت عن القوس.
وللبعدية، نحو ﴿طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ ٤ أي بعده. وللاستعلاء، نحو ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٥ أي على نفسه.
وللتعليل، نحو ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِك﴾ ٦ أي لأجل قولك٧.
رابعها (على) نحو ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ٨.
وتأتي للاستعلاء٩ نحو صعدت على السطح.
стр. 530
وللظرفية، نحو ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ ١ أي في حين غفلة.
وللمجاوزة، كقوله:
٩٧- إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشير لَعمرُ أَبيك أَعجبني رِضَاها٢
أي عَنِّي. وللمصاحبة، نحو ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ ٣ أي مع ظلمهم.
خامسها الباء، نحو ﴿آمنُوا بِاللهِ﴾ ٤, ﴿آمنُوا بِهِ﴾ ٥.
وتأتي/للاستعانة، نحو كتبت بالقلم، وللتعدية، نحو ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ ٦