ص: باب المجرورات ثلاثة، المجرور بالحرف وهو ١ من وإلى وعن وعلى والباء، واللام وفي مطلقا.
ش: لما أنهى الكلام على المنصوبات شرع في ذكر المجرورات، وهي ثلاثة أنواع:
مجرور بالحرف، ٥٠/ب ومجرور بالإضافة ومجرور بالمجاورة.
وقدّم المجرور بالحرف على المجرور بالإضافة٢ لكونها على معنى الحرف، حتى قيل٣: إنه٤ العامل في المضاف إليه الجر، فكأنها٥ فرع
стр. 527
وأخر المجرور بالمجاورة لشذوذه١.
والحروف الجارة منها ما يجر الظاهر والمضمر.
وقدمه على غيره لعمومه، فإنه يدخل على الظاهر زمانا أو غيره وعلى الضمير، وإلى عمومه أشار بقوله: (مطلقا) .
ومنها ما يختص ببعض ذلك وهو أنواع٢ ستأتي.
وذكر هنا القسم الأول، وهو سبعة: أحدها (مِنْ) نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ ٣ وتأتي للتبعيض، نحو ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ٤ ولبيان الجنس، نحو ﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب﴾ ٥ ولابتداء الغاية المكانية٦ باتفاق، نحو ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٧ والزمانية على الأصح٨، نحو ﴿مِن أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ٩
عَنْهُم﴾ ١. وتارة للمجاوزة٢، نحو سرت عن البلد٣ ورميت عن القوس.
وللبعدية، نحو ﴿طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ ٤ أي بعده. وللاستعلاء، نحو ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٥ أي على نفسه.
وللتعليل، نحو ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِك﴾ ٦ أي لأجل قولك٧.
رابعها (على) نحو ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ٨.
وتأتي للاستعلاء٩ نحو صعدت على السطح.
стр. 530
وللظرفية، نحو ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ ١ أي في حين غفلة.
وللمجاوزة، كقوله:
٩٧- إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشير لَعمرُ أَبيك أَعجبني رِضَاها٢
أي عَنِّي. وللمصاحبة، نحو ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ ٣ أي مع ظلمهم.
خامسها الباء، نحو ﴿آمنُوا بِاللهِ﴾ ٤, ﴿آمنُوا بِهِ﴾ ٥.
وتأتي/للاستعانة، نحو كتبت بالقلم، وللتعدية، نحو ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ ٦
стр. 531
أي أذهبه. وللتعويض، كبعت١ هذا بهذا. وللإلصاق نحو أمسكت٢ بزيد. وللتبعيض٣ نحو ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ ٤ أي منها، وللمصاحبة، نحو ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ٥ أي مصاحبين معه. وللمجاوزة. نحو ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ٦ أي عنه. وللبدل، نحو أخذت الدرهم بالدينار، أي بدله.
وللظرفية. نحو ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ ٧ أي فيه. وللاستعلاء نحو ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ ٨ أي عليه. وللسببية، نحو ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ ٩ وزائدة، نحو ﴿كَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ ١٠.
وللتقوية١ نحو ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُريدُ﴾ ٢. ولانتهاء الغاية، نحو ﴿لأجَلٍ مسمى﴾ ٣. وللقَسَم، نحو (لله لا يؤخر الأجل) . وللصيرورة:
٩٩- لِدُوا للموت وابنوا للخراب ... فكلُّكم يصير إلى ذهاب٤
وللبعديه ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ٥ أي بعده. وللاستعلاء نحو ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ ٦ أي عليها.
стр. 534
سابعها (في) نحو ﴿وفي الأرض﴾ ١، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ﴾ ٢.
وتأتي للظرفية المكانية، نحو ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ ٣ والزمانية، نحو ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ٤ والمجازية، نحو ﴿فِي يُوسُفَ﴾ ٥.
وللسببية، نحو ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٦. وللمصاحبة نحو ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ ٧ وللاستعلاء، نحو ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٨ وللمقايسة، نحو ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ ٩.
ص: والكاف وحتى والواو للظاهر مطلقا، والتاء لله وربِّ [مضافاً للكعبة أو الياء] ١٠ وكي لما الاستفهامية و (أنْ) المصدرية
стр. 535
وصلتها ١ ومنذ ومذ ٢ لزمن غير مستقبل ولا مبهم.
و (رُبّ) لضمير غيبة مفرد مذكر مميز بمطابق المعنى قليلا ومنَكَّر كثيرا ٣.
ش: لما فرغ من ذكر٤ القسم الأول أخذ يذكر القسم الثاني. وهو الحروف ٥١/ب المختصة٥ وهي أنوع:
فمنها ما يختص بالظاهر مطلقا، أي أيّ ظاهر كان، فلا يختص بظاهر دون ظاهر ولا يدخل على ضمير. وهذا النوع ثلاثة أحرف.
أولها الكاف، وتأتي للتشبيه، نحو ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ٦.
وللتعليل، نحو ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ ٧ أي لأجل هدايته إياكم٨.
وللاستعلاء، كقول بعضهم٩، وقد قيل له: كيف أصبحت:
стр. 536
كخير١ أي على خير.
وزائدة للتوكيد، نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢ أي ليس شيءٌ مثلَه.
ثانيها (حتى) ولا يجربها إلا آخر أو متصل بآخر، فلا يقال٣
سهرت البارحة حتى نصفها.
وتأتي لانتهاء الغاية المكانية، نحو (أكلت السمكة حتى رأسها) .
والزمانية، نحو ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ٤.
ثالثها الواو، ومعناها القسم، نحو والله والنبي والكعبة٥.
ومنها ما يختص بلفظ (الله) ولفظ (رَبّ) مضافا إلى الكعبة.
أو إلى ياء المتكلم، وهو حرف واحد، وهو تاء القسم، تقول: تَاللهِ لأفعلنَّ، وتَرَبِّ الكعبة٦، وتَرَبِّى لأقومن٧.
стр. 537
ومنها ما يختص ببعض الظواهر أيضا، وهو١ (كي) .
وذكر الشيخ أنه يجر به شيئان:
أحدهما: ما٢ الاستفهامية، يقولون إذا سألوا عن علّة الشيء: كيمه، والأكثر أن يقولوا: لمه.
ثانيهما: (أن) المصدرية وصلتها، نحو جئتك كي تكرمني، إذا قُدّرت أنْ بعدها، أي كي أن تكرمني، وقد ظهرت في الضرورة كقوله:
............................... ... كَيْمَا أَنْ تَغَرَّ وَتَخْدَعَا٣
ومنها ما يختص من الظاهر بالزمان، وهو (مذ) و (منذ) .
ويشترط أن يكون غير مبهم، فلا تقول: جئتك مذ وقت أو منذ زمن. وأن يكون غير مستقبل، بأن يكون ماضيا.
ومعناهما حينئذ ابتداء الغاية، كقوله:
١٠٠-............ ... ورَبْعٍ عَفَتْ آثارُه مُنْذُ أزْمَانِ٤
стр. 538
أو حاضراً ومعناهما حينئذ الظرفية. نحو (ما رأيته منذ يومِنا) ١. ويمتنع أن تقول٢: لا أراه منذ غد٣.
ومنها ما يختص بنوع من المضمرات وبنوع من المظهرات، وهو (رُبّ) .
فأما الأول فهو ضمير الغيبة الملازم للإفراد والتذكير٤، بشرط أن يفسر بتمييز ٥٢/أعده مطابق ٥ للمعنى
وأما الثاني فهو النكرة، وهذا هو الكثير، والأول هو القليل٦.
فمن الأول قوله:
رُبّه فتيةً دعوت إلى ما ... يورث المجد دائما فأجابوا٧
стр. 539
ومن الثاني١ قولك: رُبّ رجل٢
وهي موضوعة للتكثير والتقليل٣. لكنها تستعمل للتكثير كثيرا، نحو، قوله: (يا رُبَّ كَاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ يومَ القيامة)
وللتقليل قليلا، كقوله:
١٠٢- ألا رب مولود وليس له ... أب وذي ولد لم يلده أبوان
وذي شامة سوداءَ في حُرِّ وجْهِهِ ... مُجلَّلةً لا تنقضي لزمانِ
ويكْمُلُ في خمسٍ وتِسعٍ شبابُُه ... ويهرُم في سبعِ مضت وثمَانِ٥
стр. 540
يريد عيسى وآدم ﵉ – والقمر١.
تنبيهات:
الأول: قد ورد جرّ الكاف للضمير في قوله:
١٠٣-............ ... وأُمَّ أَوْعَالٍ كها أو أَقربا٢
стр. 541
وقوله:
١٠٤- ولاتَرَى بعلاً ولاحَلائِلاَ ... كَهُو وَلاَ كَهُنّ إِلاّ حَاظِلا١
لكنه محكوم عليه بالشذوذ والضرورة، فلذلك لم يذكره المصنف.
الثاني: مقتضى قوله: (وكي لما الاستفهامية أو أنْ المصدرية) . أنها لا تجر غيرهما٢.
ونقل عن الأخفش٣ أنها تجر (ما) المصدرية وصلتها٤ كقوله:
١٠٥- إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنما ... يراد الفتى كيما يضُرّ وينفع٥
стр. 542
وغير الأخفش يرى أن (ما) كافة لا مصدرية ويجعل (أن) المصدرية مضمرة ١ وكلام المصنف يوافق هذا٢.
الثالث: اختلف في الضمير المجرور ب (رُبَّ) .
فقيل: معرفة كغيره من الضمائر٣.
وقيل٤: نكرة لأنها لا تدخل إلا على النكرات٥، وهو مقتضى كلام
стр. 543
المصنف فيما سبق وقد قدمنا الكلام عليه في بحث النكرة١.
الرابع: بقي من حروف الجر٢ خلا وعدا وحاشا ومتى ولعل ولم يذكرها المصنف هنا، لأن الثلاثة الأول تقدم له ذكرها في باب الاستثناء٣، والأخيران شاذان٤.
ص: ويجوز حذفها معه، فيجب بقاء عملها، وذلك بعد الواو كثير والفاء وبل قليل٥، وحذف اللام قبل (كي) وخافض (أنّ) و (أنْ) مطلقا.
ش: ذكر في هذا الكلام ما يحذف من حروف الجر.
فمنها ما يحذف مع بقاء عمله٦، وهو (رُبَّ) الداخلة على النكرة ٢٥/ب وهذا هو المراد بقوله: (ويجوز حذفها) أي حذف٧ (رب) (معه) أي مع
стр. 544
المنكَّر ١. واحترز عن الجارة للضمير، فلا تحذف معه٢.
ثم إن حذفها مع المنكَّر قد يكون كثيرا، وذلك بعد الواو، كقوله:
... ١٠٥- ومَهْمَهٍ مُغْبَرةٍ أَرْجَاؤُهُ ٣ ...
وقد يكون قليلا، وذلك بعد الفاءء كقوله:
١٠٧ - فمثلِكَ حبلى قد طرقت ومرضعٍ٤ ... .............
стр. 545
وبعد (بل) كقوله:
١٠٨- بل مَهْمَهٍ قطعتُ بعد مَهْمَه١ ... ...... ... .. . .. .. .. .. .. ....
وقد تحذف٢ بدون عاطف، كقوله:
١٠٩- رسمِ دار وقفتُ في طََلَلهِ ... كدتُ أقْضي الحياة مِن جَللِه٣
وهو بدون العاطف أقل منه بعد (بل) .
فقوله: (والفاء وبل) أي وبعد الفاء وبل.
стр. 546
ومنها اللام الداخلة على (كي) المصدرية لا الجارة، كما تقدم١ فإن حرف الجر لا يدخل على مثله، ولأجل ذلك لم يقيدها المصنف.
نحو جئتك كي أراك، أي لكي أراك٢.
ومنها الجار الداخل على (أَن) المفتوحة المشددة النون أو الساكنة.
وقوله: (مطلقا) راجع إلى كل من الخافض والمخفوض، أي سواء كان الجار لاما أو غيرهء وسواء كانت (أنّ) أو (أنْ) بعد حرف أم لم تكن ٣. يعني٤ أنه لا يشترط في حذف خافضهما شيء، كما شرط لحذف٥ خافض غيرهما وقضية هذا الإطلاق أنه لا يشترط أمن اللبس. وإليه يميل كلامه في التوضيح٦. لكنه صرّح في الجامع٧ باشتراطه، موافقة لابن مالك٨- رحمه الله تعالى - كما سنذكره٩.
стр. 547
ويخرج بهذا الشرط نحو (رغبت في أن تفعل) فلا يصح حذف (في) لأنه بعد الحذف يوهم أن المعنى: رغبت عن أن تفعل.
قال في التوضيح١: "ويشكل عليه، أي على هذا الشرط، أو على ابن مالك في اشتراطه إياه، قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ ٢.
والجواب عن الإشكال أنه حذف لقصد الإبهام ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهنّ ومالهن، ومن يرغب عنهن لفقرهن ودمامتهن٣.
وهذا جواب حسن، لأنه٤ عند إرادة الإبهام لا يخاف اللبس.
تنبيهان:
أحدهما جعل في التوضيح٥ - تبعا للتسهيل٦ - حذف (رب) بعد الفاء كثيرا ٥٣/أوبعد الواو أكثر وبعد (بل) قليلا وبدونهن أقل. وظاهر المذكور هنا مخالفته.
стр. 548
وقد يقال: لا مخالفة، لأن جعله بعد الفاء قليلا إنما هو بالنسبة إلى الواو، وان كان١ كثيرا في نفسه. على أنه قد اعترض جعله بعد الفاء كثيرا.
وأجيب٢: بأن كثرته بالنسبة إلى (بل) .
ولكون الحذف بدون عاطف أقل منه مع العاطف سكت المصنف عن ذكره
ثانيهما: اختلف في المحل بعد حذف الجار قبل (أنَّ) و (أنْ) و (كي) هل هو٣ نصب أو جر أو محتمل لهما؟ على ثلاثة مذاهب:
قال ابن مالك: (ومذهب الخليل٤ والكسائي٥ في (أنّ) و (أنْ) أنهما في محل جر بعد حذفه، ومذهب سيبويه٦ والفراء٧ أنهما في محل
стр. 549
نصب. ويؤيد قول الخليل قول الشاعر، أنشده الأخفش١
١١٠- وما زرت ليلى أن تكون حبيبة ... إليَّ ولا دينٍ بها أنا طالبه٢
فجر المعطوف على (أنْ) فعلم أن (أنْ) في محل جر) . انتهى٣.
وجزم في التسهيل٤ بالنصب. وهو ظاهر كلام المصنف في الجامع حيث قال: ((وحذفه مع (كي) و (أنّ) و (أنْ) إن لم يلبس، مقيس. وهل الموضع حينئذ نصب أو جر أو محتمل؟ أقوال)) ٥. فقدم ذكر النصب٦.
ولقائل أن يقول: إن البيت لا حجة فيه٧ ويجعل الجر فيه على
стр. 550
توهم دخول الجارّ على (أن) ١ ومثله قوله:
١١١- بدا ليَ أني لستُ مدْركَ ما مضى ... ولا سابقٍ شيئا إذا كان جائيا٢
فجر (سابق) عطفا على توهم دخول الجار على (مدرك) .
ولأجل ما علمت من الخلاف قال المصنف٣ في (رُبّ) : (وتحذف فيجب بقاء عملها) وقال في الثلاثة: ((وحذف اللام قبل (كي) وخافض (أنّ) و (أن)) ) ، وسكت عن بقاء العمل وعدمه.
ص: الثاني المجرور بالإضافة، كغلام زيد. ويجرَّد المضاف من تنوين أو نون تشبهه مطلقا ومن التعريف إلا فيما مرّ.
ش: لما فرغ من النوع الأول من المجرورات شرع في النوع الثاني
стр. 551
منها وهو المجرور بسب الإضافة.
والإضافة١ لغة الإسناد٢
واصطلاحا ٥٣/ب ضم كلمة إلى أخرى منزلة من الأولى منزلة التنوين مما قبله٣ ك (غلام زيد) و (صاحب عمرو) .
ويجب أن تحذف من المضاف لأجل الإضافة ما فيه من تنوين ظاهر ك (غلام زيد) أو مقدر ك (دراهم عمرو) ٤.
وما فيه من نون تشبه التنوين من جهة كونها تلي علامة الإعراب وهي نون التثنية وشبهها ونون جمع المذكر السالم وشبهه. ك (غلاما زيد) و (اثنا عمرو) ٥ ونحو ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ ٦ و (عشري
стр. 552
عمرو) ١.
ولا تحذف نون تليها٢ علامة الإعراب نحو٣ (بساتين زيد) . و ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ﴾ ٤.
وقولنا: تليها علامة الإعراب هو بناء على أن الإعراب٥ بعد آخر المعرب من غير فاصل، كما قدمنا٦،وهو الصحيح، لا على الآخر.
وكما يجب لأجل الإضافة حذف التنوين والنون التي٧ تشبهه كذلك يجب تجريد تعريفه، فلا تضاف المعرفة باقية على تعريفها٨ فلا يقال: الغلام زيد، ولا: زيدكم وعمركم. إلا إن حذف اللام من الأول٩،
стр. 553
وقدر الشيوع والتنكير١ فيما بعده٢.
وإنما كان كذلك لأن الغرض الأصل من الإضافة إلى المعرَّف التعريف وهو حاصل للمعرفة من غير إضافة.
ويستثنى من هذا ما تقدم في باب المعرّف بالأداة من المواضع التي يجوز دخول (أل) فيها على المضاف.
وهي أن يكون المضاف صفة والمضاف إليه معمولها، وهو بأل. أو مضاف إلى ما٣ فيه (أل) أو إلى ضمير ما فيه (أل) . أو يكون المضاف المذكور مثنى أو جمعا على حد المثنى٤. ك (الضارب الرجلِ) والضارب رأسِ الرجلِ، وكقوله:
الودُّ أنتِ المستحقةُ صفْوِهِ٥ ... ....................................
والضاربا زيدٍ والضاربو عمرٍو.
واعلم أنهم قد اختلفوا في الجارِّ للمضاف إليه، ما هو؟
стр. 554
فقيل: هو المضاف، وهو مذهب سيبويه١.
وهو الراجح لاتصال الضمير به، والضمير لا يتصل إلا بعامله.
وقيل٢: جار مقدر. بدليل أنه قد ثبت عمل الحرف للجرّ٣ وأن معنى (غلام زيد) (غلامٌ لزيد) .
ورُدّ هذا بأن إضمار الجار ضعيف٤.
وأن معنى غلام زيد غير معنى غلام لزيد٥ للتفاوت في ٥٤/أالتنكير والتعريف.
وقيل: العامل معنى، وهو الإضافة٦.
ووجهه أنه قد بطل عمل الحرف لما ذكرتم، وعمل الاسم خلاف القياس فتعين ما ذكرنا.
стр. 555
ورُدَّ بأن المعنى إنما يصار١ إليه، ويجعل عاملا عند تعذر اللفظ. وعمل المعنى أبعد من عمل الاسم.
وإذا٢ بطل المذهبان الأخيران بما٣ علمت تعين الأول. والله أعلم.
تنبيه:
فهم من اقتصاره على حذف التنوين والنون أن غيرهما لا يحذف.
قال ابن مالك٤: "وقد تحذف تاء التأنيث في كلمات سُمِعتْ،٥ ومنه قراءة بعضهم٦: ﴿ولَو أرَادوا الخروجَ لأعَدّوا لَه عُدَّه﴾ ٧ أي عدته"
وظاهر كلام الفراء٨ أنه قياس. وجعل منه قوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ
стр. 556
الصَّلاة﴾ ١.
ص: وإذا كان المضاف صفة والمضاف إليه معمولا لها سميت لفظية وغير محضة، ولم تفد تعريفا ولا تخصيصا، ك (ضارب زيد) و (مُعْطى الدينار) و (حسَن الوجهِ) . وإلا فمعنوية محضة تفيدهما، إلا إذا كان٢ المضاف شديد الإبهام كغير و (مثل) و (خِدْن) أو موضعه مستحقا للنكرة، كجاء وحده، وكم ناقةٍ وفصيلِها لك، ولا أباله، فلا يتعرف.
ش: ذكر في هذا الكلام الإضافة اللفظية والإضافة المعنوية وأحكامهما.
فأما الإضافة٣ اللفظية فضابطها أن يكون المضاف صفة شبيهة بالمضارع في كونها للحال أو الاستقبال، والمضاف إليه معمولا لتلك الصفة. والمراد بالصفة اسم الفاعل، كضارب زيد ومخرج عمرو.
واسم المفعول كمضروب العبد ومُرَوّع القلب٤ ومعطى الدينار.
والصفة المشبهة، كحسن الوجه وعظيم الخلق وقليل الحظ. وكما
стр. 557
..
تسمى هذه الإضافة لفظية كذلك تسمى غير محضة١، لأنها في تقدير الانفصال، وحكمها أنها لا تفيد المضاف تعريفا ولا تخصيصا.
وإنما لم تفده تعريفا٢ لأنه وصف بها النكرة في قوله تعالى: ﴿هَدْياً ٥٤/ب بَالِغَ الْكَعْبَة﴾ ٣. فإن (بالغ) وقع صفة ل (هديا) وهو نكرة ٤.
ووقعت حالا في قول الشاعر:
فأَتَتْ به حُوشَ الفُؤادِ٥ ... ...........................................
ودخل عليها (ربّ) في قوله:
стр. 558
١١٢- يا رُبّ غابِطِنا لوْ كان يطلبُكم ... لاقى مُبَاعَدة منْكم وحِرمَانَا١
وإنما لم تفده تخصيصا لأن أصل قولنا: (ضاربُ زيدٍ) ضاربٌ زيداً فالاختصاص حاصل قبل الإضافة.
وإنما تفيد٢ أمرا لفظيا، كما قدمنا، وهو التخفيف أو رفع القبح أما التخفيف فبحذف٣ التنوين الظاهر أو المقدّر، أو نون التثنية أو الجمع٤.
وأما رفع القبح٥ ففي مثل قولك: (مررت بالرجلِ الحَسَن الوجْه) فإن في جره تخلّصا من قبح رفعه لخلو الصفة من ضمير يعود على الموصوف٦.
стр. 559
ولهذا يمتنع الجر إذا كان هناك ضمير يعود على الموصوف١، نحو (الحسن وجهُهُ) . ومن قبح نصبه بإجراء وصف القاصر مُجرى وصف المتعدي٢.
ولهذا يمتنع الجر إذا كان للنصب جهة أخرى، نحو (الحَسَن وجهاً) ٣ فإن النكرة تُنصب تمييزا.
وأما المعنوية، وتسمى المحضة فهي ما عدا اللفظية، وأشار إلى ذلك بقوله: (وإلا فمعنوية محضة) .
وأما حكمها فجعلها المصنف بالنسبة إليه نوعين:
نوع يفيد التعريف تارة والتخصيص أخرى، ونوع لا يفيد إلا التخصيص.
فأما النوع الأول فهو ما لم يكن المضاف فيه شديد الإبهام، أي متوغلا٤ فيه ولا واقعا موقع نكرة لا تقبل التعريف.
стр. 560
نحو (غلام زيد) فيفيد تعريف (غلام) بإضافته إلى (زيد) و (غلام امرأة) فيفيد تخصيصه بإضافته إلى (امرأة) .
وأما النوع الثاني فقد علمت أنه قسمان:
القسم الأول الشديد الإبهام١، ك (غير) و (مثل) و (خِدْن) بكسر الخاء٢ وسكون الدال بمعنى صاحب وك (حَسْب) ٣.
القسم الثاني الواقع موقع نكرة لا تقبل٤ التعريف، كجاء وحده٥ فهذا المضاف وقع موقع الحال، والحال لا يكون معرفة.
و (كمْ ناقةٍ وفَصيلِها) .
فهذا المضاف وهو (فصيلها) ٦ واقع موقع النكرة التي لا تقبل التعريف لأن (كم) لا تجر المعارف٧.
ومثله (رُبّ رجلٍ وأخيه) فهذا المضاف، وهو (أخيه) ٨ واقع
стр. 561
موقع نكرة لا تقبل التعريف ٥٥/أ ١ أصلا لأن (رُبّ) لا تجر المعارف أيضا.
ومن ذلك (لا أبا له) ٢ بتقدير اللام زائدة فاصلة بين المتضايفين بدليل قوله:
١١٤-............. ..... ... لا أَباكِ تُخوِّفيني٣
فإنه واقع موقع نكرة لا تقبل التعريف، لأن (لا) لا تعمل في
стр. 562
معرفة١.
فهذا النوع بقسميه لا تفيد فيه الإضافة تعريفا أصلا، وإنما مفادها فيه التخصيص لا غير.
تنبيهان:
الأول: قوله: (صفة ... ) إلى آخره ظاهر٢ في التفسير الذي شرحناه به، وهو يقتضي٣ خروج المصدر واسم التفضيل٤. فتكون إضافتهما محضة، وهو الصحيح٥
وذهب ابن الطراوة٦ إلى أن إضافة المصدر غير
стр. 563
محضة١ سواء كانت إلى مرفوع أو منصوب٢.
ودليل الصحيح وصفه بالمعرفة٣ في قوله:
١١٥- إن وَجدي بكَ الشديدَ أراني ... عاذرًا مَنْ عهدتُ فيك عَذولا٤
و٥ذهب ابن السراج٦ والفارسي٧ إلى أن إضافة أفعل التفضيل
стр. 564
غير محضة. وهما محجوجان بصحة قولك: رأيت أفضلَ أهلِ١ البلدِ العالمَ الفقيهَ٢.
التنبيه الثاني: قد علمت أن قسمة الإضافة بالنسبة إلى المحضة وغيرها ثنائية. وزاد في التسهيل٣ قسما ثالثا، فجعل القسمة ثلاثية، فقال: ((وإضافة الاسم إلى الصفة شبيهة بمحضة لا محضة، وكذا إضافة المسمى إلى الاسم، والصفة إلى الموصوف، والموصوف إلى٤ القائم مقام الوصف، والمؤكّد إلى المؤكِّد، والملغى إلى المعتبر، والمعتبر إلى الملغى)) . انتهى.
أمثلة ذلك: (مسجد الجامع) ٥ و (سعيد كرزٍ) ٦.
١١٦-............ ... وإنْ سَقيتِ كرامَ النّاسِ فاسْقِينا٧
стр. 565
١١٧-عَلا زَيدُنا يَومَ النّقى رأسَ زَيدِكم١ ... ............
أي علا زيد صاحبنا٢ رأس زيد صاحبكم.
و (لقيته يومَ يومٍ وليلةَ ليلةٍ) ٣.
١٨-..................... ... ثم اسمُ السّلامِ عليكُمَا٤ ... ........................