والمذهب المختار الثاني لوجهين:
أحدهما: امتناع تقديم الحال في نحو (زيد في الدار جالسا) ولو كان العامل الفعل لم يمتنع١.
ثانيهما: قول الشاعر:
١٦٥- فإن يك جُثماني بأرضِ سواكم ... فإنّ فؤادي عندكِ الدهرَ أجمعُ٢
حيث٣ رفع (أجمع) الذي هو توكيد للضمير المستتر في الظرف.
ووجه الدلالة منه أن الضمير لا يستتر إلا في عامله.
ولا يصح أن يكون توكيدا لضمير محذوف مع الاستقرار، لأن التوكيد والحذف متنافيان، ولا توكيداً لاسم (إن) على محله من الرفع بالابتداء٤
стр. 702
لأن الطالب للمحل قد زال بوجود الناسخ١.
هذا كله إذا اعتمد الظرف والمجرور على ما ذكر.
أمّا إذا لم يعتمد، نحو (في الدار زيد) و (عندك عمرو) فالجمهور٢ يوجبون٣ الابتداء.
والأخفش٤ والكوفيون٥ يجوّزون الابتداء والفاعلية؛ لأن الاعتماد عندهم ليس بشرط، كما تقدم [٧٦/ب] في المبتدأ أنهم يجيزون في نحو (قائم زيد) أن يكون (قائم) مبتدأ و (زيد) فاعلا. وغيرهم٦ يوجب كونهما على التقديم والتأخير٧.
ص: التاسع اسم المصدر، والمراد منه اسم الجنس المنقول عن موضوعه إلى إفادة الحدث، كالكلام والثواب. وإنما يعمله الكوفي والبغدادي ٨. وأمّا نحو (إن مُصابك الكافر حسن) فجائز إجماعا، لأنه مصدر وعكسه نحو فَجَارِ وحَمَادِ.
стр. 703
ش: التاسع مما يعمل عمل الفعل اسم المصدر، وهو يطلق في الاصطلاح على ثلاثة أشياء١.
الأول ما كان اسما لغير الحدث، ثم نقل إلى الحدث، كالكلام والعطاء.
فإنهما في الأصل لما يُتكلم به ولما يُعطى، ثم نقلا إلى الإعطاء والتكلم وهو فعل الفاعل٢. وهذا هو المراد بقوله: (اسم الجنس) إلى آخره. وهو الذي اختلف في عمله٣:
فأعمله الكوفيون والبغداديون٤، ودليلهم قوله:
١٦٦-أكُفْراً بعدَ ردّ الموتِ عنِّي ... وبعدَ عطائِكَ المائَةَ الرّتاعَا٥
стр. 704
ف (المائة) منصوبة ب (عطائك) الذي هو اسم مصدر.
وغيرهم من البصريين١ يجعل٢ العمل لفعل محذوف، ويمنع أن يكون اسم المصدر عاملا.
وإطلاق اسم المصدر على هذا حقيقي.
الثاني مما يطلق عليه اسم المصدر ما كان مبدوءا بميم زائدة لغير المفاعلة، ك (مضرب) و (مقتل) .
وهذا يعمل عمل الفعل اتفاقا، لأنه في الحقيقة مصدر٣ وإطلاق اسم المصدر عليه مجاز٤.
ولذلك لم يُختلف في عمله. وشاهد إعماله قوله:
١٦٧- أظَلُومُ إنّ مُصَابَكمْ رَجلاً ... أهْدى السّلامَ تحيّةً ظُلْمُ٥
...
...
стр. 705
فقوله: رجلا، مفعول (مصا بكم) باتفاق.
ولهذا قال الشيخ: (وأما نحو إلى آخره) .
الثالث مما يطلق عليه اسم المصدر ما كان علما١ على معنى كبَرَّة علما على المبرّة، و (فَجارِ) علما على الفجرة، و (حماد) علما على المحمدة٢.
وهذا لا يعمل بالاتفاق٣ لمخالفته المصدر في عدم قصد الشياع، وعدم الإضافة٤، وعدم قبول (أل) وعدم الوقوع موقع الفعل.
ص: العاشر اسم التفضيل كأفضل وأعلم، ويعمل في تمييز٥ [٧٧/أ] وظرف وحال وفاعل مستتر مطلقا، لا في مصدر٦ ومفعول به أو
стр. 706
معه، ولا في مرفوع ملفوظ به إلا في مسألة الكحل.
ش: العاشر مما يعمل عمل الفعل اسم التفضيل.
وهو كما قال بعض المحققين١ (المبني على (أفعل) لزيادة صاحبه على غيره في الفعل٢، أي في الفعل المشتق هو منه. ويدخل في ذلك (خير) و (شرّ) لكونهما في الأصل (أخْيَر) و (أشر) ، فخففا بالحذف لكثرة الاستعمال. وقد يستعملان على القياس٣.انتهى
وقوله: (كأفضل) مثال لما بني من فعل قاصر٤.
وقوله: (وأعلم) مثال لما بني من فعل متعدّ٥.
وقوله: (ويعمل ... ) إلى آخره بيان لعمل أفعل التفضيل فذكر أنه يعمل في التمييز، نحو زيد أفضل منك أخا. وفي الظرف، نحو زيد أفضل منك اليوم. وفي الحال، نحو زيد أفضل منك متأدبا٦. هذا بالنسبة إلى كونه ناصبا.
وأما بالنسبة إلى كونه رافعا، فإنه يرفع الفاعل إذا كانا ضميرا مستترا. كما ذكرنا في الأمثلة الثلاثة، إذ أفعل التفضيل في كل منها رافع
стр. 707
لضمير مستتر١. وقوله: (إلا في مصدر....) إلى آخره فيه بيان ما لا يعمل فيه أفعل التفضيل. فذكر أنه لا ينصب المصدر، ولا المفعول به، ولا المفعول معه٢ هذا بالنسبة إلى المنصوب. وأما بالنسبة إلى المرفوع فلا يرفع الفاعل إذا كان ضميرا منفصلا أو اسما ظاهرا إلا في مسألة الكحل٣.
والنكتة في أنه لا يرفع الفاعل الظاهر أو المنفصل إلا فيها أنه إنما قَصُر عن رفع الظاهر، لأنه ليس له فعل بمعناه. وفي مسألة الكحل يصح أن يقع فعل بمعناه٤.
وضابطها أن يلي أفعل٥ التفضيل نفيا، ويكون مرفوعه٦ مفضّلا على نفسه باعتبارين. نحو (ما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيد) . فيصح أن يقع موقعه فعل بمعناه، فتقول: ما رأيت رجلا يحسن
стр. 708
في عينه الكحل كحسنه في عين زيد.
وإنما [٧٧/ب] قلنا: بأنه فاعل، لأنه لو لم يكن فاعلا لكان مبتدأ فيلزم الفصل بين أفعل و (مِن) بأجنبي١.
ص: وإذا كان بأل طابق، أو مجردا، أو مضافا لنكرة أفرد وذكر، أو لمعرفة فالوجهان.
ش: لما فرغ من بيان عمل أفعل التفضيل أخذ يذكر حكمه بالنسبة إلى مطابقته لموصوفه وعدمها. وجعله على أربعة أقسام:
القسم الأول: أن يكون بأل، نحو (الأفضل) . وذكر أنه يجب فيه أن يطابق الموصوف٢.
فتقول فيه: زيد الأفضل، وهند الفضلى، والزيدان الأفضلان والزيدون الأفضلون أو الأفاضل، والهندات الفضليات أو الفضّل.
القسم الثاني: أن يكون مجردا من أل والإضافة، وذكر أنه يجب فيه الإفراد والتذكير نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ ٣ الآية.
стр. 709
وتقول: الزيدان أفضل من عمرو، والزيدون أفضل من بكر والهندات أفضل منه.
القسم الثالث: المضاف لنكرة. نحو زيد أفضل رجل، وهند أفضل امرأة. وحكمه حكم المجرد من أل والإضافة١. ولذلك جمعهما الشيخ فقال: (أو جردا أو مضافا لنكرة أفرد وذكر) .
فتقول: زيد أفضل رجل، والزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال، وهند أفضل امرأة، والهندان أفضل امرأتين، والهندات أفضل نساء.
القسم الرابع: أن يكون مضافا لمعرفة، نحو زيد أفضل الرجال، وذكر أنه يجوز فيه الوجهان، أي المطابقة وعدمها٢ نحو الزيدان أفضلا الرجال، وأفضل الرجال، والزيدون أفضلو الرجال وأفضل الرجال.
تنبيه:
محل جواز الوجهين في المضاف لمعرفة أن يكون (أفعل) مرادا به التفضيل.
стр. 710
أما إذا لم يقصد به التفضيل، كقولهم: (الناقصُ والأشجُّ أعدلا بني مروان) ١. أي عادلا بني مروان. يعنون الوليد بن اليزيد٢ وعمر بن عبد العزيز٣ فلابد من المطابقة للموصوف.
ولم يحتج [٧٨/أ] المصنف إلى تقييده بذلك لأن ورود (أفعل) لغير قصد التفضيل مجاز٤.
تتمّة٥:
يجب مجيء (مِن) بعد أفعل التفضيل جارة للمفضول في المجرد من (أل) والإضافة، نحو زيد أفضل من عمرو.
وقد تحذف٦، نحو ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٧.
стр. 711
ومحل إتيان (من) بعده في ذلك ألا يكون المجرور بها اسم استفهام.
فإن كان وجب تقدم (من) ومجرورها على اسم التفضيل نحو (أنت ممّن أفضل) ؟ ١. ويمتنع دخولها٢ في المقرون بأل والمضاف بقسميه٣.
ص: ولا يبنى هو ولا أفعل٤ التعجب، وهى٥ ما أفعلَه وأفعِلْ به وفَعُل٦ إلا من فعل ثلاثي مجرد لفظا أو تقديرا تام، متفاوت المعنى، غير لون ولا عيب٧، ولا منفى، ولا مبنى للمفعول.
ش: لما فرغ من ذكر أحكام أفعل التفضيل شرع في بيان ما يبنى منه ولما شاركه في ذلك أفعال٨ التعجب ضمّها إليه فقال: (ولا يبنى هو) أي أفعل التفضيل المتقدّم، ولا (أفعال التعجب) .
أي ولا تبنى أفعال التعجب إلا مما اجتمعت فيه الشروط المذكورة.
стр. 712
ولنتكلم أولا على معنى التعجب، وعلى أفعاله، ثم نعود إلى شرح الشروط المذكورة، تكميلا للفائدة، فنقول: التعجب استعظام زيادة في وصف الفاعل خفي سببها وخرج بها المتعجب منه عن نظائره، أو قلّ نظيره.
فقولنا: في وصف الفاعل١احتراز عن وصف المفعول فلا يقال: [ما أضرب] ٢زيدا، تعجبا من الضرب الواقع عليه.
وقولنا: خفي سببها، احتراز من الأمور الظاهرة الأسباب فلا يتعجب منها. ولهذا قالوا: إذا ظهر السبب بطل العجب٣.
واعتبرت قلة نظائره أو الخروج عنها، لأن ما تكثر نظائره في الوجود لا يُستعظم فلا يتعجب منه٤.
وأما أفعاله، والمراد الصيغ المشتمل كل منها على فعله، فجعلها المصنف ثلاثة:
الأولى: (ما أفعلَه) والثانية: (أَفْعِلْ به) وهاتان [٧٨/ب] هما الصيغتان المشهورتان له٥.
стр. 713
فأما الصيغة الأولى، وهي (ما أفعلَه) فأجمعوا فيها على اسمية (ما) وكونها مبتدأ١.
واختلفوا في (أفعَلَ) . فقال البصريون٢والكسائي٣: إنه فعل بدليل اتصال نون الوقاية به٤.
وقال بقية الكوفيين ٥: إنه اسم٦ بدليل تصغيره٧.
وأما الصيغة الثانية فأجمعوا٨ فيها على فعلية (أفعِلْ) ٩.
стр. 714
ثم قال البصريون١: لفظه الأمر ومعناه الخبر٢.
وقال الفراء وجماعة٣: لفظه ومعناه الأمر٤، وفيه ضمير والباء للتعدية. ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم٥: الضمير للحُسن. وقال بعضهم٦: للمخاطب٧، والتزم إفراده لجريانه مجرى المثل.
وأما الصيغة الثالثة، وهي (فَعُل) فلم يشتهر عدّها من صيغه، ونقلها ابن إياز عن ابن عصفور، فقال في شرح الفصول (قال ابن عصفور٨: ومن ألفاظه (فَعُل) مثل فضُل زيد، وظرُف عمرو، وضرُب الرجل، أي ما
стр. 715
ضربه ويجوز [دخول] ١ الباء الزائدة على الفاعل، فيقال: (ضرُب بزيد) إجراءً له مجرى أَضرِبْ بزيد، لأنهما في معنى واحد) . انتهى كلام ابن إياز٢.
وفي تمثيله ما يرشد إلى أنه لا فرق في إفادة فعل التعجب بين كونه أصلا، أو محوّلا، كظرف وضرب٣. وهو كذلك.
إذا علمت ذلك فلنعد إلى شرح الشروط التي ذكرها الشيخ لما تبنى صيغ التعجب وأفعل التفضيل منه، فنقول: لا يبنى شيء من هذه المذكورات إلا مما اجتمعت فيه أمور٤:
أحدها أن يكون فعلا، فلا يبنى من الجلف٥ والحمار فلا يقال: ما أجْلَفه ولا هو أجلف من زيد٦.
ثانيها٧ أن يكون ثلاثيا، مجردا من الزيادة لفظا وتقديرا فلا يبنى من نحو (دَحْرَجَ) لأنه رباعي، ولا من نحو (استخرج) لأنه وإن كان ثلاثيا
стр. 716
لكنه ليس١ مجردا بل مزيد فيه، ولا من نحو (حَوِلَ) و (عَوِر) لأنها وإن كانت ثلاثية مجردة في اللفظ، لكنها٢ [٧٩/أ] ليست مجردة في التقدير، لأن تقديرها (احولّ) و (اعورّ) ، بدليل عدم القلب مع تحركها وانفتاح ما قبلها، فلولا أن ما قبل العين ساكن في التقدير لوجب فيها القلب المذكور.
ثالثها: أن يكون تاما، فلا يبنى من فعل ناقص، ك (كان) .
رابعها: أن يكون متفاوت المعنى، أي قابلا للتفاضل بالنسبة لمن يقوم به فلا يبنى من نحو فني ومات.
خامسها: ألا يدل على لون أو عيب، فلا يبنى من نحو (عَرِجَ) (وشهِل) ، ويعبّر عن هذا بألا يكون اسم الفاعل على أفعل فعْلاء٣.
سادسها: أن يكون غير منفي، فلا يبنى من منفي٤ سواء كان ملازما للنفي، نحو (ما عاج بالدواء) ٥ أي ما انتفع به، أم غير ملازم،
стр. 717
ك (ما قام زيد) .
سابعها: ألا يكون مبنيا للمفعول. فلا يبنى من نحو (ضُرب) و (عُلم) ١.
تنبيهات:
الأول: ما ذكره من أن للتعجب ثلاث صيغ هو بالنسبة لما يدل عليه بالوضع، لا لما يدل عليه بالقرينة. فإنه يدل عليه بها٢ صيغ كثيرة٣، نحو (للهِ دَرّه فارساً) ٤ و"سبحانَ اللهِ إنّ المؤمنَ لا يَنْجُس"٥.
الثاني: لم يذكر من شروط ما تبنى٦ هذه الصيغ منه كونه متصرفا٧ كما ذكره غيره٨، وكما ذكره هو في غير هذا الكتاب٩، استغناء بما يفهمه
стр. 718
السياق، إذ الكلام في شروط ما تبنى منه هذه الصيغ، والجامد لا يقبل ذلك.
الثالث: يتوصل إلى التعجب من الزائد على ثلاثة، ومما وصفه على (أفعَل فعلاء) ب (ما أشدّ) ونحوه١، وينصب مصدرهما بعده، أوب (اشدُد) ونحوه، ويجر مصدرهما بالباء٢، فتقول: ما أشدّ استخراجه واشدُد باستخراجِه٣.
وكذا المنفي والمبنى للمفعول إلا أن مصدرهما يكون مؤولا، لا صريحا، نحو ما أكثر ألاَّ يقوم، وما أعظم ما ضُرب.
وأما الناقص، فإن قيل: إن له مصدرا٤ فمن النوع الأول٥، وإلا فمن الثاني٦.
وأما ما لا يتفاوت معناه والجامد فلا يتعجب منهما٧ ألبتة٨.
стр. 719
وما يتوصل به إلى التعجب مما لا يتعجب منه بلفظه يُتوصل به إلى التفضيل، ويجاء بعده بمصدر ذلك الفعل تمييزا، فتقول: هو أشد استخراجا وحمرة١
стр. 720
باب التنازع
...
ص: باب. وإذا تنازع ١ من الفعل أو شبهه عاملان فأكثر ما تأخر من معمول فأكثر فالبصري يختار إعمال المجاور فيضمر في غيره مرفوعه، ويحذف منصوبه إن استغني عنه وإلا أخره. والكوفي الأسبق، فيضمر في غيره ما يحتاجه.
ش: لما فرغ من ذكر الأفعال، وما يعمل عملها، شرع يذكر تنازعهما في العمل، فقال: (وإذا تنازع) وهو شرط، جوابه الجملة الاسمية وهي قوله: (فالبصري ... ) إلى آخره.
فأفاد ما يشترط في التنازع في جملة الشرط وما اتصل بها، وأفاد حكم التنازع في جملة الجواب وما اتصل بها٢.
وبعضهم٣ يسمّي هذا الباب باب الإعمال.
стр. 721
فأما ما يشترط فيه فمنه١ أن يكون العامل فعلا أو شبهه، فلا يكون التنازع بين حرفين٢، ولا بين حرف وغيره.
ويدخل في ذلك٣ أن يكونا فعلين أو اسمين يشبهانهما٤، أو اسما مشبها بفعل، أو فعلا فاسما كذلك٥. وإلى هذا الشرط٦ أشار بقوله: (من الفعل أو شبهه) .
وقوله: (عاملان) يدخل تحته المتفقان في العمل والمختلفان فيه٧.
وقوله: (فأكثر) يفيد أن التنازع قد يقع بين ثلاثة عوامل وأكثر منها. مثال الثلاثة الحديث (تُسبِّحون وتُكبِّرون وتُحمِّدون دُبر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين) ٨.
стр. 722
فوقع فيه تنازع ثلاثة أفعال١ في الظرف والمصدر٢.
وقال بعضهم٣: إنه لم يوجد تنازع بين أكثر من ثلاثة. وهو لا ينافي الجواب المتقدم٤. وقد ذكر بعضهم٥ مثالا للأربعة قوله:
١٦٨- طلبْتُ فلمْ أُدْرِك بوجْهي فلَيتني ... فَعلتُ فلَم أبْغ النّدى عند سَائبِ٦
ومنها أن يكون المعمول المتنازع فيه مؤخرا عما يطلبه من العوامل المتنازعة.
стр. 723
[٨٠/أ] فلا يقع التنازع في معمول متقدم، نحو زيدا ضربت وأكرمت١ ولا في معمول متوسط، نحو ضربت زيدا وأكرمت٢ وإليه أشار بقوله: (ما تأخر) .
وقوله: (من معمول فأكثر) يشير به إلى أن المعمول المتنازع فيه لا يشترط أن يكون واحدا، بل يجوز أن يكون أكثر كما تقدم في الحديث.
وقد ذُكر له شروط أخرى. منها أن يكون العاملان متصرفين٣. فلا يقع التنازع بين جامدين، ولا بين جامد وغيره٤.
ومنها أن يكون المعمول مطلوبا لكل من العاملين من حيث المعنى فلا يقع التنازع بين فعلين أُكّد أحدهما بالآخر، لأن الثاني لم يؤت به إلا للتوكيد، فلا عمل له، وذلك نحو قوله:
١٦٩- ... ... ... ... أتاكِ أتاكِ اللاّحقونَ احْبسِ احبسِ٥
стр. 724
ومنها ألا يكون١ سببيا مرفوعا٢، كقول الشاعر:
١٧٠- قضَى كلّ ذي دَينٍ فوفَّى غريمَه ... وعَزّةُ ممطولٌ مُعَنًّى غريمُها٣
стр. 725
لأنه لو كان من التنازع وأعملنا أحدهما في المتنازع فيه، وهو (غريمها) وأضمرنا في الآخر ضميره لزم عدم ارتباطه بالمبتدأ الذي هو (عزة) . كذا وجهه ابن أم قاسم في شرح الألفية١.
وفيه نظر، فإن هذا يأتي فيما لو كان السببي منصوبا، كقولك زيدا ضربت [وأكرمت] ٢ غلامه. فلا معنى حينئذ لتقييد السببي بالمرفوع.
ولعل الوجه ما ذكره أبو٣ محمد بن السيد٤، حيث
стр. 726
قال١: إن (غريمها) إن رفع ب (بمعنى) فممطول قد جرى على غير من هو له فيلزم ظهور الضمير، وإن رفع٢ بممطول فهو خطأ، لأنه قد وصف بمعنى، والاسم الذي يعمل عمل الفعل إذا وصف لا يعمل شيئا فلا يجوز (مررت بضارب ظريف زيدا) . والله أعلم.
فإن قيل: فلم سكت المصنف عن هذه الشروط الثلاثة؟.
فالجواب أما الشرط الأول٣ فلم يشترطه ابن مالك٤، ولذلك جوّز في التسهيل٥ تنازع فعلي التعجب٦. فكأن المصنف هنا تبعه في ذلك، وإن كان قد صرح في غير هذا الكتاب بخلافه٧.
وأما الشرط [٨٠/ب] الثاني٨ فهو مفهوم من كلامه، لأن التنازع يستلزم أن يكون المتنازع فيه مطلوبا لكل من المتنازعين. لأنه إذا طلبه
стр. 727
أحدهما دون الآخر، فغير الطالب كيف يقال: إنه ينازع الآخر الطالب له١.
وأما الثالث٢ فإن أكثر النحويين٣ لم يذكره، بل أجاز بعضهم٤ في البيت المذكور٥ التنازع. لكن شرطه في التسهيل٦، وتابعه المصنف في توضيح الألفية٧ فكأن المصنف مشى هنا على طريقة الأكثرين٨. والله أعلم.
وأما حكم المتنازعين فاتفق أهل البصرة والكوفة من النحويين على جواز إعمال أيهما شئت٩. لكن اختلفوا في الراجح.
стр. 728
فالبصرية١ ترجح إعمال الأخير لقربه٢ والكوفية٣ ترجح إعمال الأول لسبقه.
فقول الشيخ: (فالبصري يختار المجاور، والكوفي الأسبق) ٤ تصريح بمذهب كل فريق، وإشارة إلى علته٥.
فإذا أعملنا الأخير، فإن احتاج غيره واحدا كان٦ أو أكثر لمرفوع فالبصريون يضمرونه٧. وهذا معنى قوله: (فيضمر في غيره مرفوعه) .
وذلك لامتناع حذف العمد٨، ولأن الإضمار قبل الذكر قد جاء في غير هذا الباب٩ وقد تقدم في باب الضمير.
стр. 729
هذا هو الصحيح١. وقيل٢: يحذف٣.
وإن احتاج لمنصوب لفظا أو محلا، فإن أوقع حذفه في لبس نحو (استعنت واستعان علي زيدبه) ٤، أو كان العامل من باب (كان) نحو (كنت وكان زيد صديقا إياه) ، أو من باب (ظن) نحو (ظنّني وظننت زيدا قائما إياه) وجب إضمار المعمول مؤخرا٥، كما في الأمثلة.
وإن لم يوقع حذفه في لبس، وكان العامل من غير بابي كان وظنَّ وجب حذف المنصوب٦، نحو ضربت وضربني زيد. وهذا معنى قوله:
стр. 730
(ويحذف منصوبه إن استغني عنه وإلا أخره) .
فشمل قوله: (وإلا أخره) ما أوقع حذفه في لبس، وما هو من باب كان أو من باب ظن. فإن الأول لا يُستغنى عنه لمكان اللبس. والثاني١ لا يستغنى عنه، [٨١/أ] لأن أصله المبتدأ، لكن رجح المصنف في التوضيح جواز حذفه إذا كان من باب كان وظن، قال (لأنه حَذْف لدليل) ٢.
وإن أعملنا الأول أعملنا الأخير في ضميره مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا، وهذا معنى قوله: (فيضمر في غيره ما يحتاجه) . نحو قام وقعدا أخواك٣ أو (قام وضربتهما أخواك) أو (قام ومررت بهما أخواك) ٤.
وأجاز بعضهم٥ حذف غير المرفوع، وهو ضعيف.
стр. 731
باب الاشتغال
...
ص: باب، وإذا شغل ١ فعلا أو وصفا ضميرُ اسم سابق أو ملابس لضميره عن نصبه وجب نصبه بمحذوف مماثل للمذكور ٢، إن
стр. 732
تلا ما يختص بالفعل كإنْ الشرطية وهلاَّ ومتى. وترجح إن تلا ما الفعل به أولى١، كالهمزة و (ما) النافية. أو عاطفا على فعلية غير مفصول بأمّا نحو ﴿أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ ٢ ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ ٣. أو كان المشغول طلبا.
ووجب رفعه بالابتداء إن تلا ما يختص به كإذا الفجائية، أو تلاه ماله الصدر ك (زيدٌ هلْ رأيتَه) وهذا خارج عن أصل الباب٤، ومثله ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ٥ و (زيدٌ ما أحسنَه) . وترجح في نحو (زيد ضربته) ٦، واستويا في نحو (زيدٌ قائمٌ وعمراً ٧ أكرمتُه) .
ش: هذا الباب مترجم بباب اشتغال العامل عن المعمول.
ومناسبته للأبواب السابقة٨ واضحة٩.
стр. 733
وحدّه كما يؤخذ من كلام الشيخ: أن يتقدم اسم ويتأخر عنه عامل مشغول عن العمل فيه بالعمل في ضميره أو ملابسه، كقولك: زيدا ضربته فيقتضي مشغولا وشاغلا١ ومشغولا عنه.
فقوله: (فعلا أو وصفا) بيان٢ لعمل المشغول وأنه لا يتعين كونه فعلا بل يكون أيضا وصفا، كقولك: (زيدا٣ أنا ضاربه الآن أو غدا) . فلا يقوم غير الصفة كالمصدر واسم الفعل مقامها في ذلك.
ولابد أن يكون هذا الوصف صالحا للعمل فيما قبله، بخلاف (زيد أنا الضاربه) ٤ [٨١/ب] و (وجه الأبُ زيدٌ حسَنُه) لأن الصلة والصفة المشبهة لا يعملان فيما قبلهما.
وقوله: (ضمير اسم) بيان للشاغل، وهو مرفوع فاعلا بقوله (شغل) وقوله: (فعلا) مفعوله. وقوله: (أو ملابس لضميره) معطوف على الفاعل. يعني أن الشاغل للعامل عن العمل في الاسم السابق إما ضمير ذلك الاسم السابق، كما في مثال: زيدا ضربته٥. وإما ملابس ذلك الضمير، كما في زيدا ضربت غلامه٦.
стр. 734
وقوله: (عن نصبه) بيان للمشغول عنه. يعني أن العامل المذكور اشتغل عن نصب لفظ الاسم المذكور، كما في: زيدا ضربته١ أو محله كما في: هذا ضربته٢.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الاسم السابق تارة يجب نصبه وتارة يترجح وتارة يجب رفعه وتارة يترجح أيضا٣ وتارة يستوي فيه الرفع والنصب.
لكن مسائل وجوب الرفع ليست من الباب في شيء٤، لأنه لا يصدق عليها حد الاشتغال، ولهذا يقع في بعض النسخ عقب ذكرها: (وهذا خارج عن أصل الباب) . وذكرها حينئذ في الباب إنما هو لتكميل الفائدة باستيفاء الأقسام.
فقوله: (وجب نصبه) إشارة إلى مسائل تعين النصب، وهو جواب للشرط في قوله: (إذا شغل) ٥.
وقوله: (بمحذوف) أي أن النصب في الاسم السابق يجب أن يكون بعامل محذوف ولا يكون بالمذكور لاشتغاله.
وقوله: (مماثل) أي مماثل للعامل المذكور.
стр. 735
والمماثلة المذكورة إما في اللفظ والمعنى، وذلك في نحو: زيدا ضربته١. أو في المعنى فقط، وذلك في نحو: زيدا مررت به، فإنك تقدر (جاوزت) ٢ وفي نحو: زيدا ضربت غلامه، فإنك تقدر (أهنت) زيدا.
وقوله: (إن تلا) أي الاسم السابق.
وقوله: (ما) مفعول لقوله: (تلا) ، وهي موصولة أو موصوفة.
وقوله: (يختص بالفعل) صلة أو صفة. وفي (يختص) ضمير عائد على (ما) .
وقوله: [٨٢/أ] (كإن الشرطية) وما عطف عليه أمثلة لما يختص بالفعل. فإذا وقع الاسم السابق بعد (إن) الشرطية٣ المذكورة وجب نصبه نحو (إنْ زيدًا لقيته فأكرمه) ٤.
وكذلك إذا وقع بعد (إذا) نحو (إذا زيدا لقيته أو تلقاه فأكرمه) .
واحترز بالشرطية عن غيرها كالنافية والزائدة، وغير (إِنْ) و (إذا) من أدوات الشرط، ك (مهما) في كونه يختص بالأفعال. لكن لا يقع الاشتغال بعده إلا في الشعر، وأما في الكلام٥ فلا يليه إلا صريح الفعل،
стр. 736
كما صرّح به المصنف في توضيح الألفية١.
وإذا وقع بعد (هلاّ) - وهي من أدوات التحضيض، نحو هلا زيدا أكرمته وجب نصبه لكونها تختص بالأفعال، وأخواتها مثلها في ذلك٢.
وإذا وقع بعد (متى) الاستفهامية وجب أيضا نصبه، وكذا بقية أدوات الاستفهام إلا الهمزة فلا يجب النصب بعدها بل يترجح على ما سيأتي، إلا أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام المذكورة لا يقع إلا في الشعر، كما صرّح به أيضا المصنف٣.
وقوله: (إن تلا ما الفعل به أولى) إعرابه كما تقدم في قوله: (إن تلا ما يختص بالفعل) . وهو إشارة إلى مسائل ترجح النصب، وذكر منها ثلاثا:
الأولى: أن يقع السابق بعد شيء الأولى أن يليه الفعل، ولذلك أمثلة، منها همزة الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ ٤.
ومنها النفي بما، نحو (ما زيدا رأيته) . وفي معنى (ما) النافية (إنْ) و (لا) النافيتان٥.
стр. 737
وقوله (أو عاطفا) إشارة إلى الثانية من مسائل ترجح النصب.
فقوله: (عاطفا) منصوب عطفا على قوله: (ما) أي وترجح النصب إن تلا الاسم السابق عاطفا، أيّ عاطف كان، على جملة فعلية سابقة، ولم يفصل ذلك العاطف بأمّا. كقولك١: قام زيد وعمرا أكرمته، نحو قوله تعالى [٨٢/ب] ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ ٢ بعد قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِّنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ ٣.
واحترز عن المفصول بأَمَّا، نحو (ضربت زيدا وأمَّا عمرو فأهنته) ٤ فالمختار فيه الرفع، لأن (أَمَّا) تقطع ما بعدها عما قبلها٥.
قال الشيخ٦: "وحتى ولكن وبل كالعاطف، نحو ضربت القوم حتى زيدا ضربته". انتهى.
وإنما لم يجعلها عاطفة هنا، وإن كانت معدودة في باب العطف من أدواته، لأن شرط العطف بها إفراد معطوفها، كما سيأتي٧، وهي هنا إذا
стр. 738
وليها المنصوب كان بعدها١ جملة لكنهم نزلوها منزلة العاطف فأعطوها حكمه. والله أعلم.
وقوله: (أو كان المشغول طلبا) إشارة إلى المسألة الثالثة من مسائل ترجح النصب. أي وترجح النصب على الرفع إذا كان الفعل المشغول طلبا وهو الأمر والدعاء، ولو بصيغة الخبر. نحو زيدا اضْربه٢، واللهم عبدك ارحمه٣ وزيدا غفر الله له٤.
وقوله: (ووجب رفعه) إشارة إلى مسائل وجوب الرفع:
فمنها أن يتلو الاسم ما يختص بالابتداء٥، ك (إذا) الفجائية، نحو (خرجت فإذا زيد يضربه عمرو) .
وإنما وجب الرفع لأنه لو نُصب لولي (إذا) الفجائية الفعل وهي لا يليها إلا المبتدأ والخبر. فالضمير في قوله: (به) يرجع إلى الابتداء٦.
وقوله: (أو تلاه ما له الصدر) أي ويجب الرفع إن تلا الاسم شيء٧ له صدر الكلام، ك (هل) الاستفهامية، نحو زيد هل رأيته.
стр. 739
ومثله (ما) التعجبية، نحو زيد ما أحسنه!
لأن ماله صدر الكلام يمنع ما بعده أن يعمل فيما قبله١.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ٢ فيتعين فيه رفع (كلّ) ولا يجوز نصبه. لأن (فعلوه) صفة له، والصفة لا تعمل في الموصوف٣.
وإنما لم تكن مسائل الرفع من باب الاشتغال، كما تقدم لأنه [٨٣/أ] لا يصح فيها أن يعمل العامل المشغول في الاسم السابق لما تبيّن. والقاعدة أن ما لا يعمل لا يفسِّر عاملا.
ووقع في نسخة قبل قوله: (أو تلاه) لفظة (قيل) ٤ وهي إشارة إلى خلاف في ذلك، ولم أقف عليه٥.
стр. 740
وقوله: (وترجح) بصيغة الماضي، وهو إشارة إلى ما ترجح رفعه١.
وضابطه ألاَّ يوجد ما يوجب نصب المشتغل عنه٢، ولا ما يرجح نصبه على رفعه، ولا ما يستوي بينهما. وهذا هو الأصل في باب الاشتغال، نحو (زيد ضربته) لعدم احتياجه٣ إلى تقدير. فيكون مرفوعا بالابتداء، وتكون جملة الكلام حينئذ اسمية.
ويجوز النصب، وهو مرجوح لاحتياجه إلى تقدير الناصب، وتكون جملة الكلام حينئذ فعلية٤.
وقوله: (واستويا) إشارة إلى ما يستوي فيه الرفع والنصب، وذلك في نحو (زيد قام وعمرا أكرمته) .
وضابطه أن يبنى الفعل المذكور على اسم غير (ما) التعجبية٥ ويقع الاسم بعد عاطف غير مفصول بأَمَّا، وفي الجملة المعطوفة ضمير يعود على الاسم المذكور، أو يكون العطف بالفاء٦.