كما صرّح به المصنف في توضيح الألفية١.
وإذا وقع بعد (هلاّ) - وهي من أدوات التحضيض، نحو هلا زيدا أكرمته وجب نصبه لكونها تختص بالأفعال، وأخواتها مثلها في ذلك٢.
وإذا وقع بعد (متى) الاستفهامية وجب أيضا نصبه، وكذا بقية أدوات الاستفهام إلا الهمزة فلا يجب النصب بعدها بل يترجح على ما سيأتي، إلا أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام المذكورة لا يقع إلا في الشعر، كما صرّح به أيضا المصنف٣.
وقوله: (إن تلا ما الفعل به أولى) إعرابه كما تقدم في قوله: (إن تلا ما يختص بالفعل) . وهو إشارة إلى مسائل ترجح النصب، وذكر منها ثلاثا:
الأولى: أن يقع السابق بعد شيء الأولى أن يليه الفعل، ولذلك أمثلة، منها همزة الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ ٤.
ومنها النفي بما، نحو (ما زيدا رأيته) . وفي معنى (ما) النافية (إنْ) و (لا) النافيتان٥.
стр. 737
وقوله (أو عاطفا) إشارة إلى الثانية من مسائل ترجح النصب.
فقوله: (عاطفا) منصوب عطفا على قوله: (ما) أي وترجح النصب إن تلا الاسم السابق عاطفا، أيّ عاطف كان، على جملة فعلية سابقة، ولم يفصل ذلك العاطف بأمّا. كقولك١: قام زيد وعمرا أكرمته، نحو قوله تعالى [٨٢/ب] ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ ٢ بعد قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِّنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ ٣.
واحترز عن المفصول بأَمَّا، نحو (ضربت زيدا وأمَّا عمرو فأهنته) ٤ فالمختار فيه الرفع، لأن (أَمَّا) تقطع ما بعدها عما قبلها٥.
قال الشيخ٦: "وحتى ولكن وبل كالعاطف، نحو ضربت القوم حتى زيدا ضربته". انتهى.
وإنما لم يجعلها عاطفة هنا، وإن كانت معدودة في باب العطف من أدواته، لأن شرط العطف بها إفراد معطوفها، كما سيأتي٧، وهي هنا إذا
стр. 738
وليها المنصوب كان بعدها١ جملة لكنهم نزلوها منزلة العاطف فأعطوها حكمه. والله أعلم.
وقوله: (أو كان المشغول طلبا) إشارة إلى المسألة الثالثة من مسائل ترجح النصب. أي وترجح النصب على الرفع إذا كان الفعل المشغول طلبا وهو الأمر والدعاء، ولو بصيغة الخبر. نحو زيدا اضْربه٢، واللهم عبدك ارحمه٣ وزيدا غفر الله له٤.
وقوله: (ووجب رفعه) إشارة إلى مسائل وجوب الرفع:
فمنها أن يتلو الاسم ما يختص بالابتداء٥، ك (إذا) الفجائية، نحو (خرجت فإذا زيد يضربه عمرو) .
وإنما وجب الرفع لأنه لو نُصب لولي (إذا) الفجائية الفعل وهي لا يليها إلا المبتدأ والخبر. فالضمير في قوله: (به) يرجع إلى الابتداء٦.
وقوله: (أو تلاه ما له الصدر) أي ويجب الرفع إن تلا الاسم شيء٧ له صدر الكلام، ك (هل) الاستفهامية، نحو زيد هل رأيته.
стр. 739
ومثله (ما) التعجبية، نحو زيد ما أحسنه!
لأن ماله صدر الكلام يمنع ما بعده أن يعمل فيما قبله١.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ٢ فيتعين فيه رفع (كلّ) ولا يجوز نصبه. لأن (فعلوه) صفة له، والصفة لا تعمل في الموصوف٣.
وإنما لم تكن مسائل الرفع من باب الاشتغال، كما تقدم لأنه [٨٣/أ] لا يصح فيها أن يعمل العامل المشغول في الاسم السابق لما تبيّن. والقاعدة أن ما لا يعمل لا يفسِّر عاملا.
ووقع في نسخة قبل قوله: (أو تلاه) لفظة (قيل) ٤ وهي إشارة إلى خلاف في ذلك، ولم أقف عليه٥.
стр. 740
وقوله: (وترجح) بصيغة الماضي، وهو إشارة إلى ما ترجح رفعه١.
وضابطه ألاَّ يوجد ما يوجب نصب المشتغل عنه٢، ولا ما يرجح نصبه على رفعه، ولا ما يستوي بينهما. وهذا هو الأصل في باب الاشتغال، نحو (زيد ضربته) لعدم احتياجه٣ إلى تقدير. فيكون مرفوعا بالابتداء، وتكون جملة الكلام حينئذ اسمية.
ويجوز النصب، وهو مرجوح لاحتياجه إلى تقدير الناصب، وتكون جملة الكلام حينئذ فعلية٤.
وقوله: (واستويا) إشارة إلى ما يستوي فيه الرفع والنصب، وذلك في نحو (زيد قام وعمرا أكرمته) .
وضابطه أن يبنى الفعل المذكور على اسم غير (ما) التعجبية٥ ويقع الاسم بعد عاطف غير مفصول بأَمَّا، وفي الجملة المعطوفة ضمير يعود على الاسم المذكور، أو يكون العطف بالفاء٦.
стр. 741
وإنما استويا لأن الرفع يتضمن عطف جملة اسمية على مثلها، وهي جملة (زيد قام) والنصب أيضا يتضمن عطف فعلية على مثلها، وهي جملة (قام) التي هي الجملة الصغرى١. فالتشاكل بين المتعاطفين حاصل على التقديرين٢.
стр. 742
باب التوابع
...
ص: باب. يتبع ما قبله في إعرابه خمسة.
ش: لما أنهى الكلام على المعرب بالأصالة والاستقلال شرع يتكلم فيما إعرابه بتبعية غيره، ويسمى تابعا.
والتابع هو المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد١ غير خبر.
فخرج بالحاصل والمتجدد خبر المبتدأ، والمفعول الثاني، وحال المنصوب٢.
стр. 743
وخرج بغير خبر (حامض) من قولك: (هذا حلو حامض) .
وهذا الحد لا يشمل من التأكيد ما [٨٣/ب] كان لفظيا في حرف أو في فعل غير معرب، إذ لا إعراب١ تقع فيه المشاركة٢.
وقوله: (ما قبله) يعم الاسم والفعل، فكما يتبع الاسمُ الاسمَ فكذلك يتبع الفعلُ الفعلَ٣.
وقوله: (في إعرابه) يفهم أن العامل في التابع هو العامل في المتبوع، وهو ظاهر مذهب سيبويه٤، واختاره ابن مالك٥، خلافا لمن خصّص ذلك بغير البدل٦، وقال: إن العامل فيه مقدّر٧.
ويفهم من قوله: (ما قبله) أن التابع لا يتقدم على المتبوع، وهو كذلك٨.
стр. 744
وقوله: (خمسة) هي التوكيد١ والنعت وعطف البيان والبدل وعطف النسق. ودليل الحصر فيها الاستقراء٢.
ومن فصل التوكيد اللفظي عن المعنوي جعلها٣ ستا. ومن أطلق العطف ليدخل فيه البيان والنسق جعلها أربعا.
ص: أحدها التوكيد، وهو تابع يقرر أمر المتبوع٤ في النسبة أو الشمول، فالأول نحو٥ جاءني زيد نفسه، والزيدان أنفسهما٦ والزيدون أنفسهم، والهندات أنفسهنّ والعين كالنفس.
والثاني: نحو جاء الزيدان كلاهما والهندان كلتاهما، واشتريت العبد كله، والعبيد كلهم، والأمة كلها٧ والإماء كلهن.
ش: إنما قدم الشيخ التوكيد على النعت، لأن التوكيد يحقق المتبوع،
стр. 745
والنعت يبين صفته، وما يدل على تحقيق الشيء متقدّم على ما يدل على صفته١.
والتوكيد والتأكيد كل منهما مصدر (أكد) ٢، وسمّى به التابع٣. وهو على قسمين: لفظي، وسيأتي. ومعنوي، وحدّه الشيخ بقوله: (تابع....) إلى آخره.
فقوله: (تابع) كالجنس يدخل فيه التوابع كلها.
وقوله: (يقرر أمر المتبوع) إلى آخره يخرج ما عداه من التوابع.
وقوله: (في النسبة أو الشمول) أفاد به أن التأكيد المعنوي٤ نوعان:
أحدهما: ما يرفع توهم الإضافة إلى المتبوع٥ وهذا معنى قوله: (يقرر أمر المتبوع في النسبة) .
وثانيهما: ما يرفع توهم إرادة الخصوص بما ظاهره العموم٦،
стр. 746
وهذا معنى قوله١: [٨٤/أ] (أو الشمول) . ف (أو) للتنويع في المحدود لا للترديد٢ في الحد.
وقوله: (فالأول) أي الذي يقرر أمر المتبوع في النسبة يكون بالنفس ويكون بالعين، كما يستفاد من قوله: (والعين كالنفس) .
فتقول في تأكيد المفرد: جاء زيد نفسه أو عينه، وجاءت هند نفسها أو عينها. وتقول في تأكيد٣ المثنى: جاء الزيدان أنفسهما أو أعينهما، وجاءت الهندان أنفسهما أو أعينهما٤. وتقول في تأكيد الجمع: جاء الزيدون أنفسهم أو أعينهم، وجاءت الهندات أنفسهن أو أعينهن.
وبيان التقرير في ذلك أنك إذا اقتصرت على قولك: (جاء زيد) احتمل أن الجائي خبره أو متاعه، وأنك ارتكبت المجاز، فإذا أتيت بالنفس أو بالعين ارتفع ذلك الاحتمال.
قوله: (والثاني) أي النوع الثاني من نوعي التوكيد المعنوي وهو ما
стр. 747
يفيد تقرير أمر المتبوع في الشمول، يكون بألفاظ١ ذكر المصنف منها (كِلا) نحو جاء الزيدان كلاهما و (كلتا) نحو جاءت الهندان كلتاهما. و (كُلاّ) نحو اشتريت العبد كله، والعبيد كلهم والأمة كلها والإماء كلهن.
وبيان تقرير الشمول في التوكيد بهذه الألفاظ أنك تقول: (جاءني الزيدان) ، وأنت تريد أحدهما، كما في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ٢ أي من أحدهما٣، فبقولك: (كلاهما) ارتفع ذلك الاحتمال.
ومن أجل ذلك لا يؤكد نحو (اختصم الزيدان) لأنه لا يصح اختصم أحد الزيدين٤: وكذا تقول في (اشتريت العبد) ٥ ونحوه.
стр. 748
تنبيهات:
التنبيه الأول: فهم من تمثيله وجوب اتصال النفس والعين بضمير مطابق للمؤَّكد، وكذلك فهم منه وجوب اتصال (كِلاَ) و (كِلتَا) بالضمير المطابق أيضا. وهو كذلك.
التنبيه الثاني: فهم منه أيضا أنه يشترط أن يكون لفظ النفس والعين طِبق المؤكد في الإفراد والجمع دون [٨٤/ب] التثنية. فإنه تجمع فيها١ النفس والعين على (أفعل) أيضا٢.
لكن ربما يتوهم من كلامه تعيُّن الجمع فيها، وليس كذلك.
فيجوز الإفراد، فتقول: (جاء الزيدان نفسهما) . والتثنية نحو (جاء الزيدان نفساهما) والإفراد أرجح من التثنية٣.
التنبيه الثالث: لم يذكر من ألفاظ النوع الثاني (جميعا) و (عامة) ، لندور٤ التوكيد بهما، وإن ذكرهما غيره٥
стр. 749
وحكمهما١ في [اتصال] ٢ الضمير حكم الثلاثة٣.
فمن التوكيد ب (جميع) قول امرأة لولدها:
١٧١- فداك حيّ خولان ... جميعهم وهمدان٤
والتوكيد ب (عامة) كقولك: اشتريت العبد عامته٥.
ص: ولا تؤكد نكرة مطلقا.
ش: اختلف٦ هل يجوز توكيد النكرة أم لا٧؟ منع
стр. 750
ذلك١ المصنف مطلقا، أي سواء أفادت أو لم تفد، تبعا للبصريين٢.
وذهب الكوفيون٣ إلى الجواز إن أفادت وتبعهم ابن مالك٤.
قال المصنف في التوضيح٥: "وهو الصحيح، وتحصل الفائدة بأن يكون المؤكد محدودا والتوكيد من ألفاظ الإحاطة، ك (اعتكفت أسبوعا كلَّه) . وعليه جاء قول الشاعر:
١٧٢- لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ياليت عدّة حول كلِّه رجب٦
стр. 751
ولا يجوز (صمت زمنا كله) لكون المؤكد غير محدود، ولا (شهرا نفسه) ١ لكون التوكيد٢ ليس من ألفاظ الإحاطة.
واعلم أن ألفاظ التوكيد كلها معارف٣. أما ما كان منها مضافا إلى الضمير فتعريفه واضح٤ وأما ما لم يضف، ولم يذكره المصنف، نحو (أجمع) وتوابعه٥ فقيل: بنية الإضافة٦، ونُسب إلى
стр. 752
سيبويه١ وقيل٢: بالعلمية٣، فإنه علق على معنى الإحاطة والله أعلم.
ص: ويؤكد بإعادة اللفظ٤ أو مرادفه، نحو ﴿دَكّاً دَكّاً﴾ ٥ و ﴿فِجَاجاً سُبُلاً﴾ ٦. ولا يعاد ضمير متصل ولا حرف غير جوابي إلا مع ٧ ما تصل به.
ش: هذا مثال التوكيد اللفظي. وهو اللفظ المكرر به ما قبله، لفظا ومعنى، نحو ﴿دَكّاً دَكّاً﴾ ٨. أو معنى فقط، نحو ﴿فِجَاجاً سُبُلاً﴾ ٩. لأن معنى الفجاج والسّبل واحد، وإن اختلفا لفظا١٠ ولهذا
стр. 753
قال: ١ [٨٥/أ] (بإعادة اللفظ أو مرادفه) . ثم إن هذا التأكيد قد يكون في الاسم، كما مثل به. وقد يكون في الفعل، كقوله:
فأيْنَ إلى أيْن النَّجَاةُ ببغلتي....... ... أتاكِ أتَاكِ اللاّحقون احْبِسِ احْبِسِ٢
وفي الحرف، نحو (نَعَمْ نَعَم) و (لا لا) ٣.
ويكون في المفرد كهذه الأمثلة، وفي الجملة، والأكثر اقترانها حينئذ بالعاطف، نحو ﴿كَلاَّسَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّسَيَعْلَمُونَ﴾ ٤ وقد لا تقترن به، نحو قوله: عليه الصلاة السلام: "والله لأغزونَّ قريشاً، والله لأغزونَّ قريشاً والله لأغزونَّ قريشاً"٥.
стр. 754
وقد يتعين ترك العاطف إذا توهم التعدد، نحو ضربت زيدا ضربت زيدا١.
ولمّا كان التوكيد اللفظي يجري في جميع الألفاظ، وكان يعتبر في بعض الألفاظ إذا جاءت مؤكدة اتصالها بما اتصل بمتبوعها أشار إلى ذلك بقوله: (ولا يعاد ضمير متصل) إلى آخره.
وبيانه أن التأكيد إذا كان٢ لضمير متصل وجب أن يتصل به ما اتصل بمتبوعه٣، فتقول: (عجبت منك منك) و (قمت قمت) و (ضربتك ضربتك) .
وكذلك إذا كان بحرف غير جوابي٤ وجب أن يتصل بالمؤكِّد ما اتصل بالمؤكد من ظاهر أو ضمير٥. نحو (إن زيدا إن زيدا قائم) ، أو
стр. 755
(إن زيدا إنه قائم) .
فعلى هذا قوله: (ما اتصل به) أي أن ما اتصل بالمؤكد يعاد بلفظه ومعناه، أو بمعناه دون لفظه.
ص: الثاني النعت، وهو تابع مشتق أو مؤول به، يقتضي١ تخصيص متبوعه أو توضيحه أو مدحه أو ذمه أو توكيده أو الترحم عليه.
ش: الثاني من التوابع النعت، ويقال له: الوصف والصفة٢ وحدّه المصنف بما ذكره. فقوله: (تابع) جنس يشمل الخمسة٣.
وقوله: (مشتق أو مؤول به) مخرج لما كان من التوابع بغيرهما.
والمراد بالمشتق ما دل على حدث وصاحبه، ك (ضارب) و (مضروب) و (حسن) و (أفضل) ٤.
والمراد بالمؤول به المشبه للمشتق في المعنى، كاسم الإشارة و (ذو) بمعنى (صاحب) ، وأسماء النسب٥.
стр. 756
فتقول: مررت بزيد [٨٥/ب] هذا، أي الحاضر، وبرجل ذي مال، أي صاحب مال١، وبرجل دمشقي، أي منسوب إلى دمشق.
وقوله: (يقتضي) إلى آخره يخرج ما كان من التوابع مشتقا أو شبهه، كقولك: زيد قائم قائم، وشجاع شجاع٢. وقولك: زيد أسد وشجاع، وعمرو طويل وفاضل.
فإن المشتق وشبهه في هذه الأمثلة لا يقتضي تخصيصا ولا توضيحا ولا غيرهما من الأمور المذكورة في الحدّ.
وأتى فيه ب (أو) لينبه على أنواعه. أي أن من النعت ما يكون لتخصيص المتبوع٣، كقولك: جاءني رجل٤ تاجر، أو تاجر أبوه.
ومنه ما يكون لتوضيح المتبوع٥، كقولك: جاءني زيد التاجر أو التاجر أبوه.
ومنه ما يقتضي مدح المتبوع، كقولك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٦.
ومنه ما يقتضي ذمُّه، كقولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
стр. 757
ومنه ما يقتضي تأكيده، نحو قوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ١.
ومنه ما يقتضي الترحم عليه، كقولك: اللهم إني عبدُك المسكين٢.
وذكر بعضهم٣ أن النعت قد يكون للتعميم، نحو (إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين) . وقد يكون للتفصيل، نحو (مررت برجلين عربي وعجمي) . أو الإبهام نحو (تصدّق بصدقة قليلة أو كثيرة) . انتهى.
وقد يُدّعى دخول الأولين٤ في التوضيح، والثالث٥ في التأكيد، فليتأمل.
تنبيه ٦:
قد ينعت بالجملة، ولكن بشروط:
أن يكون المنعوت نكرة لفظا ومعنى٧ أو معنى فقط٨. وأن تكون
стр. 758
الجملة مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف. وأن تكون خبرية، أي محتملة للصدق والكذب. نحو قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ ١.
وقد ينعت بالمصدر، ولكنه سماعي٢. قالوا: هذا رجل عدل أو رضا٣. واختلف في تخريجه البصريون والكوفيون:
فقال الكوفيون٤: هو على التأويل بالمشتق، أي عادل ومرضي.
وقال البصريون٥: هو على تقدير مضاف، أي ذو عدل وذو رضا٦ فهو راجع إلى المؤول بالمشتق. فدخوله في كلام
стр. 759
الشيخ١ واضح.
وكذلك دخول الجملة، لأنها أيضا تؤول بالمشتق٢.
لأن قولك: مررت برجل قام أبوه، في معنى (قائم أبوه) . والله أعلم.
[٨٦/أ] ص: ويتبعه ٣ في واحد من أوجه الإعراب، وفي التعريف والتنكير، لا يكون أخص منه. فنحو (مررت بالرجل صاحبك) بدل، ونحو (بالرجل الفاضل) و (بزيد الفاضل) نعت. وأمره في الإفراد والتذكير وأضدادهما كالفعل، ولكن يترجح نحو ٤ جاءني رجل قعود غلمانه على (قاعد) . وإما (قاعدون) فضعيف.
ش: لما قدّم حدّ النعت أخذ يتكلم على حكمه من جهة تبعيته للمنعوت في الإعراب٥ وغيره، فقال: إن النعت يتبع المنعوت في واحد من أوجه الإعراب الثلاثة: الرفع والنصب والجر، ويتبعه في واحد من التعريف والتنكير فلا تنعت معرفة بنكرة٦، ولا عكسه٧. فتقول: جاءني
стр. 760
الرجل الفاضل، ورجل فاضل.
وهذان الأمران١ لابد منهما في كل نعت، سواء رفع ضمير المنعوت كما مثّلنا، أو رفع الظاهر، كجاءني رجل قائم أبوه، أو الرجل القائم أبوه.
ثم إنه لما بين أنه يتبعه في التعريف والتنكير شرط فيه ألا يكون أخص، أي أعرف من المنعوت٢.
فإذا قلت: مررت بالرجل صاحبك، كان صاحبك٣ بدلا لا نعتا لأنه٤ مضاف إلى الضمير، فهو أعرف من المحلّى بأل.
ودخل في كلامه النعت بمساوي المنعوت في التعريف، وبدونه فيه. وإلى ذلك أشار بقوله: (ونحو بالرجل الفاضل وبزيد الفاضل نعت) ٥.
فالأول مثال للمساوي، والثاني مثال للأدْون٦، لأن العَلَم أعرف
стр. 761
من ذي الأداة.
وقوله: (وأمره في الإفراد) إلى آخره إشارة إلى كيفية تبعية النعت للمنعوت في غير المذكورات من الإفراد وضديه، وهما التثنية والجمع، ومن التذكير وضدّه، وهو التأنيث، فقال: إن أمر النعت في ذلك كالفعل.
وبيان ذلك أن النعت إن رفع ضمير المنعوت طابقه في ذلك١ أيضا، سواء كان معناه له أو لسببيه. نحو مررت برجل حسن، أو حسن الوجه٢.
وإن رفع سببيه، أي المتحمل لضميره٣ أفرد مطلقا لرفعه [٨٦/ب] الظاهر٤، ووافق في التذكير والتأنيث٥ مرفوعه لا متبوعه. نحو مررت برجلين حسنة جاريتهما. كما أن الفعل كذلك٦.
стр. 762
لكن يستثنى من كونه كالفعل في الإفراد مسألة واحدة وهي أن يكون السببي جمعا، فإنه يجوز أن يكون النعت جمع تكسير فتقول: مررت برجل كرام غلمانه. بل يكون أرجح من الإفراد١. ولهذا قال: (ولكن يترجح) إلى آخره.
وقوله: (وأما قاعدون فضعيف) يعني أن النعت إذا رفع جمعا قوي كونه مفردا أو جمع تكسير، كما تقدم. وأما كونه جمع سلامة، نحو (مررت برجال حسنين غلمانهم) فهو ضعيف. لأنه خاص بلغة طيئ٢ دون غيرهم من العرب.
ص: ويجوز قطعه إن عُلم متبوعه بدونه بالرفع أو النصب.
ش: هذه مسألة متعلقة بالنعت ختم بها بابه. وهي أن المنعوت متى عُرف دون٣ النعت جاز في النعت القطع، بأن يرفع أو ينصب. فالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف. فيقطع من الجر إليهما. فيصير في نعت المجرور ثلاثة أوجه، نحو مررت بامرىء القيس الشاعر، بالأوجه الثلاثة٤ ومن النصب إلى
стр. 763
الرفع، ومن الرفع إلى النصب، فيصير في نعت كل من المرفوع والمنصوب وجهان١.
ومتى احتاج المنعوت إلى النعت في تخصيصه أو توضيحه فلا يجوز قطعه.
وإذا تعددت النعوت واستغني عنها كلها جاز قطعها كلها٢. وإن احتاج إليها كلها وجب إتباعها كلها٣.
وان استغنى عن بعضها دون بعض جاز في البعض المستغنى عنه الإتباع والقطع، وتعين الإتباع في غيره٤. والله أعلم
ص: الثالث عطف البيان، وهو تابع غير صفة يوضح متبوعه أو يخصصه٥، نحو (أقسم بالله أبو حفص عمر) . ونحو ﴿كفارةٌ طعامُ مساكينَ﴾ ٦.
стр. 764
ش: الثالث [٨٧/أ] من التوابع عطف البيان. قال الشيخ: (وهو تابع ... ) إلى آخره.
فقوله: (تابع) يشمل الخمسة. وقوله: (غير صفة) يخرجها١.
وقوله: (يوضح ... ) إلى آخره يعني أن عطف البيان يؤتى به لتوضيح متبوعه أو تخصيصه كالصفة، إلا أن هذا٢ في الجامد وتلك٣ في المشتق. وبهذا تخرج بقية التوابع٤. ومثل له بمثالين أحدهما لتوضيح المعرفة، وهو٥:
١٧٣- أَقسمَ باللهِ أبو حفصٍ عمر٦
...
стр. 765
فعمر بيان لأبي حفص، ذكر لإيضاحه.
وثانيهما: لتخصيص النكرة، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ١. ف (طعام) بيان ل (كفارة) ذكر لتخصيصها.
وفهم من ذلك أن البيان والمبين لا يكونان مختلفين في التعريف والتنكير.
وتجويز عطف البيان في النكرات مذهب الكوفيين٢ وجماعة٣ ومشى عليه المصنف٤ تَبَعًا لهم. وغيرهم٥ يخصّه بالمعارف.
ص: ويتبعه في أربعة من عشرة. ويجوز إعرابه بدل كل إن لم يجب
стр. 766
ذكره، ك (هند قام زيد أخوها) ١ و [لم يمتنع] ٢ إحلاله محل الأول٣، نحو يا زيد الحارث و (أنا ابن التارك البكري بشر) . و (يا نصر نصرٌ نَصْرَا) . ويمتنع في نحو: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٤ و (يا سعيدُ كرز) و (قرأ قالون عيسى) .
ش: يعني أن عطف البيان يتبع المبيّن في أربعة من عشرة، واحد من أوجه الإعراب الثلاثة، وواحد من الإفراد والتثنية والجمع وواحد من التعريف والتنكير، وواحد من٥ التذكير والتأنيث.
وقوله: (ويجوز) أشار به إلى قاعدة، وهي أن كل ما أعرب بيانا جاز أن يعرب بدل كلٍّ من كلّ٦. واستثنى منها ثلاث مسائل:
الأولى٧: أن يكون واجب الذكر غير مستغنى عنه كقولك: هند قام زيد أخوها. ف (أخوها) بيان ل (زيد) ٨ ولا يصح أن يعرب بدلا٩، لأن البدل في نية تكرار العامل، فيصير من جملة أخرى١٠ فيبقى المبتدأ بلا رابط.
стр. 767
المسألة الثانية: أن يمتنع إحلاله محل الأول، نحو (يا زيد [٨٧/ب] الحارث) . فإنه لو أعرب بدلا لحل محل الأول، فقيل: يا الحارث ولا يصح ذلك، لأن (أل) وحرف النداء لا يجتمعان١. ومنه:
١٧٤- أنا ابن التارك البَكري بِشْر عليه الطير ترقبه وقوعا٢
فإنه لا يصح أن يعرب (بشر) بدلا من (البكري) لأنه لا يحل محله لأنه يلزم إضافة (التارك) إلى (بشر) فيضاف ما فيه الألف واللام إلى الخالي عنها، وعن الإضافة لتاليها، وليس معربا بالحروف. وهو لا يجوز عند الجمهور٣، ويجوز عند الفراء٤.
стр. 768
المسألة الثالثة نحو١ قول الشاعر:
١٧٥- إنّي وأسْطارٍ سُطِرن سطراً ... لَقائلٌ يا نصْرُ نصْرٌ نصْراَ٢
مما وقع فيه البيان منوّنا والمبين منادى. ف (نصر) الأول هو المبين، و (نصر) الثاني عطف بيان على اللفظ٣ والثالث عطف بيان على المحل٤. ولا يصح إعرابهما بدلا، لأنهما منوّنان والمنادى لاينوّن٥.
وقد استُشكل جعلهما بيانا٦، لأنه لابد من مخالفة بين المبيّن
стр. 769
والمبيِّن، فينبغي أن يعربا توكيدا لفظيا. ويكون أحدهما تابعا على اللفظ والآخر على المحل١.
قوله: (ويمتنع) إشارة إلى مسائل لا يجوز أن يكون التابع فيهابيانا، ويتعيّن أن يكون بدلا. وهي أيضا ثلاث٢:
المسألة الأولى، نحو قوله تعالى: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣ فيجب أن يعرب (مقام إبراهيم) بدلا لا بيانا، لأن (آيات بينات) نكرة، وهو٤ معرفة. وانفرد بتجويز ذلك الزمخشري٥.
المسألة الثانية: قولك: (يا سعيد كرزُ) بغير تنوين فيعرب بدلا، لا بيانا. لأن البدل في باب النداء حكمه حكم المستقل، و (كرز) إذا نودي يضم ولا ينون، بخلاف البيان في باب النداء٦ فيرفع وينصب، ولا يجوز ضمّه من غير تنوين.
وسيأتيك بيان هذا في باب تابع المنادى٧ إن شاء الله تعالى.
стр. 770
المسألة الثالثة نحو قولك١: (قرأ قالون عيسى) ٢ مما الأول فيه فيه أعرف من الثاني٣.
فيعرب بدلاً، ولا يعرب بيانا٤. لأن [٨٨/أ] البيان لا يكون أدْون٥ في التعريف من لمبيّن٦.
بل إما أن يكون أعرف أو مساويا٧.
وقد شرط بعضهم٨ أن يكون أعرف.
стр. 771
ص: الرابع البدل، وهو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة.
ش: الرابع من التوابع البدل. وتسميته بذلك طريقة البصريين١.
والكوفيون يسمونه الترجمة والتبيين٢. وربما سمّوه بالتكرير٣.
قوله: (التابع) جنس دخل فيه الخمسة٤.
وقوله: (المقصود) يخرج النعت والتوكيد وعطف البيان فإن كلاّ منها مكمّل٥ للمقصود، وليس مقصودا٦.
ويخرج أيضا المعطوف ب (لا) وب (بل) بعد النفي وب (لكن) نحو جاء زيد لا عمرو، وما جاء زيد بل عمرو، ولكن عمرو.
ويخرج أيضا المعطوف بالواو، نحو جاء زيد وعمرو، وما جاء زيد ولا عمرو.
وإنما قلنا: إن المعطوف بالواو خرج بقوله: (المقصود) حملا له على
стр. 772
المستقل١ بالقصد، فإن المعطوف بالواو، وإن كان مقصودا فليس مستقلا بالقصد، بل المعطوف والمعطوف عليه مقصودان.
ولم يبق سوى المعطوف ب (بل) بعد الإثبات، نحو جاء زيد بل عمرو، فإنه مستقل بالقصد بالحكم فخرج بقوله: (بلا واسطة) ٢.
ص: وهو إما بدل كل، نحو ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ أو بعض نحو: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ٤ أو اشتمال نحو ﴿قتالٍ فيه﴾ ٥
أو إضراب، نحو (ما كتب له نصفها ثلثها ربعها) ٦. أو نسيان أو غلط، كجاء زيد وعمرو٧. والأحسن عطف هذه الثلاثة ب (بل) .
ش: لما فرغ من حدّ البدل أخذ يبين أقسامه، وجعلها ستة:
стр. 773
الأول: بدل الكل من الكل، وسماه ابن مالك المطابق١ نحو قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ فإنه بدل كل من ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٣.
الثاني بدل البعض من الكل، سواء كان ذلك البعض نصفا أو أقل أو أكثر، على الصحيح٤. نحو (أكلت الرغيف نصفه أو ثلثه أو ثلثيه) خلافا لمن زعم أنه لا يكون إلا فيما دون [٨٨/ب] النصف٥. نحو قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ٦
فإنه بدل بعض من (الناس) في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٧.
стр. 774
الثالث: بدل الاشتمال، وهو ما صحّ الاستغناء عنه بالأول، وليس مطابقا ولا بعضا١ نحو قوله تعالى: ﴿قِتَالٌ فِيهِ﴾ ٢. فإنه بدل اشتمال من ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَام﴾ .
الرابع: بدل الإضراب. وهو ما يقصده ذكر متبوعه كما تقدم ذكره٣، ويسمى أيضا بدل البَداء٤. نحو قوله ﵇: (ثلثها) إلى (عشرها) من حديث "إِنَّ الرجلَ ليصلي الصلاة وما كتب له نصفُها ثلثُها ... إلى عشرها" ٥. ف (ثلثها) وما بعده أبدال إضراب، و (نصفها) مبدل منه.
الخامس بدل النسيان وهو ما يقصد ذكر متبوعه أيضا، ولكن يتبين فساد قصده.
стр. 775
فهو حينئذ بدل عن لفظ، ذلك اللفظ ذُكر نسيانا كقولك: جاء زيد عمرو. فإنه يصح أن تكون١ قصدت ذكر (زيد) ثم تبين لك فساد هذا القصد، وأنه لم يجىء، وأن الجائي إنما هو عمرو، فذكرته٢.
السادس: بدل الغلط. وهو ما لم يقصد ذكر متبوعه، ولكن سبق إليه اللسان.
فهو حينئذ بدل عن اللفظ الذي ذكر غلطا. ويصح أن يمثل له أيضا بنحو (جاء زيدٌ عمرو) ٣. بأن يكون إنما قصد٤ الإخبار بالمجيء عن (عمرو) ولكن سبق اللسان إلى (زيد) ٥.
وقوله (والأحسن) إلى آخره أي الأحسن في هذه الثلاثة الأخيرة، وهي بدل الإضراب وبدل النسيان وبدل الغلط، أن يعطف فيها التابع ب (بل) فيكون من عطف النسق٦.