Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وذهب بعض العلماء: إلى الكراهة.
وهذا مذهب الحنفية.
وليس لهم دليل.
والراجح القول الأول.
لكن ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا احتاج إلى ذلك لكبر أو مرض فلا باس وإلا فلا يسن.
فكثير من الصحابة نقلوا صفة الجمعة وصفة الخطبة ولم يذكروا أنه كان يعتمد على عصا أو قوس، فهذا يدل والله أعلم أن فعل النبي ﷺ هذا لم يكن على صفة الدوام.
وابن القيم يرى أن النبي ﷺ اتخذ القوس أو العصا قبل أن يبنى له المنبر، وأما بعد أن بنيَ له المنبر فلم يحفظ عنه أنه كان يعتمد على شيء.
• حكم اعتماد الخطيب على السيف:
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يشرع.
وبه قال ابن القيم.
لعدم فعل النبي ﷺ ذلك.
القول الثاني: يشرع ذلك.
وبهذا قال المالكية، والشافعية، والحنابلة.
قالوا: إن الاعتماد على السيف فيه إشارة إلى أن هذا الدين فتح به وقام به.
القول الثالث: يسن الاعتماد على السيف في البلاد التي فتحت عنوة دون البلاد التي فتحت صلحاً.
وبهذا قال الحنفية.
стр. 1017
قالوا: إن الخطيب إذا اعتمد على السيف في هذه البلاد فإنه يُري أهلها أنها فتحت بالسيف، وأنهم إذا رجعوا عن الإسلام فذلك باقٍ بأيدي المسلمين.
قال ابن القيم: وكان إذا قام يخطب، أخذ عصاً، فتوكَّأ عليها وهو على المنبر، كذا ذكره عنه أبو داود عن ابن شهاب، وكان الخلفاءُ الثلاثةُ بعده يفعلون ذلك، وكان أحياناً يتوكأْ على قوس، ولم يُحفظ عنه أنه توكأ على سيف، وكثيرٌ من الجهلة يظن أنه كان يُمْسِكُ السيفَ على المنبر إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهل قبيح من وجهين:
أحدهما: أن المحفوظَ أنه ﷺ توكأ على العصا وعلى القوس.
الثاني: أن الدين إنما قام بالوحي، وأمّا السيف، فَلِمَحْقِ أهل الضلال والشرك، ومدينةُ النبي ﷺ التي كان يخطب فيها إنما فُتِحَت بالقُرآن، ولم تُفتح بالسيف.
(ويَقصُرَ الخُطبة).
أي: يسن للخطيب أن يجعل الخطبة قصيرة.
قال في الإنصاف: بلا نزاع.
أ- لحديث عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ طُولَ صَلَاةِ اَلرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ) رَوَاهُ مُسْلِم. … (مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ) أي: علامة يتحقق فيها فقهه.
ب-حديث عبد الله بن أبي أوفى قال (كان رسول الله ﷺ يطيل الصلاة ويقصر الخطبة) رواه النسائي.
ج-وعن جابر بن سمرة قال (كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، وإنما هنّ كلمات يسيرات) رواه أبو داود.
قال الشوكاني بعد ذكر هذه الأحاديث: فيها مشروعية إقصار الخطبة ولا خلاف في ذلك.
стр. 1018
• الحكمة من تقصير الخطبة.
قال الصنعاني: وإنما كان قصر الخطبة علامة على فقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على حقائق المعاني، وجوامع الألفاظ، فيتمكن من التعبير بالعبارة الجزلة المفيدة، ولذلك كان من تمام هذا الحديث: (فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة …
وأيضاً في إطالة الخطبة إصابة الملل للناس، والملل من أسباب إذهاب الفائدة من الموعظة.
وقال الشوكاني: وإنما كان إقصار الخطبة علامة فقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ، فيتمكّن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة.
وقال: وإنما كانت صلاته ﷺ وخطبته كذلك لئلا يمل الناس.
(ويدعو للمسلمين).
أي: ويسن للخطيب أن يدعو للمسلمين.
وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة.
أ- لحديث سَمُرَة بن جُنْدُبٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كُلَّ جُمُعَةٍ) رَوَاهُ اَلْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ لَيِّن، وهو ضعيف
ب- ولحديث عُمارة بن رُوَيبة (أنه رأى بشر بن مروان على المنبر، رافعاً يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة). رواه مسلم، وفي رواية لأحمد: (رأيت رسول الله ﷺ وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السبابة وحدها).
ج- أن الدعاء للمسلمين مسنون في غير خطبة الجمعة، ففيها أولى.
وهذا القول هو الصحيح. … (خطبة الجمعة وأحكامها).
стр. 1019
• حكم الدعاء لولي الأمر بعينه:
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
فقيل: مستحب.
وبه قال بعض المالكية، وبعض الحنابلة.
قال في المغني: وإن دعا لسلطان المسلمين فحسن.
لأن إمام المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم.
وقيل: جائز.
وبه قال بعض الشافعية، واختاره النووي.
وقيل: غير مشروع، بل بعضهم قال ببدعته.
وبه قال بعض المالكية، وبعض الشافعية.
فصل
(والجمعة ركعتان).
وهذا بالإجماع.
قالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ (صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد.
قال الماوردي: لا اختلاف بين العلماء أن صلاة الجمعة ركعتان مفروضتان لا يجوز الزيادة عليهما، ولا النقصان منهما، للخبر المروي، والفعل المحكي، والإجماع العام. انتهى.
وقال النووي: .... فأجمعت الأمة على أن الجمعة ركعتان.
وفي هذا دليل على أن صلاة الجمعة صلاة مستقلة، وليست ظهراً، ولا بدلاً عن الظهر.
стр. 1020
وقال البهوتي الحنبلي ﵀: وهي - يعني الجمعة - صلاة مستقلة، ليست بدلاً عن الظهر؛ لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب الجمعة عليه كالعبد والمسافر، ولجوازها أي الجمعة قبل الزوال، ولأنه لا يجوز أن تفعل أكثر من ركعتين.
وقال الشيخ ابن عثيمين: الجمعة صلاة مستقلة، وليست ظهراً، ولا بدلاً عن الظهر، ومن زعم أنها ظهر مقصورة، أو بدل عنها فقد أبعد النجعة، بل الجمعة صلاة مستقلة لها شرائطها وصفتها الخاصة بها، ولذلك تصلى ركعتين، ولو في الحضر.
• ولذلك اختلف الفقهاء في حكم صلاة الجمعة مع الإمام بنية الظهر، على قولين:
فقيل: تصح صلاته.
وقيل: أنها صلاة باطلة، ولا تصح لفاعلها جمعة ولا ظهراً، وذلك لأن صلاة الجمعة صلاة مستقلة، ليست بدلاً عن الظهر، فلا بد لها من نية خاصة معينة.
وقد قال عمر (الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ وقد خاب من افترى). رواه الإمام أحمد وغيره
وهذا القول هو الصحيح.
(يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ جَهْراً).
أي: يسن أن يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة.
وهذا بالإجماع.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ عَقِيبَ الْخُطْبَةِ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَسُورَةً، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا.
لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
стр. 1021
(فِي الأْولَى بِالجُمُعَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمُنَافِقِينَ).
أي: يُستحبُّ في صلاةِ الجُمُعة قِراءةُ سُورتَي: (الجُمُعة والمنافقون).
لحديث ابَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ) رَوَاهُ مُسْلم.
• الحكمة من قراءة هذه السور؟
أما سورة الجمعة:
قال النووي: اشتمالها على وجوب الجمعة وغير ذلك من أحكامها، وغير ذلك مما فيها من القواعد والحث على التوكل والذكر وغير ذلك.
وأما سورة المنافقين:
قال النووي: وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد، لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها. (شرح مسلم).
(أو سبح في الأولى، والغاشية في الثانية).
أي: ويُستحَبُّ في صَلاةِ الجُمُعةِ القراءةُ بسُورتَي: سبِّح، والغاشية.
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِى الْجُمُعَةِ بِ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) وَ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) قَالَ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْن) رواه مسلم.
стр. 1022
• الحكمة من قراءتهما:
أما سورة الأعلى:
فلما فيها من تقرير التوحيد وتعظيم الرب وتنزيهه وإثبات كمال قدرته.
وأما سورة الغاشية:
فلما فيها من ذكر يوم القيامة وأحوال أهلها من السعداء والأشقياء، وفيها الحث على التفكر في مخلوقات الله.
• على ماذا يدل قوله (كان يقرأ الجمعة والمنافقين) وقوله (كان يقرأ سبح والغاشية)؟
دليل على أن (كان) لا يراد بها الدوام وإلا لتعارض الحديثان، وإنما المراد أن أكثر قراءته في هذه السور الأربع، تارة هاتين السورتين، وتارة السورتين الأخريين.
(وأقلُّ السنةِ بعد الجمعة ركعتان وأكثرُها أربع).
لأن كل ذلك ورد، سواء صلاهما في البيت أو في المسجد.
جمعاً بين حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا) رواه مسلم.
وعنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ) متفق عليه.
وفي لفظ (فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ).
قال الإمام أحمد: إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين، وإن شاء صلى أربعاً. (المغني).
قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَاب سُنَّة الْجُمُعَة بَعْدهَا وَالْحَثّ عَلَيْهَا وَأَنَّ أَقَلّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْمَلَهَا أَرْبَع، فَنَبَّهَ ﷺ بِقَوْلِهِ: (إِذَا صَلَّى أَحَدكُمْ بَعْد الْجُمُعَة فَلْيُصَلِّ بَعْدهَا أَرْبَعًا (عَلَى الْحَثّ عَلَيْهَا فَأَتَى بِصِيغَةِ الْأَمْر وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ ﷺ : (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا) عَلَى أَنَّهَا سُنَّة لَيْسَتْ وَاجِبَة، وَذَكَرَ الْأَرْبَع لِفَضِيلَتِهَا، وَفَعَلَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي أَوْقَات بَيَانًا لِأَنَّ أَقَلّهَا رَكْعَتَانِ. وَمَعْلُوم أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي أَكْثَر الْأَوْقَات أَرْبَعًا لِأَنَّهُ أَمَرَنَا بِهِنَّ وَحَثَّنَا عَلَيْهِنَّ وَهُوَ أَرْغَب فِي الْخَيْر وَأَحْرَص عَلَيْهِ وَأَوْلَى بِهِ. (شرح مسلم)
стр. 1023
وذهب بعض العلماء: إلى استحباب أربع ركعات بعد الجمعة.
يروى ذلك عن عبد الله بن مسعود ﵁ وأصحابه، كما في (مصنف ابن أبي شيبة).
وهو اختيار الحنفية، واختيار الإمام الشافعي في "الأم" (٧/ ١٧٦) حيث قال: أما نحن فنقول: يصلي أربعاً.
واختاره ابن المنذر.
وذهب بعضهم: إلى أنه يصلي ركعتين.
جاء ذلك عن ابن عمر.
وذهب بعضهم: إلى أنه إن صلى في المسجد صلى أربعاً، وإن صلى في بيته صلى ركعتين.
وهذا اختيار ابن تيمية كما نقله عنه تلميذه ابن القيم.
قال ابن القيم: وعلى هذا تدل الأحاديث، وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر (أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعاً وإذا صلى في بيته صلى ركعتين).
قال الألباني: وهذا التفصيل لا أعرف له أصلاً في السنة.
وذهب بعضهم: إلى استحباب ست ركعات.
وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁، وعن جماعة من السلف.
وهو اختيار أبي يوسف والطحاوي من الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد ذكرها ابن قدامة في "المغني"، واستغربها الحافظ ابن رجب في (القواعد). … (الإسلام س ج).
стр. 1024
• قوله (بعد الجمعة) دليل على أنه ليس للجمعة سنة قبلية.
فليس لصلاة الجمعة سنة قبلية، إذ لم يثبت ذلك عن النبي ﷺ ، ولم يرد عن الصحابة ﵃ القول بصلاة راتبة مخصوصة قبل الجمعة، وإنما ورد التنفل المطلق، من غير تخصيص بعدد.
أ- ويدل لذلك حديث ابن عمر السابق (رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ).
وجه الدلالة: أنه لو وقع منه ذلك لضبط كما ضبطت صلاته بعدها، وكما ضبطت صلاته قبل الظهر، فلما لم يذكر لها راتبة إلا بعدها علم أنه لا راتبة لها قبلها.
ب- قال ابن القيم: وَكَانَ إذَا فَرَغَ بِلَالٌ مِنْ الْأَذَانِ أَخَذَ النّبِيّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ الْبَتّةَ وَلَمْ يَكُنْ الْأَذَانُ إلّا وَاحِدًا وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْجُمُعَةَ كَالْعِيدِ لَا سُنّةَ لَهَا قَبْلَهَا وَهَذَا أَصَحّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَعَلَيْهِ تَدُلّ السّنّةُ فَإِنّ النّبِيّ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فَإِذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ أَخَذَ بِلَالٌ فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَكْمَلَهُ أُخِذَ النّبِيّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَهَذَا كَانَ رَأْيَ عَيْنٍ فَمَتَى كَانُوا يُصَلّونَ السّنّةَ؟ وَمَنْ ظَنّ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا فَرَغَ بِلَالٌ ﵁ مِنْ الْأَذَانِ قَامُوا كُلّهُمْ فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ أَجْهَلُ النّاسِ بِالسّنّةِ وَهَذَا الّذِي ذَكّرْنَاهُ مِنْ أَنّهُ لَا سُنّةَ قَبْلَهَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشّافِعي. (زاد المعاد)
وذهب بعض العلماء: إلى أن للجمعة سنة قبلية.
أ- لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ كان يصلي قبل الجمعة أربعاً) رواه ابن ماجه، وهو ضعيف.
ب- ولحديث عبد الله بن مغفل. أن النبي ﷺ قال (بين كل أذانين صلاة) متفق عليه.
وجه الدلالة: أنه يدل على مشروعية الصلاة بين الأذان الأول والثاني يوم الجمعة.
ج- قال ابن حجر: وأقوى ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعاً (ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان). (الفتح).
стр. 1025
وجه الدلالة: أن صلاة الجمعة صلاة مفروضة فيكون بين يديها ركعتان
ج- وَمِنْهُمْ مَنْ احْتَجّ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ قَالَ (جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيّ وَرَسُولُ اللّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ أَصَلّيْتَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ؟ " قَالَ لَا. قَالَ " فَصَلّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوّزْ فِيهِمَا) وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيّةَ: وَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ تَجِيء يَدُلّ عَنْ أَنّ هَاتَيْنِ الرّكْعَتَيْنِ سُنّةُ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَتَا تَحِيّةَ الْمَسْجِدِ.
قَالَ شَيْخُنَا حَفِيدُهُ أَبُو الْعَبّاسِ وَهَذَا غَلَطٌ وَالْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ فِي "الصّحِيحَيْنِ" عَنْ جَابِرٍ قَالَ دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ أَصَلّيْتَ قَالَ لَا. قَالَ فَصَلّ رَكْعَتَيْن، وَقَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوّزْ فِيهِمَا فَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَفْرَادُ ابْنِ مَاجَهْ فِي الْغَالِبِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَجّاجِ الْحَافِظُ الْمِزّيّ: هَذَا تَصْحِيفٌ مِنْ الرّوَاةِ إنّمَا هُوَ أَصَلّيْتَ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ فَغَلِطَ فِيهِ النّاسِخُ. (زاد المعاد)
د-عن ابن عمر (أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: أن قوله: (يفعل ذلك) عائد إلى الصلاة قبل الجمعة وبعدها فهذا يدل على أن النبي ﷺ يصلي قبل الجمعة.
قَال ابن رجب: وظاهر هذا يدل على رفع جميع ذلك إلى النبي ﷺ صلاته قبل الجمعة وبعدها في بيته فإن اسم الإشارة يتناول كل ما قبله مما قرب وبعد صرح به غير واحد من الفقهاء والأصوليين وهذا فيما وضع للإشارة إلى البعيد أظهر مثل لفظة (ذلك) فإن تخصيص القريب بها دون البعيد يخالف وضعها لغة).
стр. 1026
(وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ).
أي: ويسن لمن أراد أن يحضر لصلاة الجمعة أن يغتسل.
لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) متفق عليه.
ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل) متفق عليه.
ولحديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) رواه البخاري.
ولحديث أوس بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (من غسل واغتسل وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنى من الإمام ولم يلغو، واستمع، كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها) رواه أبو داود.
• قوله (ويسن أن يغتسل) ظاهر هذا أن الغسل للجمعة سنة ليس بواجب، وهذا مذهب جماهير العلماء.
وقد اختلف العلماء في حكم الغسل للجمعة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه واجب.
وهو قول طائفة من السلف، وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار. أدلتهم
أ- لحديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ السابق (الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ).
ب- ولحديث ابن عمر السابق (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل).
ج- ولحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَه). متفق عليه
وجه الاستدلال بهذه الأحاديث: أن في بعضها التصريح بلفظ الوجوب، وفي بعضها الأمر به، وفي بعضها أنه حق على كل مسلم، والوجوب يثبت بأقل من هذا.
стр. 1027
القول الثاني: أنه مستحب غير واجب.
وهذا مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف.
واستدلوا بعدم الوجوب:
أ- بحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) رواه الخمسة وحسنه الترمذي
فدل على اشتراك الغسل والوضوء في أصل الفضل وعدم تحتيم الغسل.
ب- وبحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من توضأ ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له … ) رواه مسلم، وهذا أقوى ما استدلوا به.
ج- وعن أَبُي هُرَيْرَةَ قَالَ (بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ فَقَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ. فَقَالَ عُثْمَانُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ ثُمَّ أَقْبَلْتُ. فَقَالَ عُمَرُ وَالْوُضُوءَ أَيْضاً أَلَمْ
تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِل) متفق عليه.
قال النووي: أن الرجل فعله وأقره عمر ومن حضر ذلك الجمع وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجباً لما تركه ولألزموه به.
وقال ابن عبد البر: ومن الدليل على أن أمر رسول الله ﷺ بالغسل يوم الجمعة ليس بفرض واجب، أن عمر في هذا الحديث لم يأمر عثمان بالانصراف للغسل، ولا انصرف عثمان حين ذكره عمر بذلك، ولو كان الغسل واجباً فرضاً للجمعة ما أجزأت الجمعة إلا به.
قال ابن حجر: وعلى هذا الجواب عوّل أكثر المصنّفين في هذه المسألة: كابن خزيمة، والطّبريّ، والطّحاويّ، وابن حبّان، وابن عبد البرّ وهلمّ جرّاً.
стр. 1028
وزاد بعضهم فيه: أنّ من حضر من الصّحابة وافقوهما على ذلك فكان إجماعاً منهم. على أنّ الغسل ليس شرطاً في صحّة الصّلاة، وهو استدلال قويّ. (الفتح).
د- وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْعَوَالِي فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ وَيُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا) متفق عليه.
هـ- وبحديث (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستن وأن يمس طيباً).
قال القرطبي: ظاهره وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعاطف، فالتقدير الغسل واجب والاستنان والطيب كذلك، قال: وليسا بواجبين اتفاقاً، فدل على أن الغسل ليس بواجب، إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد.
قال ابن حجر: وقد سبق إلى ذلك الطّبريّ والطّحاويّ.
القول الثالث: أن غسل الجمعة واجب على من له عرق أو ريح يتأذى به الناس.
وهذا اختيار ابن تيمية.
لحديث عائشة - السابق - (كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْعَوَالِي فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ وَيُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا).
وجه الدلالة: أن الأمر الدال على وجوب الاغتسال للجمعة على كل محتلم إنما هو لمن كان به عرق ونحوه بدليل هذا الحديث.
والراجح قول الجمهور أنه سنة مؤكدة.
стр. 1029
• وأجاب أصحاب القول الأول عن أدلة الجمهور:
أما حديث سمرة فضعيف.
قال الشيخ محمد بن عثيمين: وأما ما روي عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) فهذا الحديث لا يقاوم ما أخرجه الأئمة السبعة وغيرهم، وهو حديث أبي سعيد الذي ذكرناه آنفاً: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ثم إن الحديث من حيث السند ضعيف، لأن كثيراً من علماء الحديث يقولون: إنه لم يصح سماع الحسن عن سمرة إلا في حديث العقيقة، وإن كنا رجحنا في المصطلح: أنه متى ثبت سماع الراوي من شيخه، وكان ثقة ليس معروفاً بالتدليس، فإنه يحمل على السماع، على أن الحسن ﵀ رماه بعض العلماء بالتدليس، ثم إن هذا الحديث من حيث المتن إذا تأملته وجدته ركيكاً ليس كالأسلوب الذي يخرج من مشكاة النبوة: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت) (بها) أين مرجع الضمير؟ ففيه شيء من الركاكة أي: الضعف في البلاغة (ومن اغتسل فالغسل أفضل) فيظهر عليه أنه من كلام غير النبي ﷺ .
وأما حديث أبي هريرة (من توضأ يوم الجمعة … ) فقد ورد بلفظ آخر في الصحيح بلفظ (من اغتسل … ).
وأما حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب فأنكر عليه.
فهذا نوقش بأنه يدل على الوجوب، لأنه قطع الخطبة منكراً على عثمان ترك الغسل.
قال الشوكاني: فما أراه إلا حجة على القائل بالاستحباب لا له، لأن إنكار عمر على رأس المنبر في ذلك الجمع على مثل ذلك الصحابي الجليل وتقرير جميع الحاضرين الذين هم جمهور الصحابة لما وقع من ذلك الإنكار، من أعظم الأدلة القاضية بأن الوجوب كان
معلوماً عند الصحابة.
وأيضاً: إنما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة.
стр. 1030
• وأجاب الجمهور عن أصحاب القول الثاني:
أولاً: أما حديث (غسل يوم الجمعة واجب على … ).
فقد جاء في بعض ألفاظ الحديث زيادة وهي (والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه) والسواك والطيب غير واجبين بالإجماع، فاقتران الغسل بهما يدل على عدم الوجوب، إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد.
وقالوا: إن معنى (واجب) أي: وجوب اختيار لا وجوب إلزام، إذ هو محمول على تأكيد السنية كما يقال: حقك أو إكرامك عليّ واجب.
ثانياً: وأما حديث (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل).
فهذا مصروف عن الوجوب إلى الاستحباب بالأدلة الأخرى التي سبقت في أدلة القول الثاني.
فائدة:
قال ابن القيم: الأمر بالاغتسال في يومها، وهو أمر مؤكدٌ جداً، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوء من مس النساء، ووجوب الوضوء من مس الذكر، ووجوب الوضوء من القهقهة في الصلاة، ووجوب الوضوء من الرُّعاف، والحجامة والقيء، ووجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، ووجوب القراءة على المأموم.
• اختلف العلماء في وقت الاغتسال؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يشترط الاتصال بين الغسل والرواح.
وإليه ذهب مالك.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من اغتسل ثم راح في الساعة الأولى).
القول الثاني: عدم الاشتراط.
لكن لا يجزئ فعله بعد الصلاة، ويستحب تأخيره على الذهاب.
وهذا مذهب الجمهور.
стр. 1031
قالوا: لأن الغسل لإزالة الروائح الكريهة، والمقصود عدم تأذي الآخرين.
القول الثالث: أنه لا يشترط تقديم الغسل على صلاة الجمعة، بل لو اغتسل قبل الغروب أجزأ عنه.
وإليه ذهب داود ونصره ابن حزم.
والراجح القول الثاني (مذهب الجمهور).
وادعى ابن عبد البر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة.
• الاغتسال للصلاة لا لليوم، ويدل لذلك:
أ- قوله ﷺ (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل).
ب- عن ابن عمر (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَادَاهُ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ فَقَالَ إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ. قَالَ عُمَرُ وَالْوُضُوءَ أَيْضاً وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ) متفق عليه.
وجه الدلالة: حيث أنكر عمر على عثمان إتيانه الجمعة مقتصراً على الوضوء وتاركاً للغسل، ولو كان وقت الغسل لم يذهب بعد، لم يكن الإنكار في محله، فكان يمكن لعثمان أن يغتسل بعد الجمعة، فدل هذا على أن الغسل لحضور الصلاة وليس لذات اليوم.
ج- ولحديث أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة) متفق عليه.
وجه الدلالة: قوله (من اغتسل ثم راح) فالتعبير بـ (ثم) دليل على الترتيب، فكان الغسل قبل الرواح.
قال النووي ﵀: لو اغتسل للجمعة قبل الفجر لم تجزئه على الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء.
وقال الأوزاعي: يجزئه.
ولو اغتسل لها بعد طلوع الفجر أجزأه عندنا وعند الجمهور، حكاه ابن المنذر عن الحسن ومجاهد والنخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور. … (المجموع).
стр. 1032
• الغسل خاص بمن أراد المجيء للجمعة، وعليه فلا غسل على امرأة أو صبي أو مسافر لا يحضر.
ويدل لذلك:
لقوله ﷺ (إذا جاء أحدكم الجمعة … )
ولقوله ﷺ (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح … ) فقوله (ثم راح .. ) دليل أن الغسل قبل الرواح.
فلا يشرع للمرأة وغيرها ممن لا يريد حضور الجمعة.
قال ابن حجر: واستدل من مفهوم الحديث على أنّ الغسل لا يشرع لمن لَم يحضر الجمعة، وقد تقدّم التّصريح بمقتضاه في آخر رواية عثمان بن واقد عن نافع، وهذا هو الأصحّ عند الشّافعيّة، وبه قال الجمهور خلافاً لأكثر الحنفيّة.
(وَيَتَنَظَّفَ).
أي: بقص شارب، وتقليم ظفر، ونتف إبط ونحوه، وبقطع روائح كريهة، بسواك وغيره.
(وَيَتَطَيَّبَ).
أي: ويستحب لمن أتى الجمعة أن يتطيب.
قال ابن رجب: وأكثر العلماء على استحباب الطيب للجمعة.
أ- لحديث أَبِي سَعِيدٍ قَالَ. قال ﷺ (غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ وَسِوَاكٌ وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْه) متفق عليه.
وجاء في رواية لمسلم (و لو من طيب المرأة).
قال الحافظ: و هو ما ظهر لونه و خف ريحه.
стр. 1033
قال النووي: قَوْله ﷺ (وَسِوَاك وَيَمَسّ مِنْ الطِّيب) مَعْنَاهُ: وَيُسَنّ السِّوَاك وَمَسُّ الطِّيب، وَقَوْله ﷺ (مَا قَدَرَ عَلَيْهِ). قَالَ الْقَاضِي: مُحْتَمِل لِتَكْثِيرِهِ وَمُحْتَمِل لِتَأْكِيدِهِ حَتَّى يَفْعَلهُ بِمَا أَمْكَنَهُ وَيُؤَيِّدهُ. قَوْله: (وَلَوْ مِنْ طِيب الْمَرْأَة) وَهُوَ الْمَكْرُوه لِلرِّجَالِ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنه وَخَفِيَ رِيحه فَأَبَاحَهُ لِلرَّجُلِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْره، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَأْكِيده، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ب- وعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِي قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى) رواه البخاري.
قال ابن القيم: الْخَاصّةُ الْخَامِسَةُ التّطَيّبُ فِيهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ التّطَيّبِ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَيّامِ الْأُسْبُوع.
(وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ).
أي: ويسن أن يلبس لصلاة الجمعة أحسن ثيابه.
قال ابن قدامة: (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ، وَيَتَطَيَّبَ) لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ.
وقال ابن القيم: يُسْتَحَبّ أَنْ يُلْبَسَ فِيهِ أَحْسَنُ الثّيَابِ الّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا.
أ- لحديث ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ) متفق عليه.
стр. 1034
وجه الدلالة من الحديث: من جهة تقريره ﷺ لعمر على أصل التجمل للجمعة، وقصر الإنكار على لبس مثل تلك الحلة لكونها كانت
حريراً. (الفتح).
وقال ابن الملقن: فإن سكوته ﷺ يدل على مشروعية تجمل الإنسان للجمعة والوفود ومجامع المسلمين الذي يقصدونها، لإظهار جمال الإسلام، والإغلاظ على العدو، وكان ذلك عند عمر مقرراً - أعني التجمل - فلذا قاله.
ب- وعن عبد الله بن سلام. أن رسول الله ﷺ قال (ما عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ - أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ - أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ) رواه أبو داود.
قال في عون المعبود: و الحديث يدل على استحباب لُبس الثياب الحسنة يوم الجمعة، و تخصيصه بملبوس غير ملبوس سائر الأيام.
ج- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا - قَالَ: وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةِ: وَزِيَادَةٌ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ - وَيَقُولُ: إِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) رواه أبو داود.
د- عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: أَدْرَكْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ وَأَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، إِذَا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَبِسُوا أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ طِيبٌ مَسُّوا مِنْهُ، ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ. مصنف ابن أبي شيبة.
стр. 1035
ه- وعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: اِلْبَسْ أَفْضَلَ ثِيَابِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَتَطَيَّبَ بِأَطْيَبِ مَا تَجِدُ.
و- وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةٍ، قَالَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ مُزَيْنَةَ إِذَا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اغْتَسَلُوا، وَلَبِسُوا مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِمْ، وَتَطَيَّبُوا.
(وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا).
أي: ويسن التبكير في الذهاب لصلاة الجمعة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَة، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً. فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ) متفق عليه.
قال الحافظ ﵀: " قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَاحَ) زَادَ أَصْحَاب الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك " فِي السَّاعَة الْأُولَى ".
قوله (من راح) الْمُرَاد بِالرَّوَاحِ الذَّهَاب أَوَّل النَّهَار.
ب- ولحديث أَوْس بْن أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ. قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا) رواه أبو داود.
ح- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ الْمَلَائِكَةُ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وَجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) متفق عليه.
قال النووي: وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير أَصْحَابه وَابْن حَبِيب الْمَالِكِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء اِسْتِحْبَاب التَّبْكِير إِلَيْهَا أَوَّل النَّهَار، وَالسَّاعَات عِنْدهمْ مِنْ أَوَّل النَّهَار. (شرح مسلم).
стр. 1036
• قوله ( … في الساعة … ) اختلف العلماء في تحديد هذه الساعة على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها تبدأ من طلوع الفجر.
والثاني: أنها تبدأ من طلوع الشمس، ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.
والثالث: أنها ساعة واحدة بعد الزوال تكون فيها هذه الساعات، وهو مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية.
والقول الثالث ضعيف، وقد رد عليه كثيرون:
والصواب هو القول الثاني وأن الساعات تبدأ من طلوع الشمس، وتقسم على حسب الوقت بين طلوع الشمس إلى الأذان الثاني خمسة أجزاء، ويكون كل جزء منها هو المقصود بالـ " الساعة " التي في الحديث.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: متى تبدأ الساعة الأولى من يوم الجمعة؟
فأجاب: الساعات التي ذكرها الرسول ﷺ خمس: فقال: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) فقسَّم الزمن من طلوع الشمس إلى مجيء الإمام خمسة أقسام، فقد يكون كل قسم بمقدار الساعة المعروفة، وقد تكون الساعة أقل أو أكثر؛ لأن الوقت يتغير، فالساعات خمس ما بين طلوع الشمس ومجيء الإمام للصلاة، وتبتدئ من طلوع الشمس، وقيل: من طلوع الفجر، والأول أرجح؛ لأن ما قبل طلوع الشمس وقت لصلاة الفجر. (الفتاوى)
стр. 1037
• قوله (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ) استدل به بعض العلماء على استحباب الجماع يوم الجمعة.
لكن الصحيح أنه ليس فيه دليلاً على ذلك، لأن المراد بالحديث أي كغسل الجنابة، بدليل أنه جاء في رواية عند عبد الرزاق (فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة) وهذا قول الأكثر.
قال النووي: قوله (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة .. ) مَعْنَاهُ: غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَة فِي الصِّفَات. هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي تَفْسِيره، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا فِي كُتُب الْفِقْه: الْمُرَاد غُسْل الْجَنَابَة حَقِيقَة، قَالُوا:
وَيُسْتَحَبّ لَهُ مُوَاقَعَة زَوْجَته لِيَكُونَ أَغَضَّ لِلْبَصَرِ وَأَسْكَنَ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل، وَالصَّوَاب مَا قَدَّمْنَاهُ.
• أن من جاء بعد خروج الإمام لم يكتب له شيء من أجر التقدم، ولذلك جاء في رواية (وطويت الصحف).
قال ابن القيم: أي صحف الفضل، فأما صحف الفرض فإنها لا تطوى، لأن الفرض يسقط بعد ذلك.
فائدة: ١
قوله (مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ) اختلف في معناها:
فقيل: أن معنى غسل أي غسل رأسه، ومعنى اغتسل أي غسل سائر بدنه.
وقيل معنى غسل أي جامع زوجته فأوجب عليها الغسل فكأنه غسلها واغتسل هو أيضا بسب ذلك.
وقيل المراد تأكيد الغسل.
وقد اختلف في الأولى من هذه التفسيرات فاختار بعضهم المعنى الأول نقل ذلك السيوطي عن النووي.
ففي شرح النسائي للسيوطي: والمختار أن معناه غسل رأسه، ويؤيده رواية أبي داود في هذا الحديث (من غسل رأسه من يوم الجمعة).
وقال الخطابي: اختلف الناس في معناه:
فمنهم من ذهب إلى أنه من الكلام المظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين. وقال ألا تراه يقول في هذا الحديث ومشى ولم يركب ومعناهما واحد.
وإلى هذا ذهب الأثرم صاحب أحمد.
стр. 1038
وقال بعضهم: قوله (غسّل) معناه غسل الرأس خاصة، وذلك لأن العرب لهم لِمم وشعور، وفي غسلها مؤونة فأفرد ذكر غسل الرأس من أجل ذلك، وقوله (واغتسل) معناه غسل سائر الجسد.
وإلى هذا ذهب مكحول.
وزعم بعضهم أن قوله (غسّل) معناه أصاب أهله قبل خروجه إلى الجمعة، ليكون أملك لنفسه وأحفظ في طريقه لبصره.
وقال الشيخ اين عثيمين: معناها غسّل بتنظيف الجسم، واغتسل، أي: بالغ في ذلك، أو اغتسل كغسل الجنابة.
فائدة: ٢
قوله (ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ).
(بكّر) أي: أتى الصلاة في أول وقتها.
(وَابْتَكَرَ) قيل: أدرك أو الخطبة، ورجح العراقي، وقيل: كرره للتأكيد، وبه جزم ابن العربي.
(مَاشِياً).
أن: يسن أن يذهب إلى الجمعة ماشياً.
أ- للحديث السابق (مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، .... ).
ب- وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّى ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَ أَحْسَبُهُ قَالَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِى فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى قَالَ قُلْتُ لَا. قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَ أَوْ قَالَ فِي نَحْرِي فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ قَالَ يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِى فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ فِي الْكَفَّارَاتِ. وَالْكَفَّارَاتُ الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَالْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ قَالَ وَالدَّرَجَاتُ إِفْشَاءُ السَّلَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَام) رواه الترمذي.
стр. 1039
قال ابن رجب: والمشي إِلَى الجُمُعات له مزيد فضل، لاسيما إن كان بعد الاغتسال، كما في السنن عن أوس بن أوس، .. وكلما بعد المكان الَّذِي يمشي منه إِلَى المسجد كان المشي منه أفضل لكثرة الخُطا.
والمشيُ إِلَى المسجد أفضل من الركوب كما تقدّم في حديث أوس في الجُمُعة، ولهذا جاء في حديث معاذ ذكرُ المشي عَلَى الأقدام، وكان النبي ﷺ لا يخرجُ إِلَى الصلاة إلا ماشيًا حتى العيد يخرج إِلَى المُصلَّى ماشيًا، فإن الآتي للمسجد زائر الله، والزيارة عَلَى الأقدام أقربُ إِلَى الخضوع والتذلل. (رسائل ابن رجب).
• قوله ﷺ (ومشى ولم يركب).
قال النووي: حكى الخطابي عن الأثرم أنه للتأكيد، وأنهما بمعنى.
والمختار أنه احتراز من شيئين:
أحدهما: نفي توهم حمل المشي على المضي والذهاب، وإن كان راكباً.
والثاني: نفي الركوب بالكلية; لأنه لو اقتصر على " مشى " لاحتمل أن المراد وجود شيء من المشي ولو في بعض الطريق، فنفى ذلك الاحتمال، وبين أن المراد مشى جميع الطريق، ولم يركب في شيء منها. (شرح المهذب).
• جاء في كشاف القناع: … (ماشياً) لِقَوْلِهِ ﷺ (وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ) (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ) لَهُ عُذْرٌ (فَلَا بَأْسَ بِرُكُوبِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا) لَكِنْ الْإِيَابُ رَاكِبًا لَا بَأْسَ بِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
(ويدنو مِنَ الإِمَامِ).
أي: ويسن أن يدنو من الإمام.
للحديث السابق (وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ … ).
قال النووي: أما قوله ﷺ (ودنا واستمع) فهما شيئان مختلفان، وقد يستمع ولا يدنو من الخطبة، وقد يدنو ولا يستمع فندب إليهما جميعاً.
وقال المبارك فوري: وفيه أنه لا بد من الأمرين جميعاً، فلو استمع وهو بعيد، أو قرب ولم يستمع، لم يحصل له هذا الأجر.
стр. 1040
(وَيَقْرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فِي يَوْمِهَا).
أي: يسن يوم الجمعة قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة.
ورد في فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلتها أحاديث اختلف العلماء في صحتها.
عن أبي سعيد الخدري قال: قال ﷺ (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه الحاكم.
وهذا الحديث رواه الدارمي موقوفاً على أبي سعيد.
وهذا الحديث مختلف في إسناده.
والصحيح أنه موقوف على أبي سعيد.
لكن هذا الموقوف له حكم الرفع، لأن الصحابي لا يمكن أن يشرع عبادة مستقلة، في وقت خاص من قِبل نفسه.
• وقد استحب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة جمهور العلماء: من الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
• جاء عند الدارمي بلفظ (من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة … ) لكنها شاذة.
• هذا الفضل يثبت بقراءة السورة كاملة أما من قرأ بعضها فلا يثبت له هذا الفضل.
• قال ابن تيمية: قراءة سورة الكهف يوم الجمعة فيها آثار ذكرها اهل الحديث والفقه لكن هي مطلقة يوم الجمعة ما سمعت انها مختصة بعد العصر.
стр. 1041
(وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ).
رجاء أن يدرك ساعة الإجابة التي في يوم الجمعة.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ (فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) متفق عليه.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ)
قوله (فِيهِ سَاعَةٌ) المراد بالساعة: قطعة من الزمن، فليس المراد الساعة المشهورة والمتداولة بين الناس.
وقد اختلف العلماء في تعيين هذه الساعة على أقوال، أقواها قولان:
القول الأول: أنَّها من جلوسِ الإمامِ إلى انقضاءِ الصَّلاة.
لحديث أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِيِ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ). رواه مسلم
ورجح هذا القول النووي، وابن رجب، والقرطبي.
قال النووي: وَالصَّحِيح بَلْ الصَّوَاب مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهَا مَا بَيْن أَنْ يَجْلِس الْإِمَام إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاة.
وقال ابن رجب: وهذا القول -أعني: أنها بعد زوال الشمس إلى انقضاء الصلاة، أو أنها ما بين أن تقام الصلاة إلى أن يفرغ منها- أشبه بظاهر قولُ النبي ﷺ (لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ قائمٌ يصلي يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه إياه)، فإنه أن أريد به صلاة الجمعة كانت من حين إقامتها إلى الفراغ منها، وإن أريد به صلاة التطوع كانت من زوال الشمس إلى خروج الإمام؛ فإن هذا وقت صلاة تطوعٍ، وإن أريد بها أعم من ذلك - وهو الأظهر - دخل فيه صلاة التطوع بعد زوال الشمس. (فتح الباري)
وقال القرطبي: وحديث أبي موسى نصٌ في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره. (المفهم)
стр. 1042
القول الثاني: أنها بعد العصر.
وهذا قول أكثر السلف.
قال ابن القيم: وهذا قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق.
أ- لحديث جَابِر بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ - يُرِيدُ - سَاعَةً، لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلاَّ أَتَاهُ اللَّهُ ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْر) رواه أبو داود.
ب- وعنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ (قُلْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللهِ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا، إِلاَّ قَضَى لَهُ حَاجَتَهُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَأَشَارَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ، فَقُلْتُ: صَدَقْتَ، أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ. قُلْتُ: أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ؟ قَالَ: آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ، قُلْتُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ، قَالَ: بَلَى، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا صَلَّى ثُمَّ جَلَسَ، لَا يَحْبِسُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) رواه ابن ماجه.
ج- وعن أبي سَلمةَ بنِ عَبدِ الرحمنِ (أنَّ ناسًا من الصَّحابةِ اجتمَعوا فتذاكروا ساعةَ الجُمُعة، ثم افترَقوا فلم يختلفوا أنَّها آخِرُ ساعةٍ من يومِ الجُمُعة) أخرجه سعيد بن منصور، وصحح إسناده ابن حجر، والصنعاني.
قال ابن القيم: وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر.
الأول: أنها من جلوس الإِمام إلى انقضاء الصلاة.
والثاني: أنها بعد العصر.
وهذا أرجح القولين.
وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإِمام أحمد، وخلق.
стр. 1043
وقال الشوكاني: والقول بأنها آخر ساعة من اليوم هو أرجح الأقوال، وإليه ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة.
وقال الحافظ ابن حجر: وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجَّحه كثير من الأئمة أيضا، كأحمد، وإسحاق، ومن المالكية: الطرطوشي، وحكى العلائي أن شيخه ابن الزملكاني - شيخ الشافعية في وقته - كان يختاره، ويحكيه عن نص الشافعي. (الفتح).
فائدة:
وأما قول النبي ﷺ (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) وبعد صلاة العصر ليس وقتا للصلاة، فهناك احتمالان في معنى قوله (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي):
الأول: أن يكون معناه الجلوس وانتظار الصلاة، ويسمى ذلك شرعاً " صلاة ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَقُلْتُ لَهُ - أي: لعبد الله بن سلام - فَأَخْبِرْنِي بِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي)، وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلِّي فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ)؟ قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هُوَ ذَاك) رواه الترمذي.
والثاني: ويحتمل أن يكون معناه الدعاء، والصلاة في اللغة هي "الدعاء".
قال العيني: فهذا دل على أن المراد من الصلاة: الدعاء، ومن القيام: الملازمة، والمواظبة، لا حقيقة القيام. (عمدة القاري)
стр. 1044
فيكون معنى (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) أي: وهو ملازم للدعاء.
(وَيُكْثِرَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -).
أي: ويسن الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة.
أ- عن أوس بن أوس ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ (إنَّ مِنْ أفْضَلِ أيَّامِكُمْ يَومَ الجُمُعَةِ، فَأكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ». قَالَ: قالوا: يَا رسول الله، وَكَيفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟! قَالَ: يقولُ بَلِيتَ. قَالَ: (إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ». رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.
ب- وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؛ فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْراً) رواه البيهقي.
قال ابن القيم: اسْتِحْبَابُ كَثْرَةِ الصّلَاةِ عَلَى النّبِيّ ﷺ فِيهِ وَفِي لَيْلَتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ أَكْثِرُوا مِنْ الصّلَاةِ عَلَيّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللّهِ ﷺ سَيّدُ الْأَنَامِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ سَيّدُ الْأَيّامِ فَلِلصّلَاةِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَزِيّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مَعَ حِكْمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنّ كُلّ خَيْرٍ نَالَتْهُ أُمّتُهُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنّمَا نَالَتْهُ عَلَى يَدِهِ فَجَمَعَ اللّهُ لِأُمّتِهِ بِهِ بَيْنَ خَيْرَيْ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَأَعْظَمُ كَرَامَةٍ تَحْصُلُ لَهُمْ فَإِنّمَا تَحْصُلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنّ فِيهِ بَعْثَهُمْ إلَى مَنَازِلِهِمْ وَقُصُورِهِمْ فِي الْجَنّةِ وَهُوَ يَوْمُ الْمَزِيدِ لَهُمْ إذَا دَخَلُوا الْجَنّةَ وَهُوَ يَوْمُ عِيدٍ لَهُمْ فِي الدّنْيَا وَيَوْمٌ فِيهِ يُسْعِفُهُمْ اللّهُ تَعَالَى بِطَلَبَاتِهِمْ
وَحَوَائِجِهِمْ وَلَا يَرُدّ سَائِلَهُمْ وَهَذَا كُلّهُ إنّمَا عَرَفُوهُ وَحَصَلَ لَهُمْ بِسَبَبِهِ وَعَلَى يَدِهِ فَمَنْ شَكَرَهُ وَحَمِدَهُ وَأَدَاءُ الْقَلِيلِ مِنْ حَقّهِ ﷺ أَنْ نُكْثِرَ مِنْ الصّلَاةِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَلَيْلَتِهِ.
стр. 1045
(ويُكره أن يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ).
أي: يكره لمن أتى المسجد يوم الجمعة أن يتخطى رقاب الناس.
لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ قال (جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ (اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ) رواه أبو داود.
ففي هذا الحديث: النهي عن تخطي رقاب الجالسين لصلاة الجمعة.
وبالكراهة قال الجمهور.
ونقله ابن المنذر عن الجمهور.
وقال ابن حجر: والأكثر على أنها كراهة تنزيه، وهو المشهور عند الشافعية، ومذهب الحنابلة.
وقَيَّد مالك والأوزاعي الكراهة بما إذا كان الخطيب على المنبر.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يحرم ذلك.
لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ السابق (اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ) ..
قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، كرهوا أن يتخطى الرجل يوم الجمعة رقاب الناس، وشددوا في ذلك " انتهى.
وهذا ما رجحه جمع من المحققين: كابن المنذر، وابن عبد البر، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المعاصرين الشيخ ابن عثيمين.
قال ابن المنذر معللاً القول بالتحريم: لأن الأذى يحرم قليله وكثيره، وهذا أذى، كما جاء في الحديث الصحيح قال النبي ﷺ لمن يراه يتخطى: (اجلس فقد آذيت) "المجموع).
стр. 1046
وقال ابن عبد البر: وفي قول رسول الله ﷺ للمتخطي يوم الجمعة: (آذيت) بيان أن التخطي أذى، ولا يحل أذى مسلم بحال، في الجمعة وغير الجمعة.
وقال النووي في (روضة الطالبين) المختار أن تخطي الرقاب حرام، للأحاديث فيه.
وقال الشيخ ابن عثيمين: تخطي الرقاب حرام حال الخطبة وغيرها، لقول النبي ﷺ لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: (اجلس فقد آذيت) ويتأكد ذلك إذا كان في أثناء الخطبة؛ لأن فيه أذيةً للناس، وإشغالاً لهم عن استماع الخطبة، حتى وإن كان التخطي إلى فرجة؛ لأن العلة وهي الأذية موجودة " انتهى.
(إلا أن يكونَ إماماً).
أي: إلا أن يكون من يتخطى الرقاب إماماً فيجوز له ذلك، إذا لم يجد طريقاً إلا ذلك.
قال ابن قدامة: فَأَمَّا الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ التَّخَطِّي، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ. (المغني).
جاء في (الموسوعة الفقهية) … فَإِنْ كَانَ الْمُتَخَطِّي هُوَ الإْمَامَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلاَّ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ لِيَصِل إِلَى مَكَانِهِ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لأِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ.
(إلا إلى فُرجَةٍ).
أي: فيجوز أن يتخطى إلى تلك الفرجة.
قال ابن قدامة: ومن لم يجد موضعاً إلا فرجة، لا يصل إليها بتخطي الرجل والرجلين، فلا بأس، فإن تركوا أول المسجد فارغاً وجلسوا دونه، فلا بأس بتخطيهم؛ لأنهم ضيعوا حق نفوسهم. … (الكافي).
وقال النووي: وإن رأى فرجة قدامهم، لا يصلها إلا بالتخطي، قال الأصحاب: لم يكره التخطي; لأن الجالسين وراءها مفرطون بتركها، وسواء وجد غيرها أم لا، وسواء كانت قريبة أم بعيدة.
стр. 1047
ثم قال: لكن يستحب إن كان له موضع غيرها أن لا يتخطى، وإن لم يكن موضع، وكانت قريبة بحيث لا يتخطى أكثر من رجلين ونحوهما دخلها، وإن كانت بعيدة ورجا أنهم يتقدمون إليها إذا أقيمت الصلاة يستحب أن يقعد موضعه ولا يتخطى، وإلا فليتخط … ثم ذكر عن قتادة أنه قال: يتخطاهم إلى مجلسه، وعن أبي نصر جواز ذلك بإذنهم، قال ابن المنذر: لا يجوز شيء من ذلك عندي. لأن الأذى يحرم قليله وكثيره.
وقال ابن حجر: وقد استثني من كراهة التخطي ما إذا كان في الصفوف الأول فرجة فأراد الداخل سدها فيغتفر له لتقصيرهم.
(وحَرُمَ أن يقيمَ غيرَهُ فيجلسَ مكانَه).
أي: يحرم أن يقيم غيره من المكان الذي كان جالساً فيه ليجلس هو فيه.
أ- لحديث ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا) متفق عليه.
ب- وعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ لْيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ وَلَكِنْ يَقُولُ افْسَحُوا) رواه مسلم.
ج- وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) فَمَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ، وَمَشَارِعِ الْمِيَاهِ وَالْمَعَادن. (المغني)
قال النووي: في قوله (لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ … ) هَذَا النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ، فَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِع مُبَاح فِي الْمَسْجِد وَغَيْره يَوْم الْجُمُعَة أَوْ غَيْره لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرهَا فَهُوَ أَحَقّ بِهِ، وَيَحْرُم عَلَى غَيْره إِقَامَته لِهَذَا الْحَدِيث، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابنَا اِسْتَثْنَوْا مِنْهُ مَا إِذَا أَلِف مِنْ الْمَسْجِد مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ، أَوْ يَقْرَأ قُرْآنًا أَوْ غَيْره مِنْ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة، فَهُوَ أَحَقّ بِهِ، وَإِذَا حَضَرَ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْعُد فِيهِ. وَفِي مَعْنَاهُ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِع مِنْ الشَّوَارِع وَمَقَاعِد الْأَسْوَاق لِمُعَامَلَةِ. (شرح مسلم).
стр. 1048
فائدة: ١
جاء في رواية (وَكَانَ اِبْن عُمَر إِذَا قَامَ لَهُ رَجُل عَنْ مَجْلِسه لَمْ يَجْلِس فِيهِ)
قال النووي: فَهَذَا وَرَع مِنْهُ، وَلَيْسَ قُعُوده فِيهِ حَرَامًا إِذَا قَامَ بِرِضَاهُ، لَكِنَّهُ تَوَرَّعَ عَنْهُ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدهمَا: أَنَّهُ رُبَّمَا اِسْتَحَى مِنْهُ إِنْسَان فَقَامَ لَهُ مِنْ مَجْلِسه مِنْ غَيْر طِيب قَلْبه، فَسَدَّ اِبْن عُمَر الْبَاب لِيَسْلَم مِنْ هَذَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِيثَار بِالْقُرْبِ مَكْرُوه أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى، فَكَانَ اِبْن عُمَر يَمْتَنِع مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرْتَكِب أَحَد بِسَبَبِهِ مَكْرُوهًا، أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى بِأَنْ يَتَأَخَّر عَنْ مَوْضِعه مِنْ الصَّفّ الْأَوَّل وَيُؤْثِرهُ بِهِ وَشِبْه ذَلِكَ. قَالَ أَصْحَابنَا: وَإِنَّمَا يُحْمَد الْإِيثَار بِحُظُوظِ النُّفُوس وَأُمُور الدُّنْيَا دُون الْقُرْب.
فائدة: ٢
المذهب أنه يجوز أن يقيم الصغير، ويجلس مكانه، ولكن الصحيح أنه لا يجوز أن يقيم الصغير لما يلي:
أولاً: لعموم النهي (لا يقيم الرجل أخاه).
ثانياً: لأن النبي ﷺ قال (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به).
وهذا الصبي سابق فلا يجوز لنا أن نهدر حقه، وأن نظلمه ونقيمه.
ودليل المذهب: قول النبي ﷺ (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) وهذا استناد إلى غير مستند؛ لأن المراد بقوله ﷺ (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) حث أولي الأحلام والنهى أن يتقدموا، ولو قال (لا يلني منكم إلا أولو الأحلام) لكان لنا الحق أن نقيم الصغير. (الشرح الممتع).
(وكُرهَ إيثارُ غيرهِ بمكانهِ).
أي: يكره له أن يجعل ويؤثر آخر مكانه، فلا إيثار في القربات والطاعات، حتى ذكرها بعض العلماء قاعدة (لا إيثار في القرب).
لأن هذا يدل على رغبته عن هذه الطاعة وزهده فيها.
стр. 1049
قال ابن القيم: فالشارع لم يجعل الطاعات والقربات محلاً للإيثار، بل محلاً للتنافس والمسابقة.
ومما يدل على هذا: أنه سبحانه أمر بالمسابقة في أعمال البر والتنافس فيها والمبادرة إليها، وهذا ضد الإيثار بها.
قال تعالى (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم … ).
وقال تعالى (فاستبقوا الخيرات) وقال تعالى (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).
وقال النبي ﷺ (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لكانت قرعة) والقرعة إنما تكون عند التزاحم والتنافس لا عند الإيثار.
وأيضاً فإن المقصود رغبة العبد في التقرب إلى الله، وابتغاء الوسيلة إليه، والمنافسة في محابه، والإيثار بهذا التقرب يدل على رغبته عنه، وتركه له وعدم المنافسة فيه. (طريق الهجرتين).
وقال النووي: وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْثَر فِي الْقُرَب، وَإِنَّمَا الْإِيثَار الْمَحْمُود مَا كَانَ فِي حُظُوظ النَّفْس دُون الطَّاعَات، قَالُوا: فَيُكْرَه أَنْ يُؤْثِر غَيْره بِمَوْضِعِهِ مِنْ الصَّفّ الْأَوَّل.
قال سلطان العلماء الشيخ عز الدين: "لا إيثار في القربات، لأن الغرض بالعبادات التعظيم والإجلال، فمن آثر به فقد ترك إجلال الله وتعظيمه.
وقال الخطيب البغدادي في (الجامع): "والإيثار بالقرب مكروه.
وقال السيوطي: الإيثار في القرب مكروه وفي غيرها محبوب، قال تعالى (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة).
стр. 1050
ويدل لذلك:
حديث سَهْل بْن سَعْدٍ ﵁ قَالَ (أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ فَقَالَ مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ) متفق عليه.
فائدة:
القرب الواجبة: لا يجوز الإيثار بها.
ومثاله: رجل معه ماء يكفي لوضوء رجل واحد فقط، وهو على غير وضوء، وصاحبه الذي معه على غير وضوء ففي هذه الحال لا يجوز أن يؤثر صاحبه بهذا الماء؛ لأنه يكون قد ترك واجباً عليه وهو الطهارة بالماء، فالإيثار في الواجب حرام.
وأما الإيثار المحمود فهو الإيثار في حظوظ الدنيا.
(ومنْ قامَ مِن موضعهِ لعارضٍ لَحِقَه ثم عادَ إليهِ قريباً فهو أحقُّ بهِ).
أي: إذا قام هذا المصلي من موضعه لعارض (كوضوء، أو قضاء حاجة) ثم عاد فهو أحق بهذا المكان.
أ- لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال (مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) رواه مسلم.
قال النووي: قالَ أَصْحَابنَا: هَذَا الْحَدِيث فِيمَنْ جَلَسَ فِي مَوْضِع مِنْ الْمَسْجِد أَوْ غَيْره لِصَلَاةٍ مَثَلًا، ثُمَّ فَارَقَهُ لِيَعُودَ بِأَنْ فَارَقَهُ لِيَتَوَضَّأ أَوْ يَقْضِي شُغْلًا يَسِيرًا ثُمَّ يَعُود لَمْ يَبْطُل اِخْتِصَاصه، بَلْ إِذَا رَجَعَ فَهُوَ أَحَقّ بِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاة، فَإِنْ كَانَ قَدْ قَعَدَ فِيهِ غَيْره فَلَهُ أَنْ يُقِيمهُ، وَعَلَى الْقَاعِد أَنْ يُفَارِقهُ لِهَذَا الْحَدِيث. هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا، وَأَنَّهُ يَجِب عَلَى مَنْ قَعَدَ فِيهِ مُفَارَقَته إِذَا رَجَعَ الْأَوَّل. قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: هَذَا مُسْتَحَبّ، وَلَا يَجِب، وَهُوَ مَذْهَب مَالِك، وَالصَّوَاب الْأَوَّل. (شرح مسلم)
ب- وعَنْ وَهْبِ بْنِ حُذَيْفَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (الرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ وَإِنْ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ عَادَ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ). رواه الترمذي
стр. 1051
• قوله (لعارض) أي: ترك هذا المكان لعذر، ثم عاد إليه، فأما إن تركه لغير عذر فيبطل حقه فيه بلا خلاف، ذكره النووي في (المجموع).
• قوله (ثم عادَ إليهِ قريباً) ظاهر هذا أنه لو تأخر طويلاً فليس أحق به، فلغيره أن يجلس فيه.
وقال بعض العلماء: بل هو أحق، ولو عاد بعد مدة طويلة إذا كان العذر باقياً، وهذا القول أصح.
لأن استمرار العذر كابتدائه، فإنه إذا جاز أن يخرج من المسجد، ويُبقي المصلَّى إذا حصل له عذر، فكذلك إذا استمر به العذر، لكن من المعلوم أنه لو أقيمت الصلاة، ولم يزل غائباً فإنه يرفع. (الشرح الممتع).
فائدة: ١
وإذا عاد إلى مكانه فلا بأس بتخطي الرقاب، لأن هذا مستثنى من النهي.
فائدة: ٢
تقدم أن تخطي الرقاب منهي عنه، لكن إذا كان لعذر فيجوز، ويدخل في ذلك عدة صور:
فمنها: الإمام إذا كان لا يجد طريقاً إلى موضعه إلا بالتخطي.
ومنها: أن يريد الخروج من مكانه لحاجة.
ومنها: إذا كان جالساً في موضع متقدم ثم قام منه لعارض ثم عاد إليه جاز له التخطي.
قال ابن قدامة: إذَا جَلَسَ فِي مَكَان، ثُمَّ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ، أَوْ احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ.
стр. 1052
(قَالَ عُقْبَةُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إلَى حُجَرِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَإِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ).
وَحُكْمُهُ فِي التَّخَطِّي إلَى مَوْضِعِهِ حُكْمُ مَنْ رَأَى بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً.
فائدة: ٣
حجر الأمكنة في المسجد.
ذهب بعض العلماء: إلى جوازها.
وذهب بعضهم: إلى تحريمها، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال ابن تيمية: لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَتَحَجَّرَ مِنْ الْمَسْجِدِ شَيْئًا لَا سَجَّادَةً يَفْرِشُهَا قَبْلَ حُضُورِهِ وَلَا بِسَاطًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ. وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لَكِنْ يَرْفَعُهَا وَيُصَلِّي مَكَانَهَا؛ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قال الشيخ ابن عثيمين: تحجير الأماكن في المساجد يرى بعض العلماء أنها جائزة مطلقاً سواءً كان الإنسان في المسجد أو خارج المسجد، وهذا هو المشهور عند الحنابلة في كتب الفقه، أنه يجوز للإنسان أن يتحجر ومتى جاء دخل في مكانه.
ولكن الصحيح أن هذا حرام، وأنه لا يجوز أن يتحجر.
لأنه يمنع غيره مما هو أحق به منه.
ولأن ذلك يؤدي إلى أن يتراخى هو أيضاً في الحضور؛ لأنه إذا اطمأن أن مكانه في الصف الأول تهاون ولم يأت إلا متأخراً؛ ولأنه يترتب عليه -أحياناً- أن يؤذي المصلين بتخطي رقابهم إذا لم يكن للمسجد مدخل من الأمام، هذا الذي نراه في هذه المسألة. … (لقاء الباب المفتوح).
стр. 1053
وقال ﵀: الذي نرى في حجز الأماكن في المسجد الحرام أو في غيره من المساجد أنه إن حجز وهو في نفس المسجد، أو خرج من المسجد لعارض وسيرجع عن قريب، فإنه لا بأس بذلك؛ لكن بشرط: إذا اتصلت الصفوف يقوم إلى مكانه، لئلا يتخطى الرقاب.
وأما ما يفعله بعض الناس أن يحجز أحدهم ويذهب إلى بيته فينام ويأكل ويشرب، أو إلى تجارته فيبيع ويشتري، فهذا حرام ولا يجوز.
هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة. … (لقاء الباب المفتوح)
(ومن دخلَ والإمامُ يخطبُ لم يجلس حتى يصلي ركعتينِ يُوجِز فيهما).
أي: يسن لمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس.
لحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ
وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا - ثُمَّ قَالَ - إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) رواه مسلم.
قال النووي: هذه الأحاديث صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين، أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب، له أن يصلي ركعتين تحية المسجد.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشرع له ذلك.
وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك.
أ-لحديث عبد الله بن بسر (أن رجلاً دخل والنبي ﷺ يخطب، فقال: اجلس فقد آذيت) رواه أبو داود.
ب-وللأمر بالإنصات للإمام.
стр. 1054
وأجاب هؤلاء عن حديث (يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) بأجوبة:
الأول: أنه كان عرياناً، فأمره النبي ﷺ بالقيام ليراه الناس ويتصدقوا عليه.
قال النووي: وهذا تأويل باطل يرده صريح قوله ﷺ : (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين) وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ صحيحاً فيخالفه.
الثاني: أن هذا خاص به، ويدل عليه أنه جاء في آخر الحديث: (لا تعودنّ لمثل هذا) عند ابن حبان.
قال الحافظ: وكله مردود، لأن الأصل عدم الخصوصية.
والراجح القول الأول.
فائدة:
الجواب عن حديث عبد الله بن بسر: (اجلس فقد آذيت)؟ أجيبَ عنه بأجوبة:
الأول: يحتمل أنه ترك أمره بالتحية قبل مشروعيتها.
الثاني: ويحتمل أن يكون قوله له (اجلس) أي بشرطه، وقد عرف قوله للداخل (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فمعنى قوله: (اجلس) أي لا تتخطَ.
الثالث: أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة.
الرابع: ويحتمل أنه صلى التحية في مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة.
• المستحب في هاتين الركعتين تخفيفهما، لقوله ﷺ ( … وليتجوز فيهما).
(ويحرمُ أن يتكلمَ والإمامُ يخطب إلا له أو لمن يُكلمُهُ لمصلحةٍ).
أي: يحرم على المصلي يوم الجمعة أن يتكلم حال الخطبة.
(إلا له) أي: للإمام.
(أو لمن يكلمه) أي: لمن يكلم الإمام أو يكلمه الإمام.
стр. 1055
(لمصلحة) قيد للمسألتين جميعاً، وهما من يكلم الإمام أو يكلمه الإمام.
أ- لحديث أبي هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ٠ إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ. يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ) متفق عليه.
قال النووي: ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبه بهذا على ما سواه، لأنه إذا قال: أنصت، وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لغواً، فغيره من باب أولى.
ب- ولحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ اَلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَاَلَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ.
وجه الدلالة من وجهين:
الأول: أنه شبه المتكلم بالحمار، ومعلوم أن ذلك صفة ذم ونقص لا يوصف بها تارك الندب.
الثاني: نفي أن يكون له جمعة، وقد علمنا أنها جمعة، فلما استعار له لفظ نفي الإجزاء وعدم الصحة، دلّ على تأكيد منعه وشدة تحريمه.
• شبه من لم يمسك عن الكلام بالحمار الحامل للإسفار بجامع عدم الانتفاع.
• أما الدليل على جواز الكلام للخطيب أو لمن يكلمه لمصلحة.
أ- عن أنس بن مالك قال: أصابت الناسَ سَنَةٌ (أي: قحط وجدب) على عهد النبي ﷺ فبينا النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا فرفع يديه … فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى وقام ذلك الأعرابي -أو قال غيره- فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع يديه … ) رواه البخاري ومسلم
ب- وعن جابر بن عبد الله قال (جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين) متفق عليه.
следующие страницы →