Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
فائدة: ١
قوله (بعد الإحرام والاستفتاح) أي: هذه التكبيرات تكون بعد دعاء الاستفتاح.
وهذا قول الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد.
واستدلوا: أن دعاء الاستفتاح شُرع للصلاة، فيكون في أول الصلاة، ويأتي بعدها التكبيرات ثم التعوذ ثم القراءة.
قال النووي: مذهبنا أن تكبيرات الزوائد تكون بين دعاء الاستفتاح والتعوذ. (المجموع).
واختار هذا القول أيضاً الشيخ ابن باز.
وقيل: تقال قبل دعاء الاستفتاح.
وقيل: إن المُصلي مُخير في ذلك.
فائدة: ٢
هذه التكبيرات الزوائد سنة، فلو أن الإنسان اقتصر على تكبيرة الإحرام فقط لكفى.
(ثُمَّ يَقْرَأُ جَهْراً فِي الأْولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: بـ (سَبِّحْ) وبـ (الْغَاشِيَةِ) فِي الثَّانِيَةِ).
أي: يسن أن يقرأ في العيد (سبح) في الأولى (والغاشية) في الثانية.
أو يقرأ (ق والقرآن المجيد) في الأولى و (اقتربت الساعة) في الثانية.
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِى الْجُمُعَةِ بِ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) وَ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) قَالَ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ) رواه مسلم.
стр. 1087
وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي اَلْأَضْحَى وَالْفِطْرِ بِـ (ق)، وَ (اقْتَرَبَتْ)) رواه مسلم.
قال النووي: قال العلماء: الحكمة في قراءتهما لما شتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر.
(يرفع يديهِ مع كل تكبيرةٍ).
أي: يستحب أن يرفع يديه مع كل تكبيرة من تكبيرات العيد الزوائد.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي حَالِ تَكْبِيرِهِ حَسَبَ رَفْعِهِمَا مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
فالرفع مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
وقال النووي: ومذهَبُنا استحباب الرَّفع فيهن … وبه قال عطاءٌ والأوزاعيُّ، وأبو حنيفة، ومحمد، وأحمد، وداود، وابنُ المنذر.
(المجموع).
أ- لحديث وائل بن حجر قال (رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه مع التكبير) رواه أبوداود.
ب- وعن ابن عمر (أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة من تكبيرات) رواه البيهقي.
فقاسوا تكبيرات العيد بتكبيرات الجنائز.
ج- وعن عطاء (أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة ومن خلفه يرفعون أيديهم) رواه ابن أبي شيبة.
وممن اختار الرفع: النووي، وابن قدامة، وابن القيم.
стр. 1088
قال ابن القيم: وكان ابن عمر مع تحريه للإتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة. (زاد المعاد).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشرع الرفع.
وهذا مذهب المالكية، واختاره ابن حزم، والألباني.
لأنه ليس في رفع اليدين مع التكبيرات سنة ثابتة عن النبي ﷺ .
وضعف الألباني ما روي عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة.
فائدة: ١
اختلف الفقهاء: ماذا يقول المصلي بين التكبيرات؟ على قولين:
القول الأول: لا يُقال شيء.
وهو قول الحنفية، والمالكية.
قال ابن عبد البر: وليس بين التكبير ذكر ولا دعاء لا قول إلا السكوت دون حد.
القول الثاني: يُستحب للمصلي أن يهلل الله تعالى ويُكبره ويحمده.
وهذا قول الشافعية، والحنابلة.
لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه سُئل ماذا يُقال بين التكبيرات فقال (يحمد الله ويُثنى عليه ويُصلى على النبي ﷺ رواه الطبراني في الكبير.
واختار ذلك الشوكاني.
(فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ).
وهذا ما عليه أكثر العلماء، إلى أنه يخطب في العيد بخطبتين، يفصل بينهما بجلوس، كما يفعل ذلك في خطبة صلاة الجمعة.
جاء في (المدونة) وقال مالك: الخطب كلها، خطبة الإمام في الاستسقاء والعيدين ويوم عرفة والجمعة، يجلس فيما بينها، يفصل فيما بين الخطبتين بالجلوس " انتهى.
стр. 1089
وقال الشافعي ﵀ في (الأم) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس (قال الشافعي): وكذلك خطبة الاستسقاء وخطبة الكسوف، وخطبة الحج، وكل خطبة جماعة. انتهى.
وحديث ابن ماجة (١٢٧٩) هو ما رواه عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ) والحديث أورده الألباني في ضعيف ابن ماجه، وقال عنه: منكر.
قال ابن حزم: فإذا سلم الإمام قام فخطب الناس خطبتين يجلس بينهما جلسة، فإذا أتمهما افترق الناس … كل هذا لا خلاف
فيه.
أ-لحديث جابر قال (شهدت مع النبي ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته ووعظ الناس، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن).
قالوا: فظاهر هذا أنه خطب خطبتين.
لكن هذا فيه نظر، لأن وعظه للنساء ليست خطبة أخرى، وإنما ربما لبعد النساء، أو تذكيرهن بأمور تخصهن.
ب- واستدلوا بحديث جابر قال (خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى، فخطب قائماً ثم قعد قعده ثم قام) رواه ابن ماجه وهو منكر في إسناده إسماعيل بن مسلم لا يحتج به.
قال النووي في الخلاصة: ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء.
стр. 1090
ج-وقالوا: قياساً على الجمعة.
قال النووي في (الخلاصة) وما روي عن ابن مسعود أنه قال: السنة أن يخطب في العيد خطبتين يفصل بينهما بجلوس، ضعيف غير متصل ولم يثبُت في تكرير الخطبة شيء، ولكن المعتمد فيه القياس على الجمعة. نقله الزّيلعي في (نصب الرّاية)
وذهب بعض العلماء: إلى أن صلاة العيد لها خطبة واحدة.
لظاهر النصوص.
واختاره الشيخ ابن عثيمين.
والصحيح قول الجمهور.
فائدة:
قال ابن قدامة: وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ، لَا يَجِبُ حُضُورُهَا وَلَا اسْتِمَاعُهَا.
لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ قَالَ (شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: إنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ) رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ عَنْ الصَّلَاةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ جُعِلَتْ فِي وَقْتٍ يَتَمَكَّنُ مَنْ أَرَادَ تَرْكَهَا، مِنْ تَرْكِهَا، بِخِلَافِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.
وَالِاسْتِمَاعُ لَهَا أَفْضَلُ. … (المغني).
стр. 1091
(يستفتحُ الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبعٍ).
هذا المذهب.
أن السنة افتتاح خطبة العيدين بالتكبير، وذلك بأن يكبر في الخطبة الأولى تسع تكبيرات متوالية، وفي الثانية سبع تكبيرات متوالية.
وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، أيضاً.
واستدلوا بما جاء عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال (السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى) رواه البيهقي.
وذهب بعض العلماء: إلى أن السنة أن تفتتح بالحمد لله.
وهذا اختيار ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ السعدي، والشيخ محمد بن إبراهيم.
أ- لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه افتتح خطبه بغيره. (قاله ابن تيمية).
ب- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمد فهو أقطع) رواه أبو داود.
قال ابن القيم: وَكَانَ يَفْتَتِحُ خُطَبَهُ كُلّهَا بِالْحَمْدِ لِلّهِ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنّهُ كَانَ يَفْتَتِحُ خُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ بِالتّكْبِيرِ، وَإِنّمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ سَعْدٍ الْقَرَظِ مُؤَذّنِ النّبِيّ ﷺ (أَنّهُ كَانَ يُكْثِرُ التّكْبِيرَ بَيْنَ أَضْعَافِ الْخُطْبَةِ وَيُكْثِرُ التّكْبِيرَ فِي خُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ) وَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ كَانَ يَفْتَتِحُهَا بِهِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي افْتِتَاحِ خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَقِيلَ يُفْتَتَحَانِ بِالتّكْبِيرِ وَقِيلَ تُفْتَتَحُ خُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَقِيلَ يُفْتَتَحَانِ بِالْحَمْدِ. قَالَ شَيْخُ ابْنُ تَيْمِيّةَ: وَهُوَ الصّوَابُ لِأَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ كَلّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ وَكَانَ يَفْتَتِحُ خُطَبَهُ كُلّهَا بِالْحَمْدِ لِلّه. (زاد المعاد).
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 1092
(ويُكره التنفل قبل الصلاة وبعدَها في موضعها).
أي: يكره لمن حضر صلاة العيد أن يتطوع بنفل قبل الصلاة أو بعدها في موضع صلاة العيد.
وهو مذهب ابن عباس، وابن عمر، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، وحذيفة، وبريدة، وهو مذهب مالك وأحمد.
قال الزهري: لم أسمع أحداً من علمائنا يذكر أن أحداً من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها. يعني صلاة العيد.
وقال: ما صلى قبل العيد بدري.
لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ اَلْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا) متفق عليه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا مانع من التطوع قبل العيد وبعدها.
لأن الإمام يستحب له التشاغل عن الصلاة ولم يكره للمأموم، لأنه وقت لم ينه عن الصلاة فيه، أشبه ما بعد الزوال.
وهذا قول الشافعي، ورجحه ابن حزم.
وبه قال أنس، وأبو هريرة، ورافع، وسهل، والحسن، وابن المنذر.
قال الشوكاني: حكى الترمذي عن طائفة من أهل العلم والصحابة وغيرهم، أنهم رأوا جواز الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها.
وذهب بعضهم: إلى أنه لا يصلي قبلها ويتطوع بعدها.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
وأجاب هؤلاء عن حديث ابن عباس ما ذكره الشافعي أنه محمول على الإمام دون المأموم.
стр. 1093
ومن الأجوبة ما قاله العراقي في شرح الترمذي: من أنه ليس فيها نهي عن الصلاة في هذه الأوقات، ولكن لما كان ﷺ يتأخر في مجيئه إلى الوقت الذي يصلي بهم فيه، ويرجع عقيب الخطبة، روى عنه من روى من أصحابه أنه كان لا يصلي قبلها ولا بعدها، ولا يلزم من تركه لذلك لاشتغاله بما هو مشروع في حقه من التأخر إلى وقت الصلاة أن غيره لا يشرع ذلك له ولا يستحب.
والراجح الجواز مطلقاً.
قال البيهقي: يوم العيد كسائر الأيام، والصلاة مباحة إذا ارتفعت الشمس حيث كان المصلي، ويدل على عدم الكراهة حديث أبي ذر قال: قال النبي ﷺ (الصلاة خير موضوع، فمن شاء استكثر ومن شاء استقل) رواه ابن حبان.
وقال الحافظ في الفتح: والحاصل أن صلاة العيد لم تثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافاً لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة في جميع الأيام.
وقال الشوكاني: وهو كلام صحيح جار على مقتضى الأدلة، فليس في الباب ما يدل على منع مطلق النفل، ولا على منع ما ورد فيه دليل يخصه كتحية المسجد إذا أقيمت صلاة العيد في المسجد.
стр. 1094
فائدة: ١
ما المقصود بهذا الخلاف؟
المقصود بهذا الخلاف التنفل بعد خروج وقت النهي وقبل حضور الإمام.
فائدة: ٢
ما الحكم بالنسبة لتحية المسجد؟
الحكم: إن كانت الصلاة في الجامع فإنها تصلى، لأنه مسجد ولا إشكال في ذلك.
وإن كانت في المصلى:
فقيل: لا يصلي.
ورجحه الشيخ ابن باز ﵀.
لأنه ليس مسجد.
قال الشيخ ابن باز في فتوى له: وأفيدك بأن صلاة العيدين إذا صليت في المسجد، فإن المشروع لمن أتى إليها أن يصلي تحية المسجد ولو في وقت النهي؛ لكونها من ذوات الأسباب؛ لعموم قوله ﷺ : إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، وأما إذا صليت في المصلى المعد لصلاة العيدين فإن المشروع عدم الصلاة قبل صلاة العيد؛ لأنه ليس له حكم المساجد من كل الوجوه، ولأنه لا سنة لصلاة العيد قبلها ولا بعدها. وفق الله الجميع لما فيه رضاه.
وقال ﵀: ليس للمصلَى حكم المساجد فلا تشرع الركعتان لدخوله، ولا حرج في البيع والشراء فيه؛ لأنه موضع للصلاة عند الحاجة وليس مسجداً، وإنما المسجد ما يعد للصلاة وقفاً، تؤدى فيه الصلاة كسائر المساجد، أما المصلى المؤقت تصلي فيه جماعة الدائرة، أو جماعة نزلوا لوقت معين ثم يرتحلون هذا لا يسمى مسجداً، فلا حرج أن يباع فيه ويشترى وليس له تحية المسجد، وإنما التحية لما أعد مسجداً وقفاً لله لإقامة الصلاة فيه.
стр. 1095
وقيل: يصلي لأنه مسجد.
واختاره الشيخ ابن عثيمين، بحجة أن النبي ﷺ أمر الحيض أن يعتزلن المصلى، فدل على أنه مسجد.
والراجح أن مصلى العيد ليس بمسجد.
وأما حديث أم عطية (وليعتزلن المصلى) وفي رواية لمسلم (وليعتزلن الصلاة):
المراد برواية اعتزال المصلى كما قال ابن رجب وغيره يعتزلن المصلى وقت الصلاة لئلا يضيقن المكان على المصليات، وبعد الصلاة يختلطن مع المصليات في المكان لاستماع الخطبة.
قال ابن رجب: وأما أمر الحائض باعتزال المصلى، فَقد قيل: بأن مصلى العيدين مسجد، فلا يجوز للحائض المكث فيهِ، وَهوَ ظاهر كلام بعض أصحابنا، مِنهُم: ابن أبي موسى في (شرح الخرقي)، وَهوَ - أيضاً - أحد الوجهين للشافعية، والصحيح عندهم: أنَّهُ ليسَ بمسجد، فللجنب والحائض المكث فيهِ.
وأجابوا عَن حديث الأمر باعتزال الحيض للمصلى: بأن المراد أن يتسع على غيرهن، ويتميزن.
وفي هَذا نظر؛ فإن تميز الحائض عَن غيرها مِن النساء في مجلس وغيره ليسَ بمشروع، وإنما المشروع تميز النساء عَن الرجال جملة؛ فإن اختلاطهن بالرجال يخشى منهُ وقوع المفاسد.
وقد قيل: إن المصلى يكون لَهُ حكم المساجد في يوم العيدين خاصةً، في حال اجتماع الناس فيهِ دونَ غيره مِن الأوقات.
وفي ذَلِكَ - أيضاً - نظر، والله أعلم.
والأظهر: أن أمر الحيض باعتزال المصلى إنما هوَ حال الصلاة؛ ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن، ثُمَّ يختلطن بهن في سماع الخطبة.
стр. 1096
وقد صرح أصحابنا: بأن مصلى العيد ليسَ حكمه حكم المسجد، ولا في يوم العيد، حتى قالوا: لو وصل إلى المصلى يوم العيد والإمام يخطب فيهِ بعد الصلاة؛ فإنه يجلس مِن غير صلاة؛ لأنه لا تحية لَهُ.
وقال النووي: واختلف أصحابنا في هذا المنع فقال الجمهور: هو منع تنزيه لا تحريم، وسببه الصيانة والاحتراز من مقارنة النساء للرجال من غير حاجة ولا صلاة.
وقال الحافظ ابن حجر: وحمل الجمهور الأمر المذكور على الندب، لأن المصلى ليس بمسجد فيمتنع الِحيضُ من دخوله.
وقال بن المنير: الحكمة في اعتزالهن أن في وقوفهن وهن لا يصلين مع المصليات، إظهار استهانة بالحال فاستحب لهن اجتناب ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: اعتزال الحيض للمصلي ليس لتحريم حضورهن فيه إذا لم يكن مسجداً، بل إما مبالغة في التنزيه لمحل العبادة في وقتها على سبيل الاستحسان، أو لكراهة جلوس من لا يصلي مع المصلين في محل واحد في حال إقامة الصلاة كَمَا جَاءَ (مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ أَلَسْت بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟).
وقال ابن الملقن في شرحه لعمدة الأحكام: أمر الحيّض باعتزال مصلى المسلمين ليس للتحريم، بل إما مبالغة في التنزيه لمحل العبادة، أو لكراهة جلوس من لا يصلي مع المصلين في محل واحد في حال إقامة الصلاة، أو هو للاحتراز وصيانتهن من مقاربة الرجال من غير حاجة ولا صلاة.
(والتكبيرات الزوائدُ سنة).
أي: التكبيرات الزوائد على تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى، وعلى تكبيرة القيام في الثانية سنة، لو تركها صحت صلاته.
стр. 1097
(ويُسن لمن فاتتهُ أو بعضها قضاؤُها على صفتِها).
أي: يشرع لمن فاتته صلاة العيد مع الجماعة أن يقضيها. (لكن بدون خطبة).
وهذا قول المالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لحديث أنس. قال: قال ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) متفق عليه.
ب- - ما روي عن بعض الصحابة بالأمر بالقضاء لمن فاتته صلاة العيد: فعن أنس (أنه كان إذا فاتته الصلاة يوم الفطر مع الإمام، جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة الإمام في العيد) ذكره البخاري تعليقاً.
وعلى هذا القول - وهو قول الجمهور - تقضى على صفتها، فتصلى ركعتين بسبع تكبيرات في الركعة الأولى وخمس في الركعة الثانية ويجوز قضاؤها فرادى أو في جماعة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشرع قضاؤها.
وهذا قول الحنفية، وقول المزني من الشافعية، واختيار ابن تيمية، والشيخ ابن عثيمين.
أ- لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ .
ب- ولأنها صلاة ذات اجتماع معين، فلا تشرع إلا على هذا الوجه. (الشرح الممتع).
فائدة: ١
من العلماء من قال: يصليها أربعاً، واحتج بأثر وارد عن ابن مسعود أنه قال: من فاتته العيد فليصل أربعاً، ولكنه منقطع كما قال
الشيخ الألباني.
ومن العلماء من خيّره بين صلاة ركعتين أو أربع.
стр. 1098
فائدة: ٢
يشرع التكبير ليلة عيد الفطر.
لقوله تعالى (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).
وابتداؤه من غروب الشمس ليلة العيد إذا علم دخول الشهر قبل الغروب كما لو أكمل الناس الشهر ثلاثين يوماً، أو من ثبوت رؤية هلال شوال، وينتهي بالصلاة، يعني إذا شرع الناس في صلاة العيد انتهى وقت التكبير.
صفته:
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أو تكبر ثلاثاً، فتقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
حكمه:
هذا التكبير سنة عند جمهور أهل العلم، وهو سنة للرجال والنساء، في المساجد والبيوت والأسواق.
أما الرجال فيجهرون به، وأما النساء فيسررن به بدون جهر؛ لأن المرأة مأمورة بخفض صوتها. ولهذا قال النبي ﷺ : (إذا نابكم شيء في صلاتكم فليسبح الرجال، ولتصفق النساء).
فالنساء يخفين التكبير والرجال يهجرون به.
وقال الشافعي في "الأم": قَالَ اللَّهُ ﵎ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) فَسَمِعْت مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ يَقُولَ: لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ عِدَّةَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَتُكَبِّرُوا اللَّهُ عِنْدَ إكْمَالِهِ عَلَى مَا هَدَاكُمْ، وَإِكْمَالُهُ مَغِيبُ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
ثم قَالَ الشَّافِعِيُّ:
فَإِذَا رَأَوْا هِلالَ شَوَّالٍ أَحْبَبْتُ أَنْ يُكَبِّرَ النَّاسُ جَمَاعَةً، وَفُرَادَى فِي الْمَسْجِدِ وَالأَسْوَاقِ، وَالطُّرُقِ، وَالْمَنَازِلِ، وَمُسَافِرِينَ، وَمُقِيمِينَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَأَيْنَ كَانُوا، وَأَنْ يُظْهِرُوا التَّكْبِيرَ، وَلا يَزَالُونَ يُكَبِّرُونَ حَتَّى يَغْدُوَا إلَى الْمُصَلَّى، وَبَعْدَ الْغُدُوِّ حَتَّى يَخْرُجَ الإِمَامُ لِلصَّلاةِ ثُمَّ يَدَعُوا التَّكْبِيرَ ..
стр. 1099
ثم روى عن سعيد ابْن الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْن الزُّبَيْرِ وَأَبي سَلَمَةَ وَأَبي بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنهم كانوا يُكَبِّرُونَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ.
وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا كَانَا يَجْهَرَانِ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَغْدُوَانِ إلَى الْمُصَلَّى.
وعن نَافِع بْن جُبَيْرٍ أنه كان يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ.
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ ثُمَّ يُكَبِّرُ بِالْمُصَلَّى حَتَّى إذَا جَلَسَ الإِمَامُ تَرَكَ التَّكْبِيرَ اهـ باختصار.
• التكبير في عيد الأضحى.
التكبير عند العلماء في هذه الأيام على نوعين:
مطلق - ومقيد.
أما التكبير المطلق فيبدأ من أول شهر ذي الحجة في جميع الأوقات ولا يخص بمكان معين.
فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد).
وقال الإمام البخاري في صحيحه (وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً).
وأما التكبير المقيد فيكون بعد الصلوات المكتوبات.
وأرجح أقوال أهل العلم أنه يبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق أي يكبر بعد ثلاث وعشرين صلاة مفروضة.
стр. 1100
قال ابن حجر: وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى.
عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يكبر يوم عرفة من صلاة الغداة إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق وروى ابن أبي شيبة بسنده عن علي ﵁ (أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق).
وروى أيضاً بسنده عن الأسود قال (كان عبد الله -ابن مسعود ﵁ يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من النحر يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد).
قال البخاريّ في صحيحه: كان ابن عمر وأبو هريرة ﵄ يخرجان إلى السّوق في أيّام العشر يكبِّران، ويكبِّر الناس بتكبيرهما" انتهى.
• قال الشيخ ابن عثيمين: التكبير المطلق يكون في موضعين:
الأول: ليلة عيد الفطر، من غروب الشمس إلى انقضاء صلاة العيد.
الثاني: عشر ذي الحجة من دخول الشهر، إلى فجر يوم عرفة، والصحيح أنه يمتد إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق.
التكبير المقيد: من انتهاء صلاة عيد الأضحى إلى عصر آخر أيام التشريق.
التكبير الجامع بين المطلق والمقيد: من طلوع الفجر يوم عرفة إلى انتهاء صلاة عيد الأضحى، والصحيح أنه إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق.
والفرق بين التكبير المطلق والتكبير المقيد، أن المطلق مشروع في كل وقت لا في أدبار الصلوات، فمشروعيته مطلقة، ولهذا سمي مطلقاً.
وأما المقيد فمشروع أدبار الصلوات فقط. [مجموع الفتاوى ١٦/ ٢٦٦].
стр. 1101
فائدة: ٣
ورد عن الصحابة ﵃ أنهم كان يهنئ بعضهم بعضاً بالعيد بقولهم: تقبل الله منا ومنكم.
فعن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اِلْتَقَوْا يَوْمَ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك. قال الحافظ: إسناده حسن.
وقَالَ الإمام أَحْمَدُ ﵀: وَلا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُل لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْعِيدِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك. نقله ابن قدامة في "المغني".
فائدة: ٤
صلاة المرأة العيد في بيتها مع نساء.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز للمرأة أن تصلى صلاة العيد في بيتها؟
فأجاب:
المشروع في حق النساء أن يصلين صلاة العيد في مصلى العيد مع الرجال، لحديث أم عطية ﵂، فالسنة أن يخرج النساء إلى مصلى العيد مع الرجال، أما صلاة النساء في البيوت فلا أعلم في ذلك سنة ".
وسئل أيضاً: امرأة تسأل عن صلاة العيد بالنسبة للنساء حيث لا يوجد لدينا مصلى للنساء، فأجمع النساء في بيتي وأصلي بهن صلاة العيد، فما الحكم في ذلك؟ علما بأن بيتي مستور وبعيد عن الرجال.
فأجاب:
الحكم في ذلك أن هذا من البدعة؛ فصلاة العيد إنما تكون جماعة في الرجال، والمرأة مأمورة بأن تخرج إلى مصلى العيد فتصلى مع الرجال
وتكون خلفهم بعيدة عن الاختلاط بهم، وأما أن تكون صلاة العيد في بيتها فغلط عظيم؛ فلم يعهد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أن النساء يقمن صلاة العيد في البيوت.
стр. 1102
فائد: ٥
لم يكن النبي ﷺ يخطب العيد للناس على منبر على الراجح.
قال البخاري ﵀ في "صحيحه" بَابُ الخُرُوجِ إِلَى المُصَلَّى بِغَيْرِ مِنْبَرٍ " انتهى
ثم روى عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَال (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا: قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ: أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ " قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: " فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ - وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ - فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا المُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ، فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ، فَقَالَ أَبَا سَعِيدٍ: قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاة).
قال ابن القيم: وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مِنْبَرٌ يَرْقَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ يُخْرِجُ مِنْبَرَ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَخْطُبُهُمْ قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ جابر: " شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ " مُتَّفَقٌ عَلَيْه. … (زاد المعاد).
وقال ابن رجب: وكان أكثر خطبه على المنبر في المسجد، إلا خطبه في العيدين وفي موسم الحج ونحو ذلك. (الفتح).
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ هل يسن للإمام أن يخطب على منبر في صلاة العيد؟
فأجاب: " يرى بعض العلماء أنه سنة، لأن في حديث جابر ﵁ أن الرسول ﷺ خطب الناس فقال: (ثم نزل فأتى النساء) قالوا: والنزول لا يكون إلا من مكان عالٍ، وهذا هو الذي عليه العمل.
وذهب بعض العلماء إلى أن الخطبة بدون منبر أولى، والأمر في هذا واسع إن شاء الله.
стр. 1103
باب صلاة الكسوف.
الكسوف هو ذهاب ضوء الشمس كله أو بعضه.
والخسوف: ذهاب ضوء القمر كله أو بعضه.
• قال ابن القيم: فرّق الفقهاء بين صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء بأن هذه صلاة رهبة وهذه صلاة رغبة.
• وللكسوف سببان:
السبب الأول: سبب شرعي وهو تخويف العباد وزجرهم عن الذنوب ودفعهم إلى التوبة.
وكما قال ابن المنير: أنه بمنزلة الإعلام بقرب وقوع عقوبة، فعلى الناس أن يبادروا بالتوبة ولهذا أمر النبي ﷺ بالصلاة والذكر والصدقة والعتق وغير ذلك مما يدفع أسباب العقوبات.
ويدل لذلك قوله ﷺ (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله بهما عباده).
السبب الثاني: سبب كوني: بالنسبة لكسوف الشمس هو حيلولة القمر بين الشمس وبين الأرض.
وأما بالنسبة للقمر فهي حيلولة الأرض بين الشمس.
(وهي سنة).
أي: أن حكم صلاة الكسوف سنة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
لفعل النبي ﷺ حيث بادر إلى فعلها عند وجود سببها.
أ- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ مُنَادِياً يُنَادِي: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ. فَاجْتَمَعُوا. وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَات) متفق عليه.
ب- وعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ (خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ فَزِعاً، وَيَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ. فَقَامَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلاتِهِ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ : لا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ. وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئاً فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ) متفق عليه.
стр. 1104
ج- وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً قَدْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ. فَقَالَ «إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». قَالُوا بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «بِكُفْرِهِنَّ». قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ «بِكُفْرِ الْعَشِيرِ وَبِكُفْرِ الإِحْسَانِ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ). رواه مسلم
د- وعن الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة. قال (انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ). متفق عليه
وللبخاري (حتى تنجلي).
هـ- وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُم) رواه البخاري.
وقد قال النووي: سنة مؤكدة بالإجماع.
وذهب بعض العلماء: إلى وجوبها.
стр. 1105
قال ابن حجر: فالجمهور على أنها سنة مؤكدة، وصرح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها.
قال الشيخ الألباني: دعوى الاتفاق منقوضة، فقد قال أبو عوانة في صحيحه في [بيان وجوب صلاة الكسوف] ثم ساق بعض الأحاديث الصحيحة في الأمر بها كقوله: (فصلوا … ).
قال الشيخ الألباني: وهو الأرجح دليلاً.
وقال: إن القول بالسنية فقط فيه إهدار للأوامر الكثيرة التي جاءت عنه ﷺ في هذه الصلاة دون أي صارف لها عن دلالتها الأصلية ألا وهو الوجوب.
قال ابن القيم: إن القول بالوجوب قوي قوي.
وهذا الصحيح أنها واجبة، لكن على الكفاية.
فائدة:
قوله (يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ) يعني ابن النبي ﷺ ، وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، وكانت وفاته بالمدينة.
(آيَتَانِ) علامتان.
(مِنْ آيَاتِ اَللَّهِ) أي: الدالة على وحدانية الله وعظم قدرته، وقد جاء في حديث أبي مسعود (يخوف الله بهما عباده).
(وَلَا لِحَيَاتِهِ) استشكلت هذه الزيادة، لأن السياق إنما ورد في حق من ظن أن ذلك لموت إبراهيم ولم يذكر الحياة؟
والجواب: أن فائدة ذكر الحياة، دفع توهم من يقول لا يلزم من نفي كونه سبباً للفقد أن يكون سبباً للإيجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم.
стр. 1106
(وهي ركعتان كل ركعة بقيامين وركوعين).
أي: أن صفة صلاة الكسوف تكون بركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان.
وهذا أصح ما ورد.
وهذه الصفة اتفق عليها البخاري ومسلم، أي: أنه يصلي ركعتين، في ركعة ركوعان وسجودان.
وبهذا قال أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود.
واختاره ابن تيمية، والصنعاني، والسعدي.
قال ابن تيمية: قد روي في صفة صلاة الكسوف أنواع، لكن الذي استفاض عند أهل العلم بسنة رسول الله ﷺ ، ورواه البخاري ومسلم من غير وجه، وهو الذي استحبه أكثر أهل العلم كمالك والشافعي وأحمد، أنه صلى بهم ركعتين في كل ركعة ركوعان.
وقال الشيخ السعدي: والصحيح صلاة الكسوف حديث عائشة الثابت في الصحيحين، أنه صلى في كل ركعة بركوعين وسجودين، وأما ما سواه من الصفات، فإنه وهْم من بعضهم واهٍ كما قال الأئمة: الإمام أحمد، والبخاري، وغيرهما.
وقال الشوكاني: "حكى النووي عن ابن عبد البر أنه قال: أصح ما في الباب ركوعان، وما خالف ذلك فمعلل أو ضعيف، وكذا قال البيهقي".
ونقل ابن القيم والشافعي وأحمد والبخاري، أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطاً من بعض الرواة.
لأن النبي ﷺ لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم.
стр. 1107
ويدل لذلك:
حديث عائشة (أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ مُنَادِياً يُنَادِي: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ. فَاجْتَمَعُوا. وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَات).
وعنها قَالَتْ (خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ. فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ - وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ - ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ -وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ- ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً) متفق عليه.
وهذا فيه صفة صلاة الكسوف بالتفصيل:
يصلي ركعتين يقرأ في الأولى جهراً بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورةً طَوِيلَةً، ثُمَّ يَرْكَعُ طَوِيلاً ثُمَّ يَرْفَعُ، وَيُسَمِّعُ، وَيُحَمِّدُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً طَوِيلَةً دُونَ الأْولى، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ وَهُوَ دُونَ الأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالأْولَى لَكِنْ دُونَهَا فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّم.
стр. 1108
• مسائل:
أ- ليس في القراءة بعد الفاتحة في صلاة الكسوف شيء محدد، بل يقرأ فيها بما تيسر له من القرآن.
قال البهوتي ﵀: " ومهما قرأ به من السور جاز لعدم تعين القراءة.
ب- تطويل الركعة الأولى أطول من الثانية.
قال النووي: واتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيها أقصر من القيام الأول وركوعه فيها.
واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه، هل هما أقصر من القيام الأول من الأولى وركوعه، أو يكونان سواء؟
وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله (وهو دون القيام الأول) هل المراد به الأول من الثانية، أو يرجع إلى الجميع فيكون كل قيام دون الذي قبله؟
والثاني هو الراجح.
قال الشيخ المباركفوري ﵀: " في الحديث دليل على مشروعية تطويل القيام بقراءة سورة طويلة في صلاة الكسوف، وهو مستحب عند الجميع.
(ويقرأ جهراً).
أي: أن صلاة الكسوف جهرية سواء كسوف الشمس بالنهار، أو خسوف القمر بالليل.
وهذا مذهب الحنابلة.
لحديث عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاةِ اَلْكُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وهو نص في الباب.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجهر في صلاة الكسوف ويجهر في صلاة الخسوف، لأنها ليلية.
وإلى هذا ذهب الجمهور.
стр. 1109
جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية) ولَا يَجْهَرُ فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا).
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. (الموسوعة).
أ-لحديث ابن عباس قال (انخسفت الشمس على عهد النبي ﷺ فقام طويلاً نحواً من سورة البقرة … ) متفق عليه.
قالوا: هذا دليل على أنه لم يسمعه، لأنه لو سمعه لم يقدره بغيره.
ب-وعن سمرة قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتاً … ) رواه الترمذي.
والراجح القول الأول وهو الجهر بالكسوف والخسوف.
وأما الإجابة عن أدلة القول الثاني:
حديث سمرة حديث ضعيف من أجل ثعلبة بن عباد.
وعلى فرض صحته فالمثبت مقدم على المنفي.
وأما حديث ابن عباس، فالجواب عنه من وجوه:
أولاً: أنه جهر ولم يسمعه ابن عباس.
ثانياً: أنه سمع ولم يحفظ ما قرأ به، فقدره بسورة البقرة.
ثالثاً: أن يكون نسي ما قرأ به، وحفظ قدر قراءته، فقدرها بالبقرة، ونحن نرى الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه.
وقد رجح الجهر: الحافظ ابن حجر، والشوكاني، وابن حزم، وابن العربي وغيرهم.
فائدة:
حمل بعض العلماء (حديث عائشة السابق: فجهر بقراءته) على أنه كان في خسوف القمر، أي: ليلاً، ولم يكن في كسوف الشمس.
وروايات الحديث ترد هذا، لأن فيها التصريح بأن ذلك كان في كسوف الشمس.
стр. 1110
قال ابن حجر: وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ رَوَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْوَلِيد بِلَفْظِ: (كَسَفَتْ الشَّمْس فِي عَهْد رَسُول اللَّه ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيث، وَكَذَا رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ الَّتِي بَعْده صَرِيحَة فِي الشَّمْس. (الفتح).
وقال العيني: يرد بما رواه إسحاق بن راهويه عن الوليد بن مسلم بإسناده إلى عائشة (أن النبي صلى بهم في كسوف الشمس وجهر بالقراءة) رواه الخطابي في " أعلام الجامع الصحيح " (عمدة القارئ).
وقال الصنعاني: والمراد كسوف الشمس؛ لما أخرجه أحمد بلفظ: (خسفت الشمس) وقال: (ثم قرأ فجهر بالقراءة) وقد أخرج الجهر أيضاً الترمذي والطحاوي والدار قطني. … (سبل السلام).
ورجح ابن المنذر ﵀ حديث عائشة في الجهر على قول ابن عباس، لأن المثبت مقدم على النافي.
وقال ابن تيمية: ويجهر بالقراءة في صلاة الكسوف ولو نهاراً وهو مذهب أحمد وغيره.
وقال الشيخ الألباني: المتقرر أن صلاة الكسوف إنما صلاها رسول الله ﷺ مرة واحدة وقد صح أنه جهر بها كما في البخاري ولم يثبت ما يعارضه ولو ثبت لكان مرجوحاً. (تمام المنة).
(من غير خطبة).
وهذا مذهب الجمهور: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد.
قالوا: لأن النبي ﷺ أمر بالصلاة دون الخطبة، وإنما خطب النبي ﷺ بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به.
وقال بعضهم: إنه ﷺ لم يقصد الخطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس.
قال ابن قدامة: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ وَالصَّدَقَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِخُطْبَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَأَمَرَهُمْ بِهَا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَفْعَلُهَا الْمُنْفَرِدُ فِي بَيْتِهِ، فَلَمْ يُشْرَعْ لَهَا خُطْبَةٌ، وَإِنَّمَا خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِيُعَلِّمَهُمْ حُكْمَهَا، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِهِ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَطَبَ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ. (المغني).
стр. 1111
وذهب بعض العلماء: إلى استحباب الخطبة.
وهو مذهب الإمام الشافعي وأحد القولين للإمام أحمد.
قال النووي ﵀ في (المجموع) عن القول باستحباب الخطبة بعد الصلاة: وبه قال جمهور السلف، ونقله ابن المنذر عن الجمهور.
وقال الحافظ ابن حجر: فاستحبها الشافعي وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث.
أ- لأنه ثبت أن النبي ﷺ خطب بعد صلاة الكسوف، فإنه (قام وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد … ).
ب- والأصل التأسي بالنبي ﷺ .
(ولا تقضى إذا فاتت).
أي: إذا فاتت صلاة الكسوف حتى خرج وقتها فإنها لا تقضى، لأنها سنة شرعت لسبب فتزول بزواله.
قال ابن قدامة: فَإِنْ فَاتَتْ لَمْ تُقْضَ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (إذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْجَلِي).
فَجَعَلَ الِانْجِلَاءَ غَايَةً لِلصَّلَاةِ.
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا سُنَّتْ رَغْبَةً إلَى اللَّهِ فِي رَدِّهَا، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حَصَلَ مَقْصُودُ الصَّلَاةِ. (المغني).
وقال النووي ﵀: " قال أصحابنا: النوافل قسمان:
أحدهما: غير مؤقت، وإنما يفعل لعارض كالكسوف والاستسقاء وتحية المسجد، فهذا إذا فات لا يقضى. (المجموع).
وقال البهوتي ﵀: ووقتها: من ابتداء كسوف إلى التجلي؛ لقوله ﷺ (فإذا رأيتم شيئاً من ذلك، فصلوا حتى ينجلي) رواه مسلم. ولا تقضى صلاة الكسوف بالتجلي؛ لما تقدم. ولم ينقل الأمر بها بعد التجلي، ولا قضاؤها; ولأنها غير راتبة، ولا تابعة لفرض، فلم تقض، كاستسقاء، وتحية مسجد، وسنة وضوء، وسجود تلاوة وشكر، لفوات محلها. (كشاف القناع).
стр. 1112
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "إذا لم يعلم بالكسوف إلا بعد زواله فلا يقضى؛ لأننا ذكرنا قاعدة مفيدة، وهي: " أن كل عبادة
مقرونة بسبب إذا زال السبب زالت مشروعيتها". فالكسوف مثلاً إذا تجلت الشمس، أو تجلى القمر، فإنها لا تعاد؛ لأنها مطلوبة لسبب وقد زال، ويعبر الفقهاء ﵏ عن هذه القاعدة بقولهم: "سنة فات محلها.
(وتدرك الركعة بإدراك الركوع الأول).
أي: أن الركعة في صلاة الكسوف تدرك بإدراك الركوع الأول منها.
(وتُسنّ جماعةً وفُرادَى).
أي: أن صلاة الكسوف يجوز أن تصلى جماعة، ويجوز فرادى في البيوت، والأفضل أن تصلى جماعة.
قال الشوكاني: وقد ذهب مالك، والشافعي، وأحمد وجمهور العلماء إلى أن صلاة الكسوف والخسوف تسن الجماعة فيهما.
أ- لحديث عائشة قالت (خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ بالناس … ) متفق عليه.
ب- ولحديث أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ (أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّى … ) متفق عليه.
قال ابن قدامة: لقَوْلُهُ ﵇ (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا).
وَلِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، فَجَازَتْ فِي الِانْفِرَادِ، كَسَائِرِ النَّوَافِلِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ فِعْلَهَا فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ.
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهَا فِيهِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ، فَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّ وَقْتَ الْكُسُوفِ يَضِيقُ، فَلَوْ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى احْتَمَلَ التَّجَلِّي قَبْلَ فِعْلِهَا.
وَتُشْرَعُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَغَيْرِ إذْنِهِ. … (المغني).
стр. 1113
فائدة:
يشرع حضور النساء لصلاة الكسوف، فقد ثبت أن عائشة وأسماء صلتا مع النبي ﷺ .
فعن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ (أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّى فَقُلْتُ مَا لِلنَّاسِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ. فَقُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ. فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الْغَشْيُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ «مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيباً مِنْ فِتْنَةِ … ). رواه البخاري
(ويُنادى لها: الصلاة جامعة).
أي: ويسن أن ينادى لصلاة الكسوف بـ: الصلاة جامعة.
أ- لحديث عَائِشَةَ (أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ مُنَادِيًا «الصَّلَاةَ جَامِعَةً». فَاجْتَمَعُوا وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ. وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) رواه مسلم.
ب- وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ (لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَة) متفق عليه
فائدة:
لا يسن لها أذان ولا إقامة.
أ-لأن النبي ﷺ صلاها بغير أذان ولا إقامة.
ب- ولأنها من غير الصلوات الخمس فأشبهت النوافل.
стр. 1114
(ووقتُها من حدوث الكسوف إلى التجلي).
أي: أن صلاة الكسوف تكون من رؤية الكسوف إلى تجلي الكسوف.
أ-لقوله (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا اَللَّهَ وَصَلُّوا، حَتَّى تَنْكَشِفَ) والذي في مسلم مثبت (حتى ينكشف) أي: يرتفع ويزول ما حل بكم من الكسوف.
ب-وفي رواية البخاري من حديث المغيرة (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ).
ج-وفي البخاري عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا، وَادْعُوا، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُم).
فائدة:
فلو أخبرنا بالكسوف لكن لم نره لوجود السحب، فأننا لا نصلي صلاة الكسوف.
وكذلك لو طلعت الشمس والقمر خاسف، فإنه لا يصلى، لأنه ذهب سلطانه.
وكذلك إذا غابت الشمس كاسفة، فإنه لا يصلى، لأن سلطانها قد ذهب.
قال ابن قدامة: وَإِنْ غَابَتْ الشَّمْسُ كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ عَلَى الْقَمَرِ وَهُوَ خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِنُورِهِمَا.
стр. 1115
(فإن تجلَّى الكسوفُ فيها أتمها خفيفةً).
أي: لو تجلى الكسوف أثناء الصلاة فإنهم يتمونها خفيفة لأمرين:
أولاً: لأن السبب الذي شرعت له الصلاة قد زال.
ثانياً: ولأن النبي ﷺ قال (صلوا حتى ينكشف ما بكم).
فائدة:
اختلف العلماء: في حكم لو فرِغَ من الصلاة قبل التجلي؟
فقيل: يصلون مرة ثانية.
وقيل: يشتغلون بالدعاء والذكر والتسبيح.
وهذا القول هو الصحيح.
قال ابن قدامة: إن فرغ من الصلاة والكسوف قائم: لم يَزِدْ، واشتغل بالذكر والدعاء; لأن النبي ﷺ لم يزد على ركعتين.
وقال النووي: لو سلم من صلاة الكسوف -والكسوف باق- فهل له استفتاح صلاة الكسوف مرة أخرى؟ فيه وجهان، خرجهما الأصحاب على جواز زيادة الركوع، والصحيح المنع من الزيادة والنقص، ومن استفتاح الصلاة ثانياً. والله أعلم. (المجموع)
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: المشهور عند أهل العلم أن صلاة الكسوف لا تكرر، ولكن ينبغي للإمام أن يلاحظ مدة الكسوف فيجعل الصلاة مناسبة، فإن كانت قصيرة قصّر الصلاة، ويعلم هذا بما نسمع عنه الآن مما يقرر قبل حدوث الكسوف؛ بأن الكسوف سيبدأ في الدقيقة كذا من الساعة كذا إلى الدقيقة كذا في الساعة كذا، فينبغي للإمام أن يلاحظ ذلك. وإذا فرغت الصلاة قبل انجلاء الكسوف فليتشاغلوا بالدعاء والذكر حتى ينجلي.
وقال ﵀: لا تكرر صلاة الكسوف إذا انتهت قبل الانجلاء، وإنما يصلي نوافل كالنوافل المعتادة، أو يدعو ويستغفر ويشتغل بالذكر حتى ينجلي.
стр. 1116
(وحكمتُها تخويف العباد).
أي: الحكمة من الكسوف تخويف العباد لعلهم يرجعوا إلى الله ويتوبوا.
أ-عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ (خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ فَزِعاً يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَقَامَ يُصَلِّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئاً فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ) متفق عليه.
ب-وعن عَائِشَةَ (أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ قِيَاماً شَدِيداً يَقُومُ قَائِماً ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ «اللَّهُ أَكْبَرُ». ثُمَّ يَرْكَعُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفاً فَاذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى يَنْجَلِيَا) رواه مسلم.
стр. 1117
فائدة: ١
قال ابن حجر: قَوْله: (فَأَفْزَعُوا): أَيْ اِلْتَجِئُوا وَتَوَجَّهُوا، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْمُبَادَرَة إِلَى الْمَأْمُور بِهِ، وَأَنَّ الِالْتِجَاء إِلَى اللَّه عِنْد الْمَخَاوِف بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَار سَبَب لِمَحْوِ مَا فرطَ مِنْ الْعِصْيَان؛ يُرْجَى بِهِ زَوَال الْمَخَاوِف، وَأَنَّ الذُّنُوب سَبَب لِلْبَلَايَا وَالْعُقُوبَات الْعَاجِلَة وَالْآجِلَة.
وقال أيضاً: فيهِ النَّدْب إِلَى الِاسْتِغْفَار عِنْد الْكُسُوف وَغَيْره لِأَنَّهُ مِمَّا يُدْفَع بِهِ الْبَلَاء. … (الفتح).
فائدة: ٢
قال الشيخ ابن عثيمين: الكسوف إنذار من الله لعقوبة انعقدت أسبابها، وليس هو عذاباً، لكنه إنذار، كما قال ﷺ (يخوف الله بهما عباده) ولم يقل: يعاقب الله بهما عباده، بل هو تخويف، ولا ندري ما وراء هذا التخويف، قد تكون هناك عقوبات عاجلة أو آجلة في الأنفس أو الأموال أو الأولاد أو الأهل، عقوبات عامة أو خاصة، ما ندري، ولهذا قال ﷺ (إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله) ما قال: قوموا، وما قال: صلوا، اذكروا الله، ولكن قال: افزعوا، افزعوا إلى ذكر الله واستغفاره، وكبروا وتصدقوا وصلوا وأعتقوا، كل هذه أشياء تدل على عظم هذا الكسوف.
• والكسوف له سببان:
السبب الأول: التخويف: تخويف العباد إذا كثرت الذنوب، ورانت المعاصي على القلوب، نسأل الله العافية.
والسبب الثاني: كوني قدري: وهو ما يذكره الناس من أن سبب الكسوف حيلولة القمر بين الشمس والأرض، وسبب الخسوف حيلولة الأرض بين الشمس والقمر، ولا يمتنع أن يجعل الله أسباباً طبيعية لتخويف العباد. (لقاء الباب المفتوح).
стр. 1118
فائدة: ٣
استشكل خشية النبي ﷺ أن تكون الساعة مع أن الساعة لها مقدمات:
قيل: يحتمل أن تكون قصة الكسوف وقعت قبل إعلام النبي ﷺ بهذه العلامات.
أو لعله خشي أن يكون ذلك بعض المقدمات.
أو أن الراوي ظن أن الخشية لذلك وكانت لغيره.
أو أن المراد بالساعة غير يوم القيامة، أي الساعة التي جعلت علامة على أمر من الأمور.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: أما الأول ففيه نظر، لأن قصة الكسوف متأخرة جداً، فقد تقدم أن موت إبراهيم كان في السنة العاشرة كما اتفق عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النبي ﷺ بكثير من الأشراط والحوادث قبل ذلك.
وأما الثالث، فتحسين الظن بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم بذلك إلا بتوثيق.
وأما الرابع فلا يخفى بعده.
وأقربها الثاني، فلعله خشي أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من مغربها.
(ويسن عند الكسوف الصلاة والصدقة والاستغفار).
أي: يسن عند حصول الكسوف الإكثار من الطاعات والقربات كالصلاة والصدقة والدعاء.
أولاً: الصلاة، لقوله ﷺ (فصلوا … ).
ثانياً: الدعاء، لقوله (فادعوا … ).
ثالثاً: التكبير، لقوله (وكبروا … ).
رابعاً: الصدقة، لقوله (وتصدقوا … ).
خامساً: العتاقة، عن أسماء قالت: (لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس) رواه البخاري.
وَلِأَنَّهُ تَخْوِيفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لِيَكْشِفَهُ عَنْ عِبَادِه. (المغني).
стр. 1119
(ويُصَلَّى لزلزلةٍ دائمةٍ فقط).
أي: يشرع الصلاة إذا حدثت زلزلة، وقوله (فقط) أي: فلا يصل لغيرها كالريح الشديدة، والظلمة، وكثرة المطر وغيرها.
لورود ذلك عن ابن عباس: أنه صلى في زلزلة بالبصرة كصلاة الكسوف، ثم قال: هكذا صلاة الآيات.
رواه والبيهقي في "السنن الكبرى" وقال: هو عن ابن عباس ثابت.
وصححه الحافظ في "فتح الباري".
جاء في (الموسوعة الفقهية) … وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَا يُصَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ الزَّلْزَلَةُ الدَّائِمَةُ، فَيُصَلَّى لَهَا كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ؛ لِفِعْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. انتهى.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يصلى لغير الكسوف والخسوف.
وهذا قول مالك، والشافعي.
أ-لأن النبي ﷺ لم يصلّ لغير الكسوف، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، وكذلك خلفاؤه.
ب- وحدثت الزلزلة في عهد عمر فلم يصلوا.
وذهب بعضهم: إلى أنه يصلى لكل آية، الزلزلة وغيرها.
وهو مذهب أبي حنيفة، وهو اختيار ابن تيمية.
لأن النبي ﷺ علل الكسوف بأنه آية من آيات الله يخوف بها عباده.
فائدة:
الحكم إذا كسفت الشمس يوم الجمعة:
إذا كسفت الشمس يوم الجمعة، فإن كان ذلك قبل الجمعة بوقت يسع صلاة الكسوف المعتادة، كما لو كان الكسوف في الضحى أو قريباً منه، بدئ بالكسوف، ثم صليت الجمعة في وقتها، وإن وقع الكسوف في وقت الجمعة، فإن خيف فوات الجمعة، قدمت اتفاقاً
وإن أمن فواتها، فالجمهور على تقديم الكسوف.
وذهب الحنابلة في قول اختاره ابن قدامة ﵀ إلى تقديم الجمعة؛ لأن البدء بالكسوف يفضي إلى المشقة، ويقتضي حبس الناس لأجله وإلزامهم بصلاته، وهي غير واجبة في الأصل.
قال ابن قدامة ﵀: وإذا اجتمع صلاتان، كالكسوف مع غيره من الجمعة، أو العيد، أو صلاة مكتوبة، أو الوتر، بدأ بأخوفهما فوتاً، فإن خيف فوتهما بدأ بالصلاة الواجبة، وإن لم يكن فيهما واجبة كالكسوف والوتر أو التراويح، بدأ بآكدهما، كالكسوف والوتر، بدأ بالكسوف; لأنه آكد، ولهذا تسن له الجماعة، ولأن الوتر يقضى، وصلاة الكسوف لا تقضى.
стр. 1120
فإن اجتمعت التراويح والكسوف، فبأيهما يبدأ؟ فيه وجهان، هذا قول أصحابنا، والصحيح عندي أن الصلوات الواجبة التي تصلى في الجماعة مقدمة على الكسوف بكل حال; لأن تقديم الكسوف عليها يفضي إلى المشقة، لإلزام الحاضرين بفعلها مع كونها ليست واجبة عليهم، وانتظارهم للصلاة الواجبة، مع أن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، وقد أمر النبي ﷺ بتخفيف الصلاة الواجبة، كي لا يشق
على المأمومين، فإلحاق المشقة بهذه الصلاة الطويلة الشاقة، مع أنها غير واجبة، أولى، وكذلك الحكم إذا اجتمعت مع التراويح، قدمت التراويح لذلك، وإن اجتمعت مع الوتر في أول وقت الوتر قدمت؛ لأن الوتر لا يفوت، وإن خيف فوات الوتر قدم; لأنه يسير يمكن فعله وإدراك وقت الكسوف، وإن لم يبق إلا قدر الوتر، فلا حاجة بالتلبس بصلاة الكسوف; لأنها إنما تقع في وقت النهي، وإن اجتمع الكسوف وصلاة الجنازة، قدمت الجنازة وجها واحداً; لأن الميت يخاف عليه، والله أعلم. … (المغني).
وقال النووي ﵀: قال الشافعي والأصحاب ﵏: إذا اجتمع صلاتان في وقت واحد قدم ما يخاف فوته، ثم الأوكد، فإذا اجتمع عيد وكسوف، أو جمعة وكسوف وخيف فوت العيد أو الجمعة لضيق الوقت قدم العيد والجمعة؛ لأنهما أوكد من الكسوف وإن لم يخف فوتهما فالأصح وبه قطع المصنف [أبو إسحاق الشيرازي] والأكثرون: يقدم الكسوف، لأنه يخاف فوته. (المجموع)
стр. 1121
بَابُ صَلَاةِ اَلِاسْتِسْقَاءِ
أي: باب الصلاة لأجل الاستسقاء، وهو الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة.
قال في الفتح: الاستسقاء لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير.
وشرعاً: طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجهٍ مخصوص.
(وهي سنة، إذا أجدبت الأرضُ وقَحَطَ المطر).
أي: أن صلاة الاستسقاء حكمها سنة عند وجود سببها وهو: تأخر نزول المطر وجدب الديار وهذا قول أكثر العلماء.
قال ابن قدامة: صلاة الاستسقاء سنة عند الحاجة إليها سنة مؤكدة، لأن النبي ﷺ فعلها وكذلك خلفاؤه، وهذا قول سعيد بن المسيب وداود ومالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تسن صلاة الاستسقاء ولا الخروج إليها، لأن النبي ﷺ استسقى على المنبر يوم الجمعة ولم يخرج ولم يصل.
وقول الجمهور هو الصحيح.
فقد ثبتت الأحاديث في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ صلى الاستسقاء ركعتين.
أ-كحديث عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد (أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى وصلى ركعتين) متفق عليه.
وفي رواية للبخاري (خرج النبي ﷺ يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة).
ب- وحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ) رَوَاهُ ابو داود.
ج- وحديث عائشة (أن النبي ﷺ شكوا إليه قحوط المطر … فخطب ثم أقبل على الناس … ) رواه أبو داود.
стр. 1122
فائدة:
أنواع الاستسقاء التي وردت عن النبي ﷺ ثلاثة:
أولاً: استسقى يوم الجمعة وهو يخطب.
كما في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. قَالَ أَنَسٌ: فَلا وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ. فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ … ) متفق عليه.
ثانياً: السؤال من كل واحد من الناس.
وقد استسقى النبي ﷺ بدون صلاة، كما ورد في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ استسقى فقال (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً غدقاً طبقاً عاجلاً … ) رواه ابن ماجه.
ثالثاً: خرج بهم إلى المصلى واستسقى بهم.
كما في أحاديث الاستسقاء، وقد تقدمت.
стр. 1123
(وتفعل كصلاة العيد في الصحراء).
أي: أن صلاة الاستسقاء صفتها كصلاة العيد، فتسن في الصحراء.
لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَت (شَكَا اَلنَّاسُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي اَلْمُصَلَّى، وَوَعَدَ اَلنَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ اَلشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى اَلْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اَللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدَبَ دِيَارِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اَللَّهُ أَنْ تَدْعُوَهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ، اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اَللَّهُمَّ أَنْتَ اَللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ اَلْغَنِيُّ وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ" ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى اَلنَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبِلَ عَلَى اَلنَّاسِ وَنَزَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اَللَّهُ سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَت) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(ووقتها وصفتها كصلاة العيد).
أي: صلاة الاستسقاء كصلاة العيد في الوقت، والصفة.
في الوقت:
ليس لها وقت معين، لكن الأفضل وقت صلاة العيد.
قال ابن قدامة: وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف; لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي، والأولى فعلها في وقت العيد.
أ- لما روت عائشة، أن رسول الله ﷺ خرج حين بدا حاجب الشمس. رواه أبو داود.
ب- ولأنها تشبهها في الموضع والصفة، فكذلك في الوقت، إلا أن وقتها لا يفوت بزوال الشمس، لأنها ليس لها يوم معين،
فلا يكون لها وقت معين. … (المغني).
стр. 1124
وقال النووي ﵀: في وقت صلاة الاستسقاء ثلاثة أوجه:
أحدها: وقتها وقت صلاة العيد.
الوجه الثاني: أول وقت صلاة العيد ويمتد إلى أن يصلي العصر …
والثالث: وهو الصحيح، بل الصواب: أنها لا تختص بوقت، بل تجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار، إلا أوقات الكراهة على أحد الوجهين. وهذا هو المنصوص للشافعي، وبه قطع الجمهور وصححه المحققون. (المجموع).
في الصفة:
يكبر في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً، وتصلى في المصلى.
لحديث ابن عباس السابق (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا .... فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ).
(ويخرج إليها متخشعاً متذللاً متضرعاً).
أي: ويسن أن يخرج لصلاة الاستسقاء متخشعاً متذللاً متضرعاً.
لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ - السابق - قَالَ (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ) رواه أبوداود.
[متخشعاً]: التذلل ورمي البصر إلى الأرض وخفض الصوت وسكون الأعضاء [متذللاً] التذلل الخضوع والتذلل إلى الله وإظهار الذل، وهو الهوان، وهو أشد من التواضع. [متضرعاً] التضرع الابتهال إلى الله في الدعاء مع حضور القلب وامتلائه بالهيبة والخوف من الله أن يكون متواضعاً، متخشعاً، متذللاً، لأنه يوم استكانة وخضوع، واستحب الفقهاء أن يخرج أهل الدين والشيوخ.
стр. 1125
(ولا يتطيب).
أي: لا يشرع له إذا ذهب لصلاة الاستسقاء أن يتطيب.
قال ابن قدامة: وَلَا يَتَطَيَّبُ، لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الزِّينَةِ، وَهَذَا يَوْمُ تَوَاضُعٍ وَاسْتِكَانَةٍ
قال الشيخ ابن عثيمين: الصحيح أنه لا ينكر على من تطيب، لأن الطيب لا يمنع الاستكانة والخضوع لله تعالى.
(فيصلي ركعتين).
أي أن صلاة الاستسقاء ركعتان.
قال النووي: بإجماع المثبتين لها.
قال ابن قدامة: لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافاً في أنها ركعتان.
كما في حديث ابن عباس السابق (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ … ).
وصفة الصلاة كصلاة العيد، يكبر في الأولى بعد التحريمة والاستفتاح ستاً، وفي الثانية خمساً، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بالأعلى، وفي الثانية بعد الفاتحة بالغاشية.
(يجهر بها).
أي: أن صلاة الاستسقاء يجهر بالقراءة بها.
لحديث عبد الله بن زيد قال (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِى فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَة) رواه البخاري، ورواه مسلم دون الجهر بالقراءة.
قال النووي: أجمعوا على استحبابه، وكذلك نقل الإجماع على استحباب الجهر ابن بطال.
следующие страницы →