← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

بَابُ صَلَاةِ اَلِاسْتِسْقَاءِ أي: باب الصلاة لأجل الاستسقاء، وهو الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة. قال في الفتح: الاستسقاء لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير. وشرعاً: طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجهٍ مخصوص. (وهي سنة، إذا أجدبت الأرضُ وقَحَطَ المطر). أي: أن صلاة الاستسقاء حكمها سنة عند وجود سببها وهو: تأخر نزول المطر وجدب الديار وهذا قول أكثر العلماء. قال ابن قدامة: صلاة الاستسقاء سنة عند الحاجة إليها سنة مؤكدة، لأن النبي ﷺ فعلها وكذلك خلفاؤه، وهذا قول سعيد بن المسيب وداود ومالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تسن صلاة الاستسقاء ولا الخروج إليها، لأن النبي ﷺ استسقى على المنبر يوم الجمعة ولم يخرج ولم يصل. وقول الجمهور هو الصحيح. فقد ثبتت الأحاديث في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ صلى الاستسقاء ركعتين. أ-كحديث عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد (أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى وصلى ركعتين) متفق عليه. وفي رواية للبخاري (خرج النبي ﷺ يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة). ب- وحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ) رَوَاهُ ابو داود. ج- وحديث عائشة (أن النبي ﷺ شكوا إليه قحوط المطر … فخطب ثم أقبل على الناس … ) رواه أبو داود.

стр. 1122

فائدة: أنواع الاستسقاء التي وردت عن النبي ﷺ ثلاثة: أولاً: استسقى يوم الجمعة وهو يخطب. كما في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. قَالَ أَنَسٌ: فَلا وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ. فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ … ) متفق عليه. ثانياً: السؤال من كل واحد من الناس. وقد استسقى النبي ﷺ بدون صلاة، كما ورد في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ استسقى فقال (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً غدقاً طبقاً عاجلاً … ) رواه ابن ماجه. ثالثاً: خرج بهم إلى المصلى واستسقى بهم. كما في أحاديث الاستسقاء، وقد تقدمت.

стр. 1123

(وتفعل كصلاة العيد في الصحراء). أي: أن صلاة الاستسقاء صفتها كصلاة العيد، فتسن في الصحراء. لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَت (شَكَا اَلنَّاسُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي اَلْمُصَلَّى، وَوَعَدَ اَلنَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ اَلشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى اَلْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اَللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدَبَ دِيَارِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اَللَّهُ أَنْ تَدْعُوَهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ، اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اَللَّهُمَّ أَنْتَ اَللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ اَلْغَنِيُّ وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ" ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى اَلنَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبِلَ عَلَى اَلنَّاسِ وَنَزَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اَللَّهُ سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَت) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. (ووقتها وصفتها كصلاة العيد). أي: صلاة الاستسقاء كصلاة العيد في الوقت، والصفة. في الوقت: ليس لها وقت معين، لكن الأفضل وقت صلاة العيد. قال ابن قدامة: وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف; لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي، والأولى فعلها في وقت العيد. أ- لما روت عائشة، أن رسول الله ﷺ خرج حين بدا حاجب الشمس. رواه أبو داود. ب- ولأنها تشبهها في الموضع والصفة، فكذلك في الوقت، إلا أن وقتها لا يفوت بزوال الشمس، لأنها ليس لها يوم معين، فلا يكون لها وقت معين. … (المغني).

стр. 1124

وقال النووي ﵀: في وقت صلاة الاستسقاء ثلاثة أوجه: أحدها: وقتها وقت صلاة العيد. الوجه الثاني: أول وقت صلاة العيد ويمتد إلى أن يصلي العصر … والثالث: وهو الصحيح، بل الصواب: أنها لا تختص بوقت، بل تجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار، إلا أوقات الكراهة على أحد الوجهين. وهذا هو المنصوص للشافعي، وبه قطع الجمهور وصححه المحققون. (المجموع). في الصفة: يكبر في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً، وتصلى في المصلى. لحديث ابن عباس السابق (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا .... فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ). (ويخرج إليها متخشعاً متذللاً متضرعاً). أي: ويسن أن يخرج لصلاة الاستسقاء متخشعاً متذللاً متضرعاً. لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ - السابق - قَالَ (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ) رواه أبوداود. [متخشعاً]: التذلل ورمي البصر إلى الأرض وخفض الصوت وسكون الأعضاء [متذللاً] التذلل الخضوع والتذلل إلى الله وإظهار الذل، وهو الهوان، وهو أشد من التواضع. [متضرعاً] التضرع الابتهال إلى الله في الدعاء مع حضور القلب وامتلائه بالهيبة والخوف من الله أن يكون متواضعاً، متخشعاً، متذللاً، لأنه يوم استكانة وخضوع، واستحب الفقهاء أن يخرج أهل الدين والشيوخ.

стр. 1125

(ولا يتطيب). أي: لا يشرع له إذا ذهب لصلاة الاستسقاء أن يتطيب. قال ابن قدامة: وَلَا يَتَطَيَّبُ، لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الزِّينَةِ، وَهَذَا يَوْمُ تَوَاضُعٍ وَاسْتِكَانَةٍ قال الشيخ ابن عثيمين: الصحيح أنه لا ينكر على من تطيب، لأن الطيب لا يمنع الاستكانة والخضوع لله تعالى. (فيصلي ركعتين). أي أن صلاة الاستسقاء ركعتان. قال النووي: بإجماع المثبتين لها. قال ابن قدامة: لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافاً في أنها ركعتان. كما في حديث ابن عباس السابق (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ … ). وصفة الصلاة كصلاة العيد، يكبر في الأولى بعد التحريمة والاستفتاح ستاً، وفي الثانية خمساً، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بالأعلى، وفي الثانية بعد الفاتحة بالغاشية. (يجهر بها). أي: أن صلاة الاستسقاء يجهر بالقراءة بها. لحديث عبد الله بن زيد قال (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِى فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَة) رواه البخاري، ورواه مسلم دون الجهر بالقراءة. قال النووي: أجمعوا على استحبابه، وكذلك نقل الإجماع على استحباب الجهر ابن بطال.

стр. 1126

(ثم يخطب خطبة واحدة). أي: ثم بعد الصلاة يخطب. وهذا يدل على أن الخطبة تكون بعد الصلاة كالعيد. وهذا مذهب الجمهور، المالكية، والشافعية، والحنابلة. قال النووي: وبه قال الجماهير. أ- لحديث ابن عباس وقد سبق (خرج متضرعاً … فصلى كما يصلي العيد). ب- ولحديث أبي هريرة قال (صلى بنا رسول الله ﷺ ثم خطبنا) رواه ابن ماجه. ج-ولحديث عبد الله بن زيد قال (رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي، فحول ظهره إلى الناس، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة) متفق عليه. وذهب بعض العلماء: إلى أن الخطبة قبل الصلاة. (بخلاف العيد) روي ذلك عن عمر، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وذهب إليه ابن عبد البر. أ-لحديث عائشة السابق ( … فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم … ثم نزل فصلى) فهو نص أنه خطب قبل الصلاة. ب-ولحديث عبد الله بن زيد، وفيه: ( … فحول ظهره إلى الناس واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين). وذهب بعضهم: إلى أنه مخير. واختار هذا الشوكاني. لورود الأخبار بكلا الأمرين. والله أعلم.

стр. 1127

(يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد). وهذا مذهب الحنابلة. لحديث ابن عباس - السابق - (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ). وذهب بعض العلماء: إلى أن السنة افتتاح خطبة الاستسقاء بالاستغفار. وهذا قول المالكية والشافعية. قالوا: لأن الاستغفار أليق بالحال، وأخص بالاستسقاء، لأنه حال طلب ودعاء. وذهب بعضهم: إلى أن السنة افتتاح خطبة الاستسقاء بالحمد. وهذا قول ابن تيمية. أ-لحديث أبي هريرة. أن النبي ﷺ قال (كل امرئ ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمد أقطع) رواه أبو داود. ب- قال ابن تيمية: لم ينقل عن أحد عن النبي ﷺ أنه افتتح خطبه بغير الحمد لا خطبة عيد ولا استسقاء. وهذا القول هو الصحيح. قال ابن القيم: وقد اختلف الناسُ في افتتاح خُطبة العيدين والاستسقاء، فقيل: يُفتتحان بالتكبير، وقيل تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل: يُفتتحان بالحمد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب، لأن النبي ﷺ قال: كلُّ أَمْرٍ ذي بالٍ لَا يُبْدَأ فيهِ بِحَمْدِ الله، فَهُوَ أَجْذَم، وكان يفتتح خطبَه كلَّها بالحمد لله. [وقد تقدمت المسألة].

стр. 1128

(ويكثر فيها: الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به). أي: يسن أن يكثر في الخطبة من الاستغفار، ويقرأ الآيات التي فيها الأمر به، فيقول: اللهم اغفر لنا، اللهم إنا نستغفرك، لأن الاستغفار سبب لحصول الخيرات والبركات. كما قال تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً). وقال تعالى (فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ). وقال تعالى (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً). (ويُحولُ الناسُ أردِيتَهم). أي: يسن تحويل الرداء في صلاة الاستسقاء. كما في حديث عبد الله بن زيد السابق (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة). قال ابن قدامة: يستحب تحويل الرداء للإمام والمأموم، في قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: لا يسن; لأنه دعاء، فلا يستحب تحويل الرداء فيه، كسائر الأدعية. وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. وحكي عن سعيد بن المسيب، وعروة، والثوري، أن تحويل الرداء مختص بالإمام دون المأموم. وهو قول الليث، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، لأنه نقل عن النبي ﷺ دون أصحابه. ولنا أن ما فعله النبي ﷺ ثبت في حق غيره، ما لم يقم على اختصاصه به دليل، كيف وقد عُقِل المعنى في ذلك، وهو التفاؤل بقلب الرداء، ليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخصب، وقد جاء ذلك في بعض الحديث. (المغني).

стр. 1129

فائدة: ١ اختلف العلماء: هل التحويل خاص بالإمام أو حتى للمأمومين على قولين: القول الأول: يستحب للمأمومين أن يحولوا أرديتهم في الاستسقاء كما يحوّل الإمام. وهذا قول أكثر العلماء، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة. أ-فقد جاء في مسند أحمد من حديث عبد الله بن زيد: ( … ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه فقلبه ظهْراً لبطن وتحول الناس معه) وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرح التحديث فانتفت شبهة تدليسه. ب-أن ما ثبت في حقه ﷺ ثبت في حق غيره ما لم يقم دليل على اختصاصه. ج-ولأن العلة واحدة وهي التفاؤل. القول الثاني: أن سنة تحويل الرداء في الاستسقاء خاصة بالإمام دون المأمومين. وإليه ذهب جماعة من السلف منهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وهو مذهب الحنفية. قالوا: إن تحويل الرداء إنما نقل عن النبي ﷺ دون أصحابه الذين صلوا معه الاستسقاء، فدل ذلك على اختصاص التحويل بالإمام دون المأمومين. والراجح الأول.

стр. 1130

فائدة: ٢ اختلف أهل العلم القائلين باستحباب تحويل الأردية في الاستسقاء في هيئة التحويل على قولين: القول الأول: أن تحويل الرداء يكون بقلبه فقط، وذلك بجعل ما كان من الرداء على اليمين على اليسار، وما على اليسار على اليمين. وهذا مذهب الجمهور. أ-لحديث عبد الله بن زيد في خبر خروج النبي ﷺ بأصحابه للاستسقاء وفيه (وحول رداءه، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله) رواه أحمد. ب- ولحديث أبي هريرة قال (خرج رسول الله ﷺ يوماً يستسقي، فصلى بنا ركعتين … وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن) رواه ابن ماجه، وفي إسناده النعمان بن راشد فيه ضعف. القول الثاني: يستحب مع قلب الرداء تنكيسه، بأن يجعل أعلاه أسفله. وهذا مذهب الشافعي. واستدلوا بالحديث الذي سبق: ( … فقلبه ظهراً لبطن وتحول الناس معه). والراجح القول الأول، لأن الأحاديث فيه أصرح. فائدة: ٣ الحكمة من التحويل. أ- التحويل شرع تفاؤلاً بتغير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب، ومن ضيق الحال إلى سعته. ب- وتأسياً بالنبي ﷺ . ج-وكأن الرجل التزم أن يغير عمله السيئ إلى عمل صالح، لأن الأعمال لباس.

стр. 1131

فائدة: ٤ هل يقدّم التحويل أم الدعاء؟ يقدم الدعاء ثم التحويل. وهذا ظاهر حديث الباب أنه دعا ثم حوّل رداءه. وكذلك حديث عبد الله بن زيد. فائدة: ٥ اختلف العلماء المعاصرون فيمن يرتدي ملحفة، أو غطاء يضعه على رأسه، كالشماغ أو الغترة المعروفة اليوم، هل يشمله استحباب قلبه وتحويله عند الاستسقاء، على قولين: القول الأول: يستحب قلب " الشماغ " كما يستحب قلب الرداء. ورجحه ابن باز. القول الثاني: لا يشمله الحكم، ولا يستحب قلبه. واختاره الشيخ ابن عثيمين. قال الشيخ ابن عثيمين: وأما الشماغ فالظاهر أنه لا يقلب؛ لأن الشماغ بمنزلة العمامة، والذي ورد عن النبي ﷺ هو قلب الرداء. والراجح القول الأول.

стр. 1132

(وإنْ خرجَ أهل الذمةِ لم يُمنعوا، وأُمروا أن يكونوا منفردينَ عن المسلمين). إِنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا: لِأَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجِيبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُؤْمِنِينَ. وَيُؤْمَرُوا بِالِانْفِرَادِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ في المكان: لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ، فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَ عَادٍ اسْتَسْقَوْا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا، فَأَهْلَكَتْهُمْ. لكن لو طلبوا الانفراد بيوم فإنهم يمنعون. لئلا يتفق نزول الغيث يوم خروجهم وحدهم فيكون أعظم لفتنتهم، وربما افتتن غيرهم بهم. (ويُنادَى: الصلاة جامعة). أي: ينادى لصلاة الاستسقاء إذا حان وقتها: الصلاة جامعة. والراجح أنه لا ينادى لها بذلك، لأنه لم ينقل. وقياسها على الكسوف قياس ضعيف، وقد تقدم ذلك في باب صلاة العيد. (ويسن أن يقفَ في أولِ المطرِ، ويحسر عن ثوبه ليصيبه المطر). أي: يسن عند نزول المطر أن يحسر عن ثوبه ليخرج بعض جسده ليصيبه المطر. عن أَنَس قال (أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ قَالَ فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ. فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا قَالَ «لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى) رواه مسلم. قال النووي: معنَى (حَسِرَ) كَشَفَ أَيْ كَشَفَ بَعْض بَدَنه، وَمَعْنَى (حَدِيث عَهْد بِرَبِّهِ) أَيْ بِتَكْوِينِ رَبّه إِيَّاهُ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَطَر رَحْمَة، وَهِيَ قَرِيبَة الْعَهْد بِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى لَهَا فَيَتَبَرَّك بِهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِقَوْلِ أَصْحَابنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ عِنْد أَوَّل الْمَطَر أَنْ يَكْشِف غَيْر عَوْرَته لِيَنَالَهُ الْمَطَر، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا وَفِيهِ أَنَّ الْمَفْضُول إِذَا رَأَى مِنْ الْفَاضِل شَيْئًا لَا يَعْرِفهُ أَنْ يَسْأَلهُ عَنْهُ لِيُعَلِّمهُ فَيَعْمَل بِهِ وَيُعَلِّمهُ غَيْره. (شرح مسلم). وقال ابن قدامة: ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ، وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ؛ لِيُصِيبَهُ الْمَطَرُ. لِمَا رَوَى أَنَس (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْنَا الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَنْ لِحْيَتِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

стр. 1133

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ إذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ قَالَ لِغُلَامِهِ أَخْرِجْ رَحْلِي وَفِرَاشِي يُصِبْهُ الْمَطَرُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ إذَا سَالَ السَّيْلُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ يَقُول: اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا، فَنَتَطَهَّرَ). (المغني). وقال أبو العباس القرطبي: وهذا منه ﷺ تبرك بالمطر، واستشفاء به؛ لأن الله تعالى قد سماه رحمة، ومباركاً، وطهوراً، وجعله سبب الحياة، ومبعداً عن العقوبة، ويستفاد منه احترام المطر، وترك الاستهانة به. (المفهم). وفي " صحيح البخاري ": " باب من تمطر في المطر حتى يتحادر على لحيته "، أورد فيه حديث أنس بن مالك ﵁ في استسقاء النبي ﷺ المطر على المنبر، وكان مما قاله أنس ﵁: (ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ). وقال الحافظ ابن حجر: كأن المصنف أراد أن يبين أن تحادُرَ المطر على لحيته ﷺ لم يكن اتفاقاً، وإنما كان قصداً، فلذلك ترجم بقوله: " من تمطَّر "، أي: قصد نزول المطر عليه؛ لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته ﷺ . (الفتح). وقال الشيخ ابن عثيمين: والثابت من سنّة النبي ﷺ (أنه إذا نزل المطر حسر ثوبه) أي: رفعه حتى يصيب المطر بدنه ويقول: إنه كان حديث عهد بربه.

стр. 1134

وهذه السنّة ثابتة في الصحيح، وعليه فيقوم الإِنسان ويخرج شيئاً من بدنه إما من ساقه، أو من ذراعه، أو من رأسه حتى يصيبه المطر اتباعاً لسنّة النبي ﷺ وقوله في الحديث: «إنه كان حديث عهد بربه» لأن الله خلقه الآن، فهو حديث عهد بخلق الله. … (الشرح الممتع). (وإنْ كثُرَ المطرُ حتى خِيف منه سُنّ قول: اللهم حوالينا ولا علينا .. ). أي: يسن إذا كثر المطر وخيف منه الضرر، فإنه يسن قول ما ورد. كما في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِيثُنَا، … قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ قَالَ: لا أَدْري). (هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا) أي: بسبب غير السّبب الأوّل، والمراد أنّ كثرة الماء انقطع المرعى بسببها، فهلكت المواشي من عدم الرّعي. أو لعدم ما يكنّها من المطر، ويدلّ على ذلك قوله في رواية سعيد عن شريك عند النّسائيّ (من كثرة الماء). وأمّا انقطاع السّبل، فلتعذّر سلوك الطّرق من كثرة الماء، وفي رواية حميدٍ عند ابن خزيمة (واحتبس الرّكبان) وفي رواية مالك عن شريك (تهدّمت البيوت) وفي رواية إسحاق عند البخاري (هدم البناء وغرق المال) وفي رواية يحيى بن سعيد عند البخاري (بشق المسافر ومنع الطريق).

стр. 1135

(اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ) قيل: هي الهضبة الضخمة، وقيل: هي الجبل الصغير، (وَالظِّرَابِ) بكسر المعجمة وآخره موحّدة، جمع ظرِب بكسر الرّاء. وقد تسكن، وقال القزّاز: هو الجبل المنبسط ليس بالعالي، وقال الجوهريّ: الرّابية الصّغيرة، (وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ) وزاد مالك في روايته (ورءوس الجبال). (وعند نزوله قول مطرنا بفضل الله ورحمته). أي: ويسن عند نزول المطر قول: مطرنا بفضل الله ورحمته. عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ». قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ. فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) متفق عليه. ومما يستحب أيضاً: عن عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى المَطَرَ قَالَ: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) رواه البخاري. وفي لفظ لأبي داود أنه كان يقول: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا هَنِيئًا) صححه الألباني والصيب: ما سال من المطر وجرى. فائدة: ١ قول ابن عباس (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا … كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ). قال ابن قدامة: وقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ) نَفْيٌ لِلصِّفَةِ لَا لِأَصْلِ الْخُطْبَةِ، أَيْ لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ، إنَّمَا كَانَ جُلُّ خُطْبَتِهِ الدُّعَاءَ وَالتَّضَرُّعَ وَالتَّكْبِير. (المغني).

стр. 1136

فائدة: ٢ هل يشرع الصوم في يوم الاستسقاء؟ قال بذلك بعض العلماء. وقال الشيخ ابن عثيمين: لكنه ليس في هذا سنة، لكن من كان يعتاد أن يصوم الاثنين فهذا طيب، يصوم الاثنين ويجمع بين هذا وهذا. فائدة: ٣ المستحب في حق الإمام إذا أراد الخروج للاستسقاء أن يعد الناس يوماً يخرجون فيه. لقول عائشة السابق (ووعد الناس يوماً يخرجون فيه). فائدة: ٤ يستحب في الاستسقاء التصدق. جاء في (الموسوعة الفقهية): اتّفقت المذاهب على استحباب الصّدقة قبل الاستسقاء، ولكنّهم اختلفوا في أمر الإمام بها. قال الشّافعيّة، والحنابلة، والحنفيّة، وهو المعتمد عند المالكيّة: يأمرهم الإمام بالصّدقة في حدود طاقتهم. وقال بعض المالكيّة: لا يأمرهم بها، بل يترك هذا للنّاس بدون أمرٍ؛ لأنّه أرجى للإجابة، حيث تكون صدقتهم بدافعٍ من أنفسهم، لا بأمرٍ من الإمام. انتهى وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: قوله: "والصدقة " أي: ويأمرهم أيضاً بالصدقة -أي: قبل الاستسقاء- والصدقة قد يقال: إنها مناسبة؛ لأن الصدقة إحسان إلى الغير، والإحسان سبب للرحمة؛ لقول الله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) والغيث رحمة؛ لقول الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) والصدقة هنا ليست الصدقة الواجبة، بل المستحبة، أما الصدقة الواجبة فإن منْعها سبب لمنع القطر من السماء كما قال النبي ﵇ في الحديث المروي عنه: وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء. (الشرح الممتع).

стр. 1137

فائدة: ٥ جاء في الحديث عَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى اَلسَّمَاءِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. الحديث يدل على استحباب رفع اليدين في الاستسقاء والمبالغة في ذلك. وقد اختلف العلماء في معنى الحديث على قولين: القول الأول: أن السنة في صفة رفع اليدين أن يرفع الداعي يديه وظهورهما إلى السماء. وهذا قول الأكثر (المالكية، والشافعية، والحنابلة). قالوا: إن هذا كالنص في كيفية رفع اليدين في الدعاء في الاستسقاء. القول الثاني: أن السنة في صفة رفع اليدين أن يرفع الداعي يديه وبطونهما إلى السماء. وهذا ظاهر مذهب الحنفية، وهو اختيار ابن تيمية. لحديث ابن عباس مرفوعاً (إذا دعوت فادع بباطن كفيك ولا تدع بظهورهما) رواه أبو داود وفيه ضعف. وقالوا: إن المراد بحديث الباب المبالغة في رفع اليدين، وأنه من شدة الرفع صار ظهور الكفين نحو السماء وبطونهما نحو الأرض. وهذا هو الصحيح.

стр. 1138

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: … وينبغي في هذا الرفع أن يبالغ فيه لأن النبي ﷺ كان يبالغ فيه حتى يرى بياض أبطيه ولا يرى البياض إلا مع الرفع الشديد حتى أنه جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ (جعل ظهورهما نحو السماء) واختلف العلماء في تأويله: فقال بعضهم: يجعل ظهورهما نحو السماء. وقال بعضهم: بل رفعهما رفعاً شديداً حتى كان الرائي يرى ظهورهما نحو السماء، لأنه إذا رفع رفعاً شديداً صارت ظهورهما نحو السماء. وهذا هو الأقرب وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية ﵀، وذلك لأن الرافع يديه عند الدعاء يستجدي ويطلب، ومعلوم أن الطلب إنما يكون بباطن الكف لا بظاهره. (الشرح الممتع). فائدة: ٦ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْه) رواه مسلم. قال النووي: هذَا الْحَدِيث يُوهِم ظَاهِره أَنَّهُ لَمْ يَرْفَع ﷺ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاء، وَلَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ رَفْع يَدَيْهِ ﷺ فِي الدُّعَاء فِي مَوَاطِن غَيْر الِاسْتِسْقَاء، وَهِيَ أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَر، وَقَدْ جَمَعْت مِنْهَا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا مِنْ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدهمَا، وَذَكَرْتهمَا فِي أَوَاخِر بَاب صِفَة الصَّلَاة مِنْ شَرْح الْمُهَذَّب، وَيُتَأَوَّل هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْفَع الرَّفْع الْبَلِيغ بِحَيْثُ يُرَى بَيَاض إِبْطَيْهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاء، أَوْ أَنَّ الْمُرَاد لَمْ أَرَهُ رَفَعَ، وَقَدْ رَآهُ غَيْره رَفَعَ، فَيُقَدَّم الْمُثْبِتُونَ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة وَهُمْ جَمَاعَات عَلَى وَاحِد لَمْ يَحْضُر ذَلِكَ، وَلَا بُدّ مِنْ تَأْوِيله لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (شرح مسلم).

стр. 1139

فائدة: ٧ من أدعية النبي ﷺ في الاستسقاء: عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قال: أن النَّبِيَّ ﷺ دعا في الاستسقاء، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا، مَرِيعًا، نَافِعًا، غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا، غَيْرَ آجِلٍ. قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ) رواه أبو داود. قال النووي: "إسناده صحيح على شرط مسلم". الغيث: المطر. المغيث: المنقذ من الشدة. المريء: المحمود العاقبة. المريع: الذي يأتي بالريع وهو الزيادة. فائدة: ٨ في قوله ﷺ (عاجلاً غير آجل) دليل على جواز سؤال الله بهذه الصيغة. ويمكن تقسيم الاستعجال في الدعاء إلى نوعين: الأول: استعجال بمعنى طلب تعجيل المطلوب، وسؤال قرب وقوعه على أكمل وجه. فهذا استعجال جائز بل محمود، لأنه من باب الطمع في كرم الله وجوده وإحسانه، وهو سبحانه يرضى من عباده أن يقدروه حق قدره. والثاني: استعجال مذموم، وهو استبطاء الإجابة، والتسخط على الله ، والتشكك في جوده وكرمه، والتذمر من عدم تحقق المراد، والله لا يرضى أن يضيق قلب عبده المؤمن به. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي). متفق عليه

стр. 1140

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سلسلة دروس فقهية كتاب الجنائز بقلم

стр. 1141

كتابُ الجنائز الجنائز: جمع جنازة، بفتح الجيم أو كسرها، وهو الميت. وقيل: الجنازة بفتح الجيم للميت، وبكسرها النعش، فالفتح للأعلى، والكسر للأسفل. والمراد بهذا الكتاب: أحكام الأموات من الغسل، والتكفين، والصلاة عليه، والدفن. (يسن الاستعداد للموت). أي: يسن للإنسان أن يكون مستعداً للموت، بفعل الأعمال الصالحات، وترك المعاصي والمنكرات. وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁: أن رَسُول الله ﷺ قَال (بادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعاً، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إلاَّ فَقراً مُنسياً، أَوْ غِنىً مُطغِياً، أَوْ مَرَضاً مُفسِداً، أَوْ هَرَماً مُفْنداً، أَوْ مَوتاً مُجْهزاً، أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ فالسَّاعَةُ أدهَى وَأَمَر). رواه الترمذي وعنه. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ). رواه مسلم قَالَ هِشَام: خَاصَّة أَحَدكُمْ الْمَوْت، وَخُوَيْصَة تَصْغِير خَاصَّة. وَقَالَ قَتَادَة: أَمْر الْعَامَّة الْقِيَامَة، كَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُمَا عَبْد بْن حُمَيْدٍ. وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). وَقَالَ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ). وَقَالَ تَعَالَى (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل.

стр. 1142

وفي البخاري: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ (أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. قال النووي في شرح الحديث: معناه: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بماء يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله. … (رياض الصالحين) ففي هذا الحديث التزهيد في الدنيا، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يتخذها وطناً يركن إليها، وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر. فائدة: وليحذر المسلم من طول الأمل. قال رسول الله (لا يزال قلب الكبير شابّاً في اثنتين: في حبّ الدّنيا وطول الأمل). يتولد من طول الأمل: الكسلُ عن الطاعة، والتسويفُ بالتوبة، والرغبةُ في الدنيا، والنسيانُ للآخرة، والقسوة في القلب؛ لأن رقته وصفاءه إنما يقع بتذكر الموت، والقبر، والثواب، والعقاب، وأهوال يوم القيامة؛ كما قال تعالى (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ).

стр. 1143

قال ابراهيم بن أدهم: من أطلق بصره طال أسفه، ومن طال أمله ساء عمله. قال ابن القيم: إضاعة الوقت من طول الأمل. وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل إلا أساء العمل. وقال الفضيل: إن من الشقاء طول الأمل، وإن من النعيم قصر الأمل. وقال بعض الحكماء: الجاهل يعتمد على الأمل، والعاقل يعتمد على العمل. وقال ابن القيم: مفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل. وقال الحسن: إياك والتسويف؛ فإنك بيومك ولست بغدك. قال الغزالي: إذا طولت أملك قلت طاعتك. وقال بعضهم: الأمل كالسراب غر من رآه وخاب من رجاه. وقال يحيى بن معاذ: الأمل قاطع عن كل خير، والطمع مانع من كل حق. وقال ابن مسعود: لا يطولنّ عليكم الأمد ولا يلهينّكم الأمل فإنّ كلّ ما هو آت قريب. وقال معروف الكرخي: نعوذُ بالله من طولِ الأمل، فإنَّه يمنع خيرَ العمل. قال ابن بطال: الخير ينبغي أن يبادَر به؛ فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمَن. وقال القرطبي: (ويُلهِهِمُ الأَمل) أي: يشغلهم عن الطاعة. قال علي: إن أخوف ما أتخوف عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى؛ فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق.

стр. 1144

ومن أقوال ابن الجوزي: الأمل مذموم إلا للعلماء فلولاه ما صنفوا، وإني رأيت خلقاً كثيراً غرهم الشباب ونسوا فقد الأقران، وألهاهم طول الأمل، ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه، فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلاً. ويجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعداً. (والإكثار من ذكرهِ). أي: ويسن الإكثار من ذكر الموت. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اَللَّذَّاتِ: اَلْمَوْتِ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِي. قال ابن رجب: في الإكثار من ذكر الموت فوائد: منها: أنه يحث على الاستعداد له قبل نزوله، ويقصّر الأمل، ويُرضي بالقليل من الرزق، ويزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، ويهوّن مصائب الدنيا، ويمنع من الأشر والبطر والتوسع في لذات الدنيا. قال ﷺ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة) وفي رواية (وترق القلب وتدمع العين). قال الحسن: من أكثر من ذكر الموت هانت عليه مصائب الدنيا. وقال الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أُكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة. ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العباد

стр. 1145

(ويُكره تمني الموت). أي: يكره للإنسان أن يتمنى الموت بسبب مرض، أو فقر، أو مصيبة دنيوية. أ- لحديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ اَلْمَوْتَ لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اَللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ اَلْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ اَلْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ب- وعن خَبَّاب قال (لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِه) متفق عليه. ج- ولحديث أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول (لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِب) رواه البخاري. ج- وعنه. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلاَّ خَيْرًا) رواه مسلم. (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ) الخطاب للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموماً. (لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِ) من فقر أو مرض أو غير ذلك من الأضرار الدنيوية، والمراد بالضر الدنيوي لرواية ابن حبان (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا). فائدة: ١ فهذه الأحاديث فيها النهي عن تمني الموت بسبب ضر نزل به من فقر أو مرض أو مصيبة. قَالَ النَّوَوِيّ في شرح حديث أنس: فِي الْحَدِيث التَّصْرِيح بِكَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنْ فَاقَة، أَوْ مِحْنَة بِعَدُوٍّ، وَنَحْوه مِنْ مَشَاقّ الدُّنْيَا. (شرح مسلم)

стр. 1146

فائدة: ٢ أن مطلق حديث أنس يشمل الضر الدنيوي والأخروي، لكن المراد إنما هو الضر الدنيوي فقط لأمرين: الأول: لرواية ابن حبان ( … لضر نزل به في الدنيا) حيث قيد الضر كونه في الدنيا. الثاني: أنه قد ورد عن النبي ﷺ ما يدل على جواز الدعاء بالموت عند خوف الفتن، ففي الحديث أن النبي ﷺ قال ( … وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) كما سيأتي إن شاء الله. فائدة: ٣ متى يجوز تمني الموت: أولاً: عند خوف الفتنة على دينه. قال النووي: فَأَمَّا إِذَا خَافَ ضَرَرًا فِي دِينه أَوْ فِتْنَة فِيهِ، فَلَا كَرَاهَة فِيهِ؛ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره، وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الثَّانِي خَلَائِق مِنْ السَّلَف عِنْد خَوْف الْفِتْنَة فِي أَدْيَانهم. أ-قال ﷺ ( … وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) رواه أحمد. ب- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلاَّ الْبَلَاءُ) رواه مسلم. فقوله ﷺ (وليس به الدين) يقتضي إباحة ذلك أن لو كان عن الدين.

стр. 1147

ج- وعنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال (اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: الْمَوْتُ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ، وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ) رواه أحمد. د- وقال تعالى عن مريم (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا). قال القرطبي: تمنت مريم ﵍ الموت من جهة الدين لوجهين: أحدهما: أنها خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك. الثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى وذلك مهلك. وعلى هذا الحد يكون تمني الموت جائزاً. وقال ابن كثير: فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية. قال ابن رجب: وأما تمني خوف فتنة في الدين، فإنه يجوز بغير خلاف. وقال في موضع آخر: هو جائز عند أكثر العلماء. قال عمر (اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط). وتمنت زينب بنت جحش لما جاءها عطاء عمر فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعدها، فماتت قبل أن يدركها عطاء ثان لعمر. وسأل عمر بن عبد العزيز من ظن به إجابة الدعاء أن يدعو له بالموت، لما ثقلت عليه الرعية، وخشي العجز عن القيام بحقوقهم. وطُلب كثير من السلف الصالح إلى بعض الولايات، فدعوا لأنفسهم بالموت فماتوا. واشتهر بعضهم واطلع على بعض عمل أحدهم أو معاملته مع الله فدعا لنفسه بالموت فمات. وكان سفيان الثوري يتمنى الموت كثيراً فسئل عن ذلك فقال: ما يدريني لعلي أدخل في بدعة، لعلي أدخل فيما لا يحل لي، لعلي أدخل في فتنة أكون قد مت فسبقت هذا.

стр. 1148

ثانياً: في طلب الشهادة. وقد دل على مشروعية تمني الموت في هذه الحال كثير من الأحاديث: أ- عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال (لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ) متفق عليه. فقد تمنى الرسول ﷺ أن يقتل في سبيل الله، وما ذاك إلا لعظم فضل الشهادة. ب- وعن سهل بْنِ حُنَيْف. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ). رواه مسلم وقد كان السلف ﵃ يحبون الموت في سبيل الله. قال أبو بكر ﵁ بشأن مسيلمة الكذاب عندما ادعى النبوة: والله لأقاتلنه بقوم يحبون الموت كما يحب الحياة. وكتب خالد بن الوليد ﵁ إلى أهل فارس: والذي لا إله غيره لأبعثنَّ إليكم قوماً يحبُّون الموت كما تحبُّون أنتم الحياة. وإنما كانت هذه المنزلة مرغوبة - لا حرمنا الله منها - وطلبها ممدوحاً من كل وجه، لأن من أعطيها لم يحرم أجر العمل الصالح الذي تطيب لأجله الحياة، وتكون خيراً للمرء من الموت، ثم إن الله تعالى يحمي صاحب هذه المنزلة من فتنة القبر. فعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) رواه مسلم.

стр. 1149

فائدة: ٤ الحكمة من تحريم تمني الإنسان الموت بسبب الضر الدنيوي: أولاً: أنه يدل على عدم الصبر، والمسلم مطالب بالصبر والاحتساب. ثانياً: أن بقاء المسلم قد يكون خيراً له. ففي الحديث -وقد سبق- (لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب) أي يتوب. وعند أحمد (وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً). وفي حديث أبي هريرة -وقد سبق- (لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ، وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا) رواه مسلم. قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به هو انقطاع العمل بالموت، فإن الحياة يتسبب منها العمل، والعمل يحصل زيادة الثواب، ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد فهو أفضل الأعمال. وقد قال ﷺ (إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله). ثالثاً: أن الإنسان لا يدري ما الأفضل له، البقاء أم الموت. قال السعدي: فإن في تمني الموت لذلك مفاسد. منها: أنه يؤذن بالتسخط والتضجر من الحالة التي أصيب بها، وهو مأمور بالصبر والقيام بوظيفته. ومعلوم أن تمني الموت ينافي ذلك. ومنها: أنه يضعف النفس، ويحدث الخور والكسل، ويوقع في اليأس. والمطلوب من العبد مقاومة هذه الأمور، والسعي في إضعافها وتخفيفها بحسب اقتداره، وأن يكون معه من قوة القلب وقوة الطمع في زوال ما نزل به. وذلك موجب لأمرين: اللطف الإلهي لمن أتى بالأسباب المأمور بها، والسعي النافع الذي يوجبه قوة القلب ورجاؤه. ومنها: أن تمني الموت جهل وحمق، فإنه لا يدري ما يكون بعد الموت، فربما كان كالمستجير من الضر إلى ما هو أفظع منه، من عذاب البرزخ وأهواله.

стр. 1150

ومنها: أن الموت يقطع على العبد الأعمال الصالحة التي هو بصدد فعلها والقيام بها، وبقية عمر المؤمن لا قيمة له، فكيف يتمنى انقطاع عمل الذرة منه خير من الدنيا وما عليها، وأخص من هذا العموم: قيامه بالصبر على الضر الذي أصابه، فإن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب. … (بهجة قلوب الأبرار). ومن الحكم: أن سكرات الموت شديدة، وهول المطلع أمر فظيع، ولا عهد للمرء بمثل ذلك، ثم إن الإنسان لا يدري ما ينتظره بعد الموت!. قال ابن رجب: وقد ورد تعليل النهي عن تمني الموت بأن هول المطلع شديد؛ فتمنيه من نوع تمني وقوع البلاء قبل نزوله ولا ينبغي ذلك. كما قال ﷺ (لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَلَكِنْ وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا). وسمع ابن عمر رجلًا يتمنى الموت فَقَالَ: لا تتمنى الموت فإنك ميت، ولكن سل الله العافية، فإن الميت ينكشف له عن هول عظيم. ولقد كان كثير من الصالحين يتمنى الموت في صحته، فلما نزل به كَرِهَهُ لشدته، ومنهم: أبو الدرداء وسفيان الثوري، فما الظن بغيرهم. • أن من كان داعياً فليدعوا بهذا الدعاء: اَللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ اَلْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ اَلْوَفَاةُ خَيْرًا لِي. والحكمة منه: لأن في هذا الدعاء استسلام لقضاء الله، والمسلم يقول هذا الدعاء، لأنه لا يعلم هل الخير البقاء أم في الموت، فشرع قول هذا الدعاء لأن فيه رد ذلك إلى الله الذي يعلم عاقبة الأمور.

стр. 1151

فائدة: ٥ ما الجمع بين هذا الحديث، وقول يوسف (ربّ توفني مسلماً. . .)؟ قال القرطبي: قيل: قال قتادة: لم يتمنى الموت أحد، نبي ولا غيره، إلا يوسف حين تكالبت عليه النعم وجُمع له الشمل، اشتاق إلى لقاء ربه. وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت وإنما تمنى الموافاة على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفني مسلماً، وهذا هو القول في تأويل الآية عند أهل التأويل. فائدة: ٦ قوله ﷺ (لضر نزل به) فهل معنى ذلك أنه يجوز إذا لم يكن به ضر؟ لا، لا يجوز. لكن هذا وصف أغلبي، ولكن الغالب على النفوس أنها تتمنى الموت حين ينزل بها الضر. (وتسن عيادة المريض). أي: يسن للمسلم أن يعود المرضى. وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضل عيادة المريض والأمر بها: أ- عن البَرَاءِ بن عازِبٍ ﵄، قَالَ (أمَرَنَا رسولُ الله ﷺ بعِيَادَةِ الْمَريضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ وَإبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلَامِ) متفقٌ عَلَيْهِ. ب- وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ ، قَال (حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِس) متفقٌ عَلَيْهِ. ج-وعنه، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ (إنَّ اللهَ يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أطْعِمُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أسْقِيكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمينَ؟! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي). رواه مسلم

стр. 1152

د-وعن أَبي موسى ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ (عُودُوا المَريضَ، وَأطْعِمُوا الجَائِعَ، وَفُكُّوا العَانِي) رواه البخاري هـ- وعن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ ، قَال (إنَّ المُسْلِمَ إِذَا عَادَ أخَاهُ المُسْلِمَ، لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ)) قِيلَ: يَا رَسولَ الله، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: (جَنَاهَا) واه مسلم. و_ وعن عليّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ ، يَقُولُ (مَا مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِماً غُدْوة إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّة) واه الترمذي. ز_ وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من عاد مريضاً أو زار أخاً له، قيل له: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً) رواه الترمذي. فائدة: ١ اختلف العلماء في حكم عيادة المريض: القول الأول: أنها سنة مؤكدة. وهذا قول جمهور العلماء. للأحاديث الكثيرة التي سبقت في فضلها. القول الثاني: أنها فرض كفاية. وهذا اختيار ابن القيم ﵀، وهذا القول هو الراجح، للأمر بها: كما في حديث البراء بن عازبٍ السابق قال (أمرنا رسولُ الله ﷺ بِسَبعٍ: … بِعَيادَةِ المريض). وكما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (حَقُّ الْمُسلِمِ عَلَى الْمُسلِمِ خَمْسٌ: .. وَعِيادَةُ المَريض).

стр. 1153

وكما في حديث أبي موسى ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ (عُودُوا المَرِيضَ … ). قال الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه" باب وجوب عيادة المريض. ثم أخرج بسنده عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ (أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفُكُّوا العاني) وأخرج أيضًا حديث البراء ﵁ المذكور. قال ابن حجر: قوله: (باب وجوب عيادة المريض) كذا جزم بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة. قال ابن بطّال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية، كإطعام الجائع، وفكّ الأسير، ويحتمل أن يكون للندب، للحثّ على التواصل والألفة، وجزم الداوديّ بالأول. (الفتح). فائدة: ٢ وفي عيادة المريض فوائد: يؤدي حق أخيه المسلم. أنه لا يزال في خرفة الجنة. أن في ذلك تذكيراً للعائد بنعمة الله عليه في الصحة. أن فيها جلباً للمحبة والمودة. (قاله الشيخ ابن عثيمين) فائدة: ٣ يستحبّ عيادة الذميّ. اختلف العلماء: فقيل: المنع مطلقاً. وقيل: الجواز مطلقاً. وقيل: الجواز إذا لمصلحة ودعوة. وهذا الراجح.

стр. 1154

عن أَنَس ﵁ قَالَ (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّار) رواه البخاري. قال الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه": "باب عيادة المشرك"، ثم ذكر حديث أنس السابق. قال ابن بطال ﵁: إنما تشرع عيادته إذا رُجِي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام، فأما إذا لم يُطمَع في ذلك فلا. انتهى. قال الحافظ ﵀: والذي يظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى، قال الماورديّ ﵀: عيادة الذميّ جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قومٍ مسلمين مجاوري النصارى، فهل يجوز للمسلم إذا مرض النصراني أن يعوده؟ وإذا مات أن يتبع جنازته؟ وهل على من فعل ذلك من المسلمين وزرٌ، أم لا؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، لا يتبع جنازته، وأما عيادته فلا بأس بها؛ فإنه قد يكون في ذلك مصلحة لتأليفه على الإسلام، فإذا مات كافراً فقد وجبت له النار، ولهذا لا يصلى عليه، والله أعلم. (الفتاوى الكبرى). وقال الشيخ ابن عثيمين: زيارة النصراني أو غيره من الكفار إذا كان مريضاً وتسمى في الحقيقة عيادة لا زيارة لأن المريض يعاد مرة بعد أخرى فإذا كان في ذلك مصلحة كدعوته إلى الإسلام فهذا خير ويطلب من الإنسان أن يعوده وإن لم يكن فيها مصلحة فإن كان هناك سبب يقتضي ذلك مثل كونه قريباً أو جاراً أو ما أشبه ذلك فلا بأس أيضاً وإلا فالخير في ترك عيادته.

стр. 1155

فائدة: ٤ لا حرج في عيادة الرجل المرأة الأجنبية، أو المرأة الرجل الأجنبي عنها، إذا توفرت الشروط الآتية: التستر، وأمن الفتنة، وعدم الخلوة. قال الإمام البخاري: " باب عيادة النساء الرجال، وعادت أم الدرداء رجلاً من أهل المسجد من الأنصار ". ثم ذكر حديث عائشة ﵂ أنها عادت أبا بكر وبلالاً ﵄ لما مرضا في أول مقدمهم المدينة. وروى مسلم عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعُمَرَ ﵃ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (انْطَلِقْ بِنَا إلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَزُورُهَا، وَذَهَبَا إلَيْهَا). قال ابن الجوزي: وَالأَوْلَى حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لا يُخَافُ مِنْهَا فِتْنَةٌ كَالْعَجُوزِ " انتهى. فائدة: ٥ في حديث أنس فوائد: الأولى: حُسنُ خُلقه ﷺ . الثانية: حرصه ﷺ على هداية الخلق. الثالثة: أن اليهود إذا مات على يهوديته كافر مخلد في النار وهذا لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم. قال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لَا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار. رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة. الرابعة: عيادة اليهودي إذا رجيت المصلحة؛ قال أبو داود ﵀ سمعت الإمام أحمد سئل عن عيادة اليهودي والنصراني؟ قال: إن كان يريد أن يدعوه إلى الإسلام فنعم.

стр. 1156

فائدة: ٦ حديث (ثلاثة لا يُعَادون: صاحب الرَمَد، وصاحب الفرس، وصاحب الدّمل) لا يصح. قال العجلوني: (رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب وضعفه، عن أبي هريرة رفعه. ورواه البيهقي أيضاً عن يحيى بن أبي كثير من قوله، وهو الصحيح). وقال ابن عراق: فيه مسلمة بن علي الخشني متروك. قال الألباني: ومما يدل على وضعه: أن النبي ﷺ كان يعود صاحب الرمد، قال أنس: عاد رسول الله ﷺ زيد بن أرقم من رمد كان به. أخرجه علي بن الجعد في " مسنده " (٢/ ٨٤٤/ ٢٣٣٥) والحاكم (١/ ٣٤٢) من طريق آخر وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا وله شاهد من حديث زيد نفسه صححه الحاكم أيضا والذهبي، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (وتلقينهُ: لا إلهَ إلا الله مرة). أي: يسن عند حضور أجل الميت تلقينه: لا إله إلا الله. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ. قال: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ) رَوَاهُ مُسْلِم. والتلقين أن يقول الشيء ليتبعه غيره، فالمعنى اذكروا لا إله إلا الله ليتبعكم عليها الميت. فهذا الحديث دليل على استحباب تلقين الميت لا إله إلا الله. وقوله (موتاكم) مَعْنَاهُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْت، وسمّاهم موتى؛ لأن الموت قد حضرهم. • وهذا الأمر في الحديث للاستحباب لا للوجوب، حيث لم يقل أحد من العلماء بالوجوب. فائدة: ١ الحكمة من تلقين المحتضر الشهادة: أنه ورد في الحديث (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود. قال القرطبي: تلقين الموتى هذه الكلمة سنة مأثورة عَمِلَ بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامه: لا إله إلا الله، فيختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله ﷺ (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة).

стр. 1157

فائدة: ٢ كيفية التلقين: قال بعض العلماء: إن كان المحتضر قوي الإيمان فإنه يؤمر بها. أ- للحديث السابق. ب- ولحديث أنس (أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من الأنصار، فقال: قل: لا إله إلا الله … ) رواه أحمد. وأما إذا كان المحتضر متأثراً مضطرباً، فإنها تذكر عنده. وأما إذا حضر المؤمن احتضار الكافر، فإنه يأمره بها. لقوله ﷺ لعمه (يا عم، قل لا إله إلا الله). فائدة: ٣ قوله (مرةً) أي: يلقن مرة واحدة حتى لا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بها بما لا يليق. فإذا قاله مرة واحدة لا تكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد التعريض به ليكون آخر كلامه. قال القرطبي: فإذا تلقنها المحتضر وقالها مرة فلا تعاد عليه لئلا يضجره، وقد كره أهل العلم الإكثار عليه من التلقين والإلحاح عليه إذا هو تلقنها، أو فُهم عنه ذلك. (المفهم). وقال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى هَذَا التَّلْقِين، وَكَرِهُوا الْإِكْثَار عَلَيْهِ وَالْمُوَالَاة لِئَلَّا يَضْجَر بِضِيقِ حَاله وَشِدَّة كَرْبه فَيَكْرَه ذَلِكَ بِقَلْبِهِ، وَيَتَكَلَّم بِمَا لَا يَلِيق. قَالُوا: وَإِذَا قَالَهُ مَرَّة لَا يُكَرِّر عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّم بَعْده بِكَلَامٍ آخَر، فَيُعَاد التَّعْرِيض بِهِ لِيَكُونَ آخِر كَلَامه. … (شرح مسلم).

стр. 1158

فائدة: ٤ لَمَّا احْتُضِرَ عبد الله بْنُ المُبَارَكِ ﵀، جَعَلَ رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: لَسْتَ تُحْسِنُ! وَأَخَافُ أَنْ تُؤْذِيَ مُسْلِماً بَعْدِي، إِذَا لَقَّنْتَنِي، فَقُلْتُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ثُمَّ لَمْ أُحْدِثْ كَلَاماً بَعْدَهَا، فَدَعْنِي، فَإِذَا أَحْدَثْتُ كَلَاماً، فَلَقِّنِّي حَتَّى تَكُوْنَ آخِرَ كَلَامِي. (سير أعلام النبلاء). قال النووي: وَيَتَضَمَّن الْحَدِيث الْحُضُور عِنْد الْمُحْتَضَر لِتَذْكِيرِهِ وَتَأْنِيسه وَإِغْمَاض عَيْنَيْهِ وَالْقِيَام بِحُقُوقِهِ وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ. فائدة: ٥ اختلف العلماء في حكم تلقين الميت بعد دفنه. (وهو أن يقوم الملقن عند رأسه بعد تسوية التراب عليه ويقول: يا فلان اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله … ) على أقوال: القول الأول: يستحب ذلك. وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة. لحديث أبي أمامة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان، فإنه يسمعه ولا يجيبه، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً … ) رواه الطبراني. قال النووي: فهذا الحديث وان كان ضعيفاً فيستأنس به، وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم علي المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث كحديث (واسألوا له التثبيت) ووصية عمرو بن العاص وهما صحيحان سبق بيانهما قريباً، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يقتدى به وإلى الآن، وهذا التلقين إنما هو في حق المكلف الميت أما الصبي فلا يلقن. (المجموع).

стр. 1159

القول الثاني: أن تلقين الميت في قبره جائز وليس بمستحب. واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، ووصفه بأنه أعدل الأقوال. ولعل مستند هذا القول، أن حديث التلقين بعد الدفن لم يثبت، ولم يرد النهي عنه، فيكون مباحاً لدخوله في عموم الدعاء بالثبات المأمور به. القول الثالث: أنه مكروه وبدعة. وهو اختيار ابن القيم في الهدي. قال ابن القيم: ولم يكن -أي النبي- يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم. ولأن النبي ﷺ علمنا بعد الدفن أن ندعو له بالمغفرة والثبات، ولم يعلمنا التلقين. ولا يعرف عن أحد من الصحابة فعل التلقين. وهذا القول هو الراجح. وأما حديث أبي أمامة السابق، فهو لا يصح، وإذا كان كذلك فلا يصح الاعتماد عليه أو العمل به مطلقاً، فقول النووي أو غيره بأن الحديث الضعيف يستأنس به، وذلك في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، مردود بأن هذا الحديث ضعيف، وضعفه شديد، بل هو موضوع في نظر بعض الأئمة. وأما جعل حديث (واسألوا له التثبيت) شاهداً لحديث التلقين، فهذا غير صحيح، لأن حديث (اسألوا له التثبيت) ليس فيه إلا الدعاء للميت، وكذلك أثر عمرو بن العاص وأمره بالوقوف عند قبره مقدار ما ينحر الجزور لا شهادة فيه على التلقين. وأما قولهم: إن هذا العمل عليه الناس أو عليه عمل أهل الشام، فهذا لا حجة فيه، بل قول الإمام أحمد: ما رأيت أحداً يفعله إلا أهل الشام، دليل على أن المسألة مبتدعة، وأنها لم تكن في القرون المفضلة. [كتاب أحكام المقابر - اختيارات ابن تيمية الفقهية]

стр. 1160

فائدة: ٦ عنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اَلْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ) رواه أبو داود. أقوال العلماء في معنى الحديث: قيل: إن المؤمن يموت بعرق الجبين بما يكابده من المشاق بطلب المال الحلال، فإن طلب المال الحلال لا بد له من تعب ومشقة. وقيل: من الحياء، وذلك لأن المؤمن إذا جاءته البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب حصل له بذلك خجل واستحياء من الله تعالى فعرق لذلك جبينه. وقيل: إن المؤمن يشدد عليه في النزع، وسكرات الموت تمحيصاً لذنوبه. وهذا التفسير أقرب للصواب، وذلك لأمور: أولاً: أن شدة النزع أمر ثابت لا إشكال فيه، وقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة قالت (لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرخ الخميصة عل وجهه، فإذا اغتم كشفها) وفي رواية قال (إن للموت لسكرات). ثانياً: جاء عند أحمد عن بريدة (أنه كان في خراسان، فعاد أخاً له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو يعرق جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: موت المؤمن بعرق الجبين)، فهذا يؤيد المعنى الثاني.
следующие страницы →