← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(وإطالة الغرة والتحجيل). أي: ومن سنن الوضوء إطالة الغرة والتحجيل. وهذا مذهب الشافعي والحنفية والرواية المشهورة عن أحمد. قال النووي: أمَّا تَطْوِيل الْغُرَّة فَقَالَ أَصْحَابنَا: هُوَ غَسْلُ شَيْء مِنْ مُقَدَّم الرَّأْس وَمَا يُجَاوِز الْوَجْه زَائِد عَلَى الْجُزْء الَّذِي غَسَلَهُ لِاسْتِيقَانِ كَمَالِ الْوَجْه، وَأَمَّا تَطْوِيل التَّحْجِيل فَهُوَ غَسْلُ مَا فَوْق الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْن. أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ اَلْوُضُوءِ، فَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. (غُرًّا) جمع أغر، أي ذو غرة، وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد هنا: النور الكائن في وجوه أمة محمد ﷺ ، أي أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة. (مُحَجَّلِينَ) من التحجيل، وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، والمراد هنا: النور. (مِنْ أَثَرِ اَلْوُضُوءِ) (من) للتعليل، وأثر الشيء: ما يعقبه ناشئاً عنه. ب- ولفعل أبي هريرة كما ثبت عنه ذلك. ج - ولفعل ابن عمر فقد كان يغسل العضدين والساقين. رواه أبو عبيد بإسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر. وذهب بعض العلماء: إلى أن ذلك لا يشرع. وهذا مذهب مالك وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والسعدي. واستدلوا: أ-أن مجاوزة محل الفرض بدعوى أنها عبادة دعوى تحتاج إلى دليل، وحديث الباب لا يدل عليها، وإنما يدل على نور أعضاء الوضوء يوم القيامة. ب-أن كل الواصفين لوضوء النبي ﷺ لم يذكروا إلا أنه يغسل الوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين، وما كان ليترك الفاضل في كل مرّة من وضوئه.

стр. 107

قال الشيخ السعدي ﵀: الصحيح أنه لا يستحب مجاوزة محل الفرض في طهارة الماء، لأن الله تعالى ذكر حدّ الوضوء إلى المرفقين والكعبين، وكل الواصفين لوضوء النبي ﷺ لم يذكر أحد منهم أنه فعل ذلك ولا رغب فيه. ج-أن الزيادة تؤدي إلى كون غير المأمور به مأموراً به، كالعضد فإنه ليس من أعضاء الوضوء. د- أن الغرة لا يمكن إطالتها، فإنها مختصة بالوجه، فإذا دخلت في الرأس لا تسمى غرة. وهذا القول هو الراجح. أما الجواب عن أدلة من قال بمشروعية ذلك؟ أما قوله (فمن استطاع … ) فهي مدرجة من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي ﷺ كما رجح ذلك ابن حجر وابن القيم. وأما فعل أبي هريرة، فقد قال ابن القيم: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه تجاوز المرفقين والكعبين، ولكن أبا هريرة كان يفعل ذلك ويتأول حديث إطالة الغرة. وأما حديث أبي هريرة في صفة وضوء النبي ﷺ أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين، فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة. (وقول الدعاء الوارد بعد الوضوء). أي: ومن سنن الوضوء قول الدعاء الوارد بعده. عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْجَنَّةِ") أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وجاء في دعاء آخر، عن أبي سعيد مرفوعاً: (من توضأ ففرغ من وضوئه، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش، فلم تكسر إلى يوم القيامة) رواه الحاكم. واختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير وقفه؛ فهذا مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع. • جاء عند الترمذي: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) لكنها لا تثبت. وجاء عند أبي داود: ( … فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء) لكنها ضعيفة.

стр. 108

• جميع الأدعية أثناء الوضوء لا يصح منها شيء. قال النووي: وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجيء منه شيء عن النبي ﷺ . وقال ابن القيم: وأحاديث الذكر على أعضاء الوضوء كلها باطلة، ليس منها شيء يصح. وقال في زاد المعاد: كل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق، لم يقل رسول الله ﷺ شيئاً منه ولا علمه لأمته. فروض الوضوء وصفته الفرض لغة: معناه القطع والحز. واصطلاحاً: هو بمعنى الواجب عند الأكثر، وهو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً. والمراد بفروض الوضوء أركانه التي لا يتم إلا بها. (فروضه ستة). عرفت بالتتبع والاستقراء. (غسلُ الوجهِ والفَمُ والأَنْفُ منه). هذا هو الفرض الأول. لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ). • وقوله (والفم والأنف منه) أي: من الوجه، لوجودهما فيه، فيدخلان في حَدِّه، وعلى هذا فالمضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء.

стр. 109

وهذا مذهب الحنابلة. قال النووي: وهو مذهب ابن أبي ليلى وحماد وإسحاق. أ- لحديث لقيط بن صبرة. قال: قال ﷺ (أَسْبِغْ اَلْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ اَلْأَصَابِعِ … وإِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ) رواه أبو داود. فقوله (وإذا توضأت فمضمض) هذا أمر بالمضمضة فدل على وجوبها. ب-ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ … ) متفق عليه. فقوله (فليجعل … ) هذا أمر، والأمر للوجوب. ج- مداومة النبي ﷺ عليهما، فكل من وصف وضوء النبي ﷺ ذكر أنه فعلهما ولم يتركهما. قال ابن القيم: ولم يتوضأ إلا تمضمض واستنشق، ولم يحفظ عنه أنه أخل به مرة واحدة. د- أن الفم والأنف من الوجه، بدليل دخولهما في حده. وذهب بعض العلماء: إلى أن المضمضة والاستنشاق سنتان من سنن الوضوء. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، واختار هذا القول ابن المنذر. أ- لقوله تعالى (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ). وجه الدلالة: أن الله عدّ فروض الوضوء التي يجب فعلها، ولم يذكر منها المضمضة ولا الاستنشاق، فدل على عدم فرضيتهما، وإنما على سنيتهما لمواظبة النبي ﷺ عليهما في وضوئه. ب-أن الله أمر بغسل الوجه في الوضوء، وهو ما تحصل به المواجهة دون باطن الفم والأنف، فلا تحصل بهما المواجهة، وهذا يدل على أن المضمضة والاستنشاق غير واجبين، إذ أنهما غير داخلين في مسمى الوجه. ب- ولحديث عائشة قالت. قال رسول الله ﷺ (عشر من الفطرة: … وذكر منها المضمضة والاستنشاق) رواه مسلم.

стр. 110

قالوا: والفطرة هي السنة، ويؤيد ذلك أنه جاء في رواية (عشر من السنة). ج- ما ورد عن ابن عباس. قال: قال ﷺ (المضمضة والاستنشاق سنة) رواه الدارقطني وهو ضعيف. وذهب بعضهم: إلى أنه يجب الاستنشاق وحده في الوضوء دون المضمضة. وهذا قول جماعة من أهل الظاهر، منهم ابن حزم، وهو قول أبي ثور. قال ابن المنذر: وبه أقول. واستدلوا: أن الاستنشاق نُقِل من قوله ﷺ وفعله. كما قال ﷺ (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر) وهذا أمر، والأمر للوجوب. ومن فعله كما في الأحاديث الكثيرة التي نقلت صفة وضوء النبي ﷺ . وأما المضمضة فقد نقلتْ من فعله فقط، ولم تنقل من أمره [لعلهم يضعفون رواية: وإذا توضأت فمضمض]. ورجح هذا ابن حزم وقال: وهو الحق، لأنه لم يصح عن النبي ﷺ في المضمضة أمر، وإنما هي فعل فعله، وأفعاله ليست فرضاً. والراجح هو القول الأول وهو وجوب المضمضة والاستنشاق. (وغَسْلُ اليَدَيْن إلى المرفقين). هذا الفرض الثاني، للآية السابقة (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ). قال النووي: فغسل اليدين فرض بالكتاب والسنة والإجماع.

стр. 111

وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ إدْخَالُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. (المغني). أ-لقوله تعالى (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) أي مع المرافق. ب- وعن نُعَيْم المجمر قال (رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، … ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ) رواه مسلم. ج-جاءت عدة أحاديث تدل على دخول المرفق مع اليد وإن كان في إسنادها ضعف. جاء عند الدار قطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء (فغسل كفيه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين). وكما في حديث جابر (كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقه) لكن في إسناده ضعف. وجاء عند البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء (وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق). وجاء عند الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعاً (ثم غسل يديه حتى يسيل الماء على مرفقيه). فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً [قاله الحافظ]. • المرفق: هو العظم الناتئ في آخر الذراع، سمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه. • ينبغي أن يبدأ في غَسل يديه من أطراف أصابعه إلى مرفقه، وأما ما يفعله البعض عند غسل يديه حيث يبدأ من الرسغ - وهو ملتقى الكتف بالساعد - ولا يغسل الكفين، مكتفياً بغسلهما في بداية الوضوء، غير صحيح، لأن الله أمر بغسل اليدين، واليد مبدؤها من أطراف الأصابع. (ومَسْحُ الرَّأْس مرة واحدة). هذا الفرض الثالث: للآية السابقة (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ). • قوله (مرة واحدة) أي: أن الرأس يمسح مرة واحدة. وهذا قول جماهير العلماء. أ- لحديث عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفَةِ وُضُوءِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. ب-ولحديث عبد الله بن زيد وفيه ( … ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة). ج-وكذلك حديث عثمان السابق وغيره من الأحاديث الصحيحة، فإنه لم يُذكر بها التثليث في مسح الرأس كما ذكر في غيره من الأعضاء.

стр. 112

د- وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الطُّهُورُ فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ، وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ - أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ) رواه أبو داود. وقد جاء عند سعيد بن منصور في هذا الحديث التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة. فالرسول توضأ أمام الأعرابي بهذه الكيفية، فدل أن الرأس خارج عن بقية الأعضاء بالعدد. هـ- ولأن الرأس مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ. قال الشوكاني: الإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ إلى درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها، لما فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد، وغيرهما هو المتعين لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة. قال الحافظ ابن حجر: ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا إنها مسحات مستقلة لجميع الرأس، جمعاً بين الأدلة. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 113

وذهب بعض العلماء: إلى أنه يستحب التثليث. وهذا مذهب الشافعي. أ - لحديث عثمان (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً) رواه مسلم. ب - ولحديث عثمان عند أبي داود (أن النبي ﷺ مسح برأسه ثلاثاً). والراجح قول الجمهور. • وأما الجواب عن أدلة القول الثاني (يمسح ثلاثاً). أما رواية مسلم فهي مجملة، والروايات الأخرى بينت أن المسح لم يتكرر فيحمل على الغالب، أو أن التثليث يختص بالمغسول. وأما حديث أبي داود عن عثمان (أن النبي ﷺ مسح برأسه ثلاثاً) فهو ضعيف. قال أبو داود: وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أنه مسح الرأس مرة. قال ابن القيم: الصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه، بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، ولم يصح عنه خلافه البتة. (وغَسلُ الرجلين إلى الكعبيْن). هذا الفرض الرابع، للآية السابقة (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ). وقد جاء في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو. قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ) متفق عليه. فهذا الحديث دليل على وجوب غسل الرجلين إذا لم يكن عليها خف. نأخذ ذلك من إنكار النبي ﷺ على الصحابة مسحهم أرجلهم مسحاً سريعاً من غير غسل وإجراء للماء عليها. وهذا الحكم متفق عليه بين مذاهب المسلمين الأربعة. ولذلك بوب عليه الإمام البخاري بقوله (باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين). وقال الإمام الترمذي ﵀: وفقه هذا الحديث أنه لا يجوز المسح على القدمين إذا لم يكن عليهما خفان أو جوربان. وبوب عليه النسائي بقوله (باب إيجاب غسل الرجلين).

стр. 114

كما بوب عليه البيهقي ﵀ بقوله (باب الدليل على أن فرض الرجلين الغسل وأن مسحهما لا يجزئ). وبوب عليه الإمام ابن خزيمة بقوله (باب التغليظ في ترك غسل العقبين في الوضوء، والدليل على أن الفرض غسل القدمين لا مسحهما إذا كانتا غير مغطيتين بالخف أو ما يقوم مقام الخف، لا على ما زعمت الروافض أن الفرض مسح القدمين لا غسلهما، إذ لو كان الماسح على القدمين مؤديا للفرض لما جاز أن يقال لتاركٍ فضيلةً: ويل له). قال عبد الرحمن بن أبي ليلى (أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين) رواه سعيد بن منصور. (والترتيب). هذا الفرض الخامس. والترتيب معناه: أن يأتي بفروض الوضوء مرتبة: يبدأ بالوجه، ثم غسل اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين. قال ابن قدامة: التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا فِي الْآيَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ أَحْمَدَ لَمْ أَرَ عَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْد. (المغني). والدليل على وجوبه: أ- قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) وجه الدلالة منها: أولاً: أن الله رتبها، فيجب أن ترتب كما في الآية. ثانياً: في الآية قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب، فإنه أدخل ممسوحاً بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير من نظيره إلا لفائدة، والفائدة ها هنا الترتيب. [قاله ابن قدامة]. فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب، قلنا: الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب، ولهذا لم يذكر فيها شيء من السنن، ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأموراً به، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن كل من حكى وضوء رسول الله ﷺ حكاه مرتباً، وهو مفسر لما في كتاب الله.

стр. 115

ب- فعله ﷺ ، حيث كان يواظب على الترتيب في الوضوء، ولم ينقل عنه نقلاً صحيحاً في صفة وضوئه أنه توضأ غير مرتب مع كثرة من رووا صفة وضوئه. ج- أن الرسول ﷺ بدأ في وضوئه بما بدأ الله به، فغسل وجهه ثم يديه ثم مسح رأسه ثم غسل رجليه، فكان هذا بياناً للوضوء المأمور به في القرآن، كما قال في حجته (نبدأ بما بدأ الله به). وعلى هذا القول فلو قدم عضواً على آخر لم يصح وضوءه. وهذا قول الشافعي وأحمد كما تقدم. وذهب بعض العلماء: إلى أن الترتيب غير واجب. وهذا مذهب مالك وأصحاب الرأي. أ-قالوا: لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيف ما غسل كان ممتثلاً. ب-ولحديث الرُّبَيِّع بنت مُعوذ قالت (كان رسول الله ﷺ يأتينا، فحدثتنا أنه قال: اسكبي لي وضوءاً، فذكر وضوء النبي ﷺ قال فيه: فغسل كفيه ثلاثاً، ووضأ وجهه ثلاثاً، ومضمض واستنشق مرة، ووضأ يديه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه … ). والصحيح الأول. وأما الجواب عن أدلة القول الثاني (الترتيب غير واجب). أ-قولهم: إن الله أمر بغسل الأعضاء وعطف بعضها على بعض بالواو فهذا صحيح، لكن بيّن النبي ﷺ بفعله أن الواو في الآية للترتيب، لا لمطلق الجمع. ب- وأما حديث الربيع، فحديث معلول، وعلى فرض صحته فتقديم المضمضة والاستنشاق تقديم مسنون على واجب، والجمهور على جوازه.

стр. 116

(والمُوالاة). هذا الفرض السادس. والموالاة يعني التتابع، والمراد: متابعة غسل الأعضاء بعضها إثر بعض بحيث يُغسل العضو قبل أن يجف الذي قبله في زمن معتدل. والدليل على وجوبها: أ- حديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ (رَأَى اَلنَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ اَلظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ اَلْمَاءُ. فَقَالَ: اِرْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِي. • قوله ﷺ (اِرْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَك)؟ يحتمل: أي ائت به على أتم الوجوه وأكملها، فيكون أمرَه بغسل ما ترك. ويحتمل أن معناه: استأنف وضوءك من أولهِ، قال الخطابي: إن هذا هو ظاهر معناه. ويؤيده حديث خالد بن معدان الآتي. ب-ولحديث عمر (أن النبي ﷺ أبصر رجلاً توضأ وعلى ظهر قدمه مثل الظفر لم يصبها الماء، فقال له النبي ﷺ : ارجع فأحسن وضوءك، فرجع فتوضأ ثم صلى) رواه مسلم. قال القاضي عياض: في هذا الحديث دليل على وجوب الموالاة في الوضوء لقوله ﷺ [أحسن وضوءك] ولم يقل: اغسل ذلك الموضع الذي تركته. ج-وعن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء) رواه أبو داود وهو حديث مختلف في صحته. وجه الدلالة ظاهر، إذ لو لم تكن الموالاة واجبة لأمره بغسل اللمعة فقط دون إعادة الوضوء. د- فعله ﷺ ، فإنه ﷺ لم يتوضأ إلا مرتباً متوالياً. هـ- ولأن الوضوء عبادة واحدة، فلا يُبنى بعضها على بعض مع تفرق أجزائها، بل يجب أن يكون بعضها متصلاً ببعض.

стр. 117

وهذا مذهب الحنابلة. وذهب بعض العلماء: إلى أنها سنة غير واجبة. وهذا مذهب الحنفية والشافعية. لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ) فالله أمر بتطهير هذه الأعضاء من غير اشتراط الموالاة في الغَسْل بينها، فكيفما حصل الغسل أجزأ. وذهب بعضهم: إلى أنها واجبة وتسقط مع العذر. وهذا مذهب المالكية، واختاره ابن تيمية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ١٣٥): قلت: هذا القول الثالث هو الأظهر والأشبه بأصول الشريعة، وذلك أن أدلة الوجوب لا تتناول إلا المفرط، لا تتناول العاجز عن الموالاة، والحديث الذي هو عمدة المسألة الذي رواه أبو داود وغيره المأمور بالإعادة مفرط، لأنه كان قادراً على غسل تلك اللمعة، كما هو قادر على غسل غيرها. وهذا القول الثالث هو القول الصحيح. (وصفةُ الوضوء: أن ينويَ رفع الحدث). فلا بد من النية، فالنية شرط لصحة الطهارة، فلا تصح الطهارة بدونها. فلو توضأ بنية التبرد فإنه لا يجزئه، ويعتبر وضوءه باطلاً لفقده شرطاً وهو النية. وهذا قول جماهير العلماء. قال النووي: النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ بِلا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُد. أ-لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ). ففي هذه الآية معنى النية، لقوله (إذا قمتم) أي: أردتم القيام للصلاة، ففيه استحضار لمعنى القيام لأجل الصلاة، وهذا هو معنى النية.

стр. 118

ب-ولقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) فهذا الحديث نص في وجوب النية في العبادات، فقد أثبت أن العمل لا يكون شرعياً يتعلق به ثواب أو عقاب إلا بالنية. ج-أن الطهارة بالماء عن الحدث عبادة من العبادات الفعلية، فقد اشتُرط فيها من التحديد في الغسلات والمغسولات والماء ما يثبت كونها عبادة. د- ولأن الوضوء عبادة مستقلة، بدليل أن الله تعالى رتب عليه الفضل والثواب والأجر، ومثل هذا يكون عبادة مستقلة. قال ابن رجب: ويدلُّ على صحَّةِ ذلك - أي اشتراط النية في الوضوء - تكاثرُ النُّصوصِ الصَّحيحةِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : بأنَّ الوُضوءَ يكفِّر الذُّنوبَ والخطايا، وأنَّ مَنْ توضَّأ كما أُمِرَ، كان كفَّارةً لذُنوبه، وهذا يدلُّ على أنَّ الوُضوءَ المأمورَ به في القرآنِ عبادةٌ مستقلَّةٌ بنفسها، حيث رتَّب عليه تكفيرَ الذنوبِ، والوضوءُ الخالي عن النِّيَّةِ لا يُكفِّرُ شيئاً من الذُّنوبِ بالاتِّفاقِ، فلا يكونُ مأموراً به، ولا تصحُّ به الصَّلاةُ. (جامع العلوم). • وقت النية: الأكمل أن ينوي مع بداية الوضوء أو قبله بزمن يسير، حتى تكون النية شاملة لجميع أجزاء الوضوء، أما الواجب من ذلك فهو أن ينوي مع أول الواجبات. قال ابن قدامة: وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ كُلِّهَا; لأَنَّهَا شَرْطٌ لَهَا، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا فِي جَمِيعِهَا، فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يُعْتَدُّ بِهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ قَبْلَ غَسْلِ كَفَّيْهِ، لِتَشْمَلَ النِّيَّةُ مَسْنُونَ الطَّهَارَةِ وَمَفْرُوضَهَا. فَإِنْ غَسَلَ كَفَّيْهِ قَبْلَ النِّيَّةِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا. وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ … وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِك. (المغني). وقال الشيخ ابن عثيمين: والنية لها محلان: الأول: تكون فيه سنة، وهو قبل مسنون الطهارة إن وجد قبل واجب. الثاني: تكون فيه واجبة عند أول الواجبات. … (الشرح الممتع). • والنية قصد الشيء المأمور به تقرباً إلى الله مقترناً بفعله. (الإعلام لابن الملقن). • والنية محلها القلب.

стр. 119

قال ابن تيمية: والنية محلها القلب باتفاق العلماء، فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاقهم. وقال ﵀: وَلَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ سِرًّا أَمْ لَا؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْفُقَهَاءِ. فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا؛ كَوْنُهُ أَوْكَدَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: لَا يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا. لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ وَلَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ وَلَا عَلَّمَ ذَلِكَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ هَذَا مَشْهُورًا مَشْرُوعًا لَمْ يُهْمِلْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَعَ أَنَّ الْأُمَّةَ مُبْتَلَاةٌ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ. بَلْ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ. أَمَّا فِي الدِّينِ فَلِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. وَأَمَّا فِي الْعَقْلِ فَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامًا فَيَقُولُ: نَوَيْت بِوَضْعِ يَدِي فِي هَذَا الْإِنَاءِ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ مِنْهُ لُقْمَةً فَأَضَعُهَا فِي فَمِي فَأَمْضُغُهَا ثُمَّ أَبْلَعُهَا لِأَشْبَعَ. مِثْلَ الْقَائِلِ الَّذِي يَقُولُ: نَوَيْت أُصَلِّي فَرِيضَةَ هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيَّ حَاضِرَ الْوَقْتِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي جَمَاعَةٍ أَدَاءً لِلَّهِ تَعَالَى. فَهَذَا كُلُّهُ حُمْقٌ وَجَهْلٌ وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ بَلَاغُ الْعِلْمِ فَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ مَا يَفْعَلُهُ كَانَ قَدْ نَوَاهُ ضَرُورَةً فَلَا يُتَصَوَّرُ مَعَ وُجُودِ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ أَنْ يَفْعَلَ بِلَا نِيَّةٍ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِالنِّيَّةِ وَتَكْرِيرَهَا لَيْسَ بِمَشْرُوع. (مجموع الفتاوى). فائدة: اشتراط النية إنما هو في طهارة الأحداث، إما إزالة النجاسة أو طهارة الأنجاس فلا يشترط لها نية. قال النووي: إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية، فهو المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور، ونقل صاحب الحاوي والبغوي في شرح السنة إجماع المسلمين عليه. (المجموع). وقال ابن عثيمين: فلو عَلَّق إِنسانٌ ثوبه في السَّطح، وجاء المطرُ حتى غسله، وزالت النَّجَاسةُ طَهُرَ؛ مع أن هذا ليس بفعله، ولا بنيَّته، وكذلك الأرض تصيبها النَّجَاسة، فينزل عليها المطر فتطهُر.

стр. 120

• اختلف أهل العلم فيمن توضأ ينوي تجديد الطهارة ناسياً حدثه، ثم تذكر أنه كان محدثاً: هل تصح طهارته؟ على قولين: قيل: تصح. وقيل: لا تصح. لأنه لم ينوِ رفع الحدث. قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ نَوَى تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا، فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا نَوَاهُ، وَلِلْخَبَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، وَالثَّانِيَةُ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا مَا تَضَمَّنَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى التَّبَرُّدَ. وقال النووي ﵀: لَوْ تَوَضَّأَ احْتِيَاطًا، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا: فَهَلْ يُجْزِيهِ ذَلِكَ الْوُضُوءُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ: أَصَحُّهُمَا لَا يُجْزِيهِ، لِأَنَّهُ تَوَضَّأَ مُتَرَدِّدًا فِي النِّيَّةِ، إذ ليس هو جازما بِالْحَدَثِ، وَالتَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ مَانِعٌ مِنْ الصِّحَّةِ فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْزِيهِ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، صَادَفَتْ الْحَدَثَ فَرَفَعَتْهُ، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّل. (المجموع). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: رجل صلَّى الظُّهر بوُضُوء، ثم نقضه بعد الصَّلاة، ثم جدَّد الوُضُوء للعصر ناسياً أنه أحدث؛ فهذا يرتفع حدثُه؛ لأنه نوى تجديداً مسنوناً، ناسياً حدثَه، فإِذا كان ذاكراً لحدثه، فلا يرتفع؛ لأنَّه حينئذٍ يكون متلاعباً، فكيف ينوي التجديدَ وهو ليس على وُضُوء؛ لأن التَّجديد لا يكون إلا والإِنسان على طهارة. … (الشرح الممتع). وقال الشيخ خالد المشيقح: إذا صلى بالوضوء الأول صلاة ثم بعد ذلك أحدث، ثم جاءت الصلاة الثانية، فقال: أجدد الوضوء، فتوضأ مجدداً للوضوء، ثم بعد ذلك تذكر أنه محدث، نقول: ارتفع حدثك الآن، لأن هذا التجديد مشروع. • والنية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة. قال ابن القيم: النية هي القصد والعزم على فعل الشيء، ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان أصلاً، ولذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه التلفظ بالنية بحال، ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك. • قوله (رفع الحدث) خرج به طهارة الأنجاس، فلا يشترط لها النية، فلو علق إنسان ثوبه في السطح رجاء المطر حتى يغسله وزالت النجاسة طهُر، مع أنه ليس بفعله ولا نيته، وكذلك الأرض تصيبها النجاسة فينزل عليها ماء المطر فتطهر.

стр. 121

(ثُمَّ يَقُولَ: بِسْمِ اَللَّهِ). أي يسن أن يقول بسم الله قبل الوضوء، وهذا مذهب الجمهور. وقد تقدم أنها من سنن الوضوء. (وَيَغْسِلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا). أي ويسن أن يغسل كفيه ثلاثاً قبل بداية الوضوء. لحديث عثمان ﵁: (أنه دعا بوضوء، فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض … ) متفق عليه وقد تقدم أن غسل الكفين في بداية الوضوء من سنن الوضوء. (ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ). أي: فبعد غسل الكفين يبدأ بالمضمضة والاستنشاق. لحديث عثمان ﵁ وفيه ( … فغسل كفيه ثلاثاً، ثم مضمض واستنثر … ). المضمضة: هي إدارة الماء في الفم، والاستنشاق: هو جذب الماء بالنفس من الأنف. • أن المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، وهذا سنة، فلو خالف وغسل وجهه ثم تمضمض واستنشق؛ فلا بأس. • السنة أن يتمضمض ويستنشق ثلاثاً. لحديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي ﷺ ، وفيه: ( … ثم أدخل يده في التوْر، فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً). متفق عليه

стр. 122

• السنة أن يكون بثلاث غرفات من كف واحدة. قال النووي موضحاً هذه الصفة: أن يأخذ غرفة ويتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يأخذ غرفة ثانية يفعل بها كذلك، ثم ثالثة كذلك. قال ابن القيم: وكان ﷺ يصل بين المضمضة والاستنشاق فيأخذ نصف الغرفة لفمه ونصفها لأنفه. أ- لحديث عبد الله بن زيد في صفة الوضوء (ثُمَّ أَدْخَلَ ﷺ يَدَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا). ب- وعن علي ﵁ في صفة الوضوء (ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً، يمضمض وينتثر من الكف الذي يأخذ منه الماء). رواه أبو داود وهذه الصفة هي أصح الصفات للأحاديث السابقة. قال النووي: في الحديث دلالة واضحة على المذهب الصحيح المختار أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها. وقال الحافظ ابن حجر: استدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة. • ولم يجيء حديث صحيح في الفصل بين المضمضة والاستنشاق. وأما حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق). رواه أبو داود فهو حديث ضعيف. • لا يجب أن يزيل ما في فمه من بقايا الطعام. • لا يجب عليه أن يزيل الأسنان المركبة. (ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا). أي: ثم بعد المضمضة والاستنشاق يغسل وجهه ثلاثاً. • الوجه هو ما تحصل به المواجهة، وحده من منابت الشعر المعتاد على ما نزل من اللحية والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً. • هل يغسل ما استرسل من اللحية، تقدم الخلاف في ذلك.

стр. 123

(ثم يغسل يَدَيْهِ إِلَى اَلْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا). أي: ثم بعد غسل الوجه يغسل اليدين إلى المرفقين. لقوله تعالى (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ). المرفق: بكسر الميم، هو العظم الناتئ في آخر الذراع، وسمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه. [قاله الحافظ] • والسنة أن يكون الغسل ثلاث مرات. لحديث عثمان في صفة الوضوء: ( … ثم غسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً). • قوله (إلى المرفقين) دليل على أن المرفق يجب غسله مع اليد، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وقد تقدم ذلك. • يجب أن يغسل الكفين مع اليدين، فيجب أن يغسل يديه من أطراف الأصابع إلى المرفقين. • يغسل الأقطع بقية المفروض. مثال: لو قدر أنه قطع من نصف الذراع، فإنه يغسل بقية المفروض لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم). ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه. قال النووي: إذا بقي من محل الفرض شيء فإنه يجب غسله بلا خلاف. • تحريك الخاتم عند الوضوء: إذا كان الخاتم واسعاً بحيث يدخل الماء إلى ما تحته فلا يجب تحريكه، وإذا كان ضيقاً بحيث لا يدخل الماء إلى ما تحته إلا بتحريكه وجب تحريكه، وذلك في الوضوء والاغتسال. جاء في (الموسوعة الفقهية): ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجب في الوضوء تحريك الخاتم أثناء غسل اليد، إن كان ضيقاً ولا يعلم وصول ماء الوضوء إلى ما تحته، فإن كان الخاتم واسعاً، أو كان ضيقاً وعلم وصول الماء إلى ما تحته فإن تحريكه لا يجب، بل يكون مستحباً .. " انتهى. وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجب تحريك الخاتم والساعة أثناء الوضوء؟ فأجاب: "الفقهاء قالوا: يسن تحريكه، ولكن إذا كان ضيقاً فلابد من تحريكه؛ لأنه إذا لم يحركه لم يصل الماء إلى ما تحته، والله يقول (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) فلابد من غسل اليد كلها من أطراف الأصابع إلى المرفق.

стр. 124

(ثمَ يَمْسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِلَى قَفَاهُ بِيَدَيْهِ. ثُمَّ يُعِيدَهُمَا إِلَى اَلْمَحَلِّ اَلَّذِي بَدَأَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً). أي: ثم بعد غسل اليدين يمسح رأسه، وهو من فروض الوضوء. لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ). • قوله (مرة واحدة) فيه أن الرأس يمسح مرة واحدة، وهذا مذهب جمهور العلماء. أ- لحديث علي في صفة الوضوء: (ومسح برأسه واحدة) رواه أبو داود. ب- وحديث عثمان في الصحيحين في صفة الوضوء، وكذلك عبد الله بن زيد في الصحيحين لم يذكر أنه مسح رأسه ثلاثاً بخلاف بقية الأعضاء. ج-لم ينقل عن النبي ﷺ سنة صحيحة أنه مسح رأسه ثلاث مرات. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يشرع التثليث في مسح الرأس. وهذا مذهب الشافعي. لحديث عثمان (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً). رواه مسلم والراجح الأول. لأن المسح مبني على التخفيف فلا يقاس على الغسل. قال أبو داود: وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أنه مسح رأسه مرة. • قوله (ويمسح رأسه) أن الرأس يمسح ولا يغسل، فلو غسله بدلاً من المسح لكان مكروهاً. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجزئه، لأنه خلاف أمر الله ورسوله. • قوله (ويمسح رأسه) أي أنه يجب أن يستوعب جميع الرأس ولا يجزئ أن يمسح بعضه. وهذا هو المذهب وهو الصحيح. أ-لأن هذا هو الذي ثبت عن النبي ﷺ ، ولم ينقل عنه ﷺ أنه اقتصر على بعض الرأس. ب- ولأن الله تعالى ذكر مسح الرأس، ومسمى الرأس حقيقة هو جميع الرأس، فيقتضي وجوب مسح جميع الرأس. قال ابن القيم: لم يصح عنه حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض الرأس البتة. وذهب بعض العلماء إلى أنه يجزئ مسح بعض الرأس.

стр. 125

واستدلوا بقوله تعالى (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) قالوا: الباء للتبعيض. والراجح الأول. وأما الباء فليست للتبعيض وإنما هي للملاصقة. • قوله (ويمسح رأسه ثم يعيدهما إلى المحل … ) هذه صفة مسح الرأس. أن يبدأ المتوضئ عند مسح الرأس بمسح مقدم رأسه الذي يلي الوجه، فيذهب إلى القفا، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه. وقد ذكر النووي ﵀ في (شرح مسلم) اتفاق العلماء على استحباب هذه الكيفية. ويدل لهذه الصفات: أ- حديث عبد الله بن زيد - في صفة الوضوء - (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ). ب- وعن مُعَاوِيَةَ ﵁ (أنه تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِه). رواه أبو داود ج- عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) رواه أبو داود. • هذه الكيفية ليست واجبة: قال ابن قدامة: كيفية الغسل أو المسح في الوضوء ليست واجبة، فالواجب هو حصول الغسل بالنسبة للأعضاء المغسولة، وحصول المسح للأعضاء الممسوحة، بأي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع الصفة الثابتة عن النبي ﷺ أفضل وأكمل. • فإن قيل: ما الجواب عن رواية (وَمَسَحَ ﷺ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ) فإن ظاهر هذه الرواية أنه بدأ بمؤخر رأسه؟ الجواب عن هذه الرواية من وجوه: أولاً: أن (الواو) لا تقتضي الترتيب، ويكون التقدير (أدبر وأقبل). ويؤيد ذلك ما ورد عند البخاري من طريق سليمان بن بلال بلفظ (فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل). ثانياً: يحمل قوله (أقبل) على البداءة بالفعل، وقوله (أدبر) البداءة بالدبر، فيكون من تسميته الفعل بابتدائه. [نيل الأوطار] ثالثاً: أو يحمل على بيان الجواز.

стр. 126

• والحكمة من مسح الرأس على هذه الصفة استيعاب جهتي الرأس بالمسح، لأن الشعر من جهة الوجه متجه إلى الوجه، ومن جهة المؤخر متجه إلى القفاء. • وهذه الصفة يستوي فيها الرجل والمرأة، لأن الأصل في الأحكام الشرعية أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل يخصص. • لو مسح رأسه بغير يده، كأن يمسحه بخرقة ونحوها جاز لحصول المسح بذلك. • يستحب أن يأخذ ماء جديداً - غير ما فضل عن ذراعيه - فيمسح به رأسه. وهذا قول أكثر العلماء. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديداً. وقال ابن رشد: أكثر العلماء أوجب تجديد الماء لمسح الرأس، قياساً على سائر الأعضاء. لحديث عبد الله بن زيد - في صفة الوضوء - ( … ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا وَالأُخْرَى ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا) رواه مسلم. قال النووي: معناه أنه مسح الرأس بماء جديد، لا ببقية يديه. (ثُمَّ يَدْخُلَ سَبَّاحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا). أي: ثم بعد مسح الرأس يمسح أذنيه. وصفة مسحهما: أن يدخل سباحتيه [أصبعيه السباحتين] في صماختي أذنيه لمسح باطنهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما. ولو مسحهما بغير الإبهام لجاز، لأن المقصود استيعاب المحل بالمسح، لكن العمل بالسنة أفضل، ليجعل له أجر الاقتداء بالنبي ﷺ .

стр. 127

والدليل على هذه الصفة: أ- حديث: عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، (أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الطُّهُورُ فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ، وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ - أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ -) رواه أبو داود. [الحديث إسناده حسن لكن لفظ (أو نقص) شاذة لا تصح]. ب- وفي حديث الْمِقْدَام بْنَ مَعْدِي الْكِنْدِيَّ، قَالَ (أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا) رواه أبو داود. ج- وفي حديث الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يَأْتِينَا فَحَدَّثَتْنَا أَنَّهُ قَالَ: اسْكُبِي لِي وَضُوءًا، فَذَكَرَتْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ فِيهِ: فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَوَضَّأَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا … وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا، وَوَضَّأَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا). رواه أبو داود قال النووي ﵀: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَمْسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، فَظَاهِرُهُمَا مَا يَلِي الرَّأْسَ وَبَاطِنُهُمَا مَا يَلِي الْوَجْهَ. كَذَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْمَسْحِ فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَاتٌ: يُدْخِلُ مُسَبِّحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ وَيُدِيرُهُمَا عَلَى الْمَعَاطِفِ وَيُمِرُّ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى ظُهُورِ الْأُذُنَيْن. (المجموع). وجاء في (الموسوعة الفقهية) وَالْمَسْنُونُ فِي مَسْحِهِمَا أَنْ يُدْخِل سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِمَا، وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا … وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنَ الأْذُنَيْنِ بِالْغَضَارِيفِ؛ لأِنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الأْصْل لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ، فَالأْذُنُ أَوْلَى. قال ابن القيم: وكان يمسح أذنيه مع رأسه، وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: مسح الأذنين: كيفيته: أن يدخل الإنسان سبابتيه يعني إصبعيه ما بين الوسطى والإبهام في صماخ الأذنين، دون أن يرصها حتى تتألم، يدخلها في الصماخ، والإبهام يمسح به ظاهر الأذنين، وهو الصفحة التي تلي الرأس.

стр. 128

فائدة: أن الأذنين تمسحان جميعاً، ولا يقدم اليمنى على اليسرى. • السباحتين: تثنية سباحة، وهي الإصبع التي بين الإبهام والوسطى، سميت بذلك لأنه يسبح بها، أو لأنه يشار بها عند السب. إبهاميه: تثنية الإبهام، وهي الإصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد. • ومسح الأذنين مع الرأس واجب، وهذا مذهب الحنابلة. أ-لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) وقد جاء في الحديث: (الأذنان من الرأس) وهذا روي مرفوعاً لكن لا يصح، لكنه صح من قول ابن عمر رواه عبد الرزاق بسند صحيح، وإذا كانت الأذنان من الرأس فيكون الأمر بمسح الرأس أمراً بمسحهما. ب- ومن الأدلة قوله ﷺ : (إذا توضأ العبد فمضمض خرجت خطاياه من فيه، … فإذا مسح برأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه) رواه مالك. فقوله: (حتى تخرج من أذنيه) دليل على أن الأذنين من الرأس، فتكون حكم مسحهما حكم مسح الرأس. وذهب بعض العلماء إلى أن مسحهما سنة ليس بواجب. لحديث عثمان في صفة الوضوء؛ حيث لم يذكر المسح على الأذنين. وكذلك في حديث عبد الله بن زيد، لم يذكر المسح على الأذنين. والراجح الأول. • ويمسح أذنيه بفضل ماء رأسه، وليس في السنة ما يدل على أنه يأخذ ماءً جديداً، وقد تقدم ذلك.

стр. 129

(ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ مَعَ اَلْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا). ثم بعد مسح الرأس يغسل رجليه. لقوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ). والكعبان: هما العظمان الناتئان اللذان بأسفل الساق من جانبي القدم. • والسنة أن يغسلهما ثلاثاً. لحديث عثمان في صفة الوضوء: (ثم غسل كلتا رجليه ثلاثاً … ). • جاء التحذير الشديد من التهاون في شيء من الرجِل، فقد قال ﷺ : (ويل للأعقاب من النار). وفي هذا الحديث دليل على وجوب غسل الرجلين، وأن فرض الرجل هو الغسل ولا يجوز المسح إلا لمن لبس الخفين. فقوله ﷺ في هذا الحديث (ويل للأعقاب … ) وفعله ﷺ كله يدل على أن الواجب في الرجِل الغسل لا المسح. قال الحافظ ابن حجر: وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في صفة وضوئه أنه غسل رجليه وهو المبين لأمر الله، وقد قال في حديث عمرو بن عبسه الذي رواه بن خزيمة وغيره مطولاً في فضل الوضوء (ثم يغسل قدميه كما أمره الله). ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين رواه سعيد بن منصور. وقال ابن خزيمة: ولو كان الماسح مؤدياً للفرض لما تُوعد بالنار. وقال ابن عبد البر: ولو لم يكن الغسل واجباً ما خوف من لم يغسل عقبيه وعرقوبيه بالنار، لأن المسح ليس من شأنه الاستيعاب ولا يبلغ به العراقيب ولا الأعقاب. وقال ابن دقيق العيد: قوله (ثم غسل كلتا رجليه) صريح في الرد على الروافض في أن واجب الرجلين: المسح، وقد تبين هذا من حديث عثمان وجماعة وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ، ومن أحسن ما جاء في: حديث عمرو بن عَبَسة - بفتح العين والباء - أن رسول الله ﷺ قال (ما منكم من أحد يقرب وضوءه) إلى أن قال (ثم يغسل رجليه كما أمره الله فمن هذا الحديث: انضم القول إلى الفعل وتبين أن المأمور به: الغسل في الرجلين.

стр. 130

وقد ادعى الطحاوي النسخ، فقال: إنهم كانوا يمسحون عليها مثل مسح الرأس، ثم إن رسول الله ﷺ منعهم عن ذلك وأمرهم بالغسل، فهذا يدل على انتساخ ما كانوا يفعلونه من المسح. قال العيني: وفيه نظر لأن قوله (نمسح على أرجلنا) يحتمل أن يكون معناه نغسل غسلاً خفيفاً مبقعاً حتى يرى كأنه مسح والدليل عليه ما في الرواية الأخرى (رأى قوماً توضؤا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئاً) فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون ولكن غسلاً قريباً من المسح، فلذلك قال لهم أسبغوا الوضوء، وأيضاً إنما يكون الوعيد على ترك الفرض، ولو لم يكن الغسل في الأول فرضاً عندهم لما توجه الوعيد، لأن المسح لو كان هو المشمول فيما بينهم كان يأمرهم بتركه وانتقالهم إلى الغسل بدون الوعيد، ولأجل ذلك قال القاضي عياض معناه: نغسل كما ذكرناه آنفاً، والصواب أن يقال إن أمر رسول الله بإسباغ الوضوء ووعيده وإنكاره عليهم في ذلك الغسل يدل على أن وظيفة الرجلين هو الغسل الوافي لا الغسل المشابه بالمسح كغسل هؤلاء. وقال الشيخ ابن عثيمين: والرَّافضة يخالفون الحقَّ فيما يتعلَّق بطهارة الرِّجل من وجوه ثلاثة: الأول: أنهم لا يغسلون الرِّجل، بل يمسحونها مسحاً. الثاني: أنهم ينتهون بالتطهير عند العظم الناتئ في ظهر القدم فقط. الثالث: أنهم لا يمسحون على الخُفين، ويرون أنه محرَّم، مع العلم أنَّ ممن روى المسحَ على الخُفين عليَّ بن أبي طالب ﵁ وهو عندهم إمام. • وفي هذا الحديث وجوب استيعاب أعضاء الوضوء بالتطهير، لأن النبي ﷺ توعد من لم يستوعب. قال البغوي معناه: ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها، وقيل: أراد أن الأعقاب تختص بالعذاب إذا قصر في غسلها. قال الحافظ: وإنما خصت بالذكر لصورة السبب، فيلتحق بها ما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصل التساهل في إسباغها. وفيه أن من ترك جزءاً يسيراً مما يجب تطهيره لا تصح طهارته. قال النووي: وهذا متفق عليه. عن عمر ﵁ أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال (ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى). رواه مسلم

стр. 131

فيجب تعميم أعضاء الوضوء بالغسل، وذلك بإيصال الماء إلى جميع أجزاء أعضاء الوضوء وعدم ترك أي محل منها. نجد ذلك في قوله ﷺ في الحديث (ويل للأعقاب من النار) فتخصيصه ذكر الأعقاب لأنها في مؤخرة القدم، فهي مظنة لعدم وصول الماء إليها لمن لم يتعاهدها بذلك، فدل على ضرورة العناية بإسباغ الوضوء في محل الفرض. وفيه أن الكثير من الناس يتساهلون في غسل مؤخرة الأعضاء وهذا خطأ يجب التنبيه عليه. (وإِنْ نَوَى غُسلَا مسنوناً أجزأ عن واجب). كمن عليه غسل جمعة - وهو سنة على قول الجمهور - وجنابة، فنوى غسل الجمعة فقط، فإنه يجزئه. مثال: رجل أصبح يوم الجمعة وعليه جنابة فاغتسل ناوياً غسل الجمعة، فهل يجزئ عن غسل الجنابة؟ الجواب نعم. قالوا: لأنها طهارة شرعية. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجزئ ذلك. لحديث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، وهذا قد تطهر طهارة لا ترفع بمثلها الأحداث، وإنما تطهر طهارة مستحبه لا تطرأ على الأحداث فترفعها فهي طهارة مسنونة. وبعض العلماء قيّد ذلك بما إذا كان ناسياً حدثه، فإنه يجزئه. قال البهوتي: وإن نوى غسلاً مسنوناً كغسل الجمعة والعيد أجزأ عن الغسل الواجب لجنابة أو غيرها، إن كان ناسياً للحدث الذي أوجبه. (كشاف القناع). قال الشيخ ابن عثيمين: وقيده بعض الأصحاب بما إذا كان ناسياً حدثه، أي: ناسياً الجنابة، فإن لم يكن ناسياً فإنه لا يرتفع؛ لأن الغسل المسنون ليس عن حدث، وإذا لم يكن عن حدث، فقد قال النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات)، وهذا الرجل لم ينو إلا الغسل المسنون، وهو يعلم أن عليه جنابة، ويذكر ذلك، فكيف يرتفع الحدث؟ وهذا القول ـ وهو تقييده بأن يكون ناسياً ـ له وجهة من النظر. (الشرح الممتع).

стр. 132

وهذه المسألة لها ثلاثة أحوال: أولاً: أن ينوي بغسله عن الجمعة والجنابة، فهذا يجزئ. قال النووي: ولو نوى بغسله غسل الجنابة والجمعة حصلا جميعاً هذا هو الصحيح. (المجموع). وقال ابن قدامة: إن اغتسل للجمعة والجنابة غسلاً واحداً ونواهما، أجزأه، ولا نعلم فيه خلافاً. (المغني). ثانياً: أن ينوي الجنابة، فهذا يجزئ. ثالثاً: أن ينوي فقط غسل الجمعة، فهذا فيه الخلاف السابق. (وكذا عكسهُ). أي: إذا نوى غُسلاً واجباً أجزأ عن المسنون. قال ابن قدامة:. . . لِأَنَّهُ مُغْتَسِلٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ. وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّنْظِيفُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِهَذَا الْغُسْلِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ (مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَة). (وإنْ اجتمعتْ أحداثٌ توجب وضوءاً أو غُسلاً فنوى بطهارته أحدها ارتفع سائرها). أي: بأن فعل من نواقض الوُضُوء أشياء متعدِّدة، كما لو بَالَ، وتغوَّط، ونامَ، وأكل لحم إِبل، ونوى الطَّهارة عن البول، فإنه يجزئ عن الجميع. لأن الحدث وصف واحد وإن تعددت أسبابه.

стр. 133

(وتباح معاونة المتوضئ). أي: أن معاونة المتوضئ جائزة من غير كراهة. أ-لحديث المغيرة بن شعبة. قال (كنتُ مع النبي ﷺ في سفر فقال: يا مغيرة خذ الإدَاوة فأخذتها، فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته، ثم جاء. . . فصببتُ عليه فتوضأ) متفق عليه. ب-وعن أسامة بن زيد (أن رسول الله ﷺ لما أفاض من عرفة عدل إلى الشعب فقضى حاجته، قال أسامة: فجعلت أصب عليه ويتوضأ) متفق عليه. قال النووي عن حديث المغيرة: في هَذَا الْحَدِيث: دَلِيل عَلَى جَوَاز الِاسْتِعَانَة فِي الْوُضُوء. وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد ﵁ أَنَّهُ صَبَّ عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ فِي وُضُوئِهِ حِين اِنْصَرَفَ مِنْ عَرَفَة ج- قال الحافظ في الفتح: روى الحاكم في المستدرك من حديث الربيّع بنت مُعوّذ أنها قالت (أتيت النبي ﷺ بوضوء فقال: اسكبي، فسكبت عليه). قال الحافظ: وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين لكونه في الحضر، ولكونه بصيغة الطلب وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الاستعانة بأحد، لكنه قول ضعيف. • وقد وردت أحاديث تنهى عن الاستعانة لا يثبت منها شيء. قال النووي: وَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيث لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ النَّهْي عَنْ الِاسْتِعَانَة. (شرح مسلم). منها: حديث ابن عباس قال (كان رسول الله ﷺ لا يكل طهوره إلى أحد) رواه ابن ماجه وهو ضعيف. ومنها: حديث العباس بن عبد الرحمن المدني قال (خصلتان لم يكن رسول الله ﷺ يكلهما إلى أحد من أهله، كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور من الليل ويخمره) رواه ابن أبي شيبة وهو حديث ضعيف. • فإن قال قائل: لماذا لا يكون هذا مشروعاً، لأنه من باب التعاون على البر والتقوى؟ الجواب: لأن هذه عبادة ينبغي للإنسان أن يباشرها بنفسه، ولم يردْ عن النبي ﷺ أنه كلما أراد أن يتوضأ طلب من يُعينه.

стр. 134

[الشرح الممتع] • إذا لم يمكنه التطهر إلا بالاستعانة فهنا تجب الاستعانة. قال النووي: إذا لم يقدر على الوضوء لزمه تحصيل من يوضئه إما متبرعاً وإما بأجرة المثل إذا وجدها، وهذا لا خلاف فيه. • قال النووي: قَالَ أَصْحَابنَا: الِاسْتِعَانَة فِيهِ ثَلَاثَة أَقْسَام: أَحَدهَا: أَنْ يَسْتَعِين فِي إِحْضَار الْمَاء مِنْ الْبِئْر وَالْبَيْت وَنَحْوهمَا، وَتَقْدِيمه إِلَيْهِ. وَهَذَا جَائِز، وَلَا يُقَال إِنَّهُ خِلَاف الْأَوْلَى. وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَعِين بِمَنْ يَغْسِل الْأَعْضَاء، فَهَذَا مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه، إِلَّا أَنْ يَكُون مَعْذُورًا بِمَرَضٍ أَوْ غَيْره. وَالثَّالِث: أَنْ يَسْتَعِين بِمَنْ يَصُبّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا بَأْس، وَإِلَّا فَهُوَ خِلَاف الْأَوْلَى، وَهَلْ يُسَمَّى مَكْرُوهًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهمَا: لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت فِيهِ نَهْي، وَأَمَّا اِسْتِعَانَة النَّبِيّ ﷺ بِأُسَامَة وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة فِي غَزْوَة تَبُوك وَبِالرُّبَيِّعِ بِنْت مُعَوِّذ فَلِبَيَانِ الْجَوَاز، وَيَكُون أَفْضَل فِي حَقّه حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْبَيَانِ. (شرح مسلم). (وتنشيف أعضائه). أي: ويباح التنظف بعد الوضوء بمنديل أو خرقة، ورجح ذلك ابن المنذر. وذهب بعض العلماء: إلى أنه مكروه. لحديث مَيْمُونَة قَالَتْ (أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ) رواه مسلم. وفي رواية ( … ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ - فَرَدَّهُ، وَفِيهِ: - وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ). وفي رواية ( … قالت: فأتيتُهُ بِخرْقَةٍ فلم يُرِدْها، فجعل ينقض الماء بيده) رواه البخاري.

стр. 135

وذهب بعضهم: إلى أنه مستحب. أ-لحديث عائشة قالت (كان لرسول ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء) رواه الترمذي وهو ضعيف. ب- ولحديث سلمان (أن رسول الله ﷺ توضأ فقلب جبة صوف كانت عليه، فمسح بها وجهه) رواه ابن ماجه، وهو ضعيف. ج- ولحديث أبي بكر الصديق (أن النبي ﷺ كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء) رواه البيهقي. وكل هذه الأحاديث لا يثبت منها شيء، وقد قال الترمذي: لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء. والراجح أنه جائز (يعني مباح). وقد صح عن أنس (أنه كان يمسح وجهه بالمنديل بعد الوضوء) رواه ابن المنذر. قال ابن قدامة: لَا بَأْسَ بِتَنْشِيفِ أَعْضَائِهِ بِالْمِنْدِيلِ مِنْ بَلَلِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ؛ وهو المنقول عن الإمام أحمد، وقد رُوِيَ أَخْذُ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ عن عُثْمَان وَالْحَسَن بْن عَلِيٍّ وَأَنَس، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وهو الأصح، لأن الأصل الإباحة. • وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن حكم تنشيف أعضاء الوضوء. فأجاب: تنشيف الأعضاء لا بأس به؛ لأن الأصل عدم المنع، والأصل فيما عدا العبادات من العقود والأفعال والأعيان الحل والإباحة حتى يقود دليل على المنع. فإن قال قائل: كيف تجيب عن حديث ميمونة ﵂، حينما ذكرت أن النبي ﷺ اغتسل، قالت: فأتيته بالمنديل فرده وجعل ينفض الماء بيده؟ فالجواب: أن هذا الفعل من النبي ﷺ قضية عَيْن تحتمل عدة أمور: إما لأنه لسبب في المنديل، أو لعدم نظافته، أو يخشى أن يبله بالماء، وبلله بالماء غير مناسب، فهناك احتمالات ولكن إتيانها بالمنديل قد يكون دليلاً على أن من عادته أن ينشف أعضاءه، وإلا لما أتت به. … (مجموع فتاوى ابن عثيمين).

стр. 136

• قوله (وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ). نستفيد جواز نفض اليدين من ماء الغسل. وأما حديث (لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان) فحديث ضعيف. قال ابن دقيق العيد في شرح (عمدة الأحكام) وهذا الحديث دليل على جواز نفض الماء عن الأعضاء في الغسل، والوضوء مثله، وما استدل به على كراهة النفض - وهو ما ورد (لا تنفضوا أيديكم فإنها مراوح الشيطان) حديث ضعيف لا يقاوم هذا الصحيح. (إحكام الأحكام). الحديث من رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان) فهو حديث ضعيف، ومن أهل العلم من صرح بوضعه، وفي إسناده البختري بن عبيد وهو متهم بوضع الحديث، وقد حكم جماعة من أهل العلم بنكارة هذا الحديث، منهم: أبو حاتم الرازي، وابن عدي، والذهبي. لذا قال الحافظ بن حجر في (فتح الباري) ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح -يعني حديث ميمونة- لم يكن صالحاً لأن يحتج به. (ويسن تجديد الوضوء). أ- لحديث أَنَس قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ … ) رواه البخاري. ب-ولحديث بُرَيْدَة (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئاً لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ. قَالَ: عَمْداً صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ) رواه مسلم. ج-وجاء في حديث ضعيف (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات) رواه أبو داود.

стр. 137

• لكن ما معنى تجديد الوضوء: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: تجديد الوضوء سنة فلو صلى إنسان بوضوئه الأول ثم دخل وقت الصلاة الأخرى فإنه يسن أن يجدد الوضوء وإن كان على طهارة وقال أيضاً ﵀: وتجديد الوضوء يكون مسنوناً إذا صلى بالوضوء الذي قبله، فإذا صلى بالوضوء الذي قبله فإنه يستحب أن يتوضأ للصلاة الجديدة. مثاله: توضأ لصلاة الظهر وصلى الظهر ثم حضر وقت العصر وهو على طهارته فحينئذ يسن له أن يتوضأ تجديداً للوضوء، لأنه صلى بالوضوء السابق، فكان تجديد الوضوء للعصر مشروعاً، فإن لم يصل به بأن توضأ للعصر قبل دخول وقتها ولم يصل بهذا الوضوء ثم لما أذن العصر جدد هذا الوضوء فهذا ليس بمشروع لأنه لم يصل بالوضوء الأول. فائدة: قوله (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ … ). دليل على جواز الصلوات المفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث. قال النووي: وهذا جائز بإجماع من يعتد به. أ- لحديث عمر (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ … ). ب- ولحديث أَنَس قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) رواه البخاري. ج-وحديث سويد بن النعمان (أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِىَ أَدْنَى خَيْبَرَ - فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمْ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلاَّ بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّىَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ … ). د-وفي معناه أحاديث كثيرة: كحديث الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة وسائر الأسفار، والجمع بين الصلوات الفائتات يوم الخندق وغير ذلك.

стр. 138

باب المسح على الخفين تعريف الخف: الخف لغة: ما يلبس في الرجل من جلد رقيق، جمعه خفاف. وشرعاً: هو الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه. والمقصود بالجوارب: ما يلبس على الرجل من قطن ونحوه، وهو ما يعرف بالشراب. (الشيخ ابن عثيمين) (وهو جائز). قال ابن قدامة: المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم. ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك، قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف. وقال ابن عبد البر: لا أعلم من روى عن أحد من فقهاء السلف إنكاره، إلا عن مالك مع أن الروايات الصحيحة مصرحة عنه بإثباته. وقال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على خفيه. والأدلة على جوازه كثيرة منها: أ- عَنْ اَلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ (كُنْتُ مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ" فَمَسَحَ عَلَيْهِما) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ب-وروى همام بن الحارث قال (رأيت جرير بن عبد الله بال، ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم قام فصلى، فسئل، فقال: رأيت رسول الله ﷺ صنع مثل هذا) قال إبراهيم النخعي: فكان يعجبهم هذا، لأن جريراً كان من آخر من أسلم). متفق عليه

стр. 139

قال النووي: معناه أن الله تعالى قال في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فلو كان إسلام جرير متقدماً على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخاً بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخراً علمنا أن حديثه يعمل به وهو مبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنة مخصصة للآية. ج-وعن حذيفة. قال (كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ فمسح على خفيه) متفق عليه. والأحاديث التي ستأتي إن شاء الله في الشرح. (في الحضر والسفر). اتفق الفقهاء على أن المسح على الخفين في السفر جائز. واختلفوا في المسح في الحضر على قولين، والصحيح أنه يجوز المسح على الخفين في الحضر كما يجوز في السفر. وبهذا قال جماهير العلماء. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وهي الرواية الراجحة عند مالك، وهو اختيار ابن عبد البر. أ- لحديث حذيفة. قال (كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ فمسح على خفيه) متفق عليه. فقد جاء في رواية (في المدينة) عند البيهقي، والحديث أخرجه مسلم بدون هذه الزيادة. ب-ولحديث أُسَامَةَ بْن زَيْد قَالَ (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبِلَالٌ الأَسْوَاقَ فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ؛ قَالَ أُسَامَةُ: فَسَأَلْتُ بِلَالاً مَا صَنَعَ؟ فَقَالَ بِلَالٌ: ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، ثُمَّ صَلَّى) رواه النسائي والحاكم. وهذا الحديث يدل صراحة على أنه ﷺ مسح على خفيه في الحضر، إذ أن (الأسواق) مكان بالمدينة والمسح إنما كان فيه.

стр. 140

• اختلف العلماء: أيهما أفضل المسح أو الغَسل على قولين: القول الأول. أن الغَسل أفضل وهذا مذهب الشافعي، وذهب إليه جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري. [ذكر ذلك النووي]. أ-لأنه المفروض في كتاب الله. ب-ولأنه الغالب من فعل رسول الله ﷺ . … [ذكر ذلك ابن قدامة]. القول الثاني: أن المسح أفضل. وهذا مذهب أحمد. قال النووي: وذهب إليه الحكم وحماد. واختاره ابن المنذر، وقال: والذي أختاره أن المسح أفضل، لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، قال: وإحياء ما طعن به المخالفون من السنن أفضل من تركه. أ- لقوله ﷺ (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه) رواه أحمد. ب- أن في المسح على الخفين مخالفة لأهل البدع الذين ينكرونه، كالخوارج والروافض. ج- أنه أيسر، لحديث (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ). متفق عليه.

стр. 141

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن الأفضل في حق كل واحد ما كان موافقاً للحال التي عليها قدمه، فإن كان لابساً للخف فالأفضل المسح، وإن كانت قدماه مكشوفتين فالأفضل الغسل، ولا يلبس الخف من أجل أن يمسح عليه. ويدل لهذا حديث المغيرة بن شعبة ﵁ لما أراد أن ينزع خفي النبي ﷺ ليغسل قدميه في الوضوء فقال له النبي ﷺ (دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) فهذا يدل على أن المسح أفضل في حق من كان يلبس الخفين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وفصل الخطاب: أن الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه. فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان: غسلهما ولا يتحرى لبس الخف ليمسح عليه، كما كان عليه أفضل الصلاة والسلام يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح قدميه إذا كان لابسا للخف. (الإنصاف). واختاره ابن القيم في زاد المعاد، وقال: ولم يكن يتكلف ضدّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانت في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانت مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه، وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل. • خلع الجوربين عند كل وضوء احتياطاً للطهارة، هذا خلاف السنة وفيه تشبه بالروافض الذين لا يجيزون المسح على الخفين، والنبي ﷺ ، قال للمغيرة حينما أراد نزع خفيه قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين. ومسح عليهما. (ابن عثيمين).

стр. 142

(في الطهارة الصغرى دون الكبرى). هذا الشرط الأول من شروط المسح على الخفين: أن يكون المسح في الطهارة الصغرى دون الكبرى. قال ابن قدامة: ولا يجزئ المسح في جنابة ولا غسل واجب ولا مستحب لا نعلم في هذا خلافاً. وقال الحافظ ابن حجر: المسح على الخفين خاص بالوضوء لا مدخل للغسل فيه بإجماع. لحديث صَفْوَان بْن عَسَّال ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْم) رواه الترمذي. (إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) أي: فننزعها ولو قبل مرور ثلاثة أيام، والجنابة: إنزال المني. (وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْم) أي: ولكن لا ننزعها من غائط وبول ونوم إلا إذا مرت المدة المقررة. (للمقيم يوماً وليلة ولمسافر ثلاثةً بلياليها). هذا الشرط الثاني من شروط المسح على الخفين: وهي: أن تكون في المدة المحددة شرعاً: وهي ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم. أ-لحديث عَلِي بْن أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَال (جَعَلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. يَعْنِي: فِي اَلْمَسْحِ عَلَى اَلْخُفَّيْن). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ب- ولحديث صَفْوَان بْن عَسَّالٍ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْم). أَخْرَجَهُ النَّسَائِي. والقول بأن المسح على الخفين مؤقت للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن؛ هو مذهب الجمهور. فهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير العلماء. … [قاله النووي]. وممن قال به من الصحابة: علي، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة. وممن قال به من التابعين: شريح القاضي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز. قال ابن عبد البر: وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك، وهو الأحوط عندي. قال الخطابي: التوقيت قول عامة الفقهاء. [قاله النووي].

стр. 143

(من حدثٍ بعد لُبسٍ). أي: أن المدة تبتدئ من أول حدث بعد اللبس. وهذا مذهب الجمهور. … [ذكر ذلك الشنقيطي]. أ-واستدل هؤلاء بزيادة في حديث صفوان (من الحدث إلى الحدث)، قال النووي: وهي زيادة غريبة ليست ثابتة. ب- وقالوا: إن الحدث سبب للمسح على الخفين، فعلق الحكم به. وذهب بعض العلماء: إلى أنه من أول مسح بعد الحدث. وممن قال بهذا الأوزاعي، وأبي ثور، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وداود، ورجح هذا القول النووي، واختاره ابن المنذر. واحتج هؤلاء بأحاديث التوقيت في المسح، ووجه احتجاجهم بها: أن قوله ﷺ (يمسح المسافر ثلاثة أيام) صريح في أن الثلاثة كلها ظرف للمسح، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان ابتداء المدة من المسح، وهذا القول هو الراجح. مثال يوضح ذلك: رجل توضأ لصلاة الفجر، ولبس الخفين، وبقي على طهارته إلى الساعة (٩) ضحىً، ثم أحدث ولم يتوضأ، وتوضأ في الساعة (١٢). المذهب تبتدئ المدة من الساعة (٩)، وعلى القول الراجح تبتدئ من الساعة (١٢). [الشرح الممتع] • على القول الراجح كما سبق، إذا مسح بدأت المدة، لكن اختلف العلماء لو كان مسحه لتجديد الوضوء، هل تبدأ به المدة أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: فقيل: تبتدئ به المدة من المسح ولو لتجديد وضوء. وقيل: لا بد أن يكون المسح لوضوء واجب. والله أعلم.

стр. 144

(بشرط أن يلبسهما على طهارة). هذا هو الشرط الثاني من شروط المسح على الخفين: وهو أن يلبسهما على طهارة. وهذا شرط متفق عليه. قال في المغني: لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لجواز المسح على الخفين. وقال الشنقيطي: أجمع العلماء على اشتراط الطهارة المائية للمسح على الخف. لحديث المُغِيرَة بْن شُعْبَةَ ﵁ قَالَ (كُنْتُ مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ" فَمَسَحَ عَلَيْهِما) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. (دَعْهُمَا) أي: اتركهما، والضمير يعود على الخفين. (أدخلتهما) أي: القدمين، بدليل رواية أبي داود (دع الخفين، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان). • واختلف العلماء: هل يشترط كمال الطهارة؟ كمن غسل رجله اليمنى فأدخلها في الخف قبل أن يغسل رجله اليسرى، ثم غسل رجله اليسرى فأدخلها أيضاً في الخف، على قولين: القول الأول: لا يجزئ، بل لا بد من لبس الخفين على كمال الطهارة. وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. [كما ذكر ذلك النووي وابن قدامة]. ورجحه النووي وابن حجر والشيخ ابن باز. أ-لحديث المغيرة (أدخلتهما طاهرتين) وفي رواية أبي داود (دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان). قال ابن قدامة: فجعل العلة وجود الطهارة فيهما جميعاً وقت إدخالهما. ب-ولحديث أنس عند الدار قطني: (إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصلّ فيهما إن شاء ولا يخلعهما إلا من جنابة). … فقوله (إذا توضأ أحدكم) يشعر بشرطية الوضوء.

стр. 145

فالجمهور حملوا الطهارة في قوله (أدخلتهما طاهرتين) على كمالها، لأنه إذا غسل رجله اليمنى ثم ألبسها الخف، فقد لبس الخف وهو محدث. القول الثاني: لا يشترط كمال الطهارة. وهذا مذهب أبي حنيفة، والمزني، وسفيان الثوري، وابن المنذر. [ذكر ذلك النووي]. قالوا: لأن الطهارة كملت بعد لبس الخف. والقول الأول أصح وأحوط. • إذا تيمم لفقد الماء، ثم لبس الخف، فهل إذا وجد الماء يمسح على الخف؟ الصحيح أنه لا يمسح عليه إذا وجد الماء. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. أ-لقوله ﷺ في حديث أبي ذر (إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير) رواه عبد الرزاق. فقوله (فليمسه بشرته) هذا أمر بوجوب مس الماء للبشرة، وكلمة (بشرته) مفرد مضاف يعم جميع البشرة إن كان غسلاً عن جنابة، ويعم جميع الأعضاء الأربعة إن كانت الطهارة طهارة صغرى. ب-وأيضاً بوجود الماء رجع المتيمم حدثه السابق، بما ذلك القدمان، وتكون تلك الطهارة بطلت من أصلها، فكأنه لبس الخفين على غير طهارة. (أحكام المسح على الحائل للدبيان). ج- لأن الأحاديث قيدت ذلك بطهارة الماء. فقوله ﷺ (أدخلتهما طاهرتين) المراد خصوص طهارة الماء ولا يدخل في ذلك طهارة التيمم، فلا يجوز أن يمسح على الجوربين إذا لبسهما على طهارة تيمم. مثال: إنسان في البر ولم يكن عنده ماء وتيمم، ولبس الخف، ثم وجد الماء بعد ذلك، - طبعا لابد أن يستعمل الماء - فالراجح أنه لا يجوز أن يمسح على الخف اذا لبسه على طهارة تيمم.
следующие страницы →