Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
فائدة: ٦
حديث (ثلاثة لا يُعَادون: صاحب الرَمَد، وصاحب الفرس، وصاحب الدّمل) لا يصح.
قال العجلوني: (رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب وضعفه، عن أبي هريرة رفعه. ورواه البيهقي أيضاً عن يحيى بن أبي كثير من قوله، وهو الصحيح).
وقال ابن عراق: فيه مسلمة بن علي الخشني متروك.
قال الألباني: ومما يدل على وضعه: أن النبي ﷺ كان يعود صاحب الرمد، قال أنس: عاد رسول الله ﷺ زيد بن أرقم من رمد كان به.
أخرجه علي بن الجعد في " مسنده " (٢/ ٨٤٤/ ٢٣٣٥) والحاكم (١/ ٣٤٢) من طريق آخر وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا وله شاهد من حديث زيد نفسه صححه الحاكم أيضا والذهبي، وهو مخرج في " صحيح أبي داود "
(وتلقينهُ: لا إلهَ إلا الله مرة).
أي: يسن عند حضور أجل الميت تلقينه: لا إله إلا الله.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ. قال: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ) رَوَاهُ مُسْلِم.
والتلقين أن يقول الشيء ليتبعه غيره، فالمعنى اذكروا لا إله إلا الله ليتبعكم عليها الميت.
فهذا الحديث دليل على استحباب تلقين الميت لا إله إلا الله.
وقوله (موتاكم) مَعْنَاهُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْت، وسمّاهم موتى؛ لأن الموت قد حضرهم.
• وهذا الأمر في الحديث للاستحباب لا للوجوب، حيث لم يقل أحد من العلماء بالوجوب.
فائدة: ١
الحكمة من تلقين المحتضر الشهادة:
أنه ورد في الحديث (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود.
قال القرطبي: تلقين الموتى هذه الكلمة سنة مأثورة عَمِلَ بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامه: لا إله إلا الله، فيختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله ﷺ (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة).
стр. 1157
فائدة: ٢
كيفية التلقين:
قال بعض العلماء:
إن كان المحتضر قوي الإيمان فإنه يؤمر بها.
أ- للحديث السابق.
ب- ولحديث أنس (أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من الأنصار، فقال: قل: لا إله إلا الله … ) رواه أحمد.
وأما إذا كان المحتضر متأثراً مضطرباً، فإنها تذكر عنده.
وأما إذا حضر المؤمن احتضار الكافر، فإنه يأمره بها.
لقوله ﷺ لعمه (يا عم، قل لا إله إلا الله).
فائدة: ٣
قوله (مرةً) أي: يلقن مرة واحدة حتى لا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بها بما لا يليق.
فإذا قاله مرة واحدة لا تكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد التعريض به ليكون آخر كلامه.
قال القرطبي: فإذا تلقنها المحتضر وقالها مرة فلا تعاد عليه لئلا يضجره، وقد كره أهل العلم الإكثار عليه من التلقين والإلحاح عليه إذا هو تلقنها، أو فُهم عنه ذلك. (المفهم).
وقال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى هَذَا التَّلْقِين، وَكَرِهُوا الْإِكْثَار عَلَيْهِ وَالْمُوَالَاة لِئَلَّا يَضْجَر بِضِيقِ حَاله وَشِدَّة كَرْبه فَيَكْرَه ذَلِكَ بِقَلْبِهِ، وَيَتَكَلَّم بِمَا لَا يَلِيق. قَالُوا: وَإِذَا قَالَهُ مَرَّة لَا يُكَرِّر عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّم بَعْده بِكَلَامٍ آخَر، فَيُعَاد التَّعْرِيض بِهِ لِيَكُونَ آخِر كَلَامه. … (شرح مسلم).
стр. 1158
فائدة: ٤
لَمَّا احْتُضِرَ عبد الله بْنُ المُبَارَكِ ﵀، جَعَلَ رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: لَسْتَ تُحْسِنُ! وَأَخَافُ أَنْ تُؤْذِيَ مُسْلِماً بَعْدِي، إِذَا لَقَّنْتَنِي، فَقُلْتُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ثُمَّ لَمْ أُحْدِثْ كَلَاماً بَعْدَهَا، فَدَعْنِي، فَإِذَا أَحْدَثْتُ كَلَاماً، فَلَقِّنِّي حَتَّى تَكُوْنَ آخِرَ كَلَامِي. (سير أعلام النبلاء).
قال النووي: وَيَتَضَمَّن الْحَدِيث الْحُضُور عِنْد الْمُحْتَضَر لِتَذْكِيرِهِ وَتَأْنِيسه وَإِغْمَاض عَيْنَيْهِ وَالْقِيَام بِحُقُوقِهِ وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ.
فائدة: ٥
اختلف العلماء في حكم تلقين الميت بعد دفنه.
(وهو أن يقوم الملقن عند رأسه بعد تسوية التراب عليه ويقول: يا فلان اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله … ) على أقوال:
القول الأول: يستحب ذلك.
وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة.
لحديث أبي أمامة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان، فإنه يسمعه ولا يجيبه، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً … ) رواه الطبراني.
قال النووي: فهذا الحديث وان كان ضعيفاً فيستأنس به، وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم علي المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث كحديث (واسألوا له التثبيت) ووصية عمرو بن العاص وهما صحيحان سبق بيانهما قريباً، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يقتدى به وإلى الآن، وهذا التلقين إنما هو في حق المكلف الميت أما الصبي فلا يلقن. (المجموع).
стр. 1159
القول الثاني: أن تلقين الميت في قبره جائز وليس بمستحب.
واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، ووصفه بأنه أعدل الأقوال.
ولعل مستند هذا القول، أن حديث التلقين بعد الدفن لم يثبت، ولم يرد النهي عنه، فيكون مباحاً لدخوله في عموم الدعاء بالثبات المأمور به.
القول الثالث: أنه مكروه وبدعة.
وهو اختيار ابن القيم في الهدي.
قال ابن القيم: ولم يكن -أي النبي- يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم.
ولأن النبي ﷺ علمنا بعد الدفن أن ندعو له بالمغفرة والثبات، ولم يعلمنا التلقين.
ولا يعرف عن أحد من الصحابة فعل التلقين.
وهذا القول هو الراجح.
وأما حديث أبي أمامة السابق، فهو لا يصح، وإذا كان كذلك فلا يصح الاعتماد عليه أو العمل به مطلقاً، فقول النووي أو غيره بأن الحديث الضعيف يستأنس به، وذلك في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، مردود بأن هذا الحديث ضعيف، وضعفه شديد، بل هو موضوع في نظر بعض الأئمة.
وأما جعل حديث (واسألوا له التثبيت) شاهداً لحديث التلقين، فهذا غير صحيح، لأن حديث (اسألوا له التثبيت) ليس فيه إلا الدعاء للميت، وكذلك أثر عمرو بن العاص وأمره بالوقوف عند قبره مقدار ما ينحر الجزور لا شهادة فيه على التلقين.
وأما قولهم: إن هذا العمل عليه الناس أو عليه عمل أهل الشام، فهذا لا حجة فيه، بل قول الإمام أحمد: ما رأيت أحداً يفعله إلا أهل الشام، دليل على أن المسألة مبتدعة، وأنها لم تكن في القرون المفضلة. [كتاب أحكام المقابر - اختيارات ابن تيمية الفقهية]
стр. 1160
فائدة: ٦
عنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اَلْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ) رواه أبو داود.
أقوال العلماء في معنى الحديث:
قيل: إن المؤمن يموت بعرق الجبين بما يكابده من المشاق بطلب المال الحلال، فإن طلب المال الحلال لا بد له من تعب ومشقة.
وقيل: من الحياء، وذلك لأن المؤمن إذا جاءته البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب حصل له بذلك خجل واستحياء من الله تعالى فعرق لذلك جبينه.
وقيل: إن المؤمن يشدد عليه في النزع، وسكرات الموت تمحيصاً لذنوبه.
وهذا التفسير أقرب للصواب، وذلك لأمور:
أولاً: أن شدة النزع أمر ثابت لا إشكال فيه، وقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة قالت (لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرخ الخميصة عل وجهه، فإذا اغتم كشفها) وفي رواية قال (إن للموت لسكرات).
ثانياً: جاء عند أحمد عن بريدة (أنه كان في خراسان، فعاد أخاً له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو يعرق جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: موت المؤمن بعرق الجبين)، فهذا يؤيد المعنى الثاني.
стр. 1161
(ويقرأُ عنده يس).
أي: يسن أن يقرأ القارئ عند المحتضر سورة (يس).
لحديث مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ أن رسول ﷺ قَالَ (اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
لكن الحديث ضعيف معلول بعدة علل.
لكن جمهور العلماء على استحباب ذلك، واختاره ابن تيمية.
ففي "الاختيارات: والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر، فإنها تستحب بياسين.
لكن كما سبق أن الحديث ضعيف، وعليه فلا يشرع قراءتها عند المحتضر، لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بالأحاديث الضعيفة.
فائدة:
الحكمة من قراءتها عند من استحب ذلك:
لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة.
كما قال تعالى (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) وقوله تعالى (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء الله فيحب الله لقاءها.
(ويُوجههُ إلى القبلةِ).
أي: من حضر الميت يوجّه الميت إلى القبلة، أي: يجعل وجهه نحو القبلة.
لحديث أبي قتادة (أن النبي ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور، فقالوا: توفي، وأوصى بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله ﷺ : أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده، ثم ذهب فصلى عليه، فقال: اللهم اغفر له، وارحمه، وأدخله جنتك، وقد فعلت) رواه الحاكم.
стр. 1162
قال ابن حزم ﵀:
وتوجيه الميت إلى القبلة حسن فإن لم يوجّه فلا حرج قال الله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله) ولم يأت نص بتوجيهه إلى القبلة
والنبي ﷺ مات في حِجْر عائشة ﵂، ووصفت لحظات موته بدقّة ولم تذكر أنها وجّهته إلى القبلة، وحديثها رواه: البخاري ومسلم.
وكذا لم يثبت ذلك عن صحابي، وما روي في ذلك عن أبي قتادة وأنه أوصى عند موته أن يستقبل به القبلة، وأن النبي ﷺ أقره بقوله " أصاب الفطرة ": فضعيف لا يصح. انظر - في تضعيفه -: " إرواء الغليل " (٣/ ١٥٣)
قال الألباني: وأما قراءة سورة (يس) عنده، وتوجيهه نحو القبلة فلم يصح فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها، وقال: " أليس الميت امرأ مسلماً؟
وعن زرعة بن عبد الرحمن أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن فغشي على سعيد، فأمر أبو سلمة أن يحول فراشه إلى الكعبة، فأفاق، فقال: حولتم فراشي!؟ فقالوا نعم، فنظر إلى أبي سلمة فقال: أراه بعلمك؟ فقال: أنا أمرتهم! فأمر سعيد أن يعاد فراشه. أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زرعة.
(والنعيُ ينقسم إلى جائزٍ ومُحرّم).
النعي: هو الإخبار بموت الميت.
قال الترمذي في جامعه ص (٢٣٩): والنعي عندهم أن ينادى في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته.
وقال ابن الأثير في النهاية (٥/ ٨٥): نعى الميت إذا أذاع موته، وأخبر به، وإذا ندبه.
стр. 1163
والنعي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: نعي محرّم.
ودليله: حديث حُذَيْفَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنِ اَلنَّعْيِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وهو النعي الجاهلي من الإعلام بوفاة الميت على وجه التفاخر والتباهي، مثل الصياح على أبواب البيوت والأسواق.
قال السندي في (حاشية ابن ماجه) كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُشْهِرُونَ الْمَوْت بِهَيْئَةِ كَرِيهَة، فَالنَّهْي مَحْمُول عَلَيْهِ.
وقال الحافظ في الفتح: النَّعْي لَيْسَ مَمْنُوعًا كُلّه، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَمَّا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَصْنَعُونَهُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ مَنْ يُعْلِن بِخَبَرِ مَوْت الْمَيِّت عَلَى أَبْوَاب الدُّور وَالأَسْوَاق.
القسم الثاني: نعي جائز.
وهو الإخبار بموت الميت لحضور جنازته فهذا جائز، ويدل عليه:
أ- حديث أبي هريرة (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَعَى اَلنَّجَاشِيَّ فِي اَلْيَوْمِ اَلَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ مِنَ الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا) متفق عليه.
ب- ولحديث أنس (فإن النبي ﷺ نعى الأمراء الثلاثة الذين استشهدوا وقال: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب) متفق عليه.
قال النووي: وفيه [أي حديث النجاشي] اِسْتِحْبَاب الإِعْلام بِالْمَيِّتِ لا عَلَى صُورَة نَعْي الْجَاهِلِيَّة، بَلْ مُجَرَّد إِعْلَام للصَّلَاة عَلَيْهِ وَتَشْيِيعه وَقَضَاء حَقّه فِي ذَلِكَ، وَاَلَّذِي جَاءَ مِنْ النَّهْي عَنْ النَّعْي لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ هَذَا، وَإِنَّمَا الْمُرَاد نَعْي الْجَاهِلِيَّة الْمُشْتَمِل عَلَى ذِكْر الْمَفَاخِر وَغَيْرهَا.
стр. 1164
وقال في المجموع: والصحيح الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها، أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه، بل إن قصد به الإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب، وإنما يكره ذكر المآثر، والمفاخر، والتطواف بين الناس يذكره بهذه الأشياء، وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه، فقد صحت الأحاديث بالإعلام فلا يجوز الغاؤها، وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه والحديث المحققين والله أعلم. (المجموع).
وقال ابن قدامة: وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَعْلَمَ بِالرَّجُلِ إخْوَانُهُ وَمَعَارِفُهُ وَذَوُو الْفَضْلِ، مِنْ غَيْرِ نِدَاءٍ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَا بَأْسَ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ أَنْ يُؤْذِنَ صَدِيقَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُطَافَ فِي الْمَجَالِسِ: أَنْعِي فُلَانًا كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي هَذَا؛ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الَّذِي دُفِنَ لَيْلًا (أَلَا آذَنْتُمُونِي).
وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ (إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ).
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ قَالَ: لَا يَمُوتُ فِيكُمْ أَحَدٌ إلَّا آذَنْتُمُونِي بِه).
وَلِأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْمُصَلَّيْنَ عَلَيْهِ أَجْرًا لَهُمْ، وَنَفْعًا لِلْمَيِّتِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ مِنْهُمْ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ.
وَجَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَوْجَبَ). (المغني).
وقال ابن عبد البر: وكان أبو هريرة ﵁ يمر بالمجالس، فيقول: إن أخاكم قد مات فاشهدوا جنازته.
стр. 1165
(فإذا ماتَ سُنّ تغميضُهُ والدعاء له).
أي: فإذا مات الإنسان شرع لمن عنده أن يغمضه، مع الدعاء له.
أ- لحديث أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ (دَخَلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ ﵁ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اَلرُّوحَ إِذَا قُبِضَ، اتَّبَعَهُ الْبَصَرُ" فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ. فَإِنَّ اَلْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ". ثُمَّ قَال: اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي اَلْمَهْدِيِّينَ، وَافْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ب- وعن أم سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَوِ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ) رواه مسلم.
والتعليل:
قال النووي: أن لا يقبح بمنظره لو ترك إغماضه.
وقال ابن قدامة: لأن الميت إذا كان مفتوح العينين والفم فلم يغمض حتى يبرد بقي مفتوحاً فيقبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوام فيه والماء في وقت غسله.
وقال القرطبي: وهي سنة عمِل بها المسلمون كافة، والمقصود تحسين وجه الميت، وستر تغيّر بصره.
فائدة: ١
قوله (إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَوِ الْمَيِّت) وفي رواية النسائي (إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَيِّتَ).
(فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) المراد بالملائكة، ملك الموت، وأعوانه، أو عموم الملائكة الذين يحضرون الميت، وهذا أولى، لما أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعاً (إذا حُضِر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء … وإذا احتضر الكافر أتته ملائكة العذاب بِمِسح).
стр. 1166
فائدة: ٢
قال القرطبي: قوله (إذا حضرتم الميت، فقولوا خيراً) أمر تأديب، وتعليم بما يقال عند الميت، وإخبارٌ بتأمين الملائكة على دعاءِ مَن هناك، ومن هذا استحبّ علماؤنا أن يحضر الميت الصالحون، وأهل الخير حالة موته ليذكّروه، ويدعوا له، ولمن يخلفه، ويقولوا خيرًا، فيجتمع دعاؤهم، وتأمين الملائكة، فينتفع الميت، ومن يُصاب به، ومن يَخلُفه. (المفهم).
(وخلعُ ثيابهِ).
أي: بعد تيقن موته يسن تجريده وخلع ثيابه التي عليه من أجل تغسيله.
لحديث عائشة: قالت (لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنْ اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا غَسَلَهُ إِلاَّ نِسَاؤُه). رواه أبو داود
فهذا يدل على أن تجريد الميت كان مشهوراً عندهم.
ب- ولأن في تجريده أمكن لتغسيله وأبلغ في تطهيره.
ج- وَلِأَنَّهُ إذَا غُسِّلَ فِي ثَوْبِهِ تَنَجَّسَ الثَّوْبُ بِمَا يَخْرُجُ، وَقَدْ لَا يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، فَيَتَنَجَّسَ الْمَيِّتُ بِهِ. (المغني).
стр. 1167
قال البهوتي ﵀: ثم جرده من ثيابه ندباً، لأن ذلك أمكن في تغسيله، وأبلغ في تطهيره وأشبه بغسل الحي وأصون له من التنجيس إذ يحتمل خروجها منه ولفعل الصحابة بدليل قولهم: لا ندري أنجرد النبي ﷺ كما نجرد موتانا.
وجاء في (الموسوعة الفقهية): وذهب الحنفية والمالكية … إلى أنه يستحب تجريد الميت عند تغسيله؛ لأن المقصود من الغسل هو التطهير وحصوله بالتجريد أبلغ. ولأنه لو اغتسل في ثوبه تنجس الثوب بما يخرج، وقد لا يطهر … والصحيح المعروف عند الشافعية .. أنه يغسل في قميصه … وأما ستر عورته فلا خلاف فيه.
فائدة: ١
أما سترة عورته فهذا الواجب.
قال ابن قدامة: وَأَمَّا سَتْرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيّ ﷺ لِعَلِيٍّ: لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ، وَلَا مَيِّت. (المغني).
(وسترُه بثوبٍ).
أي: ويسن ستر الميت بثوب يكون شاملاً للبدن كله.
لحديث عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(سُجِّيَ) أي: غطي جميع بدنه. (حِبَرَةٍ) بكسر الخاء وفتح الباء، وهي ضرب من برود اليمن.
فهذا الحديث دليل على استحباب تغطية الميت إذا مات.
قال النووي: وفي الحديث اِسْتِحْبَاب تَسْجِيَة الْمَيِّت، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ.
стр. 1168
فائدة: ١
الحكمة من ستر الميت:
قال النووي: وَحِكْمَته صِيَانَته مِنْ الِانْكِشَاف وَسَتْر عَوْرَته الْمُتَغَيِّرَة عَنْ الْأَعْيُن.
فائدة: ٢
قال ابن قدامة: وَلَا يُتْرَكُ الْمَيِّتُ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِفَسَادِهِ، وَلَكِنْ عَلَى سَرِيرٍ أَوْ لَوْحٍ، لِيَكُونَ أَحْفَظَ لَهُ.
فائدة: ٣
قال بعض العلماء: يستحب أن يغطى الإنسان بالثوب الذي يحبه، لأن النبي ﷺ ثبت عنه كما في حديث أنس: (إن أحب الثياب إلى النبي ﷺ أن يلبسها الحِبَرة) متفق عليه، والله أعلم في صحة هذا التعليل.
(والإسراع في تجهيزهِ إن مات غيرَ فجأة).
أي: ويسن الإسراع في تجهيز الميت.
قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً بين الأئمة.
وقال النووي: واتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأنى.
أ- لحديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُم) متفق عليه.
ب- وعن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ (إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره) أخرجه الطبراني بإسناد حسن.
ج- وعن حصين بن وَحْوَح مرفوعاً (لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله … ) رواه أبو داود.
د- وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لَهُ وَأَحْفَظُ مِنْ التَّغَيُّرِ، قَالَ أَحْمَدُ: كَرَامَةُ الْمَيِّتِ تَعْجِيلُهُ.
стр. 1169
تنبيه: ذهب بعض العلماء: إلى أنه واجب، وهو قول ابن حزم، لأمر الرسول ﷺ بذلك (أسرعوا).
فائدة: ١
قوله (أسرعوا .. ) اختلف العلماء: هل المراد الإسراع بتجهيزها أو بحملها إلى قبرها على قولين:
القول الأول: المراد الإسراع بحملها إلى قبرها.
ورجحه القرطبي، والنووي.
لقوله ( … فشر تضعونه عن رقابكم).
ورد النووي القول الثاني الآتي وقال: والثاني باطل مردود بقوله (فشر تضعونه عن رقابكم).
القول الثاني: المراد الإسراع بتجهيزها وغسلها والصلاة عليها.
قال الفاكهي: ما رده النووي جمود على ظاهر لفظ الحديث، وإلا فيحتمل حمله على المعنى، فإنه قد يُعبّر بالحمل على الظهر، أو العنق عن المعاني دون الذوات، فيقال: حمل فلان على ظهره، أو على عنقه ذنباً، أو نحو ذلك ليكون المعنى في قوله ﷺ
(فشر تضعونه عن رقابكم) إنكم تستريحون من نظر من لا خير فيه، أو مجالسته ونحو ذلك، فلا يكون في الحديث دليل على رد قول هذا القائل، ويقوي هذا الاحتمال أن كل حاضري الميت لا يحملونه، إنما يحمله القليل منهم، لا سيما اليوم، فإنما يحمله في الغالب من لا تعلق له به.
стр. 1170
قال الحافظ: ويؤيده - يعني كلام الفاكهي - حديث عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ (إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره) أخرجه الطبراني بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين بن وَحْوَح مرفوعاً (لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله … ).
فائدة: ٢
الحكمة من الأمر بالإسراع بالجنازة:
أولاً: الاقتداء بالنبي ﷺ .
ثانياً: في تأخيره حرمان له عن الخير إن كان من الصالحين ففي الحديث (فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني).
ثالثاً: إكرام الميت دفنه.
رابعاً: وقد ورد في حديث آخر ذكر تعليل آخر، وهي مخالفة أهل الكتاب.
فعن أبي هريرة. قال (كان رسول الله ﷺ إذا تبع جنازة قال: ابسطوا بها، ولا تدِبُّوا دَبيب اليهود بجنائزها) رواه أحمد.
وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين (أنه أوصى، إذا أنا مت فأسرعوا، ولا تُهوّدوا، كما تُهوّد اليهود والنصارى).
فائدة: ٣
قوله (إن مات غيرَ فجأة).
أي: فإن مات فجأة فإنه لا يسن الإسراع بتجهيزه، خشية أن تكون غشية لا موتاً.
قال الشافعي في الأم: أحب المبادرة في جميع أمور الجنازة، فان مات فجأة لم يبادر بتجهيزه لئلا تكون به سكتة ولم يمت بل يترك حتى يتحقق موته.
وقال ابن قدامة ﵀: وإن شُكّ في موته انتظر به حتى يتيقن موته بانخساف صُدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه.
стр. 1171
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إن شك في موته؛ بأن مات بحادث أو بغتة، فإنه ينتظر حتى يتيقن موته وله علامات.
(شرح الكافي).
وقال أيضاً ﵀: "قوله: (أسرعوا بالجنازة) قال العلماء: يسرع في تجهيزه إلا أن يموت فجأة ويشك في موته فينتظر حتى يتيقن، وإلا فيسرع في تجهيزه. … (لقاء الباب المفتوح).
وأيضاً لا بأس بتأخيره إذا كان لمصلحة كأن يموت في حادث جنائي ليتحقق من قتله.
فائدة: ٣
معنى الإسراع المأمور به بالحديث:
المراد بالإسراع: أن يكون فوق المشي المعتاد لا الركض بها وخضها؛ لأن هذا قد يضر الميت ويشق على المتبعين من الضعفاء.
قال النووي ﵀: "والمراد بالإسراع فوق المشي المعتاد، ودون الخبب؛ لئلا ينقطع الضعفاء عن اتباع الجنازة، فإن خيف عليه تغير أو انفجار أو انتفاخ زيد في الإسراع. (شرح المهذب).
وقال البهوتي ﵀: وسن الإسراع بالجنازة؛ لحديث: (أسرعوا بالجنازة .. ) متفق عليه. ويكون الإسراع دون الخبب … لأنه يمخضها ويؤذي حاملها ومتبعها.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: يسن الإسراع بالجنازة من غير مشقة.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: قالوا: لا ينبغي الإسراع الذي يشق على المشيعين، أو يخشى منه تمزق الميت، أو خروج شيء من بطنه مع الحركة.
وقال الحافظ ﵀: والحاصل أنه يستحب الإسراع، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم.
وقال ابن تيمية: كان الميت في عهد النبي ﷺ يخرج به الرجال يحملونه إلى المقبرة لا يسرعون ولا يبطئون بل عليهم السكينة ولا يرفعون أصواتهم لا بقراءة ولا بغيرها وهذه هي السنة باتفاق المسلمين.
стр. 1172
الخلاصة: المشي بالجنازة ينقسم إلى أقسام:
أولاً: أن يمشي به خطوة خطوة.
فهذا بدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة التشبه بأهل الكتاب. [قاله ابن القيم].
ثانياً: أن يسرع بها إسراعاً كثيراً يخشى على الجنازة أو يشق على الحاملين، فهذا لا يجوز.
ثالثاً: أن يمشي بها بين السرعة والبطء، وهذا هو السنة.
فائدة: ٧
أن المشروع أن تحمل الجنازة على الأعناق، لكن يجوز بالسيارة لغرض صحيح، كبعد المقبرة، أو برد شديد، أو حر شديد، فأما مع عدم ذلك فلا يشرع لأمور:
أولاً: أنه خلاف سنة النبي ﷺ .
ثانياً: أنه يفوت الغاية من حملها وتشييعها، وهو الاتعاظ والاعتبار.
ثالثاً: أن حملها على الأعناق أبعد عن الفخر.
رابعاً: أن في حملها على الأعناق، يراها الناس فيدعون لها.
خامساً: أن حملها على السيارة يفوت مباشرة الحمل.
سادساً: ذكر بعضهم أن في حملها على السيارة مشابهة للكفار.
стр. 1173
(وإنفاذ وصيتهِ).
أي: يسن الإسراع في تنفيذ وصيته.
أ-لِيُعَجَّلَ لَهُ ثَوَابُهَا بِجَرَيَانِهَا عَلَى الْمُوصَى لَهُ. (المغني)
قال البهوتي: … لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْأَجْرِ وَاقْتَضَى ذَلِكَ تَقْدِيمَ الدَّيْنِ مُطْلَقًا عَلَى الْوَصِيَّةِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ (قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ) وَأَمَّا تَقْدِيمُهَا فِي الْآيَةِ فَلِأَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتْ الْمِيرَاثَ فِي كَوْنِهَا بِلَا عِوَضٍ كَانَ فِي إخْرَاجِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْوَارِثِ حَثًّا عَلَى إخْرَاجِهَا. … (كشاف القناع)
ب- ولتصل الحقوق إلى أهلها.
(ويجبُ الإسراعُ في قضاء دينهِ).
أي: يجب على الورثة الإسراع في قضاء دين الميت سواء دين لله أو لآدمي حتى قال بعض العلماء: يجب ذلك قبل دفنه.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (نَفْسُ اَلْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
فيجب المبادرة لقضاء دين الميت من قبل الورثة إذا ترك الميت مالاً، فما يفعله بعض الورثة من تأخير السداد، جناية في حق الميت، لأن
نفسه معلقة حتى يسدد عنه.
ويجب الإسراع لسببين:
أولاً: لأن نفس المؤمن معلقة بدينه.
ثانياً: ولأن كثيراً من الورثة لا يحرصون على سداد دين ميتهم مع أنه ترك مالاً.
قال الصنعاني: وهذا الحديث من الدلائل على أنه لا يزال الميت مشغولاً بدينه بعد موته، ففيه حث على التخلص عنه قبل الموت، وأنه أهم الحقوق، وإذا كان هذا في الدين المأخوذ برضا صاحبه، فكيف بما أخذ غصباً ونهباً وسلباً.
стр. 1174
وقال الشوكاني معلقاً على هذا الحديث: فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت والإخبار لهم بأن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه، وهذا مقيدٌ بمن له مالٌ يُقضى منه دينه، وأما من لا مالَ له ومات عازماً على القضاء فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه. (نيل الأوطار).
وعلى هذا:
أولاً: إذا كان هذا الميت له مال فيجب أن يسدد منه دينه.
ثانياً: وإن لم يكن له مال واستطاع أولياؤه أن يسددوه عنه فذلك من عمل الخير والبر.
ثالثاً: وإن لم يكن شيء من ذلك فنرجو أن يدخل في معنى حديث البخاري (من أخذ أموال الناس يريد أداها أدى الله عنه) رواه البخاري.
فائدة: ١
معنى الحديث: قيل: لا تفرح بما لها من النعيم حتى يقضى عنه الدين، وقيل: عن دخول الجنة.
بعض أقوال العلماء في ذلك:
قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَيْ مَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ.
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَيْ أَمْرُهَا مَوْقُوفٌ لَا حُكْمَ لَهَا بِنَجَاةٍ وَلَا هَلَاكٍ حَتَّى يُنْظَرَ هَلْ يُقْضَى مَا عَلَيْهَا مِنْ الدَّيْنِ أَمْ لَا.
قال السندي: أَيْ مَحْبُوسَة عَنْ الدُّخُول فِي الْجَنّة.
وقال في تحفة الأحوذي: قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَيْ مَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَيْ أَمْرُهَا مَوْقُوفٌ لَا حُكْمَ لَهَا بِنَجَاةٍ وَلَا هَلَاكٍ حَتَّى يُنْظَرَ هَلْ يُقْضَى مَا عَلَيْهَا مِنْ الدَّيْنِ أَمْ لَا.
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ: فيهِ الْحَثُّ لِلْوَرَثَةِ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ، وَالْإِخْبَارُ لَهُمْ بِأَنَّ نَفْسَهُ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ.
وقال الصنعاني: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَزَالُ الْمَيِّتُ مَشْغُولًا بِدَيْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّخَلُّصِ عَنْهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ أَهَمُّ الْحُقُوقِ ?انتهى.
стр. 1175
فائدة: ٢
يجب المبادرة بقضاء دين الميت حتى قال بعض العلماء يكون ذلك قبل الصلاة عليه ودفنه، وذلك لعظم شأن الديْن.
قال البهوتي: (وَيَجِبُ أَنْ يُسَارِعَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ وَمَا فِيهِ إبْرَاءُ ذِمَّتِهِ مِنْ إخْرَاجِ كَفَّارَةٍ وَحَجِّ نَذْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَزَكَاةٍ وَرَدِّ أَمَانَةٍ وَغَصْبٍ وَعَارِيَّةٍ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ، (كُلُّ ذَلِكَ) أَيْ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَإِبْرَاءُ ذِمَّتِهِ، وَتَفْرِيقُ وَصِيَّتِهِ (قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالتَّجْهِيزِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ قَبْلَ غُسْلِهِ وَالْمُسْتَوْعِبِ: قَبْلَ دَفْنِهِ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: مَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَدَمِ صَلَاتِهِ ﷺ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَيَقُولُ " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " إلَى آخِرِهِ كَمَا يَأْتِي فِي الْخَصَائِصِ. (كشاف القناع)
فائدة: ٣
فإن تعذر ردُّ الديون في الحال؛ لعدم وجود النقد أو لبعد المال: استحب لورثته أن يضمنوا عن أبيهم حق الغير.
فائدة: ٤
حكم من مات وعليه دين لم يستطع أداءه لفقره هل تبقى روحه مرهونة معلقة؟
هذا الحديث (نَفْسُ اَلْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ) محمول على من ترك مالاً يقضى منه دينه، أما من لا مال له يقضى منه فيرجى ألا يتناوله هذا الحديث.
لقوله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وقوله سبحانه (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة).
كما لا يتناول من بيّت النية الحسنة بالأداء عند الاستدانة، ومات ولم يتمكن من الأداء.
لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله).
стр. 1176
قال ابن عبد البر: والديْن الذي يُحبَسُ به صاحبُه عن الجنة، والله أعلم، هو الذي قد تَرك له وفاءً ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يؤد، أو ادَّانه في غير حق، أو في سرف ومات ولم يؤده، وأما من ادَّان في حق واجب لفاقةٍ وعسرةٍ، ومات ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه به عن الجنة إن شاء الله.
فائدة: ٥
قال القرطبي: ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية، فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا، وما كان في معناها على مراتبها أيضاً، ويكون الباقي ميراثاً بين الورثة.
قال ابن كثير: الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء.
فائدة: ٦
إذا لم يكن الميت قد ترك مالاً فلا يجب على الورثة حينئذ قضاء الدين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن دين الميت لا يجب على الورثة قضاؤه لكن يقضى من تركته. (منهاج السنة)
ووصية الأب لأبنائه بقضاء دينه لا توجب على الأبناء تنفيذها إذا لم يكن للميت مال بل يستحب لهم تنفيذها؛ لأن في ذلك براً بأبيهم بعد موته.
فائدة: ٧
هل ديون الميت الآجلة تحل بموته؟
ديون الميت الآجلة تحلُّ ويسقط الأجل بموت المدين على الراجح من أقوال أهل العلم.
وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والمالكية، والظاهرية، والحنابلة في رواية.
قال ابن قدامة: فَأَمَّا إنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ، فَهَلْ تَحِلُّ بِالْمَوْتِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لَا تَحِلُّ إذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
стр. 1177
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: أَنَّهُ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَوَّارٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، أَوْ الْوَرَثَةِ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ، لَا يَجُوزُ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ لِخَرَابِهَا، وَتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِهِ بِهَا، وَلَا ذِمَّةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوهَا، وَلَا رَضِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهِمْ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ وَتَأْجِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِالْمَيِّتِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ، وَلَا نَفْعَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ؛ أَمَّا الْمَيِّتُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (الْمَيِّتُ مُرْتَهَنٌ بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ).
وَأَمَّا صَاحِبُهُ فَيَتَأَخَّرُ حَقُّهُ، وَقَدْ تَتْلَفُ الْعَيْنُ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ وَأَمَّا الْوَرَثَةُ، فَإِنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِالْأَعْيَانِ، وَلَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُمْ مَنْفَعَةٌ، فَلَا يَسْقُطُ حَظُّ الْمَيِّتِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ لِمَنْفَعَةِ لَهُمْ. (المغني).
وقال ابن رشد الحفيد: وجمهور العلماء على أن الديون تحلُّ بالموت.
وحجتهم أن الله ﵎ لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين، فالورثة في ذلك بين أحد أمرين: إما أن لا يريدوا أن يؤخروا حقوقهم في
المواريث إلى محل أجل الدين، فيلزم أن يجعل الدين حالاً، وإما أن يرضوا بتأخير ميراثهم حتى تحلَّ الديون، فتكون الديون حينئذ مضمونة في التركة خاصةً، لا في ذممهم.
стр. 1178
وخلاصة الأمر: أن الديون المؤجلة والمقسَّطة تحلُّ بموت المدين على الراجح من أقوال الفقهاء، ويلزم الورثة سداد ديون الميت الآجلة ما دام أن الميت قد ترك وفاءً لديونه، ويكون سداد الديون قبل توزيع التركة، حيث إن العلماء متفقون على أن قضاء الدين مقدمٌ على تنفيذ وصايا الميت، وإن كانت الوصية مقدمة على الدين في آية المواريث (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) كما أن الرفق يقتضي إسقاط ما قابل التأجيل من زياده.
(ولا بأسَ بتقبيلهِ والنظر إليهِ ولو بعد تكفينهِ).
أي: يجوز تقبيل الميت والنظر إليه ولو بعد تكفينه.
عن عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ (أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا) رواه البخاري.
قال النووي ﵀: يجوز لأهل الميت وأصدقائه تقبيل وجهه، ثبتت فيه الأحاديث. (المجموع).
وقال الحافظ ﵀: فيه جواز تقبيل الميت.
وقال الشوكاني ﵀:؛ لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر، فكان إجماعاً.
وكذلك لا حرج على المرأة أن تقبل زوجها بعد الوفاة.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: لا بأس بتقبيل الميت إذا قبله أحد محارمه من النساء، أو قبله أحد من الرجال، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ مع النبي ﷺ .
стр. 1179
فائدة: ١
هل تقبيل أبو بكر للنبي ﷺ تبركاً به؟
لا، إن تقبيل أبا بكر للنبي ﷺ حباً له وليس تبركاً كما زعمه بعض الشراح.
فقول من يقول: إن أبا بكر قبل النبي ﷺ تبركاً، غلط من وجوه:
أولاً: من أين لنا أن أبا بكر فعل هذا تبركاً.
ثانياً: أن أبا بكر فعل هذا محبة، يدل على هذا سياق الحديث، ولذلك بكى أبو بكر، وقال: والله ما يجمع الله عليك موتتين.
ثالثاً: أنه لو فعل هذا تبركاً لبادر كل الصحابة إلى فعله.
فائدة: ٢
ما معنى قول أبي بكر (والله لا يجمع الله عليك موتتين)؟
قيل: هو على حقيقته، أشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال، لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى.
وقيل: أراد لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره إذ يحيا ليسأل ثم يموت.
وقيل: لا يجمع الله موت نفسك وموت شريعتك، والأول أصوب.
فصل
(غَسْلُ المَيِّتِ، وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ).
أي: أن هذه الأمور الأربعة المتعلقة بالميت فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
ودليل غسله:
أ-قوله ﷺ في الذي وقصته الناقة (اغسلوه بماء وسدر) متفق عليه.
وهذا أمر والأمر للوجوب، لكنه وجوب كفائي، لأن المقصود أن يحصل تغسيله، لا أن يراد من كل واحد من المخاطبين ذلك.
ب- وقال ﷺ في ابنته زينب لما ماتت (اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً أو سبعاً، أو أكثر من ذلك) متفق عليه.
стр. 1180
ودليل تكفينه:
قوله ﷺ (وكفنوه في ثوبيه) متفق عليه.
ودليل الصلاة عليه:
أ- فعله ﷺ فقد كان ﷺ يصلي على الأموات باستمرار.
ب- ولحديث زيد بن خالد (أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم. فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين) رواه أبو داود
ج- وقال ﷺ (قد تُوفيَ اليوم رجل صالح من الحبش، فهلمَّ فصلوا عليه) متفق عليه.
د- وصلى على المرأة التي رجمت.
ودليل دفنه:
أ-قوله تعالى (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) فأكرم الله الميت بدفنه، فلم يلق للسباع والطيور.
ب-ولأن في تركه هتكاً لحرمته، وأذى للناس به.
ج- وقال تعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً. أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً) ومعنى (كفاتاً) أي: ستراً لهم في محياهم ومماتهم، يستترون بها في الحياة في الدور والقصور، وفي الموت في القبور في بطن الأرض.
فائدة:
يقسم العلماء الواجب (ويسمى الفرض أيضاً عند جمهور العلماء) إلى قسمين: واجب عيني، وواجب كفائي.
فالواجب العيني: ما طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين طلباً جازماً. كالصلاة والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام .... إلخ.
والواجب الكفائي: هو الذي طلبه الشارع من مجموع المكلفين، ولم يطلبه من كل واحد منهم، فإن قام العدد الذي يكفي سقط عن الباقين، وإلا أثموا جميعاً.
стр. 1181
(وَأَوْلَى النَّاسِ بِغَسْلِهِ وَصِيُّهُ).
أي: أولى الناس بتغسيل الميت وصيه.
قال ابن قدامة: وأولى الناس بغسله من أوصي إليه بذلك:
أ- لأن أبا بكر الصديق أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس فقدمت بذلك.
ب- وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ففعل.
ج- ولأنه حق للميت فقدم وصيه فيه على غيره كتفريق ثلثه، ـ يعني: لو أوصى بأن فلاناً هو الذي يفرق ثلث ماله. (الكافي).
د- قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فيه أيضاً تعليل ثالث مهم وهو: أن الميت قد يكون فيه أشياء لا يحب أن يطلع عليها كل أحد ولا يحب أن يطلع عليها إلا شخص يأتمنه فيوصي أن يغسله فلان.
هـ- ولأن الميت يحب أن يغسله من كان أعبد لله وأطوع لله فيختار شخصاً معيناً. (شرح الكافي)
(ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ الأْقْرَبُ فَالأْقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ الخ).
أي: لو أن الشخص الميت لم يوصِ، فيقدم الأب، (ثم جده) أي: من قبل الأب (ثم الأقرب فالأقرب من عصباته) أي: بعد الأب والجد الأبناء، وإن نزلوا، ثم الإخوة وإن نزلوا، ثم الأعمام وإن نزلوا.
قال الحجاوي ﵀: وأولى الناس بغسل الميت وصية إن كان عدلاً ثم أبوه وإن علا، ثم ابنه وإن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته نسباً. (متن الإقناع)
فائدة: ١
هذا الترتيب يحتاج إليه عند المشاحة.
قال الشيخ ابن عثيمين: ومن المعلوم أن مثل هذا الترتيب إنما نحتاج إليه عند المشاحة (التنازع)، فأما عند عدم المشاحة، كما هو الواقع في عصرنا اليوم، فإنه يتولى غسله من يتولى غسل عامة الناس، وهذا هو المعمول به الآن، فتجد الميت يموت وهناك أناس مستعدون لتغسيله، فيذهب إليهم فيغسلونه. (الشرح الممتع)
стр. 1182
فائدة: ٢
شرط تولي الموصى إليه غسل المتوفَّى: أن يكون صالحاً لذلك، قادراً عليه، وإلا لم يشرع له القيام بذلك، وعندها يتولى تغسيل المتوفى: الأقرب فالأقرب، ممن يُحسن تغسيل الأموات.
قال الشيخ صالح الفوزان: وهذا الترتيب في الأولوية: إذا كانوا كلهم يحسنون التغسيل، وطالبوا به، وإلا فإنه يقدَّم العالم بأحكام التغسيل على مَن لا علم له.
وقال الشيخ ابن عثيمين: لكن كل هذه الترتيبات مسبوقة بأمر مهم وهو أعلم الناس بكيفية التغسيل هذا مقدم على كل هذه الأولويات يعني بعد الوصي يقدم أعلم الناس بأحكام التغسيل، كقول الرسول ﵇: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، فإذا قدر أن في هؤلاء الذين رتبهم المؤلف من لا يحسن التغسيل، فإنه لا يقدم؛ لأن المحافظة على التغسيل أولى من التقديم ولا يستثنى من هذا إلا شيء واحد وهو الوصي. انتهى من "الشرح الكافي"
(وَلِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صَاحِبِه).
أي: فالزوج له أن يغسل زوجته إذا ماتت، والزوجة لها أن تغسل زوجها إذا مات.
المسألة الأولى: تغسيل الزوج لزوجته إذا ماتت.
يجوز.
وهذا قول جماهير العلماء. [نسبه إليهم الشوكاني].
قال ابن قدامة: الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لِلزَّوْجِ غُسْلَ امْرَأَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، وَقَتَادَةَ، وَحَمَّادٍ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاق.
стр. 1183
أ- لحديث عائشة قالت (رجع رسول الله ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول: وارأساه، قال: ما ضرك لو متّ قبلي فغسلتكِ وكفنتكِ ثم صليت عليك).
والحديث فيه محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث عند أبي يعلى.
وأيضاً قد تابع محمد بن إسحاق صالح بن كيسان كما عند أحمد والنسائي، فالحديث لا بأس به.
ب- ما رواه الدارقطني عن أسماء بنت عميس قالت (غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
قال في المغني: إن علياً غسّل فاطمة، واشتهر ذلك فلم ينكر فكان إجماعاً.
قال الحافظ: رواه البيهقي من وجه آخر عن أسماء وإسناده حسن، ثم قال: وقد احتج بهذا الحديث أحمد وابن المنذر، وفي جزمهما بذلك دليل على صحته عندهما.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز.
وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري.
أ- قالوا: لأن الموت فرقة تبيح أختها.
ب- أن الموت فرقة تبيح أختها وأربعاً سواها فحرم اللمس والنظر كالطلاق.
والراجح القول الأول.
وأجاب هؤلاء عن أدلة من أجاز؟
حديث (لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ):
أولاً: أنه محمول على الغسل تسبباً، فمعنى قوله (غسلتك) أي: قمت بأسباب غسلك كما يقال بنى الأمير داراً.
ثانياً: أنه يحتمل أنه كان مخصوصاً بأنه لا ينقطع نكاحه بعد الموت.
وأجابوا عن أثر علي في تغسيله فاطمة: بأنه خاص بعلي، لأن فاطمة زوجته في الدنيا والآخرة فجاز له غسلها دون غيره.
وأجيب عن هذا الاعتراض بأنه لو بقيت الزوجية لما تزوج بنت أختها أمامة بنت زينب بعد موتها.
стр. 1184
المسألة الثانية: تغسيل الزوجة لزوجها إذا ماتت.
جائز في قول عامة أهل العلم.
وقد نقل ابن المنذر الإجماع، أن الأمة أجمعت أن للمرأة غسل زوجها.
أ- لحديث عائشة (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه) رواه أبو داود.
قال البيهقي: فتلهفت على ذلك، ولا يتلهف إلا على ما يجوز.
ب- وأوصى أبو بكر أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس.
فقد روى الإمام مالك في الموطأ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ (أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حِينَ تُوُفِّيَ ثُمَّ خَرَجَتْ فَسَأَلَتْ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَتْ إِنِّي صَائِمَةٌ وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ غُسْلٍ فَقَالُوا لا).
قال صاحب المنتقى على شرح الموطَّأ في هذا الحديث: يدل على جواز غسل المرأة زوجها بعد وفاته، لأن هذا كان بحضرة جماعة من الصحابة … لا سيما أن أبا بكر أوصى بذلك ولم يعلم له مخالف من الصحابة فثبت أنه إجماع.
فائدة:
إذا توفيت الزوجة في أثناء عدة الطلاق، فإن كان الطلاق رجعياً جاز للزوج أن يغسلها، وكذا لو مات الزوج بعد أن طلقها طلاقاً رجعياً فلها أن تغسله؛ لأن المطلقة طلاقاً رجعياً في حكم الزوجات، فلها ما للزوجات وعليها ما على الزوجات.
قال ابن قدامة: فإن طلق امرأته، ثم مات أحدهما في العدة، وكان الطلاق رجعياً، فحكمهما حكم الزوجين قبل الطلاق; لأنها زوجة تعتد للوفاة، وترثه ويرثها، ويباح له وطؤها. (المغني).
فإن كان الطلاق على عوض أو استكملت الطلقات الثلاث، لم يجز لأحدهما غسل الآخر؛ لانقطاع علائق الزوجية.
стр. 1185
قال ابن قدامة ﵀: "وإن كان بائناً لم يجز؛ لأن اللمس والنظر محرم حال الحياة، فبعد الموت أولى. (المغني)
قال ابن عبد البر ﵀: وأجمعوا على أن المطلقة المبتوتة لا تغسل زوجها إن مات في عدتها.
وقال النووي ﵀: واتفقوا على أنه لا يُغسل البائن.
(وَلِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ فَقَطْ).
أي: يجوز للرجل أن يغسل بنتاً دون سبع سنين، ويجوز للمرأة أن تغسل صبياً دون سبع سنين.
قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن للمرأة أن تغسل الصبي الصغير مجرداً من غير مئزر وتمس عورته وتنظر إليها.
(وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نسْوَةٍ، أَوْ عَكْسُهُ يُمِّمَتْ).
ذكر هنا متى ييمم الميت، وذلك عند تعذر ذلك، ويتعذر غسل الميت في صور:
إذا مات رجل بين نساء ليس بينهن زوجته.
وإذا ماتت امرأة بين رجال ليس فيهم زوجها.
إذا تعذر غسله لكونه محترقاً.
إذا عدم الماء.
قال ابن قدامة: والمجدور، والمحترق، والغريق، إذا أمكن غسله غسل … فإن خيف تقطعه بالماء لم يغسل، وييمم إن أمكن، كالحي الذي يؤذيه الماء، وإن تعذر غسل الميت لعدم الماء ييمم، وإن تعذر غسل بعضه دون بعض، غسل ما أمكن غسله، وييمم للباقي، كالحي سواء. (المغني)
стр. 1186
فائدة:
اختلف الفقهاء فيمن تعذر غسله وتيممه: هل يصلى عليه أم لا؟
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ مَعَ تَعَذُّرِ الْغُسْل وَالتَّيَمُّمِ.
لأِنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
أ-لأِنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
ب- وَلأِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ وَالشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّت.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لأِنَّ بَعْضَهُمْ يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ تَقَدُّمَ غُسْل الْمَيِّتِ، وَبَعْضُهُمْ يَشْتَرِطُ حُضُورَهُ أَوْ أَكْثَرِهِ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ غُسْلُهُ وَتَيَمُّمُهُ لَمْ يُصَل عَلَيْهِ لِفَوَاتِ الشَّرْط. (الموسوعة)
والراجح - والله أعلم - القول الأول، وهو أنه يصلى عليه، حتى مع تعذر تغسيله وتيميمه؛ فإن الصلاة على الميت من حق الميت على المسلمين، وهكذا غسله، أو تيميمه عند تعذر الغسل؛ ومتى حصل العجز عن بعض الواجبات، لم تسقط المطالبة بما أمكن منها؛ لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
стр. 1187
(وَيَحْرُمُ أَنْ يَغْسِلَ مُسْلِمٌ كَافِراً، أَوْ يَدْفِنَهُ، بَلْ يُوَارَى لِعَدَمٍ).
أي: يحرم على المسلم أن يغسل الميت الكافر أو يكفنه، أو يدفنه، بل يواريه إذا لم يوجد من يواريه.
أ- لأن غسل الميت عبادة، والكافر ليس أهلا لها.
ب-ولأن الغسل وجب كرامة للميت وتعظيماً له، والكافر ليس من أهل استحقاق الكرامة والتعظيم.
ج-ولأنه لا يُصلى على الكافر، ولا يدعى له، فلم يصح غسله.
وذهب بعض العلماء: إلى جواز تغسيله.
وهذا مذهب الشافعي.
جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية) وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُ تَغْسِيل الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ لِلْكَافِرِينَ، وَأَقَارِبُهُ الْكُفَّارُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُغَسِّل الْكَافِرَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ أَمْ لَمْ يَكُنْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ غُسْل زَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ لأِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُغَسِّل الْكَافِرَ وَلَا يَتَوَلَّى دَفْنَهُ، وَلأِنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَلَا مُوَالَاةَ، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الزَّوْجِيَّةُ بِالْمَوْتِ.
(ولا يصِحُّ تغسيل الكافر للمسلمِ).
أي: لا يصح للكافر أن يقوم بتغسيل الميت المسلم.
لأنها عبادة، والكافر ليس من أهل العبادة.
قال ابن قدامة: وَلَا يَصِحُّ غُسْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَلَيْسَ الْكَافِرُ مِنْ أَهْلِهَا.
وقال أيضاً: وإن كانت الزوجة ذمية، فليس لها غسل زوجها؛ لأن الكافر لا يغسل المسلم؛ لأن النية واجبة في الغسل، والكافر ليس
من أهلها.
стр. 1188
وجاء (في الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَخْرَجِ - مُقَابِل الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ - وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَغْسِيل الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ:
أ- لأِنَّ التَّغْسِيل عِبَادَةٌ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، فَلَا يَصِحُّ تَغْسِيلُهُ لِلْمُسْلِمِ كَالْمَجْنُونِ.
ب- وَأَيْضًا فَإِنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْل وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. (الموسوعة الفقهية)
وقال الشيخ ابن عثيمين: ويدل على أنها عبادة أمر النبي ﷺ بها حيث قال (اغسلوه بماء وسدر)، فالغاسل الذي يغسل الميت ينبغي له أن يستشعر أن الرسول أمره بهذا حتى يكون قائماً بعبادة أي يمتثل بها أمر رسول الله ﷺ وعلى هذا فلا يصح أن يغسل الكافر مسلماً. … (شرح الكافي)
وقال الشيخ صالح الفوزان: وأما بالنسبة لتغسيل الكافر للمسلم فلا يجوز؛ لأن تغسيل الميت عبادة والعبادة لا تصح من الكافر.
فائدة: ١
تشييع جنازة الكافر.
لا يجوز للمسلم تشييع جنازة الكافر ولو كان قريباً له؛ لأن التشييع حق للمسلم على المسلم، وهو نوع من الاحترام والإكرام والموالاة التي لا يجوز أن تكون للكافر.
وقد مات أبو طالب عم النبي ﷺ فأمر علياً أن يواريه التراب، ولم يشيعه النبي ﷺ ، ولم يشهد دفنه، مع ما لأبي طالب من المواقف المعروفة في الدفاع عن النبي ﷺ ، ومع كمال شفقة النبي ﷺ ورحمته وبرّه وإحسانه، فما منعه من ذلك إلا موت أبي طالب على الكفر، بل قال ﷺ : (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ) فَنَزَلَتْ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) وَنَزَلَتْ: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ). رواه البخاري ومسلم
стр. 1189
وروى أبو داود عن عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ قَالَ: (اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاك).
والإسلام مع دعوته إلى صلة الأقارب والإحسان إليهم إلا أنه قطع الولاء بين المؤمن والكافر، فما كان من صور الولاء: مُنع، وما كان من البر والإحسان دون ولاء: جاز.
قال الشيخ ابن عثيمين: لا يجوز للمسلم أن يشيع جنازة غير المسلم لأن اتباع الجنائز من حقوق المسلم على المسلم، وليس من حقوق الكافر على المسلم، وكما أن الكافر لا يبدأ بالسلام، ولا يفسح له الطريق، كما قال النبي ﷺ (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريقٍ فاضطروهم إلى أضيقه) فإنه لا يجوز إكرامه باتباع جنازته، أياً كان هذا الكافر، حتى ولو كان أقرب الناس إليك.
فائدة: ٢
قوله (بل يواريه) أي: أن الكافِرُ إذا هَلَك بين ظهرانَيِ المسلمينَ، وليس له مِن أَهْلِ دِينِه مَن يَدْفِنه واراه المسلمون.
أ- عن أبي طلحَة (نبيَّ اللهِ ﷺ أمَرَ يومَ بَدْرٍ بأربعةٍ وعشرينَ رَجُلًا من صناديدِ قُرَيشٍ، فقُذِفُوا في طَوِي مِن أطواءِ بَدْرٍ خبيثٍ مُخْبِث) متفق عليه.
قال النووي: قَالَ أَصْحَابنَا: وَهَذَا السَّحْب إِلَى الْقَلِيب لَيْسَ دَفْنًا لَهُمْ، وَلَا صِيَانَة وَحُرْمَة، بَلْ لِدَفْعِ رَائِحَتهمْ الْمُؤْذِيَة.
ب- ولأن النبي ﷺ (لَمَّا أُخْبِرَ بِمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِعَلِيٍّ اذْهَبْ فَوَارِه) رواه أبو داود.
ج- لأنَّه يُتَضَرَّرُ بِتَرْكه، ويتَغَيَّرُ ببقائِه. (كشاف القناع).
стр. 1190
(وَإِذَا أَخَذَ فِي غَسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ وَجَرَّدَهُ).
أي: وإذا شرع في غسله جرده من ثيابه وستر عورته، وهذا واجب.
أي: فيجرد الميت من كل شيء إلا من عورته (ما بين السرة والركبة).
وقدم تقدم: وأَنَّ تَجْرِيدَهُ أَمْكَنُ لِتَغْسِيلِهِ، وَأَبْلَغُ فِي تَطْهِيرِهِ، وَالْحَيُّ يَتَجَرَّدُ إذَا اغْتَسَلَ، فَكَذَا الْمَيِّتُ، وَلِأَنَّهُ إذَا غُسِّلَ فِي ثَوْبِهِ تَنَجَّسَ
الثَّوْبُ بِمَا يَخْرُجُ، وَقَدْ لَا يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، فَيَتَنَجَّسَ الْمَيِّتُ بِهِ.
وتقدم قول الصحابة: هل نجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا؟
وتقدم أن ستر عورته واجب.
قال ابن قدامة: وأما ستر ما بين السرة والركبة فلا نعلم فيه خلافاً، فإن ذلك عورة، وستر العورة مأمور به.
فائدة:
لا يشترط لصحة غسل الميت أن يكون الغاسل على طهارة.
قال ابن قدامة: ولا نعلم بينهم اختلافاً في صحة تغسيلهما وتغميضهما له (الحائض والجنب) ولكن الأولى أن يكون المتولي لأموره، في تغميضه وتغسيله، طاهراً لأنه أكمل وأحسن.
стр. 1191
وقال النووي: يجوز للجنب والحائض غسل الميت بلا كراهة، وكرههما الحسن وابن سيرين، وكره مالك الجنب. دليلنا: أنهما طاهران كغيرهما.
وسئل علماء (اللجنة الدائمة) هل يجوز للمرأة وهي حائض أن تقوم بتغسيل الميت وتكفينه؟
فأجابوا: "يجوز للمرأة وهي حائض أن تغسل النساء وتكفنهن، ولها أن تغسل من الرجال زوجها فقط، ولا يعتبر الحيض مانعاً من تغسيل الجنازة" انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل كل إنسان يغسل الميت عليه وضوء؟
فأجاب: لا، ليس بشرط، أي: لا يشترط أن يكون الغاسل على طهارة، لكن العلماء قالوا: إن الجنب لا ينبغي أن يكون حول الميت؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب.
(وَسَتَرَهُ عَن العُيُون).
أي: يسن أن يغسله في مكان لا يراه الناس، كحجرة أو خيمة ونحو ذلك.
لأنه ربما كان فيه عيب يستره في حياته.
قال النووي: ويستحب نقله إلى موضع خال وستره عن العيون، وهذا لا خلاف فيه. (المجموع)
(وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ مُعِينٍ فِي غَسْلِهِ حُضُورُهُ).
أي: يكره لمن ليس له إعانة في الغسل أن يحضر الغسل.
قال ابن قدامة: وَإِنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَحْضُرَهُ مَنْ لَا يُعِينُ فِي أَمْرِهِ:
لِأَنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى الْمَيِّتِ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاضِرِينَ غَضُّ أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِالْمَيِّتِ عَيْبٌ يَكْتُمُهُ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَرُبَّمَا حَدَثَ مِنْهُ أَمْرٌ يَكْرَهُ الْحَيُّ أَنْ يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ فَيُحَدَّثُ بِهِ، فَيَكُونُ فَضِيحَةً لَهُ، وَرُبَّمَا بَدَتْ عَوْرَتُهُ فَشَاهَدَهَا، وَلِهَذَا أَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ ثِقَةً أَمِينًا صَالِحًا؛ لِيَسْتُرَ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال (لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمْ الْمَأْمُونُونَ). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (المغني)
стр. 1192
فائدة: ١
قال ابن قدامة: وَيَنْبَغِي لِلْغَاسِلِ، وَلِمَنْ حَضَرَ، إذَا رَأَى مِنْ الْمَيِّتِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَمِمَّا يُحِبُّ الْمَيِّتُ سَتْرَهُ، أَنْ يَسْتُرَهُ، وَلَا يُحَدِّثَ بِهِ؛ لِمَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
وَإِنْ رَأَى حَسَنًا مِثْلَ أَمَارَاتِ الْخَيْرِ، مِنْ وَضَاءَةِ الْوَجْهِ، وَالتَّبَسُّمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، اُسْتُحِبَّ إظْهَارُهُ، لِيَكْثُرَ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلَ الْحَثُّ عَلَى مِثْلِ طَرِيقَتِهِ، وَالتَّشَبُّهُ بِجَمِيلِ سِيرَتِهِ. (المغني)
فائدة: ٢
بعض العلماء ﵏ استثنوا ولي الميت فله أن يحضر ولو لم يكن لحاجة؛ لوجود الشفقة على الميت.
قال النووي: قال أصحابنا: ويستحب أن لا يحضره إلا الغاسل، ومن لا بد له من معونته عند الغسل، قال أصحابنا: وللولي أن يدخل، وإن لم يغسل ولم يعن. (المجموع)
قال القاضي، وابن عقيل من الحنابلة: وما هو ببعيد. (الإنصاف)
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى قُرْبِ جُلُوسِهِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينئِذٍ).
أي: بعد أن يجرده ويستر عورته، يرفع رأسه إلى قرب الجلوس.
ويعصر بطنه برفق:
ليخرج ما في جوفه من فضلة لئلا يخرج بعد الغسل، أو بعد التكفين فيفسده.
ويصب عليه الماء وقت العصر صباً كثيراً: ليذهب بما يخرج فلا تظهر رائحته.
стр. 1193
(ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فَيُنَجّيهِ).
أي: ثم بعد ذلك يلف الغاسل على يده خرقة (وفي الوقت الحاضر قفازات) وينجي الميت، فيغسل فرجه مما خرج منه، ومما كان قد خرج قبل وفاته.
قال ابن قدامة: وَيَلُفُّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً خَشِنَةً، فَيُنْجِيهِ بِهَا؛ لِئَلَّا يَمَسَّ عَوْرَتَهُ، لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعَوْرَةِ حَرَامٌ، فَاللَّمْسُ أَوْلَى، وَيُزِيلُ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يَبْدَأُ بِذَلِكَ فِي اغْتِسَالِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَلاَّ يَمَسَّ سَائِرَه إِلاَّ بِخِرْقَةٍ).
هذا الأفضل، لأنه أنقى للميت، وهذه الخرقة غير الخرقة الأولى.
قال ابن قدامة: ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة، وينبغي أن يتخذ الغاسل خرقتين خشنتين، ينجيه بإحداهما ثم يلقيها، ويلف الأخرى على يده فيمسح بها سائر البدن، لما روي أن علياً غسل النبي ﷺ وبيده خرقة يمسح بها ما تحت القميص. … (الكافي)
(ثُمَّ يُوَضّئهُ نَدْباً).
أي: ثم بعد ذلك يستحب للغاسل أن يوضئ الميت.
لحديث أُمّ عَطِيَّةَ قَالَتْ (لَمَّا غَسَّلْنَا بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَنَا وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ). متفق عليه
قال النووي: وفيه استحباب وضوء الميت وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يستحب.
ويكون الوضوء عندنا في أول الغسل كما في وضوء الجنب. (شرح مسلم).
فائدة: ١
إلا أنه يستثنى من الوضوء المضمضة والاستنشاق، فيكتفى بالمسح بخرقة مبلولة بالماء.
قال ابن قدامة: وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فَاهُ، وَلَا مَنْخَرَيْهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
لأن إدْخَالَ الْمَاءِ فَاهُ وَأَنْفَهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ وُصُولُهُ إلَى جَوْفِهِ، فَيُفْضِي إلَى الْمُثْلَةِ بِهِ، وَلَا يُؤْمَنُ خُرُوجُهُ فِي أَكْفَانِهِ.
стр. 1194
وقال الشيخ ابن عثيمين: لأن الحي إذا أدخل الماء تمضمض به ومجّه وخرج، والميت لو صببنا الماء في فمه لانحدر لبطنه وربما يحرك ساكناً، وكذلك نقول في مسألة الاستنشاق: الميت لا يستنشق الماء، ولا يستطيع أن يستنثره، وحينئذٍ نقول: لا تدخل الماء في فمه ولا أنفه.
فائدة: ٢
وهذا الوضوء ليس على سبيل الوجوب بدليل أمر النبي ﷺ أن يغسل الرجل الذي وقصته ناقته بعرفة فمات، فقال (اغسلوه بماءٍ وسدر) ولم يقل: وضئوه، فدل على أن الوضوء ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الاستحباب.
(ثم يغسله، وَيَغْسِل بِرَغْوَةِ السِّدْرِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فَقَط).
أي: أنه لا بد أن يعد الغاسل سدراً يدقه ويضعه في إناء فيه ماء، ثم يضربه بيديه حتى يكون له رغوة، وهذه الرغوة يغسل بها رأسه ولحيته، وأما الثفل الباقي فإنه يغسل به سائر الجسد.
وإنما خُصّ الرأس واللحية بالرغوة؛ لأننا لو غسلناهما بالثفل لبقي الثفل متفرقاً في الشعور وصعب إخراجه منها، أما الرغوة فليس فيها ثفل.
والدليل على استحباب السدر:
حديث أُم عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ -إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ- بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كَافُوراً -أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ- فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي) متفق عليه.
قال النووي: وهو متفق على استحبابه.
стр. 1195
(ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الأْيْمَنَ، ثُمَّ الأْيْسَرَ).
أي: ثم بعد ذلك يغسل الشق الأيمن ثم الأيسر.
لحديث أم عطية السابق (ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ اَلْوُضُوءِ مِنْهَا).
(ثُمَّ كُلَّهُ ثَلَاثاً، يُمِرُّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ).
لحديث أم عطية السابق (: اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً).
(فَإِنْ لَمْ يَنْقَ بِثَلَاثٍ زِيدَ حَتَّى يَنْقَى وَلَوْ جَاوَزَ السَّبْعَ، ويقطع على وتر).
لأن المقصود بذلك تطهيره.
لحديث أُمّ عَطِيَّةَ قَالَتْ. قال لنا رسول الله ﷺ (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذلك).
وهذا يرجع إلى رأي الغاسل.
قال النووي: المراد اغسلنها وترًا، وليكن ثلاثًا، فإن احتجتنّ إلى زيادة، فخمسًا، وحاصله أن الإيتار مطلوب، والثلاث مستحبّة، فإن حصل الإنقاء بها لم يشرع ما فوقها، وإلا زيد وترًا، حتى يحصل الإنقاء، والواجب من ذلك مرة واحدة عامّة للبدن انتهى.
فائدة: ٢
قال ابن الملقن: قوله (إن رأيتنّ) أي: إن رأيتنّ الزيادة في العدد، وعند الاحتياج، وليس معناه التخيير والتفويض إلى شهوتهنّ.
следующие страницы →