Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وقال النووي: يجوز للجنب والحائض غسل الميت بلا كراهة، وكرههما الحسن وابن سيرين، وكره مالك الجنب. دليلنا: أنهما طاهران كغيرهما.
وسئل علماء (اللجنة الدائمة) هل يجوز للمرأة وهي حائض أن تقوم بتغسيل الميت وتكفينه؟
فأجابوا: "يجوز للمرأة وهي حائض أن تغسل النساء وتكفنهن، ولها أن تغسل من الرجال زوجها فقط، ولا يعتبر الحيض مانعاً من تغسيل الجنازة" انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل كل إنسان يغسل الميت عليه وضوء؟
فأجاب: لا، ليس بشرط، أي: لا يشترط أن يكون الغاسل على طهارة، لكن العلماء قالوا: إن الجنب لا ينبغي أن يكون حول الميت؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب.
(وَسَتَرَهُ عَن العُيُون).
أي: يسن أن يغسله في مكان لا يراه الناس، كحجرة أو خيمة ونحو ذلك.
لأنه ربما كان فيه عيب يستره في حياته.
قال النووي: ويستحب نقله إلى موضع خال وستره عن العيون، وهذا لا خلاف فيه. (المجموع)
(وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ مُعِينٍ فِي غَسْلِهِ حُضُورُهُ).
أي: يكره لمن ليس له إعانة في الغسل أن يحضر الغسل.
قال ابن قدامة: وَإِنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَحْضُرَهُ مَنْ لَا يُعِينُ فِي أَمْرِهِ:
لِأَنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى الْمَيِّتِ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاضِرِينَ غَضُّ أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِالْمَيِّتِ عَيْبٌ يَكْتُمُهُ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَرُبَّمَا حَدَثَ مِنْهُ أَمْرٌ يَكْرَهُ الْحَيُّ أَنْ يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ فَيُحَدَّثُ بِهِ، فَيَكُونُ فَضِيحَةً لَهُ، وَرُبَّمَا بَدَتْ عَوْرَتُهُ فَشَاهَدَهَا، وَلِهَذَا أَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ ثِقَةً أَمِينًا صَالِحًا؛ لِيَسْتُرَ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال (لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمْ الْمَأْمُونُونَ). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (المغني)
стр. 1192
فائدة: ١
قال ابن قدامة: وَيَنْبَغِي لِلْغَاسِلِ، وَلِمَنْ حَضَرَ، إذَا رَأَى مِنْ الْمَيِّتِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَمِمَّا يُحِبُّ الْمَيِّتُ سَتْرَهُ، أَنْ يَسْتُرَهُ، وَلَا يُحَدِّثَ بِهِ؛ لِمَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
وَإِنْ رَأَى حَسَنًا مِثْلَ أَمَارَاتِ الْخَيْرِ، مِنْ وَضَاءَةِ الْوَجْهِ، وَالتَّبَسُّمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، اُسْتُحِبَّ إظْهَارُهُ، لِيَكْثُرَ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلَ الْحَثُّ عَلَى مِثْلِ طَرِيقَتِهِ، وَالتَّشَبُّهُ بِجَمِيلِ سِيرَتِهِ. (المغني)
فائدة: ٢
بعض العلماء ﵏ استثنوا ولي الميت فله أن يحضر ولو لم يكن لحاجة؛ لوجود الشفقة على الميت.
قال النووي: قال أصحابنا: ويستحب أن لا يحضره إلا الغاسل، ومن لا بد له من معونته عند الغسل، قال أصحابنا: وللولي أن يدخل، وإن لم يغسل ولم يعن. (المجموع)
قال القاضي، وابن عقيل من الحنابلة: وما هو ببعيد. (الإنصاف)
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى قُرْبِ جُلُوسِهِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينئِذٍ).
أي: بعد أن يجرده ويستر عورته، يرفع رأسه إلى قرب الجلوس.
ويعصر بطنه برفق:
ليخرج ما في جوفه من فضلة لئلا يخرج بعد الغسل، أو بعد التكفين فيفسده.
ويصب عليه الماء وقت العصر صباً كثيراً: ليذهب بما يخرج فلا تظهر رائحته.
стр. 1193
(ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فَيُنَجّيهِ).
أي: ثم بعد ذلك يلف الغاسل على يده خرقة (وفي الوقت الحاضر قفازات) وينجي الميت، فيغسل فرجه مما خرج منه، ومما كان قد خرج قبل وفاته.
قال ابن قدامة: وَيَلُفُّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً خَشِنَةً، فَيُنْجِيهِ بِهَا؛ لِئَلَّا يَمَسَّ عَوْرَتَهُ، لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعَوْرَةِ حَرَامٌ، فَاللَّمْسُ أَوْلَى، وَيُزِيلُ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يَبْدَأُ بِذَلِكَ فِي اغْتِسَالِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَلاَّ يَمَسَّ سَائِرَه إِلاَّ بِخِرْقَةٍ).
هذا الأفضل، لأنه أنقى للميت، وهذه الخرقة غير الخرقة الأولى.
قال ابن قدامة: ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة، وينبغي أن يتخذ الغاسل خرقتين خشنتين، ينجيه بإحداهما ثم يلقيها، ويلف الأخرى على يده فيمسح بها سائر البدن، لما روي أن علياً غسل النبي ﷺ وبيده خرقة يمسح بها ما تحت القميص. … (الكافي)
(ثُمَّ يُوَضّئهُ نَدْباً).
أي: ثم بعد ذلك يستحب للغاسل أن يوضئ الميت.
لحديث أُمّ عَطِيَّةَ قَالَتْ (لَمَّا غَسَّلْنَا بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَنَا وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ). متفق عليه
قال النووي: وفيه استحباب وضوء الميت وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يستحب.
ويكون الوضوء عندنا في أول الغسل كما في وضوء الجنب. (شرح مسلم).
فائدة: ١
إلا أنه يستثنى من الوضوء المضمضة والاستنشاق، فيكتفى بالمسح بخرقة مبلولة بالماء.
قال ابن قدامة: وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فَاهُ، وَلَا مَنْخَرَيْهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
لأن إدْخَالَ الْمَاءِ فَاهُ وَأَنْفَهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ وُصُولُهُ إلَى جَوْفِهِ، فَيُفْضِي إلَى الْمُثْلَةِ بِهِ، وَلَا يُؤْمَنُ خُرُوجُهُ فِي أَكْفَانِهِ.
стр. 1194
وقال الشيخ ابن عثيمين: لأن الحي إذا أدخل الماء تمضمض به ومجّه وخرج، والميت لو صببنا الماء في فمه لانحدر لبطنه وربما يحرك ساكناً، وكذلك نقول في مسألة الاستنشاق: الميت لا يستنشق الماء، ولا يستطيع أن يستنثره، وحينئذٍ نقول: لا تدخل الماء في فمه ولا أنفه.
فائدة: ٢
وهذا الوضوء ليس على سبيل الوجوب بدليل أمر النبي ﷺ أن يغسل الرجل الذي وقصته ناقته بعرفة فمات، فقال (اغسلوه بماءٍ وسدر) ولم يقل: وضئوه، فدل على أن الوضوء ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الاستحباب.
(ثم يغسله، وَيَغْسِل بِرَغْوَةِ السِّدْرِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فَقَط).
أي: أنه لا بد أن يعد الغاسل سدراً يدقه ويضعه في إناء فيه ماء، ثم يضربه بيديه حتى يكون له رغوة، وهذه الرغوة يغسل بها رأسه ولحيته، وأما الثفل الباقي فإنه يغسل به سائر الجسد.
وإنما خُصّ الرأس واللحية بالرغوة؛ لأننا لو غسلناهما بالثفل لبقي الثفل متفرقاً في الشعور وصعب إخراجه منها، أما الرغوة فليس فيها ثفل.
والدليل على استحباب السدر:
حديث أُم عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ -إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ- بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كَافُوراً -أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ- فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي) متفق عليه.
قال النووي: وهو متفق على استحبابه.
стр. 1195
(ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الأْيْمَنَ، ثُمَّ الأْيْسَرَ).
أي: ثم بعد ذلك يغسل الشق الأيمن ثم الأيسر.
لحديث أم عطية السابق (ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ اَلْوُضُوءِ مِنْهَا).
(ثُمَّ كُلَّهُ ثَلَاثاً، يُمِرُّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ).
لحديث أم عطية السابق (: اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً).
(فَإِنْ لَمْ يَنْقَ بِثَلَاثٍ زِيدَ حَتَّى يَنْقَى وَلَوْ جَاوَزَ السَّبْعَ، ويقطع على وتر).
لأن المقصود بذلك تطهيره.
لحديث أُمّ عَطِيَّةَ قَالَتْ. قال لنا رسول الله ﷺ (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذلك).
وهذا يرجع إلى رأي الغاسل.
قال النووي: المراد اغسلنها وترًا، وليكن ثلاثًا، فإن احتجتنّ إلى زيادة، فخمسًا، وحاصله أن الإيتار مطلوب، والثلاث مستحبّة، فإن حصل الإنقاء بها لم يشرع ما فوقها، وإلا زيد وترًا، حتى يحصل الإنقاء، والواجب من ذلك مرة واحدة عامّة للبدن انتهى.
فائدة: ٢
قال ابن الملقن: قوله (إن رأيتنّ) أي: إن رأيتنّ الزيادة في العدد، وعند الاحتياج، وليس معناه التخيير والتفويض إلى شهوتهنّ.
стр. 1196
(وَيَجْعَل فِي الغَسْلَةِ الأْخِيرَةِ كَافُوراً).
لحديث أم عطية (فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ -إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ- بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كَافُوراً -أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ- فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي … ).
وباستحبابه قال جماهير العلماء.
فائدة: ١
الحكمة من الكافور:
أ- أنه بارد.
ب- ويطرد الهوام.
قال النووي: … وَلِأَنَّهُ يُطَيِّب الْمَيِّت، وَيُصَلِّب بَدَنه وَيُبَرِّدهُ، وَيَمْنَع إِسْرَاع فَسَاده، أَوْ يَتَضَمَّن إِكْرَامه. (شرح مسلم)
وقال الحافظ ﵀: قيل: الحكمة في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم أن فيه تجفيفاً وتبريداً وقوة نفوذ، وخاصية في تصليب بدن الميت وطرد الهوام عنه، وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه وهو أقوى الأراييح الطيبة في ذلك وهذا هو السر في جعله في الأخيرة إذ لو كان في الأولى مثلاً لأذهبه الماء.
فائدة: ٢
روى البيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: الكافور يوضع على مواضع السجود.
وهي: الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان، لأنه كان يسجد بهذه الأعضاء فخصت بزيادة الكرامة.
قال ابن قدامة: ويجعل الحنوط (الطيب الذي يصنع للميت) على المغابن (المفاصل) كباطن الركبتين وتحت الإبطين لأنها تجتمع فيها
الأوساخ، ويجعل على أعضاء سجوده لأنها أشرف، وإن طيبه كله فلا بأس " انتهى.
стр. 1197
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل ورد تطييب جميع بدن الميت؟
فأجاب: نعم، ورد عن بعض الصحابة ﵃.
فائدة: ٣
إذا ماتت المعتدة من وفاة هل تطيب؟
قال النووي: الصحيح أنه لا يحرم تطيبها، لأنه حرم عليها الطيب في العدة حتى لا يدعو إلى نكاحها، وقد زال هذا المعنى بالموت. (المجموع)
فائدة: ٤
إذا غُسل الميت، ثم بعد الفراغ من غسله خرج منه شيء من بول أو غائط أو دم .. فلا يلزم إعادة غسله، بل الواجب إزالة تلك النجاسة فقط.
قال النووي: إذا خرج من أحد فرجي الميت بعد غسله وقبل تكفينه نجاسة وجب غسلها بلا خلاف، وفي إعادة طهارته ثلاثة أوجه مشهورة، أصحها: لا يجب شيء; لأنه خرج عن التكليف بنقض الطهارة، وقياساً على ما لو أصابته نجاسة من غيره، فإنه يكفي غسلها بلا خلاف. (المجموع)
وقال ابن قدامة: وهو قول الثوري، ومالك، وأبي حنيفة; لأن خروج النجاسة من الحي بعد غسله لا يبطله، فكذلك الميت
وفي (الموسوعة الفقهية) وإن خرج منه شيء وهو على مغتسله، فيرى الحنفية والمالكية - ما عدا أشهب - وهو الأصح عند الشافعية، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة: أنه لا يعاد غسله، وإنما يغسل ذلك الموضع، وإليه ذهب الثوري أيضاً.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن هذا القول، أي: عدم إعادة غسله، والاكتفاء بغسل النجاسة قال: "وهو أقرب للصواب. شرح الكافي
стр. 1198
(وَيَقُصُّ شَارِبَه، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَه، وَلَا يُسَرِّحُ شَعْرَهُ).
أي: ويسن قص شارب الميت إذا كان طويلاً، وكذا أظفاره إذا طالت.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ شَارِبَ الْمَيِّتِ إنْ كَانَ طَوِيلًا اُسْتُحِبَّ قَصُّهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِسْحَاقَ.
ثم قال ﵀: فَأَمَّا الْأَظْفَارُ إذَا طَالَتْ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لَا تُقَلَّمُ.
وَالثَّانِيَةُ: يُقَصُّ إذَا كَانَ فَاحِشًا.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ، وَلَا مَضَرَّةَ فِيهِ، فَيُشْرَعُ أَخْذُهُ كَالشَّارِبِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ فَاحِشَةً. (المغني).
واختلف العلماء في العانة:
فقيل: لا تؤخذ.
قال ابن قدامة: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهَا إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَلَمْسِهَا، وَهَتْكِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا يُفْعَلُ لِغَيْرِ وَاجِبٍ، وَلِأَنَّ الْعَوْرَةَ مَسْتُورَةٌ يُسْتَغْنَى بِسَتْرِهَا عَنْ إزَالَتِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَخْذَهَا مَسْنُونٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ جَزَّ عَانَةَ مَيِّتٍ.
وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ إزَالَتُهُ مِنْ السُّنَّةِ، فَأَشْبَهَ الشَّارِبَ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَيُفَارِقُ الشَّارِبُ الْعَانَةَ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يُتَفَاحَشُ لِرُؤْيَتِهِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهِ إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَلَا مَسِّهَا. (المغني).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يقص ولا يؤخذ من الميت شيء.
لأنه لم يصح عن النبي ﷺ ولا عن أصحابة شيء في هذا.
стр. 1199
قال في الوجيز للزحيلي: ولا يقص ظفره ولا يحلق شعره عند الجمهور خلافاً للحنابلة القائلين بأنه يقص شارب غير المحرم، ويقلم أظفاره إن طالا، ويؤخذ شعر إبطيه، لأن ذلك تنظيف. (الوجيز في الفقه).
قال ابن المنذر: الوقوف عن أخذ ذلك أحب إلي، لأن المأمور بأخذ ذلك من نفسه الحي، فإذا مات انقطع الأمر.
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يختتن أحد بعد الموت.
(ثُمَّ يُنَشَّفُ بِثَوْبٍ).
أي: إذا فرغ الغاسل من غسل الميت نشّفَه بثوب لئلا يبل ثيابه.
(وَيُضفَرُ شَعْر المرأة ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَيُسْدَلُ وَرَاءَهَا).
أي: ويجعل شعر المرأة ضفائر ثلاثاً، ويسدل من ورائها.
لحديث أم عطية السابق ( … فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا).
(وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ بَعْدَ سَبْعٍ حُشِيَ بِقُطنٍ)
أي: إن خرج من الميت شيء من بول، أو غائط، أو دم، حشيَ بقطن، أي: سُدّ بالقطن من أجل أن يتوقف.
(وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ تَكْفِينِهِ لَمْ يُعَدِ الغسْلُ)
أي: وإن خرج شيء بعد التكفين لم يعد الغسل، لأن في ذلك مشقة.
(وَمُحْرِمٌ مَيتٌ كَحيٍّ، يُغسل بماء وسِدْرٍ، ويُجنَّب الطِّيبَ، ولا يلبس ذَكَرٌ مخيطًا، ولا يُغطى رأسه، ولا وجهَ أنثى).
أي: في أحكامه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ. وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ. فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً).
وَفِي رِوَايَةٍ (وَلا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلا رَأْسَهُ).
الوَقْصُ: كَسْرُ العُنُقِ.
فالمحرم إذا مات لا يغطى رأسه بل يبقى مكشوفاً.
لقوله (ولا تخمروا رأسه).
стр. 1200
ولا يقرب طيباً.
لقوله (وَلا تُحَنِّطُوهُ).
ولا يلبس الذَّكَر مخيطاً.
أي: لا يلبس سراويل، أو عمامة أو غيرها مما يحرم على الحي.
فائدة:
اختلف العلماء في حكم تغطية المحرم وجهه على قولين.
القول الأول: مباح للمحرم أن يغطي وجهه.
روى ذلك عن عثمان وزيد بن ثابت وابن الزبير وسعد بن أبي وقاص.
وبه قال الشافعي وأحمد وابن حزم. الأدلة:
أ- لقوله ﷺ (ولا تخمروا رأسه).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن تغطية رأس المحرم فقط، فدل على جواز ستر الوجه لأنه لو كان حراماً لنهى عنه.
ولما روي عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن الزبير يخمرون وجوههم وهم محرمون.
القول الثاني: لا يجوز للمحرم أن يغطي وجهه.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك.
أ- لرواية مسلم (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه).
ب-وروي عن ابن عمر أنه كان يقول (ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم) رواه البيهقي.
أجاب أصحاب القول الأول عن دليل القول الثاني قالوا: أن رواية (ولا وجهه) شاذة ضعيفة.
قال البيهقي: ذكر الوجه غريب وهو وهم من بعض رواته.
وقال الحافظ: وتردد ابن المنذر في صحته.
والأحوط أن لا يغطي المحرم وجهه.
стр. 1201
(وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ معركةِ كفار).
أي: أن شهيد المعركة الذي مات بين قتال الكفار لا يغسل إذا مات.
لحديث جابر. قَالَ (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ اَلرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحَدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ?، فَيُقَدِّمُهُ فِي اَللَّحْدِ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال ابن قدامة: إذا مات الشهيد في المعركة لم يغسل، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال الخطابي: وفيه من الفقه أن الشهيد لا يغسل وهو قول عامة أهل العلم.
ونقل الصنعاني أيضاً عن الجمهور قولهم أن الشهيد لا يغسل.
قال البغوي: اتفق العلماء على أن الشهيد المقتول في معركة الكفار لا يغسَّل. (شرح السنة).
وقال ابن هبيرة: واتفقوا على أن الشهيد المقتول في المعركة لا يغسَّل.
فائدة: ١
هل إذا مات الشهيد جنباً يغسل؟
إن كان الشهيد جنُباً فقد اختلف العلماء في تغسيله، والراجح أنه لا يُغسل إذ لا فرق بين الجُنب وغيره، فإن الرسول ﷺ لم يغسل الذين قتلوا في أُحد، ولأن الشهادة تكفر كل شيء.
أما ما يُذكر من أن عبد الله بن حنظلة " غسلته الملائكة " فهذا إن صح فليس فيه دليل على أنه يُغسله البشر؛ لأن تغسيل الملائكة له ليس شيئاً محسوساً لنا، وأحكام البشر لا تقاس على أحكام الملائكة، وما حصل لحنظلة ﵁ هو من باب الكرامة وليس من باب التكليف.
قال ابن حجر في معرض الاستدلال بحديث جابر:. . . واستدل بعمومه على أن الشهيد لا يغسل حتى ولا الجنب ولا الحائض.
فائدة: ٢
الحكمة من عدم تغسيل الشهيد:
جاء عند أحمد في حديث جابر (. . . لا تغسلوهم فإن كلَّ جُرحٍ أو كل دم يفوح مسكاً يوم القيامة ولم يصلّ عليهم).
стр. 1202
فائدة: ٣
قوله (معركة) مفهومه أن شهيد غير المعركة يغسل كالمبطون والمطعون … الخ.
فسائر من يطلق عليهم اسم الشهيد كالمبطون والنفساء وغيرهم يغسلون إجماعاً ويصلى عليهم.
عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِيقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ).
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: الْمُرَاد بِشَهَادَةِ هَؤُلَاءِ كُلّهمْ غَيْر الْمَقْتُول فِي سَبِيل اللَّه أَنَّهُمْ يَكُون لَهُمْ فِي الْآخِرَة ثَوَاب الشُّهَدَاء. وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُغْسَلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّهِيد ثَلَاثَة أَقْسَام:
أَحَدهَا: الْمَقْتُول فِي حَرْب بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَاب الْقِتَال فَهَذَا لَهُ حُكْم الشُّهَدَاء فِي ثَوَاب الْآخِرَة وَفِي أَحْكَام الدُّنْيَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُغَسَّل وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: شَهِيد فِي الثَّوَاب دُون أَحْكَام الدُّنْيَا.
وَهُوَ الْمَبْطُون، وَالْمَطْعُون، وَصَاحِب الْهَدْم، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، وَغَيْرهمْ مِمَّنْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِتَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا، فَهَذَا يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَهُ فِي الْآخِرَة ثَوَاب الشُّهَدَاء، وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون مِثْل ثَوَاب الْأَوَّل.
وَالثَّالِث: مَنْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَة وَشِبْهُه مَنْ وَرَدَتْ الْآثَار بِنَفْيِ تَسْمِيَته شَهِيدًا إِذَا قُتِلَ فِي حَرْب الْكُفَّار.
فَهَذَا لَهُ حُكْم الشُّهَدَاء فِي الدُّنْيَا فَلَا يُغَسَّل، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ ثَوَابهمْ الْكَامِل فِي الْآخِرَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
وقال النووي في المجموع: والدليل للقسم الثاني أن عمر وعثمان وعليا ﵃ غسلوا وصلي عليهم بالاتفاق واتفقوا على أنهم شهداء والله أعلم.
فائدة: ٤
قوله (كفار) مفهومه: أنها لو كانت معركة في قتال بين المسلمين كأهل البغي فإنه يغسل كغيره، لأنه مسلم قتل في غير حرب الكفار، فهو كمن قتله اللصوص.
فائدة: ٥
ذهب بعض العلماء: إلى أن المقتول ظلماً لا يغسل أيضاً.
لأن المقتول ظلماً شهيد.
стр. 1203
قال ﷺ (من قتل دون دمه فهو شهيد).
وذهب الجمهور إلى أن المقتول ظلماً يغسل كغيره من الموتى.
وهذا القول هو الصحيح.
فإن عمر ﵁ قد قتل ظلماً وعثمان وعلي وغيرهم، وكانوا يغسلون ويكفنون، ويصلى عليهم، وإن كانوا شهداء، ومع ذلك لم يثبت هذا الحكم فيهم، وإنما ثبت في شهيد المعركة.
بل لو قتل المسلم في أيدي الكفار لكن ذلك عن طريق الاغتيال، ونحوه مما لا يكون فيه قتال ظاهر، فإنه ليس له هذا الحكم.
فعمر قتله أبو لؤلؤة المجوسي، وهو شهيد كما قال ﷺ لأحد: (اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان).
فالصديق أبو بكر والشهيدان عمر وعثمان.
ومع ذلك فإنه - أي عمر - قد كفن كما ورد ذلك في البيهقي وغيره وهو مشهور عنه، وكذلك علي كما في البيهقي وغيره، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم.
فعلى ذلك القتيل الذي يقع قتله في غير الصف يبقى على الحكم الأصلي من التغسيل والتكفين.
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ لِلظُّلْمِ أَثَرًا فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمَقْتُول بِأَنَّهُ شَهِيدٌ، وَيُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ مَعَ الْكُفَّارِ، وَمِنْ صُوَرِ الْقَتْل ظُلْمًا: قَتِيل اللُّصُوصِ وَالْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطُّرُقِ، أَوْ مَنْ قُتِل مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ دَمِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْل الذِّمَّةِ، أَوْ مَنْ قُتِل دُونَ مَظْلَمَةٍ، أَوْ مَاتَ فِي السِّجْنِ وَقَدْ حُبِسَ ظُلْمًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِهِ شَهِيدَ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، أَوْ شَهِيدَ الآْخِرَةِ فَقَطْ؟
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّ مَنْ قُتِل ظُلْمًا يُعْتَبَرُ شَهِيدَ الآْخِرَةِ فَقَطْ، لَهُ حُكْمُ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ مَعَ الْكُفَّارِ فِي الآْخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ، وَلَيْسَ لَهُ حُكْمُهُ فِي الدُّنْيَا، فَيُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ: إِلَى أَنَّ مَنْ قُتِل ظُلْمًا فَهُوَ شَهِيدٌ يُلْحَقُ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ فِي أَنَّهُ لَا يُغَسَّل وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
لِقَوْل سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول (مَنْ قُتِل دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ).
وَلأِنَّهُمْ مَقْتُولُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَأَشْبَهُوا مَنْ قَتَلَهُمُ الْكُفَّار.
стр. 1204
(وَيُدْفَنُ فِي ثِيَابِهِ بَعْدَ نَزْعِ السِّلَاحِ وَالجُلُودِ عَنْهُ).
أي: يدفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها؛ لأنه يبعث يوم القيامة على ما مات عليه من القتل.
قال ابن قدامة: أَمَّا دَفْنُهُ بِثِيَابِهِ، فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
أ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِم). رواه أبو داود
ب- وروى أحمد أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُد (زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ).
ج- وعَنْ جَابِرٍ، قَالَ (رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ - أَوْ فِي حَلْقِهِ - فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ، قَالَ: وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رواه أبو داود. قال الحافظ: إسناده صحيح على شرط مسلم.
فائدة: ١
اختلف الفقهاء في أمر النبي ﷺ بدفن الشهداء في ثيابهم، هل هو على سبيل الاستحباب والأولوية، أم على سبيل الوجوب؟ على قولين:
القول الأول: أنه على سبيل الاستحباب.
قال به الشافعية وبعض الحنابلة.
قال النووي: ثم وليه بالخيار إن شاء كفنه بما عليه، وإن شاء نزعه وكفنه بغيره، وتركه أفضل.
وقال ابن قدامة: وليس هذا بحتم، لكنه الأولى، وللولي أن ينزع عنه ثيابه ويكفنه بغيرها.
واستدلوا على عدم الوجوب:
بما رواه أحمد عن الزبير أن أمه صفية (وهي أخت حمزة) (أتت يوم أحد بثوبين وقالت: هَذَانِ ثَوْبَانِ جِئْتُ بِهِمَا لأَخِي حَمْزَةَ فَقَدْ بَلَغَنِي مَقْتَلُهُ فَكَفِّنُوهُ فِيهِمَا، قَالَ: فَجِئْنَا بِالثَّوْبَيْنِ لِنُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ فَإِذَا إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ قَتِيلٌ قَدْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِحَمْزَةَ، قَالَ: فَوَجَدْنَا غَضَاضَةً وَحَيَاءً أَنْ نُكَفِّنَ حَمْزَةَ فِي ثَوْبَيْنِ وَالأَنْصَارِيُّ لا كَفَنَ لَهُ، فَقُلْنَا: لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ وَلِلأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ، فَقَدَرْنَاهُمَا فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنْ الآخَرِ فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا فَكَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الثَّوْبِ الَّذِي صَارَ لَه).
стр. 1205
القول الثاني: أن الأمر على سبيل الوجوب.
وهو مذهب المالكية والحنابلة.
واختاره ابن القيم والشوكاني.
قال المرداوي في (الإنصاف): والصحيح في المذهب أنه يجب دفنه في ثيابه التي قتل فيها.
وقال الإمام مالك: "إن أراد وليه أن يزيد على ما عليه وقد حصل له ما يجزئ في الكفن لم يكن له ذلك، ولا يزاد عليه شيء "
وقال الشوكاني: والظاهر أن الأمر بدفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب للوجوب.
أجابوا عن حديث حمزة:
بأنه كفن في كفن آخر لأن الكفار كانوا مثلوا به، وبقروا بطنه، واستخرجوا كبده، وأخذوا ثيابه، فلذلك كفن في كفن آخر. قاله ابن القيم في (زاد المعاد).
فائدة: ٢
قال النووي: وأجمع العلماء على أن الحديد والجلود ينزع عنه. … (المجموع).
فائدة: ٣
وأما الفرو والخف والقلنسوة والمنطقة (الحزام الذي يلبس على الوسط) فقد اختلف العلماء في نزعها على قولين:
وجماهير العلماء: أنه يزال عنه.
وهو مذهب الأحناف والشافعية والحنابلة.
أ- لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ السابق قَالَ: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ) وهو ضعيف كما تقدم.
стр. 1206
ب- وروي عن علي ﵁ أنه قال: ينزع من الشهيد الفرو والخف والقلنسوة.
قال الكاساني في (بدائع الصنائع): وهذا لأن ما يترك يترك ليكون كفناً، والكفن ما يلبس للستر، وهذه الأشياء تلبس إما للتجمل والزينة، أو لدفع البرد، أو لدفع معرة السلاح، ولا حاجة للميت إلى شيء من ذلك، فلم يكن شيء من ذلك كفناً، وبه تبين أن المراد من قوله ﷺ (زملوهم بثيابهم) الثياب التي يكفن بها وتلبس للستر.
(وَإِنْ سُلِبَها كُفِّنَ بِغَيْرِهَ).
أي: وإن سُلب الثياب وصار عرياناً، فإنه يكفن بغيرها وجوباً.
لأنه لا بد من التكفين، لقوله ﷺ (وكفنوه في ثوبيه).
(ولا يُصلىَ عليهِ).
أي: لا يصلى على الشهيد الذي مات في معركة مع الكفار.
لحديث جابر. قَالَ (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ اَلرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحَدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ?، فَيُقَدِّمُهُ فِي اَللَّحْدِ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي.
وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد.
قال ابن قدامة: فَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
قال الشيخ عبد العزيز ابن باز: الشهداء الذين يموتون في المعركة لا تشرع الصلاة عليهم مطلقاً ولا يُغسلون؛ لأن النبي ﷺ لم يُصلِّ على شهداء أحد ولم يُغسلهم. رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄.
أ- لحديث جابر السابق ( … وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ).
ب- وعن أنس (أن شهداء أحد لم يُغسّلوا ودُفِنوا بدمائهم ولم يُصلِ عليهم) رواه أبو داود.
ج- عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ انه قال في قتلى أحد (لا تغسلوهم فإن كلَّ جرحٍ أو كلَّ دم يفوح مسكاً يوم القيامة ولم يصل عليهم) رواه أحمد.
стр. 1207
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصلى عليه.
وهذا مذهب الحنفية.
لحديث عُقْبَة بْن عَامِر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ «إِنِّى فَرَطٌ
لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ … ) متفق عليه.
وفي رواية (صلى ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ ثمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ .. ).
ب- وجاء (أنه ﷺ صلى على حمزة وكبر عليه تسعاً) رجاله ثقات وصححه الألباني.
والراجح أنه لا يصلى على الشهيد.
والإجابة عن حديث عقبة:
أولاً: أن المقصود بصلاته ﷺ على شهداء أحد، أي: أنه دعا لهم.
ثانياً: أن هذا خاص بشهداء أحد، بدليل أنه لم ينقل أنه صلى على غيرهم من الشهداء.
ثالثاً: أن هذا خاص به ﵊.
قال ابن حجر ﵀: فَإِنَّ صَلَاته عَلَيْهِمْ تَحْتَمِل أُمُورًا أُخَر: مِنْهَا أَنْ تَكُون مِنْ خَصَائِصه، وَمِنْهَا أَنْ تَكُون بِمَعْنَى الدُّعَاء كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ هِيَ وَاقِعَة عَيْن لَا عُمُوم فِيهَا، فَكَيْفَ يَنْتَهِض الِاحْتِجَاج بِهَا لِدَفْعِ حُكْم قَدْ تَقَرَّرَ؟. (الفتح).
стр. 1208
وقال الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي: وَأَمَّا هَذِهِ الصَّلَاةُ فَفِيهَا جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الدُّعَاءُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا صَلَاةَ الْجِنَازَةِ الْمَعْهُودَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ دَعَا لَهُمْ بِدُعَاءِ صَلَاةِ الْمَيِّتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ دَفْنِهِمْ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَإِنَّمَا صَلَّى عَلَيْهِمْ فِي الْقُبُورِ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ وَالْحَنَفِيَّةُ يَمْنَعُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ مُطْلَقًا، وَالْقَائِلُونَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ يُقَيِّدُونَهُ بِمُدَّةٍ مَخْصُوصَةٍ لَعَلَّهَا فَائِتَةٌ هُنَا، وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَاجِبَةً لَمَا تَرَكَهَا فِي الْأَوَّلِ. (انتهى من " طرح التثريب).
قال النووي: وأما حديث عقبة فأجاب أصحابنا وغيرهم: بأن المراد من الصلاة هنا الدعاء (وقوله) صلاته على الميت أي دعا لهم كدعاء صلاة الميت، وهذا التأويل لابد منه، وليس المراد صلاة الجنازة المعروفة بالإجماع، لأنه ﷺ إنما فعله عند موته بعد دفنهم بثمان سنين ولو كان صلاة الجنازة المعروفة لما أخرها ثمان سنين. (المجموع).
وقال ﵀: قوله (صَلَّى رَسُول اللَّه ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُد، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَر كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَات .. ).
مَعْنَاهُ: خَرَجَ إِلَى قَتْلَى أُحُد وَدَعَا لَهُمْ دُعَاء مُوَدِّع، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَة فَصَعِدَ الْمِنْبَر فَخَطَبَ الْأَحْيَاء خُطْبَة مُوَدِّع. (شرح مسلم)
стр. 1209
فائدة: ١
ما الحكمة من عدم الصلاة على الشهيد؟
قال الشيخ ابن عثيمين: (الشهيد) لا يصلي عليه أحدٌ من الناس لا الإمام ولا غير الإمام؛ لأن النبي ﷺ (لم يصلِّ على شهداء أحد)، ولأن الحكمة من الصلاة الشفاعة، لقول النبي ﷺ (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يُشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) والشهيد يُكفر عنه كل شيء إلا الدَّيْن؛ لأن الدين لا يسقط بالشهادة بل يبقى في ذمة الميت في تركته إن خَلَّف تركة، وإلا فإنه إذا أخذه يريد أداءه أدى الله عنه.
فائدة: ٢
اختار ابن القيم أن الإمام مخير إن شاء صلى وإن شاء ترك، فقال: وَالصَّوَاب فِي الْمَسْأَلَة: أَنَّهُ مُخَيَّر بَيْن الصَّلَاة عَلَيْهِمْ وَتَرْكهَا لِمَجِيءِ الْآثَار بِكُلِّ وَاحِد مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَات عَنْ الْإِمَام أَحْمَد، وَهِيَ الْأَلْيَق بِأُصُولِهِ وَمَذْهَبه.
(وَإِنْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، أَوْ وُجِدَ مَيتاً، وَلَا أَثَرَ بِهِ. أَوْ حُمِلَ فَأَكَلَ أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ عُرْفاً غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ).
أي: في هذه الحالات لا يأخذ حكم الشهيد، بل يغسل ويكفن ويصلى عليه.
لأنه ليس بقتيل الكفار.
فالذي سَقَطَ عَنْ دَابَّتِه: أو من شاهق أو تردى في بئر فمات فيها: يغسل ويصلى عليه.
لأن موته بسبب ذلك، أشبه ما لو مات بغير قتل المشركين، وشرطه أن يكون بغير فعل العدو فأما إذا كان بفعلهم فلا.
أَوْ وُجِدَ مَيتاً، وَلَا أَثَرَ بِه: فكذلك يغسل ويصلى عليه.
لأنه يحتمل أنه مات حتف أنفه، فلا يسقط الغسل الواجب بالشك.
أَوْ حُمِلَ فَأَكَلَ: أي: حمل بعد جرحه فأكل، فإنه يغسل ويصلى عليه.
стр. 1210
لتغسيله ﵇ سعد بن معاذ، ولأن الأكل لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة.
أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ عُرْفاً: فإنه يغسل ويصلى عليه.
لأن سعد بن معاذ أصابه سهم يوم الخندق، فحمل إلى المسجد، ثم مات بعد ذلك، فغسله رسول الله ﷺ وصلى عليه، وعمر حمل، وغسل وصلي عليه بحضرة الصحابة، ولم ينكر ذلك أحد، فثبت أنه إجماع.
ولا بد أن تكون هذه الأمور بعد حمله من المعركة، فأما لو كانت قبل حمله من المعركة، مثل إن أكل أو شرب بعد جرحه، وهو في المعركة، ثم مات فيها، فحكمه حكم شهيد المعركة، لا يغسل ولا يصلى عليه، فإن قتلى أحد تكلموا بعد جراحهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم. … (حاشية الروض).
(والسِّقْطُ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْه).
السقط: هو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه.
أي: أن السقط إذا بلغ أربعة أشهر (ودخل في الخامس)، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه.
لحديث الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ. قال: قال ﷺ ( … وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَة) رواه أبو داود.
قال الألباني: والظاهر أن السقط إنما يصلى عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح، وذلك إذا استكمل أربعة أشهر، ثم مات، فإما إذا سقط قبل ذلك فلا، لأنه ليس بميت كما لا يخفى.
وقال الشيخ ابن عثيمين: … وأما ما سقط بعد أربعة أشهر فهذا قد نفخت فيه الروح، فيسمى، ويغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين، ويعق عنه على ما نراه، لكن بعض العلماء يقول: لا يعق عنه حتى يتم سبعة أيام حياً، لكن الصحيح أنه يعق عنه؛ لأنه سوف يبعث يوم القيامة ويكون شافعاً لوالديه.
стр. 1211
فائدة: ١
إذا سقط قبل تمام أربعة أشهر فإنه لا يصلى عليه، لأنه لم تنفخ فيه الروح.
قال ابن قدامة: فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَأْتِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ، وَيُدْفَنُ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وَحَدِيثُ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ إلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَقَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ نَسَمَةً، فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، كَالْجَمَادَاتِ وَالدَّمِ.
وقال الشيخ ابن عثيمين: ما سقط قبل تمام أربعة أشهر فهذا ليس له عقيقة، ولا يسمى، ولا يصلى عليه، ويدفن في أي مكان من الأرض.
فائدة: ٢
الجنين إذا خرج حياً واستهل ثم مات فإنه يغسل ويصلى عليه بغير خلاف.
قال في المغني: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل يصلى عليه.
فائدة: ٣
وقد نص بعض العلماء على أن السقط يشفع في أبويه يوم القيامة.
قال النووي ﵀:
"موتُ الواحدِ من الأولادِ حجابٌ منَ النار، وكذا السقطُ" انتهى. وانظر "المجموع" (٥/ ٢٨٧)
فائدة: ٤
لا يشترط لصحة غسل الميت أن يكون الغاسل بالغاً، بل لو غسله من دون البلوغ وكان أهلاً لذلك صح غسله.
جاء في (الموسوعة الفقهية): صرح الحنفية والحنابلة؛ بأنه يجوز للصبي إذا كان عاقلاً أن يغسل الميت؛ لأنه تصح طهارته فصح أن يطهر غيره، وهو المتبادر من أقوال المالكية والشافعية " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " يشترط في الغاسل أن يكون مسلماً وأن يكون مميزاً وأن يكون عاقلاً. (شرح الكافي)
стр. 1212
فائدة: ٥
قال ابن قدامة: وَإِنْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، نُبِشَ، وَغُسِّلَ، وَوُجِّهَ، إلا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَفَسَّخَ، فَيُتْرَكَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. انتهى.
فائدة: ٦
لا ينبش القبر لأجل التكفين.
فقد جاء في الموسوعة الفقهية: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ دُفِنَ الْمَيِّتُ بِغَيْرِ كَفَنٍ لا يُنْبَشُ قَبْرُهُ، وَعَلَّلَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ السَّتْرُ، وَقَدْ حَصَلَ التُّرَابُ مَعَ مَا فِي النَّبْشِ مِنَ الْهَتْكِ لِحُرْمَةِ الْمَيِّتِ. انتهى.
فائدة: ٦
وأيضًا لا ينبش إذا لم يصل عليه، وإنما يصلى على القبر.
ففي الموسوعة الفقهية: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ لا يُنْبَشُ قَبْرُ الْمَيِّتِ مِنْ أَجْلِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ، مَعَ إِمْكَانِيَّةِ الصَّلاةِ عَلَى الْقَبْرِ. انتهى.
فصل
(يَجِبُ تَكْفِينُهُ فِي مَالِهِ مُقَدّماً عَلَى دَينٍ وَغَيْرِهِ).
تقدم أن التكفين واجب، لقوله ﷺ (وكفنوه … ).
وتكفين الميت يكون من ماله.
لقوله ﷺ في الذي وقصته ناقته (وكفنوه في ثوبيه).
قال ابن قدامة: وَيَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ.
وَلِأَنَّ سُتْرَتَهُ وَاجِبَةٌ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ.
ثم قال: وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ.
لِأَنَّ حَمْزَةَ، وَمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ﵃ لَمْ يُوجَدْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا ثَوْبٌ، فَكُفِّنَ فِيهِ.
وَلِأَنَّ لِبَاسَ الْمُفْلِسِ مُقَدَّمٌ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، فَكَذَلِكَ كَفَنُ الْمَيِّتِ.
стр. 1213
ولَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَئُونَةُ دَفْنِهِ وَتَجْهِيزِهِ، وَمَا لَا بُدَّ لِلْمَيِّتِ مِنْه.
وقال ابن القيم: في الأحكام المستفادة من حديث (وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ):
أن الكفن مقدم على الميراث، وعلى الدَّين، لأن رسول الله ﷺ أمر أن يكفن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه، ولا عن دَيْن عليه، ولو اختلف الحال لسأل.
وكما أن كسوته في الحياة مقدمة على قضاء دَيْنه، فكذلك بعد الممات، هذا كلام الجمهور، وفيه خلاف شاذ لا يُعَوّل عليه.
• والتكفين ومؤن التجهيز مقدم على الدين وعلى غيره من الوصية والإرث.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ).
أي: إن لم نجد له مالاً، فعلى من تلزمه نفقته.
стр. 1214
(إِلاَّ الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِه).
أي: لو ماتت امرأة ولم يوجد لها مال، فإن زوجها (الموسر) لا يلزمه أن يكفنها.
لأن النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ تَجِبُ فِي النِّكَاحِ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ وَالْبَيْنُونَةِ، وَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْقَطَعَ بِالْفُرْقَةِ فِي الْحَيَاةِ، وَلِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ بِالْمَوْتِ فَأَشْبَهَتْ الْأَجْنَبِيَّةَ. (المغني).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجب على الزوج نفقة كفن زوجته.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك.
وقد سئل الشيخ السعدي: هل يجب على الزوج كفن الزوجة؟
فأجاب: الصحيح أنه يجب على الزوج كفن امرأته، موسرة كانت أو معسرة، وهو من النفقة، ومن المعاشرة بالمعروف، ومما يعده الناس منكراً أنه إذا ماتت زوجة الغني المعسرة أنه لا يجب عليه كفنها.
ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين.
أما الزوجة فلا يلزمها كفن زوجها، لأنها لا يجب عليها أن تنفق عليه حال الحياة.
(وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيض).
أي: يستحب أن يكون كفن الرجل في ثلاث لفائف بيض.
أ- لحديث عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي أَثْوَابٍ بِيضٍ يَمَانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ) متفق عليه.
فهذا الحديث دليل على أن الأفضل في الكفن أن يكون بثلاثة أثواب.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
ب-ولأن الله لم يكن ليختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل.
قال الإمام أحمد: أصح الأحاديث في كفن الرسول ﷺ حديث عائشة.
قال ابن حزم: ما تخير الله تعالى لنبيه إلا أفضل الأحوال.
стр. 1215
فائدة: ١
اتفق العلماء على أنه لا يجب أكثر من ثوب واحد يستر جميع البدن.
فائدة: ٢
قوله (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ) دليل على أن الأفضل ألا يكون في الكفن قميص ولا عمامة.
وهذا مذهب الجمهور.
وقيل: يستحب أن يكون فيه القميص والعمامة.
وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة.
قالوا: إن قول عائشة ليس فيها قميص ولا عمامة أي ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة.
والصحيح القول الأول.
فائدة: ٣
الحديث دليل على أن الأفضل أن يكون الكفن لونه أبيض.
أ-للحديث السابق.
ب-ولحديث (إن من أفضل ثيابكم البياض فالبسوها وكفنوا بها موتاكم).
قال النووي: مجمع عليه: أي على استحبابه.
فائدة: ٤
فإن ضاق الكفن ولم يوجد كفن يستر جميع البدن ستر رأسه وجعل على رجليه حشيشاً.
لحديث خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ (هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ نَمِرَةٌ فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ضَعُوهَا مِمَّا يَلِى رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الإِذْخِرَ». وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا).
стр. 1216
[فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً] قال النووي: معناه لم يوسع عليه الدنيا ولم يعجل له شيء من جزاء عمله. [وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ] أي: أدركت ونضجت. [فَهُوَ يَهْدِبُهَا] بفتح أوله وسكون الهاء أي يقطفها ويجنيها، وهذا استعارة لما فتح عليهم من الدنيا.
قال ابن قدامة: فإن لم يجد إلا ما يستر العورة سترها لأنها أهم في الستر بدليل حال الحياة.
فائدة: ٥
قال ابن قدامة: وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ فِي الْكَفَنِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ .
فائدة: ٦
يجوز التكفين بالقميص لكن الأفضل ترك ذلك.
أ- لحديث ابَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (لَمَّا تُوُفِّىَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّىَ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّىَ عَلَيْهِ فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّى عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّىَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا خَيَّرَنِيَ اللَّهُ فَقَالَ (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ». قَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ. فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) متفق عليه.
ب- وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ أَبُو هَارُونَ يَحْيَى: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ، قَالَ سُفْيَانُ: فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ) رواه البخاري.
стр. 1217
لكن الأفضل ترك ذلك، لأن النبي ﷺ لم يكفن في قميص.
قال النووي: لا يكره تكفين الميت في القميص، … ثم ذكر الأحاديث السابقة ..
وقال ابن قدامة: التكفين في القميص والمئزر واللفافة غير مكروه، وإنما الأفضل الأول، وهذا جائز لا كراهة فيه؛ فإن النبي ﷺ ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات. رواه البخاري. (المغني).
وقد ترجم له البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٥٦٤) بقوله: باب جواز التكفين في القميص وإن كنا نختار ما اختير لرسول الله ﷺ .
وقال بعض العلماء بكراهة التكفين في القميص.
قال النووي: وهذا ضعيف بل باطل من جهة الدليل، لأن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، ولم يثبت في هذا شيء، فالصواب أنه لا يكره، لكنه خلاف الأولى. (المجموع)، (المغني)
فائدة: ٧
ما سبب إعطاء النبي ﷺ قميصه ليكفن به هذا المنافق؟
قيل: لتطييب قلب ابنه. قال النووي: وهو أظهر.
وقيل: لأنه كان قد كسا العباس عم رسول الله ﷺ ثوباً حين أسر يوم بدر، فأعطاه الرسول ﷺ ثوباً بدله لئلا يبقى لكافر عنده فضل.
وقيل: فعل ذلك النبي ﷺ إجابة لسؤال ابنه حين سأله ذلك. (المجموع).
стр. 1218
(والواجبُ ثوبٌ يسترُ جميعَهُ).
أي: أن الواجب في الكفن ثوب واحد يستر جميع الميت، فإذا كفّن بلفافة واحدة تستره جاز، لكن الأفضل هو ما تقدم.
(وَتُكَفَّنُ المَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ إِزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ).
أي: أن المرأة تكفن في خمسة أثواب بخلاف الرجل.
وهذا ما ذهب إليه الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب.
وقد ورد حديث في ذلك: عن لَيْلَى بِنْتَ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةَ، قَالَتْ (كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحِقَاءَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الآخَرِ، قَالَتْ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْبًا ثَوْبًا) رواه أبو داود، وهو حديث ضعيف لا يصح.
وهذا الحديث له شاهد رواه الجوزقي عن أم عطية ﵂ قالت (فكفناها في خمسة أثواب وخمرناها كما يخمر الحي)
قال الحافظ: إسناده صحيح.
قال ابن قدامة: وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَزِيدُ فِي حَالِ حَيَاتِهَا عَلَى الرَّجُلِ فِي السَّتْرِ لِزِيَادَةِ عَوْرَتِهَا عَلَى عَوْرَتِهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْت.
стр. 1219
وذهب بعض العلماء: إلى أنها تكفن كالرجل.
لعدم الدليل على التفريق.
قال الألباني: والمرأة في ذلك كالرجل، إذ لا دليل على التفريق، وأما حديث ليلى الثقفية في تكفين ابنته في خمسة أثواب فلا يصح إسناده.
فائدة:
جمهور العلماء على أن تفصيل هذه الخمسة هي: إزار وخمار وقميص ولفافتان تلف فيهما.
(يوضع بعضها فوق بعض، ويوضع عليها الميت مستلقياً، ثم يرد طرف اللفافة العليا الأيمن ثم الأيسر، ثم الباقيان هكذا، ويكون أكثر الفاضل من جهة الرأس، هذا إذا كان الكفن طائلاً، ثم يعقدها، وتحل في القبر).
هذه طريقة التكفين: يوضع الميت فوق الكفن، وهو للرجل ثلاث لفائف بيض، يوضع بعضها فوق بعض، ثم يرد طرف اللفافة العليا من جانب الميت الأيمن على صدره، ثم طرفها من جانبه الأيسر، ثم يفعل باللفافة الثانية ثم الثالثة كذلك، ثم يرد طرف اللفائف من عند رأس الميت ورجليه ويعقدها.
قوله (ويجعل أكثر الفاضل على رأسه) أي: إذا كان الكفن طويلاً، فليجعل الفاضل من جهة رأسه، أي: يرده على رأسه، وإذا كان يتحمل الرأس والرجلين فلا حرج، ويكون هذا أيضاً أثبت للكفن.
(وتُحلّ في القبرِ).
أي: يستحب حل العُقَد من الميت بعد دفنه؛ وذلك لأنها إنما عقدت خوف انتشار الكفن، فإذا أُدخل القبر حُلت.
أ- لما روي أن النبي ﷺ لما وضع نعيم بن مسعود في القبر نزع الأخلة بفيه. رواه البيهقي.
ب- ما جاء عن بعض الصحابة والتابعين من أن الميت إذا وضع في القبر حلّت عنه عقد الأكفان.
ج- أن عقد الكفن إنما كان للخوف من انتشاره، وقد أمن ذلك بدفن الميت.
قال ابن قدامة: وَأَمَّا حَلُّ الْعُقَدِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، فَمُسْتَحَبٌّ; لِأَنَّ عَقْدَهَا كَانَ لِلْخَوْفِ مِنْ انْتِشَارِهَا، وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ بِدَفْنِهِ، وَقَدْ رُوِيَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَدْخَلَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ الْقَبْرَ نَزَعَ الْأَخِلَّةَ بِفِيهِ)، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُ ذَلِك.
стр. 1220
وقال الشيخ ابن عثيمين: حل عقد اللفائف ورد فيه أثر عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (إذا أدخلتم الميت القبر فحلو العقد).
أما كشف وجه الميت كله، فلا أصل له، وغاية ما ورد فيه - إن صح - أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إذا مت ووضعتموني في قبري فأفضوا بخدي إلى الأرض) " انتهى.
الخلاصة: يستحب أن تحل العقد في القبر.
فصل
(والصلاة عليه فرض كفاية).
وقد تقدم ذلك.
لِأَمْرِهِ ﷺ بِهَا فِي غَيْرِ حَدِيثٍ:
كَقَوْلِهِ فِي الْغَالِّ (صَلُّوا عَلَى أَصْحَابِكُمْ)، وَقَوْلِهِ (إنَّ صَاحِبَكُمْ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ).
وَقَوْلِهِ (صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ). وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ مَعْذُورٌ.
(وتسقطُ بمكلفٍ ولو أنثى).
أي: ويسقط الوجوب في الصلاة على الميت بصلاة مكلف واحد ولو أنثى، كغسله وتكفينه ودفنه.
لأنها صلاة ليس من شرطها الجماعة، فلم يشترط لها العدد.
стр. 1221
(وتسن جماعة).
أي: أن الأفضل في صلاة الجنازة أن تكون في جماعة.
لِفِعْلِهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ عَلَيْهِ.
فإن صلوا على الجنازة فرادى جاز ذلك.
قال النووي: تجوز صلاة الجنازة فرادى، والسنة أن تُصلى جماعة.
للحديث (ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا وجب) مع الأحاديث المشهورة في الصحيح في ذلك، مع إجماع المسلمين، وكلما كثر الجمع كان أفضل. (المجموع)
وجاء في (الموسوعة الفقيهة) … "ونص الحنفية والشافعية والحنابلة على أن الجماعة ليست شرطاً لصحة الصلاة على الجنازة وإنما هي سنة … " انتهى.
فائدة:
ثبت في الروايات الصحيحة أن الصحابة ﵃ صلوا صلاة الجنازة على رسول الله ﷺ فرادى، ولم يصلوها في جماعة.
قال ابن عبد البر ﵀: وأما صلاة الناس عليه أفذاذاً - يعني: على النبي ﷺ فمجتمع عليه عند أهل السير وجماعة أهل النقل، لا يختلفون فيه. (التمهيد)
وقد ذكر العلماء ﵏ في أسباب صلاة الصحابة الجنازة على النبي ﷺ فرادى أموراً كثيرة، هي:
السبب الأول: قال بعض أهل العلم إن ذلك كان بسبب وصية رسول الله ﷺ صحابته بالصلاة عليه فرادى، ولكن ذلك لم يثبت
بإسناد صحيح، وإنما ورد في بعض الأحاديث الضعيفة.
стр. 1222
السبب الثاني: التنافس الشديد بينهم لتحصيل هذه الفضيلة -وهي إمامة الناس في الصلاة على النبي ﷺ محبة منهم له ﵇ المحبة العظيمة التي لا يناسبها الإيثار والمسامحة، وإنما التنافس والمشاححة على هذا القرب منه ﵇ في آخر موقف له بينهم في الدنيا الفانية.
السبب الثالث: تنافس الصحابة ﵃ في تحصيل البركة من الصلاة عليه على وجه الانفراد والخصوصية دون أن يكون تابعاً فيه لإمام، فلم يكن أحد يقبل أن يتوسط بينه وبين النبي ﷺ أحد في الصلاة لنيل الأجر والبركة.
يقول الإمام القرطبي: أرادوا أن يأخذ كل أحد بركته مخصوصاً دون أن يكون فيها تابعاً لغيره.
السبب الرابع: تعظيم النبي ﷺ واحترامه، والهيبة أن يتقدم أحد بين يديه يؤم الناس في الصلاة عليه، فقد كان ﵇ إمام الناس وقائدهم وهاديهم، فلم يجرؤ أحد أن يقف موقفه وأن ينصب نفسه مكانه بعد وفاته وبغير إذنه ﵇.
يقول البهوتي الحنبلي: تسن الصلاة عليه - يعني على الميت - جماعة لفعله ﷺ وأصحابه، واستمر الناس عليه، إلا على النبي ﷺ ، فلم يصلوا عليه بإمام احتراماً له. (شرح منتهى الإرادات)
قال الشيخ ابن عثيمين: وليس من شرطها الجماعة، فلو صلوا عليها فرادى صح، والنبي ﷺ صلى عليه الصحابة فرادى؛ لأنهم كرهوا أن يتخذوا إماماً بين يدي الرسول ﷺ ، فصاروا يأتون يصلون عليه أفراداً الرجال ثم النساء. (شرح الكافي).
стр. 1223
(والسُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الإْمَامُ عِنْدَ صَدْرِ الرجل، وَعِنْدَ وَسَطِ المرأة).
أي: أن السنة في صلاة الجنازة، أن يقوم الإمام عند صدر الرجل، ووسط المرأة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يقف عند رأس الرجل، لا عند صدره، وعند وسط المرأة.
وهذا القول هو الراجح لثبوت السنة بذلك:
أ- عن نافع أبي غالب الخياط قال (شَهِدْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَلَمَّا رُفِعَ أُتِيَ بِجِنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَذِهِ جِنَازَةُ فُلَانَةَ ابْنَةِ فُلَانٍ، فَصَلِّ عَلَيْهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا فَقَامَ وَسَطَهَا، وَفِينَا الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْعَدَوِيُّ، فَلَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ قِيَامِهِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ مِنْ الرَّجُلِ حَيْثُ قُمْتَ، وَمِنْ الْمَرْأَةِ حَيْثُ قُمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا الْعَلَاءُ فَقَالَ: احْفَظُوا) رواه أبو داود.
ب- وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ (صَلَّيْتُ وَرَاءَ اَلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسْطَهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
قال النووي: السنة أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة بلا خلاف للحديث; ولأنه أبلغ في صيانتها عن الباقين وفي الرجل وجهان: الصحيح: باتفاق المصنفين، وقطع به كثيرون وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين أنه يقف، عند رأسه، والثاني: قاله أبو علي الطبري عند صدره … ، والصواب ما قدمته عن الجمهور، وهو عند رأسه ونقله القاضي حسين عن الأصحاب. (المجموع)
وقال الشوكاني: وإلى ما يقتضيه هذان الحديثان ـ حديث سمرة، وأنس ﵄ من القيام عند رأس الرجل ووسط المرأة ذهب الشافعي وهو الحق. (نيل الأوطار)
стр. 1224
وهناك أقوال أخرى لكنها ضعيفة:
فقيل: يقف على وسط المرأة ووسط الرجل.
استدلوا بحديث سمرة وقالوا: إنه نص في المرأة، ويقاس عليها الرجل.
قال الشوكاني: ولم يصب من استدل بحديث سمرة على أنه يقام حذاء وسط الرجل والمرأة وقال: إنه نص في المرأة ويقاس عليها الرجل، لأن هذا قياس مصادم للنص، وهو فاسد الاعتبار.
وقيل: يقف حذاء صدرهما. وقيل: حذاء الرأس منهما، هذا قول المالكية.
وكل هذه الأقوال ضعيفة لا دليل عليها.
والحق ما سبق: أن يقوم عند وسط المرأة، وعلى رأس الرجل.
فائدة: ١
حكم إذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء:
أ- إن كانوا نوعاً [كلهم رجال] قدم إلى الإمام أفضلهم.
قال النووي: وإن اتحد النوع قدم إلى الإمام أفضلهم. قال إمام الحرمين وغيره: والمعتبر في الفضيلة هنا الورع والتقوى وسائر الخصال المرعية في الصلاة عليه والغلبة على الظن كونه أقرب من رحمة الله تعالى. (المجموع)
وقال الشيخ ابن عثيمين: وإذا اجتمعوا من جنس واحد يعني تعدد الرجال مثلاً نقدِّم إلى الإمام أعلمهم؛ لأن النبي ﷺ في شهداء أحد الذين يدفنون في قبر واحد كان يأمر أيهم أكثر قرآناً فيقدمه في اللحد، وهذا يدل على أن العالم هو الذي يقدم مما يلي الإمام.
ب- وإن كانوا رجالاً ونساء قدم الرجال على النساء.
وهذا قول أكثر العلماء.
стр. 1225
فيجعل الرجال مما يلي الإمام ولو كانوا صغاراً.
(ويجوز أن يصلي على كل واحدة من الجنائز صلاة لأنه الأصل).
قال النووي: قال ابن المنذر: وممن قال يقدم الرجال مما يلي الإمام والنساء وراءهم: عثمان بن عفان وعلي وابن عمر وابن عباس والحسن والحسين وزيد بن ثابت وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وسعيد بن المسيب والشعبي وعطاء والنخعي والزهري ويحيى الأنصاري ومالك والثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق، قال: وبه أقول. (المجموع)
وقال الشيخ ابن عثيمين: إذا اجتمعت جنائز، فإنه يُصلَّى عليهم صلاة واحدة، ويُقدَّم الرجال ثم النساء، ويقدم الصبي من الذكور على المرأة، فإذا كان رجل بالغ، وصبي لم يبلغ، وامرأة بالغة، وفتاة لم تبلغ رتبناهم هكذا: الرجل البالغ، ثم الصبي الذي لم يبلغ، ثم المرأة البالغة، ثم الفتاة التي لم تبلغ، ويكون وسط الأنثى بحذاء رأس الرجل.
فائدة: ٢
كيف يوضعون للصلاة عليهم إذا كانوا رجالاً ونساءً؟
يضعون رأس الرجل بحذاء وسط المرأة.
فائدة: ٣
علل بعض العلماء حكمة وقوف الإمام وسط المرأة بأنه أستر لها من الناس [وفيه نظر].
فائدة: ٤
هل تجزئ صلاة الجنازة عن تحية المسجد؟
لا يجلس حتى يصلي ركعتين، لأن صلاة الجنازة ليست من جنس صلاة الركعتين، فلا تجزئه عن تحية المسجد.
стр. 1226
(وَيُكَبِّرُ أَرْبَعاً).
أي: يكبر أربع تكبيرات.
وتكبيرات الجنائز كلها أركان، لأنها بمنزلة الركعات.
(يَقْرَأُ فِي الأْولَى بَعْدَ التَّعَوُّذِ الفَاتِحَةَ).
أي: بعد التكبيرة الأولى وبعد التعوذ والبسملة يقرأ الفاتحة.
والدليل على ذلك: ما ورد عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال (صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة) رواه البخاري.
فقوله (لتعلموا أنها سنة) أي طريقة مأخوذة عن النبي ﷺ ، وليس المراد ما يقابل الواجب.
وقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ركن لا تصح الصلاة بدونها.
وهذا قول الشافعية، والحنابلة.
أ- لعموم حديث عبادة (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه.
ب-وحديث أبي هريرة مرفوعاً (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج غير تمام) رواه مسلم.
وصلاة الجنازة صلاة شرعية لقوله (صلوا على صاحبكم)، وإذا كانت صلاة فتدخل في عموم الأدلة القاضية بوجوب قراءة الفاتحة في كل صلاة.
ج- ولقول ابن عباس ( … لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة) والسنة إذا أطلقت انصرفت إلى سنة الرسول ﷺ وهديه، وقد قال ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي).
стр. 1227
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا تشرع قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.
وهذا قول الحنفية والمالكية.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) رواه أبو داود.
وذهب بعضهم: إلى استحباب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، لعدم ورود دليل يدل على وجوبها، ولأن المقصود الأكبر من صلاة الجنازة هو الدعاء للميت.
والراجح الوجوب.
قال ابن تيمية: وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة على ثلاثة أقوال: قيل: لا تستحب بحال، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك، وقيل: بل يجب فيها القراءة بالفاتحة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد، وقيل: بل قراءة الفاتحة فيها سنة، وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءة جاز، وهذا هو الصواب. (الفتاوى الكبرى).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والفاتحة في صلاة الجنازة ركن؛ لقول النبي ﷺ (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وصلاة الجنازة صلاة؛ لقوله تعالى (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً) فسماها الله صلاة؛ ولأن ابن عباس ﵄ قرأ الفاتحة على جنازة، وقال (لتعلموا أنها سنة).
فائدة: ١
لا يستحب الجهر بالقراءة في صلاة الجنازة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
وابن عباس إنما جهر للتعليم.
стр. 1228
وذهب بعض العلماء إلى استحباب الجهر.
فقد جاء في حديث ابن عباس عن طلحة بلفظ (فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فجهر حتى سمعنا … ) رواه النسائي.
والأول أصح.
عن أبي أمامة بن سهل قال: (السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثاً، والتسليم عند الآخرة) رواه النسائي.
فائدة: ٢
لا يشرع دعاء استفتاح في صلاة الجنازة.
وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.
أ-أنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه استفتح في صلاة الجنازة.
ب-قالوا: إن صلاة الجنازة شرع فيها التخفيف، فناسب ترك الاستفتاح فيها.
قال النووي: وَأَمَّا دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، واتفق الأصحاب على أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: أما الاستفتاح فلا بأس بفعله ولا بأس بتركه، وتركه أفضل أخذاً بقول النبي ﷺ : (أسرعوا بالجنازة).
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يشرع دعاء الاستفتاح في الصلاة على الجنازة؟
فأجاب: ذكر العلماء أنه لا يستحب، وعللوا ذلك بأن صلاة الجنازة مبناها على التخفيف، وإذا كان مبناها على التخفيف، فإنه لا استفتاح.
стр. 1229
فائدة: ٣
اختلف العلماء: هل يستحب قراءة سورة بعد الفاتحة؟
قيل: يستحب.
واختاره الشيخ ابن باز ﵀.
للرواية السابقة (قرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر بالقراءة). وقد صحح بعضهم هذه الرواية كالإمام النووي، والألباني.
وقيل: لا تستحب.
وأنكر بعض العلماء هذه الزيادة كالبيهقي ولم يخرجها البخاري. والله أعلم.
(وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الثَّانِيَةِ كالتَّشَهُّدِ)
أي: فيكبر التكبيرة الثانية فيصلي على النبي ﷺ كما يصلي عليه على أي صفة، وإن صلى عليه كما يصلي عليه في التشهد فحسن.
(وَيَدْعُو فِي الثَّالِثَةِ بما ورد).
أي: يكبر الثالثة ويدعو بعدها للميت، والأفضل أن يكون بالمأثور عن النبي ﷺ ، فإن لم يعرفه فبأي دعاء دعا جاز.
عن أبي أمامة قال (السنة في صلاة الجنازة، أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت) رواه البيهقي.
ويدعو بما ورد، ومما ورد:
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ اَلْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ اَلثَّوْبَ اَلْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَدْخِلْهُ اَلْجَنَّةَ، وَقِهِ فِتْنَةَ اَلْقَبْرِ وَعَذَابَ اَلنَّارِ، قال عوف: فتمنيت أن لو كنت أنا الميت، لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 1230
وورد أيضاً:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، اَللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى اَلْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى اَلْإِيمَانِ، اَللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ) رواه أبوداود. (وقد ضعفه جمع من العلماء).
فائدة: ١
ينبغي الإخلاص في الدعاء للميت.
عن أبي هريرة. عن اَلنَّبِي ﷺ قَالَ (إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى اَلْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ اَلدُّعَاءَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فائدة: ٢
لا يتعين دعاء معين، وإن دعا بما ورد فهو أفضل كما تقدم.
قال الشوكاني: فيه دليل على أنه لا يتعين دعاء مخصوص من هذه الأدعية الواردة.
وقال ابن عبد البر ﵀: "والدعاء للميت استغفار له ودعاء بما يحضر الداعي من القول الذي يرجو به الرحمة له والعفو عنه وليس فيه عند الجميع شيء مؤقت [يعني: محدد]. … (الاستذكار).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: والأفضل أن يقول اللهم اغفر لحينا وميتنا … كل هذا محفوظ عن النبي ﷺ وإن دعا له بدعوات أخرى فلا بأس.
فائدة: ٣
قوله (أخلصوا له الدعاء):
قيل: تخصيص الميت بالدعاء، فلا يدعى لغيره على وجه الخصوص.
وقيل: الدعاء له بإخلاص وحضور قلب.
следующие страницы →