← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

(وَيُكَبِّرُ أَرْبَعاً). أي: يكبر أربع تكبيرات. وتكبيرات الجنائز كلها أركان، لأنها بمنزلة الركعات. (يَقْرَأُ فِي الأْولَى بَعْدَ التَّعَوُّذِ الفَاتِحَةَ). أي: بعد التكبيرة الأولى وبعد التعوذ والبسملة يقرأ الفاتحة. والدليل على ذلك: ما ورد عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال (صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة) رواه البخاري. فقوله (لتعلموا أنها سنة) أي طريقة مأخوذة عن النبي ﷺ ، وليس المراد ما يقابل الواجب. وقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ركن لا تصح الصلاة بدونها. وهذا قول الشافعية، والحنابلة. أ- لعموم حديث عبادة (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه. ب-وحديث أبي هريرة مرفوعاً (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج غير تمام) رواه مسلم. وصلاة الجنازة صلاة شرعية لقوله (صلوا على صاحبكم)، وإذا كانت صلاة فتدخل في عموم الأدلة القاضية بوجوب قراءة الفاتحة في كل صلاة. ج- ولقول ابن عباس ( … لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة) والسنة إذا أطلقت انصرفت إلى سنة الرسول ﷺ وهديه، وقد قال ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي).

стр. 1227

وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا تشرع قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. وهذا قول الحنفية والمالكية. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) رواه أبو داود. وذهب بعضهم: إلى استحباب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، لعدم ورود دليل يدل على وجوبها، ولأن المقصود الأكبر من صلاة الجنازة هو الدعاء للميت. والراجح الوجوب. قال ابن تيمية: وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة على ثلاثة أقوال: قيل: لا تستحب بحال، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك، وقيل: بل يجب فيها القراءة بالفاتحة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد، وقيل: بل قراءة الفاتحة فيها سنة، وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءة جاز، وهذا هو الصواب. (الفتاوى الكبرى). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والفاتحة في صلاة الجنازة ركن؛ لقول النبي ﷺ (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وصلاة الجنازة صلاة؛ لقوله تعالى (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً) فسماها الله صلاة؛ ولأن ابن عباس ﵄ قرأ الفاتحة على جنازة، وقال (لتعلموا أنها سنة). فائدة: ١ لا يستحب الجهر بالقراءة في صلاة الجنازة. وهذا مذهب جماهير العلماء. وابن عباس إنما جهر للتعليم.

стр. 1228

وذهب بعض العلماء إلى استحباب الجهر. فقد جاء في حديث ابن عباس عن طلحة بلفظ (فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فجهر حتى سمعنا … ) رواه النسائي. والأول أصح. عن أبي أمامة بن سهل قال: (السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثاً، والتسليم عند الآخرة) رواه النسائي. فائدة: ٢ لا يشرع دعاء استفتاح في صلاة الجنازة. وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة. أ-أنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه استفتح في صلاة الجنازة. ب-قالوا: إن صلاة الجنازة شرع فيها التخفيف، فناسب ترك الاستفتاح فيها. قال النووي: وَأَمَّا دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، واتفق الأصحاب على أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ. وقال الشيخ ابن باز ﵀: أما الاستفتاح فلا بأس بفعله ولا بأس بتركه، وتركه أفضل أخذاً بقول النبي ﷺ : (أسرعوا بالجنازة). وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يشرع دعاء الاستفتاح في الصلاة على الجنازة؟ فأجاب: ذكر العلماء أنه لا يستحب، وعللوا ذلك بأن صلاة الجنازة مبناها على التخفيف، وإذا كان مبناها على التخفيف، فإنه لا استفتاح.

стр. 1229

فائدة: ٣ اختلف العلماء: هل يستحب قراءة سورة بعد الفاتحة؟ قيل: يستحب. واختاره الشيخ ابن باز ﵀. للرواية السابقة (قرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر بالقراءة). وقد صحح بعضهم هذه الرواية كالإمام النووي، والألباني. وقيل: لا تستحب. وأنكر بعض العلماء هذه الزيادة كالبيهقي ولم يخرجها البخاري. والله أعلم. (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الثَّانِيَةِ كالتَّشَهُّدِ) أي: فيكبر التكبيرة الثانية فيصلي على النبي ﷺ كما يصلي عليه على أي صفة، وإن صلى عليه كما يصلي عليه في التشهد فحسن. (وَيَدْعُو فِي الثَّالِثَةِ بما ورد). أي: يكبر الثالثة ويدعو بعدها للميت، والأفضل أن يكون بالمأثور عن النبي ﷺ ، فإن لم يعرفه فبأي دعاء دعا جاز. عن أبي أمامة قال (السنة في صلاة الجنازة، أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت) رواه البيهقي. ويدعو بما ورد، ومما ورد: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ اَلْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ اَلثَّوْبَ اَلْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَدْخِلْهُ اَلْجَنَّةَ، وَقِهِ فِتْنَةَ اَلْقَبْرِ وَعَذَابَ اَلنَّارِ، قال عوف: فتمنيت أن لو كنت أنا الميت، لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

стр. 1230

وورد أيضاً: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، اَللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى اَلْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى اَلْإِيمَانِ، اَللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ) رواه أبوداود. (وقد ضعفه جمع من العلماء). فائدة: ١ ينبغي الإخلاص في الدعاء للميت. عن أبي هريرة. عن اَلنَّبِي ﷺ قَالَ (إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى اَلْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ اَلدُّعَاءَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فائدة: ٢ لا يتعين دعاء معين، وإن دعا بما ورد فهو أفضل كما تقدم. قال الشوكاني: فيه دليل على أنه لا يتعين دعاء مخصوص من هذه الأدعية الواردة. وقال ابن عبد البر ﵀: "والدعاء للميت استغفار له ودعاء بما يحضر الداعي من القول الذي يرجو به الرحمة له والعفو عنه وليس فيه عند الجميع شيء مؤقت [يعني: محدد]. … (الاستذكار). وقال الشيخ ابن باز ﵀: والأفضل أن يقول اللهم اغفر لحينا وميتنا … كل هذا محفوظ عن النبي ﷺ وإن دعا له بدعوات أخرى فلا بأس. فائدة: ٣ قوله (أخلصوا له الدعاء): قيل: تخصيص الميت بالدعاء، فلا يدعى لغيره على وجه الخصوص. وقيل: الدعاء له بإخلاص وحضور قلب.

стр. 1231

فإخلاص الدعاء للميت يكون بالتعيين وبالصفة: بالتعيين: بأن يخص الميت بالدعاء وحده. وبالصفة: بأن يدعو له بصدق وإخلاص وحضور قلب. فائدة: ٤ ما حكم الجهر بالدعاء؟ اختلف العلماء بالجهر بالدعاء: فقيل: يجهر. وقيل: يسر، وهذا هو الصحيح. لأن الأصل في الدعاء الإسرار، ولا يجهر إلا لقصد التعليم. فائدة: ٥ فيه أن الدعاء يصل للميت، وقد تضافرت النصوص ف ذلك. قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ). وقال ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له … ) رواه مسلم. وأحاديث الباب (اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ … ) (اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا … ). وكان ﷺ يقول بعد الفراغ من دفن الميت (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت) رواه أبو داود. (وَإِنْ كَانَ صَغِيراً يدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة). أي: إذا كان الميت طفلاً دعيَ بهذا الدعاء. لحديث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَةَ. عن النبي ﷺ قال (وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَة) رواه أبو داود.

стр. 1232

فائدة: ١ إذا مات الطفل، فإنه لا يدعى له بالمغفرة، وذلك لأنه لم يكتب عليه ذنب، والمغفرة هي ستر الذنب وعدم المؤاخذة عليه. فائدة: ٢ استحب بعض العلماء أن يقول في الدعاء للطفل: اللهم اجعله سلفاً وفرطاً لوالديه. قال الشوكاني: إذا كان المصلى عليه طفلاً، استحب أن يقول المصلي: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وأجراً، روي ذلك عن البيهقي من حديث أبي هريرة. [فرطاً] الفرط بالتحريك هو الذي يتقدم الواردين على الماء، يهيئ لهم ما يحتاجون إليه من الأرسال والدلاء، والمراد هنا: شافعاً يشفع لوالديه وللمؤمنين المصلين عليه. [سلفاً] سلف الرجل: آباؤه المتقدمون. قال ابن قدامة: وإن كان الميت طفلاً، جعل مكان الاستغفار له: اللهم اجعله فرطاً لوالديه، وذخراً وسلفاً وأجراً، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، اللهم اجعله في كفالة إبراهيم وألحقه بصالح سلف المؤمنين، وأجره برحمتك من عذاب الجحيم، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله … ونحو ذلك، وبأي شيء دعا مما ذكرنا أو نحوه أجزأه وليس فيه شيء مؤقت. … (المغني). وقال البهوتي: وإنما لم يسن الاستغفار له؛ لأنه شافع غير مشفوع فيه ولا جرى عليه قلم، فالعدول إلى الدعاء لوالديه أولى من الدعاء له، وما ذكر من الدعاء لائق بالمحل، مناسب لما هو فيه، فشرع فيه كالاستغفار للبالغ. (كشاف القناع). وقال الشيخ ابن عثيمين: هكذا قال الفقهاء وهو دعاء طيب، وإن كان بعضه لم يكن مأثوراً، لكنه دعاء طيب.

стр. 1233

(وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلاً، وَيُسَلِّمُ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ) أي: بعد التكبيرة الرابعة يقف قليلاً ثم يسلم تسليمة واحدة. فائدة: ١ قوله (وَيُسَلِّمُ وَاحِدَةً). الذي عليه أكثر أهل العلم: أن التسليم من صلاة الجنازة مرةً واحدةً عن اليمين. قال ابن عبد البر: فَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ: عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَة. وقال ابن قدامة: "التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ … وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا. قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ [أي النخعي]. (المغني) وقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قِيلَ لأبي عبد الله [يعني: الإمام أحمد]: أَتَعْرِفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، خَفِيفَةً عَنْ يَمِينِهِ، فَذَكَرَ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَوَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ، وَابْنَ أَبِي أَوْفَى، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. وَزَادَ البيهقي: عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وأبا أمامة بن سهل بن حنيف، فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحَابَة. (زاد المعاد) وقد ذكر هذه الآثار بأسانيدها ابن أبي شيبة في "المصنف". وقال أبو عبد الله الحاكم: والتسليمة الواحدة على الجنازة؛ قد صحت الرواية فيه عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة أنهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمة واحدة.

стр. 1234

وقال الشيخ ابن باز: هذا هو السنة، تسليمة واحدة، هذا هو الثابت عن أصحاب النبي ﷺ تسليمة واحدة عن اليمين. وذهب بعض العلماء إلى أن السنة في صلاة الجنازة أن يسلم تسليمتين، كما هو الحال في الفرائض والنوافل. واستدلوا على ذلك بحديث ابن مسعود: (ثَلَاثُ خِلَالٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُنَّ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، إِحْدَاهُنَّ: التَّسْلِيمُ عَلَى الْجَنَازَةِ مِثْلَ التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاة) رواه البيهقي. وقال النووي في "الخلاصة" (٢/ ٩٨٢): "إسناده جيد"، وحسنه الألباني. وهذا الحديث ليس صريحاً في التسليمتين: فيحتمل أن يكون المراد بالتشبيه أصل السلام، أي أنه كان يسلم في الجنازة، كما كان يسلم في الصلاة. أو أن المراد أنه كان يقول: السلام عليكم ورحمة الله، كما هو الحال في الصلاة. أو أنه مثل تسليم الصلاة من حيث الجهر. وفي حمله على أحد هذه الاحتمالات يكون موافقاً لآثار الصحابة في التسليمة الواحدة، وحمله على ما يوافق ما جرى عليه عملهم، أولى من حمله على ما يخالف ذلك. والقول بالتسليمتين ورد عن بعض السلف: ففي المصنف بسند جيد عن جابر بن زيد، والشعبي، وإبراهيم النخعي، أنهم كانوا يسلمون تسليمتين.

стр. 1235

وقال ابن المنذر: تَسْلِيمَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ … ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُمُ الَّذِينَ حَضَرُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَحَفِظُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ منْ رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْهُ مِنْهُمْ: أنَّ التَّسْلِيمَ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَكُونُ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ خَارِجًا مِنَ الصَّلَاة. (الأوسط). فائدة: ٢ قوله (وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلاً، وَيُسَلِّم) ظاهره أنه لا يدعو بعد الرابعة. وقيل: يشرع الدعاء بعد الرابعة. جاء في (الموسوعة الفقهية): ثم يكبر الرابعة: ولا دعاء بعد الرابعة. وهو ظاهر مذهب الحنفية ومذهب الحنابلة. وقيل عند الحنفية: يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة … ) إلخ. وقيل: (ربنا لا تزغ قلوبنا) إلخ. وقيل: يخير بين السكوت والدعاء، وعند الشافعية والمالكية يدعو بعد الرابعة. (الموسوعة). والقول باستحباب الدعاء بعد التكبيرة الرابعة هو الأقرب إلى الصواب. قال النووي: ودليل استحبابه ـ أي من قال بالمشروعية: (أن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ كبر على جنازة بنت له فقام بعد التكبيرة الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو، ثم قال كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا). وفي رواية: (كبر أربعاً فمكث ساعة حتى ظننا أنه سيكبر خمساً، ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له، فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا صنع رسول الله ﷺ رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي قال الحاكم: حديث صحيح.

стр. 1236

وقال الشوكاني: وفيه دليل على استحباب الدعاء بعد التكبيرة الآخرة قبل التسليم وفيه خلاف، والراجح الاستحباب لهذا الحديث. … (نيل الأوطار). فائدة: ٣ قوله (ثم يكبر الرابعة). أكثر ما ورد هو التكبير أربع تكبيرات. ولذلك ذهب جمهور العلماء: أنه لا يزاد على أربع تكبيرات. قال الترمذي: العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع. قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع. واستدلوا: كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَعَى اَلنَّجَاشِيَّ فِي اَلْيَوْمِ اَلَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعن أبي وائل قال: (كانوا يكبرون على عهد رسول الله ﷺ أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً، فجمع عمر أصحاب رسول الله ﷺ فأخذ كل رجل منهم بما رأى، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات). رواه البيهقي وحسنه الحافظ ورجح الجمهور ما ذهبوا إليه بمرجحات: أولاً: أنها ثبتت من طريق جماعة من الصحابة أكثر عدداً ممن روى منهم الخمس. ثانياً: أنها في الصحيحين. ثالثاً: أنه أجمع على العمل بها الصحابة. رابعاً: أنها آخر ما وقع منه ﷺ كما في حديث ابن عباس بلفظ: (آخر ما كبر رسول الله ﷺ على الجنائز أربع) لكنه ضعيف لا يصح كما قال البيهقي والحافظ ابن حجر. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا بأس بالزيادة على ذلك.

стр. 1237

لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كبر خمساً: فعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: (كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ (أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وَقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ) رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَصْلُهُ فِي "اَلْبُخَارِيِّ". وهذا القول هو الصحيح. وخاصة إذا كان من أهل العلم والفضل، أو من كان له أثر كبير في الأمة، فلا مانع أن يكبر عليه خمساً أو ستاً. فائدة: ٤ سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل صلاة الجنازة في الحرم المكي تضاعف مثل بقية الصلوات في أجر القيراط؟ فأجاب: هذا فيه خلاف بين العلماء، بعض العلماء يقول: الذي يضاعف في المسجد الحرام هو الصلوات الخمس فقط وغيرها لا يضاعف، والذي يظهر من الحديث العموم، وتكون الصلاة على الجنازة داخلة في العموم تضاعف في المسجد الحرام. والله أعلم. … (لقاء الباب المفتوح). فائدة: ٥ صلاة الجنازة تفعل في أوقات النهي الطويلة، إجماعاً. أي بعد طلوع الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروبها. قال ابن قدامة: أما الصلاة على الجنازة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تميل للغروب، فلا خلاف فيه. قال ابن المنذر: إجماع المسلمين في الصلاة على الجنازة بعد العصر والصبح. وأما الصلاة عليها في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر فلا يجوز (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا). وذكره للصلاة مقروناً بالدفن دليل على إرادة صلاة الجنازة. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله [يعني: الإمام أحمد] عن الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس؟ قال: أما حين تطلع فما يعجبني. ثم ذكر حديث عقبة بن عامر. وقد روي عن جابر، وابن عمر نحو هذا القول، وذكره مالك في " الموطأ " عن ابن عمر. وقال الخطابي: هذا قول أكثر أهل العلم.

стр. 1238

وإنما أبيحت بعد الصبح والعصر لأن مدتهما تطول، فالانتظار يخاف منه عليها، وهذه مدتها تقصر" انتهى من المغني". (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَة). أي: يسن أن يرفع يديه مع كل تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة. لا خلاف بين العلماء ﵏ أن السنة رفع اليدين في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة. قال النووي: قال ابن المنذر في كتابيه الإشراف والإجماع: أجمعوا على أنه يرفع في أول تكبيرة، واختلفوا في سائرها. أما ما عداها من التكبيرات فقد اختلف العلماء ﵏ هل يرفع أو لا؟ والمذهب وهو مذهب الشافعية: أنه يسن أن يرفع يديه مع كل تكبيرة. وهو اختيار ابن المنذر. قال الترمذي: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا فَرَأَى أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجَنَازَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلاَّ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ. (جامع الترمذي)

стр. 1239

والدليل على استحباب الرفع في كل تكبيرة: أ- أنه ورد عن ابن عمر (أنه ﷺ كبر على جنازة أربع تكبيرات) رواه الدارقطني وأعله، وحسنه ابن باز. ب- أنه صح عن ابن عمر أنه فعل ذلك، رواه البخاري معلقاً. ج- قال ابن حجر: وقد صح عن ابن عباس أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرات الجنائز. رواه سعيد بن منصور. قال الشيخ ابن باز: السنة رفع اليدين مع التكبيرات الأربع كلها; لما ثبت عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يرفعان مع التكبيرات كلها، ورواه الدار قطني مرفوعاً من حديث ابن عمر بسند جيد. فائدة: يستحب جعل المصلين على الجنازة ثلاثة صفوف. لحديث مَالِك بْن هُبَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَب) قَالَ: فَكَانَ مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ، جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ. رواه أبو داود. قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَفَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ - حِمْصِيٌّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ) قَالَ فَكَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجِنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ. قَالَ أَحْمَدُ: أُحِبُّ إذَا كَانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ أَنْ يَجْعَلَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ، قَالُوا: فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ أَرْبَعَةٌ كَيْفَ يَجْعَلُهُمْ؟ قَالَ: يَجْعَلُهُمْ صَفَّيْنِ، فِي كُلِّ صَفٍّ رَجُلَيْنِ، وَكَرِهَ أَنْ يَكُونُوا ثَلَاثَةً فَيَكُونُ فِي صَفٍّ رَجُلٌ وَاحِدٌ.

стр. 1240

(وواجِبُها). أي: المراد بالواجبات هنا أركانها، أي: أركان صلاة الجنازة. (قيامٌ). أي: لابد من القيام فيها. لأنها صلاة وجب القيام فيها. قال ابن قدامة: لأنها صلاة مكتوبة فوجب القيام بها كالظهر. (الكافي) فائدة: قال ابن قدامة: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَهُوَ رَاكِبٌ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْقِيَامَ الْوَاجِبَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. (وتكبيراتٌ أربعٌ). لأن النبي ﷺ كبّر على النجاشي أربعاً. جاء في (الموسوعة الفقهية) لا خلاف بين الفقهاء في أن تكبيرات الجنازة أركان لا تصح صلاة الجنازة إلا بها. قال الشيخ ابن عثيمين: لأن كل تكبيرة منها كالركعة. (والفاتحةُ). أي: وقراءة الفاتحة. وقد تقدم أنها ركن لحديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).

стр. 1241

(والصلاةُ على النبي ﷺ -). هذا هو المشهور من المذهب لأنهم يرون أن الصلاة على النبي ﷺ ركن في الفرض فكذلك في الصلاة على الجنازة. والجمهور: مستحبة، وتقدم الخلاف. (والدعاء للميت). أ- لقوله ﷺ (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء). ب- ولأنه المقصود فلا يجوز الإخلال به. (الكافي) (والسلام). لعموم حديث (وتحليلها التسليم). لكن كما تقدم يكفي تسليمة واحدة. (ويسن اتباع الجنازة). أي: يسن اتباع الجنازة وحضورها للصلاة عليها ودفنها. وقد جاء في ذلك الفضل العظيم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ. وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ). وَلِمُسْلِمٍ (أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ).

стр. 1242

ففي هذا الحديث أن اتباع الجنازة على مرتبتين: الأولى: اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها. الثانية: إتباعها من عند أهلها حتى يفرغ من دفنها. وهذه المرتبة الثانية أفضل للحديث السابق حيث يحصل على قيراطين. فائدة: ١ قوله (من شهدها حتى تدفن) ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن. وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد، لرواية عند مسلم (حتى توضع في اللحد). وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، لرواية (حتى توضع في القبر) والله أعلم. قال النووي ﵀: وفيما يحصل به قيراط الدفن وجهان … ، قلت: والصحيح أنه لا يحصل إلا بالفراغ من الدفن لرواية البخاري ومسلم: (ومن تبعها حتى يفرغ من دفنها فله قيراطان)، وفي رواية مسلم (حتى يفرغ منها) … ثم قال ﵀: والحاصل أن الانصراف عن الجنازة مراتب: أ-ينصرف عقب الصلاة. ب-ينصرف عقب وضعها في القبر، وسترها باللبن قبل إهالة التراب. ج-ينصرف بعد إهالة التراب وفراغ القبر. د- يمكث عقب الفراغ، ويستغفر للميت ويدعو له، ويسأل له التثبيت. فالرابعة أكمل المراتب، والثالثة تحصل القيراطين، ولا تحصله الثانية على الأصح ويحصل بالأولى قيراط بلا خلاف. (شرح المهذب)

стр. 1243

وقال الحافظ في "فتح الباري" عند شرحه لحديث (٤٧): وقد أثبتت هذه الرواية: (وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطَيْنِ) أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والدفن وأن الصلاة دون الدفن يحصل بها قيراط واحد وهذا هو المعتمد. فائدة: ٢ قال ابن قدامة ﵀: واتباع الجنائز على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يصلي عليها، ثم ينصرف … الثاني: أن يتبعها إلى القبر، ثم يقف حتى تدفن .. الثالث: أن يقف بعد الدفن، فيستغفر له. (المغني) فائدة: ٣ نستفيد من قوله (مَنْ شَهِدَ اَلْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ) أن القيراط يحصل لمن صلى فقط ولو لم يقع اتباع. قال الحافظ في الفتح: ومقتضاه أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة وبذلك صرح المحب الطبري وغيره، والذي يظهر لي: أن القيراط يحصل أيضاً لمن صلى فقط؛ لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع مثلاً وصلى، ورواية مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ (أصغرهما مثل أحد) يدل على أن القراريط تتفاوت، ووقع أيضاً في رواية أبي صالح المذكورة عند مسلم (من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط) وفي رواية نافع بن جبير عن أبي هريرة عند أحمد: (ومن صلى ولم يتبع فله قيراط) فدل على أن الصلاة تحصل القيراط، وإن لم يقع اتباع، ويمكن أن يحمل الاتباع هنا على ما بعد الصلاة. (فتح الباري)

стр. 1244

فائدة: ٤ إذا تعددت الجنائز، وصليَ عليها صلاة واحدة، فهل يتعدد الأجر؟ سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: في الحرم تتعدد الجنائز فهل يتعدد الأجر الذي أخبر عنه الرسول ﵇؟ فأجاب: إذا تعددت الجنائز في صلاة واحدة هل يأخذ الإنسان أجر عدد هذه الجنائز؟ الظاهر: نعم. لأنه يصدق عليه أنه صلى على جنازتين أو ثلاث أو أربع فيأخذ الأجر، لكن كيف ينوي؟ ينوي الصلاة على واحدة أو على الجميع؟ ينوي الصلاة على الجميع. (الباب المفتوح) فائدة: ٥ أن هذا الفضل في اتباع الجنائز إنما هو للرجال دون النساء، لقول أم عطية (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) متفق عليه. (وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِه). أي: من فاته شيء من تكبيرات الجنائز فإنه يقضيه على صفته. لعموم قول النبي ﷺ (إذا أقيمت الصلاة فامشوا إليها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا). وصفة القضاء: أن يعتبر ما أدركه هو أول صلاته وما يقضيه هو آخرها. لقوله ﷺ (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فإذا أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة كبر وقرأ الفاتحة، وإذا كبر الإمام الرابعة كبر بعده وصلى على النبي ﷺ ، فإذا سلم الإمام كبر المأموم المسبوق، ودعا للميت دعاء موجزاً، ثم يكبر الرابعة. (ابن باز) والمسألة فيها أقوال: قيل: يقضي متوالياً متتابعاً. وهذا مذهب الأحناف. وقيل: يقضي ما فاته من التكبيرات على صفتها. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. وقيل: المسبوق يقضي ما فاته على صفته ما لم يخشى رفع الجنازة. والراجح أنه يقضيها على صفتها، وإن خشي رفعها يتمها خفيفة.

стр. 1245

(وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَّى عَلَى القَبْرِ إلى شهر). أي: من فاتته الصلاة على الميت، فإنه يجوز أن يصلي عليه على قبره. وهذا مذهب جماهير العلماء. لورود ذلك في أحاديث، منها: أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ اَلْمَرْأَةِ اَلَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ اَلْمَسْجِدَ- قَالَ: فَسَأَلَ عَنْهَا اَلنَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: (أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي"? فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا"، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ب- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ، بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعاً) متفق عليه. ج- وعَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ) رواه مسلم. د- وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلاً، فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: الْبَارِحَةَ. قَالَ: أَفَلا آذَنْتُمُونِي!؟ قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ) رواه البخاري. هـ- وعن يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: (أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى قَبْرًا جَدِيدًا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ فُلانَةُ، مَوْلاةُ بَنِي فُلَانٍ، فَعَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَاتَتْ ظُهْرًا وَأَنْتَ نَائِمٌ قَائِلٌ (أي: في القيلولة) فَلَمْ نُحِبَّ أَنْ نُوقِظَكَ بِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: لا يَمُوتُ فِيكُمْ مَيِّتٌ مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِلا آذَنْتُمُونِي بِهِ؛ فَإِنَّ صَلاتِي لَهُ رَحْمَةٌ) رواه النسائي وحسنه ابن عبد البر في التمهيد، وصححه الألباني في صحيح النسائي. د-عن سعيد بن المسيب (أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر). رواه الترمذي وهو مرسل

стр. 1246

وقد روى ابن أبي شيبة في "المصنف" مجموعة من الآثار عن الصحابة والتابعين ممن صلوا على القبور بعد الدفن: منهم عائشة ﵂ حين صلت على قبر أخيها عبد الرحمن. وابن عمر صلى على قبر أخيه عاصم، وسليمان بن ربيعة وابن سيرين وغيرهم. وكذلك ذكره ابن حزم في "المحلى" (٣/ ٣٦٦) عن أنس وعلي وابن مسعود ﵃ جميعاً. قال الإمام أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر، يروى عن النبي ﷺ من ستة وجوه كلها حسان. (إلى شهر). أي: يصلي عليها إلى شهر، ولا يصلى عليها بعد شهر. وهذا مذهب الحنابلة. قال أحمد: أكثر ما سمعنا أن النبي ﷺ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. أ-واستدلوا بمرسل سعيد بن المسيب السابق. قال أحمد: أكثر ما سمعنا أن النبي ﷺ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. ب-قالوا: ولأن الشهر مدة يغلب على الظن بقاء الميت فيها، فجاز الصلاة عليه فيها. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصلى على الميت في القبر ما لم يبل جسده ويتحقق تمزقه وذهابه. ودليل هؤلاء: القياس على ما لو كان الميت خارج القبر على وجه الأرض. وذهب بعضهم: إلى أن يصلى على الميت في القبر إلى ثلاثة أيام. وهذا مذهب أبي حنيفة. واستدل هؤلاء بأن الصحابة كانوا يصلون على النبي ﷺ إلى ثلاثة أيام.

стр. 1247

وذهب بعضهم: إلى أن الصلاة على القبر تكون لكل من كان من أهل فرض الصلاة على الميت عند موته. وهذا هو الأرجح عند جمهور الشافعية. وذهب بعضهم: إلى أن الصلاة على القبر جائزة أبداً. وهذا وجه عند الشافعية، وإليه ذهب ابن عقيل من الحنابلة والظاهرية. واستدل هؤلاء بحديث عقبة بن عامر قال (صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحُد بعد ثماني سنين، كالمودع للأحياء والأموات … ) متفق عليه. وبوب أبو داود على هذا الحديث فقال: باب الميت يصلى على قبره بعد حين. قال ابن القيم: وتبويب أبي داود، وذكره هذا الحديث يدل على أن ذلك لا يتقيد عنده بوقت لا شهر ولا غيره ..... وهذا هو الصحيح. فالصلاة على القبر ليس لها مدة معينة أو حد معين لا تصح الصلاة بعده، وذلك لأنه لا يصح في الدلالة على التحديد شيء من النصوص. قال ابن حزم: أما أمر تحديد الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام فخطأ لا يشكل، لأنه تحديد بلا دليل. (انتهى) لكن القبور القديمة التي لها سنين عديدة لا يُصلى عليها، وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على ذلك، بل إن ما قدم عهده من القبور تكره الصلاة عليه، لأنه لم يأت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم صلوا على القبر إلا بحدثان ذلك. قال الشيخ ابن عثيمين: والصحيح أنه نصلي على القبر ولو بعد شهر، إلا أن بعض العلماء قيده بقيد حسن، قال: بشرط أن يكون هذا المدفون مات في زمن يكون فيه هذا المصلي أهلاً للصلاة.

стр. 1248

مثال ذلك: رجل مات قبل عشرين سنة، فخرج إنسان وصلى عليه وله ثلاثون سنة، فيصح؛ لأنه عندما مات كان للمصلي عشر سنوات، فهو من أهل الصلاة على الميت. مثال آخر: رجل مات قبل ثلاثين سنة، فخرج إنسان وصلى عليه وله عشرون سنة ليصلي عليه، فلا يصح؛ لأن المصلي كان معدوماً عند ما مات الرجل، فليس من أهل الصلاة عليه. ومن ثَمَّ لا يشرع لنا نحن أن نصلي على قبر النبي ﷺ ، وما علمنا أن أحداً من الناس قال: إنه يشرع أن يصلي الإنسان على قبر النبي ﷺ أو على قبور الصحابة، لكن يقف ويدعو. • الجواب عن أدلة الأقوال الأخرى: أما دليل من حدد ذلك بشهر: فالجواب: بأن ما وقع من النبي ﷺ من صلاته على أم سعد بعد شهر إنما وقع اتفاقاً من غير قصد التحديد. قال ابن القيم: وَصَلَاته عَلَى أُمّ سَعْد بَعْد شَهْر لَا يَنْفِي الصَّلَاة بَعْد أَزْيَد مِنْهُ، وَكَوْن الْمَيِّت فِي الْغَالِب لَا يَبْقَى أَكْثَر مِنْ شَهْر لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ هَذَا يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَرْض، وَالْعِظَام تَبْقَى مُدَّة طَوِيلَة، وَلَا تَأْثِير لِتَمَزُّقِ اللُّحُوم. وأما الجواب عن دليل من حدد ما لم يبلى جسده ويتحقق تمزقه. فالجواب: بأن التحديد ببلى الميت لا يصح، بدليل أن النبي ﷺ لا يبلى ولا يصلى على قبره. ولأن بلى الميت يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وهو أمر لا يعلم ولا ينضبط، فلا بد أن يكون التقدير على أمر معلوم لا مجهول.

стр. 1249

وأما الجواب على من حدد ذلك بثلاثة أيام، وأن الصحابة كانوا يصلون على النبي ﷺ إلى ثلاثة أيام. فيقال: إن هذا الأثر لا يعلم صحته. وأيضاً قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قد صلى على القبر بعد شهر، وهذا يرد دعواهم. وأما ما استدل به أصحاب القول الأخير من صلاته ﷺ على شهداء أحد بعد ثماني سنوات، فالجواب: أن هذه الصلاة ليست هي الصلاة على الميت، ولو كانت هي الصلاة على الميت لم يؤخرها النبي ﷺ ثمان سنين هذا لا يصح، بل هذه الصلاة كالتوديع للأموات، وقد رجح هذا ابن القيم. قال النووي: إن هذه الصلاة لا يصح أن تكون صلاة الجنازة بالإجماع. فائدة: يجوز الصلاة على الجنازة في المقبرة. وهذا قول جمهور العلماء.

стр. 1250

فهو قول الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والظاهرية. أ- فعل النبي ﷺ . للأحاديث السابقة كحديث أبي هريرة (التي تقم المسجد) وحديث ابن عباس وحديث أنس، فإن فيها فعل النبي ﷺ ، فإنه صلى على الميت في قبره وهو في المقبرة، وهذا الفعل من النبي ﷺ تخصيص للنهي عن الصلاة في المقبرة. قال ابن حزم - بعد أن ساق الآثار في النهي عن الصلاة في المقبرة وصلاته ﷺ على قبر المسكينة السوداء - قال: وكل هذه الآثار حق، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا، إلا صلاة الجنازة فإنها تصلى في المقبرة. ب- فعل السلف الصالح من الصحابة والتابعين. فقد روى نافع قال (لقد صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع بين القبور، … وحضر ذلك ابن عمر) أخرجه عبد الرزاق. وقال ابن المنذر: وكان عمر بن عبد العزيز يفعل ذلك. وذهب الشافعية إلى كراهة ذلك استدلالاً بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في المقبرة. والراجح الأول. (وإنْ كانَ الميتُ غائباً عن البلد صليَ عليهِ بالنيةِ). أي: وإن كان الميت غائباً عن البلد، فإنه يصلى عليه غائباً. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد.

стр. 1251

قال النووي ﵀ في (المجموع) مذهبنا جواز الصلاة على الغائب عن البلد، ومنعها أبو حنيفة. دليلنا حديث النجاشي وهو صحيح لا مطعن فيه وليس لهم عنه جواب صحيح. (انتهى) لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعاً) متفق عليه وعَنْ جَابِرِ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوْ الثَّالِثِ) متفق عليه. قالوا: إن في صلاة النبي ﷺ على النجاشي وهو غائب دليلاً على مشروعية الصلاة على الغائب. وذهب بعض العلماء: إلى أنها لا تشرع مطلقاً. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية. أ-قالوا: إنه توفي خلق كثير من أصحاب النبي ﷺ ومن أعز الناس عليه وهم غائبون في الأسفار، كما توفي في الحبشة، ولم يؤثر عنه ﷺ أنه صلى على أحد منهم. ب- أنه لم ينقل عن الصحابة في الأمصار أنهم صلوا على النبي ﷺ صلاة الغائب، كما توفي الخلفاء الراشدون من بعده، ولم ينقل عن المسلمين في الأمصار أنهم صلوا عليهم صلاة الغائب، وهذا دليل على عدم مشروعية الصلاة على الغائب.

стр. 1252

وأجابوا عن صلاة النبي ﷺ على النجاشي: أولاً: أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد. ثانياً: قالوا: إنه كشف له ﷺ حتى رآه، فيكون حكمه حكم الحاضرين بين يدي الإمام الذي لا يراه المؤمنون. قال ابن دقيق: هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال. ثالثاً: أن ذلك خاص بالنبي ﷺ . وذهب بعض العلماء: إلى أنه إذا كان الغائب لم يصل عليه مثل النجاشي صلي عليه، وإن كان صلي عليه فقد سقط فرض الكفاية. جمعاً بين الأدلة. وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. ورجحه ابن القيم وقال: لم يكن من هدي النبي وسنته الصلاة على كل ميت غائب فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيّب فلم يصل عليهم وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت. وقال الخطابي: لا يُصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس فيها من يصلي عليه. وترجم بذلك أبو داود في السنن فقال: باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك في بلد آخر. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 1253

فائدة: ١ قال بعض العلماء: تشرع الصلاة على الغائب أيضاً: إذا كان له نفع للمسلمين، كعالم أو مجاهد أو غني نفع الناس بماله ونحو ذلك، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، واختارها الشيخ السعدي وبه أفتت اللجنة الدائمة. فائدة: ٢ كيفية الصلاة على الميت الغائب كطريقة الصلاة على الميت الحاضر. (وَلَا يُصَلِّي الإِمَامُ عَلَى الغَالِّ وَلَا عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ). أي: أن الإمام لا يصلي على قاتل نفسه ولا على الغال. أ-عنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ (أُتِيَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ). رَوَاهُ مُسْلِم. ب- وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ (أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللهِ. فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَين). رواه أبو داود … (بِمَشَاقِصَ) المشاقص سهام عراض. (فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) وعند النسائي بلفظ (أما أنا فلا أصلي عليه). ج- ولعصيانه بهذا الفعل. د- وليكون ردعاً بغيره. قيل: يحرم. وقيل: يكره. ومثل الإمام من هو قدوة للناس، أو من أهل العلم، فإنهم لا يصلون عليه ردعاً لغيره.

стр. 1254

قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لمن يقول لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي. وقال الحسن، والنخعي، وقتادة، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي وجماهير العلماء يصلى عليه. وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي ﷺ لم يصل عليه بنفسه زجراً للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبي ﷺ الصلاة في أول الأمر على من عليه ديْن زجراً لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إهمال وفائه، وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال ﷺ : (صلوا على صاحبكم). فائدة: ١ قول القرطبي (لعل هذا القاتل لنفسه كان مستحلاً لقتل نفسه، فمات كافراً فلم يصل عليه لذلك)؟ هذا قول مردود، لقوله ﷺ في رواية النسائي (أما أنا فلا أصلي عليه) والتقدير: وأما أنتم فصلوا عليه، لأن (أما) للتفصيل، فيكون المراد تفصيل حال المصلين عليه بين من لا يصلي، وهو النبي ﷺ ، وبين من يصلي، وهم الصحابة، فدل على أنه مسلم ليس بكافر، وأما تركه ﷺ الصلاة عليه مع كونه مسلماً، زجراً لغيره لئلا يتجاسروا بقتل أنفسهم. فائدة: ٢ سئل الشيخ ابن باز: هل قاتل نفسه يغسل ويصلى عليه؟. فأجاب: قاتل نفسه يغسل ويصلي عليه ويدفن مع المسلمين؛ لأنه عاص وهو ليس بكافر؛ لأن قتل النفس معصية وليس بكفر.

стр. 1255

وإذا قتل نفسه والعياذ بالله يغسل ويكفن ويصلي عليه، لكن ينبغي للإمام الأكبر ولمن له أهمية أن يترك الصلاة عليه من باب الإنكار؛ لئلا يظن أنه راض عن عمله، والإمام الأكبر أو السلطان أو القضاة أو رئيس البلد أو أميرها إذا ترك ذلك من باب إنكار هذا الشيء وإعلان أن هذا خطأ فهذا حسن، ولكن يصلي عليه بعض المصلين. فائدة: ٣ مسألة: هل يلحق بالغالّ، وقاتل النفس من هو مثلهم، أو أشد منهم أذية للمسلمين، كقطاع الطرق مثلاً؟ الجواب: المشهور من المذهب: لا يلحق. والقول الثاني: أن من كان مثلهم، أو أشد منهم، فإنه لا يصلي الإمام عليه؛ لأن الشرع إذا جاء بعقوبة على جرم من المعاصي، فإنه يلحق به ما يماثله، أو ما هو أشد منه. فإذا كان الذي غل هذا الشيء اليسير لم يصل عليه النبي ﷺ فما بالك بمن يقف للمسلمين في الطرق، ويقتلهم ويأخذ أموالهم، ويروعهم، أليس هذا من باب أولى أن ينكل به؟ الجواب: بلى، ولهذا فالصحيح: أن ما ساوى هاتين المعصيتين، ورأى الإمام المصلحة في عدم الصلاة عليه، فإنه لا يصلي عليه. … (الشرح الممتع)

стр. 1256

(وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد). أي: لا بأس بالصلاة على الميت في المسجد. وبه قال الشافعي، وأحمد. قال ابن قدامة: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُخَفْ تَلْوِيثُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد. (المغني). وقال النووي: فِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِلشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ فِي جَوَاز الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَحْمَد وَإِسْحَاق. وقال الشوكاني: وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق والجمهور. أ- لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (وَاَللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَلَى اِبْنَيْ بَيْضَاءَ فِي اَلْمَسْجِدِ) رَوَاهُ مُسْلِم. ب- ورد (أنه صلي على أبي بكر في المسجد) رواه سعيد بن منصور. ج- (وصلي على عمر في المسجد) رواه مالك. وذهب بعض العلماء: إلى المنع من ذلك. وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك. قال النووي: قَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب وَأَبُو حَنِيفَة وَمَالِك عَلَى الْمَشْهُور عَنْهُ: لَا تَصِحّ الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له) رواه أبو داود. وأجابوا عن حديث عائشة: بأن حديث الباب محمول على أن الصلاة على ابني بيضاء وهما كانا خارج المسجد، والمصلون داخله وذلك جائز. والراجح الجواز.

стр. 1257

فائدة: الجواب عن حديث (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له)؟ أَحَدهَا: أَنَّهُ ضَعِيف لَا يَصِحّ الِاحْتِجَاج بِهِ. قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل: هَذَا حَدِيث ضَعِيف تَفَرَّدَ بِهِ صَالِح مَوْلَى التَّوْأَمَة، وَهُوَ ضَعِيف. وَالثَّانِي: أَنَّ الَّذِي فِي النُّسَخ الْمَشْهُورَة الْمُحَقَّقَة الْمَسْمُوعَة مِنْ سُنَن أَبِي دَاوُدَ (وَمَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَة فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء عَلَيْهِ) وَلَا حُجَّة لَهُمْ حِينَئِذٍ فِيهِ. الثَّالِث: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْحَدِيث وَثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ: " فَلَا شَيْء له" لَوَجَبَ تَأْوِيله عَلَى " فَلَا شَيْء عَلَيْهِ " لِيَجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ وَبَيْن هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث سُهَيْل بْن بَيْضَاء، وَقَدْ جَاءَ (لَهُ) بِمَعْنَى (عَلَيْهِ)، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا. الرَّابِع: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى نَقْص الْأَجْر فِي حَقّ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِد وَرَجَعَ وَلَمْ يُشَيِّعهَا إِلَى الْمَقْبَرَة لِمَا فَاتَهُ مِنْ تَشْيِيعه إِلَى الْمَقْبَرَة وَحُضُور دَفْنه. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم للنووي) وقال الخطابي: صالح مولى التوأمة ضعفوه وكان قد نسي حديثه في آخر عمره، وقد ثبت أن أبا بكر وعمر ﵄ صُلي عليهما في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، ففي تركهم إنكاره دليل على جوازه. وكان ممن ضعفه من العلماء: الإمام أحمد - كما في مسائل ابنه عبد الله، وابن المنذر في (الأوسط)، والخطابي في (معالم السنن)، والبيهقي كما في (سننه)، وابن حزم في (المحلى)، وابن الجوزي في (العلل المتناهية). قال ابن القيم: ولم يكن من هديه الراتب الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي أحياناً على الميت في المسجد كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد، ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته.

стр. 1258

فالأفضل الصلاة على الجنازة بمصلى خاص. أ-ففي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى … ). ب-وفي حديث ابن عمر (أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد) متفق عليه. فصل (يُسَنُّ التَّرْبيعُ فِي حَمْلِهِ). أي: يسن التربيع في حمل الجنازة. والتربيع أن يضع قائمة السرير اليسرى في المقدمة على كتفه الأيمن، ثم ينتقل إلى المؤخرة، ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى، ثم ينتقل إلى المؤخرة. وقد جاء عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال (من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليطوع، وإن شاءَ فليدع) إسناده ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. رواه ابن ماجه. ولابن أبي شيبة بسند صحيح، عن أبي الدرداء: من تمام أجر الجنازة أن تُشَيَّعَها من أهلها، وأن تحمل بأركانها الأربعة، وأن تَحشْوَ في القبر، وهذا يقتضي أنه سنة النبي ﷺ في ذلك. (حاشية الروض) (وَكَوْنُ المُشَاةِ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانِ خَلْفَهَا). أي: يسن أن يكون المشاة أمام الجنازة، والركبان خلفها. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور وجماعة من الصحابة. أ- لحديث ابن عمر ﵁ (أَنَّهُ رَأَى اَلنَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ). رَوَاه أبو داود، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ وَطَائِفَةٌ بِالْإِرْسَالِ. ب- ولثبوت ذلك عن جمع من الصحابة، كابن عمر.

стр. 1259

وذهب بعض العلماء: إلى أن المشي خلفها أفضل. وهذا مذهب أبي حنيفة، وحكاه الترمذي عن سفيان الثوري. أ- لحديث (من تبع الجنازة … ) والاتباع يكون من الخلف. ب- ولمرسل طاوس قال (ما مشى رسول الله ﷺ حتى مات، إلا خلف جنازة) وهذا مرسل وهو ضعيف. وذهب بعضهم: إلى أنه يمشي حيث شاء، أمامها أو يمينها أو يسارها أو خلفها. لحديث المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ (الراكب يسير خلفها، والماشي حيث شاء) رواه أبو داود والترمذي، وهو حديث صحيح وهذا القول هو الصحيح. (ويكرهُ رفعُ الصوت معها، ولو بالذكرِ والقرآن). أي: يكره رفع الصوت مع الجنازة أو في المقبرة حتى ولو كان ذلك الصوت بالذكر وقراءة القرآن، أو طلب الاستغفار للميت أو نحو ذلك. أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا تُتْبَعُ الْجَنَازَةُ بِصَوْتٍ، وَلَا نَارٍ) رواه أبو داود. ب- وعن عمرو بن العاص أنه قال في وصيته (فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار) رواه مسلم. قال القرطبي: هذا توصية منه باجتناب هذين الأمرين، لأنهما من عمل الجاهلية، ولنهي النبي ﷺ . ج- ولقول قيس ابن عباد (كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز) رواه البيهقي. د- ولان فيه تشبها بالنصارى فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.

стр. 1260

قال النووي: واعلم أن الصوابَ المختارَ ما كان عليه السلفُ ﵃: السكوتُ في حال السير مع الجنازة، فلا يُرفع صوتاً بقراءة، ولا ذكر، ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكنُ لخاطره، وأجمعُ لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوبُ في هذا الحال، فهذا هو الحقّ. (الأذكار) (ويستحب القيام لها إذا مرت). أي: يستحب القيام للجنازة إذا مرت. أ- لحديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَع) متفق عليه. ب- ولحديث عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ) رواه مسلم. ج- وعَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى قال (أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ كَانَا بِالْقَادِسِيَّةِ فَمَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ فَقَامَا فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ. فَقَالَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ إِنَّهُ يَهُودِيٌّ. فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْساً) متفق عليه. وهذا القول هو الصحيح. وذهب بعض العلماء: إلى أن هذا الحكم منسوخ. وهذا قول جمهور العلماء. قال الشوكاني: وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، أن القيام منسوخ بحديث علي. أ- لحديث علي قال (قام رسول الله ﷺ ثم قعد) رواه مسلم. ب- ولحديث عبادة بن الصامت قال (كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمر حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل، فجلس رسول الله ﷺ وقال: اجلسوا خالفوهم) رواه أبو داود، والحديث ضعفه الترمذي والنووي وابن حجر وابن القيم.

стр. 1261

والصحيح أن القول بالنسخ ضعيف. وتكون أحاديث الأمر تدل على الاستحباب، وأن أحاديث الترك تدل على جواز ترك القيام. وهذا القول هو الصحيح، وهو أولى من القول بالنسخ لأن فيه جمعاً بين الأدلة. قال النووي بعد أن اختار هذا القول: هذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعود بياناً للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا، لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر. وقال ابن حزم ﵀: فكان قعوده ﷺ بعد أمره بالقيام مبيناً أنه أمر ندب، وليس يجوز أن يكون هذا نسخاً; لأنه لا يجوز ترك سنة متيقنة إلا بيقين نسخ، والنسخ لا يكون إلا بالنهي، أو بتركٍ معه نهي. وقال ابن القيم: قيل: منسوخ والقعود آخر الأمرين، وقيل: بل الأمران جائزان، وفعله بياناً للاستحباب، وتركه بياناً للجواز، وهذا أولى من ادعاء النسخ.

стр. 1262

فائدة: ١ الجواب عن دليل من قال بالنسخ: أولاً: أن من شرط النسخ عدم إمكان الجمع بين الدليلين، وليس الأمر كذلك ههنا، فإن تركه ﷺ للقيام بعد أمره به دليل على أن الأمر الأول للندب وليس للوجوب، وبه تجتمع الأدلة دون حاجة للقول بالنسخ. ثانياً: أن أحاديث الأمر بالقيام لفظ صريح، وهذه الأحاديث حكاية فعل لا عموم له، وليس فيها لفظ عام يحتج به على النسخ، وغاية ما فيها أنه (قام وقعد) وهو فعل محتمل لا يقوى على تأييد دعوى النسخ. فائدة: ٢ الحكمة من القيام للجنازة. جاء تعليله في الحديث بقوله (إن للموت فَزَعاً) فدلّ على أن القيام لتذكر الموت، وإعظامه، وجعله من أهمّ ما يخطر بالإنسان، ولذا استوى فيه جنازة المؤمن والكافر. أيضًا جاء تعليله بقوله (أليست نفساً). وثبت في رواية أحمد، وابن حبّان تعليله بقوله (إنما تقومون إعظاماً للذي يقبض النفوس). وفي رواية الحاكم بقوله (إنما قمنا للملائكة). ولا تنافي بين هذه الروايات، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى

стр. 1263

قال القرطبي: قوله (إن للموت فَزَعاً) معناه: إن الموت يُفزَع إليه، إشارة إلى استعظامه، ومقصودُ الحديث أن لا يستمرّ الإنسان على الغفلة بعد رؤية الميت، لما يُشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثَمَّ استوى فيه الميت مسلمًا، أو غير مسلم. وقال غيره: جَعَل نفس الموت فَزَعًا، مبالغةً، كما يقال: رجل عدلٌ. وقال البيضاويّ: هو مصدرٌ، جَرَى مَجْرَى الوصف، للمبالغة، أو فيه تقديرٌ، أي الموت ذو فزَع. ويؤيّد الثاني -كما قال الحافظ ﵀ رواية المصنّف، وابن ماجه بلفظ: "إن للمَوت فَزَعًا"، وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يَقْلَق من أجلها، ويضطرب، ولا يَظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة. قاله في "الفتح" فائدة: ٣ الأمر بالقيام للجنازة، إذا مرّت بالمكلّف القاعد، وإن لم يقصد تشييعها، والمراد عموم كلّ جنازة، من مؤمن وغيره، حيث أن النبي ﷺ قام لجنازة يهوديّ مرّت به، وعلّل ذلك بأنها نفس، وفي رواية بأن الموت فَزَع. فائدة: ٤ قوله ﷺ في حديث أبي سعيد السابق (فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَع). وروى أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً (من صلى على جنازة، فلم يمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها، فلا يجلس حتى توضع). فيكره جلوس تابعها حتى توضع.

стр. 1264

وقوله (حَتَّى تُوضَعَ) يحتمل أن المراد حتى توضع على الأرض، أو توضع في اللحد. وقد روي عن أبي هريرة ﵁ باللفظين. إلا أن البخاريّ أشار إلى ترجيح رواية (حتى توضع بالأرض). حيث قال (باب من تبع جنازة، فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال). وصرّح أبو داود بترجيحها، حيث قال بعد رواية حديث أبي سعيد ﵁ من طريق سهيل بن أبي صالح، بلفظ (إذا تبعتم الجنازة، فلا تجلسوا حتى توضع) ما نصّه: وروى الثوريّ هذا الحديث، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال فيه: (حتى توضع بالأرض) ورواه أبو معاوية، عن سهيل، قال (حتى توضع في اللحد) وسفيان أحفظ من أبي معاوية انتهى. (وَيُسَجَّى قَبْرُ امْرَأَةٍ فَقَطْ). أي: يغطَى قبر المرأة فقط عند إدخالها القبر دون الرجل. قال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب هذا بين العلماء خلافاً. أ- روي عن علي أنه أتى قوماً وهم يدفنون ميتاً، وقد بسط الثوب على قبره، فجذب الثوب من القبر وقال: إنما يصنع هذا بالنساء. رواه البيهقي. ب- أن مبنى حال المرأة على الستر، لأن المرأة عورة، ولا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون. قال ابن قدامة: وَالْمَرْأَةُ يُخَمَّرُ قَبْرُهَا (أي: يُستر) بِثَوْبٍ، لَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُغَطِّي قَبْرَ الْمَرْأَةِ.

стр. 1265

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ قَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا، وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ، فَجَذَبَهُ وَقَالَ: إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ. وَشَهِدَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ دَفْنَ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ فَخَمَّرَ الْقَبْرَ بِثَوْبٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ: ارْفَعُوا الثَّوْبَ، إنَّمَا يُخَمَّرُ قَبْرُ النِّسَاءِ، وَأَنَسٌ شَاهِدٌ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ لَا يُنْكِرُ. وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُون. (المغني) فائدة: يكره ستر قبر الرجل. وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة. أ- لحديث علي المتقدم. ب- ما روي عن بعض السلف من التابعين كشريح والحسن البصري في كراهة ذلك. ج- أن كشف القبر حال الدفن أمكن في دفن الميت، وأبعد من التشبه بالنساء. قالوا: ويجوز ستر القبر إذا كان ذلك لضرورة كدفع مطر، أو ثلج، أو حر على الداخلين في القبر. (وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّق). أي: أن القبر إذا كان لحداً فهو أفضل. وهذا قول جمهور العلماء. قال ابن قدامة: السُّنَّةُ أَنْ يُلْحَدَ قَبْرُ الْمَيِّتِ، كَمَا صُنِعَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ . أ- عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ (الحدو ا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَى اللَّبِنِ نُصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ مُسْلِم. ب- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَلْحَدُ، وَآخَرُ يَضْرَحُ، فَقَالُوا: نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا، وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا، فَأَيُّهُمَا سُبِقَ تَرَكْنَاهُ، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِمَا، فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ، فَلَحَدُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ رواه ابن ماجه.
следующие страницы →