Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
والصحيح أن القول بالنسخ ضعيف.
وتكون أحاديث الأمر تدل على الاستحباب، وأن أحاديث الترك تدل على جواز ترك القيام.
وهذا القول هو الصحيح، وهو أولى من القول بالنسخ لأن فيه جمعاً بين الأدلة.
قال النووي بعد أن اختار هذا القول: هذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعود بياناً للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا، لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر.
وقال ابن حزم ﵀: فكان قعوده ﷺ بعد أمره بالقيام مبيناً أنه أمر ندب، وليس يجوز أن يكون هذا نسخاً; لأنه لا يجوز ترك سنة متيقنة إلا بيقين نسخ، والنسخ لا يكون إلا بالنهي، أو بتركٍ معه نهي.
وقال ابن القيم: قيل: منسوخ والقعود آخر الأمرين، وقيل: بل الأمران جائزان، وفعله بياناً للاستحباب، وتركه بياناً للجواز، وهذا أولى من ادعاء النسخ.
стр. 1262
فائدة: ١
الجواب عن دليل من قال بالنسخ:
أولاً: أن من شرط النسخ عدم إمكان الجمع بين الدليلين، وليس الأمر كذلك ههنا، فإن تركه ﷺ للقيام بعد أمره به دليل على أن الأمر الأول للندب وليس للوجوب، وبه تجتمع الأدلة دون حاجة للقول بالنسخ.
ثانياً: أن أحاديث الأمر بالقيام لفظ صريح، وهذه الأحاديث حكاية فعل لا عموم له، وليس فيها لفظ عام يحتج به على النسخ، وغاية ما فيها أنه (قام وقعد) وهو فعل محتمل لا يقوى على تأييد دعوى النسخ.
فائدة: ٢
الحكمة من القيام للجنازة.
جاء تعليله في الحديث بقوله (إن للموت فَزَعاً) فدلّ على أن القيام لتذكر الموت، وإعظامه، وجعله من أهمّ ما يخطر بالإنسان، ولذا استوى فيه جنازة المؤمن والكافر.
أيضًا جاء تعليله بقوله (أليست نفساً).
وثبت في رواية أحمد، وابن حبّان تعليله بقوله (إنما تقومون إعظاماً للذي يقبض النفوس).
وفي رواية الحاكم بقوله (إنما قمنا للملائكة).
ولا تنافي بين هذه الروايات، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى
стр. 1263
قال القرطبي: قوله (إن للموت فَزَعاً) معناه: إن الموت يُفزَع إليه، إشارة إلى استعظامه، ومقصودُ الحديث أن لا يستمرّ الإنسان على الغفلة بعد رؤية الميت، لما يُشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثَمَّ استوى فيه الميت مسلمًا، أو غير مسلم. وقال غيره: جَعَل نفس الموت فَزَعًا، مبالغةً، كما يقال: رجل عدلٌ.
وقال البيضاويّ: هو مصدرٌ، جَرَى مَجْرَى الوصف، للمبالغة، أو فيه تقديرٌ، أي الموت ذو فزَع. ويؤيّد الثاني -كما قال الحافظ ﵀ رواية المصنّف، وابن ماجه بلفظ: "إن للمَوت فَزَعًا"، وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يَقْلَق من أجلها، ويضطرب، ولا يَظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة. قاله في "الفتح"
فائدة: ٣
الأمر بالقيام للجنازة، إذا مرّت بالمكلّف القاعد، وإن لم يقصد تشييعها، والمراد عموم كلّ جنازة، من مؤمن وغيره، حيث أن النبي ﷺ قام لجنازة يهوديّ مرّت به، وعلّل ذلك بأنها نفس، وفي رواية بأن الموت فَزَع.
فائدة: ٤
قوله ﷺ في حديث أبي سعيد السابق (فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَع).
وروى أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً (من صلى على جنازة، فلم يمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها، فلا يجلس حتى توضع).
فيكره جلوس تابعها حتى توضع.
стр. 1264
وقوله (حَتَّى تُوضَعَ) يحتمل أن المراد حتى توضع على الأرض، أو توضع في اللحد.
وقد روي عن أبي هريرة ﵁ باللفظين.
إلا أن البخاريّ أشار إلى ترجيح رواية (حتى توضع بالأرض).
حيث قال (باب من تبع جنازة، فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال).
وصرّح أبو داود بترجيحها، حيث قال بعد رواية حديث أبي سعيد ﵁ من طريق سهيل بن أبي صالح، بلفظ (إذا تبعتم الجنازة، فلا تجلسوا حتى توضع) ما نصّه: وروى الثوريّ هذا الحديث، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال فيه: (حتى توضع بالأرض) ورواه أبو معاوية، عن سهيل، قال (حتى توضع في اللحد) وسفيان أحفظ من أبي معاوية انتهى.
(وَيُسَجَّى قَبْرُ امْرَأَةٍ فَقَطْ).
أي: يغطَى قبر المرأة فقط عند إدخالها القبر دون الرجل.
قال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب هذا بين العلماء خلافاً.
أ- روي عن علي أنه أتى قوماً وهم يدفنون ميتاً، وقد بسط الثوب على قبره، فجذب الثوب من القبر وقال: إنما يصنع هذا بالنساء. رواه البيهقي.
ب- أن مبنى حال المرأة على الستر، لأن المرأة عورة، ولا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون.
قال ابن قدامة: وَالْمَرْأَةُ يُخَمَّرُ قَبْرُهَا (أي: يُستر) بِثَوْبٍ، لَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُغَطِّي قَبْرَ الْمَرْأَةِ.
стр. 1265
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ قَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا، وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ، فَجَذَبَهُ وَقَالَ: إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ.
وَشَهِدَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ دَفْنَ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ فَخَمَّرَ الْقَبْرَ بِثَوْبٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ: ارْفَعُوا الثَّوْبَ، إنَّمَا يُخَمَّرُ قَبْرُ النِّسَاءِ، وَأَنَسٌ شَاهِدٌ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ لَا يُنْكِرُ.
وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُون. (المغني)
فائدة:
يكره ستر قبر الرجل.
وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة.
أ- لحديث علي المتقدم.
ب- ما روي عن بعض السلف من التابعين كشريح والحسن البصري في كراهة ذلك.
ج- أن كشف القبر حال الدفن أمكن في دفن الميت، وأبعد من التشبه بالنساء.
قالوا: ويجوز ستر القبر إذا كان ذلك لضرورة كدفع مطر، أو ثلج، أو حر على الداخلين في القبر.
(وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّق).
أي: أن القبر إذا كان لحداً فهو أفضل.
وهذا قول جمهور العلماء.
قال ابن قدامة: السُّنَّةُ أَنْ يُلْحَدَ قَبْرُ الْمَيِّتِ، كَمَا صُنِعَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
أ- عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ (الحدو ا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَى اللَّبِنِ نُصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ مُسْلِم.
ب- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَلْحَدُ، وَآخَرُ يَضْرَحُ، فَقَالُوا: نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا، وَنَبْعَثُ
إِلَيْهِمَا، فَأَيُّهُمَا سُبِقَ تَرَكْنَاهُ، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِمَا، فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ، فَلَحَدُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ رواه ابن ماجه.
стр. 1266
وجه الدلالة من الحديثين: أن اللحد هو الذي فُعل بالنبي ﷺ ، ولم يكن ليختار الله لنبيه إلا الأفضل.
قال النووي في شرح حديث سعد: فيه استحباب اللحد ونصب اللبن، وأنه فعل ذلك برسول الله ﷺ باتفاق الصحابة ﵃، وقد نقلوا أن عدد لبناته ﷺ تسع.
ج-ولحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ (اللحد لنا والشق لغيرنا) رواه أبو داود وهو حديث مختلف في صحته.
د - ولحديث جابر - وقد سبق - قال (كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين في قتلى أحد ثم يقول (أيهم أكثر أخذاً للقرآن) فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد) رواه البخاري.
ففي هذا الحديث بيان فضيلة اللحد، لأنه الذي وقع دفن الشهداء فيه، مع ما كانوا فيه من الجهد والمشقة، فلولا مزيد فضيلة ما عانوه.
فائدة: ١
تعريف اللحد والشق:
قال البهوتي: اللحد أن يحفر في أسفل حائط القبر مما يلي القبلة مكاناً يوضع فيه الميت.
والشق: أن يحفر في وسط القبر كالنهر ويبنى جانباه باللبن أو غيره.
стр. 1267
فائدة: ٢
قوله ﷺ (اللحد لنا والشق لغيرنا) اختلف العلماء في معنى قوله (لنا) و (لغيرنا)؟
فقيل: (لنا) أي: هو الذي نؤثره - أيها المسلمون - ونعرفه، لأن العرب لم تكن تعرف غيره، و (لغيرنا) أي: من الأمم السابقة ويؤيد ذلك رواية (والشق لغيرنا من أهل الكتاب).
وقيل: اللحد لنا معشر الأنبياء، والشق جائز لغيرنا.
وقيل: يمكن أنه ﷺ عنى بضمير الجمع نفسه، أي: أوثر لي اللحد، وهو إخبار عن الكائن فيكون معجزة.
والصحيح الأول.
فائدة: ٣
متى يكون الشق أفضل:
يكون أفضل إذا كانت الأرض رخوة، فهنا فالشق أفضل.
قال النووي: أجمع العلماء على أن الدفن في اللحد والشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل، لما سبق من الأدلة، وإن كانت رخوة تنهار، فالشق أفضل.
وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، فعند هؤلاء الشق أفضل إذا كان الأرض رخوة.
قال ابن عثيمين ﵀: ولكن إذا احتيج إلى الشق، فإنه لا بأس به، والحاجة إلى الشق إذا كانت الأرض رملية، فإن اللحد فيها لا يمكن؛ لأن الرمل إذا لحدت فيه انهدم، فتحفر حفرة، ثم يحفر في وسطها ثم يوضع لبن على جانبي الحفرة التي بها الميت؛ من أجل ألا ينهد الرمل، ثم يوضع الميت بين هذه اللبنات. (الشرح الممتع)
стр. 1268
(وسد لحد القبر باللبِن من الطين أفضل).
أي: أن السنة أن يسد لحد القبر باللبِن من الطين، وهو أفضل من غيره.
وهذا قول جمهور العلماء.
أ- عنّ سَعْد بْن أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِى هَلَكَ فِيهِ (الْحَدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رواه مسلم.
قال النووي: فِيهِ اِسْتِحْبَاب اللَّحْد وَنَصْب اللَّبِن، وَأَنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَة ﵃، وَقَدْ نَقَلُوا أَنَّ عَدَد لَبِنَاته ﷺ تِسْع. (شرح مسلم)
ب- ولأن اللبِن أفضل من غيره، لأنه من جنس الأرض وأبعد من أبنية الدنيا.
(ويسن تعميق القبر وتوسيعُه بلا حد).
أي: يسن إعماق القبر وإحسانه.
عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ (شُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجِرَاحَاتُ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: احْفِرُوا وَأَعمقوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا) رواه الترمذي.
стр. 1269
(شُكِىَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجِرَاحَاتُ يَوْمَ أُحُدٍ)، ورواية (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ) أي: إنّ حفر القبر لكلّ إنسان على حِدَة شاقّ علينا، حيث أصابنا الجراح الكثير، والجهد الشديد، وفي رواية لأحمد (قالوا: يا رسول اللَّه، أصابنا قَرْحٌ، وجَهْدٌ، فكيف تأمرنا؟ "، وفي رواية له: "كيف تأمرنا بقتلانا؟). (وَأَعْمِقُوا) بقطع الهمزة، من الإعماق، وهو إبعاد القعر، يقال: أعمقَ البئرَ: جعلها عَمِيقة، أي بعيدة القعر. (وَأَحْسِنُوا) بقطع الهمزة أيضاً، أي: اجعلوا القبر حسنًا بتسوية قعره؛ ارتفاعًا، وانخفاضًا، وتنقيته من التراب، والقذاة، وغيرهما.
• وقوله (وأعمقوا) أمر، لكن حمله جمهور العلماء على الاستحباب بدليل اقترانه بالأمر بالتوسيع وإحسان القبر، وهي أفعال مستحبة، ولأنه إذا حصل المقصود من الدفن فالمبالغة في الإعماق تكون أيضاً من باب تحسين القبر ليكون أبلغ في المقصود.
(ويكفي ما يمنعُ السباع والرائحة).
جمهور العلماء - كما تقدم - أن تعميق القبر مستحب، لكن هناك قدر من الإعماق واجب، وهو أقل ما يجزئ في القبر، وذكر الفقهاء أن أقل القبر حفرة تمنع الرائحة والسباع.
فائدة:
اختلف العلماء في حد الإعماق على أقوال:
فقيل: يستحب أن يعمّق القبر قدر قامة وبسطة من رجل معتدل لهما.
وقيل: حده إلى مقدار نصف قامة.
стр. 1270
وقيل: يعمق إلى الصدر.
وكان الحسن وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى الصدر.
وقيل: يستحب تعميقه بلا حد.
لأن قوله (وأعمقوا) فيه الأمر مطلقاً من غير تحديد، فيُرجع إلى ما يحصل به المقصود.
وهذا الراجح.
قال البهوتي: وسن أن يعمق قبر ويوسع قبر بلا حد، لقوله ﷺ في قتلى أحد احفروا وأوسعوا وأعمقوا، ويكفي ما يمنع السباع والرائحة؛ لأنه يحصل به المقصود، وسواء الرجل والمرأة.
(وكرهَ إدخال القبر خشباً).
أي: يكره إدخال الخشب في القبر واستخدامه في دفن الميت.
أ- لما جاء عن عمرو بن العاص أنه قال في مرضه الذي مات فيه: … ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجراً. رواه أحمد.
ب- وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الآجر، ويستحبون القصب ويكرهون الخشب. رواه ابن أبي شيبة
ج- أن الخشب لإحكام البناء والعمران للزينة، والقبر موضع البلى فلا حاجة فيه إلى ذلك.
د- قالوا: إن الخشب معد لمس النار، والقبر يكره إدخاله كل ما مسته النار كما سيأتي إن شاء الله.
(وما مسته نار).
أي: يكره إدخال القبر بشيء مسته النار، من الآجر، أو الحديد.
أ- أن ما فيه أثر النار يكره تفاؤلاً، كما يكره أن يتبع الميت إلى قبره بالنار تفاؤلاً بأن لا تمسه النار.
وقد جاء في هذا حديث:
стр. 1271
عن أبي بردة قال: أَوْصَى أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فَقَالَ: لَا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ، قَالُوا لَهُ: أَوَ سَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . رواه ابن ماجه.
وعن عمرو بن العاص أنه قال في مرض موته (. . . فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ).
وكذا روي عن عدد من الصحابة كراهة ذلك.
قال البيهقي: وَفِي وَصِيَّةِ عَائِشَةَ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵃: أَنْ لَا تَتَّبِعُونِي بِنَار.
ب- ما روي من الآثار عن السلف في كراهة الآجر، فعن زيد بن أرقم وإبراهيم النخعي قالا: كانوا يكرهون الآجر.
ج- أن الآجر إنما يستعمل في الأبنية للزينة أو لإحكام البناء، والقبر موضع البلى، فلا حاجة للميت فيه، ولأنه من بناء المترفين.
قال ابن قدامة: وَلَا يُدْخِلُ الْقَبْرَ آجُرًّا، وَلَا خَشَبًا، وَلَا شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ. . . وَيُكْرَهُ الْآجُرُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بِنَاءِ الْمُتْرَفِينَ، وَسَائِرُ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، تَفَاؤُلًا بِأَنْ لَا تَمَسَّهُ النَّارُ.
(ووضع فراشٍ تحته).
أي: يكره أن يوضع تحت الميت شيء من فراش أو حصير أو ثوب أو نحو ذلك.
وهذا قول جماهير العلماء.
قال النوويّ: وقد نصّ الشافعيّ، وجميع أصحابنا، وغيرهم، من العلماء على كراهة وضع قَطِيفة، أو مُضَرَّبَة، أو مِخَدّة، ونحو ذلك تحت الميت في القبر، وشذّ عنهم البغويّ من أصحابنا، فقال: في كتابه "التهذيب": لا بأس بذلك؛ لهذا الحديث، والصواب كراهته، كما قال الجمهور.
أ- عن أبي بُرْدَة قالَ (أوصى أَبُو مُوسَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، قَال: إِذَا انْطَلَقْتُمْ بِجِنَازَتِي فَأَسْرِعُوا بِهِ الْمَشْيَ، وَلَا تَتَّبِعُونِي بِمِجْمَرٍ، وَلَا تَجْعَلُنَّ عَلَى لَحْدِي شَيْئًا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ التُّرَابِ … الحديث، وفي آخره، قَالُوا لَهُ: سَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ رواه ابن ماجه.
стр. 1272
ب- روي عن ابن عباس (أنه كره أن يلقى تحت الميت في القبر شيء) رواه الترمذي.
ج- أن الواقع في زمن النبوة بمرأى ومسمع من رسول الله ﷺ هو وضع الميت على الأرض، ففي فرش القبر مخالفة للسنة الثابتة، وكذا بعد زمن النبوة، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف فعل ذلك.
د- أن هذا الفعل فيه إتلاف للمال، وإضاعة له، وقد نهي عن ذلك.
فائدة:
روى مسلم في صحيحه: عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ).
وفي رواية النسائي (جعِلَ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دُفِنَ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ).
والجواب عن هذا:
أ- أن وضع القطيفة في قبر النبي ﷺ لم يكن صادراً من جملة الصحابة ولا برضاهم ولا بعلمهم، وإنما فعله شقران مولى رسول الله ﷺ .
وقد روى ابن عباس قال (وقد كان شقران حين وضع رسول الله ﷺ في حفرته أخذ قطيفة قد كان رسول الله ﷺ يلبسها ويفرشها فدفنها معه في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت مع رسول الله ﷺ رواه البيهقي.
قال البيهقي: وهي تدل على أنهم لم يفرشوها في القبر استعمالاً للسنة في ذلك.
وقال البغوي: فهذا يدل على أنهم لم يجعلوا القطيفة في القبر لتكون فراشاً له.
قال النووي: وأجابوا عن هذا الحديث بأن شُقران انفرد بفعل ذلك، لم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، وإنما فعله شقران لما ذكرناه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي ﷺ لأن النبي ﷺ كان يلبسها، ويفترشها، فلم تطب نفس شقران أن يبتذلها أحد بعد النبي لمجر، وخالفه غيره، فروى البيهقيّ عن ابن عباس ﵄ أنه كره أن يُجعل تحت الميت ثوب في قبره. واللَّه أعلم. (شرح مسلم).
стр. 1273
ب- وقيل: إنما صنع برسول الله ﷺ ذلك لأن أرض المدينة أرض سبخة.
ج- وقيل: أن هذه القطيفة التي وضعت في قبر النبي ﷺ أخرجت.
قال ابن عبد البر: وطُرح في قبره سمل قطيفة كان يلبسها، فلما فرغوا من وضع اللبن أخرجوها وأهالوا التراب على لحده.
(وَيَقُولُ مُدْخِلُهُ: بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّة رَسُولِ الله).
أي: يسن أن يقول من يدخل الميت في قبره: بسم الله وعلى ملة رسول الله.
لحديث ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رواه أبو داود.
فائدة:
لا يشترط فيمن يتولى إدخال الميتة في قبرها أن يكون من محارمها.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ (شَهِدْنَا بِنْتاً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ -قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ- فَقَالَ «هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ «فَانْزِلْ». قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا) رواه البخاري.
قوله (لم يقارف): أي لم يجامع، ويؤيد هذا المعنى أنه جاء في رواية (لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة) وقيل: لم يذنب، والصحيح الأول.
ففي هذه القصة نزل أبو طلحة، مع أن أبوها وهو الرسول ﷺ كان موجوداً، وكذلك زوجها عثمان.
لكن الأولى أن يكون من محارمها إن وجِد.
стр. 1274
قال ابن قدامة ﵀: لا خلاف بين أهل العلم في أن أولى الناس بإدخال المرأة قبرها محرمها، وهو من كان يحل له النظر إليها في حياتها، ولها السفر معه، وقد روى الخلال بإسناده عن عمر ﵁ أنه قام عند منبر رسول الله ﷺ حين توفيت زينب بنت جحش فقال: ألا إني أرسلت إلى النسوة: من يدخلها قبرها؟ فأرسلن من كان يحل له الدخول عليها في حياتها. فرأيت أن قد صدقن. (المغني).
قال الشيخ الألباني أخرجه ـ أثر عمر ﵁ ـ الطحاوي (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥) والبيهقي (٣/ ٥٣) بسند صحيح. ينظر كتاب الجنائز (١/ ١٤٨).
فإن لم يكن لها محارم أو وجدوا إلا أن بهم مانعاً جاز أن ينزلها الأجنبي لحديث أنس السابق.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: العلماء فيما أعلم لم يقل أحد منهم: إن المرأة يحرم أن يدخلها في قبرها من جامع تلك الليلة، لكنهم قالوا: من بعد عهده بالجماع فهو أولى … وبعض الناس يظنون أنه لا ينزل المرأة في قبرها إلا من كان من محارمها، وهذا غير صحيح، ينزلها من كان أعرف بطريقة الدفن، سواء كان من محارمها أو من غير محارمها (لقاء الباب المفتوح)
وقال ﵀ أيضاً: المرأة يضعها في قبرها أي رجل من الرجال، سواء كان من محارمها أو من غير محارمها؛ لكن الأفضل من محارمها، إلا إذا علمنا أن أحداً من الناس لم يجامع تلك الليلة كرجل نعلم أنه ليس له زوجة، أو نعلم أنه قد تجاوز سن الشهوة، فقد قال العلماء ﵏: إن من بَعُدَ عهده بالجماع أولى ممن قَرُب. (لقاء الباب المفتوح)
стр. 1275
(والرجال - ولو كانوا أجانب - أولى من النساء في دفن المرأة).
أن الذي يتولى إنزال المرأة لقبرها الرجال دون النساء.
ويدل لذلك:
أ-لحديث أنس السابق.
قال النووي: وهذا مما يحتج به في كون الرجال هم الذين يتولون الدفن وإن كان الميت امرأة. (المجموع)
وقال: ومعلوم أنه كانت أختها فاطمة وغيرها من محارمها وغيرهن هناك، فدل على أنه لا مدخل للنساء في إدخال القبر والدفن. (المجموع)
ب-ولأن تولي الرجال للجنائز في الدفن هو سنة النبي ﷺ ، وهو الذي جرى عليه عمل المسلمين.
ج-ولأن الدفن يحتاج إلى بطش وقوة، والرجال أقوى وأشد بطشاً، فهم بذلك أعرف وعليه أقدر.
د- أن الجنائز يحضرها جموع الرجال غالباً، وفي نزول النساء القبر بين أيديهم تعريض لهن بالهتك والكشف بحضرة الرجال.
стр. 1276
(وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى شِقِّهِ الأْيْمَن).
أي: يسن أن يوضع الميت في قبره على شقه الأيمن، فإن وضعه على جنبه الأيسر جاز ذلك، وكان تاركاً للأفضل.
أ- أن وضع الميت بهذه الكيفية هي طريقة السلف والخلف وهو شعار السنة، وعليه جرى عمل أهل الإسلام من عهد النبي ﷺ .
ب- قياس وضع الميت في قبره على المصلي مضطجعاً.
ج- قياسه على الاضطجاع عند النوم، فإنه يندب الاضطجاع على اليمين، والنوم موتة صغرى، والميت مشبّه بالنائم.
قال النووي: واتفقوا على أنه يستحب أن يضجع على جنبه الأيمن، فلو أضجع على جنبه الأيسر مستقبل القبلة جاز، وكان خلاف الأفضل. (المجموع)
وقال المرداوي: وضعه في لحده على جنبه الأيمن مستحب، بلا نزاع.
(مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ).
أي: يجب أن يكون الميت في القبر مستقبلاً القبلة.
أ-لقوله ﷺ في الكعبة (قبلتكم أحياء وأمواتاً).
ب- ولأنه طريقة المسلمين بنقل الخلف عن السلف. (كشاف القناع)
قال النووي: يجب وضع الميت في القبر مستقبل القبلة. … (المجموع)
وقال المرداوي: … وكونه مستقبل القبلة واجب، على الصحيح من المذهب. (الإنصاف)
стр. 1277
فائدة:
قال المرداوي:. . .، فعلى المذهب: لو وضع غير مستقبل القبلة نبش على الصحيح من المذهب، قال ابن عقيل: قال أصحابنا: ينبش إلا أن يخاف أن يتفسخ.
(وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الأْرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ).
أي: يسن أن يرفع القبر عن الأرض قدر شبر.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ- لحديث جابر (أن النبي ﷺ ألحد ونصب عليه … ورفع قبره من الأرض نحواً من شبر) رواه ابن حبان.
ب- وجاء في ذلك بعض الآثار عن بعض السلف.
ج- ولأن القبر يرفع عن الأرض ليعلم أنه قبر فيتوقى ويصان ولا يهان، ويترحم على صاحبه.
واستثنى العلماء من هذه المسألة: إذا مات الإنسان في دار حرب، أي: في دار الكفار المحاربين، فإنه لا ينبغي أن يُرفع قبره، بل يسوى بالأرض خوفاً عليه من الأعداء أن ينبشوه، ويمثلوا به، وما أشبه ذلك.
(مُسَنَّماً).
أي: يجعل كالسنام بحيث يكون وسطه بارزاً على أطرافه، وضد المسنم: المسطح الذي يجعل أعلاه كالسطح.
والدليل على هذا: أن هذا هو صفة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه. … (الشرح الممتع)
أ- روى البخاري عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا.
ب- ما ورد في قبور شهداء أحد أنها كانت مسنمة، فعن الشعبي قال: رأيت قبور شهداء أحد جثاء مسنمة. رواه ابن أبي شيبة
أما ما رواه مسلم عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ).
стр. 1278
فالمقصود بالتسوية هنا، أي تسويته بسائر القبور، وقد تقدم أنها تكون في حدود الشبر.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: "فِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنَّ الْقَبْر لَا يُرْفَع عَلَى الْأَرْض رَفْعًا كَثِيرًا، وَلَا يُسَنَّم، بَلْ يُرْفَع نَحْو شِبْر وَيُسَطَّح، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْأَفْضَل عِنْدهمْ تَسْنِيمهَا وَهُوَ مَذْهَب مَالِك" انتهى.
فائدة:
كره العلماء أن يزاد على تراب القبر أكثر مما خرج منه.
واستدلوا على الكراهة بحديث جابر قال (نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على القبر أو يزاد عليه … ) رواه مسلم دون قوله (أو يزاد عليه) فهي عند أبي داود والنسائي.
والمراد بقوله (أو يزاد عليه) الزيادة على ترابه، بأن يزاد على التراب الذي خرج منه.
ولهذا بوب البيهقي على هذا اللفظ من هذا الحديث، فقال: باب لا يزاد في القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع جداً.
وقالوا: إن زيادة التراب على القبر يجري مجرى البناء، فلا يزاد عليه تراب من غيره، لئلا يرتفع القبر ارتفاعاً كثيراً.
وذهب ابن حزم إلى أن الزيادة على تراب القبر حرام.
(وسنّ حثو التراب عليه ثلاثاً ثم يهال).
أي: إذا فرغ من دفن الميت ومن وضع اللبن أو غيره على اللحد، فإنهم يهيلون التراب عليه، وهذا من تمام الدفن.
وفي الحديث عن أنس قال (لما دفن النبي ﷺ قالت فاطمة: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب). رواه البخاري
стр. 1279
وهذا يدل على أن الحاضرين لدفن الميت يردون تراب القبر على القبر بالمساحي والأيدي.
ويستحب لكل من حضر دفن الميت أن يحثو التراب على قبره ثلاث حثيات بيديه جميعاً.
أ-لحديث عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَأَتَى الْقَبْرَ، فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَهُوَ قَائِمٌ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْني. [وهو ضعيف].
ب-ولحديث أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قِبل رأسه ثلاثاً) وهذا مختلف فيه: صححه النووي، وابن القطان، والبوصيري، والألباني، وضعفه أبو حاتم، وأبو زرعة.
ج- حديث جعفر بن محمد عن أبيه (أن النبي ﷺ حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعاً) رواه الشافعي وهو ضعيف.
د-وجاء عن ابن عباس: (أنه لما دفن زيد بن ثابت حثا عليه التراب ثم قال: هكذا يذهب العلم) أخرجه البيهقي.
وهذا القول هو الراجح. (فالأحاديث الواردة كلها فيها نظر لكن لعل بعضها يقوي بعض).
فائدة:
استحب البعض عند حثُ التراب على الميت أن يقول في الحثية الأولى (منها خلقناكم) وفي الثانية (ومنها نعيدكم) وفي الثالثة (ومنها نخرجكم تارة أخرى) والحديث الوارد في ذلك لا يصح.
وهو حديث أبي أمامة قال (لما وضعت أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ في القبر، قال ﷺ (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً
أُخْرَى) رواه أحمد والبيهقي.
قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف، وضعفه ابن حجر ﵀.
стр. 1280
(ورش القبر بالماء).
أي: يسن رش القبر بالماء.
لورود ذلك في بعض الأحاديث التي فيها ضعف.
وقالوا: إن القبر إذا رُش بالماء كان أكثر إبقاء، وأبعد عن التناثر والاندراس.
(والاستغفار له).
أي: يسن الدعاء للميت بعد الفراغ من دفنه بالاستغفار والتثبيت.
لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَال: اِسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وقف عليه) أي: على قبره. (فقال استغفروا لأخيكم) أي اطلبوا له المغفرة من الله. أي قولوا: اللهم اغفر له. (وسلوا له التثبيت) أي اطلبوا له من اللّه تعالى أن يثبت لسانه لجواب الملَكين. أي: قولوا: ثبته اللّه بالقول الثابت. (فإنه الآن يسأل) أي: يأتيه في تلك الحال ملكان، وهما منكر ونكير ويسألانه، فهو أحوج ما كان إلى الاستغفار والتثبيت.
فائدة:
اختلف العلماء في الموعظة عند القبر على أقوال:
فقيل: بجوازها.
أ- لحديث عَلِي ﵁ قَالَ (كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثمَّ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً، أَوْ سَعِيدَةً فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى)). متفق عليه
стр. 1281
قال ابن بطال: فيه جواز القعود عند القبور، والتحدث عندها بالعلم والمواعظ.
ب- ولحديث الْبَرَاء بْن عَازِبٍ، قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، زَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ هَاهُنَا وَقَالَ: وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ: يَا هَذَا، مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ قَالَ هَنَّادٌ: قَالَ: وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ … ) رواه أبو داود.
ج- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ (شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ جِنَازَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ فَأَقْعَدَهُ، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه … ) رواه أحمد.
القول الثاني: لا تشرع الموعظة عند القبر إلا لعارض أحياناً وليس دائماً.
واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين.
قالوا: لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة الوعظ عند القبر.
وفي حديث البراء السابق (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمّا يلحد، فجلس رسول الله ﷺ
وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر … ).
стр. 1282
فهذا يدل على جواز الموعظة عند القبر في بعض الأحيان وليس ذلك سنة راتبة، بل إن قول البراء في الحديث (ولمّا يلحد) دليلاً على أن الوعظ كان لعارض وهو تأخر دفن الميت، لأن القبر لم يجهز، فأراد النبي ﷺ موعظة أصحابه إلى أن يُنتهى من تجهيز القبر. … والله أعلم.
(ويجوز الدفن ليلاً إلا من ضرورة).
أي: ويجوز دفن الميت ليلاً.
وهذا قول الجمهور.
قال النووي: وهذا هو قول جماهير العلماء من السلف والخلف.
أ- لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلاً فَقَالَ «مَتَى دُفِنَ هَذَا». قَالُوا الْبَارِحَةَ. قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي، قَالُوا دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْه) رواه البخاري.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينكر على الصحابة دفنهم إياه بالليل، وإنما أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره.
ب-ولحديث أبي هريرة ﵁ قال (أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد -وفي رواية: كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد- ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها فقالوا: ماتت، قال: أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: فكأنهم صغروا أمرها، وفي رواية: قالوا: ماتت من الليل ودفنت فكرهنا أن نوقظك، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه فصلى عليها ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) متفق عليه، والرواية التي فيها وجد الشاهد عند البيهقي.
стр. 1283
ووجه الدلالة: كسابقه من حيث إقرار النبي ﷺ وعدم إنكاره على الصحابة الدفن بالليل.
قال ابن عبد البر: في الحديث دليل واضح على جواز الدفن بالليل.
ج-أن النبي ﷺ دفن ليلاً.
عن عائشة قالت (ما علمنا بدفن النبي ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء … ) رواه أحمد.
قال الطحاوي: … وهذا بحضرة أصحاب النبي ﷺ لا ينكره أحد منهم.
د-أن أبا بكر ﵁ دفن ليلاً.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلْتُ عَلَى أَبِى بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالَتْ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلْتُ إِنَّ هَذَا خَلَقٌ. قَالَ إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِح) رواه البخاري.
стр. 1284
ه- أن فاطمة دُفنت بالليل.
عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِى بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكَ، وَمَا بَقِىَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا الْمَالِ». وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئاً مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئاً فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِى بَكْرٍ فِي ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ، دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِىٌّ لَيْلاً) متفق عليه.
و - (أن ابن مسعود ﵁ دفن ليلاً) أخرجه ابن أبي شيبة.
قال ابن قدامة: وَمِمَّنْ دُفِنَ لَيْلًا: عُثْمَانُ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ.
فائدة: ١
فإن قيل: ما الجواب عن حديث جَابِر ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه.
стр. 1285
ولفظ مسلم في صحيحه:
عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْماً فَذَكَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلاً فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَه).
قيل: إن النهي الوارد في الحديث إنما هو عن دفن الميت قبل الصلاة عليه ويدل عليه ( .. فزجر النبي … حتى يصلى عليه).
وقيل: إن النهي في الحديث عن الدفن ليلاً ليس لذات الدفن، وإنما لما يترتب عليه من قلة المصلين، فإن الدفن بالنهار يحضره كثير من الناس ويصلون عليه، ولا يحضره في الليل إلا أفراد.
وقيل: إن النهي عن الدفن في الليل إنما كان لما يترتب عليه من إساءة الكفن، لأن الدفن ليلاً مظنة إساءة الكفن ورداءته.
قال ابن قدامة: وَحَدِيثُ الزَّجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالتَّأْدِيبِ؛ فَإِنَّ الدَّفْنَ نَهَارًا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى مُتَّبِعِهَا، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا، وَأَمْكَنُ لِإِتْبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ وَإِلْحَادِهِ.
فائدة: ٢
ورد أن عائشة طلبت أن تدفن ليلاً.
هكذا ذكره محمد بن عمر الواقدي كما أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٦ - ٧ وابن سعد في طبقاته ٨/ ٧٦ - ٧٧، وسير أعلام النبلاء ٢/ ١٩٢ وغيرها من المصادر.
والظاهر والله أعلم إما لئلا يؤخر دفنها لأنها كما ورد أنها ماتت ليلة السابع عشر من رمضان بعد الوتر، أو لأنّ ذلك أستر لها أو لعله ظهر في زمنها لا سيما في أواخر عمرها من يكره الدفن ليلاً فأرادت أن تبيّن الحكم .. أو لغير ذلك. وعموماً فإن الدفن بالليل جائز للحاجة والله تعالى أعلم. … (الإسلام سؤال وجواب).
стр. 1286
(وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ القبر).
أي: يكره أن يجصص القبر، والصواب تحريم ذلك:
لحديث جَابِرٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ) رواه مسلم.
قال القرطبي: التجصيص هو البناء بالجص.
فائدة:
الحكمة من النهي:
أولاً: سد ذريعة الشرك.
ثانياً: لما في ذلك من تعظيم القبور والمباهاة فيها، وهذا باب قد يصل بصاحبه إلى الإخلال بالتوحيد.
ثالثاً: أن التجصيص في الأبنية إنما هو للزينة ولإحكام البناء، ولا حاجة للميت في قبره للزينة.
رابعاً: أن في ذلك خيلاء وإسراف.
خامساً: أن في ذلك تضييعاً للمال وإسرافاً بلا فائدة. (كتاب أحكام المقابر).
ويلحق بالتجصيص كل ما شابهه من تلوين القبر أو تزويق أو تخليق أو جعل الرخام عليه.
(وَالْبِنَاء).
أي: ويكره البناء على القبور، والصحيح تحريم ذلك:
أ- لحديث جَابِر السابق (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ).
ب-ولحديث أبي سعيد (أن النبي ﷺ نهى أن يبنى إلى القبر) رواه ابن ماجه.
стр. 1287
ج- ومما يدل على التحريم: حديث أَبِى الْهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ (أَلاَّ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ) رواه مسلم.
قال الشوكاني: ومن رفْع القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أولياً، القبب والمشاهد المعمورة على القبور.
فائدة:
الحكمة من ذلك: أن ذلك وسيلة إلى عبادتها، وأن هذا من فعل عباد القبور والروافض، وسد باب الشرك، وأن ذلك إسرافاً وتضييعاً للمال.
(والجُلوسُ عليه).
أي: ويكره الجلوس على القبر، والصحيح تحريم ذلك:
أ- عن أَبِى مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا) رواه مسلم.
ج- وعن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) رواه مسلم.
(والكتابة).
أي: يكره أن يكتب على القبر شيء.
أ- لحديث جابر السابق (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ) وعند الترمذي (وأن يكتب عليه).
ب- ولأن الكتابة على القبر لم تكن معهودة عند السلف الصالح.
ج- ولأن الكتابة على القبر قد تكون طريقاً للمباهاة والفخر والخيلاء.
د-وفي ذلك سداً للذرائع الشرك.
стр. 1288
والنهي عن الكتابة يشمل الكتابة التي فيها ذكر اسم صاحب القبر، أو تاريخ وفاته، أو كتابة شيء من القرآن، أو أسماء الله تعالى.
قال الشيخ ابن باز: لا يجوز البناء على القبور لا بصبة ولا بغيرها ولا تجوز الكتابة عليها؛ لما ثبت عن النبي ﷺ من النهي عن البناء عليها والكتابة عليها، فقد روى مسلم ﵀ من حديث جابر ﵁ قال (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه) وخرجه الترمذي وغيره بإسناد صحيح وزاد (وأن يكتب عليه) ولأن ذلك نوع من أنواع الغلو فوجب منعه.
ولأن الكتابة ربما أفضت إلى عواقب وخيمة من الغلو وغيره من المحظورات الشرعية، وإنما يعاد تراب القبر عليه ويرفع قدر شبر تقريبا حتى يعرف أنه قبر، هذه هي السنة في القبور التي درج عليها رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃.
فائدة: ١
ذهب بعض العلماء إلى أن الكتابة على القبر مكروهة.
جاء في (الموسوعة الفقهية) واختلف الفقهاء أيضاً في الكتابة على القبر، فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى كراهة الكتابة على القبر مطلقاً؛ لحديث جابر قال: (نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه) … وذهب الحنفية والسبكي من الشافعية إلى أنه لا بأس بالكتابة إن احتيج إليها حتى لا يذهب الأثر ولا يمتهن … " انتهى
стр. 1289
فائدة: ٢
قال الشيخ ابن عثيمين: والكتابة عليه فيها تفصيل: الكتابة التي لا يُراد بها إلا إثبات الاسم للدلالة على القبر، فهذه لا بأس بها، وأما الكتابة التي تشبه ما كانوا يفعلونه في الجاهلية يكتب اسم الشخص ويكتب الثناء عليه، وأنه فعل كذا وكذا وغيره من المديح أو تكتب الأبيات …
فهذا حرام، ومن هذا ما يفعله بعض الجهال أنه يكتب على الحجر الموضوع على القبر سورة الفاتحة مثلاً .. أو غيرها من الآيات فكل هذا حرام وعلى من رآه في المقبرة أن يزيل هذا الحجر، لأن هذا من المنكر الذي يجب تغييره.
فائدة: ٣
يجوز تعليم القبر بشيء مباح، فقد جاء في السنة ما يبين ذلك.
عن كثير بن زيد المدني عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدُفن؛ أَمَر النبي ﷺ رجلاً أن يأتيه بحجَرٍ فلم يستطع حملَه، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه - قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله ﷺ قال: - كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أَتَعَلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي) رواه أبو داود، والحديث: حسَّن إسنادَه الحافظ ابن حجر.
стр. 1290
قال ابن قدامة: ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة، قال أحمد: لا بأس أن يعلِّم الرجل القبرَ علامةً يعرفه بها، وقد علَّم النبي ﷺ قبرَ عثمان بن مظعون.
(ويكره المشي بالنعل بين القبور إلا لخوف شوك ونحوه).
أي: يكره المشي بين القبور بالنعال.
وهذا المذهب.
وذهب ابن حزم إلى تحريم ذلك.
لحديث بَشِير بن الخصاصية. قَالَ (بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا ثَلَاثًا ثُمَّ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا وَحَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَظْرَةٌ، فَإِذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، وَيْحَكَ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا) رواه أبو داود. (قال النووي: إسناده حسن).
فهذا أمر من النبي ﷺ وأقل أحوال الأمر الندب، وهو يتضمن النهي عن المشي بين القبور بالنعال، وأقل ما يحمل عليه النهي الكراهة.
قال ابن قدامة: هَذَا مُسْتَحَبٌّ، ثم ذكر الحديث السابق.
ب- وَلِأَنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْنِ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ، وَزِيُّ أَهْلِ التَّوَاضُعِ، وَاحْتِرَامُ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ. (المغني).
стр. 1291
فائدة: ١
فإن قيل: ما الجواب عن حديث أَنَسٍ. قال: قَالَ ﷺ (الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ … ) متفق عليه.
الجواب من وجوه:
أولاً: أن هذا الحديث فيه إخبار من النبي ﷺ بالواقع وهو سماع الميت قرع نعال الحي، وهذا الإخبار لا يدل على الإذن في قرع القبور والمشي بينها بالنعال، إذ الإخبار عن وقوع الشيء لا يدل على جوازه ولا تحريمه.
ثانياً: أنه يحتمل أن المراد سماع الميت قرع نعال أصحابه بعد أن يجاوزوا المقبرة ويبتعدوا عن القبور.
ثالثاً: أن ما ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث تمثيل لسرعة سؤال الرجل في قبره، وليس فيه تعرض للحكم.
فائدة: ٢
استثنى فقهاء الحنابلة من هذا الحكم بعض الصور:
الأولى: أن يكون للماشي بين القبور عذر يمنعه من خلع نعليه، بحيث يتأذى من المشي بدونهما، كأن يكون في المقبرة شوك، أو نجاسة، أو حرارة في الأرض.
الثانية: أن يكون النزع للملبوس يشق كالخفاف.
стр. 1292
(ويَحْرُمُ فِيهِ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ إِلاّ لِضَرُورَةٍ).
أي: يحرم في القبر دفن اثنين فأكثر.
وهذا قول جمهور العلماء.
لأن هذا خلاف عمل المسلمين.
قال النووي في المجموع: لا يجوز أن يدفن رجلان ولا امرأتان في قبر واحد من غير ضرورة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه مكروه.
وهذا اختيار ابن تيمية.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والراجح عندي - والله أعلم - القول الوسط، وهو الكراهة، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، إلا إذا كان الأول قد دفن واستقر في قبره، فإنه أحق به، وحينئذٍ فلا يُدخل عليه ثان، اللهم إلا للضرورة القصوى.
وقيل: لا يكره، وإنما هو ترك للأفضل، فحسب.
والراجح التحريم.
стр. 1293
• قوله (إِلاّ لِضَرُورَةٍ) أي: فيجوز، ككثرة الموتى، أو قلة من يدفن.
لحديث جابر. قَالَ (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ اَلرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحَدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ?، فَيُقَدِّمُهُ فِي اَللَّحْدِ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي.
ب- وعن أبي قتادة أنه قال: (أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله، حتى أقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله ﷺ : نعم، فقتلوا يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، … فأمر رسول الله ﷺ بهما وبمولاهما، فجعلوا في قبر واحد). رواه أحمد بسند حسن كما قال الحافظ.
وفي حديث جابر في قصة استشهاد أبيه في آخرها: ( … فكان أول قتيل، ودفن معه آخر في قبر … ).
فائدة: ١
قوله (في ثوب واحد) اختلف العلماء في معناها على قولين:
قيل: أنه يشق الثوب بين الاثنين فيكفن هذا في بعضه وهذا في بعضه، لئلا يمس بشرة كل إنسان بشرة الآخر، وهذا اختيار ابن تيمية.
ولأن ذلك أدعى إلى ستر العورة.
قال ابن تيمية: معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة، فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة، وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث (أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآناً فيقدمه في اللحد) فلو أنهم في ثوب واحد جملةً لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كي لا يؤدي إلى نقض الكفن وإعادته.
стр. 1294
وقيل: يجمعهم في ثوب واحد ملتصقين.
أ- لأن هذا هو ظاهر اللفظ.
ب- ويؤيده قول جابر (فكفّن أبي وعمي في نمِرة واحدة).
فائدة: ٢
اختلف العلماء في الذكر والأنثى، هل يدفنان جميعاً؟
فقيل: لا مانع من دفنهما إذا كان الرجل أحد محارمها.
وقيل: لا تدفن مطلقاً.
قال الحافظ ابن حجر: روى عبد الرزاق بإسناد حسن عن وائلة بن الأسقع (أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل وتجعل المرأة وراءه).
وكان يجعل بينهما حائلاً من تراب ولا سيما إذا كان أجنبيين.
فائدة: ٣
قوله (أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ) جاء عند الترمذي (أيهم أكثر حفظاً للقرآن).
ففيه أن الذي يقدم في اللحد أفضلهم وأكثرهم أخذاً للقرآن، يعني يكون إلى جهة القبلة.
وفيه فضيلة ظاهرة لقارئ القرآن.
قال الحافظ: ويلحق به أهل الفقه والزهد وسائر وجوه الفضل.
وقد قال ﷺ : (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين). رواه مسلم
стр. 1295
فصاحب القرآن له منزلة عالية:
في الدين:
(إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) رواه مسلم.
وفي الآخرة:
قال ﷺ : (يقال لقارئ القرآن اقرأ وارتقِ ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها) رواه أبو داود.
(وَلَا تُكْرَهُ القِرَاءَةُ عَلَى القَبْرِ).
أي: لا تكره أن يقرأ الإنسان القرآن عند القبر.
أ- لفعل ابن عمر أنه كان يقرأ عند القبر بعد الدفن أول البقرة وخاتمتها. رواه البيهقي.
ب- ولحديث ابن عباس (مرّ رسول الله ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان بكبير … الحديث: فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحداً، وعلى هذا واحداً، ثم قال: لعله يخفف عنهما مالم ييبسا) متفق عليه.
قال النووي: اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاء قِرَاءَة الْقُرْآن عِنْد الْقَبْر لِهَذَا الْحَدِيث؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يُرْجَى التَّخْفِيف بِتَسْبِيحِ الْجَرِيد فَتِلَاوَة الْقُرْآن أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم).
وذهب بعض العلماء: إلى أن قراءة القرآن عند القبر مكروهة.
أ- لقوله ﷺ (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) رواه مسلم.
قال القاضي أبو يعلى: فلولا أن المقبرة لا يقرأ فيها لم يشبه البيت الذي لا يقرأ فيه بالمقبرة.
ب- أن القراءة عند القبر عمل مبتدع، لم يفعله النبي ﷺ ، ولم يكن عليه فعل الصحابة، ولم يكن معروفاً عند السلف الصالح.
وهذا الراجح.
стр. 1296
قال الشيخ ابن باز: ليس لقراءة القرآن على الميت أو على القبر أصل صحيح، بل ذلك غير مشروع، بل من البدع. اهـ.
وقال الشيخ ابن عثيمين: قراءة القرآن الكريم على القبور بدعة، ولم ترد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه … والواجب على المسلمين أن يقتدوا بمن سلف من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان حتى يكونوا على الخير والهدى. اهـ.
وقال الشيخ الألباني في أحكام الجنائز: قراءة القرآن عند زيارة القبور مما لا أصل له في السنة. اهـ.
(وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لمسلمِ ميت نَفَعَهُ ذَلِك).
المراد بالقربة ما يُتقرب به إلى الله تعالى من الطاعات مثل الدعاء، والاستغفار، والصدقة، والصلاة، والصوم، والحج، وقراءة القرآن وغير ذلك، فلا فرق بين القربة البدنية والمالية.
قوله (فعلها) أي: فعلها شخص مسلم سواء كان من أقارب الميت أو من غيرهم.
قوله (نفعه) أي: يصل ثوابها إليه بكرم الله ورحمته.
وهذا أحد الأقوال في المسألة: وهو أن جميع القرب تُهدى للأموات ويصل ثوابها إليهم.
وهذا مذهب الحنابلة.
واستدلوا بالقياس على ما ثبت في الشرع.
والقول الثاني في المسألة: أنه لا يهدى للأموات إلا ما دل الدليل على جواز إهدائه، لأن وصول الثواب إلى الأموات من الأمور التوقيفية التي لا مجال للرأي فيها، وإنما يعمل فيها بما يقتضيه الدليل.
وقد ورد النص في أمور ينتفع بها الميت:
منها: الدعاء، وهذا بالإجماع.
قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).
стр. 1297
وقال ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: … وذكر منها أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.
وصلاة الجنازة، فإن أهم ما فيها الدعاء للميت.
والأدعية التي سبقت التي تقال في صلاة الجنازة للميت.
وكذا الدعاء له بعد الدفن، كما في سنن أبي داود من حديث عثمان قال (كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل).
وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم.
ومنها: الصدقة.
لحديث عائشة قالت (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أمي افتُلتتْ نفسُها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقتُ عنها، قال: نعم) متفق عليه.
وعن عبد الله بن عباس (أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقتُ عنها، قال: نعم) رواه البخاري.
ومنها: الصوم.
لحديث عائشة. قالت: قال رسول الله ﷺ (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) متفق عليه.
ومنها: الحج.
لحديث ابن عباس (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرتْ أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمكِ دينٌ أكنتِ قاضيتَه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري.
стр. 1298
ومنها: الدين.
فقد أجمع المسلمون على أن قضاء الديْن من ذمةِ الميت يسقطه، ولو كان من أجنبي، ومن غير تركته.
وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة. عن النبي ﷺ أنه قال (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفيَ من المؤمنين فترك ديْناً فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته) متفق عليه.
الخلاصة:
اختلف العلماء في جواز إهداء الثواب للموتى وهل يصلهم ذلك على قولين:
القول الأول: أن كل عمل صالح يهدى للميت فإنه يصله، ومن ذلك قراءة القرآن والصوم والصلاة وغيرها من العبادات.
القول الثاني: أنه لا يصل إلى الميت شيء من الأعمال الصالحة إلا ما دل الدليل على أنه يصل.
وهذا هو القول الراجح.
والدليل عليه قوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى).
وقوله ﵇: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
وقد مات عم النبي ﷺ حمزة ﵁، وزوجته خديجة، وثلاث من بناته، ولم يرد أنه قرأ عن واحد منهم القرآن، أو ضحى أو صام أو صلى
عنهم، ولم ينقل شيء من ذلك عن أحد من الصحابة، ولو كان مشروعاً لسبقونا إليه.
стр. 1299
أما ما دل الدليل على استثنائه ووصول ثوابه إلى الميت فهو: الحج، والعمرة، والصوم الواجب، والصدقة، والدعاء.
قال ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) ومن هذه الآية استنبط الشافعي ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيراً لسبقونا إليه وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة، فذاك مجمع على وصولها ومنصوصٌ من الشارع عليها " ا. هـ (تفسير ابن كثير ٤/ ٢٥٨)
(وَسُنَّ أَنْ يُصْلِحَ لأَهْلِ المَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِمْ).
لحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ: - لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ -حِينَ قُتِلَ- قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ) رواه أبو داود.
(اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا) خطاب منه ﷺ لأهله أن يصنعوا لآل جعفر طعاماً، والمراد بآل جعفر: زوجته أسماء بنت عُمَيْس وأولاده.
فالحديث دليل على استحباب صنع الطعام لأهل الميت في يوم مصيبتهم.
قال الإمام الشافعي: وَأُحِبُّ لِجِيرَانِ الْمَيِّتِ، أَوْ ذِي قَرَابَتِهِ: أَنْ يَعْمَلُوا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي يَوْمِ يَمُوتُ وَلَيْلَتِهِ: طَعَامًا يُشْبِعُهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَذِكْرٌ كَرِيمٌ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْخَيْرِ قَبْلَنَا وَبَعْدَنَا. (الأم).
وقال الشوكاني ﵀: فِيه مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ بِمُؤْنَةِ أَهْلِ الْمَيِّتِ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ؛ لِاشْتِغَالِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِمَا دَهَمَهُمْ مِنْ الْمُصِيبَة. (نيل الأوطار).
стр. 1300
فائدة:
الحكمة من هذا الأمر:
أن أهل الميت مشغولون بمصيبتهم فلا يقدرون على صنع طعامهم.
قال ابن قدامة: يُسْتَحَبُّ إصْلَاحُ طَعَامٍ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ، يَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ، إعَانَةً لَهُمْ، وَجَبْرًا لِقُلُوبِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا اشْتَغَلُوا بِمُصِيبَتِهِمْ، وَبِمَنْ يَأْتِي إلَيْهِمْ، عَنْ إصْلَاحِ طَعَامٍ لَأَنْفُسِهِم.
وقال العيني: يستفاد من الحديث استحباب صنعة الطعام لأهل الميت، سواء كان الميت حاضراً، أو جاء خبر موته، وذلك لاشتغال أهله بخبره، أو بحاله، ولذلك علل ﵇ بقوله: (فإنه قد أتاهم أمرٌ يَشغَلُهم) أي: فإن الشأن: قد أتاهم أمر، أي: شأن وحالة، شَغلهم عن صنعة الطعام وغيره. (شرح سنن أبي داود).
فائدة: ٢
حكم صنع أهل الميت الطعام للناس:
بدعة، بل عده بعض العلماء من النياحة.
قال الشيخ ابن باز: الأفضل أن يصنع الجيران والأقارب الطعام في بيوتهم ثم يهدوه إلى أهل الميت؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه لما بلغه موت ابن عمه جعفر بن أبي طالب ﵁ في غزوة مؤتة أمر أهله أن يصنعوا لأهل جعفر طعاماً وقال: (لأنهم قد أتاهم ما يشغلهم).
وأما كون أهل الميت يصنعون طعاماً للناس من أجل الميت فهذا لا يجوز وهو من عمل الجاهلية سواء كان ذلك يوم الموت أو في اليوم الرابع أو العاشر أو على رأس السنة، كل ذلك لا يجوز لما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي - أحد أصحاب النبي ﷺ أنه قال (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصناعة الطعام بعد الدفن من النياحة) أما إن نزل بأهل الميت ضيوف زمن العزاء فلا بأس أن يصنعوا لهم
الطعام من أجل الضيافة، كما أنه لا حرج على أهل الميت أن يدعوا من شاؤا من الجيران والأقارب ليتناولوا معهم ما أهدي لهم من الطعام، والله ولي التوفيق.
следующие страницы →