← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قال الشيخ ابن باز: ليس لقراءة القرآن على الميت أو على القبر أصل صحيح، بل ذلك غير مشروع، بل من البدع. اهـ. وقال الشيخ ابن عثيمين: قراءة القرآن الكريم على القبور بدعة، ولم ترد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه … والواجب على المسلمين أن يقتدوا بمن سلف من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان حتى يكونوا على الخير والهدى. اهـ. وقال الشيخ الألباني في أحكام الجنائز: قراءة القرآن عند زيارة القبور مما لا أصل له في السنة. اهـ. (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لمسلمِ ميت نَفَعَهُ ذَلِك). المراد بالقربة ما يُتقرب به إلى الله تعالى من الطاعات مثل الدعاء، والاستغفار، والصدقة، والصلاة، والصوم، والحج، وقراءة القرآن وغير ذلك، فلا فرق بين القربة البدنية والمالية. قوله (فعلها) أي: فعلها شخص مسلم سواء كان من أقارب الميت أو من غيرهم. قوله (نفعه) أي: يصل ثوابها إليه بكرم الله ورحمته. وهذا أحد الأقوال في المسألة: وهو أن جميع القرب تُهدى للأموات ويصل ثوابها إليهم. وهذا مذهب الحنابلة. واستدلوا بالقياس على ما ثبت في الشرع. والقول الثاني في المسألة: أنه لا يهدى للأموات إلا ما دل الدليل على جواز إهدائه، لأن وصول الثواب إلى الأموات من الأمور التوقيفية التي لا مجال للرأي فيها، وإنما يعمل فيها بما يقتضيه الدليل. وقد ورد النص في أمور ينتفع بها الميت: منها: الدعاء، وهذا بالإجماع. قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).

стр. 1297

وقال ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: … وذكر منها أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. وصلاة الجنازة، فإن أهم ما فيها الدعاء للميت. والأدعية التي سبقت التي تقال في صلاة الجنازة للميت. وكذا الدعاء له بعد الدفن، كما في سنن أبي داود من حديث عثمان قال (كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل). وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم. ومنها: الصدقة. لحديث عائشة قالت (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أمي افتُلتتْ نفسُها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقتُ عنها، قال: نعم) متفق عليه. وعن عبد الله بن عباس (أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقتُ عنها، قال: نعم) رواه البخاري. ومنها: الصوم. لحديث عائشة. قالت: قال رسول الله ﷺ (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) متفق عليه. ومنها: الحج. لحديث ابن عباس (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرتْ أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمكِ دينٌ أكنتِ قاضيتَه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري.

стр. 1298

ومنها: الدين. فقد أجمع المسلمون على أن قضاء الديْن من ذمةِ الميت يسقطه، ولو كان من أجنبي، ومن غير تركته. وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة. عن النبي ﷺ أنه قال (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفيَ من المؤمنين فترك ديْناً فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته) متفق عليه. الخلاصة: اختلف العلماء في جواز إهداء الثواب للموتى وهل يصلهم ذلك على قولين: القول الأول: أن كل عمل صالح يهدى للميت فإنه يصله، ومن ذلك قراءة القرآن والصوم والصلاة وغيرها من العبادات. القول الثاني: أنه لا يصل إلى الميت شيء من الأعمال الصالحة إلا ما دل الدليل على أنه يصل. وهذا هو القول الراجح. والدليل عليه قوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى). وقوله ﵇: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). وقد مات عم النبي ﷺ حمزة ﵁، وزوجته خديجة، وثلاث من بناته، ولم يرد أنه قرأ عن واحد منهم القرآن، أو ضحى أو صام أو صلى عنهم، ولم ينقل شيء من ذلك عن أحد من الصحابة، ولو كان مشروعاً لسبقونا إليه.

стр. 1299

أما ما دل الدليل على استثنائه ووصول ثوابه إلى الميت فهو: الحج، والعمرة، والصوم الواجب، والصدقة، والدعاء. قال ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) ومن هذه الآية استنبط الشافعي ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيراً لسبقونا إليه وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة، فذاك مجمع على وصولها ومنصوصٌ من الشارع عليها " ا. هـ (تفسير ابن كثير ٤/ ٢٥٨) (وَسُنَّ أَنْ يُصْلِحَ لأَهْلِ المَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِمْ). لحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ: - لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ -حِينَ قُتِلَ- قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ) رواه أبو داود. (اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا) خطاب منه ﷺ لأهله أن يصنعوا لآل جعفر طعاماً، والمراد بآل جعفر: زوجته أسماء بنت عُمَيْس وأولاده. فالحديث دليل على استحباب صنع الطعام لأهل الميت في يوم مصيبتهم. قال الإمام الشافعي: وَأُحِبُّ لِجِيرَانِ الْمَيِّتِ، أَوْ ذِي قَرَابَتِهِ: أَنْ يَعْمَلُوا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي يَوْمِ يَمُوتُ وَلَيْلَتِهِ: طَعَامًا يُشْبِعُهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَذِكْرٌ كَرِيمٌ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْخَيْرِ قَبْلَنَا وَبَعْدَنَا. (الأم). وقال الشوكاني ﵀: فِيه مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ بِمُؤْنَةِ أَهْلِ الْمَيِّتِ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ؛ لِاشْتِغَالِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِمَا دَهَمَهُمْ مِنْ الْمُصِيبَة. (نيل الأوطار).

стр. 1300

فائدة: الحكمة من هذا الأمر: أن أهل الميت مشغولون بمصيبتهم فلا يقدرون على صنع طعامهم. قال ابن قدامة: يُسْتَحَبُّ إصْلَاحُ طَعَامٍ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ، يَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ، إعَانَةً لَهُمْ، وَجَبْرًا لِقُلُوبِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا اشْتَغَلُوا بِمُصِيبَتِهِمْ، وَبِمَنْ يَأْتِي إلَيْهِمْ، عَنْ إصْلَاحِ طَعَامٍ لَأَنْفُسِهِم. وقال العيني: يستفاد من الحديث استحباب صنعة الطعام لأهل الميت، سواء كان الميت حاضراً، أو جاء خبر موته، وذلك لاشتغال أهله بخبره، أو بحاله، ولذلك علل ﵇ بقوله: (فإنه قد أتاهم أمرٌ يَشغَلُهم) أي: فإن الشأن: قد أتاهم أمر، أي: شأن وحالة، شَغلهم عن صنعة الطعام وغيره. (شرح سنن أبي داود). فائدة: ٢ حكم صنع أهل الميت الطعام للناس: بدعة، بل عده بعض العلماء من النياحة. قال الشيخ ابن باز: الأفضل أن يصنع الجيران والأقارب الطعام في بيوتهم ثم يهدوه إلى أهل الميت؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه لما بلغه موت ابن عمه جعفر بن أبي طالب ﵁ في غزوة مؤتة أمر أهله أن يصنعوا لأهل جعفر طعاماً وقال: (لأنهم قد أتاهم ما يشغلهم). وأما كون أهل الميت يصنعون طعاماً للناس من أجل الميت فهذا لا يجوز وهو من عمل الجاهلية سواء كان ذلك يوم الموت أو في اليوم الرابع أو العاشر أو على رأس السنة، كل ذلك لا يجوز لما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي - أحد أصحاب النبي ﷺ أنه قال (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصناعة الطعام بعد الدفن من النياحة) أما إن نزل بأهل الميت ضيوف زمن العزاء فلا بأس أن يصنعوا لهم الطعام من أجل الضيافة، كما أنه لا حرج على أهل الميت أن يدعوا من شاؤا من الجيران والأقارب ليتناولوا معهم ما أهدي لهم من الطعام، والله ولي التوفيق.

стр. 1301

فَصْلٌ (تُسَنُّ زِيَارَةُ القُبُورِ للرجال). أي: أن زيارة القبور للرجال سنة. وهذا مذهب جماهير العلماء، بل نقل بعضهم الإجماع كالنووي. قال النووي ﵀: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور، وهو قول العلماء كافة; نقل العبدري فيه إجماع المسلمين، ودليله مع الإجماع الأحاديث الصحيحة المشهورة، وكانت زيارتها منهيا عنها أولاً ثم نسخ. (المجموع) وقال ﵀: أجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَتهَا سُنَّة للرِّجَال. وقال ابن عبد البر ﵀: في هذا الحديث من الفقه: إباحة الخروج إلى المقابر وزيارة القبور وهذا أمر مجتمع عليه للرجال، ومختلف فيه للنساء وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجراً فإنها تذكر الآخرة). (التمهيد) أ- عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كنت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) رَوَاهُ مُسْلِم. زَادَ اَلتِّرْمِذِيُّ: (فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ)، وزادَ ابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا). ب- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْت) رواه مسلم.

стр. 1302

فائدة: ١ سبب النهي عن الزيارة في أول الأمر: قال النووي: وكان النهي أولاً لقرب عهدهم من الجاهلية، فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الإسلام، وتمهدت أحكامه، واشتهرت معالمه، أبيح لهم الزيارة، واحتاط ﷺ بقوله: (ولا تقولوا هجراً). وقال ابن القيم: وكان رسول الله ﷺ قد نهى الرجال عن زيارة القبور سداً للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجراً، فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله فإن زيارته غير مأذون فيها، ومن أعظم الهجر: الشرك عندها قولاً وفعلاً. فائدة: ٢ صفة الزيارة الشرعية: قال ابن القيم: زيارة الموحدين: فمقصودها ثلاثة أشياء: أحدها: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة). الثاني: الإحسان إلى الميت وأن لا يطول عهده به فيهجره ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه فإذا زار الحي فرح بزيارته وسر بذلك فالميت أولى، لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية: من دعاء أو صدقة أو أهدى قربة ازداد بذلك سروره وفرحه كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له، ولهذا شرع النبي ﷺ للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية فقط، ولم يشرع أن يدعوهم ولا أن يدعوا بهم ولا يصلي عندهم.

стр. 1303

الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ فيحسن إلى نفسه وإلى المزور. فائدة: ٣ الحكمة من زيارة القبور: بين الحديث الحكمة من زيارة القبور، وهي: العبرة والاتعاظ، لقوله: (تذكر الآخرة) (تذكر الموت) (وتزهد في الدنيا). وانتفاع الميت بالدعاء والاستغفار له. فائدة: ٤ ليس لزيارة القبور وقت معين. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الأفضل في زيارة القبور أن يكون يوم الجمعة. واستدل هؤلاء بحديث (من زار قبر والديه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر له وكتب باراً). وهو حديث ضعيف. وقالوا: إن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة. لكن الصحيح أن زيارة القبور ليس لها وقت معين لا يوم ولا وقت، بل ظاهر الحديث التي فيها الأمر بزيارة القبور، لم تحدد زمناً ولا وقتاً. وأما الحديث فضعيف لا يصح، ومثل هذا الحديث لا يصلح الاعتماد عليه ولا العمل به مطلقاً.

стр. 1304

وأما قولهم إن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة، فهذا القول لا دليل عليه سوى بعض الأخبار والمنامات، ومن المقرر عند أهل العلم أن الاحتجاج بالمنامات لا يصح لإثبات الأحكام الشرعية. فائدة: ٥ يشترط لجواز زيارة القبور: ألا يسافر إليها، لقوله ﷺ (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) متفق عليه. قال علماء اللجنة الدائمة: "تشرع زيارة القبور للرجال دون النساء إذا كانت في البلد - أي: بدون شد رحل - للعبرة والدعاء لهم إذا كانوا مسلمين؛ لقوله ﵊: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة) " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لا يجوز للإنسان أن يشد الرحل لزيارة قبر من القبور أياً كان صاحب هذا القبر. فائدة: ٦ يجوز للمسلم زيارة مقابر الكفار للعبرة والاتعاظ. ويدل لذلك: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْت) رواه مسلم. قال النووي: فِيهِ جَوَاز زِيَارَة الْمُشْرِكِينَ فِي الْحَيَاة، وَقُبُورهمْ بَعْد الْوَفَاة؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَتْ زِيَارَتهمْ بَعْد الْوَفَاة فَفِي الْحَيَاة أَوْلَى، وَفِيهِ: النَّهْي عَنْ الِاسْتِغْفَار لِلْكُفَّارِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض ﵀: سَبَب زِيَارَته ﷺ قَبْرهَا أَنَّهُ قَصَدَ قُوَّة الْمَوْعِظَة وَالذِّكْرَى بِمُشَاهَدَةِ قَبْرهَا، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله ﷺ فِي آخِر الْحَدِيث: (فَزُورُوا الْقُبُور فَإِنَّهَا تُذَكِّركُمْ الْمَوْت). … (شرح مسلم).

стр. 1305

لكن لا يجوز عند زيارة قبور الكفار السلام عليهم ولا الاستغفار لهم. (وأن يقول لمن زارها أو مرّ بها ما ورد). أي: ويسن أن يقول من زار القبور أو مر بها أن يقول ما ورد في ذلك. ومما ورد: أ- عن سُلَيْمَان بْن بُرَيْدَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى اَلمَقَابِرِ: - اَلسَّلَامُ عَلَى أَهْلِ اَلدِّيَارِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اَللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ب- وعن عائشة: قَالَتْ قُلْتُ كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُون) رواه مسلم. ج- وعنْها قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَد). رواه مسلم د-وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ). رواه مسلم

стр. 1306

فائدة: ١ يسن أيضاً السلام على أهل القبور عند المرور بهم. لحديث ابن عباس. قال (مرّ رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر) رواه الترمذي. فائدة: ٢ الأفضل لزائر المقابر أن يكون حال الزيارة قائماً، فيسلّم وهو قائم، ويدعو وهو قائم. وهذا قول الحنفية، والشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة. أ- ففي حديث عائشة الطويل قالت ( … ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات … الحديث) رواه مسلم. ب- ولأن القيام عند القبر قد روي عن جماعة من السلف. فائدة: ٣ المستحب في حال زيارة المقابر والسلام على أهلها أن يقبل الزائر على أهل المقبرة بوجهه فيسلّم عليهم ويدعو بما ورد. وهذا قول جمهور العلماء. ويدل عليه: حديث ابن عباس السابق (مرّ رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه … ).

стр. 1307

(وتُكرهُ للنساء). أي: وتكره زيارة القبور للنساء. وهذا مذهب الحنابلة. لحديث أم عطية (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) متفق عليه. قالوا: والزيارة من جنس الاتباع، فيكون كلاهما مكروهاً غير محرم. وذهب بعض العلماء: إلى إباحة ذلك للنساء. وهذا مذهب الجمهور. قال النووي: بالجواز قطع الجمهور. أ- لحديث أنس قال: (أتى النبي ﷺ على امرأة تبكي عند قبر، فقال لها: اتقي الله واصبري … ). قال الحافظ: وموضع الدلالة من الحديث أنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة. ب- ولحديث بريدة السابق (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها). وجه الدلالة: أن الخطاب عام، فيدخل فيه النساء. قال الحافظ: هو قول الأكثر، ومحله إذا أمنت الفتنة. ج-وبحديث عائشة الطويل، وفيه (قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين … ). رواه مسلم قالوا: وتعليم النبي ﷺ لعائشة هذا الدعاء يدل على جواز زيارة المقابر للنساء. د- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: (أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْمَقَابِرِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ قَدْ نَهَى، ثُمَّ أُمِرَ بِزِيَارَتِهَا) رواه الحاكم.

стр. 1308

وذهب بعضهم: إلى تحريم ذلك. وهذا اختيار ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم. أ- لحديث أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور) رواه الترمذي. ب-ولحديث ابن عباس قال (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور) رواه الترمذي. ج-ولحديث حسان بن ثابت قال (لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور) رواه ابن ماجه. د- وعن عبد الله بن عمرو قال (بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ إذ بصر بامرأة لا نظن أنه عرفها، فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله ﷺ قال لها: ما أخرجكِ من بيتك يا فاطمة؟ قالت: أتيت أهل هذا البيت فترحمت إليهم وعزيتهم بميتهم، فقال: لعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر؟ فقال: لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك) رواه أبو داود، والكدى هي القبور هكذا فسرها بعض الرواة. وهذا الحديث يدل دلالة صريحة على أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج إلى القبور، وقد كان ذلك مستقراً عند الصحابة، يدل عليه قول فاطمة: معاذ الله أن أكون بلغتها وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، تعني من النهي عن ذلك. وهذا القول هو الراجح.

стр. 1309

فائدة: ١ الإجابة عن أدلة من قال بالإباحة: أ-أما حديث أنس أن النبي ﷺ مرّ بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري … ) فيجاب عنه: أولاً: أن النبي ﷺ لم يقرّ المرأة على فعلها، بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن زيارة القبور، ففي هذا إنكار قعودها عند القبر، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. قال ابن القيم: احتج به على جواز زيارة النساء للقبور، فإنه ﷺ لم ينكر عليها الزيارة وإنما أمرها بالصبر، ولو كانت حراماً لبيّن لها حكمها، وأجيب عن هذا بأنه ﷺ قد أمرها بتقوى الله والصبر، وهذا إنكار منه لحالها من الزيارة والبكاء. ثانياً: أن هذه القضية لا يعلم هل كانت قبل أحاديث المنع من زيارة النساء للقبور أو لا؟ وهي إما أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع، أو تكون دالة على المنع بأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها، وعلى الجواز على التقديرين لا تعارض أحاديث المنع، ولا يمكن دعوى نسخها بها. ب- أما قول النبي ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) فيجاب عنه: أنه خطاب للرجال دون النساء، فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور بأصل الوضع فلا يدخل فيه النساء، وهذا هو المذهب الصحيح المختار في الأصول. وعلى هذا فالإذن لا يتناول النساء فلا يدخلن في الحكم الناسخ.

стр. 1310

ج- أما حديث عائشة: (قولي: السلام على أهل الديار … ) فيجاب عنه: أولاً: بأن الحديث لا دلالة فيه على جواز زيارة القبور للنساء، لأن الحديث إنما سيق لتعليم السلام على أهل القبور دون إباحة الزيارة للنساء، وقد تمر المرأة على أهل القبور في مسير لها من غير قصد الزيارة فتحتاج إلى التسليم عليهم، فلا يلزم من تعليمه لهن إباحة الزيارة قصداً. ثانياً: أن هذا التعليم من النبي ﷺ لعائشة يحتمل أن يكون قبل النهي الأكيد والوعيد الشديد لزوّارات القبور. د- وأما حديث عائشة في زيارة قبر أخيها، فيجاب عنه: أولاً: أنها لم تخرج إليه للزيارة، وإنما خرجت للحج فمرت بقبره فوقفت عليه للدعاء له. ثانياً: أنه على فرض أنها قصدت الزيارة، فهو اجتهاد منها ﵂ لا يعارض الأخبار الثابتة التي وردت في نهي النساء عن زيارة القبور. قال ابن القيم ﵀: … وَعَائِشَة إِنَّمَا قَدِمَتْ مَكَّة لِلْحَجِّ، فَمَرَّتْ عَلَى قَبْر أَخِيهَا فِي طَرِيقهَا، فَوَقَفَتْ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ، إِنَّمَا الْكَلَام فِي قَصْدهنَّ الْخُرُوج لِزِيَارَةِ الْقُبُور، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهَا عَدَلَتْ إِلَيْهِ وَقَصَدَتْ زِيَارَته، فَهِيَ قَدْ قَالَتْ "لَوْ شَهِدْتُك لَمَا زُرْتُك"، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمُسْتَقَرّ الْمَعْلُوم عِنْدهَا: أَنَّ النِّسَاء لَا يُشْرَع لَهُنَّ زِيَارَة الْقُبُور، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلهَا ذَلِكَ مَعْنًى. وَأَمَّا رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ، وَقَوْلهَا" نَهَى عَنْهَا ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا": … لَوْ صَحَّ؛ فَهِيَ تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ غَيْرهَا مِنْ دُخُول النِّسَاء، وَالْحُجَّة فِي قَوْل الْمَعْصُوم، لَا فِي تَأْوِيل الرَّاوِي، وَتَأْوِيله إِنَّمَا يَكُون مَقْبُولًا، حَيْثُ لَا يُعَارِضهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَهَذَا قَدْ عَارَضَهُ أَحَادِيث الْمَنْع. (تهذيب السنن).

стр. 1311

فائدة: ٢ جواب من قال بالجواز عن حديث لعن زائرات القبور. أ- أن اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة بدلالة قوله (زوّارات)، وهذا لا يتناول الزائرة من غير إكثار للزيارة. قال القرطبي: هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصفة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج، وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك. وقال الشوكاني بعد سياق كلام القرطبي: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر. لكن يجاب عن هذا: أولاً: أنه قد ورد في حديث ابن عباس لفظ (زائرات)، وفي هذا اللفظ زيادة علم، حيث إنه يصدق على الزائرة مرة واحدة فيؤخذ به. ثانياً: أن لفظ (الزوّارات) قد يكون لتعددهن، كما يقال: فتحت الأبواب، إذا لك باب فتح يخصه. ب- وأجابوا أيضاً: أن هذه الأحاديث التي فيها لعن زوارات القبور محمولة على ما إذا كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنوح، وأما إذا كانت الزيارة للاعتبار من غير نوح ولا تعديد فلا يحرم عليهن ذلك. لكن يجاب عن هذا: أولاً: أن هذا التأويل أو الحمل للحديث لا دليل عليه. ثانياً: أن زيارة النساء إذا كانت مظنة وسبباً للأمور المحرمة - والحكمة هنا غير مضبوطة - فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة، أن الحكمة إذا كانت خفية، أو غير منتشرة، علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب سداً للذريعة.

стр. 1312

ج- وأجابوا أيضاً: بأن هذه الأحاديث ضعيفة الإسناد. ويجاب عن هذا: أولاً: أن كل من تُكلّم فيه من رجال الإسناد قد عدّله طائفة من العلماء، وإذا كان الجارح والمعدل من الأئمة، لم يقبل الجرح إلا مفسراً، فيكون التعديل مقدماً على الجرح المطلق. ثانياً: أن حَدِيثَ مِثْلِ هَؤُلَاءِ يَدْخُلُ فِي الْحَسَنِ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا صَحَّحَهُ مَنْ صَحَّحَهُ كَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْجَرْحِ إلَّا مَا ذُكِرَ كَانَ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحَسَنِ. ثالثاً: أَنْ يُقَالَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْآخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِجَالُ هَذَا لَيْسَ رِجَالَ هَذَا فَلَمْ يَأْخُذْهُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَلَيْسَ فِي الْإِسْنَادَيْنِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ وَإِنَّمَا التَّضْعِيفُ مِنْ جِهَةِ سُوءِ الْحِفْظِ وَمِثْلُ هَذَا حُجَّةٌ بِلَا رَيْبٍ. فائدة: ٣ أنه لا فرق في التحريم بين زيارة قبره ﷺ أو قبر غيره على الصحيح من أقوال أهل العلم. لأن بعض العلماء قال: يجوز للنساء زيارة قبره ﷺ . فائدة: ٤ حكمة الشرع في التفريق في بعض الأحكام بين النساء والرجال.

стр. 1313

(ويحرم إسراج المقابر). أي: يحرم اتخاذ السرج على المقابر. وقد ذكر ابن تيمية اتفاق العلماء على تحريم اتخاذ السرج على القبور فقال: وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقاً لا يجوز بلا خلاف أعلمه للنهي الوارد. ويدل على التحريم: أ- حديث ابن عباس قال (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج). رواه الترمذي ب- أن في إسراج المقابر تعظيماً لها، بل إفراط في التعظيم، يشبه تعظيم الأصنام. ج-أن في إسراج القبور تشبهاً بالمجوس الذين يعبدون النار. د- أن في هذا الفعل إضاعة للمال في غير فائدة. قال ابن قدامة: ولَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ السَّرْجِ عَلَى الْقُبُورِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، الْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَوْ أُبِيحَ لَمْ يَلْعَنْ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ فَعَلَهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيعًا لِلْمَالِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَإِفْرَاطًا فِي تَعْظِيمِ الْقُبُورِ أَشْبَهَ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ

стр. 1314

(وَتُسَنُّ تَعْزِيَةُ المُصَابِ بِالْمَيِّتِ). أي: يستحب تعزية المصاب بالميت. قال ابن قدامة: لا نعلم في ذلك خلافاً. والأدلة على مشروعيتها: قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى). وثبتت التعزية من فعله ﷺ : عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا - أَوِ ابْناً لَهَا - فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا. قَالَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِىُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَم اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ). متفق عليه وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِى سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ (إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ». فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ». ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِى سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ. وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) رواه مسلم.

стр. 1315

فائدة: ١ أحسن ما يعزى به ما ورد عن رسول الله ﷺ . أ- ما جاء في حديث أُسَامَة بنِ زيدِ السابق (إنَّ لله مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعطَى وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِأجَلٍ مُسَمًّى فَلتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ … ). قال النووي: وهذا الحديث أحسن ما يعزى به. ب- ومنها: (اتقي الله واصبري) متفق عليه. ج- ومنها: (اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره ونور له فيه) رواه مسلم. وإن قال: عظم الله أجركم، أو أحسن الله مصابكم، فكله جائز. فليس للتعزية دعاء محدد، فلو عزاه بأي صيغة جاز. قال ابن قدامة: لا نعلم في التعزية شيئاً محدوداً. وقال النووي: فأما لفظ التعزية فلا حجر فيها، فبأي لفظ عزاه حصلت.

стр. 1316

وقال الشوكاني: فكل ما يجلب للمصاب صبراً يقال له تعزية بأي لفظ كان، ويحصل به للمعزي الأجر المذكور في الأحاديث. وقال الشيخ ابن باز ﵀: "وليس فيها لفظ مخصوص، بل يعزي المسلم أخاه بما تيسر من الألفاظ المناسبة مثل أن يقول: (أحسن الله عزاءك وجبر مصيبتك وغفر لميتك) إذا كان الميت مسلماً. وقال الشيخ الألباني: ويعزيهم بما يظن أنه يسليهم، ويكف من حزنهم، ويحملهم على الرضا والصبر، مما يثبت عنه ﷺ ، إن كان يعلمه ويستحضره، وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض ولا يخالف الشرع. فائدة: ٢ وقوله (ويعزى المصاب) قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ولم يقل تعزية القريب … فكل مصاب ولو بعيداً يُعزى، وكل من لم يصب ولو قريباً فإنه لا يعزى، من أصيب فعزه، ومن لم يصب فلا تعزه. فائدة: ٣ ليس للتعزية وقت محدد، بل يعزى المصاب ما دام أن المصيبة قائمة، لأن التعزية للتقوية والتسلية، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. وذهب بعض العلماء إلى أن مدة التعزية ثلاثة أيام وهو قول ضعيف، وحديث لا عزاء فوق ثلاث، لا أصل له، قاله الألباني.

стр. 1317

قال النووي: وحكى إمام الحرمين -وجهاً- أنه لا أمد للتعزية، بل يبقى بعد ثلاثة أيام وإن طال الزمان، لأن الغرض الدعاء، والحمل على الصبر، والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان، وبهذا الوجه قطع أبو العباس بن القاص في التلخيص. (المجموع) وقال الشيخ ابن باز: وليس لها وقت مخصوص ولا أيام مخصوصة بل هي مشروعة من حين موت الميت قبل الصلاة وبعدها وقبل الدفن وبعده والمبادرة بها أفضل في حال شدة المصيبة وتجوز بعد ثلاث من موت الميت لعدم الدليل على التحديد. وقال الشيخ الألباني: ولا تحد التعزية بثلاثة أيام لا يتجاوزها، بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها. فائدة: ٤ تشرع التعزية من حين الموت -قبل الدفن وبعده- ولا تحد بوقت، بل تبقى سنة التعزية إلى أن يذهب عن المصاب أثر المصيبة. سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل تجوز التعزية قبل الدفن؟ فأجاب: نعم، تجوز قبل الدفن وبعده، لأن وقتها من حين ما يموت الميت إلى أن تنسى المصيبة، وقد ثبت أن النبي ﷺ عزى ابنة له حين أرسلت تخبره أن صبياً لها في الموت، فقال النبي ﷺ (ارجع إليها، فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب). وسئل عما يقوله بعض الناس إنه لا تجوز التعزية قبل دفن الميت؟ فأجاب: هذا ليس بصحيح، التعزية متى حصلت المصيبة، أي الموت فإنها مشروعة. (مجموع الفتاوى). والأفضل عند جمهور العلماء أن تكون بعد الدفن. جاء في (الموسوعة الفقهية) ذهب جمهور الفقهاء: إلى أن الأفضل في التعزية أن تكون بعد الدفن. لأن أهل الميت قبل الدفن مشغولون بتجهيزه; ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، فكان ذلك الوقت أولى بالتعزية. وقال جمهور الشافعية: إلا أن يظهر من أهل الميت شدة جزع قبل الدفن، فتعجل التعزية، ليذهب جزعهم أو يخف .. انتهى.

стр. 1318

وقيدوا التعزية بثلاثة أيام. واستدلوا لذلك بإذن الشارع في الإحداد في الثلاث فقط، بقوله ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج: أربعة أشهر وعشراً) وتكره بعدها. (الموسوعة). فائدة: ٥ الاجتماع للتعزية. المقصود من الاجتماع للتعزية: أن يجلس أهل الميت ويجتمعوا في مكان معين، بحيث يقصدهم فيه من أراد العزاء، سواء اجتمعوا في بيت أهل الميت، أو في تلك السرادقات التي يقيمونها لهذا الشأن وغيره. وهذه المسألة من مسائل الخلاف المعتبر بين أهل العلم، واختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: لا يرى الاجتماع لأجل العزاء، وأن هذا الاجتماع مكروه. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وكثير من المالكية، وصرح بعضهم بالتحريم. وأقوى ما استدلوا به القائلون بالكراهة أمران: أ-أثر جرير بن عبد الله قَالَ (كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ: مِنْ النِّيَاحَةِ). ب- أن هذا الأمر لم يفعله النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه، فهو من المحدثات، وفيه مخالفة لهدي السلف الصالح، الذين لم يجلسوا ويجتمعوا للعزاء. قال النووي: أَمَّا الْجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ عَلَى كَرَاهَتِهِ … قَالُوا: بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفُوا فِي حَوَائِجِهِمْ، فَمَنْ صَادَفَهُمْ عَزَّاهُمْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي كَرَاهَةِ الجلوس لها. … (المجموع). وقال المرداوي: "وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْه. وبهذا القول يفتي الشيخ ابن عثيمين ﵀ حيث يقول: بالنسبة لأهل الميت لا يشرع لهم الاجتماع في البيت وتلقي المعزين؛ لأن هذا عدَّه بعض السلف من النياحة، وإنما يغلقون البيت، ومَن صادفهم في السوق أو في المسجد عزَّاهم.

стр. 1319

القول الثاني: جواز ذلك إذا خلا المجلس من المنكرات والبدع، ومن تجديد الحزن وإدامته، ومن تكلفة المؤنة على أهل الميت وهو قول بعض الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة. واختار هذا القول من العلماء المعاصرين: الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀. أ-لحديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتْ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول (التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ). رواه البخاري ومسلم. فهذا الحديث فيه الدلالة الواضحة على أنهم كانوا لا يرون في الاجتماع بأساً، سواء اجتماع أهل الميت، أو اجتماع غيرهم معهم. ب- وعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَال (لمَّا مَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ اجْتَمَعَنْ نِسْوَةُ بَنِي الْمُغِيرَةِ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: أَرْسِلْ إلَيْهِنَّ فَانْهَهُنَّ، لَا يَبْلُغُك عَنْهُنَّ شَيْءٌ تَكْرَهُه، فَقَالَ عُمَر: وَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يُهْرِقْنَ مِنْ دُمُوعِهِنَّ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ، أَوْ لَقْلَقَة). رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح. وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ، أي ما لم يرفعن أصواتهن أو يضعن التراب على رؤوسهن. وأجاب هؤلاء عن أثر جرير بن عبد الله بجوابين: الأول: أن الراجح فيه أنه ضعيف. فقد أعله الإمام أحمد، والدراقطني. الثاني: على القول بصحته فالمقصود منه: الاجتماع الذي يكون فيه صنعٌ للطعام من أهل الميت لإكرام من يأتيهم ومن يجتمع عندهم.

стр. 1320

ولذلك نص في الأثر على الأمرين: (كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ: مِنْ النِّيَاحَةِ)، فاجتماع هذين الوصفين معاً، هو الذي يعد من النياحة. قال الشوكاني: يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَ الِاجْتِمَاعَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ وَأَكْلَ الطَّعَامِ عَنْدَهُمْ نَوْعًا مِنْ النِّيَاحَةِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّثْقِيلِ عَلَيْهِمْ وَشَغْلِهِمْ مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ شُغْلَةِ الْخَاطِرِ بِمَوْتِ الْمَيِّتِ وَمَا فِيهِ مِنْ مُخَالِفَةِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِأَنْ يَصْنَعُوا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا فَخَالَفُوا ذَلِكَ وَكَلَّفُوهُمْ صَنْعَةَ الطَّعَامِ لِغَيْرِهِم. وقال الشيخ ابن باز: المقصود أن كونهم يجمعونهم ليقرؤوا ويأكلوا هذا لا أصل له، بل هي من البدع، أما لو زارهم إنسان يسلم عليهم، ويدعو لهم ويعزيهم، وقرأ في المجلس قراءة عارضة ليست مقصودة، لأنهم مجتمعون فقرأ آية أو آيات لفائدة الجميع ونصيحة الجميع فلا بأس، أما أن أهل الميت يجمعون الناس أو يجمعون جماعة معنية ليقرؤوا أو يطعموهم أو يعطوهم فلوساً، فهذا بدعة لا أصل له. (نور على الدرب). وأما القول بأن الاجتماع للعزاء لم يفعله النبي ﷺ وأصحابه، فهو من البدع المحدثة. فيجاب عنه: بأن الاجتماع للعزاء من العادات، وليس من العبادات، والبدع لا تكون في العادات، بل الأصل في العادات: الإباحة، ثم إن التعزية أمر مقصود شرعاً، ولا وسيلة لتحصيلها في مثل هذه الأزمنة إلا باستقبال المعزين، والجلوس لذلك، فإن ذلك مما يعينهم على أداء السنة. … (بحث في الإسلام س ج).

стр. 1321

(وَيَجُوزُ البُكَاءُ عَلَى المَيِّتِ من غيرِ نياحة). وقد جاءت النصوص الكثيرة على جوازه من غير نياحة. أ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ شَهِدْنَا بِنْتاً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ - قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ - فَقَالَ «هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ «فَانْزِلْ». قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا) رواه البخاري. ب- وبكى ﷺ لما مات ابن ابنته. كما في حديث أُسَامَة بنِ زيدِ. قَالَ (أرْسَلَتْ بنْتُ النَّبيِّ ﷺ إنَّ ابْني قَد احْتُضِرَ فَاشْهَدنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرئُ السَّلامَ، ويقُولُ: (إنَّ لله مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعطَى وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِأجَلٍ مُسَمًّى فَلتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) فَأَرسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيهِ لَيَأتِينَّهَا. فقامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَرجَالٌ ﵃، فَرُفعَ إِلَى رَسُول الله ﷺ الصَّبيُّ، فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَينَاهُ فَقالَ سَعدٌ: يَا رسولَ الله، مَا هَذَا؟ فَقالَ: (هذِهِ رَحمَةٌ جَعَلَها اللهُ تَعَالَى في قُلُوبِ عِبَاده)) متفق عليه. ج- وبكى لما زار سعد بن عبادة. كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ (اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ فَقَالَ «أَقَدْ قَضَى». قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكَوْا فَقَالَ «أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ) متفق عليه.

стр. 1322

د- وبكى لما مات ابنه إبراهيم. كما في حديث أَنَس بْنِ مَالِك. قَالَ (دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِى سَيْفٍ الْقَيْنِ - وَكَانَ ظِئْراً لإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ». ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ ﷺ (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُون) رواه البخاري. هـ- بكاؤه ﷺ لما نعى جعفر وأصحابه. متفق عليه. (وَيَحْرُمُ النَّدْبُ، وَالنِّيَاحَةُ، وَشَقُّ الثَّوْبِ، وَلَطْمُ الخَدِّ، وَنَحْوُهُ). الندب: هو تعداد محاسن الميت بحرف الندبة وهو «وا» فيقول: واسيداه، وامن يأتي لنا بالطعام والشراب، وامن يخرج بنا إلى النزهة، وامن يفعل كذا وكذا. والنياحة: رفع الصوت بتعداد مآثر الميت، وهو من خصال أهل الجاهلية. وقد جاءت النصوص الكثيرة بتحريم النياحة. أ-عن أَبي مَالِكٍ الأَشْعَرِي. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ». وَقَالَ «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ) رواه مسلم.

стр. 1323

ب- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ) رواه مسلم ج-وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: (أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ لَا نَنُوحَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. د- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اَلنَّائِحَةَ، وَالْمُسْتَمِعَةَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ هـ- وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اَلْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. و- وعن أبي أُمامة. أن رسول الله ﷺ (لعن الخامشة وجهها، والشّاقّة جيبها، والدّاعية بالويل والثّبور) رواه ابن حبان. ومن الأمور المحرمة: شق الجيب، وضرب الخدود. عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِيءٌ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ) متفق عليه. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ). متفق عليه (الصَّالِقَةِ) بالصّاد المهملة والقاف، أي: التي ترفع صوتها بالبكاء (وَالْحَالِقَةِ) التي تحلق رأسها عند المصيبة (وَالشَّاقَّة) التي تشقّ ثوبها، وفي لفظ لمسلم " أنا بريء ممّن حلق وسلق وخرق " أي: حلق شعره وسلق صوته - أي رفعه - وخرق ثوبه. • خص بمثل هذه الأعمال النساء لضعفهن، إلا أن الرجال مثلهن إذا ناحوا على الميت.

стр. 1324

فائدة: ١ حرمت النياحة لأمور: أولاً: ينافي الصبر. ثانياً: فيه اعتراض على قدر الله. ثالثاً: لا يقدم شيئاً ولا يؤخره. رابعاً: أنه جزع وتسخط بقضاء الله. خامساً: أنه يهيج الحاضرين. فائدة: ٢ الإنسان تجاه المصيبة له أحوال: الأول: الصبر. وهذا واجب. قال شيخ الإسلام: والصبر واجب باتفاق العلماء. وقال ابن القيم: والصبر واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. الثاني: الرضا. وهو أعلى من الصبر، وهو أن يكون الأمران عنده سواء. وهذا مستحب لا واجب على القول الصحيح. الثالث: الشكر. وهو أعلى المراتب، وهو أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة.

стр. 1325

الرابع: التسخط. وهو إما أن يكون بالقلب، كأن يسخط على ربه ويغضب على ما قدر الله له، وقد يكون باللسان، كالدعاء بالويل والثبور. قال ابن القيم: والمصائب التي تحل بالعبد، وليس له حيلة في دفعها، كموت من يعزُّ عليه، وسرقة ماله، ومرضه، ونحو ذلك، فإن للعبد فيها أربع مقامات: أحدها: مقام العجز، وهو مقام الجزع والشكوى والسخط، وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلاً وديناً ومروءة. المقام الثاني: مقام الصبر إما لله، وإما للمروءة الإنسانية. المقام الثالث: مقام الرضى، وهو أعلى من مقام الصبر، وفي وجوبه نزاع، والصبر متفق على وجوبه. المقام الرابع: مقام الشكر، وهو أعلى من مقام الرضى؛ فإنه يشهدُ البليةَ نعمة، فيشكر المُبْتَلي عليها. فائدة: ٣ عن نَافِع عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّ حَفْصَةَ بَكَتْ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ مَهْلاً يَا بُنَيَّةُ أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) متفق عليه. وعَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) متفق عليه. قوله ﷺ (اَلْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ). المراد النياحة. قال النووي: وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت لا مجرد دمع العين.

стр. 1326

اختلف العلماء في الجمع بين هذا الحديث، وبين قوله تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) على أقوال: القول الأول: حمل الأحاديث الواردة في المسألة على ظاهرها وتأويل الآية. وهذا قول ابن عمر، واختاره الشوكاني، والشيخ ابن باز. قالوا: بأن الله تعالى له أن يتصرف في خلقه كما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل سبحانه. وقالوا عن الآية: بأنها عامة، والحديث مخصص لعمومها. قال الشوكاني: وأنت خبير بأن الآية عامة لأن الوزر المذكور فيها واقع في سياق النفي والأحاديث المذكورة في الباب مشتملة على وزر خاص، وتخصيص العمومات القرآنية بالأحاديث الأحادية هو المذهب المشهور الذي عليه الجمهور، فلا وجه لما وقع من رد الأحاديث بهذا العموم، ولا ملجئ إلى تجشم المضايق لطلب التأويلات المستبعدة باعتبار الآية. القول الثاني: أن اللام في قوله ﷺ (إن الميت) هي لمعهود معين، وهي يهودية مر بها النبي ﷺ فقال الحديث، والراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه الآخر. وهذا هو الظاهر من رواية عمرة وعروة عن عائشة. عن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ (إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِى عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا) متفق عليه.

стр. 1327

وعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ (ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ، فَقَالَتْ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآن) متفق عليه. القول الثالث: أن التعذيب المذكور في الحديث مختص بالكافر. وهذا قول عائشة في رواه ابن عباس عنها. الحديث وفيه ( … قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَاباً بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) متفق عليه. القول الرابع: أن الحديث محمول على ما إذا كان النوح من سنة الميت وسنة أهله، ولم ينه أهله عنه في حياته، فإنه يعذب من أجل ذلك. وهذا مذهب البخاري، وقد ترجم له في صحيحه بقوله: (باب قول النبي ﷺ : يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه) إذا كان النوح من سنته. القول الخامس: إن هذا محمول على من أوصى بأن يبكى عليه، ويناح بعد موته، فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم، لأنه بسببه ومنسوب إليه. ونسبه النووي للجمهور. وهو اختيار الطحاوي، والخطابي، والبغوي، وأبي عبد الله القرطبي، والنووي، والذهبي، والشاطبي، والسندي، والآلوسي، والألباني.

стр. 1328

القول السادس: إنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها كما كانوا يقولون: يا مؤيد النسوان، ومؤتم الولدان، ومخرب العمران. القول السابع: أن الحديث محمول على ما إذا أهمل الميت نهي أهله عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه، لأن إهماله لهم تفريط منه، ومخالفة لقوله تعالى (قوا أنفسكم). القول الثامن: معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم. وذهب إلى هذا محمد بن جرير، واختاره ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين. قال الشيخ ابن عثيمين: معناه أن الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يعلم بذلك ويتألم، وليس المعنى أن الله يعاقبه بذلك لأن الله تعالى يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) والعذاب لا يلزم أن يكون عقوبة ألم تر إلى قول النبي ﷺ : (إن السفر قطعة من العذاب) والسفر ليس بعقوبة، لكن يتأذى به الإنسان ويتعب، وهكذا الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يتألم ويتعب من ذلك، وإن كان هذا ليس بعقوبة من الله له، وهذا التفسير للحديث تفسير واضح صريح، ولا يرد عليه إشكال، ولا يحتاج أن يقال: هذا فيمن أوصى بالنياحة، أو فيمن كان عادة أهله النياحة ولم ينههم عند موته، بل نقول: إن الإنسان يعذب بالشيء ولا يتضرر به " انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٧/ ٤٠٨)

стр. 1329

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سلسلة دروس فقهية كتاب الزكاة بقلم سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء الموقع/ رياض المتقين www.almotaqeen.net

стр. 1330

كِتَابُ الزَّكَاةِ مقدمة: فائدة: ١ تعريفها لغة: النماء والزيادة. قال العلامة ابن الملّقن: الزكاة في اللغة: النماء، والتطهير. فمن الأول قولهم: زَكَى الزرعُ: أي نما، فالمال ينمو بإخراج الزكاة من حيث لا يُرى، وإن كان في الظاهر يُحسّ بالنقصان، وقد صحّ أنه ﷺ قال: "ما نقص مال من صدقة". ومن الثاني: قوله تعالى (وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)، وقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) أي طهّرها من دنس المعاصي والمخالفات، دليله قوله تعالى (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) أي أخملها بالمعاصي، فالزكاة تطهّر النفس من رذيلة البخل وغيره. وقد قيل: من أدّى زكاة ماله لم يُسَمّ بخيلاً، وتطهّر أيضًا من الذنوب، وتطهّر المال أيضًا من الخبث. (الإعلام). وشرعاً: هي نصيب مقدر شرعاً في مال معين يصرف لطائفة مخصوصة. فائدة: ٢ وسميت زكاة: لأنها تزكي المال، وتزكي صاحب المال، وتطهر نفس الغني من الشح والبخل، وتطهر نفس الفقير من الحسد والضغينة، وتسد حاجة الإسلام والمسلمين. كما قال تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). وقال ﷺ (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم. ومن حِكمِها: تطهير أصحاب الأموال من الشح والبخل، تقوية روابط المجتمع، تزيد المحبة والمودة بين أفراد المجتمع، وأيضاً فيها امتحان للنفس، لأن المال محبوب للنفس، والنفس تبخل به، إعانة الضعفاء وكفاية أصحاب الحاجة، وتكفر الخطايا وتدفع البلاء، ومجلبة للمحبة.

стр. 1331

فائدة: ٣ قال ابن قدامة: اعلم أن على مريد الآخرة في زكاته وظائف: الأولى: أن يفهم المراد من الزكاة، وهو ثلاثة أشياء: ابتلاء مدعي محبة الله بإخراج محبوبه، والتنزه عن صفة البخل، وشكر نعمة المال. الوظيفة الثانية: الإسرار بإخراجها لكونه أبعد من الرياء والسمعة. الوظيفة الثالثة: أن لا يفسدها بالمن والأذى. الوظيفة الرابعة: أن يستصغر العطية، فإن المستعظم للفعل معجب به. الوظيفة الخامسة: أن ينتقي من ماله أجله وأجوده وأحبه إليه. الوظيفة السادسة: أن يطلب لصدقته من تزكو به. قال القرطبي: وتسمى الزكاة صدقةً مأخوذة من الصدق، إذ هي دليل على صحّة إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره. فائدة: ٤ مناسبة كتاب الزكاة بعد كتاب الصلاة لأربعة أسباب: أولاً: لأن الزكاة قرينة الصلاة في كثير من المواضع. ثانياً: لأنها تأتي بعد الصلاة في الأهمية. ثالثاً: شدة حاجة المكلف إليها. رابعاً: اقتداء بحديث ابن عمر (بني الإسلام على خمس … وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة … ).

стр. 1332

فائدة: ٥ اختلف العلماء متى فرضت الزكاة؟ فقيل: قبل الهجرة. لقوله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده) وهذه في سورة الأنعام وهي مكية. وقيل: بعد الهجرة. قال النووي: إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة. قال ابن حجر: وهو قول الأكثر. وهذا هو الراجح. قال ابن حجر: وإنما الذي وقع في السنة التاسعة بعث العمال. فائدة: ٦ عقوبة تارك الزكاة: أ- قال تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ). ب- وقال تعالى (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). ج- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَعْنِي شِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا (لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) الآيَةَ) رواه البخاري.

стр. 1333

[الشجاع] الحية الذكر. [الأقرع] الذي لا شعر له لكثرة سمه وطول عمره. [الزبيبتان] نقطتان سوداوان فوق العينين وهو أخبث الحيات. د- وعنه. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّى زَكَاتَهُ إِلاَّ أُحْمِىَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّى زَكَاتَهَا إِلاَّ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ … ) رواه مسلم. هـ- عن ابن عمر قال: قال رسول ﷺ ( … وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء) رواه ابن ماجه. (وهي واجبةٌ) أي: أن الزكاة واجبة، بل ركن من أركان الإسلام الخمسة. ودلّ على وجوبها الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة). وقال تعالى (وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).

стр. 1334

وقال تعالى (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة … ) متفق عليه. ولحديث ابن عباس. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ - (إنَّك سَتَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ. فَإِذَا جِئْتَهُمْ: فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ. فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) متفق عليه. وأجمع المسلمون على وجوبها، فمن جحد وجوبها وهو ممن عاش بين المسلمين فإنه كافر، لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين. قال في المغني: وهي واجبة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع أمته. (ويكفر إذا تركها جاحداً لوجوبِها). أي: من ترك الزكاة جحْداً لوجوبها فهو كافر بالإجماع. فتارك الزكاة ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يتركها جاحداً لوجوبها. فهذا كفر مخرج من الملة، لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين.

стр. 1335

قال ابن قدامة: ...... فَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهَا جَهْلًا بِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ إمَّا لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ لِأَنَّهُ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ عَنْ الْأَمْصَارِ، عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَلَا يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا نَاشِئًا بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ وَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ظَاهِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَلَا تَكَادُ تَخْفَى عَلَى أَحَدِ مِمَّنْ هَذِهِ حَالُهُ، فَإِذَا جَحَدَهَا لَا يَكُونُ إلَّا لِتَكْذِيبِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَكُفْرِهِ بِهِمَا. القسم الثاني: أن يتركها كسلاً وتهاوناً. فهذا فيه خلاف. والأرجح أنه لا يكفر، وهذا مذهب جمهور العلماء. لحديث أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ لما ذكر عقوبة مانع الزكاة قال: ( … فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) رواه مسلم، فلو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة. ولكن على مانعها بخلا وتهاونا من الإثم العظيم ما ذكره الله تعالى في قوله (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). وفي قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُون).
следующие страницы →