← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فائدة: ٣ قال ابن قدامة: اعلم أن على مريد الآخرة في زكاته وظائف: الأولى: أن يفهم المراد من الزكاة، وهو ثلاثة أشياء: ابتلاء مدعي محبة الله بإخراج محبوبه، والتنزه عن صفة البخل، وشكر نعمة المال. الوظيفة الثانية: الإسرار بإخراجها لكونه أبعد من الرياء والسمعة. الوظيفة الثالثة: أن لا يفسدها بالمن والأذى. الوظيفة الرابعة: أن يستصغر العطية، فإن المستعظم للفعل معجب به. الوظيفة الخامسة: أن ينتقي من ماله أجله وأجوده وأحبه إليه. الوظيفة السادسة: أن يطلب لصدقته من تزكو به. قال القرطبي: وتسمى الزكاة صدقةً مأخوذة من الصدق، إذ هي دليل على صحّة إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره. فائدة: ٤ مناسبة كتاب الزكاة بعد كتاب الصلاة لأربعة أسباب: أولاً: لأن الزكاة قرينة الصلاة في كثير من المواضع. ثانياً: لأنها تأتي بعد الصلاة في الأهمية. ثالثاً: شدة حاجة المكلف إليها. رابعاً: اقتداء بحديث ابن عمر (بني الإسلام على خمس … وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة … ).

стр. 1332

فائدة: ٥ اختلف العلماء متى فرضت الزكاة؟ فقيل: قبل الهجرة. لقوله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده) وهذه في سورة الأنعام وهي مكية. وقيل: بعد الهجرة. قال النووي: إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة. قال ابن حجر: وهو قول الأكثر. وهذا هو الراجح. قال ابن حجر: وإنما الذي وقع في السنة التاسعة بعث العمال. فائدة: ٦ عقوبة تارك الزكاة: أ- قال تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ). ب- وقال تعالى (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). ج- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَعْنِي شِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا (لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) الآيَةَ) رواه البخاري.

стр. 1333

[الشجاع] الحية الذكر. [الأقرع] الذي لا شعر له لكثرة سمه وطول عمره. [الزبيبتان] نقطتان سوداوان فوق العينين وهو أخبث الحيات. د- وعنه. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّى زَكَاتَهُ إِلاَّ أُحْمِىَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّى زَكَاتَهَا إِلاَّ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ … ) رواه مسلم. هـ- عن ابن عمر قال: قال رسول ﷺ ( … وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء) رواه ابن ماجه. (وهي واجبةٌ) أي: أن الزكاة واجبة، بل ركن من أركان الإسلام الخمسة. ودلّ على وجوبها الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة). وقال تعالى (وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).

стр. 1334

وقال تعالى (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة … ) متفق عليه. ولحديث ابن عباس. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ - (إنَّك سَتَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ. فَإِذَا جِئْتَهُمْ: فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ. فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) متفق عليه. وأجمع المسلمون على وجوبها، فمن جحد وجوبها وهو ممن عاش بين المسلمين فإنه كافر، لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين. قال في المغني: وهي واجبة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع أمته. (ويكفر إذا تركها جاحداً لوجوبِها). أي: من ترك الزكاة جحْداً لوجوبها فهو كافر بالإجماع. فتارك الزكاة ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يتركها جاحداً لوجوبها. فهذا كفر مخرج من الملة، لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين.

стр. 1335

قال ابن قدامة: ...... فَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهَا جَهْلًا بِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ إمَّا لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ لِأَنَّهُ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ عَنْ الْأَمْصَارِ، عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَلَا يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا نَاشِئًا بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ وَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ظَاهِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَلَا تَكَادُ تَخْفَى عَلَى أَحَدِ مِمَّنْ هَذِهِ حَالُهُ، فَإِذَا جَحَدَهَا لَا يَكُونُ إلَّا لِتَكْذِيبِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَكُفْرِهِ بِهِمَا. القسم الثاني: أن يتركها كسلاً وتهاوناً. فهذا فيه خلاف. والأرجح أنه لا يكفر، وهذا مذهب جمهور العلماء. لحديث أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ لما ذكر عقوبة مانع الزكاة قال: ( … فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) رواه مسلم، فلو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة. ولكن على مانعها بخلا وتهاونا من الإثم العظيم ما ذكره الله تعالى في قوله (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). وفي قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُون).

стр. 1336

(أو بُخلاً أخِذتْ منهُ وعُزّرَ). أي: من منع الزكاة بخلاً وتهاوناً، فقد تقدم أنه لا يكفر، وهذا قول قول الجمهور. لكن لا بد من أمرين: الأمر الأول: تؤخذ منه قهراً، يأخذها السلطان. الأمر الثاني: يعزّر على تركها. الأمر الأول: تؤخذ منه قهراً. عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ) رَوَاه أبو داود. (مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا) أي: طالباً للأجر، (وَمَنْ مَنَعَهَا) أي: امتنع من إعطائها طوعاً، (فَإِنَّا آخِذُوهَا) أي: قهراً، (وَشَطْرَ مَالِهِ) أي: نصف ماله (عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا) العزمة في اللغة: الجد في الأمر، أي نأخذها أخذاً مؤكداً مجزوماً به.

стр. 1337

ولكن هل تبرأ ذمته؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: أن الإمام إذا أخذ الزكاة قهراً بلا نية من المزكي فإنها تجزئ عن صاحبها. وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. قالوا: أن للإمام ولاية في أخذها، ولذلك يأخذها من الممتنع اتفاقاً، ولو لم تكن مجزئة لما أخذها. القول الثاني: أن الإمام إذا أخذ الزكاة قهراً بلا نية من المزكي فإنها لا تجزئ عن صاحبها باطناً، وإن أجزأت ظاهراً، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. لأن الزكاة عبادة، يشترط لصحتها نية التعبد لله تعالى، فلا تسقط مع القدرة عليها. وهذا القول أصح. الأمر الثاني: أنه يُعزّر. (يؤخذ شطر ماله). والمراد بالتعزير هنا ما جاء في الحديث السابق (فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ). فائدة: المراد بقوله (وشطر ماله)؟ فقيل: شطر المال كله. (حتى المال الذي لم يمنع زكاته). وقيل: المال الذي منع زكاته فقط. مثال: رجل عنده مليون درهم، وعنده [٤٠] شاة، فجاءه الساعي فمنع الزكاة في الغنم، وقال: لا أعطيك شاة. إذا قلنا المقصود (شطر ماله) المال الذي منع الزكاة، فإننا نأخذ [٢١]، وإذا قلنا المقصود (شطر ماله) كل ماله، فإننا نأخذ [٥٠٠] ألف و [٢١] شاة. والراجح الثاني، لأن الأصل في مال المسلم الحرمة فلا نأخذ بالاحتمال الزائد مع إمكان حمل اللفظ على الأقل.

стр. 1338

(وتجبُ على كلِ مسلمٍ). أي: أن الزكاة تجب على المسلم، فلا تجب على الكافر ولا تصح منه. لقوله تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ). ولحديث ابن عباس - السابق - ( … فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ … فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً … ) متفق عليه. (حُرٍ). أي: على الحر، فلا تجب على المملوك. لأنه لا يملك، لأن المال الذي بيده لسيده. لقوله ﷺ ( .... من ابتاع عبداً وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع). (ملَكَ نِصاباً). هذا الشرط الثالث، وهو أن يملك نصاباً. فلا بد أن يكون عند الإنسان مال يبلغ النصاب الذي قدره الشرع، وهو يختلف باختلاف الأموال، فإن لم يكن عند الإنسان نصاب فإنه لا زكاة فيه. والنصاب: هو القدر الذي رتب الشارع وجوب الزكاة عليه. ودليل هذا الشرط أدلة كثيرة: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ. وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ. وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ). وعن أنس. قال: قال ﷺ (في كل أربعين شاة شاة).

стр. 1339

(ولا زكاةَ في مالٍ حتى يحولَ عليه الحول). هذا الشرط الرابع: مضي حول كامل، بأن يمر عليها حول وهي في حوزة مالكها (أي: أن يتم على المال بيد صاحبه سنة كاملة). لحديث علي قال: قال ﷺ (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) رواه أبو داود [وهو مختلف بين رفعه ووقفه]. والأقوى أنه موقوف على أبي بكر وعثمان وعلي وابن عمر وعائشة كما ذكر ذلك الدارقطني وابن عبد الحق وابن حجر. ويغني عن هذا الأثر - المختلف فيه - السنة الفعلية، فإن النبي ﷺ كان يبعث عماله على الصدقة كل عام ثم عمل بذلك الخلفاء بما عملوه من سنته، بل بعضهم من السعاة كعمر. ومن النظر: اشتراطه فيه رفق بالمالك ليتمالك النماء فيواسي منه، لأنها لو وجبت في كل شهر لكان ذلك ضرراً في المالك أو بأصحاب الأموال، ولو وجبت في السنتين أو الثلاث أو أكثر لكان ذلك ضرراً على أهل الزكاة. وهذا قول جمهور الفقهاء. قال ابن رشد: … وَأَمَّا وَقْتُ الزَّكَاةِ: فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ يَشْتَرِطُونَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَاشِيَةِ الْحَوْلَ. لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ،. وَلِانْتِشَارِهِ فِي الصَّحَابَةِ ﵃، وَلِانْتِشَارِ الْعَمَلِ بِهِ. وَلِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِانْتِشَارِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ). وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَلَيْسَ فِيهِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ خِلَافٌ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ. (بداية المجتهد).

стр. 1340

وقال النووي: ما معناه: هذا الأثر المذكور عن أبي بكر، وعثمان، وعليّ ﵃ صحيح عنهم، رواه البيهقيّ وغيره، وقد روي عن عليّ، وعائشة ﵂ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول". قال: وإنما لم يحتجّ المصنّف -يعني صاحب "المهذّب"- بالحديث؛ لأنه ضعيف، فاقتصر على الآثار المفسّرة. قال البيهقيّ: الاعتماد في اشتراط الحول على الآثار "الصحيحة، فيه عن أبي بكر الصدّيق، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم ﵃. (المجموع) فائدة: هذا الشرط خاص بالأنعام [وهي الإبل والبقر والغنم] و السلع التجارية والنقود. اعتبر الحول في النعم، لأنها مرصدة للدر والنسل، والحول مظنة النماء، فيكون إخراج الزكاة من الريع فيكون أسهل وأيسر. (إلا الخارج من الأرض). أي: مما يستثنى من مضي الحول، الخارج من الأرض، فلا يشترط له مضي الحول، بل يجب إخراج زكاتها عند حصادها واستخراجها من الأرض. لقوله تعالى (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ). (ونَتاج السائمة). هذا أيضاً مما يستثنى فلا يشترط له مضي الحول، وهو نتاج السائمة. مثال: لو كان عند شخص (١٢٠) من الغنم ففيها شاتان، وقبل تمام الحول بشهر ولدت مائة، فأصبح له (٢٢٠) ففيها ثلاث شياه، مع أن أولادها لم يتم لها إلا شهر (أي لم يحول عليه الحول)، لكن تجب فيه الزكاة لأن حوله حول أصله.

стр. 1341

مثال آخر: لو أن إنساناً عنده أربعون شاة، فأنتجت هذه الأربعون حتى أصبحت مائة وإحدى وعشرين شاة، فهنا يجب إخراج زكاتها وهي شاتان، مع أن النماء لم يحل عليه الحول، وذلك لأن النماء يتبع الأصل. (وَرِبحَ التجارة). هذا أيضاً مما يستثنى فلا يشترط له مضي الحول، وهو ربح التجارة، فإن حوله حول أصله. مثال: لو فتح إنساناً محلاً في شهر محرم ورأس ماله خمسة آلاف، ثم إنه ربح في شهر محرم خمسة آلاف، وفي شهر صفر خمسة آلاف، وفي شهر ربيع خمسة آلاف، ولما انتهت السنة فإذا معه خمسون ألفاً، ففي هذه الحالة يزكي عن الخمسين ألفاً. لأن الربح فرع والفرع تبع للأصل. مثال آخر: إنسان عنده أرض تساوي خمسين ألفاً، وقبل تمام السنة صارت تساوي مائة ألف، فإنه هنا يزكي عن المائة ألف، مع أن الخمسين الثانية لم يحل عليها الحول، لكنه ربح الخمسين الأولى فيتبع الأصل، لأن الربح فرع والفرع تبع للأصل. فائدة: ١ المال المستفاد ينقسم إلى أقسام: أ-أن يكون نماء للمال الأصلي: فهذا حوله حول أصله. مثال: نتاج السائمة، ربح التجارة. ب-لا يكون نماء ويكون من جنس المال الذي عنده: فهذا يبدأ حول مستقل، لأنه ليس نماء للأصل.

стр. 1342

مثال: إنسان عنده ألف ريال، بدأ الحول فيها في محرم، وفي صفر جاءه ألف ريال راتب، هذه الألف من جنس المال، لكن ليس نماءً لهذه الألف. ج-أن يكون مخالفاً للمال الذي عندك في الجنس: فهذا يشترط له حول جديد. مثال: عنده خمس من الإبل في محرم، وفي صفر اكتسب ألفاً، فإنه يبدأ من صفر. قال الشيخ المشيقح: الأموال المستفادة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون المال المستفاد ربح تجارة أو نتاج سائمة: فإذا كان ربح تجارة أو نتاج سائمة فحوله حول أصله، ولنضرب مثالاً على نتاج السائمة: هذا رجل عنده خمس من الإبل سائمة ابتدأ عليها الحول من محرم، وفي شهر ذي الحجة في آخر السنة أنتجت خمساً أخرى فالخمس الثانية هذه هل لها حول مستقل أو نقول حولها حول أصلها؟ نقول حولها حول أصلها وحينئذ إذا جاء شهر محرم نقول يزكي عن عشر من الإبل مع أن الخمس الجديدة هذه من الإبل ما مكثت عنده إلا شهراً. وأيضاً ربح التجارة الذي يبيع ويشتري، الأموال هذه حولها حول أصلها، مثال على ذلك: صاحب بقالة افتتح البقالة في شهر محرم بخمسين ألف ريال يبيع ويشتري ولما جاء شهر محرم من السنة المقبلة عنده بضائع الآن اشتراها وأصبحت قيمة البقالة تساوي ثمانين ألف فحكم الزيادة هذه بأن حولها حول أصلها. فإذا جاء محرم لا يقول أن هذه البضائع الآن جديدة و لا يقول الربح الذي اكتسبه الآن إنما نقول هذه حولها حول أصلها فيجب عليه أن يزكي الجميع يقدر سعر بيع هذه البقالة تساوي ثمانين ألف والتي اشتراها الآن فيخرج زكاة الجميع. فتلخص لنا القسم الأول وهو ما إذا كان نتاج سائمة أو ربح تجارة هذا نقول بأن حوله حول أصله.

стр. 1343

القسم الثاني: أن يكون المال المستفاد ليس نتاج سائمة ولا ربح تجارة ويخالف جنس المال الذي عنده: ولنفرض أن عنده نصاب من الإبل وجاءته أموال مثلاً: إرث أو هبة كما لو وهب له شخص عشرة آلاف ريال، أو جاءه راتب شهري خمسة آلاف ريال أو ورث من أبيه أو جاءته هبة خمسة ألاف وعنده سائمة، فهذه الأموال التي جاءته لا تضم إلى السائمة بالاتفاق، السائمة لها حولها وهذه الدراهم التي جاءته لها حول مستقل من حين ملكها. القسم الثالث: أن يكون المال المستفاد ليس ربح تجارة ولا نتاج سائمة ويكون من جنس المال الذي عنده: مثال: رجل عنده عشرة آلاف ريال ثم جاءه مرتب ألف ريال هذه الألف هل يضمها إلى العشرة التي عنده في الحول أو نقول بأن هذه الألف يستأنف لها حولاً جديداً؟ هذا موضع خلاف بين الجمهور وبين الحنفية ﵏: الرأي الأول: مذهب الحنيفية: يقولون مادام أنه من جنسه عنده الآن عشرة آلاف وجاءه ألف والجنس واحد يضمه ويكون هذا المستفاد حوله حول أصله. الرأي الثاني: رأي الجمهور أنه يستأنف له حولاً مستقلاً. والصواب ما ذهب إليه جمهور العلماء ﵏. فائدة: ٢ كيفية زكاة الراتب الشهري؟ وعلى رأي الجمهور كل راتب يكون له حول مستقل، فراتب محرم تجب فيه الزكاة في محرم، وراتب صفر تجب الزكاة فيه في صفر وربيع في ربيع وهكذا، فكل مرتب يكون له حول مستقل، وهذا فيه مشقة، ولهذا أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة بأن الأحسن للإنسان أن يحدد وقتاً وينظر كم تجمع عنده من الرواتب فما حال عليه الحول يكون أدى زكاته في وقته وما لم يحل عليه الحول يكون عجل زكاته وتعجيل الزكاة عند جمهور العلماء أن هذا جائز ولا بأس به خلافاً للمالكية.

стр. 1344

فائدة: ٣ هل تجب الزكاة في المال المحرم (إذا كان محرماً لذاته)؟ إذا كان المال المحرم، محرماً لعينه وذاته (كالدخان) فهذا باتفاق الفقهاء أنه لا تجب فيه الزكاة. ولنفترض أن صاحب بقالة يبيع في بقالته مواداً غذائية ويبيع دخاناً، المواد الغذائية بخمسين ألف ريال والدخان بألف ريال نقول هذا الدخان ما تجب فيه الزكاة يخرج الزكاة عن الأموال المباحة شرعاً أما الدخان فهذا لا تجب في الزكاة. (فقه النوازل للمشيقح). لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال (أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم، وقال (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر: الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ثم يمد يده إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك) رواه مسلم. (وتحب في مال الصبي والمجنون). أي: وتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون. وهذا قول جماهير العلماء. أ-لعموم الأدلة التي تدل على وجوب الزكاة في مال الأغنياء ولم تستثن. ب- ولقوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم … )، وحديث ابن عباس السابق (في أموالهم) فالزكاة واجبة في المال، فهي عبادة مالية تجب متى توفرت شروطها، كملك النصاب، ومرور الحول. ج-ولقوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم … ) وكل الأغنياء من عاقل ومجنون، وصغير وكبير، محتاج إلى طهارة الله لهم وتزكيته إياهم.

стр. 1345

د- وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ; عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (مِنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ اَلصَّدَقَةُ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيف. هـ - ـولأن المعنى الذي فرضت من أجله الزكاة وهو شكر الله جل وعلا وطهارة المال، يسري على مال الصبي والمجنون، إذ هما بحاجة إلى شكر الله وطهارة أموالهم أسوة بغيرهم من الأغنياء. و_وأيضاُ فإن المقصود من الزكاة سد خلة الفقير من مال الغني، وذلك لأمرين: الأمر الأول: شكراً لله تعالى على نعمة المال، الأمر الثاني: تطهيراً للمال، ومالهما قابل لأداء القربات منه، وهو محل للشكر ومحل للتطهير. ز-ولأن الزكاة واجب مالي، فتجب في مالهما كغيرهما من ذوي اليسار. ك-ولأن النبي ﷺ كان يبعث سعاته لقبض الزكاة ولم يقل لهم لا تأخذوا الزكاة من مال المجانين والصبيان مع كثرة وجود ذلك. ظ-أن هذا قول أصحاب النبي ﷺ ، فقد قال بوجوبها: عمر وعلي وعائشة وابن عمر وجابر ولا يعلم لهم مخالف، قال عمر (اتجروا في أموال اليتامى ولا تأكلها الصدقة) رواه البيهقي وقال: إسناده صحيح. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون.

стр. 1346

وهذا مذهب أبي حنيفة. أ-لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، … ). ب-ولأنها عبادة محضة فلا تجب عليه كالصلاة والحج. ج- ولقوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها) والصبي والمجنون لا ذنوب عليهما حتى يحتاجا إلى التطهير والتزكية. والصحيح قول الجمهور. • ما الجواب عن أدلة القول الثاني؟ الجواب: أما الحديث فالمراد به رفع الإثم والوجوب عليهما، والزكاة لا تجب عليهما وإنما تجب في مالهما. وأما الآية فإن التطهير ليس خاصاً بالذنوب، وإنما هو عام في تربية الخلق وتزكية النفس. فائدة: الذي يتولى إخراج الزكاة عنهما وليهما. قال ابن قدامة في المغني: إذا تقرر هذا - يعني وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون - فإن الولي يخرجها عنهما من مالهما; لأنها زكاة واجبة، فوجب إخراجها، كزكاة البالغ العاقل، والولي يقوم مقامه في أداء ما عليه; ولأنها حق واجب على الصبي والمجنون، فكان على الولي أداؤه عنهما، كنفقة أقاربه.

стр. 1347

وقال النووي: الزكاة عندنا واجبة في مال الصبي والمجنون بلا خلاف، ويجب على الولي إخراجها من مالهما كما يخرج من مالهما غرامة المتلفات، ونفقة الأقارب وغير ذلك من الحقوق المتوجهة إليهما، فإن لم يخرج الولي الزكاة وجب على الصبي والمجنون بعد البلوغ والإفاقة إخراج زكاة ما مضى، لأن الحق توجه إلى مالهما، لكن الولي عصى بالتأخير فلا يسقط ما توجه إليهما. (المجموع) (ولا تجبُ الزكاةَ إلا في أربعةِ أنواعٍ: السائمةِ من بهيمةِ الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة). هذه الأموال الزكوية التي تجب فيها الزكاة، وسيأتي تفصيلها إن شاء الله.

стр. 1348

(ومن كان له دين ومال لا يرجو وجوده كالذي على مماطل أو معسر لا وفاء له فلا زكاة فيه، وإلا ففيهِ الزكاة). أي: من كان له دين عند الناس، فإن هذا الديْن ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون الدين مما لا يرجو وجوده، كأن يكون عند مماطل أو يكون عند معسر لا وفاء له. فهنا اختلف العلماء فيه على أقوال: القول الأول: لا زكاة فيها، ويستقبل به حولاً جديداً. لأنه يجب إنظار المعسر إلى الميْسرة بنص القرآن، ولو وجبت الزكاة على صاحب المال في هذه الحال، فإن ذلك سيخالف المقصود من إمهال المعسر، لأنه يترتب على ذلك أن يضيق صاحب الدين على المعسر. القول الثاني: يزكيه إذا قبضه لعام واحد. وهذا قول المالكية، واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀. فائدة: المماطل هو: من يؤخر السداد الذي عليه بغير حق. القسم الثاني: أن يكون عند مليء باذل. فهذا تجب فيه الزكاة عن كل سنة. المليء: هو القادر على السداد بقوله وبماله وببدنه.

стр. 1349

[بقوله] أن يكون مقراً به [بماله] بأن يكون باذلاً لا جاحداً، [ببدنه] بأن يحضر إذا طلب حضوره. الدليل على أنه تجب فيه الزكاة: لأن هذا الرجل قادر على قبضه والانتفاع به، وهو مملوك له، فلزمته زكاته كسائر أمواله، لأن الدين الذي عند المليء كالدراهم التي في جيبك. لكن اختلفوا في الوقت الذي تخرج فيه الزكاة على قولين: القول الأول: لا تلزمه زكاته حتى يقبضه، فإذا قبضه أدى زكاته ما مضى من السنين. أ- هذا المروي عن بعض الصحابة كعلي، وعائشة، وابن عمر (لا زكاة في الديْن حتى يقبض) رواه ابن أبي شيبة. ب- ولأن هذا الدين ثابت في الذمة، فلا يلزمه إخراجه قبل القبض كما لو كان على غير مليء. ج- ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مالٍ لا ينتفع به. القول الثاني: أنه يجب عليه أن يخرج زكاته في كل حول ولو لم يكن هذا المال عنده. وهذا مذهب الشافعي. والقول الأول أقوى. تنبيه: إن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله فلا بأس لأنه أسرع في إبراء الذمة. فائدة: من كان عليه دين وعنده مال زكوي فهل تجب في هذا المال زكاة أم لا، اختلف العلماء: القول الأول: أن الديْن يمنع الزكاة. وهذا قول الجمهور. أ-واستدلوا بقول عثمان: (هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده). ب-وقالوا: إن هذا الشخص المدين (الذي دينه أكثر من ماله) مما يحل له أخذ الزكاة، فيكون فقيراً فلا تجب عليه الزكاة. ج- وقالوا: إن الزكاة وجبت مواساة للفقراء وشكراً لنعمة الغنى، وهذا المدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير، وليس من الحكمة تعطيل حاجة هذا المالك لحاجة غيره.

стр. 1350

القول الثاني: أن الدين لا يمنع الزكاة. واختاره الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين. لعموم الأدلة في وجوب الزكاة في كل مال بلغ النصاب. ولأن النبي ﷺ كان يبعث السعاة إلى أصحاب المزارع ولم يستفصل ﵊، مع أن الغالب أن عليهم ديون. وهذا القول هو الصحيح. (ومنْ ماتَ وعليهِ زكاةٌ أخذتْ من تركتهِ). أي: إذا مات الإنسان وعليه زكاة، فإنه يجب أن تخرج من تركته إن كان ترك مالاً ولو لم يوص، وتقدم على الوصية والورثة. لأن الديْن مقدم على الوصية والورثة. وفي الحديث قال ﷺ (فدين الله أحق أن يقضى). فلا يستحق صاحب الوصية شيئاً إلا بعد أداء الزكاة، وكذلك لا يستحق الوارث شيئاً إلا بعد أداء الزكاة. قال ابن قدامة: وَلَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ، وَتُخْرَجُ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا. هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. لأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ. وَلِأَنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ وَاجِبٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَالدَّيْنِ، وَيُفَارِقُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَإِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِمَا، وَلَا النِّيَابَةُ فِيهِمَا. (المغني). جاء في (الموسوعة الفقهية) حُكْمُ مَنْ تَرَكَ إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ حَتَّى مَاتَ: مَنْ تَرَكَ الزَّكَاةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إِخْرَاجِهَا، حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يُوصِ بِإِخْرَاجِهَا أَثِمَ إِجْمَاعًا. ثُمَّ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ لَمْ يُؤَدِّهَا فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةِ، وَمِنْهَا الْحَجُّ وَالْكَفَّارَاتُ، وَيَجِبُ إِخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ. وَتُخْرَجُ مِنْ كُل مَالِهِ لأِنَّهَا دَيْنٌ لِلَّهِ، فَتُعَامَل مُعَامَلَةَ الدَّيْنِ، وَلَا تُزَاحِمُ الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ؛ لأِنَّ الثُّلُثَ يَكُونُ فِيمَا بَعْدَ الدَّيْنِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الْمَال، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ. (الموسوعة).

стр. 1351

قال الشيخ ابن عثيمين: هذا فيما إذا كان الرجل لم يتعمد تأخير الزكاة، فإننا نخرجها من تركته، وتجزئ عنه، وتبرأ بها ذمته كرجل يزكي كل سنة، وتم الحول في آخر سنواته في الدنيا ثم مات، فهنا نخرجها وتبرأ بها ذمته. أما إذا تعمد ترك إخراج الزكاة، ومنعها بخلاً ثم مات: فالمذهب أنها تخرج وتبرأ منها ذمته. وقال ابن القيم ﵀: إنها لا تبرأ منها ذمته ولو أخرجوها من تركته؛ لأنه مصِرٌّ على عدم الإخراج فكيف ينفعه عمل غيره؟ وقال: إن نصوص الكتاب والسنة وقواعد الشرع تدل على هذا. (وتقدمت المسألة). فائدة: لو مات شخص وعليه دين وزكاة فأيهما يقدم؟ مثاله: رجل خلف (١٠٠) ريال، وعليه زكاة (١٠٠) ريال، ودين (١٠٠) ريال فهل يقدم حق الآدمي، أو تقدم الزكاة؟ في المسألة ثلاثة أقوال: قال بعض العلماء: يقدم دين الآدمي. لأنه مبني على المشاحة؛ ولأن الآدمي محتاج إلى دفع حقه إليه في الدنيا، أما حق الله فالله غني عنه، وحقه مبني على المسامحة. وقال بعض العلماء: يقدم حق الله. لقول النبي ﷺ (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء). وقال بعض العلماء: إنهما يتحاصان. لأن كلاً منهما واجب في ذمة الميت، فيتساويان فإن كان عليه (١٠٠) ديناً و (١٠٠) زكاة، وخلف (١٠٠) فللزكاة (٥٠) وللدين (٥٠). ويجاب عن الحديث أن الرسول ﷺ لم يحكم بين دينين أحدهما للآدمي، والثاني لله، وإنما أراد القياس؛ لأنه سأل (أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنتِ قاضيتَهُ؟) قالت: نعم، قال: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء). فكأنه قال: إذا كان يقضى دين الآدمي، فدين الله من باب أولى. وهذا هو المذهب، وهو الراجح. … (ابن عثيمين).

стр. 1352

باب زكاة السائمة السائمة من بهيمة الأنعام: هي: الإبل والبقر والغنم. ودليل وجوب الزكاة فيها قوله ﷺ (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمن تنطحه بقرونها). (تجب الزكاة فيها بثلاثة شروط) أي: تجب الزكاة في سائمة بهية الأنعام بثلاثة شروط. (أن تكون سائمةً الحول أو أكثره). هذا الشرط الأول من شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام: أن تكون سائمة. وخصَّتْ السائمةُ بالذّكْرِ للاحتراز عن المعلوفَةِ، فإنها لا زكاةَ فيها عند أكثرِ أهل العلم السائمة لغة: الراعية، ومنه قوله تعالى (ومنه شجر فيه تسيمون). وأما في الشرع: فهي المكتفية بالرعي المباح أكثر العام. والدليل على أنه يشترط أن تكون سائمة: أ- حديث أَنَس أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اَلصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ لَهُ (هَذِهِ فَرِيضَةُ اَلصَّدَقَةِ اَلَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَلَى اَلْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّتِي أَمَرَ اَللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ اَلْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا اَلْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ ..... وَفِي صَدَقَةِ اَلْغَنَمِ سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، ..... ) رواه البخاري. ب- وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ … ). رواه أحمد

стр. 1353

فذكْر السوم في الحديث يدل بمفهومه على أن المعلوفة لا زكاة فيها، لأن ذكْر السوم لا بد له من فائدة يعتد بها، صيانة لكلام الشارع عن اللغو. • فلا تجب الزكاة في بهيمة الأنعام إلا إذا كانت سائمة أكثر الحول ترعى الكلأ المباح، بأن ترعى سبعة أشهر - مثلاً - ويعلفها خمسة أشهر، واعتبر الأكثر، لأن له حكم الكل، وهذا بخلاف المعلوفة فلا زكاة فيها، لأنها تكثر مؤنتها، فيشق على النفوس إخراج الزكاة منها، بخلاف السائمة. مثال: شخص عنده أغنام، ثمانية أشهر لا يعلفها [في البر] وأربعة أشهر يعلفها، فهذه زكاتها زكاة بهيمة الأنعام. الخلاصة: أحوال السائمة: أولاً: أن تسوم الحول فهذه فيها زكاة. ثانياً: أن ترعى أكثر الحول ففيها الزكاة وهذا المذهب. رابعاً: أن تكون راعية أقل من النصف فهذه لا زكاة فيها.

стр. 1354

فائدة: الحكمة من اشتراط السوم: الرفق بالمالك. (الثاني أن تُتخذَ للدرِ والنسل لا للعمل). هذا الشرط الثاني من شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام: أن تتخذ للدر والنسل لا للعمل. فلو كانت تتخذر للدر والنسل لكنها غير سائمة - فلا زكاة فيها. ولو كانت من العوامل، وهي: الإبل التي عند شخص يؤجرها للحمل - فهذه ليس فيها زكاة. ولو كانت عروض تجارة: فهذه تزكى زكاة العروض. فقد تجب الزكاة في شاة واحدة، أو في بعير واحد، أو في بقرة واحدة؛ لأن المعتبر في عروض التجارة القيمة، فإذا كان هذا هو المعتبر فما بلغ نصاباً بالقيمة ففيه الزكاة، سواء كانت سائمة أو معلوفة، مؤجرة كانت، أو مركوبة للانتفاع. فالخلاصة: فبهيمة الأنعام التي تجب فيها الزكاة: أن تتخذر للدر والنسل وتكون سائمة. (الثالث: أن تبلغَ نصاباً). هذا الشرط الثالث، وقد تقدم دليله، وسيأتي مقدار نصاب كل نوع من بهيمة الأنعام إن شاء الله. فلا شيء فيما دونه إلا إذا كان عروضاً.

стр. 1355

نصاب الإبل (فأقلّ نصابِ الإبل خمسٌ، وفيها شاةٌ، ثم في كل خمسٍ شاةٌ إلى خمس وعشرين فتجبُ بنتُ مخاضٍ، وهي ما تمّ لها سنة، وفي ستٍّ وثلاثين بنتُ لبونٍ، لها سنتان، … ). أي: أن الزكاة في الإبل تجب إذا بلغت خمساً، فإذا نقصت فلا زكاة فيها. والأدلة على وجوب الزكاة في الإبل. أ- عن أَبَي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالإِبِلُ قَالَ «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنَهَا فَصِيلاً وَاحِداً تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) رواه مسلم. ب- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ. وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ. وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) متفق عليه. (ذَوْدٍ) من الواحد إلى العشرة من الإبل.

стр. 1356

فائدة: ١ أن من عنده أقل من خمس لا زكاة فيها - وإن كانت سائمة - إلا إذا شاء ربها. فائدة: ٢ جدول نصاب الإبل: نصاب الإبل من ٥ - ١٢٠ كالتالي: ٥ - ٩: شاة واحدة. ١٠ - ١٤: شاتين. ١٥ - ١٩: ٣ شياه. ٢٠ - ٢٤: ٤ شياه. ٢٥ - ٣٥: بنت مخاض. ٣٦ - ٤٥ بنت لبون. ٤٦ - ٦٠ حقة. ٦١ - ٧٥ جذعة. [٧٦ - ٩٠] بنتا لبون. [٩١ - ١٢٠] حقتان. وعلى هذه المقادير انعقد الإجماع. ثم بعد: ١٢٠، في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون. ١٣٠: فيها حقة واحدة وبنتا لبون. … ١٥٠: فيها ٣ حقاق.

стр. 1357

والدليل على هذا: حديث أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اَلصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ لَهُ (هَذِهِ فَرِيضَةُ اَلصَّدَقَةِ اَلَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَلَى اَلْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّتِي أَمَرَ اَللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ اَلْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا اَلْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ اَلْجَمَلِ فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا اَلْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ .... ) رواه البخاري. فائدة: ٣ بنت اللبون: هي أنثى الإبل تمت لها سنتان وسميت بذلك لأن أمها قد ولدت وأصبحت ذات لبن غالباً. بنت مخاض: أنثى الإبل ولها سنة واحدة، وسميت بذلك لأن الغالب أن أمها حامل. حقة: الأنثى لها ثلاث سنوات سميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل. جذعة: أنثى الإبل وتمت لها: ٤ سنوات.

стр. 1358

نصاب البقر (وأقل نصاب البقر - أهلية كانت أو وحشية -: ثلاثون وفيها تبيع وهو ما له سنة، وفي أربعين مسنة لها سنتان وفى ستين تبيعان ثم في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة). أي: أن نصاب البقر يبدأ من: ٣٠. والدليل على وجوب الزكاة في البقر. أ-حديث أَبَي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» ...... قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ قَالَ «وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئاً لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّار) رواه مسلم.

стр. 1359

قال النووي: هو أصح حديث في زكاة البقر. قال ابن قدامة: فلا أعلم خلافاً في وجوب الزكاة في البقر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإنما لم يذكر زكاة البقر في كتاب أبي بكر، لقلة البقر في الحجاز، فلما بعث معاذاً إلى اليمن ذكر له حكم البقر لوجودها عندهم. ب-وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى اَلْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً) رواه أبو داود. فائدة: ١ نصاب البقر يبدأ من ثلاثين بقرة، فلا زكاة فيما أقل من ذلك. قال ابن قدامة: ولا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر، وهو قول جمهور الفقهاء. زكاة البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة. ٣٠: تبيع أو تبيعة … ٤٠: مسنة ٦٠: تبيعان … ٧٠: مسنة وتبيعة ٨٠: مسنتان … وهكذا. فائدة: ٢ التبيع: ما له سنة واحدة، وسمي بذلك لأنه يتبع أمه. مسنة: وهي أنثى لها سنتان.

стр. 1360

نصاب الغنم (وأقلُّ نصابِ الغنم أربعون، وفيها شاةٌ تمَّ لها سنة، أو جذعةُ ضأنٍ لها سِتَّةُ أشهر، وفي مائةٍ وإحدى وعشرين شاتان، في مائتين وواحدةٍ ثلاثُ شياهٍ، وفي أربعمائةٍ أربع شياهٍ، ثم فيما زاد على ذلك: في كل مائةٍ شاةٍ شاةٌ). أي: أن أول نصاب الغنم: ٤٠. والدليل على وجوب الزكاة في الغنم. أ- حديث أبي هريرة السابق. ب-ولحديث أنس السابق وفيه ( … وَفِي صَدَقَةِ اَلْغَنَمِ سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ … ) رواه البخاري. فائدة: ١ أجمع العلماء على أن أول نصاب الغنم: ٤٠. جدول نصاب الغنم: ٤٠ - ١٢٠: شاة. ١٢١ - ٢٠٠: شاتان. ٢٠١ - ٣٩٩: ثلاث شياه. ثم في كل (١٠٠) شاة، فمثلاً: ٤٠٠ - ٤٩٩ أربع شياه، ٥٠٠ - ٥٩٩ خمس شياه.

стр. 1361

والدليل على هذا: حديث أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اَلصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ لَهُ (هَذِهِ فَرِيضَةُ اَلصَّدَقَةِ اَلَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَلَى اَلْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّتِي أَمَرَ اَللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ اَلْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا اَلْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، … وَفِي صَدَقَةِ اَلْغَنَمِ سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ اَلرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. . .) رواه البخاري. فائدة: ٢ لماذا قال في الغنم (وَفِي صَدَقَةِ اَلْغَنَمِ سَائِمَتِهَا. . .) ولم يذكر السوم في الإبل؟ الجواب من وجوه: أولاً: أنه ذكر في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده كما تقدم (فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ … ). ثانياً: أن عدم الذكر ليس ذِكراً للعدم. ثالثاً: قياساً على الغنم. رابعاً: ولأن الإبل غالباً لا تكون إلا سائمة.

стр. 1362

(وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ اَلصَّدَقَةِ). أي: أنه يحرم أن يجمع بين متفرق، أو يفرق بين مجتمع خشية الصدقة. مثال: شخص عنده [٤٠] شاة، فلما علم بقدوم المصدق فرقها، جعل [٢٠] في جهة، و [٢٠] في جهة، فهذا أمر محرم، لأنه فرق من أجل الهروب من الزكاة. مثال: ثلاث أشخاص عند كل واحد [٤٠] شاة، تجب على كل واحد شاة، فلما علموا بقدوم المصدق، جمعوها في مكان واحد، من أجل أن يكون فيها شاة واحدة، لأنه يصير مجموعها [١٢٠] فعلوا ذلك حيلة للتخلص من الزكاة، فهذا أمر محرم. فائدة: ١ لو كان مال الرجل نفسه متفرق: مثال: شخص عنده (٢٠) شاة في رفحاء، و (٢٠) شاة في الرياض، فالصحيح أن عليه الزكاة، لأن المالك واحد. فائدة: ٢ الحيل التي تؤدي إلى إبطال الحقوق أو تخفيفها محرمة في الشريعة، وقد مسخ الله تلك القرية قردة لما تحايلوا على ارتكاب المحرم كما قال تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ). وتعريف الحيلة: التوصل إلى أمر محرم بفعلٍ ظاهره الإباحة. وحكمها: حرام. أ- لقوله تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فقد مسخ الله تلك القرية قردة لما تحايلوا على ارتكاب المحرم.

стр. 1363

ب- أن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم بما بلاهم به في سورة (القلم) وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنتهم طائفاً وهو نائمون فأصبحت كالصريم، وذلك لما تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين، بأن يصرموها مصبحين، قبل مجيء المساكين، فكان في ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده. ج-لقوله ﷺ (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل). د-ولأن المتحيل فيه نوع استهزاء بالله تعالى. • كل من تحيل لارتكاب محرم [إما بإسقاط واجب أو فعل محرم] فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: مفسدة التحايل. الثانية: مفسدة فعل المحرم. (ولا يُؤخذُ في الصدقةِ تيْسٌ، ولا ذاتَ عَوارٍ، ولا هرِمَةٍ). لحديث أنس السابق وفيه (وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إِلاَّ أن يشَاءَ الْمُصَدِّقُ). (هَرِمَةٌ) بفتح الهاء وكسر الراء، أي: كبيرة سقطت أسنانها، قال ابن الأثير: الطاعنة في السن. (وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) بفتح العين المهملة وضمها، أي: معيبة، وقيل: بالفتح: العيب، وبالضم العَوَر في العين، قاله في الفتح. وقال ابن الأثير: بفتح العين ويضم: أي صاحبة عيب ونقص. فائدة: ١ واختُلف في ضبط العيب الذي يمنع الإجزاء في الزكاة: فالأكثر على أنه ما يَثبُت به الردّ في البيع -وهو ما يوجب نقصان الثمن عند التجّار-. وقيل: ما يَمنع الإجزاء في الأضحية. ويَدخُل في المعيب المريض، والذكور بالنسبة إلى الأنوثة، والصغير بالنسبة إلى سنّ أكبر منه. أفاده في "الفتح".

стр. 1364

فائدة: ٢ قوله (وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إِلاَّ أن يشَاءَ الْمُصَدِّقُ). قوله (الْمُصَدِّقُ) اختلف العلماء في ضبطه ومعناه: فقيل: المراد ربّ الماشية، لا الساعي. وعلى هذا تكون: بتشديد الصاد وتشديد الدال المكسورة. ويكون تقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة، ولا ذات عيب أصلاً، ولا يؤخذ التيس إلا برضا المالك؛ لكون المالك يحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختصّ بالثالث، وهو التيس. وقيل: المراد به الساعي. وعلى هذا هو بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة. (المصَدّق: هو آخذ الصدقة: الساعي والعامل). وهذا هو المشهور في ضبطها، وهو قول المحدّثين، وعامة الرواة، كما قال الخطّابيّ، أي العامل الذي يستوفي الزكاة من أربابها. قال وعلى هذا يكون الاستثناء متعلّق بالأقسام الثلاثة. ويكون المعنى: لا تخرج الهرمة ولا ذات العوار ولا تيس إلا إذا رأى الساعي أن هذا فيه مصلحة للفقراء. وهذا الأقرب، لأنه هو المناسب أن يجعل الأمر إليه، لأنه لو جعل الأمر موكول إلى صاحب المال ربما يجحف بالفقراء.

стр. 1365

(ولا يُؤخذُ شرارُ المالِ، ولا كرائمه إلا أن يتبرعوا). أي: يحرم على صاحب المال إخراج شرار المال: كالمعيبة أو مريضة أو كسيرة أو هرمة -وهي الكبيرة التي سقطت أسنانها- أو بها عيب ينقص منفعتها وقيمتها. أ-قال تعالى (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ). ب-وفي حديث أبي بكر السابق (وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ .... ). ج- وجاء في حديث عبد الله بن معاوية أن النبي ﷺ قال (ثلاث من فعلهن طعم طعم الإيمان: … وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولا يعطى الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة … ). وعلى السَّاعِي أن يتجنب طَلَبَ خِيَارِ الْمَال، مَا لَمْ يُخْرِجْهُ الْمَالِكُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُه. فقد قال النبي ﷺ لمعاذ لما أمره أن يأخذ الزكاة من أهل اليمن (فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ. فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ). ب- وعن عائشة ﵂ قالت (مُرَّ على عمر بن الخطاب بغنم من الصدقة، فرأى فيها شاة حافلاً ذات ضرع، فقال: ما هذه الشاة؟ فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا خَزَرات المسلمين، نكبوا عن الطعام) رواه مالك. فائدة: إنْ كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُل كُلُّهَا خِيَارًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ: فَقِيل: يَأْخُذُ السَّاعِي مِنْ أَوْسَطِ الْمَوْجُودِ، وَقِيل: يُكَلَّفُ شِرَاءَ الْوَسَطِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ.

стр. 1366

(وإنِ اختلطَ جماعةٌ في نصابٍ من السائمةِ حوْلاً كاملاً، وكان مرعاهم وفحلُهم، ومبيتُهم ومَحْلَبُهُم واحداً، فحكم زكاتِهم حكمُ زكاةِ الواحد). هذا بيان حكم المختلطة في بهيمة الأنعام، فالخُلطة تصيّر المالين واحداً. مثال: عندي غنم، وأنت عندك غنم، والثالث عنده غنم، والرابع عنده غنم، وخلطناها جميعاً، فتجعل المالين كالمال الواحد، لكن تكون الخلطة مؤثرة بشروط: الشرط الأول: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة (بأن يكونا مسلمين حرين، فلو كان أحدهما مسلم والآخر ذمي، فإنه لا أثر لخلطة غير المسلم، لأن الزكاة غير واجبة على الذمي أصلاً. الشرط الثاني: أن يختلطا في نصاب، بأن يكون مجموع ماليهما يبلغ نصاباً (كأربعين من الغنم). الشرط الثالث: أن تكون الخلطة في السائمة (وهذا المشهور من مذهب الحنابلة) فلو اختلطا في زرع أو في عروض أو أثمان فإنه لا أثر لهذه الخلطة. الشرط الرابع: أن يختلطا في الأوصاف التي ذكرها العلماء، وهي: أ- (مرعاهم) أي: في المرعى، أي يكون المرعى لها جميعاً فليس غنم هذا في شعبة الوادي الشرقية، والثاني في الشعبة الغربية. ب- (وفحلُهم) أي: في الفحل، أي فحل المالين واحد، فلو كان مال زيد له فحل، ومال عمرو له فحل، فالخلطة غير مؤثرة. ج- (ومبيتُهم) أي: في المبيت، فلا يكون غنمي لها مراح وحدها، وغنمك لها مراح وحدها. د- (ومَحْلَبُهُم واحداً) أي: في المحلب، أي المكان الذي تحلب فيه يكون واحداً.

стр. 1367

فهذه إذا اشتركت في هذه الأشياء الخمسة، فإن الخلطة هنا تصير المالين كالمال الواحد. وأما إذا تميز مال كل منهما عن الآخر في شيء من هذه الأوصاف فإنه لا يحصل تمام الارتفاق، وإذا لم يحصل تمام الارتفاق فإنه لا يكون مالهما كالمال الواحد. الشرط الخامس: أن يختلطا في جميع الحول - وهذا الشرط بالإجماع - فلو اختلطا في بعض الحول أو افترقا في بعض الحول فإنه لا أثر لهذه الخلطة، لأن إيجاب الزكاة معلقة بالخلطة، فإذا عدمت الخلطة عدِم وجوب الزكاة، وإذا عدم في بعض الحول سقطت الزكاة.

стр. 1368

فائدة: ١ هل الخلطة مؤثرة في غير بهيمة الأنعام. جمهور العلماء أن الخلطة مؤثرة في بهيمة الأنعام فقط، فلا تأثير للخلطة في غيرها من الأموال. وذهب بعض العلماء: إلى أن الخلطة تؤثر في جميع الأموال الزكوية، فلو خلط شخصان ماليهما - ومال كل واحد منهما لا يبلغ نصاباً - لكنهما يبلغان نصاباً إذا اجتمعا، فإن الخلطة تكون مؤثرة وتجب الزكاة على هذا القول، قياساً على السائمة بجامع الارتفاق. وذهب بعضهم: إلى أن الخلطة مؤثرة في الأموال الظاهرة (كالحبوب والثمار والماشية) لأن السعاة كانوا يخرصون الثمر والحبوب دون استفصال. والصحيح قول الجمهور. فائدة: ٢ بعض الأحكام التي تختلف فيها سائمة بهيمة الأنعام عن بقية الأموال الزكوية؟ الأول: أن أنصابها مقدرة ابتداء وانتهاء. الثاني: أنه لا شيء في الوقص. (الوقص هو ما بين الفرضين). الثالث: أنه إذا فرّقها مسافة قصر فأكثر - لا فراراً من الزكاة - فلكل مكانٍ حكم منفرد. رابعاً: أن الخلطة تؤثر فيها بخلاف غيرها.

стр. 1369

فائدة: ٣ ما الحكم لو كان مال الرجل نفسه متفرق:، مثال: شخص عنده (٢٠) شاة في رفحاء، و (٢٠) شاة في الرياض؟ الصحيح أن عليه الزكاة. ولا يضرّ اختلاف الأمكنة. لظواهر النصوص الواردة في وجوب الزكاة، حيث إنها علّقت الوجوب بالملك، لا باتحاد المحلّ. واللَّه تعالى أعلم. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. فائدة: ٤ معنى قوله ( … وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ .... ). أي: أن المصدق (الساعي) إذا أخذ الصدقة من أحد الخليطين فإنه يرجع على صاحبه بالقدر الذي وجب عليه.

стр. 1370

باب زكاة الحبوب والثمار (تجب الزكاة في الحبوب والثمار). والأدلة على وجوب الزكاة فيها: أ- قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ) وَالزَّكَاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ب- وَقَالَ تَعَالَى (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ). ج- وعن أبي سعيد. قال: قال النَّبِيِّ ﷺ (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. د- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَكَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي. هـ- وَعَنْ جَابِرٍ أنه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (فِيمَا سَقَتْ الْأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْر) رواه أبو داود. وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَر.
следующие страницы →