Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
(وإنِ اختلطَ جماعةٌ في نصابٍ من السائمةِ حوْلاً كاملاً، وكان مرعاهم وفحلُهم، ومبيتُهم ومَحْلَبُهُم واحداً، فحكم زكاتِهم حكمُ زكاةِ الواحد).
هذا بيان حكم المختلطة في بهيمة الأنعام، فالخُلطة تصيّر المالين واحداً.
مثال: عندي غنم، وأنت عندك غنم، والثالث عنده غنم، والرابع عنده غنم، وخلطناها جميعاً، فتجعل المالين كالمال الواحد، لكن تكون الخلطة مؤثرة بشروط:
الشرط الأول: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة (بأن يكونا مسلمين حرين، فلو كان أحدهما مسلم والآخر ذمي، فإنه لا أثر لخلطة غير المسلم، لأن الزكاة غير واجبة على الذمي أصلاً.
الشرط الثاني: أن يختلطا في نصاب، بأن يكون مجموع ماليهما يبلغ نصاباً (كأربعين من الغنم).
الشرط الثالث: أن تكون الخلطة في السائمة (وهذا المشهور من مذهب الحنابلة) فلو اختلطا في زرع أو في عروض أو أثمان فإنه لا أثر لهذه الخلطة.
الشرط الرابع: أن يختلطا في الأوصاف التي ذكرها العلماء، وهي:
أ- (مرعاهم) أي: في المرعى، أي يكون المرعى لها جميعاً فليس غنم هذا في شعبة الوادي الشرقية، والثاني في الشعبة الغربية.
ب- (وفحلُهم) أي: في الفحل، أي فحل المالين واحد، فلو كان مال زيد له فحل، ومال عمرو له فحل، فالخلطة غير مؤثرة.
ج- (ومبيتُهم) أي: في المبيت، فلا يكون غنمي لها مراح وحدها، وغنمك لها مراح وحدها.
د- (ومَحْلَبُهُم واحداً) أي: في المحلب، أي المكان الذي تحلب فيه يكون واحداً.
стр. 1367
فهذه إذا اشتركت في هذه الأشياء الخمسة، فإن الخلطة هنا تصير المالين كالمال الواحد.
وأما إذا تميز مال كل منهما عن الآخر في شيء من هذه الأوصاف فإنه لا يحصل تمام الارتفاق، وإذا لم يحصل تمام الارتفاق فإنه لا
يكون مالهما كالمال الواحد.
الشرط الخامس: أن يختلطا في جميع الحول - وهذا الشرط بالإجماع - فلو اختلطا في بعض الحول أو افترقا في بعض الحول فإنه لا أثر لهذه الخلطة، لأن إيجاب الزكاة معلقة بالخلطة، فإذا عدمت الخلطة عدِم وجوب الزكاة، وإذا عدم في بعض الحول سقطت الزكاة.
стр. 1368
فائدة: ١
هل الخلطة مؤثرة في غير بهيمة الأنعام.
جمهور العلماء أن الخلطة مؤثرة في بهيمة الأنعام فقط، فلا تأثير للخلطة في غيرها من الأموال.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الخلطة تؤثر في جميع الأموال الزكوية، فلو خلط شخصان ماليهما - ومال كل واحد منهما لا يبلغ نصاباً - لكنهما يبلغان نصاباً إذا اجتمعا، فإن الخلطة تكون مؤثرة وتجب الزكاة على هذا القول، قياساً على السائمة بجامع الارتفاق.
وذهب بعضهم: إلى أن الخلطة مؤثرة في الأموال الظاهرة (كالحبوب والثمار والماشية) لأن السعاة كانوا يخرصون الثمر والحبوب دون استفصال.
والصحيح قول الجمهور.
فائدة: ٢
بعض الأحكام التي تختلف فيها سائمة بهيمة الأنعام عن بقية الأموال الزكوية؟
الأول: أن أنصابها مقدرة ابتداء وانتهاء.
الثاني: أنه لا شيء في الوقص. (الوقص هو ما بين الفرضين).
الثالث: أنه إذا فرّقها مسافة قصر فأكثر - لا فراراً من الزكاة - فلكل مكانٍ حكم منفرد.
رابعاً: أن الخلطة تؤثر فيها بخلاف غيرها.
стр. 1369
فائدة: ٣
ما الحكم لو كان مال الرجل نفسه متفرق:، مثال: شخص عنده (٢٠) شاة في رفحاء، و (٢٠) شاة في الرياض؟
الصحيح أن عليه الزكاة.
ولا يضرّ اختلاف الأمكنة.
لظواهر النصوص الواردة في وجوب الزكاة، حيث إنها علّقت الوجوب بالملك، لا باتحاد المحلّ. واللَّه تعالى أعلم.
وقد ذهب إلى ذلك الجمهور.
فائدة: ٤
معنى قوله ( … وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ .... ).
أي: أن المصدق (الساعي) إذا أخذ الصدقة من أحد الخليطين فإنه يرجع على صاحبه بالقدر الذي وجب عليه.
стр. 1370
باب زكاة الحبوب والثمار
(تجب الزكاة في الحبوب والثمار).
والأدلة على وجوب الزكاة فيها:
أ- قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ)
وَالزَّكَاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
ب- وَقَالَ تَعَالَى (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ).
ج- وعن أبي سعيد. قال: قال النَّبِيِّ ﷺ (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
د- وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَكَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي.
هـ- وَعَنْ جَابِرٍ أنه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (فِيمَا سَقَتْ الْأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْر) رواه أبو داود.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَر.
стр. 1371
(في كلِ ما يُكالُ ويُدّخر، كتمرٍ، وزبيبٍ،).
هذا المذهب: تجب الزكاة في كل ما يكال ويدخر.
الثمر: ما يخرج من الأشجار، فكل ثمر يكال ويدخر تجب فيه الزكاة، والثمر الذي لا يكال ولا يدخر لا تجب فيه الزكاة، ولو كان يؤكل مثل: الفواكه، والخضروات، ليس فيها زكاة؛ لأنها لا تكال ولا تدخر.
التمر يكال ويدخر.
والزبيب يكال ويدخر، ولا عبرة باختلاف الكيل والوزن، فإن التمر في عرفنا يوزن، وكذلك الزبيب، لكن لا عبرة بذلك؛ لأن العبرة بما كان في عهد الرسول ﷺ .
والمراد بالادخار: أن عامة الناس يدخرونه؛ لأن من الناس من لا يدخر التمر، بل يأكله رُطَبَاً، وكذلك العنب قد يؤكل رطباً، لكن العبرة بما عليه عامة الناس في هذا النوع.
وهذا القول الأول في هذه المسألة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا تجب إلا في الأصناف الأربعة السابقة.
وبهذا قال جماعة من أهل العلم منهم الحسن البصري، واختاره الشوكاني، والألباني.
لحديث عَنْ أَبِي مُوسَى اَلْأَشْعَرِيِّ; وَمُعَاذٍ ﵄; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمَا: (لَا تَأْخُذَا فِي اَلصَّدَقَةِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ اَلْأَصْنَافِ اَلْأَرْبَعَةِ: اَلشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ). رَوَاهُ اَلطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِم.
وهذا الحديث يؤيده أحاديث أخرى مرسلة:
عن مجاهد قال: (لم تكن الصدقة في عهد النبي ﷺ إلا في هذه الأربعة: البر، والشعير، والتمر، والزبيب). رواه البيهقي
стр. 1372
وقال الحسن: (لم يفرض رسول الله ﷺ الصدقة إلا في عشرة أصناف: البر من الشعير، والتمر، والزبيب، والذرة، والإبل … ). رواه البيهقي
قال الشوكاني: " فهي تنتهض بتخصيص العمومات، مثل: (وآتوا حقه يوم حصاده) فالحق ما ذهب إليه الثوري والحسن البصري والنخعي، والحسن بن صالح في وجوبها في هذه الأربعة، وأما زيادة الذرة فهي ضعيفة، لكن يعضد زيادة: والذرة، مرسل الحسن البصري ومجاهد ".
وذهب بعضهم: إلى أنه تجب في كل ما يقتات ويدخر.
وهذا مذهب المالكية والشافعية.
كالحنطة، والشعير، والأرز، والذرة، بخلاف الجوز واللوز والفستق، هذه تدخر لكنها لا تقتات.
وكذلك الفواكه كالتفاح والرمان والكمثرى لا زكاة فيها، لأنها لا تدخر.
والراجح المذهب.
فائدة: ١
اتفق العلماء على وجوب الزكاة في أصناف أربعة: الحنطة والشعير والزبيب والتمر، واختلفوا في غيرها.
فائدة: ٢
أنه لا زكاة في الخضروات، كالتفاح والبرتقال والموز والمشمش، لأنها ليست مدخرة وليست مكيلة، ومثل هذه الأشياء إنما هي ذات منفعة عاجلة، والحاجة إليها مؤقتة، وليست من الغذاء الضروري، وإنما هي للتمتع والتفكه، فهي مأكولات الأغنياء دون الفقراء.
стр. 1373
فائدة: ٣
قوله (الخارج من الأرض) فيه أن من شروط وجوب زكاة الخارج من الأرض:
أن يكون خارجاً من الأرض.
فلو أن إنساناً اشترى طناً من البر، فهذا لا تجب فيه الزكاة إلا إذا أراده عروض تجارة، لأنها ليست خارجة من الأرض.
(إذا بلغت خمسة أوسق).
أي: يشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار أن تبلغ نصاباً وهو: خمسة أوسق.
لحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ. وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ. وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) متفق عليه.
(أَوْسُقٍ) جمع وسْق، وهو ستون صاعاً بالاتفاق، فيكون نصاب الحبوب [٣٠٠] صاع.
(فيجبُ العشرُ فيما سقي من السماء، ونصف العشر فيما سقي بكلفةٍ كالدوالي والنواضح)
هذا مقدار ما يجب إذا النصاب.
العشر: فيما سقي بماء السماء والأنهار ونحوها فيما ليس فيه مؤونة كثيرة.
стр. 1374
ونصف العشر: فيما سقي بالنواضح وغيرها مما فيه مؤونة كثيرة، وهذا متفق عليه. [شرح النووي].
أ- عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه. قال: قال ﷺ قَالَ (فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ وَفِيمَا سُقِىَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ) رواه مسلم.
ب- وعن ابن عمر. عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (فِيمَا سَقَتِ اَلسَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا: اَلْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ: نِصْفُ اَلْعُشْرِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
ج- وَلِأَبِي دَاوُدَ: (أَوْ كَانَ بَعْلًا: اَلْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي أَوِ اَلنَّضْحِ: نِصْفُ اَلْعُشْرِ).
[السماء] المراد بذلك المطر. [العيون] هي الينابيع التي تنبع من الأرض أو من سفوح الجبال. [أو كان عَثرياً] بفتح العين قال الخطابي: "هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي". [بالنضح] سقي الزرع بالماء الذي ينضحه [يخرجه] الناضح، وهو البعير. [بعلاً] البعل: الأشجار التي تشرب بعروقها من الأرض. [السواني] جمع سانية، وهي الدابة من الإبل أو البقر أو الحمر ذاهبة وآيبة تخرج الماء من البئر.
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث وُجُوب الْعُشْر فِيمَا سُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاء وَالْأَنْهَار وَنَحْوهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مُؤْنَة كَثِيرَة، وَنِصْف الْعُشْر فِيمَا سُقِيَ بِالنَّوَاضِحِ وَغَيْرهَا مِمَّا فِيهِ مُؤْنَة كَثِيرَة، وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ.
وقال ابن قدامة: وَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ مَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ، مِنْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ أَوْ دُولَابٍ أَوْ نَاعُورَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ، فَفِيهِ الْعُشْرُ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ جُمْلَةً، بِدَلِيلِ الْمَعْلُوفَةِ، فَبِأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِهَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْمَالِ النَّامِي، وَلِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرٌ فِي تَقْلِيلِ النَّمَاءِ، فَأَثَّرَتْ فِي تَقْلِيلِ الْوَاجِبِ فِيهَا.
стр. 1375
فائدة: ١
إن وجد ما يسقى بالنضح تارة وبالمطر تارة، فإن كان ذلك على جهة الاستواء وجب ثلاثة أرباع العشر.
وهو قول أهل العلم.
قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً.
الخلاصة:
أولاً: ما سقي بلا مؤونة فيه العشر، كالذي ينبت على الأنهار والأمطار.
ثانياً: ما سقي بمؤونة فيه نصف العشر، المقصود بالمؤونة: ما سقي بالرشاشات والآبار والمكائن.
ثالثاً: ما سقي نصفه بمؤونة والنصف الآخر بلا مؤونة فيه ثلاثة أرباع العشر.
فائدة: ٢
ضابط المؤونة: المقصود بالمؤونة هي مؤونة استخراج الماء لا تصريفه، لأنه حتى الذي يسقى بلا مؤونة يحتاج إلى تصريف الماء بين الأحواض.
ولا يؤثر في المؤونة حفر الأنهار والسواقي وتنقيتها، لأن هذا لابد منه، فهو كحرث الأرض.
стр. 1376
فائدة: ٣
وقت وجوب الزكاة في الحبوب والثمار: إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر، وهو أن يحمر أو يصفر كما جاء في الحديث.
فائدة هذا القول: أنه لو تلف قبل البدو ولو بفعل المالك فإنه لا زكاة عليه.
فائدة: ٤
لماذا جعل الشارع بدو الصلاح وقتاً لوجوب الزكاة؟ لأن هذا الوقت هو الذي يقصد فيه الأكل من الثمار والاقتيات منها.
فائدة: ٥
الحكمة من هذا التفريق:
لأن ما سقي بمؤونة أشق على المالك فخفف مقدار الواجب.
قال الخطابي: وإنما كان وجوب الصدقة مختلف المقادير في النوعين، لأن ما عمت منفعته، وخفت مؤنته، كان أحمل للمواساة، فاُوجِب فيه العشر، توسعة على الفقراء، وجعل فيما كثُرت مؤونته نصف العشر، رفقاً بأرباب الأموال.
стр. 1377
باب زكاة الأثمان
(تجب الزكاة في الذهب والفضة).
هذا هو النوع الثالث من الأنواع التي فيها الزكاة وهي الأثمان وتشمل: الذهب والفضة والأوراق النقدية التي تنوب عنها، وتشمل أيضاً الأسهم والسندات.
والدليل على وجوب الزكاة فيها:
أ- قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
ب- وقال ﷺ (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) رواه مسلم.
(وَلَا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَم، وَلَا فِيْ الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِيْنَ مِثْقَالاً).
نصاب الفضة (٢٠٠) درهم (خمس أواق) وهي تساوي (٥٩٥) بالجرام.
ونصاب الذهب (٢٠) مثقالاً، وهي تساوي (٨٥) بالجرام.
أ- عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) متفق عليه.
[أواق] جمع أوقية، قال في الفتح: ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهماً بالاتفاق.
ب- وفي حديث أنس ( … وَفِي اَلرِّقَة رُبُعُ اَلْعُشْرِ).
قال النووي: فنصاب الفضة خمس أواق، وهي مائتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالاً والمعول فيه على الإجماع.
стр. 1378
فائدة: ١
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والنصاب (أي الذهب) ٨٥ جرام، فما دون ذلك ليس فيه زكاة، وما بلغ (٨٥) جرام ففيه الزكاة، ونزكيه بقدر قيمته ونأخذ ربع عشر قيمته، وذلك بأن نقسم القيمة على (٤٠) فما خرج فهو الزكاة.
مثال: إذا كان الحلي يساوي (٤٠. ٠٠٠) فزكاته (١٠٠٠) وعلى هذا نقيس.
فائدة: ٢
التعامل الآن بالأوراق النقدية، نصابها: معتبرة بالفضة، ٢٠٠ درهم هي ١٤٠ مثقالاً، = ٥٦ ريالاً عربياً من الفضة، فإذا أردت أن تعرف مقدار الزكاة فاعرف مقدار الريال العربي من الفضة.
نسال عن قيمة الريال العربي بالفضة، فإذا كانت قيمته ١٠ فالنصاب ٥٦٠، فمن ملك ٥٦٠ ريالاً وجب فيها الزكاة.
كم الريال العربي من الفضة ثم اضربه ٥٦.
(والواجب فيهما ربع العشْر).
أي: الواجب إخراجه فيهما ربع العشر، أي: ٢، ٥ بالمائة.
للحديث السابق (وَفِي اَلرِّقَة رُبُعُ اَلْعُشْرِ).
وطريقة ذلك: أن تقسم ما عندك من المال الزكوي على أربعين، فما خرج فهو الزكاة.
أمثلة:
رجل عنده مبلغ (٤٠) ألف، فنقسم هذا المبلغ على (٤٠) يساوي: ألف ريال.
رجل عنده مبلغ: ١٢، ٦٨٠ ريالاً: نقسم هذا المبلغ: ١٢، ٦٨٠ ÷ ٤٠ يساوي ٣١٦
стр. 1379
تنبيه:
سعر جرام الذهب في تاريخ ٢٨/ ٣/ ١٤٣١ هـ هو: ١٣٠ ريالاً تقريباً.
وسعر جرام الفضة في ٢٨/ ٣/ ١٤٣١ هـ هو: ٥ ريالا تقريباً.
فيكون نصاب الذهب: ٨٥ × ١٣٠= ١١. ٠٥٠ ريال.
ويكون نصاب الفضة: ٥٩٥×٥= ٢. ٩٧٥ ريال.
وعليه فيكون النصاب الآن هو: ٢. ٩٧٥ ريالا، فمن ملكها وحال عليها الحول وجب عليه إخراج الزكاة. (مقال في صيد الفوائد).
(وَيُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِن الفِضَّةِ الخَاتَمُ).
أي: يباح للرجل أن يلبس الخاتم من فضة.
أ- لحديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ (اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَكَانَ فِي يَدِهِ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِى بَكْرٍ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) متفق عليه. (وَرِق: فضة).
ب- وعن أنس. (أن رسول الله ﷺ لبس خاتم فضةٍ في يمينه) متفق عليه.
ج- وقد ثبت لبسه عن جماعة من الصحابة.
وحكى بعض العلماء الإجماع على ذلك.
стр. 1380
لكن هل يستحب ذلك أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
فقيل: مستحب.
وقيل: مباح.
وهذا المذهب.
وقيل: يستحب لمن يحتاجه وإلا فليس بسنة.
لأن النبي ﷺ لم يلبسه حتى قيل له: إن الملوك لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ (كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَاباً - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَاباً إِلاَّ مَخْتُوماً. فَاتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه) متفق عليه.
فائدة: ١
اتفق العلماء على جواز التختم في اليمين واليسار لورود الأحاديث بالتختم فيهما، لكن اختلفوا في الأفضل:
فقيل: لبسه باليمين أفضل.
لحديث أنس قال (لبس رسول الله ﷺ خاتم من فضه في يمينه) متفق عليه.
وعن عبد الله بن جعفر قال (كان النبي ﷺ يتختم في يمينه) رواه النسائي.
стр. 1381
وقيل: لبسه باليسار أفضل.
لحديث أنس قال (كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى) رواه مسلم.
وعن ابن عمر (أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره) رواه أبو داود.
والراجح أن التختم باليمين أفضل لأمور:
أولاً: أن أحاديث التختم في اليمين أكثر وأصح، وقد وردت عن جمع من الصحابة.
ثانياً: أن الخاتم زينة، واليمين أولى بالزينة والإكرام، وقد كان النبي ﷺ يحب التيامن في شأنه كله.
ثالثاً: أن الخاتم قد يُنقش فيه الذكر، ولفظ الجلالة ونحو هذا، فإذا لبس في اليمين، كان ذلك صوناً له من امتهان ما كتب عليه عند الاستنجاء.
فائدة: ٢
اتفق أهل العلم على أن السنة في حق الرجل جعْل خاتمهِ في خنصر يده دون سائر أصابعه.
لحديث أنس قال (صنع النبي ﷺ خاتماً، ثم قال: إنا اتخذنا خاتماً، ونقشنا فيه نقشاً، فلا يَنقشنَّ عليه أحد، قال: فإني لأرى بريقَه في خنصره) رواه البخاري.
ولحديث أنس أيضاً قال (كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى) رواه مسلم.
стр. 1382
وعن علي قال (نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في إصبعي هذه أو هذه، وأومأ إلى الوسطى والتي تليها). رواه مسلم
(وَقَبِيعَةُ السَّيْفِ).
وأي: ويباح أن تحلَّى قبيعة السيف بالفضة.
والقبيعة: ما يكون على رأس مقبض السيف.
قال ابن قدامة: وَلَا بَأْسَ بِقَبِيعَةِ السَّيْفِ مِنْ فِضَّةٍ.
لِمَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ (كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِضَّةً) رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ، أَنَا رَأَيْتُهُ.
(وَحِليَةُ المِنْطَقَةِ).
أي: ويُبَاحُ لَهُ حِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ وَهِيَ مَا شَدَدْت بِهِ وَسَطَك قَالَهُ الْخَلِيلُ.
لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّخَذُوا الْمَنَاطِقَ مُحَلَّاةً بِالْفِضَّةِ وَهِيَ كَالْخَاتَمِ.
(وَمِنَ الذَّهَبِ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَأَنْفٍ وَنَحْوِهِ)
أي: أن الذهب لا يجوز للرجل إلا ما كان لضرورة، كأن يستعمله في الأسنان، أو في الأنامل، أو الأنف، أو غير ذلك.
لحديث عن عرفجة بن أسعد (أنه أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفاً من ذهب) رواه الترمذي وأبو داود وحسنه النووي.
стр. 1383
(ويوم الكلاب) هو بضم الكاف، وهو يوم معروف من أيام الجاهلية كانت لهم فيه وقعة مشهورة، والكلاب اسم لماء من مياه العرب كانت عنده الوقعة، فسمي ذلك اليوم يوم الكُلاب، وأما عرفجة الراوي فهو بفتح العين وهو عرفجة بن أسعد بن كَرِب بن صفوان التميمي الفطاري ﵁. (المجموع).
قال النووي ﵀ في (المجموع) (١/ ٣١٢) قول المصنف (إن اضطر إلى الذهب جاز استعماله) فمتفق عليه، وقال أصحابنا: فيباح له الأنف والسن من الذهب ومن الفضة، وكذا شد السن العليلة بذهب وفضة جائز " انتهى.
وقال ابن قدامة: لا يباح اليسير من الذهب، ولا يباح منه إلا ما دعت الضرورة إليه، كأنف الذهب، وما ربط به أسنانه.
وقال الشيخ ابن عثيمين: … مثاله: رجل انكسر سنه، واحتاج إلى رباط من الذهب، أو سن من الذهب، فإنه لا بأس به.
ولكن إذا كان يمكن أن يجعل له سناً من غير الذهب، كالأسنان المعروفة الآن، فالظاهر أنه لا يجوز من الذهب؛ لأنه ليس بضرورة، ثم إن غير الذهب وهي المادة المصنوعة أقرب إلى السن الطبيعي من سن الذهب، وكذلك إذا اسودّ السن ولم ينكسر، فإنه لا يجوز تلبيسه بالذهب؛ لأنه لا يعتبر ضرورة ما لم يخش تكسره أو تآكله، فإنه يجوز. (الشرح الممتع).
وسُئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: عن حكم تركيب الأسنان الذهبية؟
فأجاب: الأسنان الذهبية لا يجوز تركيبها للرجال إلا لضرورة، لأن الرجل يحرم عليه لبس الذهب والتحلي به. وأما للمرأة فإذا جرت عادة النساء أن تتحلى بأسنان الذهب فلا حرج عليها في ذلك، فلها أن تكسو أسنانها ذهباً، إذا كان هذا مما جرت العادة بالتجمل به، ولم يكن إسرافاً.
стр. 1384
فائدة: ١
أما لغير ضرورة، فيحرم على الرجل لبس الذهب من خاتم وغيره.
عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (أُحِلَّ اَلذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهِمْ.) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وعن علي قال (أخذ النبي ﷺ حريراً في يمينه وذهباً في يساره وقال: هذان حرام على ذكور أمتي) رواه أبو داود وابن ماجه وزاد (حل لإناثهم).
وعن- البراءِ بن عازب ﵄، قَالَ: أمرنا رَسُول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: ونَهَانَا عَنْ خَواتِيمٍ أَوْ تَخَتُّمٍ بالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بالفِضَّةِ، … ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
ج-وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (أنه نهى عن خاتم الذهب).
د- عن ابن عباس ﵄: أن رَسُول الله ﷺ رأى خاتَماً مِنْ ذهبٍ في يدِ رجلٍ فنَزعه فطرحه، وَقالَ (يَعْمدُ أحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا في يَدِهِ!)) فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول اللهِ ﷺ : خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ. قَالَ: لا والله لا آخُذُهُ أبَداً وَقَدْ طَرَحَهُ رسولُ الله ﷺ رواه مسلم.
قال النووي: أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِبَاحَة خَاتَم الذَّهَب لِلنِّسَاءِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمه عَلَى الرِّجَال، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عُمَر بْن مُحَمَّد بْن حَزْم أَنَّهُ أَبَاحَهُ، وَعَنْ بَعْضٌ أَنَّهُ مَكْرُوه لَا حَرَام، وَهَذَانِ النَّقْلَانِ بَاطِلَانِ، فَقَائِلهمَا مَحْجُوج بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرهَا مُسْلِم مَعَ إِجْمَاع مَنْ قَبْله عَلَى تَحْرِيمه لَهُ، مَعَ قَوْله ﷺ فِي الذَّهَب وَالْحَرِير: (إِنَّ هَذَيْنِ حَرَام عَلَى ذُكُور أُمَّتِي حِلّ لِإِنَاثِهَا).
стр. 1385
فائدة: ٢
حكم لبس خاتم الحديد:
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: تحريم لبسه.
قال ابن بطال في شرحه على البخاري: (خاتم الحديد كان يُلبَسُ في أول الإسلام ثم أمر النبي ﷺ بطرحه).
أ-عن بُرَيْدَة (أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيهِ خَاتَمٌ مِن شَبَهٍ؛ فَقَالَ لَهُ: مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الْأَصْنَامِ، فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ؛ فَقَالَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ، فَطَرَحَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالاً).
(خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ) هو الخاتم من النحاس الأصفر، والشبه أرفع النحاس وسُمِّيَ بذلك لشبهه بالذهب في لونه، وعند الترمذي: "خاتم من صفر".
(مالي أجد منك ريح الأصنام) قال الخطابي والبيهقي في الشعب: لأن الأصنام كانت تتخذ من الشبه.
(حِلية أهل النار) قيل: هو زينة بعض الكفار في الدنيا، وقيل: زينتهم في النار بملابسة السلاسل والأغلال، وقيل: إنما كرهه النبي ﷺ لنتنه.
(ولا تتمَّه مثقالاً) أي لا يكون الخاتم ثقيلاً مبالغاً في وزنه.
ب- ولما جاء عند ابن سعد في (الطبقات) (أن عمراً ضرب يد رجل لأنه يلبس خاتم ذهب، فقال رجل بجانبه: يا أمير المؤمنين، أنظر أما أنا فخاتمي من حديد، فقال له عمر: ذلك شر، إنه حلية أهل النار).
стр. 1386
القول الثاني: أنه مكروه.
وهذا قول جمهور العلماء.
القول الثالث: جواز لبسه من غير كراهة.
لحديث الباب في قوله ﷺ (التمس ولو خاتماً من حديد).
قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا دليل على جواز التختم بالخاتم - أي الحديد - إذ أن الخاتم لا ينتفع به إلا بالتختم، فلولا أنه جائز ما قال له النبي ﷺ التمس ولو خاتما من حديد. … (نور على الدرب).
وقد جرى الاستدلال بهذا الحديث على جواز التختم بالحديد جمعٌ من أهل العلم كالبخاري - كما تقدم - وابن عبد البر في الاستذكار، والنووي في المجموع، وابن رجب في أحكام الخواتم وجماعة.
وأصحاب هذا القول ضعفوا أحاديث التحريم.
قال ابن عبد البر: وعن عمر بن الخطاب أنه قال في خاتم الذهب وخاتم الحديد" جمرة من نار" أو قال: "حلية أهل النار"، وقد روي مثل هذا مرفوعاً، ولا يتصل عن النبي ﷺ ، ولا عن عمر، وليس بثابت، والأصل: أن الأشياء على الإباحة حتى يثبت النهي، وهذا في كل شيء، إلا أن النهي عن التختم بالذهب صحيح، ولا يختلف في صحته. (التمهيد).
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ولا حرج في لبس الحديد من الساعة والخاتم لما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال للخاطب (التمس ولو خاتماً من حديد) أما ما يروى عنه ﷺ في التنفير من ذلك: فشاذ، مخالف لهذا الحديث الصحيح. (فتاوى إسلامية).
стр. 1387
وقال ابن رجب في رسالته أحكام الخواتم: (والصحيح عدم التحريم، فإن الأحاديث فيه لا تخلو عن مقال، وقد عارضها ما هو أثبت منها).
وقال النووي في شرحه على مسلم - في شرح حديث الواهبة نفسها - (وفي هذا الحديث جوازُ اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف حكاه القاضي، ولأصحابنا في كراهته وجهان: أصحهما: لا يُكره لأن الحديث في النهي عنه ضعيف).
(وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ ولو كثُر).
لبس الذهب للنساء جائز المحلق وغير المحلق، كَالطَّوْقِ، وَالْخَلْخَالِ، وَالسِّوَارِ، وَالدُّمْلُوجِ، وَالْقُرْطِ، وَالْعِقْدِ، وَالْمُقَلَّدَةِ، وَالْخَاتَم.
وهذا قول جماهير العلماء.
أ- عن أَبِي مُوسَى السابق (أُحِلَّ اَلذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهِمْ).
وحديث علي أيضاً (أخذ النبي ﷺ حريراً في يمينه وذهباً في يساره وقال: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم).
وجه الدلالة: الحديث لم يستثن من الذهب شيئاً محلقاً ولا غير محلق.
ب- ولحديث جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِى فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ قَالَ لَا وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ، تُلْقِى فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ. قُلْتُ أَتُرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ وَيُذَكِّرُهُنَّ قَالَ إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ) متفق عليه.
стр. 1388
(فتخها: هي الخواتيم العظام).
ج-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ (شَهِدْتُ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ، فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ مَعَ بِلَالٍ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ «أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ». وَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا يَدْرِى الْحَسَنُ مَنْ هِيَ. قَالَ «فَتَصَدَّقْنَ» وَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ).
وفي رواية (ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تَصَدَّقُ بِخُرْصِهَا وَسِخَابِهَا).
(فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى قُرْطَهَا).
(بخرصها: قال الحافظ بضم الخاء وسكون الراء هي الحلقة الصغيرة من الذهب أو الفضة).
(وسخابها: قلادة تتخذ من طيب ليس فيها ذهب ولا فضة).
(قُرطها: كل ما علق على الأذن فهو قرط سواء كان ذهباً أو فضة أو غير ذلك).
د-ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن امرأة أتت رسول الله ﷺ معها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: من الواضح في هذا الحديث - وضوحاً جلياً - أن النبي ﷺ ما أنكر على الصحابية لبس السوارين، ولكنه سألها هل تؤدين الزكاة عليهما؟ ولو كان لبس السوارين محرماً لنهاها النبي ﷺ .
стр. 1389
(وَلَا زَكَاةَ فِي حُلَيِّهِمَا المُعَدِّ لِلاسْتِعْمَالِ، أَوِ العَارِيَةِ،).
أي: لا زكاة في حلي المرأة الذي تستعمله.
وبه قال ابن عمر، وجابر، وأنس، وابن مسعود، وأسماء، وعمرة بنت عبد الرحمن، والحسن البصري، وطاووس، والشعبي، وابن المسيب.
وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد.
أ-لحديث أبي هريرة في قوله ﷺ (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة).
قال النووي: هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها.
ب-ولحديث جابر ﵁ في قوله ﷺ (ليس في الحلي زكاة) رواه البيهقي.
وهذا مختلف فيه: فقد ذكر الشيخ البسام: أنه صححه: أبو زرعة، وابن الجوزي، والمنذري، وابن دقيق العيد.
وضعفه: البيهقي، وقال: باطل لا أصل له، وضعفه الألباني.
ج- قوله ﷺ للنساء (تصدقن ولو من حليكن) متفق عليه.
وجه الدلالة: فيه دلالة على أنه لا زكاة في الحلي، لأنه لو كانت الصدقة فيه واجبة، لما ضرب به المثل في صدقة التطوع.
د-أن الصحابة كانت لهم أموال من الحلية ما هو معروف ولم يثبت أنه ﷺ أمرهم بالزكاة في ذلك.
هـ-وروي هذا القول عن جمع من الصحابة.
стр. 1390
فقد جاء عن جابر (أنه سئل: أفي الحلي زكاة؟ قال: لا، قيل: وإن بلغ عشرة آلاف؟ قال: كثير) أخرجه عبد الرزاق.
وعن نافع (أن ابن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب ثم لا يخرج من حليهن الزكاة) أخرجه مالك.
قال الشنقيطي: هذا الإسناد في غاية الصحة.
وعن أنس (أنه سئل عن الحلي؟ فقال: ليس فيه زكاة) أخرجه البيهقي.
و- أن الزكاة إنما تجب في المال المعد للنماء، والحلي ليس معداً لذلك، لأنه خرج عن النماء بصناعته حلياً يلبس ويستعمل وينتفع به، والمرأة إنما تملكه بقصد الانتفاع الشخصي والتزين والتجمل، لا بنية النماء والاستثمار.
وذهب بعض العلماء: إلى وجوب الزكاة فيه.
وبهذا قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، ومحمد بن سيرين، ومجاهد، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله ابن شداد، ومكحول، وعلقمة، والأسود، وإبراهيم، وابن المبارك، وابن شبرمة، والطحاوي، وابن حزم، وابن المنذر، والصنعاني.
وهو مذهب أبي حنيفة.
ورجحه الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله تعالى.
ورجحه احتياطاً: الخطابي، والشنقيطي، وأبو بكر الجزائري، وصالح البليهي. أدلتهم:
أ-لقوله تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
والمراد بكنز الذهب والفضة: عدم إخراج ما يجب فيهما من زكاة وغيرها من الحقوق، والآية عامة في جميع الذهب والفضة، لم تخصص شيئاً دون شيء، فمن ادعى خروج الحلي المباح المستعمل من هذا العموم فعليه الدليل.
стр. 1391
ب-ما ثبت في حديث مسلم من قوله ﷺ (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ) والحديث عام.
ج-ولحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ اِمْرَأَةً أَتَتِ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهَا اِبْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ اِبْنَتِهَا مِسْكَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: "أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا? " قَالَتْ: لَا. قَالَ … ).
قال ابن حجر: إسناده قوي. وقال النووي: إسناده قوي. وقال ابن الملقن: إسناده صحيح.
وقال الشنقيطي: أقل درجاته الحسن. وقال الألباني: إسناده حسن.
د-حديث عائشة قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ وفي يدي فتختان من ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، قال: هو حسبكِ من النار) رواه أبو داود والحاكم.
قال النووي: إسناده حسن. وصححه الألباني.
• أحاب من قال بعدم الوجوب (وهم الجمهور) عن أدلة من قال بالوجوب:
أ-قالوا: إن الآية والحديث، هذه عمومات، ولهذا العموم أدلة تخصص معناه وتقيد اطلاقه.
ب- أما الأحاديث التي فيها الأمر بإخراج الزكاة (كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وغيره) ففيها ضعف
قال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شيء، ورجح النسائي إرسال حديث عمرو بن شعيب.
قال ابن عبد البر: لم يثبت عن النبي ﷺ شيء في الذهب.
стр. 1392
• وأجاب من قال بالوجوب عن أدلة من قال بعدم الوجوب:
أجابوا: أن حديث (ليس في الحلي زكاة) ضعيف.
وعلى فرض صحته: فأنتم لا تقولون به، حيث أنهم يوجبون الزكاة في الذهب إذا أعد للنفقة والأجرة.
ب- وأما حديث (تصدقن ولو من حليكن) فإن هذا الحديث ليس فيه إثبات وجوب الزكاة، ولا نفيه، وإنما فيه الأمر بالصدقة حتى من حاجات الإنسان
والراجح القول الأول، والله أعلم.
فائدة: الخلاف السابق في الحلي المباح، أما المحرم فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على وجوب الزكاة فيه.
قال ابن قدامة: فيها الزكاة بغير خلاف بين أهل العلم.
قال النووي: أما الحلي المحرم فتجب الزكاة فيه بالإجماع.
مثال: إذا اتخذت المرأة حلياً فيه صورة محرمة.
(فَإِنْ أُعِدَّ لِلْكِرَى، أَوْ للنَّفَقَةِ، أَوْ كَانَ مُحَرَّماً فَفِيهِ الزَّكاة).
أي: إن أُعِد الذهب للكراء، وهي الأجرة.
أو للنفقة: مثل رجل عنده ذهب لنفقته، كلما احتاج إلى النفقة باع منه، ففيه الزكاة.
أو كان محرّماً ففيه الزكاة.
قال النووي: أما الحلي المحرم فتجب الزكاة فيه بالإجماع.
مثال: إذا اتخذت المرأة حلياً فيه صورة محرمة.
стр. 1393
(والركاز: مَا وُجِدَ مِن دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ، فَفِيهِ الخُمسُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِه).
أي: أن زكاة الركاز الخمس.
والركاز: ما وجد من دِفن الجاهلية، ويعرف أنه من الجاهلية إما باسم ملِك من ملوكهم، أو ذكر تاريخ يدل على السنة أو نحو ذلك من العلامات.
والواجب فيه الخمس.
لحديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (وَفِي اَلرِّكَازِ: اَلْخُمُسُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فائدة: ١
الركاز لواجده.
أ-لأنه أحق به.
ب- ولفعل عمر وعلي، فإنهما دفعا باقي الركاز لواجده.
فائدة: ٢
ليس للركاز نصاب، فيزكى قليله وكثيره.
ففي الحديث السابق (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ).
فظاهره: عدم اشتراط النصاب وهو مذهب الجمهور.
واختاره: ابن المنذر، والصنعاني، والشوكاني.
فائدة: ٣
وقت إخراج زكاته: من حين العثور عليه، فلا ينتظر دوران الحول عليه.
فائدة: ٤
يكون مصرفه يكون لمصالح المسلمين العامة [بيت المال] ولا يخص به الأقسام الثمانية.
فائدة: ٥
الفرق بين الركاز واللقطة؟
الركاز لواجده، واللقطة تعرف، فإن جاء صاحبها فهي له وإلا فهي لواجدها.
стр. 1394
بَابُ زَكَاةِ العُرُوضِ
عروض التجارة: هي كل ما أعد للتجارة، فكل شيء معد للتكسب والتجارة فهو عروض تجارة.
سميت عروض: لأنها تعرض للبيع، أو لأنه يعرض ويزول ولا يبقى عند صاحبه.
(وتجب الزكاة فيها).
أي: تجب الزكاة في عروض التجارة.
وهذا قول أكثر العلماء.
قال ابن قدامة: تجب الزكاة في قيمة العروض في قول أكثر أهل العلم.
وقال الخطابي: زعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنْ لا زكاة فيها، وهو مسبوق بالإجماع.
ومما يدل على وجوب الزكاة في عروض التجارة:
أ-قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْض).
قال الطبري: يعني بذلك: زكوا من طيب ما كسبتم بتصرفكم، إما بتجارة أو بصناعة.
وروي من عدة طرق عن مجاهد في قوله (من طيبات ما كسبتم) قال: من التجارة.
وبوب البخاري في صحيحه على هذه الآية فقال: باب صدقة الكسب والتجارة لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْض).
قال أبو بكر الجصاص: وعموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائر الأموال، فمن أخرج عروض التجارة منها فعليه الدليل.
стр. 1395
وقال أبو بكر العربي: قال علماؤنا، قوله تعالى (ما كسبتم) يعني التجارة (ومما أخرجنا لكم من الأرض) يعني النبات.
ب-عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا; أَنْ نُخْرِجَ اَلصَّدَقَةَ مِنَ اَلَّذِي نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ لَيِّن.
ج-وروى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم عَنْ أَبِي ذَرّ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُولُ (فِي الْإِبِل صَدَقَتهَا، وَفِي الْغَنَم صَدَقَتهَا، وَفِي الْبَقَر صَدَقَتهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَته … الْحَدِيث).
قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٩١): إسناده لا بأس به اهـ. وصححه النووي في المجموع (٦/ ٤). وَالْبَزُّ بِالْبَاءِ وَالزَّاي (الثياب أو نوع منها). كَذَا ضَبَطَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَالْحَدِيث صَحَّحَهُ الْحَاكِم وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْره. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَمِنْ النَّاس مَنْ صَحَّفَهُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَبِالرَّاءِ وَهُوَ غَلَطٌ ا. هـ.
فهذا الحديث دليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة، لأن الثياب لا زكاة فيها إلا إذا كانت للتجارة، فتعين حمل الحديث على ذلك.
د-وروى الشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَعَبْد الرَّزَّاق، وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي عَمْرو بْن حِمَاس عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت أَبِيعُ الْأُدْمَ فَمَرَّ بِي عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ لِي: أَدِّ صَدَقَة مَالِك، فَقُلْت: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا هُوَ فِي الْأُدْم، فَقَالَ: قَوِّمْه ثُمَّ أَخْرَجَ صَدَقَته. وضعفه الألباني في "إرواء الغليل" (٨٢٨) لجهالة أبي عمرو بن حماس. ولكن يشهد له الأثر الثاني.
هـ-وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيّ قَالَ: كُنْت عَلَى بَيْتِ الْمَالِ زَمَانَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَ إذَا خَرَجَ الْعَطَاءُ جَمَعَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ ثُمَّ حَسَبَهَا، غَائِبَهَا وَشَاهِدَهَا، ثُمَّ أَخَذَ الزَّكَاةَ مِنْ شَاهِدِ الْمَالِ عَنْ الْغَائِبِ وَالشَّاهِدِ. صححه ابن حزم.
و-وعن ابن عمر قال (ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة) رواه ابن أبي شيبة، والبيهقي، وصححه ابن حزم، والبيهقي والنووي.
стр. 1396
وحكى بعض العلماء الإجماع على ذلك:
قال أبو عبيد: أجمع المسلمون أن الزكاة فرض واجب فيها، أي: عروض التجارة.
وقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن في العروض التي تدار للتجارة الزكاة إذا حال عليها الحول.
(ولا زكاةَ فيها حتى ينويَ بها التجارة).
أي: لا زكاة في عروض التجارة إلا إذا نوى بها التجارة.
فائدة:
هل مجرد ما ينوي التجارة يكون للتجارة، أو لا بد أن يملكها بنية التجارة؟
المسألة لها أحوال:
أولاً: إن ملكها بفعله بنية التجارة، فهذه تكون للتجارة وفيها زكاة.
مثال: اشترى أرضاً يريد التجارة فيها.
ثانياً: إن ملكها بغير فعله، كمن مات له مورث وورث بعده أرضاً ونوى بها التجارة.
المذهب لا تكون للتجارة، لأنه ملكها قهراً.
والصحيح أنها تكون للتجارة.
ثالثاً: ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نوى بها التجارة:
المذهب لا تكون للتجارة، لأنه حين ملكها لم يكن ناوياً للتجارة.
والصحيح أنها تكون للتجارة بالنية.
مثال: اشترى سيارة، فأراد أن يستعملها للأجرة، ثم بدا له أن يعرضها للتجارة.
стр. 1397
(وهي نصابٌ حولاً كاملاً).
أي: يشترط في عروض التجارة:
أن تبلغ نصاباً. (ونصابها يقوّم بقيمة الذهب والفضة).
فإذا كان عنده عروض تجارة فنقول يشترط أن تبلغ قيمتها نصاب الذهب أو نصاب الفضة يعني قيمة الذهب أو قيمة الفضة.
• والأحوط الآن نصاب الفضة لأن الفضة الآن نازلة، وتقدم أن نصاب الفضة ٥٩٥ غراماً فننظر إلى قيمة ٥٩٥ غراماً فإذا كانت قيمتها ٦٠٠ ريال فإذا كانت عنده عروض تجارة تساوي ٦٠٠ ريال وجبت عليه الزكاة. (المشيقح).
ومضي سنة كاملة.
(ثم يُقوّمُها).
هذه كيفية عروض التجارة، يقوّمها.
فائدة: ١
المعتبر في التقويم بقيمة السلعة عند تمام الحول، ولا يحق له أن يؤخرها بزمن يتغير فيه السعر.
فائدة: ٢
إذا كان هناك سلع لم يدفع التاجر ثمنها هل يقوّمها؟ نقول إذا كانت السلعة حال عليها الحول وأصبحت في ملكه زكاها وإن لم يدفع ثمنها، لأن الديْن - كما تقدم - لا يسقط وجوب الزكاة. (وبل الغمامة).
فائدة: ٣
لا يعتبر في تقويم السلعة عند تمام الحول ما اشتريت به، وذلك لأن القيمة تختلف ارتفاعاً ونزولاً، بل المعتبر في تقويمها عند حلول الحول.
стр. 1398
(ويخرج زكاتها من قيمتِها لا منها).
أي: الواجب في زكاة عروض التجارة إخراج الزكاة من قيمتها لا من عينها.
فمثلاً صاحب البقالة لا يخرج الزكاة من المواد الغذائية التي يبيعها أو صاحب الأقمشة لا يخرج الزكاة أقمشة وثياباً وإنما يخرج القيمة، لماذا؟ لأن هذه العروض المقصود منها القيمة فهو لم يشتريها لذاتها وإنما يقصد قيمتها.
وهذا قول المالكية، والشافعية، والحنابلة.
أن الواجب إخراج زكاة العروض من قيمتها لا من عينها.
أ-قالوا: إن نصاب عروض التجارة معتبر بالقيمة، فوجب أن يكون المُخرج منها، وذلك قياساً على بقية الأموال التي حدد نصابها بالعين.
ب-وقالوا: إن القيمة هي محل الوجوب في زكاة العروض، إذ الواجب إخراج ربع العشر، وأما العروض فليست محلاً للوجوب، فكان الإخراج من عينها كالإخراج من غير الجنس.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الواجب إخراج زكاة العروض من عينها لا من قيمتها.
وهذا قول الحنفية.
قالوا: إن الواجب إخراج ما في يد المزكي وملكه، وملكه عين العروض لا قيمتها.
وذهب بعضهم: إلى أنه يجزئ إخراج زكاة العروض من العروض إذا كان لمصلحة الفقير.
وهذا اختيار ابن تيمية.
والراجح القول الأول.
стр. 1399
(وإن نوى بعرْضِ التجارة القِنية فلا زكاة فيها).
أي: أن ما أعد للقنية والاستعمال فلا زكاة فيه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَيْسَ عَلَى اَلْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
ففي هذا الحديث أنه ليس على المسلم فيما يقتنيه من العبيد والخيل زكاة، فالأموال المعدة للقنية أو الاستعمال لا زكاة فيها.
قال النووي: هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق إذا لم تكن للتجارة، وبهذا قال العلماء كافة من السلف والخلف.
وقال الصنعاني: الحديث نص على أنه لا زكاة في العبيد ولا الخيل، وهو إجماع فيما كان للخدمة والركوب.
وعليه: فليس على المسلم صدقة في فراش البيت، وأواني البيت، وسيارة الركوب، وما أشبه ذلك، فكل ما اقتناه الإنسان لنفسه من أي شيء كان، فليس فيه زكاة.
فائدة:
هل في الخيل زكاة؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا زكاة فيها إلا إذا كانت للتجارة.
أ- للحديث السابق (لَيْسَ عَلَى اَلْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَة).
ب- ولحديث علي. قال: قال ﷺ (قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) رواه الترمذي وأبو داود.
وحكى الترمذي عن البخاري تصحيح هذا الحديث، وقد حسنه الحافظ، وقال الدارقطني: الصواب وقفه على علي.
стр. 1400
باب زكاة الفطر
المراد بزكاة الفطر: الصدقة التي يخرجها المسلم عن نفسه أو عن غيره في نهاية شهر رمضان لتزكية صومه.
وقد أضيفت إلى الفطر كما في حديث ابن عمر الآتي. لكونها تجب بالفطر من رمضان، قال الحافظ: "ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث: زكاة الفطر من رمضان".
(وهي واجبة).
أي: أن زكاة الفطر حكمها واجبة.
لحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (فَرَضَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ زَكَاةَ اَلْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى اَلْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ اَلنَّاسِ إِلَى اَلصَّلَاةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيه.
(على كل مسلم).
أي: أنها تجب على مسلم، فلا تجب على الكافر.
أ-لقوله (من المسلمين) قال الحافظ: وهو أمر متفق عليه.
فقوله (من المسلمين) يدل على اشتراط الإسلام في وجوب صدقة الفطر، وأنها لا تجب على الكافر عن نفسه، وهذا متفق عليه. … (سبل السلام).
ب- ولأنها طهرة، والكافر ليس مكاناً للطهرة.
стр. 1401
أنها واجبة على الصغير والكبير، والجمهور قالوا: تجب فطرة الصغير في ماله، والمخاطب بإخراجها وليه، إن كان للصغير مال وإلا وجبت على من تلزمه نفقته.
فائدة:
لماذا أضيفت إلى الفطر؟
قيل: أضيف إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان.
وقيل: المراد صدقة النفوس.
قال الحافظ: والأول أظهر، ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث: زكاة الفطر من رمضان.
فائدة: ٢
هل تجب زكاة الفطر على المسلم ولو لم يصم رمضان لمرض أو عذر؟
نعم، واجبة حتى ولو لم يصم لمرض أو عذر.
وذهب سعيد بن المسيب، والحسن البصري أنها لا تجب إلا على من صام، واستدل لهما بحديث ابن عباس بلفظ (صدقة الفطر طهرة للصائم).
قال في الفتح: وأجيب بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب، كما أنها تجب على من لا يذنب، كمتحقق الصلاح، أو من أسلم قبل الغروب بلحظة.
ولأن من حكم هذه الزكاة اغتناء الفقراء في يوم العيد، لئلا يبتذلوا أنفسهم بالسؤال.
(والواجب عن كل شخص صاع من تمرٍ، أو زبيب، أو بر، أو شعير، أو أقط).
هذا قدر الواجب في زكاة الفطر، ونوع ما تخرج منه.
فالقدر فيها: صاع [والصاع كيلوين وربع كيلو] كما في حديث ابن عمر السابق.
والنوع الذي تخرج منه ما جاء في الحديث: التمر، أو الشعير، أو الزبيب، أو الإقط.
لحديث أبي سَعِيد الْخُدْرِي، ﵁ قال (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) متفق عليه.
فيخير في إخراج زكاة الفطر بين هذه المذكورات.
стр. 1402
فائدة: ١
قد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عمن عليه زكاة الفطر ويعلم أنها صاع ويزيد عليه، ويقول هو نافلة، هل يكره؟
فأجاب: "الحمد لله. نعم، يجوز بلا كراهية عند أكثر العلماء؛ كالشافعي، وأحمد، وغيرهما، وإنما تنقل كراهيته عن مالك.
وأما النقص عن الواجب فلا يجوز باتفاق العلماء" انتهى. "مجموع فتاوى ابن تيمية" (٢٥/ ٧٠)
فائدة: ١
اختلف العلماء: في حكم إخراج الزكاة من غير هذه الأصناف المنصوص عليها على قولين:
القول الأول: أنه لا يجزئ إخراج غير هذه الأصناف المنصوص عليها.
وهذا قول الحنابلة.
أ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَجْنَاسًا مَعْدُودَةً، فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَجْنَاسِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْفَرْضَ تَفْسِيرٌ لِلْمَفْرُوضِ، فَمَا أُضِيفَ إلَى الْمُفَسَّرِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ مَفْرُوضَةً فَيَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا. (المغني).
ب- وَلِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ غَيْرَهَا عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجْزِ، كَإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَكَمَا لَوْ أَخْرَجَ عَنْ زَكَاةِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
القول الثاني: أنه يجوز إخراج زكاة الفطر من غير الأصناف المنصوصة مما هو من قوت البلد ولو مع توفر الأجناس المنصوصة.
وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، واختيار ابن تيمية.
أ- قياس الأصناف غير المنصوصة مما هو من قوت البلد على المنصوصة، وذلك لأنه لا يوجد في الأصناف المنصوصة معنى يخصها ويمنع من قياس غيرها عليها.
ب- أن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المساواة للفقراء، وزكاة الفطر لا تخرج عن هذا الباب، فجاز إخراجها من غالب قوت البلد، ويؤيده أن الأصناف المنصوصة كانت هي غالب قوت أهل المدينة وقتها، ولو كانوا يقتاتون غيرها لأمروا بالإخراج مما يقتاتون.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 1403
قال ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين" (٣/ ١٢): " وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قوتهم كمن قوتهم الذرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتهم من غير الحبوب، كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنا ما كان، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد حاجة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم، وعلى هذا فيجزئ إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه الحديث " انتهى
وقال الشيخ ابن عثيمين: ولكن إذا كان قوت الناس ليس حباً ولا ثمراً، بل لحماً مثلاً، مثل أولئك الذين يقطنون القطب الشمالي، فإن قوتهم وطعامهم في الغالب هو اللحم، فالصحيح أنه يجزئ إخراجه.
والله أعلم.
فائدة: ٢
لا يجوز إخراج زكاة الفطر نقداً.
وهذا مذهب جماهير العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة.
قال النووي: لا تجزئ القيمة في الفطرة عندنا، وبه قال مالك وأحمد وابن المنذر. … (المجموع).
أ-لقول ابن عمر ﵁ (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من تمر وصاعا من شعير).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ فرض الصدقة من تلك الأنواع، فمن عدل إلى القيمة فقد ترك المفروض.
ب-عن أبي سعيد ﵁ قال (كنا نخرجها على عهد رسول الله ﷺ صاعا من طعام، وكان طعامنا التمر والشعير والزبيب والأقط).
стр. 1404
وجه الدلالة: أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يخرجونها من غير الطعام، وتتابعهم على ذلك دليل على أن المشروع إخراجها طعاماً.
ج-أن إخراج زكاة الفطر من الشعائر، فاستبدال المنصوص بالقيمة يؤدي إلى إخفائها وعدم ظهورها (فتنقلب من شعيرة ظاهرة إلى صدقة خفية).
د-قال ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
هـ- أن ذلك مخالف لعمل الصحابة، فقد كانوا يخرجونها من الطعام.
(فيُخرجُ عن نفسه).
أي: يخرج الإنسان عن نفسه وجوباً.
فمن كان ينفق على نفسه وجبت عليه زكاة الفطر، ولو كان صغيراً لغناه بمال أو كسب، ويخرجها أبوه عنه.
لحديث ابن عمر السابق (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن الصغير والكبير … ).
(وعن مُسلمٍ يَمونُه).
أي: وتلزم الشخص فطرة من يمونه، أي ينفق عليه، كالزوجة والأم والأب والابن والبنت وغيرهم ممن ينفق عليهم.
وهذا مذهب الحنابلة.
واستدلوا: بحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال (أدوا صدقة الفطر عمن تمونون)، ولكنه حديث ضعيف، ضعفه الدارقطني، والبيهقي، وابن العربي، والذهبي، والنووي وابن حجر وغيرهم.
وقد اختار هذا القول علماء اللجنة الدائمة للإفتاء، فقد سئلوا: هل يلزم الزوج فطرة الزوجة التي بينه وبينها نزاع شديد أم لا؟
فأجابوا: زكاة الفطر تلزم الإنسان عن نفسه وعن كل من تجب عليه نفقته ومنهم الزوجة، لوجوب نفقتها عليه " انتهى.
стр. 1405
واختاره أيضاً الشيخ ابن باز ﵀، كما في "مجموع الفتاوى" (١٤/ ١٩٧).
وذهب بعض العلماء: أنه لا يلزمه أن يخرج زكاة الفطر عن غيره.
وهو مذهب الحنفية
واستدلوا: بحديث ابْنِ عُمَرَ السابق (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ).
ففي الحديث: أنها واجبة على كل واحد من المسلمين، والأصل: أن الذي يخاطب بالواجب هو الشخص نفسه
وقد اختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في " الشرح الممتع " (٦/ ١٥٤): " فالصحيح أن زكاة الفطر واجبة على الإنسان بنفسه، فتجب على الزوجة بنفسها، وعلى الأب بنفسه، وعلى الابنة بنفسها، ولا تجب على الشخص عمن ينفق عليه من زوجة وأقارب، ولأن الأصل في الفرض أنه يجب على كل واحد بعينه دون غيره " انتهى بتصرف.
لكن لو تبرع الأب بإخراجها عن أسرته برضاهم فلا بأس بذلك.
فائدة: ١
قوله (وعن مُسلمٍ. . .) فلو كان له قريب كافر فإنه لا يجب عليه أن يخرج عنه زكاة فطر، لأن من شرطها الإسلام كما تقدم
فلا يجب - مثلاً - على الزوج المسلم أن يخرج زكاة الفطر عن زوجته الكتابية.
جاء في (مغني المحتاج) ولا فطرة على كافر أصلي؛ لقوله ﷺ (من المسلمين)، وهو إجماع، قاله الماوردي; لأنها طهرة، وليس من أهلها [أي: أنها تطهير من الذنوب، والكافر لا يطهره من ذنوبه إلا الإسلام] انتهى.
وقال أبو إسحق الشيرازي في (المهذب) ولا يجب عليه إلا فطرة مسلم، فأما إذا كان المؤدي عنه كافراً فلا يجب عليه فطرته، لحديث ابن عمر: (على كل ذكر وأنثى حر وعبد من المسلمين) ولأن القصد بالفطرة تطهير المؤدَّى عنه، والكافر لا يلحقه تطهير.
следующие страницы →