Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
ثانياً: أو رجل اشتراها بماله.
أي اشترى الزكاة من الفقير. (المراد زكاة غيره).
ثالثاً: الغارم.
أي المديون، وهو على نوعين:
أولاً: الغارم لإصلاح ذات البين: وذلك بأن يكون بين طائفتين من الناس شر وفتنة، فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم، ويلزم في ذمته مالاً لإطفاء الفتنة.
الثاني: الغارم الذي ركبته الديون بسبب من الأسباب: وهذا من أهل الزكاة.
رابعاً: الغازي في سبيل الله.
وهذا من أهل الزكاة الثمانية، كما قال تعالى: (وابن السبيل).
خامساً: المسكين الذي تصدق عليه منها فأهدى منها لغني.
• هؤلاء الخمسة:
الثلاثة الذين هم: الغارمون لإصلاح ذات البين، والعاملون عليها، والغزاة المجاهدون في سبيل الله، هؤلاء من أهل الزكاة الثمانية.
وأما المشتري لها، والمهدي إليه منها، فليس من أهلها، وإنما ملكها من الفقير الذي استحقها وأعطى منها.
(و لا تَحِلّ لآلِ محمدٍ وهم: بنو هاشمٍ ومواليِهم).
أي: لا يجوز دفع الزكاة لآل محمد وهم بنو هاشم.
والمراد ببني هاشم: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث).
عَنْ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ اَلْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَلصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ اَلنَّاسِ).
стр. 1437
وَفِي رِوَايَةٍ: (وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا آلِ مُحَمَّدٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قال في الشرح: لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة.
(إِنَّ اَلصَّدَقَةَ) المراد الزكاة الواجبة.
(إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ اَلنَّاسِ) المراد بالناس هنا المزكون. (فهو عام اريد به الخصوص).
فائدة: ١
الحكمة من عدم أخذهم من الزكاة؟
الحكمة بيّنها النبي ﷺ بقوله (إنما هي أوساخ الناس).
قال النووي: قَوْله ﷺ (إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخ النَّاس) تَنْبِيهٌ عَلَى عِلَّة فِي تَحْرِيمهَا عَلَى بَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِب، وَأَنَّهَا لِكَرَامَتِهِمْ وَتَنْزِيههمْ عَنْ الْأَوْسَاخ، وَمَعْنَى (أَوْسَاخ النَّاس) أَنَّهَا تَطْهِير لِأَمْوَالِهِمْ وَنُفُوسهمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) فَهِيَ كَغَسَّالَةِ الْأَوْسَاخ.
وقال القرطبي: إنما كانت الصدقة كذلك؛ لأنها تطهرهم من البخل، وأموالهم من إثم الكنز، فصارت كأنها الغسالة التي تعاب.
فائدة: ٢
هذا التحريم في الحديث خاص بالصدقة الواجبة، وأما صدقة التطوع فإنها تحل لهم.
وهذا قول جماهير العلماء.
لأنهم إنما منعوا الزكاة لأنها تطهير لأموال الأغنياء ونفوسهم، وصدقة التطوع ليس كذلك.
قال ابن قدامة: أما صدقة التطوع فتحل لهم لأنها ليست من أوساخ الناس.
وقيل: تحرم عليهم حتى صدقة التطوع، وإلى هذا ذهب الشوكاني وجماعة.
لعموم الحديث.
стр. 1438
فائدة: ٣
يستثنى النبي ﷺ فإنه لا تحل له صدقة التطوع أيضاً.
قال في المغني: فَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّدَقَةَ جَمِيعَهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَعَلَامَاتِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لِيُخِلَّ بِذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ إسْلَامِ سَلْمَانِ الْفَارِسِيِّ، أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَوَصَفَهُ، قَالَ (إنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ).
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ؟ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ، فَأَكَلَ مَعَهُمْ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي لَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ).
وَقَالَ ﵇ (إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فِي بَيْتِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْقِيهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ (إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ).
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَشْرَفَ الْخَلْقِ، وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَغَانِمِ خُمْسُ الْخُمْسِ وَالصَّفِيُّ، فَحُرِمَ نَوْعَيْ الصَّدَقَةِ فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا، وَآلُهُ دُونَهُ فِي الشَّرَفِ، وَلَهُمْ خُمْسُ الْخُمْسِ وَحْدَهُ، فَحُرِمُوا أَحَدَ نَوْعَيْهَا، وَهُوَ الْفَرْضُ
فائدة: ٤
اختلف العلماء في أخذ بني هاشم من الزكاة إذا لم يعطوا حقهم من الخمس على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز أخذ بني هاشم من الزكاة مطلقاً، منعوا حقهم من الخمس أو أعطوه.
وهذا قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
للحديث السابق ( .... إنما هي أوساخ الناس).
стр. 1439
وجه الدلالة: أن التعليل بعدم حل الزكاة لبني هاشم من أجل كون الصدقات أوساخ الناس، ولشرفهم ومكانتهم، وهذا الوصف فيهم وفي الصدقات باق أعطوا الخمس أو حرموه.
القول الثاني: جواز أخذ بني هاشم للزكاة إذا منعوا حقهم من الخمس.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
أن الخمس عوض عن الزكاة، فإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض، وهو الزكاة، لإهمال الناس أمر الغنائم وإيصالها إلى مستحقيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وبنو هاشم إذا منعوا من خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة وهو قول القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا وقاله أبو يوسف والإصطخري من الشافعية لأنه محل حاجة وضرورة.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فإذا مُنعوا أو لم يوجد خمس كما هو الشأن في وقتنا هذا: فإنهم يُعطَون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح.
فائدة: ٥
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: والخمس: هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم، أربعة أسهم للغانمين، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضاً:
الأول: لله ورسوله ﷺ يكون في مصالح المسلمين، وهو ما يعرف بالفيء أو بيت المال.
الثاني: لذي القربى، هم قرابة الرسول ﷺ وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب، لأن بني عبد المطلب يشاركون بني هاشم في الخمس.
الثالث: لليتامى.
الرابع: للمساكين.
الخامس: لابن السبيل.
فإذا منعوا أو لم يوجد خمس، كما هو في الشأن في وقتنا هذا، فإنهم يعطون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
стр. 1440
فائدة: ٦
روى البخاري: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ (مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَعْطَيْتَ بَنِي اَلْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ ": إِنَّمَا بَنُو اَلْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
استدل بهذا الحديث من قال: إن بني المطلب لا تحل لهم الزكاة.
وهذا قول الشافعي وجماعة.
أ-لقوله (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد).
ب- ولأن لهم نصيباً من الخمس.
وذهب بعض العلماء: إلى أن بني المطلب يعطون من الزكاة.
وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك.
أ- لعموم الأدلة (إنما الصدقات للفقراء … ).
ب-وأما تشريكهم في الخُمُس، فإنه مبني على المناصرة والمؤازرة بخلاف الزكاة، فإنهم لما آزروا بني هاشم وناصروهم أعطوا جزاءً لفضلهم من الخمس.
(ولا يجوزُ دفعُها إلى الوالدينِ وإن علَوْا، ولا إلى الولدِ وإنْ سَفلَ).
أي: لا يجوز دفع الزكاة إلى الأصول، ولا إلى الفروع.
وحكى ابن المنذر الإجماع على أنه لا يجوز دفع الزكاة إليهم.
لأن الأصل والفرع يجب النفقة لهما بكل حال إذا كانوا فقراء وهو غني، فلا يعطيهم من الزكاة، ولأن دفع الزكاة إليهم تغنيهم عن نفقته، وتسقطها عنه فيعود نفع الزكاة إليه [كما لو قضى ديْن نفسه].
стр. 1441
قال الشافعي: ولا يعطي (يعني من زكاة ماله) أباً ولا أماً ولا جداً ولا جدة " انتهى. (الأم).
وقال ابن قدامة: وَلَا يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا، وَلَا لِلْوَلَدِ، وَإِنْ سَفَلَ،
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ، فِي الْحَالِ الَّتِي يُجْبَرُ الدَّافِعُ إلَيْهِمْ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ تُغْنِيهِمْ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَتُسْقِطُهَا عَنْهُ، وَيَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ تَجُزْ، كَمَا لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ، وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ " لِلْوَالِدَيْنِ " يَعْنِي الْأَبَ وَالْأُمَّ.
وَقَوْلُهُ: " وَإِنْ عَلَوْا " يَعْنِي آبَاءَهُمَا وَأُمَّهَاتِهِمَا، وَإِنْ ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُمْ مِنْ الدَّافِعِ، كَأَبَوَيْ الْأَبِ، وَأَبَوَيْ الْأُمِّ، وَأَبَوَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، مَنْ يَرِثُ مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَرِثُ.
وَقَوْلُهُ: " وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ " يَعْنِي وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ مِنْ أَوْلَادِهِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، الْوَارِثِ وَغَيْرِ الْوَارِثِ. (المغني).
فائدة:
إذا كان المنفق عاجزاً عن النفقة فقد أجاز بعض أهل العلم له أن يدفع زكاة ماله إلى والديه أو أولاده ممن لزمته نفقتهم وعجز عنها ـ
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
قال ابن قاسم في حاشية الروض: وقال شيخ الإسلام: يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين والولد، إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن الإنفاق عليهم، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، ويشهد له العمومات.
وقال: الأقوى جواز دفعها إليهم في هذه الحال، لأن المقتضي موجود، والمانع مفقود، فوجب العمل بالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم.
стр. 1442
وقال أيضًا: إن كان محتاجًا إلى النفقة، وليس لأبيه ما ينفق عليه، ففيه نزاع، والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه، وأما إن كان مستغنيًا بنفقة أبيه، فلا حاجة به إلى زكاته.
وقال: إذا كانت الأم فقيرة ولها أولاد صغار ولهم مال ونفقتها تضر بهم أعطيت من زكاتهم، وإذا كان على الولد دَيْنٌ لا وفاء له جاز أن يأخذ النفقة من زكاة أبيه في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره.
(ولا إلى الزوْجةِ).
أي: لا يجوز أن يدفع الزوج زكاته لزوجته.
قال ابن المنذر: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لا يُعْطِي زَوْجَتَهُ مِنْ الزَّكَاةِ لأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَة عَلَيْهِ فَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ الزَّكَاةِ.
فائدة:
اختلف العلماء: هل يجوز للزوجة أن تعطي زوجها الفقير من الزكاة على قولين:
القول الأول: أنه يجوز ذلك.
قال الصنعاني: هو قول الجمهور.
قال الحافظ - في حديث الباب -: وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الْمَرْأَةِ زَكَاتهَا إِلَى زَوْجِهَا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ.
وقال ابن حزم في المحلى: وتعطي المرأة زوجها من زكاتها إن كان من أهل السهام، صح عن رسول الله ﷺ أنه أفتى زينب امرأة ابن مسعود. وساق الحديث.
أ-لعموم الأدلة (إنما الصدقات للفقراء … ).
ب-ولعدم الدليل الذي يمنع من ذلك.
стр. 1443
ج- قال ابن قدامة: ولأنه - أي الزوج - لا تجب نفقته عليها فلا يمنع دفع الزكاة إليه كالأجنبي، ويفارق الزوجة فإن نفقتها واجبة عليه؛ ولأن الأصل جواز الدفع؛ لدخول الزوج في عموم الأصناف المسمين في الزكاة، وليس في المنع نص ولا إجماع، وقياسه على من ثبت المنع في حقه غير صحيح لوضوح الفرق بينهما، فيبقى جواز الدفع ثابتًا. انتهى
د-ولحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ (جَاءَتْ زَيْنَبُ اِمْرَأَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اَلْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ اِبْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدُهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ صَدَقَ اِبْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وفي رواية ( … فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيَجْزِى عَنِّى أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِى فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ سَلِى أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ … ).
فإن المراد به صدقة الفرض ويدل لذلك:
أولاً: قولها: (أيُجْزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي … ).
ثانياً: ترك استفصاله ﷺ لها، ينزل منزلة العموم، فلم يستفصل عن الصدقة، هل هي تطوع، أو واجب؟ فكأنه قال: يجزئ عنك فرضاً كان أو تطوعاً.
قال الشوكاني: والظاهر أنه يجوز للزوجة صرف زكاتها إلى زوجها:
أما أولاً: فلعدم المانع من ذلك ومن قال أنه لا يجوز فعليه الدليل.
وأما ثانياً: فلأن ترك استفصاله ﷺ لها ينزل منزلة العموم فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوع أو واجب فكأنه قال يجزئ عنك فرضاً كان أو تطوعاً.
стр. 1444
القول الثاني: لا يجوز.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
أ-لأن الرجل من امرأته كالمرأة من الرجل، وقد منعنا إعطاء الرجل للزوجة كذلك إعطاء المرأة لزوجها.
ب- ولأنها ستنتفع بدفعها إليه.
وقالوا: إن حديث زينب ليس المراد صدقة الفرض، وإنما المراد به صدقة التطوع ويدل لذلك:
قوله ﷺ : ( … ولو من حليكن … ) فهذا يدل على التطوع.
قالوا: وأما قولها: (أيجزئ عني … ) أي في الوقاية من النار، كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا يحصل لها المقصود.
وأجيب عن ذلك: إنه لا يستقيم ذلك، لأنه لا يستحق النار إلا من منع الصدقة الواجبة، أما صدقة التطوع فلا يعاقب على تركها، وفي قولها: أيجزئ عني؟ أي أيجزئ عني في الزكاة الواجبة؟ أما صدقة التطوع فلا يقال: أتجزئ عني؛ لأن الغرض منها قصد الأجر والثواب، والثواب يحصل بأي مقدار من المال دُفع ولأي دفع.
والراجح القول الأول.
(ولا إلى رقيقٍ).
أي: لا يجوز دفع الزكاة إلى الرقيق.
أ- لأن نفقته واجبة على سيده.
ب- لأننا لو أعطيناه لانتقل المال إلى سيده فوراً، فإن مال العبد مال لسيده.
стр. 1445
(ولا إلى كافرٍ).
أي: لا يجوز دفع الزكاة لكافر.
قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر.
لكن يستثنى إذا كان مؤلفاً فإنه يعطى.
(ولا إلى فقيرةٍ تحت غنيٍ مُنفِق).
أي: إذا كان هناك امرأة فقيرة متزوجة، فإنها لا تعطى من الزكاة، إذا كان زوجها غني، وهذا الزوج منفق باذل.
ومفهومه: أنه إذا كان هذا الزوج غير منفق، فإنه يجوز إعطاؤها من الزكاة.
(أما صدقةُ التطوعِ، فيجوزُ دفعُها إلى هؤلاء وإلى غيرهم).
تقدم أهل الزكاة، فصدقة الفريضة لا يجوز دفعها إلا لمن عينه الله ﵎ في كتابه كما تقدم.
أما صدقة التطوع، فالأمر فيها واسع، فيجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع الزكاة إليه وإلى غيرهم.
لكن على القريب أفضل فهي صدقة وصلة كما في الحديث السابق (الصدقة على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة).
(وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلاً، أوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يُجْزِهِ).
هنا مسألتان:
الأولى: إذا أعطى زكاته لشخص يعتقد أنه ليس من أهلها، فبان وظهر فيما بعد أنه من أهلها.
فالحكم هنا: لا يجزئه ذلك.
لأنه أعطى وهو شاك، والعبادة يجب أن يؤديها الإنسان وهو جازم على يقين. هذا شيء.
ولأن من أعطى زكاته لرجل يظن أنه ليس أهلاً للصدقة فهو إما متساهل أو متلاعب.
ولا نقول دائماً أنه متلاعب، بل الغالب أنه متساهل، ولا يجوز أن يتساهل الإنسان في إبراء ذمته حين إخراج الزكاة.
الثانية: عكسها.
إذا دفع الزكاة لمن ظن أنه مستحق للزكاة، فتبين أنه ليس أهلاً لها.
فالحكم هنا: لا يجزئه ذلك.
لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بما في ظنه.
стр. 1446
مثاله: أعطى رجلاً يظنه غارماً فبان أنه غير غارم، فإنها لا تجزئ؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر، أي: بالواقع، والواقع أنه غير أهل.
مثال آخر: أعطاها لشخص يظنه ابن سبيل فتبين أنه غير ابن سبيل فإنها لا تجزئه.
(إِلاَّ لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيراً فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ).
أي: يستثنى مما سبق حالة واحدة وهي: إذا دفعها لغني يظنه فقيراً، فإنه يجزئه ذلك.
أ- لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (قَالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِىٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِىٍّ. قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِىٍّ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِىٍّ وَعَلَى سَارِقٍ. فَأُتِىَ فَقِيلِ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِىَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِه) متفق عليه.
ب- ولأنه فعل ما استطاع عليه، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
ج- ولأن حقيقة الفقر قد تخفى، فاكتفى فيه بغلبة ظن دافع الزكاة،
قال البهوتي: فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ يَظُنُّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا أَجْزَأَتْ. (كشاف القناع).
стр. 1447
(وصدقةُ التطوعِ مستحبةٌ في كلِ وقت).
صدقة التطوع مستحبة، وأجرها كبير، وثوابها عظيم، وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضلها والحث عليها والترغيب فيها.
أولاً: أنها برهان على صحة الإيمان.
عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ. وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالصَّلَاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) رواه مسلم.
قال ابن رجب: وأما الصدقة فهي برهان، … فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان.
ثانياً: أنها تطهير للنفس.
قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).
ثالثاً: أنها تغفر الذنوب.
قال ﷺ (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي.
رابعاً: أن الصدقة تزيد المال.
قال ﷺ (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم.
خامساً: أنها تظلل صاحبها يوم القيامة.
قال ﷺ (العبد في ظل صدقته يوم القيامة) رواه أحمد.
وقال ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
стр. 1448
سادساً: أنها وقاية من النار.
قال ﷺ (اتقوا النار ولو بشق تمرة) متفق عليه.
وقال ﷺ للنساء (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) متفق عليه.
سابعاً: دعاء الملائكة.
كما قال ﷺ (ما من صباح إلا وينزل ملكان: يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً). متفق عليه
ثامناً: أن فيها علاجاً من الأمراض.
روي عنه ﷺ أنه قال (داووا مرضاكم بالصدقة).
قال ابن شقيق (سمعت ابن المبارك وسأله رجل: عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فاحفر بئراً في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ).
تاسعاً: أن الله يدفع بالصدقة أنواعاً من البلاء.
كما في وصية يحيى ﵇ لبني إسرائيل (وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم).
فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها أنواعاً من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض مقرون به لأنهم قد جربوه. (الوابل الصيب).
عاشراً: أنه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلا ما تصدق به.
كما في قوله تعالى (ومَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُم).
ولما سأل النبي ﷺ عائشة عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها: قالت: ما بقى منها إلا كتفها، قال (بقي كلها غير كتفها) رواه الترمذي.
стр. 1449
الحادي عشر: أن يضاعف للمتصدق أجره.
كما في قوله (إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيم).
وقوله سبحانه (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون).
الثاني عشر: أن فيها انشراحاً للصدر.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدَيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تُغَشِّىَ أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا) متفق عليه.
فالمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلمَّا تصدَّق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه، وعظم سروره، ولو لم يكن في الصَّدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبدُ حقيقياً بالاستكثار منها والمبادرة إليها وقد قال تعالى (ومَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون).
الثالث عشر: الفضل الكبير.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلَانٌ. لِلاِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ
الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لاِسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالي ثُلُثاً وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَه) رواه مسلم.
стр. 1450
الرابع عشر: صاحب الصدقة موعود بالخلف.
كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أي يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب.
الخامس عشر: أن الله يربي الصدقة.
كما قال تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ - وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ) متفق عليه.
قال السمرقندي: عليك بالصدقة بما قلّ أو كثر، فإن في الصدقة عشر خصال محمودة خمس في الدنيا وخمس في الآخرة:
أما التي في الدنيا:
فأولها: تطهير المال كما قال النبي ﷺ (ألا إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب، فشوبوه بالصدقة).
والثاني: أن فيها تطهير البدن من الذنوب، كما قال الله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ … ).
والثالث: أن فيها دفع البلاء والأمراض، كما قال النبي ﷺ (داووا مرضاكم بالصدقة).
والرابع: أن فيها إدخال السرور على المساكين، وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمنين.
والخامس: أن فيها بركة في المال وسعة في الرزق، كما قال تعالى (ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ).
стр. 1451
وأما الخمس التي في الآخرة:
فأولها: أن تكون الصدقة ظلاً لصاحبها في شدة الحر.
والثاني: أن فيها خفة الحساب.
والثالث: أنها تثقل الميزان.
والرابع: جواز على الصراط.
والخامس: زيادة الدرجات في الجنة.
قال ابن القيم: فإن الصدقة تفدي من عذاب الله، فإن ذنوب العبد وخطاياه تقتضي إهلاكه، فتجئ الصدقة تفديه من العذاب وتفكه منه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح لما خطب النساء يوم العيد (يا معشر النساء تصدقن .... فإني رأيتكن أكثر أهل النار.
(والأفضل والأكمل أن تكون سراً).
أي: الأفصل أن تكون الصدقة المندوبة سراً.
أ- لقوله تعالى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).
ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) متفق عليه.
стр. 1452
بعض أقوال أهل العلم.
قال ابن الجوزي: وإنما فضلت صدقة السر لمعنيين:
أحدهما: يرجع إلى المعطي وهو بُعْدُه عن الرياء، وقربه من الإخلاص، والإعراض عما تؤثر النفس من العلانية.
والثاني: يرجع إلى المعطَى، وهو دفع الذل عنه بإخفاء الحال، لأن في العلانية ينكر.
ثم قال: واتفق العلماء على إخفاء الصدقة النافلة أفضل من إظهارها.
وقال ابن كثير: في الآية دلالة على إن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية.
فالأصل أن الإسرار أفضل، لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ..... ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). … (تفسير ابن كثير).
стр. 1453
وقال ابن القيم: قوله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) أي فنعم شيء هي وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه فيمنعه ذلك من إخراجها وينتظر بها الإخفاء فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه أو بينه وبين إخراجها فلا يؤخر صدقة العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت السر وهذه كانت حال الصحابة.
وقال السعدي:. . . وإن أخفاها وسلمها للفقير كان أفضل، لأن الإخفاء على الفقير إحسان آخر، وأيضاً فإنه يدل على قوة الإخلاص، وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله (من تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
قال القرطبي: قوله تعالى (فَنِعِمَّا هِيَ) ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك.
ولذلك قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطُنع إليك فانشره.
وقال العباس بن عبد المطلب ﵁: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيلُه وتصغيرُه وسترهُ؛ فإذا أعجلته هنيّته، وإذا صغّرته عظّمته، وإذا سترته أتْمَمْته.
ويقول ابن عاشور في فوائد الآية السابقة في سورة البقرة - فيها: تفضيل لصدقة السرّ؛ لأنّ فيها إبْقاء على ماءِ وجه الفقير، حيث لم يطّلع عليه غير المعطي.
فائدة: ١
قوله ﷺ (حتى لا تعلم شماله. . .) المراد المبالغة في الإخفاء.
قال القرطبي: هذا مبالغة في إخفاء الصدقة.
стр. 1454
وقال في الفتح: المقصود منه المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث أن شماله مع قربها من يمينه وتلازمهما لو تصور أنها تعلم لما علمت ما فعلت اليمين لشدة إخفائها فهو على هذا من مجاز التشبيه ويؤيده رواية حماد بن زيد عند الجوزقي تصدق بصدقة كأنما أخفى يمينه من شماله.
فائدة: ٢
وأما الزكاة المفروضة فالأفضل إظهارها.
لأجل أن يقتدي به غيره، ولئلا يُساء الظن به، فيظن بعض الناس أنه لا يخرج زكاة.
قال النووي: الأفضل في الزكاة إظهار إخراجها; ليراه غيره فيعمل عمله، ولئلا يساء الظن به، وهذا كما أن الصلاة المفروضة يستحب إظهارها، وإنما يستحب الإخفاء في نوافل الصلاة والصوم. (المجموع). (وتقدمت المسألة).
(ويتأكد استحباب الصدقة وقت الحاجات).
أي: يتأكد استحباب الصدقة كلما اشتدت حاجة الفقير.
وذلك أن سد الحاجات وستر العورات من أهم مقاصد تشريع الصدقات.
فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال (أَفْضَلُ الأَعْمَالِ: إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى المُؤمِنِ: كَسَوْتَ عَوْرَتَهُ، وَأَشْبَعْتَ جَوْعَتَه، أَوْ قَضَيتَ لَهُ حَاجَةً) رواه الطبراني في المعجم الأوسط.
وقال الشيخ ابن عثيمين: فإن قيل: أيها أولى أن تصرف فيه الزكاة من هذه الأصناف الثمانية؟
قلنا: إن الأولى ما كانت الحاجة إليه أشد؛ لأن كل هؤلاء استحقوا الوصف، فمن كان أشد إلحاحاً وحاجة فهو أولى، والغالب أن الأشد هم الفقراء والمساكين، ولهذا بدأ الله تعالى بهم فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغاارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) إعطاء المستحقّين الزّكاة ليس بدرجةٍ واحدةٍ من الفضل، بل يتمايز: فقد نصّ المالكيّة على أنّه يندب للمزكّي إيثار المضطرّ على غيره، بأن يزاد في إعطائه منها دون عموم الأصناف.
стр. 1455
(وفي الزمان والمكان الفاضل).
أي: ومما تتأكد فيه الصدقة: الزمان الفاضل، والمكان الفاضل، كشهر رمضان، وعشر ذي الحجة، وكالحرمين.
أ- لقوله تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (.
فجعله الله مباركاً، لتضاعف العمل فيه، والبركة كثرة الخير.
ب- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَة) متفق عليه.
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا: اِسْتِحْبَاب إِكْثَار الْجُود فِي رَمَضَان.
وقال ابن القيم: وكان ﷺ أجودَ الناس، وأجودُ ما يكون في رمضان، يُكثر فيه مِن الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف.
ج- وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ قَالُوا، وَلَا الْجِهَادُ قَالَ، وَلَا الْجِهَادُ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) رواه البخاري.
فائدة:
قال ابن رجب: في تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
منها: شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل فيه.
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعاتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم.
стр. 1456
ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله به على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، والله تعالى يرحم من عباده الرحماء، فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها. (٣١٠/ ٣١٢).
(ووقت الصحة أفضل).
أي: الصدقة والإنفاق وقت الصحة والنشاط أفضل من وقت المرض.
أ- لحديث أبي هريرة ﵁، قَالَ (جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله، أيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْرَاً؟ قَالَ: ((أنْ تَصَدَّقَ وَأنتَ صَحيحٌ شَحيحٌ، تَخشَى الفَقرَ وتَأمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغتِ الحُلقُومَ قُلْتَ لِفُلان كذا ولِفُلانٍ كَذا، وقَدْ كَانَ لِفُلان) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
(أيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْرَاً؟) وفي رواية (أي الصدقة أفضل) أي: في وقت يكون فعلها أفضل، فهو لم يسأل عن كميتها ولا في نوعها، وإنما يريد ما هو الوقت الأفضل الذي تكون فيه الصدقة أفضل من غيرها. (أنْ تَصَدَّقَ وَأنتَ صَحيحٌ) البدن، والمراد بالصحيح هنا من لم يدخل في مرض مخوف. (شَحيحٌ) النفس، أي: من شأنه الشح للحاجة إلى المال، وفي رواية للبخاري (وأنت صحيح حريص). (تَخشَى الفَقرَ) بإخراج المال من يدك. (وتَأمُلُ الغِنَى) أي: تطمع فيه وترجوه، وفي رواية للنسائي (وتأمل العيش) والعَيْش - بفتح فسكون - الحياة، أي: ترجو الحياة. (وَلَا تُمهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغتِ الحُلقُوم) بلغت الروح، والمراد قاربت بلوغ الحلقوم إذ لو بلغته حقيقة
لم تصح وصيته ولا صدقته ولا شيء من تصرفاته باتفاق الفقهاء. (قُلْتَ لِفُلان كذا ولِفُلانٍ كَذا، وقَدْ كَانَ لِفُلانٍ) قال الخطابي: المراد به الوارث، وقال غيره: المراد به سبق القضاء به للموصى له، ويحتمل أن يكون المعنى أنه قد خرج عن تصرفه وكمال ملكه واستقلاله بما شاء من التصرف فليس له في وصيته كبير ثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح. (نووي).
стр. 1457
وإنما كان الإنفاق في هذه الحالة أكثر ثواباً وأعظم أجراً، لما فيه من مجاهدة النفس، وصدق النية، والعزم على إرضاء الله تعالى، ونيل الفلاح عنده.
قال النووي ﵀: قَالَ الخطابي: فَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الشُّحّ غَالِب فِي حَال الصِّحَّة، فَإِذَا شَحّ فِيهَا وَتَصَدَّقَ كَانَ أَصْدَقَ فِي نِيَّته وَأَعْظَم لأَجْرِهِ، بِخِلَافِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْت وَآيَسَ مِنْ الْحَيَاة وَرَأَى مَصِير الْمَال لِغَيْرِهِ فَإِنَّ صَدَقَته حِينَئِذٍ نَاقِصَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الصِّحَّة، وَالشُّحّ رَجَاء الْبَقَاء وَخَوْف الْفَقْر .. فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّته كَبِير ثَوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَة الصَّحِيح الشَّحِيح.
قال العلماء: وإنما خص هاتين الحالتين، وهما أمل الغنى، وخشية الفقر، لأن الصدقة في هاتين الحالتين أشد مراغمة للنفس.
ولأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالباً لما يخوّفه به الشيطان، ويُزين له، من إمكان طول العمر، والحاجة إلى المال.
وقال الحافظ ابن حجر: وَفِي الْحَدِيث أَنَّ تَنْجِيز وَفَاء الدَّيْن وَالتَّصَدُّق فِي الْحَيَاة وَفِي الصِّحَّة أَفْضَل مِنْهُ بَعْد الْمَوْت وَفِي الْمَرَض، وَأَشَارَ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (وَأَنْتَ صَحِيح حَرِيص تَأْمُل الْغِنَى الخ) لأَنَّهُ فِي حَال الصِّحَّة يَصْعُب عَلَيْهِ إِخْرَاج الْمَال غَالِبًا لِمَا يُخَوِّفهُ بِهِ الشَّيْطَان وَيُزَيِّن لَهُ مِنْ إِمْكَان طُول الْعُمْر وَالْحَاجَة إِلَى الْمَال كَمَا قَالَ تَعَالَى (الشَّيْطَان يَعِدكُمْ الْفَقْر) الآيَة.
وقد جاء عند الترمذي عن أبي درداء مرفوعاً (مثل الذي يُعتق ويتصدق عند موته، مثل الذي يهدي إذا شبع).
وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً (لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم، خير له من أن يتصدق عند موته بمائة).
стр. 1458
ب- ولحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (لأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ عِنْدَ مَوْتِه) رواه أبو داود.
(وتكون الصدقة بعد الفاضل عن كفايتهِ وكفاية من يمونه).
أي: ويسن أن تكون الصدقة بالزائد عن كفايته، وكفاية من يمونه، ويأثم المتصدق إذا تصدق بصدقة تنقص كفايته وكفاية من يمونه.
أ-لقوله ﷺ (اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول).
ب- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ - أَوْ قَالَ: زَوْجِكَ -، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ) هذا لفظ أبي داود.
ج- وعنه. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِى رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْراً الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ) رواه مسلم.
د- لأن النفقة على نفسه وعلى من يعول واجبة، فلا يقدم عليها ما هو تطوع.
هـ-عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اَلْيَدُ اَلْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اَلْيَدِ اَلسُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ اَلصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
و- جاء عند ابن حبان (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، ثم على أبويك، ثم على قرابتك، ثم هكذا، ثم هكذا).
فائدة: ١
قوله (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) أي: أنه أول ما يجب على الإنسان الإنفاق على من يعولهم.
стр. 1459
فائدة: ٢
قوله (وَخَيْرُ اَلصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى).
قَالَ الْخَطَّابِيّ: الْمَعْنَى أَفْضَل الصَّدَقَة مَا أَخْرَجَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْقِيَ مِنْهُ قَدْرَ الْكِفَايَة.
وقال الحافظ ابن حجر: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَفْضَل الصَّدَقَة مَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إِلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُه.
وقال القرطبي: وَالْمُخْتَار أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَفْضَلُ الصَّدَقَة مَا وَقَعَ بَعْدَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ النَّفْسِ وَالْعِيَال بِحَيْثُ لَا يَصِيرُ الْمُتَصَدِّق مُحْتَاجًا بَعْدَ صَدَقَتِهِ إِلَى أَحَد.
(ويأثمُ بِما يَنْقُصُها).
أي: ويأثم المتصدق إذا تصدق بصدقة تنقص كفايته وكفاية من يمونه.
أ-لأن النفقة على نفسه وعلى من يعول واجبة، فلا يقدم عليها ما هو تطوع.
ب- عن عبد الله بن عمرو، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (كَفَى بِالمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) رواه أبو داود.
وأصله في مسلم بلفظ (كَفَى بِالمَرْءِ إثْمًا أَنْ يحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ).
стр. 1460
فائدة: ١
الصدقة لمن عليه ديْن.
قال ابن قدامة: ومن عليه دين لا يجوز أن يتصدق صدقة تمنع قضاءها؛ لأنه واجب فلم يجز تركه. (الكافي).
وجاء في "كشاف القناع" (٢/ ٢٩٨) من كتب الحنابلة: "ووفاء الدَّيْن مقدم على الصدقة، لوجوبه " انتهى.
وقال الدكتور وهبة الزحيلي في "الفقه الإسلامي وأدلته" (٣/ ٣٩٤): "يستحب ألا يتصدق من عليه دَيْن، حتى يؤدي ما عليه، والأصح عند الشافعية تحريم الصدقة من مدين لا يجد لدينه وفاء؛ لأنه حق واجب، فلم يجز تركه بصدقة التطوع، فيقدم الدَّيْن لأن أداءه واجب، فيتقدم على المسنون، فإن رجا له وفاء من جهة أخرى ظاهرة، فلا بأس بالتصدق به، إلا إن حصل بذلك تأخير، وكان الواجب وفاء الدين على الفور بمطالبة أو غيرها " انتهى باختصار
وعلى هذا، فينبغي لمن عليه دين أن يبادر بسداده لصاحبه، ويقدم ذلك على صدقة التطوع.
ويمكن تقسيم هذه المسألة إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون الدين مؤجلاً، فلا بأس بالصدقة، إذا كان يرجو الوفاء عند حلول الأجل.
قال ابن عثيمين: أما إذا كان الدين مؤجلاً، وإذا حل وعندك ما يوفيه: فتصدق ولا حرج؛ لأنك قادر " انتهى من "الشرح الكافي"
القسم الثاني: أن يكون الدين معجلاً، أو مؤجلاً قد حل أجله.
فلا يجوز للمدين أن يتصدق، قبل الوفاء بالدين.
لأن قضاء الدين واجب، والصدقة مندوب إليها، فلا يقدم مندوب على واجب؛ ولأن هذا داخل في المطل، وقد قال ﵊: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ).
стр. 1461
فائدة: ٢
لا حرج من الرجوع في الصدقة قبل أن يقبضها الفقير بنفسه أو عن طريق وكيله ؛ لأن الفقير لا يملك الصدقة إلا إذا قبضها، فإذا لم يقبضها فلا تزال على ملك صاحبها.
لقوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) البقرة/ ٢٧١.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تفسيره: ومن فوائد الآية: أن الصدقة لا تعتبر حتى يوصلها إلى الفقير؛ لقوله تعالى: (وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء).
وروى الإمام أحمد عن أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت: (لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلَّا قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى إِلَّا هَدِيَّتِي مَرْدُودَةً عَلَيَّ فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ. . .) قال الحافظ في فتح الباري "إسناده حسن".
وهذا قول أكثر الفقهاء. (المغني).
أما بعد قبضها بنفسه أو عن طريق وكيله، فلا يجوز الرجوع فيها باتفاق أهل العلم ﵏.
عن ابن عباس ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِه) وفي لفظ (الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِه).
وروى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها. . .).
وقد بوب البخاري في صحيحه باب: (لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته).
стр. 1462
قال الحافظ ابن حجر: وأما الصدقة، فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض. (الفتح).
والحاصل: أن من نوى أن يتصدق بمبلغ من المال، فالأولى له إمضاء الصدقة ولا يجب عليه ذلك، ما لم يقبضها الفقير، فإن قبضها فلا يجوز الرجوع فيها باتفاق العلماء ﵏.
فائدة: ٣
قوله (اَلْيَدُ اَلْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اَلْيَدِ اَلسُّفْلَى).
المراد باليد العليا: هي المنفقة. والسفلى: هي السائلة.
كما جاء في حديث آخر (يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي).
وقال ﷺ (الأيد ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى).
(والمنّ بالصدقة كبيرة، ويبطل به الثواب).
أي: أن المنّ بالصدقة حرام وكبيرة من الكبائر، ومبطل لأجر الصدقة.
وقال القرطبي: المَنُّ: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها؛ مثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونَعْشْتُك وشبهه.
وقال بعضهم: المنّ: التحدّث بما أَعطى حتى يبلغ ذلك المعطَى فيؤذيه.
أ- قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).
ب- وعنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَنَّانُ الَّذِى لَا يُعْطِى شَيْئًا إِلاَّ مَنَّهُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ) رواه مسلم.
ج- وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاقّ لوالديه والمرأة المترجِّلة تتشبّه بالرجال والديُّوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاقّ لوالديه والمدمِن الخمر والمنّان بما أعطى) رواه النسائي.
стр. 1463
فائدة: ١
قال أبو السعود: وإنما قُدم المن لكثرة وقوعِه.
فائدة: ٢
المن بالعطية من مساوئ الأخلاق:
قال القرطبي: المنّ يقع غالباً من البخيل والمعجب، فالبخيل تعظم في نفسه العطية، وإن كانت حقيرة في نفسها، والمُعجب يحمله العُجب على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه مُنعِم بماله على المُعْطَى، وموجب ذلك كله الجهل، ونسيان نعمة الله فيما أنعم به عليه.
وقال بعض السلف: من منّ بمعروفه سقط شكره، ومن أعجب بعمله حبط أجره.
(ويحرم على الشخص شراءُ صدقتهِ).
أ- لحديث عُمَر قَالَ (حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ. فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لا تَشْتَرِهِ. وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ. فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) متفق عليه.
(حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) قال القرطبي: يعني أنه تصدق به على رجل ليجاهد عليه، ويتملكه لا على وجه الحبس، إذ لو كان كذلك لما جاز له أن يبيعه، وقد وجده عمر في السوق يباع، وقد قال ﷺ (لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك) فدل على أنه ملّكه إياه على جهة الصدقة ليجاهد عليه في سبيل الله.
(فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ) معنى إضاعته له، أنه لم يحسن القيام عليه، وقصّر في مؤونته وخدمته، وقد جاء في رواية (فوجده عند صاحبه، وقد أضاعه، وكان قليل المال).
(فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ) أي: بثمن قليل، قال القرطبي: إنما ظن ذلك، لأنه هو الذي كان أعطاه إياه، فتعلق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذ يكون رجوعاً في عين ما تصدق به في سبيل الله، ولما فهِم النبي ﷺ هذا نهاه عن ابتياعه، وسمى ذلك عوْداً، فقال: لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك.
(لَا تَبْتَعْهُ) وفي الرواية الثانية (لا تشتره)، وفي الرواية التالية (ولا تعد في صدقتك)
ب- ولأن الفقير (قابض الزكاة) قد يحابي هذا المشتري، وحينئذ تعود بعض منفعة زكاته إليه.
وهذا هو القول الصحيح.
стр. 1464
قال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (أنه منع المتصدق من شراء صدقته ولو وجدها تباع في السوق، سداً لذريعة العود فيما خرج عنه لله ولو بعوضه؛ فإن المتصدق إذا منع من تملك صدقته بعوضها فتملكه إياها بغير عوض أشد منعاً وأفطم للنفوس عن تعلقها بما خرجت عنه لله، والصواب ما حكم به النبي ﷺ من المنع من شرائها مطلقاً والعلة كما ذكرها ابن القيم في ذلك "
ولا ريب أن في تجويز ذلك ذريعة إلى التحيل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها، ويرى المسكين أنه قد حصل له شيء - مع حاجته - فتسمح نفسه بالبيع، والله عالم بالأسرار، فمن محاسن هذه الشريعة الكاملة سد الذريعة ومنع المتصدق من شراء صدقته، وبالله التوفيق).
وذهب بعض العلماء: إلى أن النهي للكراهة.
قال النووي: هَذَا نَهْي تَنْزِيه لَا تَحْرِيم فَيُكْرَه لِمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ أَوْ أَخْرَجَهُ فِي زَكَاة أَوْ كَفَّارَة أَوْ نَذْر وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَات أَنْ يَشْتَرِيه مِمَّنْ دَفَعَهُ هُوَ إِلَيْهِ أَوْ يَهَبهُ، أَوْ يَتَمَلَّكهُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْهُ، فَأَمَّا إِذَا وَرِثَهُ مِنْهُ فَلَا كَرَاهَة فِيهِ، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور.
فائدة:
سئل ابن عثيمين: ما حكم أن ينوي الإنسان بصدقته أو زكاته نماء ماله فقط؟
لا بأس بذلك.
وقد نبه الله على مثل ذلك في قول نوح ﵇ لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مُدْرَاراً)، وقال النبي ﷺ (ما نقصت صدقة من مال). وقال ﷺ (من أحب أن يُنسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه فليصل رحمه)، ولم يجعل الله هذه الفوائد الدنيوية إلا ترغيباً للناس، وإذا كانوا يرغبون فيها فسوف يقصدونها، لكن من قصد الآخرة حصلت له الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)، يعني نعطيه الدنيا والآخرة، أما الاقتصار في أداء العبادة على رجاء الفوائد الدنيوية فقط فلا شك أن هذا قصور في النية سببه تعظيم الدنيا ومحبتها في قلب من يفعل ذلك. … (لقاءات الباب المفتوح).
стр. 1465
كتاب الصيام
مقدمة
فائدة: ١
تعريفه: لغة الإمساك.
وشرعاً: هو التعبد لله بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وقال في الفتح: والصوم والصيام في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة.
وقال النووي: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص بشرطه.
واختلف في تسمية هذا الشهر رمضان:
فقيل: لأنه ترمض فيه الذنوب، أي تحرق، لأن الرمضاء شدة الحر.
وقيل: لما نقلت أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر شدة الحر.
وقيل: لأن وجوب صومه صادف شدة الحر.
قال ابن حجر: واختلف في تسمية هذا الشهر رمضان فقيل: لأنه ترمض فيه الذنوب، أي تحرق لأن الرمضاء شدة الحر، وقيل وافق ابتداء الصوم فيه زمناً حاراً. (الفتح).
стр. 1466
فائدة: ٢
حكمة مشروعية الصيام:
قال ابن رجب: في التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد:
منها: كسر النفس، فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشَر والبطر والغفلة.
ومنها: تخلي القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات قد تقسي القلب وتُعميه.
ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيراً من الفقراء.
ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان.
وقال الزرقاني: شُرِع الصيام لفوائد:
أعظمها كسر النفس، وقهر الشيطان، فالشبع نهر في النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة.
ومنها: أن الغنيّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه كثيراً من الفقراء، من فضول الطعام والشراب والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك وقت مخصوص، وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من مُنع ذلك على الإطلاق، فيوجب ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج، ومواساته بما يمكن من ذلك.
فائدة: ٣
قال ابن حجر: وذكر بعض الصوفية أن آدم ﵇ لما أكل من الشجرة ثم تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوماً فلما صفا جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوماً وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك وهيهات وجدان ذلك.
стр. 1467
فائدة: ٤
فرض في السنة الثانية من الهجرة.
قال ابن القيم: وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله ﷺ وقد صام تسع رمضانات.
فائدة: ٥
فضائل الصيام:
أولاً: الصوم جُنّة من النار.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (الصِّيَامُ جُنَّةٌ) متفق عليه.
وعند أحمد (الصيام جُنة يستجن بها العبد من النار).
وفي رواية (الصوم جنّة من النار، كجنة أحدكم من القتال).
ولأحمد (جنة وحصن حصين من النار).
وقال ﷺ (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه.
• اختلف في معنى ( … جنة يستجن بها العبد):
فقيل: جنة ووقاية من النار، ورجحه ابن عبد البر.
وقيل: من الآثام.
وقيل: من الشهوات.
وقيل: من جميع ذلك، وبذلك جزم النووي.
стр. 1468
ثانياً: الصيام طريق إلى الجنة.
عن أبي أمامة قال (قلت: يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة؟ قال: عليك بالصوم فإنه لا مِثل له) رواه النسائي.
ثالثاً: الصوم يشفع لصاحبه.
عن عبد الله بن عمرو. قال: قال رسول الله ﷺ (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال: فيشفعان) رواه أحمد.
رابعاً: الصيام كفارة للخطايا والذنوب.
عن حذيفة. أن رسول الله ﷺ قال (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ) متفق عليه.
خامساً: الصيام سبب لدخول الجنة.
عنْ سَهْلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُون لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) متفق عليه.
سادساً: الصيام من الأعمال التي وعد الله صاحبها بالمغفرة والأجر الكبير.
قال تعالى (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
стр. 1469
سابعاً: للصائم فرحتان.
عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِه) متفق عليه.
(إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ) قال القرطبيّ: معناه يفرح بزوال جوعه وعطشه حيث أُبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعيّ، وهو السابق للفهم. وقيل: إن فَرَحَه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربّه، ومعونة على مستقبل صومه.
(وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِه) بنيل الجزاء، أو الفوز باللقاء. وقيل: هو السرور بقبول صومه، وترتّب الجزاء الوافر عليه، ولا تنافي بين المعاني.
ثامناً: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
عن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ( … وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) متفق عليه.
قال ابن عبد البر: يريد أزكى عند الله تعالى وأقرب لديه وأرفع عنده من رائحة المسك.
وعلل الشيخ ابن عثيمين ﵀ كون خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك بقوله: لأنها من آثار الصيام فكانت طيبة عند الله سبحانه ومحبوبة له، وهذا دليل على عظيم شأن الصيام عند الله.
الصوم فضله عظيم اختص الله به.
عن أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ، .... ) متفق عليه.
стр. 1470
اختلف العلماء معنى قوله ﷺ [قال تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به] مع أن الأعمال كلها لله وهو الذي يجزي عليها على أقوال:
أحدها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره.
ثانيها: أن المراد بقوله [وأنا أجزي به] أي أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس.
ثالثها: معنى قوله [الصوم لي] أي أنه أحب العبادات إلي والمقدم عندي.
رابعها: الإضافة إضافة تشريف وتعظيم كما يقال بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله.
وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول والثاني. (فتح الباري).
فائدة: ٦
فضائل رمضان:
أولاً: تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ) متفق عليه.
وهذا يتم في أول ليلة من هذا الشهر المبارك:
لقوله ﷺ (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن … وقيل: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر) رواه الترمذي.
(صفدت) أي شدت بالأصفاد.
ثانياً: صيامه سبب لمغفرة الذنوب.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) متفق عليه.
إيماناً: أي تصديقاً بأنه حق. … احتساباً: أي يريد الله وحده لا رؤية الناس.
стр. 1471
ثالثاً: فيه ليلة القدر. التي هي خير من ألف شهر.
قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ).
وقد حسب بعض العلماء ألف شهر فوجدوها تزيد على (٨٣) سنة.
رابعاً: شهر القرآن.
قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان).
والمراد إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا كما جاء ذلك عن ابن عباس.
قال الإمام ابن كثير: يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.
خامساً: شهر رمضان وصيامه يكفر الذنوب:
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال (الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، مكفِّراتُ ما بينهنَّ إذا اجتَنَبَ الكبائر) رواه مسلم.
سادساً: العمرة في رمضان ثوابها مضاعف.
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ (عُمرة في رمضان تعدل حَجَّة) رواه البخاري.
قال الإمام المناوي: قوله ﷺ (عمرة في رمضان تعدل حجة) في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزى عن حج الفرض.
стр. 1472
فائدة: ٧
اختلف العلماء: هل فُرض على المسلمين صياماً قبل رمضان على قولين:
القول الأول: لم يفرض على المسلمين صياماً قط قبل رمضان.
وهذا قول جمهور العلماء.
قال ابن حجر: ذهب الجمهور -وهو المشهور عند الشافعية- إلى أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان.
القول الثاني: فُرض على المسلمين قبل رمضان صيام عاشوراء ثم نُسخ هذا الحكم بعد فرض رمضان، وهذا قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
فائدة: ٨
قوله ﷺ (وصفدت الشياطين) قال في "الفتح": قال الحليميّ:
يحتمل: أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ.
ويحتمل: أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر.
وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم.
وترجم لذلك ابن خزيمة في "صحيحه"، وأورد ما أخرجه هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفّدت الشياطين، ومردة الجن). وأخرجه النسائيّ من طريق أبي قلابة، عن أبي هريرة، بلفظ (وتُغلّ فيه مردة الشياطين).
стр. 1473
وقال القرطبيّ: فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صُفّدت الشياطين لم يقع ذلك.
فالجواب: أنها إنما تقلّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه.
أو المصفّد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلّهم، كما تقدّم في بعض الروايات.
أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقلّ من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شرّ، ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين؛ كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسيّة.
(حكمه صومه فرض).
أي: أن صوم رمضان فرض، وركن من أركان الإسلام الخمسة.
أ-قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
(كتب) أي فرض (كما كتب على الذين من قبلكم) تسلية للمؤمنين وإشعار لهم بأن الله قد فرض هذا الأمر على من قبلهم من الأمم (لعلكم تتقون) فيه بيان الحكمة من مشروعية الصيام وهي تقوى الله.
ب-عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ: عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ) متفق عليه.
ج-وعن طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يقال (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ نَسْمَعُ دَوِىَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ «
لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ «لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ». وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ «لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) متفق عليه.
стр. 1474
وأجمع المسلمون على وجوب صيام رمضان. (قاله ابن قدامة).
(من أنكر وجوبه كفر لأنه أنكر أمراً معلوماً بالضرورة من الدين، وأما من تركه تهاوناً وكسلاً فالصحيح أنه لا يكفر وهذا مذهب الجمهور).
فائدة: ١
مراحل فرضية صيام رمضان:
صيام رمضان فرض على ثلاث مراحل:
أولاً: صيام عاشوراء.
لحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر) رواه البخار ي.
ثانياً: مرحلة التخيير بين الصيام والفدية.
قال تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ).
ثالثاً: فرض الصيام على التعيين.
قال تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).
(ويُنهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين).
أي: ينهى الإنسان أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ إلاَّ رَجُلاً كَانَ يَصُومُ صَوْماً فَلْيَصُمْهُ) متفق عليه.
قال ابن حجر: قال العلماء: معنى الحديث: لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان.
قال الترمذي لما أخرجه: العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان.
стр. 1475
فائدة: ١
اختلف العلماء: هل النهي في الحديث للتحريم أم للكراهة على قولين:
القول الأول: أنه للتحريم.
قالوا لأن الأصل في النهي التحريم.
القول الثاني: أنه للكراهة.
قالوا: لأن الرسول ﷺ استثنى [إلا رجل كان له صوم فليصمه].
والأول هو الراجح.
قال الشيخ ابن عثيمين في شرحه لحديث (لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْم وَلا يَوْمَيْنِ … ): واختلف العلماء ﵏ في هذا النهي هل هو نهي تحريم أو نهي كراهة؟ والصحيح أنه نهي تحريم، لاسيما اليوم الذي يشك فيه. (شرح رياض الصالحين)
فائدة: ٢
اختلف في علة النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين:
فقيل: التقوي بالفطر لرمضان.
وهذا فيه نظر، لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربع لجاز. (ابن حجر).
وقيل: خشية اختلاط النفل بالفرض.
وفيه نظر أيضاً، لأنه يجوز لمن له عادة كما في الحديث. (ابن حجر).
وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم.
قال ابن حجر: وهذا هو المعتمد.
قال ابن رجب: لكراهة التقدم ثلاثة معان:
أحدها: أنه على وجه الاحتياط لرمضان، فيُنهى عن التقدم قبله لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه.
والمعنى الثاني: الفصْل بين صيام الفرض والنفل.
والمعنى الثالث: أنه أمر بذلك، للتقوي على صيام رمضان، فإن مواصلة الصيام قد تُضعف على صيام الفرض، فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوي على صيام رمضان، وفي هذا التعليل نظر، فإنه لا يكره التقدم بأكثر من ذلك، ولا لمن صام الشهر كله.
следующие страницы →