← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

ثالثاً: فيه ليلة القدر. التي هي خير من ألف شهر. قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ). وقد حسب بعض العلماء ألف شهر فوجدوها تزيد على (٨٣) سنة. رابعاً: شهر القرآن. قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان). والمراد إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا كما جاء ذلك عن ابن عباس. قال الإمام ابن كثير: يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء. خامساً: شهر رمضان وصيامه يكفر الذنوب: عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال (الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، مكفِّراتُ ما بينهنَّ إذا اجتَنَبَ الكبائر) رواه مسلم. سادساً: العمرة في رمضان ثوابها مضاعف. عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ (عُمرة في رمضان تعدل حَجَّة) رواه البخاري. قال الإمام المناوي: قوله ﷺ (عمرة في رمضان تعدل حجة) في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزى عن حج الفرض.

стр. 1472

فائدة: ٧ اختلف العلماء: هل فُرض على المسلمين صياماً قبل رمضان على قولين: القول الأول: لم يفرض على المسلمين صياماً قط قبل رمضان. وهذا قول جمهور العلماء. قال ابن حجر: ذهب الجمهور -وهو المشهور عند الشافعية- إلى أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان. القول الثاني: فُرض على المسلمين قبل رمضان صيام عاشوراء ثم نُسخ هذا الحكم بعد فرض رمضان، وهذا قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. فائدة: ٨ قوله ﷺ (وصفدت الشياطين) قال في "الفتح": قال الحليميّ: يحتمل: أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ. ويحتمل: أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر. وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم. وترجم لذلك ابن خزيمة في "صحيحه"، وأورد ما أخرجه هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفّدت الشياطين، ومردة الجن). وأخرجه النسائيّ من طريق أبي قلابة، عن أبي هريرة، بلفظ (وتُغلّ فيه مردة الشياطين).

стр. 1473

وقال القرطبيّ: فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صُفّدت الشياطين لم يقع ذلك. فالجواب: أنها إنما تقلّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه. أو المصفّد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلّهم، كما تقدّم في بعض الروايات. أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقلّ من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شرّ، ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين؛ كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسيّة. (حكمه صومه فرض). أي: أن صوم رمضان فرض، وركن من أركان الإسلام الخمسة. أ-قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). (كتب) أي فرض (كما كتب على الذين من قبلكم) تسلية للمؤمنين وإشعار لهم بأن الله قد فرض هذا الأمر على من قبلهم من الأمم (لعلكم تتقون) فيه بيان الحكمة من مشروعية الصيام وهي تقوى الله. ب-عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ: عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ) متفق عليه. ج-وعن طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يقال (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ نَسْمَعُ دَوِىَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ « لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ «لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ». وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ «لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) متفق عليه.

стр. 1474

وأجمع المسلمون على وجوب صيام رمضان. (قاله ابن قدامة). (من أنكر وجوبه كفر لأنه أنكر أمراً معلوماً بالضرورة من الدين، وأما من تركه تهاوناً وكسلاً فالصحيح أنه لا يكفر وهذا مذهب الجمهور). فائدة: ١ مراحل فرضية صيام رمضان: صيام رمضان فرض على ثلاث مراحل: أولاً: صيام عاشوراء. لحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر) رواه البخار ي. ثانياً: مرحلة التخيير بين الصيام والفدية. قال تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ). ثالثاً: فرض الصيام على التعيين. قال تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). (ويُنهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين). أي: ينهى الإنسان أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ إلاَّ رَجُلاً كَانَ يَصُومُ صَوْماً فَلْيَصُمْهُ) متفق عليه. قال ابن حجر: قال العلماء: معنى الحديث: لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان. قال الترمذي لما أخرجه: العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان.

стр. 1475

فائدة: ١ اختلف العلماء: هل النهي في الحديث للتحريم أم للكراهة على قولين: القول الأول: أنه للتحريم. قالوا لأن الأصل في النهي التحريم. القول الثاني: أنه للكراهة. قالوا: لأن الرسول ﷺ استثنى [إلا رجل كان له صوم فليصمه]. والأول هو الراجح. قال الشيخ ابن عثيمين في شرحه لحديث (لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْم وَلا يَوْمَيْنِ … ): واختلف العلماء ﵏ في هذا النهي هل هو نهي تحريم أو نهي كراهة؟ والصحيح أنه نهي تحريم، لاسيما اليوم الذي يشك فيه. (شرح رياض الصالحين) فائدة: ٢ اختلف في علة النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين: فقيل: التقوي بالفطر لرمضان. وهذا فيه نظر، لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربع لجاز. (ابن حجر). وقيل: خشية اختلاط النفل بالفرض. وفيه نظر أيضاً، لأنه يجوز لمن له عادة كما في الحديث. (ابن حجر). وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم. قال ابن حجر: وهذا هو المعتمد. قال ابن رجب: لكراهة التقدم ثلاثة معان: أحدها: أنه على وجه الاحتياط لرمضان، فيُنهى عن التقدم قبله لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه. والمعنى الثاني: الفصْل بين صيام الفرض والنفل. والمعنى الثالث: أنه أمر بذلك، للتقوي على صيام رمضان، فإن مواصلة الصيام قد تُضعف على صيام الفرض، فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوي على صيام رمضان، وفي هذا التعليل نظر، فإنه لا يكره التقدم بأكثر من ذلك، ولا لمن صام الشهر كله.

стр. 1476

فائدة: ٣ معنى قوله ﷺ (إلا رجل كان يصوم. . .): معنى الاستثناء: أن من كان له ورد فقد أذن له فيه، لأنه اعتاده وألفه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. فيجوز تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين في حالتين: الأولى: من كان له عادة بصوم يوم معين، كيوم الاثنين أو الخميس، فلا بأس بذلك لزوال المحذور. والثانية: من يصوم واجباً كصوم نذر أو كفارة أو صيام قضاء رمضان السابق، فكل هذا جائز، لأن ذلك ليس من استقبال رمضان. فائدة: ٤ استدل بعض العلماء بحديث (لا تقدموا رمضان. . .) على ضعف حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا انتصف شعبان فلا تصوموا. رواه أبو داود قال أحمد وابن معين: إنه منكر. (الفتح). قال ابن حجر: وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه فقال: الرخصة في ذلك فيما هو أصح من حديث العلاء، وكذلك صنع قبله الطحاوي. وحديث (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا … ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والطحاوي وابن حبان وعبد الرزاق والنسائي. وهذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه. قال ابن رجب: اختلف العلماء في صحة هذا الحديث، فصححه غير واحد، منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر. وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازي، والأثرم، وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثاً أنكر منه، وردّه بحديث: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين)، فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين. … (لطائف المعارف). ويدل على ضعفه: أ-الحديث السابق (لا تقدموا رمضان بصوم يوم .... ). ب-وحديث (أن النبي ﷺ كان يصوم أكثر شعبان). فائدة: ٥ قوله ﷺ (لا تقدموا رمضان) دليل على أنه يجوز أن يقال رمضان من غير ذكر الشهر بلا كراهة.

стр. 1477

ومن الأدلة على هذا الجواز: أ- هذا الحديث (لا تقدموا رمضان .. ). ب-قوله ﷺ : (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة … ). ج-وقوله ﷺ (من صام رمضان إيماناً واحتساباً … ). د-وقوله ﷺ (من قام رمضان … ). هـ-وقوله ﷺ (شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذي الحجة) متفق عليه. و-وقوله ﷺ (عمرة في رمضان … ). وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يقال رمضان على انفراده بحال، وإنما يقال شهر رمضان. وهذا قول أصحاب مالك. واستدلوا بحديث (لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان). قال النووي: قولهم إنه اسم من أسماء الله ليس بصحيح، ولم يصح فيه شيء، وإن كان قد جاء به أثر ضعيف. وقال ابن حجر: أخرجه ابن عدي في الكامل وضعفه بأبي معشر. (ويجبُ صيامُ رمضان على كلِ مسلم). أي: فلا يجب على الكافر ولا يصح منه. (أي: لا يطالب به حال كفره ولا يصح منه). والدليل على تخصيصه بالمسلمين: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … )، فالخطاب جاء للمؤمنين، والمراد بالمؤمنين مطلق أهل الإيمان، أي يا معشر المسلمين. وقال تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) فإذا كانت النفقة لا تقبل مع الكفر مع أن نفعها متعد، فما كان نفعه قاصراً كالصيام من باب أولى ألا يقبل. ولأن الكافر ليس أهلاً للعبادة.

стр. 1478

فائدة: أذا أسلم الكافر في أثناء شهر رمضان فله أحوال: أ- عليه أن يصوم ما بقي من الشهر، بغير خلاف. وذلك لأنه صار من أهل الوجوب، فيلزمه الصوم. قال ابن قدامة: أما صوم ما يستقبله من بقية شهره فلا خلاف فيه. ب- لا يلزمه قضاء الأيام الماضية من رمضان وهذا مذهب جماهير العلماء. قال ابن قدامة: وأما قضاء ما مضى من الشهر قبل إسلامه فلا يجب. وبهذا قال الشعبي، وقتادة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. لأن ما مضى عبادة خرجت في حال كفره فلم يلزمه قضاؤه كالرمضان الماضي. (المغني). وقال القرطبي: وقد اختلف العلماء في الكافر يسلم في آخر يوم من رمضان، هل يجب عليه قضاء رمضان كله أو لا؟ وهل يجب عليه قضاء اليوم الذي أسلم فيه؟ فقال الإمام مالك والجمهور: ليس عليه قضاء ما مضى، لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه. … (التفسير). وقال المرداوي: لو أسلم الكافر الأصلي في أثناء الشهر لم يلزمه قضاء ما سبق منه بلا خلاف عند الأئمة الأربعة. (الإنصاف) ج- حكم اليوم الذي أسلم فيه هذا الكافر: فقيل: يلزمه إمساك بقية اليوم، ولا يجب عليه قضاؤه.

стр. 1479

وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن عثيمين. أ-لعموم قوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). وجه الدلالة: أن الكافر بإسلامه صار من أهل الشهادة للشهر، فوجب عليه الإمساك. ب-ولحديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال (أمر النبي ﷺ رجلاً من أسلم أنْ أذِّن في الناس أنَّ من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء) أخرجه البخاري ومسلم. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر الصحابة ﵃ بالإمساك نهاراً، ولم يأمرهم بالقضاء، وذلك لما أوجب الله صوم يوم عاشوراء في أول الأمر. وقيل: يلزم الإمساك والقضاء. وهذا مذهب الحنابلة. قال ابن قدامة: فأما اليوم الذي أسلم فإنه يلزمه إمساكه ويقضيه، هذا المنصوص عن أحمد، وبه قال الماجشون وإسحاق. (بالغ عاقل). فالصغير لا يجب عليه الصوم وكذا المجنون. أ- لحديث علي قال: قال رسول الله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: .. عن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يصحو). رواه أبو داود ب- ولأنه ليس أهلاً للتكليف. [رفع القلم] كناية عن سقوط التكليف فائدة: ١ (علامات البلوغ: بلوغ السن وهو: ١٥ سنة، أو إنبات شعر العانة، أو إنزال المني، وتزيد الأنثى الحيض).

стр. 1480

فائدة: ٢ مثل المجنون: المعتوه والمهذري وكل من ليس له عقل ولا يطعم عنه. (قادر على الصوم). أي: بأن يكون قادراً على الصوم، فإن كان عاجزاً بأن يكون مريضاً فلا يجب عليه الصوم. لقوله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها). والعجز ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: عجز طارئ يرجى برؤه: فهذا يفطر ويقضي. قال تعالى (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر). القسم الثاني: عجز دائم لا يرجى برؤه: فهذا يفطر ويطعم. لقول ابن عباس في قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم) رواه البخاري. (برؤية هلاله، أو أكمال شعبان ثلاثين يوماً). أي: أن صوم رمضان يجب بأمرين: الأمر الأول: برؤية الهلال. لحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يوماً). متفق عليه فائدة: قوله: (إذا رأيتموه) سواء كانت الرؤية بالرؤية المجردة أو بالواسطة كالمنظار أو آلة رصد فإنه يعتبر ذلك موجباً لثبوت شهر رمضان. وأيضاً يستفاد من قوله: إذا رأيتموه: أنه لا عبرة في الحساب ولا يصح الاعتماد عليه وهذا مذهب الأئمة الأربعة.

стр. 1481

(أو أكمال شعبان ثلاثين يوماً). هذا الأمر الثاني الذي يجب به صوم رمضان: وهو إكمال شهر شعبان ٣٠ يوماً. قال في المغني: لأنه يتيقن به دخول شهر رمضان ولا نعلم فيه خلافاً. فائدة: صوم يوم الشك ويوم الشك: هو الذي لا يعلم أيكون من رمضان أو يكون آخر يوم من شعبان. وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت ليلته صحواً ولم يرى الهلال، لاحتمال أن الشهر قد هلّ ولم ير. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. وقيل: يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر مما يعلم الرؤية، وهذا أصح. وقد اختلف في حكم صومه على قولين: القول الأول: أنه حرام. ونسبه النووي لجمهور العلماء. أ- عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ (مَنْ صَامَ اَلْيَوْمَ اَلَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا اَلْقَاسِمِ ﷺ وَذَكَرَهُ اَلْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. ب - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) متفق عليه. وفي رواية: (فأكملوا شعبان ثلاثين يوماً) وهذه مفسرة رواية (فاقدروا له) أن معنى اقدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً.

стр. 1482

قال ابن حجر: ويرجح هذا التأويل الروايات الأخرى المصرحة بالمراد، وهي ما تقدم من قوله: (فأكملوا العدة ثلاثين) ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث. ج-قال ابن عثيمين: ولأن الصائم في يوم الشك متعدٍّ لحدود الله لأن حدود الله ألا يصام رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، ولهذا قال النبي ﷺ (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه). القول الثاني: أنه واجب. وهذا مذهب الحنابلة. لقوله ﷺ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له). قالوا: ومعنى (اقدروا له) أي ضيقوا، من قوله تعالى (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله) والتضييق أن يجعل شعبان (تسـ ٢٩ ـعة وعشرون) يوماً. والراجح القول الأول. قال ابن القيم: كان من هديه ﷺ أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة أو شهادة شاهد واحد، وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيم أو قتر أو سحاب أكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صامه، ولم يكن يصوم يوم الغيم ولا أمر به بل أمر بأن تكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً إذا غم، وكان يفعل ذلك، فهذا فعله وهذا أمره. (وَإِذَا رَآهُ أَهْلُ بَلَدٍ لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُم الصَّوْمُ). أي: فإذا ثبتت رؤيته في مكان لزم الناس كلهم الصوم في مشارق الأرض ومغاربها. وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول أبي حنيفة ﵀ أيضاً، وهو ما ذهب إليه كثير من المعاصرين. أ-لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته … ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن الخطاب عام للأمة بمجموعها، فإذا ثبت الهلال بأي بلد وجب الصوم على الجميع. ب-هذا أولى لاجتماع كلمة المسلمين. ج-ولحديث (الصومُ يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس). وذهب بعض العلماء: إلى أن لكل بلد رؤيتهم. حكاه ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه. (الفتح).

стр. 1483

عَنْ كُرَيْبٍ (أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَىَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ. فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ. فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ فَقَالَ: لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه مسلم وذهب بعض العلماء: إلى أنه إذا اتفقت المطالع لزمهم الصوم، وإلا فلا. وهذا المشهور عند فقهاء الشافعية واختاره ابن تيمية. أ- لقوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) فمفهوم هذه الآية: من لم يشهده فلا صيام عليه. ب-ولقوله ﷺ (إذا رأيتموه فصوموا … ) وإذا اختلفت المطالع فلا يمكن أن يروه. ج- ولحديث كريب السابق، فابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام، وكان حاكم المسلمين واحداً ولا ذكر عن أحد من الصحابة مخالف لابن عباس. وذهب بعض العلماء: إلى أن الناس تبع للإمام. وهذا القول هو الذي عليه العمل اليوم. (وَمَنْ رَأَى وَحْدَهُ هِلَالَ رَمَضَانَ صَام). أي: من رأى وحده هلال رمضان، كأن يكون في برية، أو رآه في بلد لكن ردّ قوله، فإنه يصوم. وهذا قول جماهير العلماء. أ- لقوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). وجه الدلالة: أن الله تعالى جعل شهود الشهر سببًا لوجوب الصوم على من رآه، وقد حصل شهود الشهر في حقه، فوجب أن يجب عليه الصوم.

стр. 1484

ب-ولحديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد علَّق الصوم في هذا الحديث على الرؤية أو إكمال العدد، فوجب أن يثبت الصوم في حق من رآه، سواء أكان واحدًا أم أكثر. ج- الدليل من المعقول: أنه يلزمه الصوم برؤية غيره، فأن يلزَمَه برؤيته وهي متيقنة أَولى وأحرى. أن اليقين الذي حصل له مِن رؤية نفسه أبلغ من الظن الحاصل بالبيِّنة. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يصوم، بل يصوم مع الناس. وهذا اختيار ابن تيمية. أ- لحديث أبي هريرة قال: قال ﷺ (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون) رواه أبو داود. (عكسُ الفطرِ). أي: ومن رأى وحده هلال شوال، فإنه لا يفطر. وهذا المذهب، وهو قول أبي حنيفة. لأنه لم يكمل نصاب الشهادة، لأن دخول شوال يكون بشاهدين. ولاحتمال خطئه وتهمته، فوجب الاحتياط. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يفطر سراً.

стр. 1485

وهذا قول الشافعي. لحديث ابن عمر السابق ( … وأفطروا لرؤيته) وهذا قد رآه. والأول أرجح. (ويُصامُ برؤيةِ ثقةٍ ولو أنثى). أي: يقبل شخص واحد يُخبِر برؤية هلال رمضان، سواء كان ذكراً أم أنثى، بشرط أن يكون ثقة. والمعني: أن يكون موثوقاً بخبره لأمانته وبصره، أما من لا يوثق بخبره لكونه معروفاً بالكذب أو بالتسرع أو كان ضعيف البصر بحيث لا يمكن أن يراه فلا يثبت الشهر بشهادته. والدليل على أنه يقبل شخص واحد: أ- حديث اِبْنِ عُمَر ﵄ قَالَ (تَرَاءَى اَلنَّاسُ اَلْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ اَلنَّاسَ بِصِيَامِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. ب- وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (إِنِّي رَأَيْتُ اَلْهِلَالَ، فَقَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ? " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اَللَّهِ? " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَأَذِّنْ فِي اَلنَّاسِ يَا بِلَالُ أَنْ يَصُومُوا غَداً) رواه أبو داود. قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. قال الخطابي في حديث ابن عمر: فيه بيان أنّ شهادة الواحد العدل في رؤية هلال شهر رمضان مقبولة. وقال النووي: وهو الأصح، لأنه خبر ديني لا تهمة فيه وأحوط للعبادة. وقال الشوكاني: والحديثان المذكوران في الباب يدلان على أنها تُقبَل شهادة الواحد في دخول رمضان.

стр. 1486

فائدة: قال مالك والليث والأوزاعي: لا بد من اثنين. لقول عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب حين خطب الناس في اليوم الذي شك فيه (لقد جالست أصحاب رسول الله ﷺ وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين، وإن شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا). وبقول عثمان ﵁: لا يقبل إلا شهادة اثنين. ولأن هذه شهادة على الهلال فأشبهت شهادة شوال. قال ابن حزم: قد صح في الدين قبول خبر الواحد، فهو مقبول في كل مكان؛ إلا حيث أمر الله تعالى بأن لا يقبل إلا عدد سماه لنا". وقال أيضاً في الكلام على حديث عبد الرحمن بن زيد المتقدم: "وليس فيه إلا قبوله اثنين، ونحن لا ننكر هذا، وليس فيه أن لا يقبل واحد. وقال ابن القيم: والصحيح قبول شهادة الواحد مطلقاً؛ كما دل عليه حديثا ابن عمر وابن عباس، ولا ريب أن الرؤية كما تختلف بأسباب خارجة عن الرائي؛ فإنها تختلف بأسباب من الرائين؛ كحدة البصر وكلاله، وقد شاهد الناس الجمع العظيم يتراءون الهلال فيراه الآحاد منهم، وأكثرهم لا يرونه، ولا يعد انفراد الواحد بالرؤية من بين الناس كاذباً.

стр. 1487

فائدة: ٢ يشترط في الشاهد شروطاً: أن يكون مسلماً: فلا تقبل شهادة الكافر لأمور: أولاً: لحديث الأعرابي السابق: (أتشهد أن لا إله إلا الله … ). ثانياً: أن الله رد شهادة الفاسق من المسلمين، ومن باب أولى رد شهادة الكافر. ثالثاً: لأن الغالب فيه الكذب، والمتهم لا تقبل شهادته. رابعاً: قوله تعالى (ممنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) والكافر ليس بمرضي. أن يكون بالغاً عاقلاً: عاقل: فالمجنون لا تقبل. بالغ: الصبي لا يخلو من حالين: الأول: أن يكون غير مميز (لا يقبل قوله). الثاني: أن يكون مميز (وهذا محل خلاف)، والأكثر على أنه لا يقبل قوله، لأنه لا يوثق بخبره، فلا بد من البلوغ. (ولا يقبل في بقية الشهور إلا عدلان). وهذا قول أكثر العلماء، أنه لابد من شاهدين. قال النووي: .... وَأَمَّا الْفِطْر فَلَا يَجُوز بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ عَلَى شَوَّال عِنْد جَمِيع الْعُلَمَاء إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ فَجَوَّزَهُ بِعَدْلٍ. لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب - السابق - ( … فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) رواه النسائي.

стр. 1488

(وإذا قَامَتْ البَيِّنَةُ في أثْنَاءِ النَّهارِ وَجَبَ الإِمْسَاكُ والقَضَاء). أي: إذا قامت البينة - إما بالشهادة، وإما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً - أثناء النهار، فإنه يجب الإمساك والقضاء. والمقصود هنا: أن تثبت الرؤية في نهار أول يوم على أنه من رمضان. فيجب الإمساك والقضاء. وهذا قول أكثر العلماء. قال ابن قدامه: إذا أصبح مفطراً يعتقد أنه من شعبان، فقامت البينة بالرؤية، لزمه الإمساك والقضاء في قول عامة الفقهاء. أولاً: الإمساك. والدليل على وجوب الإمساك: أ-قوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). ب- ولحديث ابن عمر السابق (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا). فعلق وجوب الصيام على الرؤية، وهنا قد رئي الهلال، فوجب الصوم. ج- وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، ﵁، قَالَ (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ) رواه البخاري.

стр. 1489

وجه الدلالة من وجهين: الأول: أنه لما وجب صوم عاشوراء أثناء النهار، أمر النبي ﷺ المسلمين بالإمساك عن الطعام في أثناء النهار فأمسكوا، ومثله رمضان لأن حرمته أشد. الثاني: أن ثبوت رمضان في ذلك اليوم يجعل له حرمة رمضان، فلا يجوز أن ينتهك بالفطر، ثانياً: القضاء. يجب عليهم القضاء، وهذا قول جماهير العلماء. أ- لحديث حفصة ﵂ عن النبي ﷺ قال (مَنْ لَمْ يُجْمِعْ [يعني: لم ينو] الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ) قالوا: وهنا لم يحصل تبييت للنية من الليل، فلم يصح الصيام، والإمساك في ذلك اليوم، إنما وجب؛ احتراماً للزمن. فائدة: اختار ابن تيمية: وجوب الإمساك دون القضاء. أ- لحديث سلمة بن الأكوع السابق في صيام عاشوراء، فالذين أكلوا في أول اليوم من عاشوراء لم يثبت أنهم قضوا ذلك اليوم، مع أن صيام عاشوراء كان واجباً في صدر الإسلام، والرسول ﷺ أمر بالإمساك وسكت عن القضاء، فلو كان واجباً لأمر به. ب-أن التكليف يتبع العلم، فإذا لم يمكن علمه لم يجب صومه. ج- لم يقم دليل على وجوب القضاء إذا كان الترك بغير تفريط.

стр. 1490

(وَكَذا حَائِضٌ وَنَفْسَاءُ طَهرَتَا وَمُسافِرٌ قَدِمَ مُفْطِراً). أي: وكذا حائض طهرت في أثناء النهار في رمضان، فإنه يجب عليه القضاء والإمساك. ومثلها النفساء. وكذا مسافر قدم إلى بلده مفطراً، فإنه يجب عليه الإمساك والقضاء. أما القضاء، فهذا لا إشكال فيه عند العلماء. أما الإمساك: فقيل: يلزمهم الإمساك. جاء في الموسوعة الفقهية: وَيَجِبُ عَلَيْهَا الإْمْسَاكُ حِينَئِذٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (الموسوعة). لأن الرخصة وهي الفِطر قد زالت بزوال سببها وهو العُذر، وبحرمة الزمان. وبأن مَن لم يتمكن من الإتيان بجميع المأمور: لزمه الإتيان بما يقدر عليه منه. وقيل: لا يلزمهم الإمساك. قال ابن قدامة: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَه. ورجحه الشيخ ابن عثيمين. لأنه إذا أفطر جاز له أن يستديم الفطر يومه كله كما لو دام العذر. ولأن ابن مسعود ﵁ قال: من أكل أول النهار فليأكل آخره. البيهقي وابن أبي شيبة. وقد زالت حرمة الزمان بأكله أول النهار. وهذا أرجح. قال النووي: إذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ فِي أَثْنَاءِ نَهَارِ رَمَضَانَ وَهُوَ مُفْطِرٌ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ بَرَأَتْ مِنْ مَرَضٍ وَهِيَ مُفْطِرَةٌ فَلَهُ وَطْؤُهَا وَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا بِلا خِلَاف. … (المجموع). وقال الشيخ ابن عثيمين: الحائض إذا طهرت في أثناء اليوم لا يجب عليها الإمساك، وكذلك المسافر إذا قدم، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀ وهو مذهب مالك والشافعي رحمهما الله.

стр. 1491

وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (من أكل أول النهار فليأكل آخره)، وروي عن جابر بن يزيد وهو أبو الشعثاء أحد أئمة التابعين الفقيه أنه قدم من سفر فوجد امرأته طاهراً من الحيض في ذلك اليوم فجامعها، ذكر هذين الأثرين في المغني، ولم يتعقبهما. ولأنه لا فائدة من الإمساك، لأنه لا يصح صيام ذلك اليوم إلا من الفجر. ولأن هؤلاء يباح لهم الفطر أول النهار ظاهراً وباطناً مع علمهم بأنه رمضان، والله إنما أوجب الإمساك من أول النهار من الفجر، وهؤلاء في ذلك الوقت ليسوا من أهل الوجوب، فلم يكونوا مطالبين بالإمساك المأمور به. (وإذا اشتبهتْ الأشهرُ على الأسيرِ تحرى وصام، فإن وافق الشهرَ أو ما بعدَه أجزأه، وإن وافقَ ما قبلَه لم يجزهِ). مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا أَوْ مَطْمُورًا، أَوْ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي النَّائِيَةِ عَنْ الْأَمْصَارِ لَا يُمْكِنُهُ تَعَرُّفُ الْأَشْهُرِ بِالْخَبَرِ، فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَشْهُرُ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَيَجْتَهِدُ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَنْ أَمَارَةٍ تَقُومُ فِي نَفْسِهِ دُخُولُ شَهْرِ رَمَضَانَ صَامَهُ. وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَنْكَشِفَ لَهُ الْحَالُ. فَإِنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ، وَيُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِاجْتِهَادِه، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي يَوْمِ الْغَيْمِ بِالِاجْتِهَادِ. جاء في (الموسوعة الفقهية) فَهَذَا يُجْزِئُهُ صَوْمُهُ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لأِنَّهُ بَذَل وُسْعَهُ وَلَا يُكَلَّفُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي يَوْمِ الْغَيْمِ بِالاِجْتِهَادِ، وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لَا يُجْزِيهِ الصَّوْمُ؛ لاِحْتِمَال وُقُوعِهِ قَبْل وَقْتِ رَمَضَانَ. الثَّانِي: أَنْ يَنْكَشِفَ لَهُ أَنَّهُ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.

стр. 1492

وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَامَهُ عَلَى الشَّكِّ فَلَمْ يُجْزِئُهُ، كَمَا لَوْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَبَانَ مِنْ رَمَضَان. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِالِاجْتِهَادِ فِي مَحَلِّهِ، فَإِذَا أَصَابَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ؛ أَجْزَأَهُ كَالْقِبْلَةِ إذَا اشْتَبَهَتْ، أَوْ الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ إذَا اشْتَبَهَ وَقْتُهَا، وَفَارَقَ يَوْمَ الشَّكِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِالصَّوْمِ عِنْدَ أَمَارَةٍ عَيَّنَهَا، فَمَا لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَجُزْ الصَّوْمُ. الْحَالُ الثَّالِثُ: وَافَقَ قَبْلَ الشَّهْرِ. فَلَا يُجْزِئُهُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُجْزِئُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَوَقَفُوا قَبْلَهُ. وَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ. وَأَمَّا الْحَجُّ فَلَا نُسَلِّمُهُ إلَّا فِيمَا إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، لِعَظَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ لِنَفَرٍ مِنْهُمْ لَمْ يُجْزِئْهُمْ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ. جاء في (الموسوعة الفقهية) وَهِيَ وَجْهَانِ: لْوَجْهُ الأْوَّل: إِذَا وَافَقَ صَوْمُهُ مَا قَبْل رَمَضَانَ وَتَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمَّا يَأْتِ رَمَضَانُ لَزِمَهُ صَوْمُهُ إِذَا جَاءَ بِلَا خِلَافٍ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ فِي وَقْتِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: إِذَا وَافَقَ صَوْمُهُ مَا قَبْل رَمَضَانَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ إِلاَّ بَعْدَ انْقِضَائِهِ فَفِي إجْزَائِهِ قَوْلَانِ: الْقَوْل الأْوَّل: لَا يُجْزِيهِ عَنْ رَمَضَانَ بَل يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يُوَافِقَ بَعْضُهُ رَمَضَانَ دُونَ بَعْضٍ، فَمَا وَافَقَ رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ؛ أَجْزَأَهُ وَمَا وَافَقَ قَبْلَهُ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ.

стр. 1493

(وَمَنْ أَفْطَرَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً). أي: من أفطر في رمضان لكبر في سنه يشق عليه الصيام، أو أفطر لمرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً. وهذا مذهب جمهور العلماء. أولاً: عن ابن عباس في قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَلْيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. رواه البخاري. بناء على هذا الوجه فقد فسرت الآية الكريمة على ثلاثة تفسيرات: أ-على قراءة (يُطوَّقونه) فتح الطاء وتشديد الواو مبنياً للمفعول فخففت الطاء، من طوق بضم أوله على وزن قطع، أي يُكلَّفونه على مشقة فيه وهم لا يطيقونه لصعوبته فعليهم الإطعام. وبناء على هذا فالشيخ الكبير إذا لحقته مشقة شديدة في الصيام يجوز له الفطر ويجب عليه إخراج الفدية. ب-أن معنى الآية الكريمة على قراءة رسم المصحف «يطيقونه» أي يقدرون عليه مع تحمل المشقة، وذلك لأن الطاقة هي الإتيان بالشيء مع الشدة والمشقة، بخلاف الوسع فهو القدرة على الشيء على وجه السهولة. ج-على تقدير حرف «لا» النافية، فيكون المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه، فدية، وهذا له نظائر وردت في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِين) أي: لا تفتأ تذكر يوسف.

стр. 1494

ثانياً: أن الله تعالى جعل الفدية في هذه الآية الكريمة معادلة للصوم في أول الأمر لماَّ كان الناس مخيرين بين الصوم والفدية، فلما تعذر أحد البدلين ثبت الآخر، أي لما تعذر الصوم ثبتت الفدية، وذلك لأن الله تعالى لما جعل الفدية عديلاً للصوم في مقام التخيير، دل ذلك على أنها تكون بدلاً عنه في حالة تعذر الصوم، وذلك لمَّا يكون المكلف لا يستطيع الصوم كالمسن ومن في حكمه. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا تجب عليه الفدية. أ-لما ثبت من حديث سلمة بن الأكوع قال: ولما نزلت ( … وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ .. ) كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي نزلت بعدها فنسختها). وجه الدلالة: أن الفدية كانت حكماً خاصاً لمن كان يفطر ولا يصوم، ونسخ، فلا يجب على الشيخ المسن الذي يجوز له الفطر شيء بثبوت نسخ الآية المثبتة للفدية. ب- أن المسن المفطر معذور فلا تجب عليه الفدية لعجزه عن ذلك كالمسافر والمريض، ولا قضاء عليه لأنه لا يتمكن من القضاء لعجزه المستمر. والراجح قول الجمهور. قال ابن قدامة: الشَّيْخُ الْكَبِير وَالْعَجُوز إذَا كَانَ يُجْهِدُهُمَا الصَّوْمُ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الإِطْعَامِ أَيْضًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَ (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا) وَالْمَرِيضُ الَّذِي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ، يُفْطِرُ، وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا; لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّيْخ. وفي الموسوعة الفقهية: اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُصَارُ إلَى الْفِدْيَةِ فِي الصِّيَامِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ إمْكَانِ قَضَاءِ الأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا لِشَيْخُوخَةٍ لا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الصِّيَامِ، أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ، لقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) وَالْمُرَادُ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِم الصِّيَامُ.

стр. 1495

فائدة: ١ المريض الذي لا يرجى شفاؤه حكمه حكم الشيخ الكبير. قال ابن قدامة: وَالْمَرِيضُ الَّذِي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ، يُفْطِرُ، وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا; لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّيْخِ اهـ. وقال الشيخ ابن عثيمين: العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يرجى زواله - كالكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه كصاحب السرطان ونحوه - فلا يجب عليه الصيام لأنه لا يستطيعه وقد قال الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). وقال: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا). لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكيناً. اهـ. فائدة: ٢ قال العلامة ابن عثيمين: ووقته - أي الإطعام - بالخيار إن شاء فدى عن كل يوم بيومه، وإن شاء أخر إلى آخر يوم لفعل أنس ﵁ وهل يقدم قبل ذلك؟ لا يقدم؛ لأن تقديم الفدية كتقديم الصوم، فهل يجزئ أن تقدم الصوم في شعبان؟ الجواب: لا يجزئ، وهو قياس قولهم في كفارة الظهار؛ لأنهم يرون عدم صحة تقديم كفارة الظهار عليه. فائدة: ٣ قال ابن قدامة: فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الإِطْعَامِ أَيْضًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَ (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا).

стр. 1496

فائدة: ٤ إذا أفطر المريض، وكان مرضه مما لا يرجى برؤه، وأطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم عافاه الله، فلا يلزمه القضاء؛ لأنه أدى ما عليه، وبرئت ذمته بذلك. (الإنصاف). وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: إذا برئ شخص من مرض سبق أن قرر الأطباء استحالة شفائه منه، وكان ذلك بعد مضي أيام من رمضان فهل يطالب بقضاء الأيام السابقة؟ فأجاب: " إذا أفطر شخص رمضان أو من رمضان لمرض لا يرجى زواله: إما بحسب العادة، وإما بتقرير الأطباء الموثوق بهم، فإن الواجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا، فإذا فعل ذلك وقدر الله له الشفاء فيما بعد، فإنه لا يلزمه أن يصوم عما أطعم عنه، لأن ذمته برئت بما أتى به من الإطعام بدلا عن الصوم. وإذا كانت ذمته قد برئت فلا واجب يلحقه بعد براءة ذمته، ونظير هذا ما ذكره الفقهاء ﵏ في الرجل الذي يعجز عن أداء فريضة الحج عجزاً لا يرجى زواله، فيقيم من يحج عنه ثم يبرأ بعد ذلك، فإنه لا تلزمه الفريضة مرة ثانية. (مجموع الفتاوى) (ويُسَنُّ لِمَرِيضٍ يَضُرُّهُ). أي: ويسن الفطر للمريض الذي يضره الصوم، لأن الله يحب أن تؤتى رخصه. هذه الجملة فيها مسائل: أولاً: جواز الفطر للمريض. قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة، والأصل فيه قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). ثانياً: قوله (لمريض يضره) لابد أن يكون المرض شديداً. ذهب أكثر العلماء ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن المريض لا يجوز له أن يفطر في رمضان إلا إذا كان مرضه شديداً.

стр. 1497

والمراد بالمرض الشديد: أن يزداد المرض بسبب الصوم. أن يتأخر الشفاء بسبب الصوم. أن تصيبه مشقة شديدة، وإن لم تحصل له زيادة في المرض ولا تأخر للشفاء. وألحق به العلماء من يخشى حصول المرض بسبب الصيام. قال ابن قدامة: وَالْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْفِطْرِ هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي يَزِيدُ بِالصَّوْمِ أَوْ يُخْشَى تَبَاطُؤُ بُرْئِهِ. قِيلَ لأَحْمَدَ: مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ. قِيلَ: مِثْلُ الْحُمَّى؟ قَالَ: وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنْ الْحُمَّى … ! وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَخْشَى الْمَرَضَ بِالصِّيَامِ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ زِيَادَتَهُ فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ; لأَنَّ الْمَرِيضَ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ خَوْفًا مِمَّا يَتَجَدَّدُ بِصِيَامِهِ، مِنْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ وَتَطَاوُلِهِ، فَالْخَوْفُ مِنْ تَجَدُّدِ الْمَرَضِ فِي مَعْنَاهُ) اهـ. وقال النووي: الْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ لا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ … وَهَذَا إذَا لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ بِالصَّوْمِ وَلا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى حَالَةٍ لا يُمْكِنُهُ فِيهَا الصَّوْمُ، بَلْ قَالَ أَصْحَابُنَا: شَرْطُ إبَاحَةِ الْفِطْرِ أَنْ يَلْحَقَهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ يُشَقُّ احْتِمَالُهَا. (المجموع) وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز الفطر لكل مريض وإن لم تحصل له مشقة بسب الصوم. وهو قول شاذ ردَّه جمهور العلماء. قال النووي: وَأَمَّا الْمَرَضُ الْيَسِيرُ الَّذِي لا يَلْحَقُ بِهِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ بِلا خِلَافٍ عِنْدَنا. (المجموع).

стр. 1498

وقال الشيخ ابن عثيمين: المريض الذي لا يتأثّر بالصوم، مثل الزكام اليسير، أو الصداع اليسير، ووجع الضرس، وما أشبه ذلك، فهذا لا يحلّ له أن يُفطر، وإن كان بعض العلماء يقول: يحلّ له للآية (ومن كان مريضاً) البقرة/ ١٨٥، ولكننا نقول: إن هذا الحكم معلّل بعلّة وهي أن يكون الفطر أرفق به، أما إذا كان لا يتأثّر فإنّه لا يجوز له الفطر، ويجب عليه الصوم. ثالثاً: قوله (يسن … ). والراجح: أنه إذا كان يضره الصيام فإنه يحرم صومه. لقوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ). ولقوله تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). فإن كان صيامه مع المرض يؤدي إلى التلف أو غلب على ظنه أنه لو صام أن يتلف أو يحصل له فوات عضو، فإنه في هذه الحالة يحرم صومه. وأما إذا كان يشق عليه الصوم، فهنا يكره صومه (يستحب فطره). لأن ذلك يتضمن إكراهاً بنفسه. ولأنه ترك تخفيف وقبول رخصة الله، ففي الحديث (إن الله يحب أن تؤتى رخصه). (ولمُسافرٍ يقصر) أي: ويسن الفطر في رمضان لمسافر يشق عليه الصوم. وهذه الجملة فيها مسائل: أولاً: جواز الفطر في رمضان للمسافر. وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). وعن جَابِر بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ اَلْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ اَلنَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ اَلنَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ اَلنَّاسِ قَدْ صَامَ. قَالَ: أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ، أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ) متفق عليه.

стр. 1499

وعن أنس قال: (كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) متفق عليه. وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ (يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى اَلصِّيَامِ فِي اَلسَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ? فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ " هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اَللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ مُسْلِم. ثانياً: فإن صام المسافر فإنه جائز. قال ابن قدامة: وهذا قول أكثر العلماء. وقال النووي: وهو قول جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى. أ-عن أَنَس قَالَ (كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصِّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم) متفق عليه. ب- وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ. وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلاَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) متفق عليه. ج - ولحديث عائشة قالت (سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسولَ الله ﷺ عن الصيام في السفر، فقال: إن شئتَ فصُم، وإن شئت فأفطر) متفق عليه. ثالثاً: قوله (ولمُسافرٍ يقصر). هذا حكم الصوم في السفر. فالمذهب أن الفطر للمسافر أفضل.

стр. 1500

قال ابن قدامة: وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ إمَامِنَا ﵀، الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. (المغني). أ-عملاً بالرخصة، ففي الحديث (إن الله يحب أن تؤتى رخصه). رواه ابن خزيمة. ب-ولحديث جَابِر قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ. فَرَأَى زِحَاماً وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: صَائِمٌ. قَالَ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) متفق عليه. ج- وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى اَلصِّيَامِ فِي اَلسَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ? فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اَللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وذهب بعض العلماء: إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه. ونسبه ابن حجر لجمهور العلماء. قال ابن قدامة: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ. أ- لحديث أبي الدرداء السابق ( … وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلاَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ). ب-لأنه فعل الرسول ﷺ . ج-أسرع في إبراء الذمة. د-أسهل على المكلف. هـ-يدرك الزمن الفاضل وهو رمضان. وهذا الراجح. تنبيه: ذهب بعض العلماء: إلى أنه مخير مطلقاً إن شاء صام وإن شاء أفطر، وهو اختيار البخاري ﵀، لحديث "فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم".

стр. 1501

فائدة: لكن إن كان هناك مشقة: فالأفضل الفطر. (يكره الصوم). لحديث جَابِر - وقد تقدم - قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ. فَرَأَى زِحَاماً وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: صَائِمٌ. قَالَ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) متفق عليه. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ). فهذا الحديث خرج على سبب، فيقتصر عليه، وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاري حيث ترجم [باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر: ليس من البر الصوم في السفر]. قال ابن دقيق العيد: أخذ من هذا: أنه كراهة الصوم في السفر لمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من القربات ويكون قوله (ليس من البر الصيام في السفر) منزلاً على مثل هذه الحالة. (وَإِنْ نَوَى حَاضِرٌ صِيَامَ يَوْمٍ، ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ فَلَهُ الفِطْرُ). أي: أن الإنسان إذا صام في بلده، ثم سافر أثناء هذا اليوم، فإن له الفطر. وهذا المذهب. وهذا قول أحمد وإسحاق. أ- لقول الله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ومن سافر أثناء النهار فهو "على سفر" فله أن يفطر ويترخص برخص السفر. ب- لحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ اَلْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ اَلنَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ اَلنَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ اَلنَّاسِ قَدْ صَامَ. قَالَ: أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ، أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ). وَفِي لَفْظٍ: (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ اَلصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ اَلْعَصْرِ، فَشَرِبَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ج- وعن ابن عباس (أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكَديد أفطر، فأفطر الناس) متفق عليه.

стр. 1502

وجه الاستدلال من الحديثين السابقين: أنه ﷺ أفطر في اليوم الذي سافر فيه. قال القرطبي في تفسيره: وهذا نص في الباب، فسقط ما خالفه. واستدلَّ الشوكاني على ذلك بحديث جابر بن عبد الله ﵄. د- وعنْ عُبَيْدٍ بْنَ جَبْرٍ قَالَ: رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ، فَدَفَعَ ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ (وفي رواية لأحمد: فَلَمَّا دَفَعْنَا مِنْ مَرْسَانَا أَمَرَ بِسُفْرَتِهِ فَقُرِّبَتْ) ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ. فَقُلْتُ: أَلَسْنَا نَرَى الْبُيُوتَ! فَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟! وَقَوْل الصَّحَابِيّ مِنْ السُّنَّة يَنْصَرِف إِلَى سُنَّة رَسُول اللَّه ﷺ . اهـ من عون المعبود. قال ابن القيم: وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ جَوَّزَ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْر فِي يَوْمٍ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ. وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الإِمَام أَحْمَد، وَقَوْل عَمْرو بْن شُرَحْبِيل وَالشَّعْبِيّ وَإِسْحَاق. وَحَكَاهُ عَنْ أَنَس، وَهُوَ قَوْل دَاوُدَ وَابْن الْمُنْذِر" اهـ. هـ- بالقياس: أنّ من أصبح صائمًا ثم مرض فإنه يباح له الفطر، فكذلك السفر. قال الخطابي: وشبَّهوه بمن أصبح صائمًا ثم مرض في يوم فله أن يفطر من أجل المرض، قالوا: وكذلك من أصبح صائمًا ثم سافر، لأنّ كلَّ واحد من الأمرين سبب للرخصة حدث بعد مُضِيِّ شيء من النهار. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يفطر ذلك اليوم. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي. قالوا: لأن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة. والراجح المذهب.

стр. 1503

تنبيه: لكنه لا يفطر حتى يفارق العمران، وهو مذهب أحمد. لقوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). قالوا: وهذا شاهد، ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين ولذلك لا يقصر الصلاة. فائدة: ١ حكم من نوى الصوم وهو مسافر، ثم أراد أن يفطر، فهل يجوز له ذلك؟ نعم يجوز له ذلك. قال ابن قدامة: وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، فَلَهُ ذَلِكَ. أ- لحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ب- و عن جَابِر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مَا فَعَلْت، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ، وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) رواه مسلم. وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَعْرُجُ عَلَى مَنْ خَالَفَه. (المغني). فائدة: ٢ إذا قدم المسافر في أثناء النهار وهو صائم، فهل له أن يفطر باعتبار كونه مسافراً في أول النهار؟ مذهب جمهور العلماء ﵏: أنه لا يجوز له الفطر، وعللوا ذلك بأن سبب الرخصة قد زال قبل الترخص بالفطر في حالة السفر، فلم يجز له الترخص بعد زوالها كما لو قدم المسافر وقت الصلاة فإنه لا يجوز له القصر.

стр. 1504

فائدة: ٣ هل للمترخص بالفطر في رمضان بسبب السفر أن يصوم غيره من النفل أو النذر أو القضاء؟ ذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم جواز الصيام في رمضان عن غيره، فإن نوى صيام غير رمضان لم يصح ذلك. ووجه قولهم: أن الفطر أبيح رخصة وتخفيفاً عنه، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه، لزمه أن يأتي بالأصل. (وَإِنْ أَفْطَرَتْ حَامِلٌ، أَوْ مُرْضَعٌ خَوْفاً عَلَى أَنْفُسِهِمَا قَضَتَاه فَقَطْ، وَعَلَى وَلَدَيْهِمَا قَضَتَاه وَأَطْعَمَتَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً). إفطار الحامل والمرضع له أحوال: أولاً: إن خافتا على أنفسهما فقط. فحكمهما حكم المريض يفطران ويقضيان فقط. قال ابن قدامة: إن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما إذا صامتا فلهما الفطر وعليهما القضاء، لا نعلم فيه خلافاً لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه. ثانياً: إن خافتا على أنفسهما وولديهما جميعاً. فعليهما القضاء فقط (نفس الحالة السابقة). ثالثاً: إن خافتا على ولديهما فقط: ففي هذه الحالة اختلف العلماء في ذلك على أقوال: فقيل: عليهما القضاء والكفارة. وهذا المشهور من المذهب.

стр. 1505

لما رواه أبو داود بإسناد حسن عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال فيها: (نسخت هذه الآية وبقيت للشيخ الكبير والعجوز والحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً). وقيل: عليهما القضاء فقط من غير الكفارة. وهذا مذهب الأحناف. وهو قول عطاء بن أبي رباح، والحسن، والضحاك، والنخعي، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، والثوري، وأبو عبيد. واختاره ابن المنذر. ورجحه الشيخ ابن باز، وابن عثيمين. لحديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله ﷺ قال (إن الله ﵎ وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصيام) رواه الترمذي. فجعل النبي ﷺ حكم الحامل والمرضع كالمسافر، والمسافر يفطر ويقضي فكذلك الحامل والمرضع. ب-القياس على المريض، فكما أن المريض يفطر ويقضي فكذلك الحامل والمرضع.

стр. 1506

تنبيه: قول بعض العلماء: إن عليهما الفدية فقط قول ضعيف. (ومنْ أُغميَ عليهِ أو جُنَّ جميع النهار لم يصحَّ صومه، ويقضي المغمَى عليه). هذا حكم من أغمي عليه أو جن في رمضان: المذهب: أن من أصيب بإغماء في رمضان لا يخلو من حالين: أ- أن يستوعب الإغماء جميع النهار - وكذا الجنون - بمعنى أنه يغمى عليه قبل الفجر ولا يفيق إلا بعد غروب الشمس. فهذا لا يصح صومه، وعلى المغمى عليه قضاء هذا اليوم بعد رمضان. والدليل على عدم صحة صومه: قال ابن قدامة: أنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ مَعَ النِّيَّة، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي). فَأَضَافَ تَرْكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ، فَلَا يُضَافُ الْإِمْسَاكُ إلَيْهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ. وَلِأَنَّ النِّيَّةَ أَحَدُ رُكْنَيْ الصَّوْمِ، فَلَا تُجْزِئُ وَحْدَهَا، كَالْإِمْسَاكِ وَحْدَهُ ويقضي المغمى عليه فقط. لقول الله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). وأما المجنون فلا يقضي، لأنه ليس مكلفاً. ب - أن يفيق جزءً من النهار - ولو لحظة - فهذا يصح صيامه، سواء أفاق من أول النهار أو آخره أو وسطه. قال ابن تيمية: وإنما اشترطنا أن يفيق في جزء من النهار؛ لأن الصوم لا بد فيه من الإِمساك؛ لقول النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه في صفة الصائم (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) والإِمساك لا يكون إلا مع حضور العقل، ولم يشترط وجود الإِمساك في جميع النهار، بل اكتفينا بوجوده في بعضه؛ لأنه دخل في عموم قوله يدع طعامه وشهوته من أجلي).

стр. 1507

فائدة: إن نام جميع النهار، فإنه يصح صومه. قال في الروض المربع: لأن النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية. وقال ابن مفلح: وإن نام جميع النهار صح صومه خلافاً للاصطخري الشافعي، لأنه إجماع قبله، ولأنه معتاد، إذا نُبّه انتبه. (وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ). أي: يجب تبييت النية من الليل لصيام الفرض، كرمضان، وقضاء رمضان، والنذر. أ- لحديث حَفْصَةَ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ اَلصِّيَامَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَمَالَ النَّسَائِيُّ وَاَلتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: (لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اَللَّيْلِ)، اختلف في هذا الحديث بين الرفع والوقف. وجاء موقوفاً عن ابن عمر كما عند مالك في الموطأ، ولا يعلم لحفصة ولا لابن عمر مخالف من الصحابة. ب- ولحديث (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه. قالوا: والصيام عمل فلا صحة له إلا بالنية، لأن صحة العبادات مربوط بالنية. فمن نوى صوم الفرض من بعد صلاة الصبح فلا يصح، وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل.

стр. 1508

فائدة: قوله (لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ) اختلف العلماء هل يلزم لكل يوم نية أو يكفي نية واحدة من أول يوم من رمضان على قولين: القول الأول: يجزئ صوم رمضان نية واحدة من أول الشهر ما لم يقطعه بعذر فيستأنف النية. وهذا مذهب المالكية. لأنه من المعلوم عند جميع المسلمين أنه إذا دخل رمضان لا يمكن أن يتخلله يوم بدون صيام. القول الثاني: يجب أن ينوي كل يوم بيومه من ليلته. وهذا هو المشهور من المذهب، وهو مذهب الجمهور. أ- قالوا: لأن كل يوم عبادة مستقلة. قال ابن قدامة: ولأن هذه الأيام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها ما ينافيها، فأشبهت القضاء. ب- ولأنه صوم واجب، فوجب أن ينوي كل يوم من ليلته، كالقضاء. (المغني). والراجح القول الأول. ويظهر أثر الخلاف: لو نام مكلف قبل الغروب، ولم يفق إلا من الغد بعد الفجر، فعلى المذهب لا يصح صومه، وعلى القول الراجح يصح صومه. (ويصح النَّفْلُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ) أي: أن صوم النفل (كصيام الاثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر) يجوز أن ينويه من النهار، سواء نوى قبل الزوال أو بعده. لحديث عَائِشَة ﵂ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ: " هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ? " قُلْنَا: لَا. قَالَ: " فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ ...... ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فهذا الحديث دليل على أن صوم النافلة يجوز من النهار.

стр. 1509

لقوله (قَالَ: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ). قال النووي: الحديث دليل لمذهب الجمهور أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل الزوال. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يصح صوم التطوع بنية من النهار. قال النووي: ويتأوله الآخرون على أن سؤاله ﷺ : هل عندكم شيء؟ لكونه ضعف عن الصوم وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف، وهذا تأويل فاسد وتكلف بعيد. فائدة: ١ يشترط لذلك: أن لا يكون قد أكل شيئاً من بعد الفجر. فائدة: ٢ قوله (قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ) أي: يجوز أن تكون النية قبل الزوال أو بعده. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يشترط أن تكون النية قبل الزوال؟ وهذا مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي. قالوا: لأن معظم النهار مضى من غير نية، بخلاف الناوي قبل الزوال، فإنه قد أدرك معظم العبادة. والراجح أنه يجوز قبل الزوال وبعده. وهذا مذهب الحنابلة. أ- لحديث عائشة السابق (فإني إذاً صائم). وجه الاستدلال: أنّ حديث عائشة ﵂ مطلق من غير فصل بين ما قبل الزوال وبعده، فدلَّ على أنّ النبي ﷺ قد صام بنية من النهار، ولا فرق بين أوَّله وآخره. ب- قالوا: إنّه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة، ولم ينقل عن أحد من الصّحابة ﵃ ما يخالفه صريحاً. قال ابن تيمية: واختلف قولهما -أي الشافعي وأحمد- هل يجزئ التطوُّع بنية بعد الزوال؟ والأظهر صحته، كما نقل عن الصحابة. ج- ولأنّ النّيّة وجدت في جزء النّهار، فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظة. د- قال الزركشي: لأنّ ما صحَّت النية في أوله صحَّت في آخره، كالليل.

стр. 1510

فائدة: ٣ اختلف العلماء: إن نوى الصوم أثناء النهار، هل يكتب له أجر الصوم يوماً كاملاً أو يكتب له من نيته على قولين: القول الأول: أنه يكتب له أجر اليوم الكامل. قالوا: لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون من أول النهار. القول الثاني: لا يثاب إلا من وقت النية فقط. فإذا نوى عند الزوال فأجره على هذا القول نصف يوم. لحديث (إنما الأعمال بالنيات) وهذا أول النهار لم ينو الصوم فلا يكتب له الأجر كاملاً. واختار هذا الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقال: إذا نوى الصيام أثناء النهار وهو نفل ولم يأت قبله بما ينافي الصوم من أكل أو شرب أو غيرهما فصومه صحيح، سواء كان قبل الزوال أم بعد الزوال، ولكن هل يثاب من أول النهار، أو يثاب من النية؟ الصحيح: أنه يثاب من النية فقط؛ لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) والفائدة: أنه يكتب له أجر الصيام منذ نوى إلى غروب الشمس. (لقاء الباب المفتوح) والله أعلم بالراجح. فائدة: هل يجب تبييت النية من الليل في صيام النفل المقيد (المعين)، كصيام ست شوال، أو عاشوراء؟ قيل: لا بد من ذلك. وقيل: لا يشترط ذلك.
следующие страницы →