Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
تنبيه: قول بعض العلماء: إن عليهما الفدية فقط قول ضعيف.
(ومنْ أُغميَ عليهِ أو جُنَّ جميع النهار لم يصحَّ صومه، ويقضي المغمَى عليه).
هذا حكم من أغمي عليه أو جن في رمضان:
المذهب: أن من أصيب بإغماء في رمضان لا يخلو من حالين:
أ- أن يستوعب الإغماء جميع النهار - وكذا الجنون - بمعنى أنه يغمى عليه قبل الفجر ولا يفيق إلا بعد غروب الشمس.
فهذا لا يصح صومه، وعلى المغمى عليه قضاء هذا اليوم بعد رمضان.
والدليل على عدم صحة صومه:
قال ابن قدامة: أنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ مَعَ النِّيَّة، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي).
فَأَضَافَ تَرْكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ، فَلَا يُضَافُ الْإِمْسَاكُ إلَيْهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ.
وَلِأَنَّ النِّيَّةَ أَحَدُ رُكْنَيْ الصَّوْمِ، فَلَا تُجْزِئُ وَحْدَهَا، كَالْإِمْسَاكِ وَحْدَهُ
ويقضي المغمى عليه فقط.
لقول الله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ).
وأما المجنون فلا يقضي، لأنه ليس مكلفاً.
ب - أن يفيق جزءً من النهار - ولو لحظة - فهذا يصح صيامه، سواء أفاق من أول النهار أو آخره أو وسطه.
قال ابن تيمية: وإنما اشترطنا أن يفيق في جزء من النهار؛ لأن الصوم لا بد فيه من الإِمساك؛ لقول النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه في صفة الصائم (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) والإِمساك لا يكون إلا مع حضور العقل، ولم يشترط وجود الإِمساك في جميع النهار، بل اكتفينا بوجوده في بعضه؛ لأنه دخل في عموم قوله يدع طعامه وشهوته من أجلي).
стр. 1507
فائدة:
إن نام جميع النهار، فإنه يصح صومه.
قال في الروض المربع: لأن النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية.
وقال ابن مفلح: وإن نام جميع النهار صح صومه خلافاً للاصطخري الشافعي، لأنه إجماع قبله، ولأنه معتاد، إذا نُبّه انتبه.
(وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ).
أي: يجب تبييت النية من الليل لصيام الفرض، كرمضان، وقضاء رمضان، والنذر.
أ- لحديث حَفْصَةَ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ اَلصِّيَامَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَمَالَ النَّسَائِيُّ وَاَلتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: (لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اَللَّيْلِ)، اختلف في هذا الحديث بين الرفع والوقف.
وجاء موقوفاً عن ابن عمر كما عند مالك في الموطأ، ولا يعلم لحفصة ولا لابن عمر مخالف من الصحابة.
ب- ولحديث (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه.
قالوا: والصيام عمل فلا صحة له إلا بالنية، لأن صحة العبادات مربوط بالنية.
فمن نوى صوم الفرض من بعد صلاة الصبح فلا يصح، وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل.
стр. 1508
فائدة:
قوله (لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ) اختلف العلماء هل يلزم لكل يوم نية أو يكفي نية واحدة من أول يوم من رمضان على قولين:
القول الأول: يجزئ صوم رمضان نية واحدة من أول الشهر ما لم يقطعه بعذر فيستأنف النية.
وهذا مذهب المالكية.
لأنه من المعلوم عند جميع المسلمين أنه إذا دخل رمضان لا يمكن أن يتخلله يوم بدون صيام.
القول الثاني: يجب أن ينوي كل يوم بيومه من ليلته.
وهذا هو المشهور من المذهب، وهو مذهب الجمهور.
أ- قالوا: لأن كل يوم عبادة مستقلة.
قال ابن قدامة: ولأن هذه الأيام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها ما ينافيها، فأشبهت القضاء.
ب- ولأنه صوم واجب، فوجب أن ينوي كل يوم من ليلته، كالقضاء. (المغني).
والراجح القول الأول.
ويظهر أثر الخلاف: لو نام مكلف قبل الغروب، ولم يفق إلا من الغد بعد الفجر، فعلى المذهب لا يصح صومه، وعلى القول الراجح يصح صومه.
(ويصح النَّفْلُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ)
أي: أن صوم النفل (كصيام الاثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر) يجوز أن ينويه من النهار، سواء نوى قبل الزوال أو بعده.
لحديث عَائِشَة ﵂ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ: " هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ? " قُلْنَا: لَا. قَالَ: " فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ ...... ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فهذا الحديث دليل على أن صوم النافلة يجوز من النهار.
стр. 1509
لقوله (قَالَ: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ).
قال النووي: الحديث دليل لمذهب الجمهور أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل الزوال.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يصح صوم التطوع بنية من النهار.
قال النووي: ويتأوله الآخرون على أن سؤاله ﷺ : هل عندكم شيء؟ لكونه ضعف عن الصوم وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف، وهذا تأويل فاسد وتكلف بعيد.
فائدة: ١
يشترط لذلك: أن لا يكون قد أكل شيئاً من بعد الفجر.
فائدة: ٢
قوله (قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ) أي: يجوز أن تكون النية قبل الزوال أو بعده.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يشترط أن تكون النية قبل الزوال؟
وهذا مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي.
قالوا: لأن معظم النهار مضى من غير نية، بخلاف الناوي قبل الزوال، فإنه قد أدرك معظم العبادة.
والراجح أنه يجوز قبل الزوال وبعده.
وهذا مذهب الحنابلة.
أ- لحديث عائشة السابق (فإني إذاً صائم).
وجه الاستدلال: أنّ حديث عائشة ﵂ مطلق من غير فصل بين ما قبل الزوال وبعده، فدلَّ على أنّ النبي ﷺ قد صام بنية من النهار، ولا فرق بين أوَّله وآخره.
ب- قالوا: إنّه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة، ولم ينقل عن أحد من الصّحابة ﵃ ما يخالفه صريحاً.
قال ابن تيمية: واختلف قولهما -أي الشافعي وأحمد- هل يجزئ التطوُّع بنية بعد الزوال؟ والأظهر صحته، كما نقل عن الصحابة.
ج- ولأنّ النّيّة وجدت في جزء النّهار، فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظة.
د- قال الزركشي: لأنّ ما صحَّت النية في أوله صحَّت في آخره، كالليل.
стр. 1510
فائدة: ٣
اختلف العلماء: إن نوى الصوم أثناء النهار، هل يكتب له أجر الصوم يوماً كاملاً أو يكتب له من نيته على قولين:
القول الأول: أنه يكتب له أجر اليوم الكامل.
قالوا: لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون من أول النهار.
القول الثاني: لا يثاب إلا من وقت النية فقط.
فإذا نوى عند الزوال فأجره على هذا القول نصف يوم.
لحديث (إنما الأعمال بالنيات) وهذا أول النهار لم ينو الصوم فلا يكتب له الأجر كاملاً.
واختار هذا الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقال:
إذا نوى الصيام أثناء النهار وهو نفل ولم يأت قبله بما ينافي الصوم من أكل أو شرب أو غيرهما فصومه صحيح، سواء كان قبل الزوال أم بعد الزوال، ولكن هل يثاب من أول النهار، أو يثاب من النية؟ الصحيح: أنه يثاب من النية فقط؛ لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) والفائدة: أنه يكتب له أجر الصيام منذ نوى إلى غروب الشمس. (لقاء الباب المفتوح)
والله أعلم بالراجح.
فائدة:
هل يجب تبييت النية من الليل في صيام النفل المقيد (المعين)، كصيام ست شوال، أو عاشوراء؟
قيل: لا بد من ذلك.
وقيل: لا يشترط ذلك.
стр. 1511
(وَلَوْ نَوَى إِن كَانَ غَدَاً مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي لَمْ يجْزِهِ).
أي: وإن نوى إن كان غداً من رمضان فأنا صائم لم يصح.
مثال ذلك: رجل نام في الليل مبكراً ليلة الثلاثين من شعبان، وفيه احتمال أن تكون هذه الليلة هي أول رمضان، فقال: إن كان غداً من رمضان فهو فرضي، أو قال: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، أو قال: إن كان غداً من رمضان فهو فرض، وإلا فهو عن كفارة واجبة، أو ما أشبه ذلك من أنواع التعليق. (الشرح الممتع).
فالمذهب أن الصوم لا يصح.
وهو مذهب أيضاً: المالكية والشافعية.
أ- لحديث حفصة السابق (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ اَلصِّيَامَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ).
قالوا: إن الحديث صريح في تبييت النية من الليل، فيكون نصاً في المسألة.
ب- ولأن هذا تردد في النية، والنية لا بد فيها من الجزم.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصح.
وهذا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره الشيخ ابن عثيمين.
لأن هذا الرجل علق النية لأنه لا يعلم هل غداً من رمضان أم لا؟ فتردده مبني على التردد في ثبوت الشهر، لا على التردد هل يصوم أم لا؟
وهذا القول هو الصحيح.
قال ابن تيمية: وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. فَإِنْ نَوَى نَفْلًا أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ أَدَاء الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي عَلِمَ وُجُوبَهُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ الْوَاجِبَ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَهُنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ وَمَنْ أَوْجَبَ التَّعْيِينَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ فَقَدْ أَوْجَبَ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ. فَإِذَا قِيلَ إنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ وَصَامَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ أَوْ مُعَلَّقَةٍ أَجْزَأَهُ.
стр. 1512
فائدة: وهذه المسألة تحدث في رجل نام مبكراً ليلة الثلاثين من شعبان، وفيه احتمال أن تكون هذه الليلة من رمضان.
(وَمَنْ نَوَى الإْفْطَارَ أَفْطَرَ).
أي: من نوى وهو صائم أن يفطر جازماً غير متردد فإنه صومه بطل.
وهذا مذهب المالكية والحنابلة.
لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات).
والصوم عبادة من شرطها النية، ففسدت بنيته الخروج منه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يفطر بمجرد العزم على الفطر بل لا بد من تناول مفطر.
وهذا مذهب الحنفية والشافعية، لكنه قول ضعيف.
فائدة:
إن تردد في النية ولم يجزم.
فقيل: يبطل صومه.
وقيل: لا يبطل.
وهذا مذهب الحنفية والشافعية.
قال النووي: وَلَوْ تَرَدَّدَ الصَّائِمُ فِي قَطْعِ نِيَّةِ الصَّوْمِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ. . . الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: لَا تَبْطُل. (المجموع)
وبهذا أفتى الشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن جبرين رحمهما الله تعالى.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وأما إذا لم يعزم ولكن تردد فموضع خلاف بين العلماء:
منهم من قال: إن صومه يبطل؛ لأن التردد ينافي العزم.
ومنهم من قال: إنه لا يبطل؛ لأن الأصل بقاء النية حتى يعزم على قطعها وإزالتها، وهذا هو الراجح عندي لقوته.
وسئل ﵀: رجل مسافر وصائم في رمضان، نوى الفطر ثم لم يجد ما يفطر به، ثم عدل عن نيته وأكمل الصوم إلى المغرب فما صحة صومه؟
فأجاب: صومه غير صحيح، ويجب عليه القضاء؛ لأنه عندما نوى الفطر أفطر، أما لو قال: إن وجدت ماءً شربت وإلا فأنا على صومي، ولم يجد الماء، فهذا صومه صحيح؛ لأنه لم يقطع النية ولكنه علّق الفطر على وجود الشيء، ولم يوجد الشيء فبقي على نيته الأولى.
стр. 1513
فصل
باب ما يفسد الصوم
(مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ).
هذا المفسد الأول للصوم.
قال ابن قدامة: وهذا لا خلاف أن من تعمده يفطر ويجب عليه الإمساك والقضاء.
أ- لقوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل).
فأباح الله تعالى الأكل والشرب إلى طلوع الفجر، ثم أمر بإتمام الصيام إلى الليل، وهذا معناه ترك الأكل والشرب في هذا الوقت.
ب- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا). رواه البخاري
ج- وعنه. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه
وأجمع العلماء على أن الفطر بالأكل والشرب.
стр. 1514
فائدة: ١
قوله (من أكل) يشمل ما ينفع وما لا ينفع، ويشمل ما يضر، فلو ابتلع خرزة فإنها تفطر.
فالأكل عمداً أثناء الصيام ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون مغذياً:
فالأكل الذي يتغذى وينتفع به البدن ويتلذذ به، وهو الأكل المعروف ويحصل معه الذوق والمضغ والبلع.
فهذا يفسد الصوم باتفاق الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
للآية والأحاديث السابقة.
ونقل الإجماع على ذلك كما تقدم.
القسم الثاني: أن لا يكون مغذياً:
وهو ما لا ينتفع به البدن، ويسمى أكلاً لدخوله الجوف عن طريق ابتلاعه من الفم وإن لم يحصل به مضغ وذوق.
وذلك كالحصاة، والدراهم، وقطع الحديد، والحصاة ونحو ذلك من المواد الصلبة التي لا تنماع في الجسد ولا تغذي.
فهذا يفسد الصوم أيضاً عند جماهير العلماء.
قال النووي: إذا ابتلع الصائم ما لا يؤكل في العادة كدرهم ودينار أو تراب أو حصاة أو حشيشاً أو ناراً أو حديداً أو خيطاً أو غير ذلك أفطر بلا خلاف عندنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود وجماهير العلماء من السلف والخلف. (المجموع).
أ-أنه في حكم الأكل، فإنه يقال: أكل حصاة، فيكون حكمه حكم الأكل.
ب- قول ابن عباس ﵄: الفطر مما دخل وليس مما خرج.
стр. 1515
فائدة: ٢
ما كان بمعنى الأكل والشرب فإنه يفطر: كالإبر المغذية.
فائدة: ٣
يلزم من أفطر متعمداً بتناول الطعام أو الشراب:
أ- القضاء.
وعلى هذا عامة أهل العلم، أما الكفارة فلا تجب عليه في أرجح قولي أهل العلم، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، ورجحه ابن المنذر، والنووي.
ب- والإمساك بقية يومه.
وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم.
وذلك لأنه أفطر بدون عذر فلزمه إمساك بقية النهار، وفطرُهُ عمداً لم يُسقِط عنه ما وجب عليه من إتمام الإمساك.
قال النووي: ذكرنا أن مذهبنا أن عليه قضاء يوم بدله وإمساك بقية النهار، وإذا قضى يوما كفاه عن الصوم وبرئت ذمته منه، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء، قال العبدري: هو قول الفقهاء كافة إلا من سنذكره ـ إن شاء الله تعالى. انتهى.
قال النووي: إذا أفطر الصائم في نهار رمضان بغير الجماع من غير عذرٍ عامداً مختاراً عالماً بالتحريم، بأن أكل أو شرب أو استعط … أثم ووجب عليه القضاء وإمساك بقية النهار). (المجموع).
وقال ابن القيم: الصائم إذا أفطر عمداً لم يسقط عنه فطره ما وجب عليه من إتمام الإمساك ولا يقال له قد بطل صومك فإن شئت أن تأكل فكل، بل يجب عليه المضي فيه وقضاؤه؛ لأن الصائم له حدٌّ محدود وهو غروب الشمس.
стр. 1516
فائدة: ٤
من أكل أو شرب ناسياً فصومه صحيح، وهو قول جماهير العلماء كما سيأتي إن شاء الله.
(أوْ اسْتَعَطَ).
أي تناول السعوط، والسعوط ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف فإنه مفطر.
لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة.
لحديث لقيط بن صبرة قال (قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء! قال: أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق إلاَّ أن تكون صائماً).
قالوا: فهذا دليل على أن الأنف منفذ إلى المعدة، وإذا كان كذلك فاستخدام هذه القطرة نهى عنه النبي ﷺ .
وأيضاَ نهْي النبي ﷺ عن المبالغة في الاستنشاق يتضمن النهي عن إدخال أي شيء عن طريق الأنف ولو كان يسيراً لأن الداخل عن طريق المبالغة شيء يسير.
قال الشيخ ابن عثيمين: أما قطرة الأنف فإذا وصلت إلى المعدة فإنها تفطر، أما ما لا يصل إلى ذلك من قطرة الأنف، فإنها لا تفطر.
(أوْ احْتَقَنَ).
الاحتقان: إدخال الأدوية عن طريق الدبر.
فالحقنة تفطر، وإليه ذهب الجمهور.
أ- لأن دواء الحقنة (وَاصِلٌ إلَى جَوْفِ الصَّائِمِ بِاخْتِيَارِهِ، فَيُفْطِرهُ، كَالْوَاصِلِ إلَى الْحَلْق. (المغني).
стр. 1517
وذهب بعض العلماء: إلى عدم الفطر بالحقنة.
أ- لأنها ليست بأكل ولا شرب، ولا بمعناهما.
ب- أن الحقنة لا تغذي، بل تستفرغ ما في البدن.
ج- ولأن الصيام أحد أركان الإسلام، ويحتاج إلى معرفته المسلمون، فلو كانت هذه الأمور من المفطرات لذكرها الرسول ﷺ ، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة، ونقل إلينا.
د- كما أن الأصل صحة الصيام حتى يقوم دليل على فساده.
وهذا الراجح.
تنبيه: ولو أخر الحقن إلى الليل لكان أفضل؛ خروجاً من الخلاف، فقد ذهب الجمهور إلى أنه يفطر بذلك.
(أوْ اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ)
أي: ومن المفطرات: إذا اكتحل بما يصل إلى حلقه يعني: بما يستطعم حلقه.
وقد وردت أحاديث تجيز الاكتحال للصائم، وأحاديث تمنع ذلك وكلها لا تصح.
الأحاديث التي تثبت ذلك:
أ-حديث عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
قَالَ اَلتِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ.
ب-حديث ابن عمر (أنه ﷺ خرج عليهم في رمضان وعيناه مملوءتان من الإثمد). رواه الترمذي.
ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.
стр. 1518
والأحاديث التي تمنع الكحل:
حديث (أن النبي ﷺ أمر بالإثمد عند النوم وقال: ليتقه الصائم). رواه أبو داود
قال أحمد: حديث منكر.
وقال ابن القيم: لا يصح.
فذهب بعض العلماء: إلى أن الكحل يفسد الصوم.
لحديث (ليتقه الصائم).
ونسبه الشوكاني لابن شبرمة وابن أبي ليلى.
قال ابن قدامة: فَأَمَّا الْكُحْلُ، فَمَا وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، أَوْ عَلِمَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَطَّرَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُفَطِّرْهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَعَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، أَنَّ الْكُحْلَ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ.
لأَنَّهُ أَوْصَلَ إلَى حَلْقِهِ مَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِفِيهِ فَأَفْطَرَ بِهِ، كَمَا لَوْ أَوْصَلَهُ مِنْ أَنْفِهِ.
وَمَا رَوَوْهُ (أن النبي ﷺ اكتحل) لَمْ يَصِحَّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَابِ الْكُحْلِ لِلصَّائِمِ شَيْءٌ.
ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّهُ اكْتَحَلَ بِمَا لَا يَصِلُ.
وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَتْ الْعَيْنُ مَنْفَذًا لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ يُوجَدُ طَعْمُهُ فِي الْحَلْقِ، وَيَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ فَيَتَنَخَّعَه. (المغني).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يفطر.
стр. 1519
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، واختيار ابن تيمية.
أ-أن أحاديث المنع ضعيفة لا تنهض للاحتجاج بها.
ب-البراءة الأصلية، ولا تنتقل عنها إلا بدليل، وليس في الباب ما يصلح للنقل [قاله الشوكاني].
ج-أن العين ليست منفذاً للأكل كالأنف.
د- أن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كان الكحل مفطراً لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكره لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة، وقد تقرر أن الأحكام التي تعم بها البلوى لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بياناً عاماً، والكحل منها.
وهذا القول هو الراجح، وهو قول عامة التابعين، فقد روى أبو داود في سننه عن الأعمش. وهو أحد أئمة التابعين. أنه قال (ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم).
فائدة: ١
الكحل إذا لم يصل إلى الحلق فلا يفطر.
فائدة: ٢
قطرة العين لا تفطر.
وقد ذهب إلى ذلك الحنفية، والشافعية، وهو اختيار ابن عثيمين، وابن باز.
أ- أن جوف العين لا يتسع لأكثر من قطرة واحدة، والقطرة الواحدة حجمها قليل جداً، وإذا ثبت ذلك فإنه يعفى عنه، فهو أقل من القدر المعفو عنه مما يبقى من المضمضة.
ب - ولأن هذه القطرة تُمْتَصُّ جميعها أثناء مرورها في القناة الدمعية ولا تصل إلى البلعوم.
ج- ولأنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب.
د- ولأن الأذن ليست منفذاً للطعام والشراب.
стр. 1520
قال ابن باز: وهكذا قطرة العين والأذن لا يفطر بهما الصائم في أصح قولي العلماء، فإن وجد طعم القطور في حلقه، فالقضاء أحوط ولا يجب؛ لأنهما ليسا منفذين للطعام والشراب، أما القطرة في الأنف فلا تجوز؛ لأن الأنف منفذ.
(أوِ اسْتَقَاءَ).
ومن المفطرات: اذا استدعى القي فقاء.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ ذَرَعَهُ اَلْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ اَلْقَضَاء) رواه أبو داود.
قوله (وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ اَلْقَضَاء) أي: استدعى القيء وطلب خروجه تعمداً.
واستدعاء القيء له طرق: النظر، والشم، والعصر، والجذب، وربما نقول السمع ـ أيضاً.
أما النظر: فكأن ينظر الإنسان إلى شيءٍ كريهٍ فتتقزز نفسه ثم يقيء.
وأما الشم: فكأن يشم رائحة كريهة فيقيء.
وأما العصر: فكأن يعصر بطنه عصراً شديداً إلى فوق ثم يقيء.
وأما الجذب: بأن يدخل أصبعه في فمه حتى يصل إلى أقصى حلقه ثم يقيء. (الشرح الممتع).
فالحديث دليل على أن القيء عمداً يفسد الصوم وعليه القضاء إذا كان الصوم واجباً.
وقد حكاه ابن المنذر بالإجماع.
стр. 1521
فائدة: ١
ذهب ابن مسعود وعكرمة وربيعة والقاسم: إلى أن القيء لا يفسد الصوم سواء كان غالباً أو مستخرجاً ما لم يرجع فيه القيء باختياره. (نقله الشوكاني عنهم).
واستدلوا:
أ-أن الحديث لا يصح، ولم يثبت دليل أن القيء مفطر، ولو كان مفطراً لبينه النبي ﷺ بياناً عاماً.
ب-واستدلوا بحديث (ثلاث لا يفطرن: القيء، والحجامة، والاحتلام). وهو حديث ضعيف رواه الترمذي وغيره.
والراجح مذهب الجمهور.
فائدة: ٢
لا فرق في القيء بين القليل والكثير على الصحيح، فلو تعمد القيء، وخرج شيء قليل أفطر، قال في الفروع: وإن استقاء فقاء أي شيء كان أفطر.
(أوْ اسْتَمْنَى).
أي: ومن المفطرات طلب خروج المني بأي وسيلة، سواء بيده، أو بالتدليك على الأرض حتى أنزل.
وهذا مذهب الجمهور.
أ- قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) رواه ابن خزيمة.
ومن استمنى لم يترك شهوته.
стр. 1522
ب- من القياس: فقد جاءت السنة بفطر الصائم بالاستقاء إذا قاء، وهو يضعف البدن، فخروج الطعام يضعف البدن؛ لأن المعدة تبقى خالية فيجوع الإنسان ويعطش سريعاً. وخروج المني يحصل به ذلك فيفتر البدن بلا شك؛ ولهذا أمر بالاغتسال ليعود النشاط إلى البدن، فيكون هذا قياساً على من استقاء عمداً.
فائدة: ١
قال ابن قدامة: وَلَوْ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَلا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِهِ إلا أَنْ يُنْزِلَ، فَإِنْ أَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ " انتهى.
فائدة: ٢
ذهب بعض العلماء إلى أن الاستمناء عمداً لا يفسد الصوم لكنه قول ضعيف.
فائدة: ٣
من احتلم في نهار رمضان فإنه يغتسل وصومه صحيح ولا يضره لأنه ليس باختياره.
قال ابن قدامة: ولو احتلم لم يفسد صومه، لأنه عن غير اختيار منه. (المغني).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) لا أثر للاحتلام في الصوم، ولا يبطل به باتفاق، لقوله ﷺ (ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة والقيء والاحتلام).
ولأن فيه حرجاً، لعدم إمكان التحرز عنه إلا بترك النوم، والنوم مباح وتركه غير مستطاع، ولأنه لم توجد صورة الجماع، ولا معناه وهو الإنزال عن شهوة بمباشرة. انتهى.
فائدة: ٤
اختلف الجمهور الذين قالوا: إن من تعمد الاستمناء يفطر: هل تجب عليه الكفارة مع القضاء أم يكفيه القضاء؟
فذهب أكثرهم إلى أنه يكفيه القضاء مع التوبة والاستغفار ولا كفارة عليه.
وذهب المالكية إلى وجوب القضاء والكفارة عليه.
стр. 1523
والراجح عدم وجوبها لأنه لا دليل على إلزام من أفسد صومه تعمداً بغير جماع بها، ولأن النص ورد في الجماع فلا يقاس عليه غيره لأنه أغلظ من غيره فيقتصر عليه.
(أَوْ بَاشَرَ فَأَمْنَى).
المراد بالمباشرة هنا: أن يباشر امرأته بما دون الفرج.
ذهب جماهير العلماء وحكي إجماعاً أن الإنسان إذا باشر أو قبل أو لمس فأنزل فإن صيامه يفسد.
قال ابن قدامة: إذَا قَبَّلَ (أي زوجته) فَأَمْنَى فَيُفْطِرَ بِغَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ " انتهى.
وقال النووي: إذَا قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِذَكَرِهِ أَوْ لَمَسَ بَشَرَةَ امْرَأَةٍ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ أَنْزَلَ الْمَنِيَّ بَطَلَ صَوْمُهُ وَإِلا فَلا، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ الإِجْمَاعَ عَلَى بُطْلانِ صَوْمِ مَنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ " انتهى باختصار.
وقال في (بداية المجتهد) كلهم يقولون: ـ يعني الأئمة ـ أن من قبل فأمنى فقد أفطر " انتهى.
وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا أرخص في القبلة للصائم إلا وهو يشترط السلامة مما يتولد منها، وأن من يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه وجب عليه اجتنابها. (الاستذكار).
أ- لقوله ﷺ (يدع شرابه وطعامه وشهوته) فإنه لم يدع شهوته.
ب-وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه
(وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ) المباشرة: التقاء البشرتين، ويستعمل في الجماع سواء أولج أو لم يولج، وليس الجماع مراداً هنا، وإنما المراد: الجماع فيما دون الفرج من تقبيل ولمس وضم وغيرها.
стр. 1524
وجه الدلالة: أن مفهوم حديث عائشة أن من لا يملك نفسه فإنه لا يجوز له أن يقبل أو يباشر لأن هذا يؤدي إلى الإنزال الذي يؤدي إلى فساد الصوم.
ج- القياس على الجماع، ووجه القياس: أن غاية ما يطلب في الجماع الإنزال، وقد حصل له بالمباشرة أو التقبيل.
وقد حكى ابن قدامة الإجماع على ذلك.
قال ابن قدامة: إذَا قَبَّلَ فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى، وَلَا يَخْلُو الْمُقَبِّلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يُنْزِلَ، فَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِذَلِكَ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْه
وَيُرْوَى بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا، وَقِيلَ بِالتَّسْكِينِ: الْعُضْوُ، وَبِالْفَتْحِ: الْحَاجَةُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُمْنِيَ فَيُفْطِرَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إيمَاءِ الْخَبَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ إنْزَالٌ بِمُبَاشَرَةٍ، فَأَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْجِمَاعِ دُونَ الْفَرْجِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يُمْذِيَ.
فَيُفْطِرَ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُفْطِرُ. … (المغني).
стр. 1525
(أَوْ أَمْذَى)
أي: إن باشر فأمذى فسد صومه أيضاً.
وهذا قول المالكية والحنابلة.
قالوا: إن المذي خارج تخلله الشهوة، خرج بالمباشرة، فأفسد الصوم كالمني. (المغني).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يفطر.
وهذا قول الحنفية، والشافعية، واختيار ابن تيمية.
أ-قالوا: بأنه خارج لا يوجب الغسل، فأشبه البول.
ب-أنه لم يوجد الجماع لا صورة ولا معنى.
(أو كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ).
أي: وإن كرر النظر إلى ما يثير الشهوة فأنزل منياً فإنه يفسد صومه.
لأنه إنْزَالٌ بِفِعْلٍ يَتَلَذَّذُ بِهِ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ، كَالْإِنْزَالِ بِاللَّمْسِ، وَالْفِكْرُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، بِخِلَافِ تَكْرَارِ النَّظَرِ. (المغني).
وقوله (فأنزل) فإن لم ينزل، فَلَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ. (المغني).
فائدة: ١
قوله (كرر) فيه أن من نظر نظرة واحدة فأنزل: أن صيامه صحيح، لأنه قيد الذي يفسد بأن يكرر، والسبب في أن صيامه صحيح: أن النظرة الأولى: جائزة. ولا يترتب على المأذون محذور.
وأما إذا لم يكرر النظر فإنه لا يفطر ولو أنزل - وهذا المذهب - لعدم إمكان التحرز منه.
стр. 1526
فائدة: ٢
أن من كرر النظر فأمذى فإن صيامه صحيح حتى عند الحنابلة.
فتبين أن الحنابلة يفرقون بين المذي الذي يكون سببه المباشرة وبين المذي الذي يكون سببه تكرار النظر.
فالمذي الأول: يفسد الصيام. والمذي الثاني: لا يفسد الصيام وهذا مما يضعف القول بإفساده في مسألة المباشرة.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَلَوْ أَمْذَى بِتَكْرَارِ النَّظَرِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لَا يُفْطِرُ بِهِ، لأِنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْفِطْرِ بِهِ، وَلا يمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى إِنْزَال الْمَنِيِّ، لِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُ فِي الأْحْكَامِ، فَيَبْقَى عَلَى الأْصْل.
فائدة: ٣
اختلف العلماء في إبطال الصوم بإنزال المني بالتفكر.
فأبطله المالكية، ولم يبطله جمهور العلماء، والظاهر أنهم لم يبطلوا به الصيام لأنه لا إرادة للعبد فيه، فهو شيء يأتي على الخاطر ولا
يمكن دفعه، أما مع تعمد التفكر والاسترسال به بقصد الإنزال: فلا فرق - حينئذٍ - بينه وبين تعمد النظر من أجل الإنزال، والجمهور يرون إبطال الصيام بتعمد النظر حتى الإنزال.
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذهب الحنفية والشافعية إلى: أن إنزال المني أو المذي عن نظر وفِكر لا يبطل الصيام، ومقابل الأصح عند الشافعية أنه: إذا اعتاد الإنزال بالنظر، أو كرر النظر فأنزل: يفسد الصيام.
وذهب المالكية والحنابلة إلى: أنَّ إنزال المني بالنظر المستديم يفسد الصوم؛ لأنه إنزال بفعل يتلذذ به، ويمكن التحرز منه.
стр. 1527
وأما الإنزال عن فكر: فيفسد الصوم عند المالكية، وعند الحنابلة لا يفسده لأنه لا يمكنه التحرز عنه" انتهى.
قال ابن قدامة: فَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ.
لقول النَّبِيِّ ﷺ (عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ).
وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْفِطْرِ بِهِ وَلَا إجْمَاعَ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ، وَلَا تَكْرَارِ النَّظَرِ، لِأَنَّهُ دُونَهُمَا فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ، وَإِفْضَائِهِ إلَى الْإِنْزَالِ، وَيُخَالِفُهُمَا فِي التَّحْرِيمِ إذَا تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِأَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ فِي زَوْجَةٍ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. (المغني).
(أَوْ حَجَمَ أوْ احْتَجَمَ وَظَهَرَ دَمٌ).
أي: ومن المفطرات الحجامة.
(حَجَمَ) غيره (أوْ احْتَجَمَ) طلب من يحجمه.
لحديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) رواه أبو داود.
وصححه ابن المديني، وابن عبد البر، وابن حزم.
قال العقيلي في الضعفاء: أصح الأحاديث في هذا الباب حديث شداد بن أوس.
وقال أيضاً: حديث شداد بن أوس صحيح في هذا الباب.
وقال إسحق بن راهويه: (هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة) ذكره الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى.
стр. 1528
ونقل في الفتح تصحيحه عن أحمد وابن خزيمة، وصححه ابن حبان أيضاً.
وقال النووي في المجموع: إسناده صحيح.
قال شيخ الإسلام: الأحاديث الواردة كثيرة قد بينها الأئمة الحفاظ.
وقال في المغني: حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) رواه عن النبي ﷺ أحد عشر نفساً.
وقال ابن كثير: فأما حديث (افطر الحاجم والمحجوم) فقد رواه جماعة من الصحابة نحو بضعة عشر صحابياً من طرق متعددة يشدُّ بعضها بعضاً، بل هي مفيدةٌ للقطع عند جماعةٍ من المحدِّثين ومتواترة عند آخرين، وإن كان قد تكلم في بعض تلك الطرق.
والقول بالفطر بالحجامة: هو مذهب الحنابلة، وهو من المفردات.
وهو قول علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان [ذكر ذلك في الفتح].
أ- للحديث السابق (أفطر الحاجم والمحجوم).
ب- أن أحاديث الفطر بالحجامة للصائم أشهر وأكثر وأقوى من الترخيص بها.
ج-أن أحاديث الفطر بالحجامة قولية وحديث احتجام النبي ﷺ فعل والقول مقدم على الفعل.
وذهب بعض العلماء: إلى عدم الفطر بها.
وهو مذهب الجمهور.
أ-لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
ب-ولما رواه أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال (نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه) قال الحافظ: إسناده صحيح.
ج-وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال (رخص للصائم بالحجامة والقبلة) رواه ابن خزيمة، وسنده صحيح إلى أبي سعيد وله حكم الرفع.
стр. 1529
وأجابوا عن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم):
أ- أنه منسوخ.
قال ابن حجر في الفتح: قال ابن عبد البر وغيره: فيه دليل على أن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ، لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع، وسبق ذلك الشافعي.
وقال ابن حزم: صح حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)، بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد (رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم) وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً.
ب- لأنهما كانا يغتابان.
لما أخرجه الطحاوي والدارمي عن ثوبان أنه ﷺ إنما قال (أفطر الحاجم والمحجوم) لأنهما كانا يغتابان.
ورد هذا: بأن في إسناده يزيد ابن معاوية وهو متروك، وحكم ابن المديني بأنه حديث باطل.
ج-وأجاب بعضهم بأن المراد (أفطر الحاجم والمحجوم) سيفطران باعتبار ما يؤول إليه الأمر.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلف هذا التأويل.
وقال البغوي: معنى (أفطر الحاجم والمحجوم) أي تعرضا للإفطار.
قال الشوكاني: وهذا أيضاً جواب متكلف.
ومن أحسن ما يستدل به على أن الحجامة لا تفطر: حديث ابن عباس السابق.
стр. 1530
فائدة:
العلة من الفطر بالحجامة:
قيل: تعبدية.
وقيل: العلة معقولة.
أما بالنسبة للمحجوم: فإن خروج الدم يوجب ضعف البدن وفتوره.
وأما بالنسبة للحاجم: فإنه قد يدخل إلى جوفه الدم.
(عامداً ذَاكِراً لِصَوْمِهِ فَسد لا ناسياً).
أي: أن هذه المفطرات التي سبقت يقع الإفطار بها بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون عالِمًا، فإن كان جاهلاً لم يُفطِر.
لقوله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيماً).
قال الشيخ ابن عثيمين: سواءٌ كان جاهِلاً بالْحُكْمَ الشَّرْعِيِّ، مِثْلُ أن يظُنَّ أنَّ هذا الشيءَ غير مُفَطِّرٍ فيَفْعَلَه أو جاهِلاً بالحَالِ أيْ بالْوقْتِ، مِثْلُ أن يظُنَّ أنَّ الْفَجْرَ لم يَطلُع فيأْكُلَ وهو طالِعٌ، أو يظنَّ أنَّ الشمسَ قد غَربَتْ فيأكلَ وهي لم تَغْرُب، فلا يُفْطِر في ذلك كلِّه.
الشرط الثاني: أن يكون مختاراً، فإن كان مكرهاً فصيامه صحيح.
الشرط الثالث: أن يكون ذاكراً، فإن كان ناسياً فصيامه صحيح.
стр. 1531
عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْه
وَلِلْحَاكِمِ (مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ) وَهُوَ صَحِيحٌ.
فائدة:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ. فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ. فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ).
الحديث دليل على أن من شرب أو أكل ناسياً لا يفسد صومه ولا كفارة.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وأبو حنيفة والشافعي وأحمد.
وهو الموافِقُ لقوله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) وقوله تعالى (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنا) وقد ثَبَتَ في الصحيح أنَّ الله أجاب هذا الدعاء.
وقال ﷺ (إِنَّ الله وَضَعَ عن أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسيانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يفسد الصوم ويجب القضاء.
وهو مذهب المالكية.
стр. 1532
واعتذروا عن العمل بحديث الباب بأمور:
أ-لم يرد في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع، ويرد هذا:
قوله (وهو صائم) نكرةٌ في سياق الشرط فَتَعُمّ كُلَّ صائم.
ولرواية الحاكم (من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء ولا كفارة).
ب-ورده بعضهم بكونه خبر واحد خالف القاعدة.
قال الشوكاني: وهو اعتذار باطل والحديث قاعدة مستقلة في الصيام، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا القليل، ولرد ما شاء ما شاء.
ج-وتأول بعضهم (فليتم صومه) أن المراد فليتم إمساكه من المفطرات.
فائدة: ٢
أنه لا فرق بين قليل الأكل وكثيره.
لما أخرجه أحمد عن أم إسحاق: (أنها كانت عند النبي ﷺ فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمة فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعتِ؟ فقال لها النبي ﷺ : أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك).
قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره.
فائدة: ٣
اختلف العلماء: هل يجب على من رأى من يأكل ويشرب في نهار رمضان أن يذكره أم لا؟ قولان للعلماء:
القول الأول: أنه يجب تذكيره.
واختار هذا القول الشيخ ابن باز وابن عثيمين.
لقوله ﷺ (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه). رواه مسلم
стр. 1533
القول الثاني: أنه لا يجب تذكيره.
لأنك تعلم علم اليقين أنه أكل أو شرب نسياناً ولم يرتكب حينئذٍ منكراً، وإنما أطعمه الله وسقاه.
والأول أرجح.
فائدة: ٤
اختلف العلماء في حكم من جامع في نهار رمضان ناسياً على قولين:
القول الأول: أنه لا يفسد صومه.
وهذا مذهب الحنفية والشافعية.
قال النووي: وأما المجامع ناسياً فلا يفطر ولا كفارة عليه، هذا هو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، ودليلنا أن الحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه.
واختار هذا القول ابن تيمية.
أ- لرواية (من أفطر في رمضان ناسياً … ) لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب أو جماع، وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في حديث الباب لكونهما الأغلب وقوعاً.
قال ابن دقيق العيد: تعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب، لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما، وذكر الغالب لا يقتضي عموماً.
ب-ولعموم قوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
ج - ولقوله (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).
د- قال النووي: ودليلنا أن الحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه.
стр. 1534
القول الثاني: أن عليه القضاء والكفارة.
وهو قول الحنابلة.
أ- لحديث المجامع في نهار رمضان - وسيأتي الحديث إن شاء الله - حيث أن النبي ﷺ لم يستفصل منه، هل كان عن عمد أو نسيان، وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول.
والراجح القول الأول.
والجواب عن دليل القول الثاني:
أن المجامع الذي جاء للنبي ﷺ كان متعمداً، ويدل لذلك الروايات، فقد جاء في بعضها (هلكت) وفي بعضها (احترقت).
قال ابن حجر: فدل على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم.
فائدة: ٥
قال ابن حجر: ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: (أن إنساناً جاء إلى أبي هريرة فقال: أصبحت صائماً فنسيت فطعمت، قال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت، قال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام).
(أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ، أوْ غُبَارٌ).
أي: فإنه لا يفطر بذلك.
لأنه ليس بمتعمد لذلك ولا بمختار، والشرط في المفطرات أن تكون على هيئة الاختيار.
стр. 1535
(أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)
أي: من فكر بجماع أو شهوة فأنزل منياً لم يفطر.
قال ابن قدامة: فَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ.
لقول النَّبِيِّ ﷺ (عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ).
وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ، وَلَا تَكْرَارِ النَّظَرِ، لِأَنَّهُ دُونَهُمَا فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ، وَإِفْضَائِهِ إلَى الْإِنْزَالِ.
(وقد تقدمت المسألة).
فائدة:
قال الشيخ ابن عثيمين: وعُلم من كلامه (فكر فأنزل) أنه لو حصل منه عمل فإنه يفطر بأن تدلك بالأرض حتى أنزل، أو حرك ذكره حتى أنزل، أو قبل زوجته حتى أنزل، أو ما أشبه ذلك فإنه يفطر.
(أوْ احْتَلَمَ).
الاحتلام اسم لما يراه النائم من الجماع، فيحدث معه إنزال المني غالباً.
فمن احتلم فلا يفسد صومه.
قال ابن قدامة: ولو احتلم لم يفسد صومه، لأنه عن غير اختيار منه. (المغني).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) لا أثر للاحتلام في الصوم، ولا يبطل به باتفاق، لقوله ﷺ (ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة والقيء والاحتلام).
ولأن فيه حرجاً، لعدم إمكان التحرز عنه إلا بترك النوم، والنوم مباح وتركه غير مستطاع، ولأنه لم توجد صورة الجماع، ولا معناه وهو الإنزال عن شهوة بمباشرة. انتهى.
стр. 1536
(أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ)
إذا استيقظ الإنسان من النوم ووجد في فيه طعام فلفظه وأخرجه لم يفسد صومه، وإن ابتلعه فسد صومه، لأنه قد أكل طعاماً.
فمَنْ أَصْبَحَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ؛ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ، فَازْدَرَدَهُ (ابتلعه).
فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ.
قال ابن قدامة: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الرِّيقَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ. (المغني).
وقال النووي: أجمع العلماء على أنه لا شيء على الصائم فيما يبلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على رده. (المجموع).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) ابْتِلَاعُ مَا بَيْنَ الأْسْنَانِ، إِذَا كَانَ قَلِيلاً، لَا يُفْسِدُ وَلَا يُفْطِرُ؛ لأِنَّهُ تَبَعٌ لِرِيقِهِ، وَلأِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى بَيْنَ الأْسْنَانِ، وَالاِحْتِرَازُ عَنْهُ مُمْكِنٌ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يُمْكِنُ لَفْظُهُ.
فَإِنْ لَفَظَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ازْدَرَدَهُ عَامِدًا، فَسَدَ صَوْمُهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
لأنه بَلَعَ طَعَامًا يُمْكِنُهُ لَفْظُهُ بِاخْتِيَارِهِ، ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَأَفْطَرَ بِهِ، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ الْأَكْلَ، وَيُخَالِفُ مَا يَجْرِي بِهِ الرِّيقُ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ. (المغني).
(أوْ اغْتَسَلَ).
فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه.
(أوْ تَمَضْمَضَ).
فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه.
(أو اسْتَنْشق).
فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه.
هذه المسائل حكمها واحد، فإذا وقع لم يفطر لعدم القصد.
стр. 1537
فائدة:
الاغتسال للصائم.
يباح للصائم أن يغتسل (يستحم) ولا أثر لذلك على صومه.
قال ابن قدامة: لا بأس أن يغتسل الصائم.
واستدل بما رواه والبخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ.
وروى أبو داود عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ الْعَطَشِ أَوْ مِنْ الْحَرِّ. صححه
الألباني في صحيح أبي داود.
قال عون المعبود: فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَجُوز لِلصَّائِمِ أَنْ يَكْسِر الْحَرّ بِصَبِّ الْمَاء عَلَى بَعْض بَدَنه أَوْ كُلّه، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْجُمْهُور وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْن الاغْتِسَال الْوَاجِبَة وَالْمَسْنُونَة وَالْمُبَاحَة اهـ.
وقال البخاري ﵀: بَاب اغْتِسَالِ الصَّائِمِ وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ ﵄ ثَوْبًا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ … وَقَالَ الْحَسَنُ لا بَأْسَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ.
قال الحافظ: قَوْلُهُ: (بَابٌ اِغْتِسَالُ الصَّائِمِ) أَيْ بَيَانُ جَوَازِهِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ: أَطْلَقَ الاغْتِسَالَ لِيَشْمَل الأَغْسَالَ الْمَسْنُونَةَ وَالْوَاجِبَة وَالْمُبَاحَة، وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ضَعْف مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ النَّهْي عَنْ دُخُول الصَّائِمِ الْحَمَّامَ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ اهـ. والله أعلم.
стр. 1538
(أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ).
أي: إذا بالغ الصائم في الاستنشاق - مع أنه مكروه للصائم - فإنه لا يفطر لعدم القصد.
صائم منهي عن المبالغة في الاستنشاق.
لقول النبي ﷺ للَقِيطِ بْنِ صَبِرَة ﵁ (أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) رواه أبو داود.
والحديث يدل على تجنب المبالغة في الاستنشاق حال الصوم حتى لا ينزل الماء إلى جوف الصائم من غير اختياره.
فلو تمضمض الصائم أو استنشق فنزل شيء من الماء إلى حلقه من غير قصدٍ منه فإنه لا يفطر.
لقول الله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ).
وهذا لم يتعمد قلبه فعل المفسد، فيكون صومه صحيحاً.
(وَمَنْ أَكَلَ شَاكّاً فِي طُلُوع الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ).
أي: من أكل أو شرب أو جامع شاكاً في طلوع الفجر [هل طلع الفجر أم لا فأكل] صح صومه.
قال ابن قدامة: وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْأَمْرَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَلَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الْفَجْرِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي.
وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنِ عُمَرَ، ﵃.
أ-لقول اللَّهِ تَعَالَى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ).
مَدَّ الْأَكْلَ إلَى غَايَةِ التَّبَيُّنِ، وَقَدْ يَكُونُ شَاكًّا قَبْلَ التَّبَيُّنِ، فَلَوْ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ لَحَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْت أَصْبَحْت.
ب- وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ زَمَانُ الشَّكِّ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ يَقِينُ زَوَالِهِ، بِخِلَافِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ، فَبَنَى عَلَيْهِ. (المغني).
стр. 1539
فائدة:
إذا أكل أو شرب ثم تبين له أن أكله كان بعد طلوع الفجر.
فالجمهور على أنه يلزمه القضاء.
واختار ابن تيمية لا يلزمه القضاء، وستأتي المسألة إن شاء الله.
(لَا إِنْ أَكَلَ شَاكّاً في غُرُوبِ الشَّمْسِ).
أي: فلا يصح صومه، لأن الأصل بقاء النهار.
فائدة: ١
لكن يجوز الفطر بغلبة الظن، بمعنى أنه إذا غلب على ظنه أن الشمس غربت فله الفطر.
ويدل لذلك: حديث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ).
ومعلوم أنهم لم يفطروا عن علم، لأنهم لو أفطروا عن علم ما طلعت الشمس، لكن أفطروا بناءً على غلبة الظن أنها غابت، ثم انجلى الغيم فطلعت الشمس
فائدة: ٢
اختلف العلماء: من أكل شاكاً في طلوع الفجر ثم تبين له أنه الفجر طلع - وكذلك من أكل ظاناً غروب الشمس، ثم تبين أنها لم تغرب، هل يجب القضاء أم لا على قولين:
القول الأول: يجب عليه القضاء.
وهذا قول جمهور العلماء.
стр. 1540
قال ابن قدامة: هذا قول أكثر أهل العلم من الفقهاء وغيرهم.
أ- عنَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، ﵄ قَالَتْ (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ (قِيلَ لِهِشَامٍ فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ قَالَ بُدٌّ مِنْ قَضَاء. رواه البخاري.
ب- ولقوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل).
وجه الدلالة: أن هذا لم يتمه.
القول الثاني: أنه لا يجب القضاء.
وهو مروي عن مجاهد والحسن، وقال به إسحاق وأحمد في رواية، والمزني، وابن خزيمة.
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵏ جميعاً.
قال ابن تيمية: وَإِنْ شَكَّ: هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ؟ أَوْ لَمْ يَطْلُعْ؟ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الطُّلُوعَ وَلَوْ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ نِزَاعٌ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ الثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ وَقَالَ بِهِ طَائِفَةٌ
واستدلوا:
أ- بحديث أَسْمَاء السابق قَالَتْ (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يأمرهم بالقضاء، ولو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل دل أنه لم يأمرهم به.
ب- أنه لم يقصد الأكل في الصوم، فلم يلزمه القضاء كالناسي.
قالوا: وقول هشام: لا بد من القضاء. قاله من عنده تفقهاً، ولم يقل: إن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء.
ولهذا قال الحافظ: وَأَمَّا حَدِيث أَسْمَاء فَلا يُحْفَظُ فِيهِ إِثْبَات الْقِضَاء وَلا نَفْيُهُ " انتهى.
стр. 1541
وقال الشيخ ابن عثيمين: فأفطروا في النهار بناء على أن الشمس قد غربت فهم جاهلون، لا بالحكم الشرعي، ولكن بالحال، لم يظنوا أن الوقت في النهار، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء، ولو كان القضاء واجباً لكان من شريعة الله، ولكان محفوظاً، فلما لم يحفظ، ولم ينقل عن النبي ﷺ فالأصل براءة الذمة، وعدم القضاء " انتهى.
وقول الجمهور أحوط.
(وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَان فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ، وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرجِ فأَنْزَلَ أَوْ كَانَتِ المرأةُ معذورةً أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ).
من المفطرات: الجماع في الفرج، والعلماء يجعلون له فصلاً خاصاً لأنه أعظم المفطرات تحريماً وأكثرها تفصيلاً.
فمن جامع في نهار رمضان فقد فسد صومه.
أ- لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل).
وجه الدلالة: أن الشارع علق حل الرفث إلى النساء وهو الجماع إلى تبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر وهو وقت بداية الصيام، ثم يجب إتمام الصيام والإمساك عن ذلك إلى الليل فإذا وجد الجماع قبل الليل فإن الصيام حينئذ لم يتم فيكون باطلاً.
стр. 1542
ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. قَالَ: " وَمَا أَهْلَكَكَ? " قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى اِمْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: " هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً? " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ? " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا? " قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِي اَلنَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: " تَصَدَّقْ بِهَذَا "، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا? فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك) متفق عليه.
وأجمع العلماء على ذلك:
قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم خلافاً، في أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل، أو دون الفرج فأنزل، أنه يفسد صومه إذا كان عامداً.
فائدة: ١
في الحديث: أن الوطء للصائم في نهار رمضان وهو صائم يعتبر من الكبائر، لقوله (هلكت) فأقره النبي ﷺ على أن فعله هذا مهلك
فائدة: ٢
من جامع في نهار رمضان وهو صائم فإنه يترتب عليه عدة أمور:
أولاً: الإثم.
ثانياً: فساد الصوم.
ثالثاً: وجوب الإمساك بقية يومه.
رابعاً: وجوب قضاء هذا اليوم. (وهذا مذهب جماهير العلماء).
خامساً: وجوب الكفارة المغلظة.
стр. 1543
فائدة: ٣
الحديث دليل على أن من جامع في نهار رمضان، فإنه تجب عليه الكفارة وهي:
عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
وهي على الترتيب، وهذا مذهب جمهور العلماء. (وسيأتي مباحثها إن شاء الله).
فائدة: ٤
لا تجب الكفارة لو جامع وهو صائم في قضاء رمضان، وإنما تجب الكفارة إذا جامع في نهار رمضان فقط.
فلو أن رجلاً جامع زوجته وهو يصوم رمضان قضاءً، فلا كفارة عليه، وذلك لأن وجوب الكفارة من أجل انتهاك الصوم في زمن محترم، وهو شهر رمضان.
قال ابن قدامة: ولا تجب الكفارة في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء. (المغني).
هو حرام الجماع في قضاء رمضان لكن لا يوجب الكفارة.
فائدة: ٥
لو جامع زوجته في نهار رمضان لكن الصوم غير واجب عليه، فليس عليه كفارة.
مثل: أن يكون هو وزوجته مسافرين وصائمين في السفر، ثم جامعها في نهار رمضان، فليس عليه كفارة، لأنه يباح له الفطر.
فائدة: ٦
الجماع الموجب للكفارة:
الجماع الموجب للكفارة هو إيلاج الذكر في الفرج قبلاً كان أو دبراً، فأما الإنزال بالمباشرة دون الفرج فإنه يفطر الصائم ويلحقه الإثم،
ولكنه لا يوجب الكفارة.
стр. 1544
الخلاصة: فتجب الكفارة بشروط:
أولاً: أن يكون هناك جماع، وهو الإيلاج، فإن حصل مباشرة أو تقبيل أو ضم ولو مع الإنزال فلا تجب الكفارة.
ثانياً: أن يكون الجماع في صيام رمضان، فإن جامع في غير صيام رمضان فلا تجب الكفارة (وقد تقدم).
ثالثاً: أن يكون الصوم أداءً، فلو جامع في صيام رمضان قضاء، فلا تجب الكفارة.
رابعاً: أن يكون الصوم واجباً عليه، فلو كان مسافراً وهو صائم في نهار رمضان وجامع فلا تجب عليه الكفارة، لأن المسافر يحل له الفطر.
فائدة: ٧
اختلف العلماء: هل على المرأة كفارة أم لا على قولين:
القول الأول: ليس عليها كفارة.
وهو قول الشافعية.
أ-قال ابن حجر: واستدلوا بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة.
ب-وكذا قوله في المراجعة (هل تستطيع) و (هل تجد) وغير ذلك … ).
ج- واستدل الشافعية بسكوته ﷺ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة. (الفتح).
قال الماوردي: والدليل في هذا الخبر من وجهين:
أحدهما: أنّ الأعرابي إنما سأله عن فعل شارك فيه زوجته مع جهلها بحكمه، فاقتضى أن يكون جوابه حكمًا لجميع الحادثة.
والثاني: أنه لَمَّا كان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولم يُنقَل عنه أنه أمر المرأة بالكفارة ولا راسلها بإخراجها مع جهلها بالحكم فيها دلَّ على أنّ الكفارة لا تلزمها.
стр. 1545
وقال ابن دقيق العيد: إنّ النبي ﷺ لم يعلم المرأة بوجوب الكفارة عليها مع الحاجة إلى الإعلام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
القول الثاني: عليها الكفارة.
وهو مذهب الجمهور.
لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما خص بدليل.
قال ابن حجر: ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين.
وهذا القول هو الصحيح أن على المرأة الكفارة إلا إذا كانت مكرهة فلا شيء عليها.
وأما الجواب عن قول أصحاب القول الأول (وقت الحاجة):
قال الحافظ ابن حجر: وأجيب ممتنع الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكماً ما لم تعترف.
فائدة: ٨
اختلف العلماء: هل يجب على المجامع قضاء اليوم أم لا على قولين:
القول الأول: لا يجب عليه القضاء.
وهذا اختيار ابن تيمية ﵀.
لأن النبي ﷺ لم يأمره بالقضاء.
القول الثاني: يجب عليه قضاء هذا اليوم.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ- عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء).
следующие страницы →