← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وقال الشيخ ابن عثيمين: فأفطروا في النهار بناء على أن الشمس قد غربت فهم جاهلون، لا بالحكم الشرعي، ولكن بالحال، لم يظنوا أن الوقت في النهار، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء، ولو كان القضاء واجباً لكان من شريعة الله، ولكان محفوظاً، فلما لم يحفظ، ولم ينقل عن النبي ﷺ فالأصل براءة الذمة، وعدم القضاء " انتهى. وقول الجمهور أحوط. (وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَان فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ، وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرجِ فأَنْزَلَ أَوْ كَانَتِ المرأةُ معذورةً أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ). من المفطرات: الجماع في الفرج، والعلماء يجعلون له فصلاً خاصاً لأنه أعظم المفطرات تحريماً وأكثرها تفصيلاً. فمن جامع في نهار رمضان فقد فسد صومه. أ- لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل). وجه الدلالة: أن الشارع علق حل الرفث إلى النساء وهو الجماع إلى تبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر وهو وقت بداية الصيام، ثم يجب إتمام الصيام والإمساك عن ذلك إلى الليل فإذا وجد الجماع قبل الليل فإن الصيام حينئذ لم يتم فيكون باطلاً.

стр. 1542

ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. قَالَ: " وَمَا أَهْلَكَكَ? " قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى اِمْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: " هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً? " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ? " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا? " قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِي اَلنَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: " تَصَدَّقْ بِهَذَا "، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا? فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك) متفق عليه. وأجمع العلماء على ذلك: قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم خلافاً، في أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل، أو دون الفرج فأنزل، أنه يفسد صومه إذا كان عامداً. فائدة: ١ في الحديث: أن الوطء للصائم في نهار رمضان وهو صائم يعتبر من الكبائر، لقوله (هلكت) فأقره النبي ﷺ على أن فعله هذا مهلك فائدة: ٢ من جامع في نهار رمضان وهو صائم فإنه يترتب عليه عدة أمور: أولاً: الإثم. ثانياً: فساد الصوم. ثالثاً: وجوب الإمساك بقية يومه. رابعاً: وجوب قضاء هذا اليوم. (وهذا مذهب جماهير العلماء). خامساً: وجوب الكفارة المغلظة.

стр. 1543

فائدة: ٣ الحديث دليل على أن من جامع في نهار رمضان، فإنه تجب عليه الكفارة وهي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. وهي على الترتيب، وهذا مذهب جمهور العلماء. (وسيأتي مباحثها إن شاء الله). فائدة: ٤ لا تجب الكفارة لو جامع وهو صائم في قضاء رمضان، وإنما تجب الكفارة إذا جامع في نهار رمضان فقط. فلو أن رجلاً جامع زوجته وهو يصوم رمضان قضاءً، فلا كفارة عليه، وذلك لأن وجوب الكفارة من أجل انتهاك الصوم في زمن محترم، وهو شهر رمضان. قال ابن قدامة: ولا تجب الكفارة في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء. (المغني). هو حرام الجماع في قضاء رمضان لكن لا يوجب الكفارة. فائدة: ٥ لو جامع زوجته في نهار رمضان لكن الصوم غير واجب عليه، فليس عليه كفارة. مثل: أن يكون هو وزوجته مسافرين وصائمين في السفر، ثم جامعها في نهار رمضان، فليس عليه كفارة، لأنه يباح له الفطر. فائدة: ٦ الجماع الموجب للكفارة: الجماع الموجب للكفارة هو إيلاج الذكر في الفرج قبلاً كان أو دبراً، فأما الإنزال بالمباشرة دون الفرج فإنه يفطر الصائم ويلحقه الإثم، ولكنه لا يوجب الكفارة.

стр. 1544

الخلاصة: فتجب الكفارة بشروط: أولاً: أن يكون هناك جماع، وهو الإيلاج، فإن حصل مباشرة أو تقبيل أو ضم ولو مع الإنزال فلا تجب الكفارة. ثانياً: أن يكون الجماع في صيام رمضان، فإن جامع في غير صيام رمضان فلا تجب الكفارة (وقد تقدم). ثالثاً: أن يكون الصوم أداءً، فلو جامع في صيام رمضان قضاء، فلا تجب الكفارة. رابعاً: أن يكون الصوم واجباً عليه، فلو كان مسافراً وهو صائم في نهار رمضان وجامع فلا تجب عليه الكفارة، لأن المسافر يحل له الفطر. فائدة: ٧ اختلف العلماء: هل على المرأة كفارة أم لا على قولين: القول الأول: ليس عليها كفارة. وهو قول الشافعية. أ-قال ابن حجر: واستدلوا بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة. ب-وكذا قوله في المراجعة (هل تستطيع) و (هل تجد) وغير ذلك … ). ج- واستدل الشافعية بسكوته ﷺ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة. (الفتح). قال الماوردي: والدليل في هذا الخبر من وجهين: أحدهما: أنّ الأعرابي إنما سأله عن فعل شارك فيه زوجته مع جهلها بحكمه، فاقتضى أن يكون جوابه حكمًا لجميع الحادثة. والثاني: أنه لَمَّا كان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولم يُنقَل عنه أنه أمر المرأة بالكفارة ولا راسلها بإخراجها مع جهلها بالحكم فيها دلَّ على أنّ الكفارة لا تلزمها.

стр. 1545

وقال ابن دقيق العيد: إنّ النبي ﷺ لم يعلم المرأة بوجوب الكفارة عليها مع الحاجة إلى الإعلام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. القول الثاني: عليها الكفارة. وهو مذهب الجمهور. لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما خص بدليل. قال ابن حجر: ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين. وهذا القول هو الصحيح أن على المرأة الكفارة إلا إذا كانت مكرهة فلا شيء عليها. وأما الجواب عن قول أصحاب القول الأول (وقت الحاجة): قال الحافظ ابن حجر: وأجيب ممتنع الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكماً ما لم تعترف. فائدة: ٨ اختلف العلماء: هل يجب على المجامع قضاء اليوم أم لا على قولين: القول الأول: لا يجب عليه القضاء. وهذا اختيار ابن تيمية ﵀. لأن النبي ﷺ لم يأمره بالقضاء. القول الثاني: يجب عليه قضاء هذا اليوم. وهذا مذهب جمهور العلماء. أ- عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء).

стр. 1546

وجه الاستدلال: أن من استقاء عامداً وجب عليه القضاء بنص هذا الحديث، فيكون حكم المجامع في وجوب القضاء مثل حكمه. ب- واستدلوا أنه جاء عند أبي داود أن النبي ﷺ أمر المجامع بالقضاء فقال له (صم يوماً مكانه) وهذه الزيادة مختلف فيها، فقد ضعفها ابن تيمية، وممن أثبتها الحافظ ابن حجر، وبين أن لها أصلاً كما في الفتح. ج-واستدلوا: أن الصوم إذا شغلت به الذمة لم تبرأ إلا بالأداء، فإذا فات وقته وجب القضاء. د-واستدلوا بحديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال (فاقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء) رواه البخاري. وهذا القول هو الصحيح. فائدة: ٩ حكم من جامع في نهار رمضان ناسياً؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يفسد صومه. وهذا مذهب الحنفية والشافعية. قال النووي: وأما المجامع ناسياً فلا يفطر ولا كفارة عليه، هذا هو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، ودليلنا أن الحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه.

стр. 1547

واختار هذا القول ابن تيمية. أ- لرواية (من أفطر في رمضان ناسياً … ) لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب أو جماع، وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في حديث الباب لكونهما الأغلب وقوعاً. قال ابن دقيق العيد: تعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب، لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما، وذكر الغالب لا يقتضي عموماً. ب-ولعموم قوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا). ج - ولقوله (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان). د- قال النووي: ودليلنا أن الحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه. القول الثاني: أن عليه القضاء والكفارة. وهو قول الحنابلة. أ- لحديث المجامع في نهار رمضان، حيث أن النبي ﷺ لم يستفصل منه، هل كان عن عمد أو نسيان، وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول. ب- أن الصوم عبادة يفسدها الجماع، فاستوى عمده وسهوه. والراجح القول الأول. والجواب عن دليل القول الثاني: أن المجامع الذي جاء للنبي ﷺ كان متعمداً، ويدل لذلك الروايات، فقد جاء في بعضها (هلكت) وفي بعضها (احترقت). قال ابن حجر: فدل على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم.

стр. 1548

فائدة: ١٠ اختلف العلماء: هل تسقط الكفارة بالعجز والإعسار أم لا على قولين: القول الأول: تسقط بالعجز والإعسار. وهو أحد قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصحيح من المذهب، وقول الأوزاعي. أ- للحديث السابق. حيث قال ﷺ (أطعمه أهلك). وجه الاستدلال: قال ابن قدامة - في الاستدلال لهذا القول: بدليل أنّ الأعرابي لما دفع إليه النبي ﷺ التمر وأخبره بحاجته إليه قال (أطعمه أهلك)، ولم يأمر بكفارة أخرى. وقال النووي: واحتج لهذا القول بأنّ حديث هذا المجامع ظاهر بأنه لم يستقرَّ في ذمته شيء؛ لأنه أخبر بعجزه ولم يقل له رسول الله ﷺ إنّ الكفارة ثابتة في ذمته، بل أذن له في إطعام عياله. ب-القياس على زكاة الفطر، فإنه إذا عُدِمَهَا وقت الوجوب ثم وجدها فيما بعد؛ فإنه لا تجب عليه، لتعلقها بطهرة الصوم. قال ابن حجر: ويتأيد ذلك - يعني الاستدلال بحديث الأعرابي السابق - بصدقة الفطر، حيث تسقط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها، وهو هلال الفطر. ج - لعموم قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).

стр. 1549

القول الثاني: لا تسقط بالعجز بل تبقى في ذمته. وهو الظاهر من المذهب، والمالكية، والقول الثاني للشافعي، وهو الصحيح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، وهو اختيار الخطابي. أ- لحديث المجامع السابق. ووجه الاستدلال: أنّ الأعرابي لما أخبر رسول الله ﷺ بعجزه عن أجناس الكفارة لم يبيِّن له سقوطها عنه، بل أمر له بما يكفر به من التمر، فدلَّ على ثبوتها في ذمته وإن عجز عنها. قال ابن تيمية - عند ذكره لأدلة هذا القول -: ولأنّ الأعرابي لو سقطت الكفارة عنه لما أمره النبي ﷺ بالتكفير بعد أن أُتِيَ بالعَرَق، فإنه حين وجوب الكفارة كان عاجزاً. وقال النووي: وأمّا الحديث فليس فيه نفي استقرار الكفارة، بل فيه دليل لاستقرارها؛ لأنه أخبر النبي ﷺ بأنه عاجز عن الخصال الثلاث ثم أُتِيَ النبي ﷺ بعرق التمر فأمره بإخراجه في الكفارة، فلو كانت تسقط بالعجز لم يكن عليه شيء ولم يأمره بإخراجه، فدلَّ على ثبوتها في ذمته، وإنما أذن له في إطعام عياله لأنه كان محتاجًا ومضطرًّا إلى الإنفاق على عياله في الحال، والكفارة على التراخي فأذن له في أكله وإطعام عياله، وبقيت الكفارة في ذمته. ب- قياسًا على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات. وتُعُقب: بما قاله ابن قدامة: لا يصح القياس على سائر الكفارات؛ لأنه اطِّراح للنص بالقياس، والنص أولى. والراجح القول الأول.

стр. 1550

فائدة: ١١ حكم فيمن كرر الجماع في نهار رمضان؟ إن كرر الجماع فله أحوال: أ-إن كرر الجماع في يوم واحد، ولم يكفر، فكفارة واحدة، لأن الفعل واحد واليوم واحد. قال ابن قدامة: إذا جامع ثانياً قبل التكفير عن الأول، فإن كان في يوم واحد، فكفارة واحدة تجزئه بغير خلاف بين أهل العلم. ب-وإن جامع في يوم واحد مرتين، وقد كان كفّر عن الجماع الأول: فقيل: يلزمه كفارة ثانية. قالوا: لأن حرمة الزمن لا تزال باقية في حقه، لأنه يجب عليه الإمساك، فانتهكها بهذا الجماع. وقيل: لا شيء عليه. قال ابن قدامة: وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا شيء عليه بذلك الجماع. لأن الوطء في الثانية لم يصادفه صائماً، لأن صومه فسد في الجماع الأول. ج-إذا جامع في يومين أو أكثر، بأن جامع في: ١ رمضان، وفي: ٢ رمضان، وفي ٣ رمضان، فكم كفارة يلزمه؟ إن كان جامع في يومين وكان قد كفر عن اليوم الأول، فإنه يلزمه أن يكفر عن اليوم الثاني. قال ابن قدامة: بغير خلاف نعلمه. وإن كان لم يكفّر: قيل: يلزمه ٣ كفارات. قال ابن قدامة: وهو قول مالك، والليث والشافعي، وابن المنذر. قالوا: لأن كل يوم عبادة منفردة. وقيل: لا يلزمه إلا كفارة واحدة إذا لم يكفر عن الأول. لأنها كفارات من جنس واحد، فاكتفي فيها بكفارة واحدة، كما لو أحدث بأحداث متنوعة، فإنه يجزئه وضوء واحد. والراجح القول الأول.

стр. 1551

فائدة: ١٢ حكم من طلع عليه الفجر وهو يجامع؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن عليه الكفارة والقضاء. وهذا مذهب الحنابلة. قالوا: إن النزع جماع، ولأنه يتلذذ بالنزع، فيأخذ حكمه، والمجامع العامد يجب عليه القضاء والكفارة. القول الثاني: أن صومه صحيح. وهذا قول الجمهور من الحنفية، والشافعية وهو اختيار ابن تيمية. أ- قالوا: إن النزع ترك للجماع، وترك الشيء لا يكون محصلاً له، بل يكون اشتغالاً بضده، وعليه فلا يعتبر النزع جماعاً أصلاً. ب- بالقياس على ما لو حلف أن لا يلبس هذا الثوب وهو عليه، فبدأ بنزعه لم يحنث. ج- وبالقياس أيضاً على الغاصب إذا تاب وقد توسط الأرض المغصوبة، فهذا خروجه بنية تخليه المكان وتسليمه إلى مستحقه ليس منهياً عنه ولا محرماً. وهذا القول هو الراجح. فائدة: ١٣ الحديث دليل على أنه لا يشترط العلم بالعقوبة لإسقاط العقوبة، بل يكفي أن يعلم أنها حرام. فهذا الرجل لم يدر ما ذا يجب عليه، لكن يدري أن الجماع حرام، وعلمنا ذلك من قوله (هلكت). ويقاس على ذلك ما لو زنى رجل وهو يعلم أن الزنى حرام، ولكنه يجهل الحد الواجب فيه، لأن العلم بالعقوبة ليس بشرط.

стр. 1552

(وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرجِ فأَنْزَلَ أَوْ كَانَتِ المرأةُ معذورةً أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ). هذه مسائل: الأولى: من جامع دون الفرج فأنزل. فإنه يفطر بذلك: قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، فِي أَنَّ مَنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ، أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ إذَا كَانَ عَامِدًا وليس عليه كفارة. وهذا القول هو الصحيح. قال ابن قدامة: هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِغَيْرِ جِمَاعٍ تَامٍّ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ. وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَلَا نَصَّ فِي وُجُوبِهَا وَلَا إجْمَاعَ وَلَا قِيَاسَ. وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُوجِبُهَا مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، وَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ اثْنَا عَشَرَ حُكْمًا. وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ الْجِمَاعُ بِدُونِ الْإِنْزَالِ، وَالْجِمَاعُ هَاهُنَا غَيْرُ مُوجِبٍ، فَلَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارُهُ بِهِ. (المغني). فائدة: الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

стр. 1553

الثانية: أَوْ كَانَتِ المرأةُ معذورةً. بنسيان، أو إكراه، أو جهل. فإنها تفطر بذلك وعليها القضاء، ولا كفارة عليها. والراجح: أنه لا قضاء عليها ولا كفارة، ما دامت معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه. الثالثة: أو جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ. أي: إذا نوى المسافر الصوم، وفي أثناء النهار جامع زوجته. فهذا يفطر لأنه أفسد صومه بالجماع. ولا كفارة عليه، حيث لم ينتهك حرمة الصوم، لأنه ليس بواجب عليه. وإنما تجب الكفارة إذا جامع في نهار رمضان وهو مقيم. وسئل الشيخ ابن عثيمين: عن رجل جامع زوجته في نهار رمضان وهو مسافر؟ فأجاب: لا حرج عليه في ذلك؛ لأن المسافر يجوز له أن يفطر بالأكل والشرب والجماع، فلا حرج عليه في هذا ولا كفارة. ولكن يجب عليه أن يصوم يوماً عن الذي أفطره في رمضان. كذلك المرأة لا شيء عليها إذا كانت مسافرة مفطرة أم غير مفطرة في ذلك اليوم معه، أما إذا كانت مقيمة فلا يجوز له جماعها إن كانت صائمة فرضاً؛ لأنه يفسد عليها عبادتها ويجب عليها أن تمتنع منه" اهـ. (وَمَنْ جَامَعَ وَهُوَ مُعَافَى، ثُمَّ مَرِضَ، أوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ). يعني: رجل جامع زوجته أول النهار وهو معافى، ثم مرض مرضاً يبيح له الفطر. وكذا لو جامع زوجته أول النهار، ثم جن، وكذا لو جامعها أول النهار ثم سافر. فلا تسقط عنه الكفارة. لأن وجوب الكفارة سابق لزوال التكليف. لأنه كان حين الجماع، ممن لم يؤذن له بالجماع.

стр. 1554

قال ابن قدامة: وَإِذَا جَامَعَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ، أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً فَحَاضَتْ أَوْ نُفِسَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَمْ تَسْقُطْ الْكَفَّارَةُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَإِسْحَاقُ. لأنه مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يُسْقِطْهَا، كَالسَّفَرِ، وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ، فَاسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ عُذْر. (المغني). ولِأَنَّهُ صَل ﷺ لَمْ يَسْأَلْ الْأَعْرَابِيَّ: هَلْ طَرَأَ لَهُ بَعْدَ وَطْئِهِ مَرَضٌ أَوْ غَيْرُهُ؟ بَلْ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ لَسَأَلَ عَنْه. جاء في (الموسوعة الفقهية) اختَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَمَّنْ جَامَعَ فِي أَوَّل النَّهَارِ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ، أَوْ كَانَتِ امْرَأَةٌ فَحَاضَتْ أَوْ نُفِسَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْقَوْل الأْوَّل: عَدَمُ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِحُدُوثِ الْعَارِضِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْظْهَرِ، وَبِهِ قَال اللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو ثَوْر. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يُسْقِطْهَا كَالسَّفَرِ. وَبِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ، فَاسْتَقَرَّتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ عُذْرٌ. وَأَنَّهُ قَصَدَ هَتْكَ حُرْمَةِ الصَّوْمِ أَوَّلاً بِمَا فَعَل ثم ذكر القول الثاني. (انتهى من الموسوعة). (وَلَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ). هذه المسألة تقدم ذكرها، لكن ذكرتْ هنا لوجود الخلاف فيها. لكن الراجح كما هنا: أن الكفارة لا تجب إلا بأمرين: الأول: بالجماع. فلا تجب الكفارة في مفطر آخر غير الجماع. والثاني: أن يكون في صيام رمضان. فلا تجب الكفارة في قضاء رمضان.

стр. 1555

(وَهْيَ عِتْقُ رَقْبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِيِّنَ مِسْكِيناً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ). هذه كفارة الجماع في نهار رمضان: عِتْقُ رَقْبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِيِّنَ مِسْكِيناً. لحديث أبي هريرة - وقد تقدم - قال ﷺ للمجامع (هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً? " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ? " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا? " قَالَ: لا … ). فائدة: ١ قوله (عتق رقبة). يشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة، وهذا مذهب جماهير العلماء. أ-حملاً للمطلق هنا على المقيد في آية القتل (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ). ب-ولحديث الجارية (قال لها رسول الله: أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم. وجه الدلالة: أنه علل جواز إعتاقها عن الرقبة بأنها مؤمنة فدل على أنه لا يجزئ عن الرقبة التي عليه إلا مؤمنة. فائدة: ٢ قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) بأن لا يكون هناك عبيد، أو لا يملك ثمنها.

стр. 1556

فائدة: ٣ قوله (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ). o يجب التتابع في صيامهما، فلو أفطر بينهما يوماً واحداً من غير عذر استأنف من جديد. o فإن تخلل هذا القضاء شهر رمضان، فإنه يصوم رمضان ثم يكمل من اليوم الثاني من شوال. o إن تخلله فطر واجب كعيد الفطر أو الأضحى أو أيام التشريق لم ينقطع. o إن أفطر بعذر يبيح الفطر فإن التتابع لا ينقطع، أما إذا تحيل بالسفر على الفطر فإن التتابع ينقطع. فالخلاصة: أن التتابع في الصيام لا ينقطع في ثلاث مسائل: إذا انقطع التتابع بصوم واجب كرمضان. وإذا انقطع لفطر واجب كالعيدين وأيام التشريق. وإذا انقطع التتابع لعذر يبيح الفطر في رمضان. o إن أفطر لصوم مستحب انقطع التتابع. o المذهب: المعتبر بالشهرين الأهلة إذا ابتدأ من أول الشهر سواء كان ٣٠ يوماً أو كان ٢٩ يوماً. وإن ابتدأ من أثناء الشهر فالمعتبر العدد. مثال: رجل صام من (١) محرم، وكان محرم (٢٩) يوماً ينتهي الشهر، وكان مثلاً صفر (٢٩) يوماً فإنه يجزي ويكون صام (٥٨) يوماً. لكن إن صام من أثناء الشهر فالمعتبر العدد، فلو صام من اليوم (١١) من محرم، فإنه ينقضي الشهر الأول (١١) من صفر، ثم يشرع في (١٢) صفر وينقضي الشهر ب (١٢) من ربيع الأول. فيكون قد صام (٦٠) يوماً. والصحيح أن المعتبر بالشهرين الأهلة مطلقاً سواء صام من أول الشهر أو من أثنائه. فائدة: ٤ قوله (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِيِّنَ مِسْكِيناً). o لا يجوز أن يطعم إلا إذا كان عاجزاً عن الصيام لمرض لا يرجى برؤه. o يجزئ كل شيء يكون قوتاً للبلد، لأن الله تعالى قال (إطعام ستين مسكيناً) ولم يخصص من أي نوع، فيرجع ذلك إلى ما جرى به العرف. وهذا اختيار ابن تيمية. o الواجب إطعام ستين مسكيناً لا يجزئ أقل من ذلك، فمن أطعم واحداً [٦٠] يوماً لم يكن أطعم إلا واحداً فلم يتمثل الأمر.

стр. 1557

بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ (يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ). أي: يكره جمع ريقه فابتلاعه. للخروج من خلاف من قال بفطره. (الروض المربع). (أي: خلاف من قال إنه إذا فعل ذلك أفطر، فإن من العلماء من يقول: إن الصائم إذا جمع ريقه فابتلعه أفطر). ولإِمْكانِ التَّحَرُّزِ منه. (الشرح الكبير). وذهب بعض العلماء: إلى إنه لا يكره. قال الشيخ ابن عثيمين: لا بأس أن يبلع الصائم ريقه، لكن بعض العلماء قال يكره أنه يجمع الريق ثم يبتلعه، وأما بدون جمع، فإن الريق لا يضر سواء قل أم كثر على أنه لو جمعه وابتلعه فلا حرج عليه، فلا يفطر بذلك، لأنه لم يأكل ولم يشرب، والمحرم هو الأكل والشرب. … (نور ع الدرب). فائدة: قوله (جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ) لو بلع ريقه من غير جمع فإنه لا يكره. قال ابن قدامة: وَمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، كَابْتِلَاعِ الرِّيقِ لَا يُفَطِّرُهُ، لِأَنَّ اتِّقَاءَ ذَلِكَ يَشُقُّ، فَأَشْبَهَ غُبَارَ الطَّرِيقِ، وَغَرْبَلَةَ الدقيق. … (المغني). وقال في الشرح الكبير: لا يُفَطِّرُ ابْتِلاعُ الرِّيقِ إذا لم يَجْمَعْه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ غُبارَ الطّرِيقِ. وقال النووي: ابْتِلَاعُ الرِّيقِ لَا يُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ إذَا كَانَ عَلَى الْعَادَةِ، لِأَنَّهُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْه. (المجموع)

стр. 1558

(وَيَحْرُمُ بَلْعُ النُّخَامَةِ). أي: ويحرم - على الصائم وغير الصائم - بلع النخامة. لأنه مستقذر والأشياء المستقذرة لا يجوز للإنسان أن يبتلعها. (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ). أي: أن النخامة تفطر إلى وصلت إلى الفم فابتلعها. وهذا المذهب، وهو قول الشافعية. وذهب بعض العلماء: إلى أنها لا تفطر. لأنها لم تخرج من الفم، ولا يُعد بلعها أكلاً ولا شرباً. ورجحه الشيخ ابن عثيمين. فائدة: البلغم أو النخامة إذا لم تصل إلى الفم فإنها لا تفطر قولاً واحداً في المذهب. (وَيُكْرَهُ ذَوْقُ طَعَامٍ بِلَا حَاجِةٍ) أي: يكره للصائم أن يتذوق الطعام من غير حاجة، فإن كان لحاجة فلا يكره. وهذا المذهب، وهو مذهب الحنفية، والشافعية. أ- ورد عن بعض الصحابة ما يدل على جواز ذوق الطعام للصائم، ومن ذلك ما يلي: قول ابن عباس ﵄: لا بأس أن يتطعم القدر أو الشيء. و قول الحسن البصري: لا بأس أن يتطاعم الصائم العسل والسمن ونحوه ويمجه. قول مجاهد: لا بأس أن يتطعم الطعام من القدر.

стр. 1559

وجه الاستدلال: دلت هذه الآثار على جواز تذوق الطعام للصائم، وأنه لا بأس به، وهذا محمول على ما إذا كان هناك حاجة للتذوق لإصلاح الطعام ومعرفة نضجه. وأما في حال غير وجود الحاجة الداعية لذلك، يكون جائزاً مع الكراهة؛ لأنه يعتبر تعريض للصوم للفساد بلا عذر. ب- أن تذوق الطعام لا يأمن فيه عدم وصول المذوق للحلق، فمن الاحتراز وحفظ وصيانة الصوم كراهة فعل التذوق بلا حاجة داعية، ومع الحاجة والمصلحة يرخص فيه مع وجوب الاحتراز عند دخوله للحلق. فائدة: اختلف العلماء: إذا ذاق الصائم الطعام ثم وصل منه شيء إلى حلقه، هل يفسد صومه ويُفطر بذلك أو لا؟ على قولين: القول الأول: إذا ذاق الصائم الطعام ثم وصل منه شيء إلى حلقه فإنه يفطر بذلك. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقول للحنابلة. قالوا: لأن وصول الطعم إلى الحلق يفسد الصوم؛ لأنه قد دخل إلى ما لا يجوز دخوله إليه أثناء الصوم، وكذلك لا يعد ذوقاً بل يعتبر أنه قد أدخل الأكل إلى جوفه عن طريق الحلق. القول الثاني: إذا ذاق الصائم الطعام ثم وصل منه شيء إلى حلقه، فإنه لا يفسد صومه ولا يفطر بذلك. وهو مذهب الشافعية. ويمكن أن يستدل لهم بأنه إذا ثبت الإذن بالتذوق شرعاً، فما نتج عن المأذون فهو مأذون. الترجيح: الذي يظهر - والله أعلم - رجحان القول الأول وهو أن وصول طعم المذوق منه للحلق للصائم يفسد الصوم، خاصة إذا قصده؛ لقوة ما استدلوا به، ولورود المناقشة على القول الآخر. والله أعلم. (بحث في موقع الملتقى الفقهي).

стр. 1560

(وَمَضْغُ عِلْكٍ قَوِيّ). أي: ويكره للصائم مضغ علك قوي. (والقوي: هو اليابس الذي لا يتحلل). وهو الذي كلما مضغه صلب وقوي، لأنه يحلب البلغم، ويجمع الريق، ويورث العطش. (الروض). لأنه ربما يتسرب إلى بطنه شيء من طعمه إن كان له طعم، فإن لم يكن له طعم فلا وجه للكراهة. (الشرح الممتع). فائدة: أما العلك الذي يتحلل فيحرم مضغه إذا بلغ ريقه. جاء في (الروض المربع) (ويحرم) مضغ (العلك المتحلل) مطلقًا، إجماعًا، قاله في المبدع (إن بلع ريقه) وإلا فلا. (وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ). أي: وتكره القبلة للصائم إذا كانت تحرك شهوته. فإن كانت لا تحرك شهوته فلا تكره. فالقبلة للصائم على أنواع: جائزة مباحة: إذا كانت لا تحرك شهوته. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. مكروهة: إذا كانت تحرك شهوته. تحرم: إذا كان لا يأمن فساد صومه. (لا يأمن الإنزال).

стр. 1561

قال ابن قدامة: لَا يَخْلُو الْمُقَبِّلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَنْ لَا يُنْزِلَ. فَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِذَلِكَ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ. الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يُمْنِيَ فَيُفْطِرَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إيمَاءِ الْخَبَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ إنْزَالٌ بِمُبَاشَرَةٍ، فَأَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْجِمَاعِ دُونَ الْفَرْجِ الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يُمْذِي. (وتقدم هذا الكلام). ثم قال ابن قدامة: … إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمُقَبِّلَ إذَا كَانَ ذَا شَهْوَةٍ مُفْرِطَةٍ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا قَبَّلَ أَنْزَلَ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْقُبْلَةُ؛ لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِصَوْمِهِ، فَحَرُمَتْ، كَالْأَكْلِ. وَإِنْ كَانَ ذَا شَهْوَةٍ، لَكِنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنَّهُ ذَلِكَ، كُرِهَ لَهُ التَّقْبِيلُ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ صَوْمَهُ لِلْفِطْرِ، وَلَا يَأْمَنُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ. (المغني) فائدة: ذهب بعض العلماء إلى كراهة القبلة. وهو المشهور عند المالكية، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة لمباشرته. ونقل عن قوم تحريمها.

стр. 1562

لقوله تعالى (فالآن باشروهن) فمنع المباشرة في هذه الآية نهاراً. والجواب عن ذلك أن النبي ﷺ هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهاراً، فدل ذلك على أن المباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها. وفرق قوم بين الشاب والشيخ فكرهها للشاب دون الشيخ. لحديث عبد الله بن عمرو قال: (كنا عند النبي ﷺ فجاء شاب فقال: يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ قال: لا، فجاءه شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم، قال: فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله ﷺ : إن الشيخ يملك نفسه). رواه أبو داود وهذا الحديث ضعفه الحافظ ابن حجر وابن القيم، وقال: لا يصح التفريق بين الشاب والشيخ، ولم يجيء من وجه يثبت.

стр. 1563

فصل هذا الفصل في سنن الصيام. (وسُنَّ لِمَنْ شُتِمَ قَوْلُهُ: إِنِّي صَائِمٌ). أي: يسن للصائم أن يقول لمن شاتمه: اللهم إني صائم. لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال ﷺ (إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْماً صَائِماً فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ) متفق عليه. فائدة: اختلف العلماء هل يشرع أن يقولها في كل صيام أو يختص بالفرض دون النفل؟ في ذلك قولان. وأصح القولين: أنه يقولها العبد في الحالين جميعاً واختاره ابن تيمية وابن عثيمين. فائدة: ٢ اختلف العلماء: هل يقول (إني صائم) جهراً أم سراً؟ فَقِيلَ: يَقُولهُ بِلِسَانِهِ جَهْرًا يَسْمَعهُ الشَّاتِم وَالْمُقَاتِل فَيَنْزَجِر غَالِبًا. وَقِيلَ: لَا يَقُولهُ بِلِسَانِهِ، بَلْ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ؛ لِيَمْنَعَهَا مِنْ مُشَاتَمَتِهِ وَمُقَاتَلَتِهِ وَمُقَابَلَتِهِ وَيَحْرِص صَوْمَهُ عَنْ الْمُكَدِّرَات. قال ابن تيمية: وفيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل: يقول في نفسه فلا يرد عليه، وقيل: يقول بلسانه، وقيل: يفرق بين الفرض فيقول بلسانه والنفل يقول في نفسه، فإن صوم الفرض مشترك والنفل يخاف عليه من الرياء. والصحيح أنه يقول بلسانه كما دل عليه الحديث، فإن القول المطلق لا يكون إلا باللسان، وأما ما في النفس فمقيد كقوله (عما حدثت به أنفسها - ثم قال - ما لم تتكلم أو تعمل به) فالكلام المطلق إنما هو الكلام المسموع.

стр. 1564

وإذا قال بلسانه إني صائم بين عذره في إمساكه عن الرد، وكان أزجر لمن بدأه بالعدوان. … (منهاج النبوة). ومما يدل على الجهر بها: أ- حديث أبي هريرة السابق (فليقل: إني صائم .. ) فالقول المطلق لا يكون إلا باللسان. ب-ولأن مقصود هذه السنة زجر الشاتم، وهذا لا يتحقق إلا بإخباره، فإذا أسر قد يمضي في غيه، والمسلم يرتدع بطريق الديانة إذا علم أن صاحبه صائم. ج-أن من السنة تكرار هذا القول مرتين، لأنه أقرب إلى إمساك صاحبه عنه، والتكرار لا يتصور إلا بالقول اللساني. فائدة: ٣ الوارد أن يقول هذه الجملة مرتين (إني صائم، إني صائم). فائدة: ٣ أن المحفوظ في الألفاظ المروية عن النبي ﷺ دون ذكر (اللهم) فلا يشرع أن يقول: اللهم إني صائم. فائدة: ٤ لا يشرع للعبد أن يقول غير هذا القول إذا سب أو خوصم في صيامه، وأما ما ورد - كما عند ابن خزيمة وغيره - أن النبي ﷺ قال (وإن كنت قائماً فاجلس) فهذه اللفظة لا تثبت عن النبي ﷺ .

стр. 1565

(ويسن السحور). أي: ويسن للصائم أن يتسحر. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) متفق عليه. فهذا الحديث دليل على استحباب السحور. قال في المغني: ولا نعلم فيه خلافاً. (أي في استحبابه). وقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن السحور مندوب إليه. فائدة: ١ قوله (تسحروا) لم نقل بوجوبه لوجود الصارف عن ذلك، وهو وصال النبي ﷺ بأصحابه. قال البخاري: باب بركة السحور من غير إيجاب، لأن النبي ﷺ وأصحابه واصلوا ولم يذكر السحور. ويشير البخاري إلى حديث أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: وأيكم مثلي؟ إني يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا).

стр. 1566

فائدة: ٢ قوله ﷺ (بركة) هذه البركة تشمل: أولاً: اتباع السنة. ثانياً: مخالفة أهل الكتاب. ففي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر). ثالثاً: أن السحور يعطي الصائم قوة لا يمل معها الصيام. رابعاً: أنه يكون سبباً للانتباه من النوم في وقت السحر الذي هو وقت الاستغفار والدعاء، وفيه ينزل الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا. خامساً: مدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع. سادساً: الزيادة في النشاط. فائدة: ٣ يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب. فقد جاء عند أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ (السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين). ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة (تسحروا ولو بلقمة). وعند أبي داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (نعم سحور المؤمن التمر).

стр. 1567

(وتأخيره). أي: ويسن تأخير السحور. أ-لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر). متفق عليه زاد أحمد (وأخروا السحور). ب- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵄ قَالَ (تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلاةِ. قَالَ أَنَسٌ: قُلْت لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً) متفق عليه. (كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ) المراد بالأذان هنا الإقامة، فقد جاء في رواية للبخاري ( … فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى قُلْنَا لأَنَسٍ كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ قَالَ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً). فهذا الحديث يدل على أنه يستحب تأخير السحور إلى قبيل الفجر، فقد كان بين فراغ النبي ﷺ ومعه زيد من سحورهما، ودخولهما في الصلاة، قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية من القرآن، قراءة متوسطة لا سريعة ولا بطيئة، وهذا يدل على أن وقت الصلاة قريب من وقت الإمساك. والمراد بالأذان الإقامة، سميت أذاناً لأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة. قال ابن حجر: وهي قدر ثلث خمس ساعة، أي أربع دقائق. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لكنى قرأتها فبلغت نحو ست دقائق.

стр. 1568

(وتعجيل فطر). أي: ويسن تعجيل الفطر. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ) متفق عليه. ومعنى التعجيل: أنه بمجرد غياب قرص الشمس من الأفق يفطر. قال ابن دقيق العيد: في هذا الحديث رد على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم، ولعل هذا هو السبب في وجود الخير بتعجيل الفطر، لأن الذي يؤخره يدخل في فعل خلاف السنة. فائدة: ١ ثمرات تعجيل الفطر: أولاً: في تعجيل الإفطار اتباع هدي النبي ﷺ ، فقد كان يعجل الإفطار. عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كنا مع رسول الله في سفر وهو صائم، فلما غابت الشمس قال لبعض القوم: يا فلان، قم فاجدح لنا [أي اخلط السويق بالماء] فقال: يا رسول الله، لو أمسيت، قال: انزل فاجدح لنا، قال: إن عليك نهاراً، قال: انزل فاجدح لنا، فنزل فجدح لهم، فشرب النبي ﷺ ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا أفطر الصائم). متفق عليه ثانياً: تعجيل الفطر من أخلاق الأنبياء. قال أبو الدرداء: ثلاث من أخلاق الأنبياء: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة. رواه الطبراني ثالثاً: أن في تعجيل الفطور علامة أن الناس بخير. لحديث الباب. رابعاً: في تعجيل الفطور مخالفة لليهود والنصارى. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون). رواه أبو داود

стр. 1569

قال ابن حجر: وتأخير أهل الكتاب له أمد، وهو ظهور النجم، وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضاً بلفظ: (لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم) وفيه بيان العلة في ذلك. خامساً: في تعجيل الفطور تيسير على الناس، وبعد عن التنطع، وقد امتثل هذا الأدب الصحابة. قال البخاري: أفطر أبو سعيد حين غاب قرص الشمس. وقال عمرو بن ميمون: (كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطاراً، وأبطأهم سحوراً). رواه عبد الرزاق فائدة: ٢ يفطر الصائم أول ما تغرب الشمس. عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم). قوله (فقد أفطر الصائم) قال ابن حجر: أي دخل في وقت الفطر. ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطراً في الحكم لكون الليل ليس ظرفاً للصيام الشرعي، وقد رد ابن خزيمة هذا الاحتمال، وأومأ إلى ترجيح الأول. قال ابن حجر: ولا شك أن الأول أرجح. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون معناه: دخل في وقت الفطر.

стр. 1570

كما يقول العرب: أظهر: دخل في وقت الظهر. وأشهر: دخل في الشهر. وأنجد وأتهم: إذا دخل فيهما. أعني: الموضعين وعلى هذا: لا يكون فيه تعرض للوصال، لا بنفي ولا بإثبات. ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطرًا حكمًا. ومعنى هذا: أن زمان الليل يستحيل فيه الصوم الشرعي. (المفهم). وقال النووي: قَوْله ﷺ (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْل وَأَدْبَرَ النَّهَار وَغَابَتْ الشَّمْس فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم) مَعْنَاهُ: اِنْقَضَى صَوْمه وَتَمَّ، وَلَا يُوصَف الْآن بِأَنَّهُ صَائِم، فَإِنَّ بِغُرُوبِ الشَّمْس خَرَجَ النَّهَار وَدَخَلَ اللَّيْل، وَاللَّيْل لَيْسَ مَحِلًّا لِلصَّوْمِ. وَقَوْله ﷺ : (أَقْبَلَ اللَّيْل وَأَدْبَرَ النَّهَار وَغَرَبَتْ الشَّمْس) قَالَ الْعُلَمَاء: كُلّ وَاحِد مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَة يَتَضَمَّن الْآخَرَيْنِ وَيُلَازِمُهُمَا، وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون فِي وَادٍ وَنَحْوه بِحَيْثُ لَا يُشَاهِد غُرُوب الشَّمْس، فَيَعْتَمِد إِقْبَال الظَّلَّام وَإِدْبَار الضِّيَاء. وَاَللَّه أَعْلَم. فائدة: ٣ قوله (وتعجيل فطر) فيه أنه لا يسن الوصال. وقد جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنِ اَلْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ تُوَاصِلُ? قَالَ: " وَأَيُّكُمْ مِثْلِي? إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ". فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ اَلْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا اَلْهِلَالَ، فَقَالَ: " لَوْ تَأَخَّرَ اَلْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ " كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 1571

أ- تعريف الوصال: الوصال هو: صوم يومين فصاعداً من غير أكل وشرب بينهما. [قاله النووي]. وقال ابن قدامة: وهو أن لا يفطر بين اليومين بأكل ولا شرب. وقال القاضي عياض: هو متابعة الصوم دون الإفطار بالليل. وقال ابن الأثير: هو أن لا يُفْطِرَ يَوْمَيْن أو أيَّاماً. ب- اختلف العلماء في حكم الوصال على أقوال: القول الأول: أنه محرم. وهو مذهب الجمهور. قال ابن حجر: وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال. أ-لنهي النبي ﷺ عنه كما جاء في حديث الباب (نهى عن الوصال). ب-وفي رواية: (لا تواصلوا … ). ج-ولابن خزيمة: (إياكم والوصال). د-ومن الأدلة قوله ﷺ : (إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، فقد أفطر الصائم). قال الحافظ ابن حجر: إذ لم يجعل الليل محلاً لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر.

стр. 1572

القول الثاني: أنه جائز. قال الحافظ ابن حجر: وقد ذهب إلى جوازه مع عدم المشقة، عبد الله بن الزبير، وروي أن أبى شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً. أ-مواصلة النبي ﷺ بأصحابه ولو كان حراماً ما أقرهم على فعله. ب-إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي، فدل هذا على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم وإلا لما أقدموا عليه. ج-ومن الأدلة حديث عائشة قالت: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم). قال ابن حجر: ويدل على أنه ليس بمحرم ما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة قال (نهى النبي ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه) وإسناده صحيح، فإن الصحابي قد صرح بأنه ﷺ لم يحرم الوصال. القول الثالث: أنه جائز إلى السحر والمبادرة بالفطر أفضل. وهذا قول أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة. لحديث أبي سعيد عند البخاري قال: قال رسول الله ﷺ (لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر). ورجح هذا القول ابن القيم، وقال: وهذا القول أعدل الأقوال، أن الوصال يجوز من سحر إلى سحر، وهو أعدل الوصال وأسهله على الصائم.

стр. 1573

ج- الحكمة من النهي عن الوصال: أولاً: رحمة بهم، وإبقاء عليهم. وفي التنزيل (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ). وفي حديث عائشة ﵂ قالت (نَهَى رسول الله ﷺ عن الوصال رَحمة لهم) رواه البخاري ومسلم. ثانياً: النهي عن التعمّق والتكلّف. قال الإمام البخاري: باب الوصال. ومَن قال ليس في الليل صيام لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، ونهى النبي ﷺ عنه رحمة لهم وإبقاء عليهم، وما يُكْرَه مِن التَّعَمُّق. وفي حديث أنس ﵁: قال (وَاصَل النبي ﷺ آخر الشهر، وواصَل أناس مِن الناس، فبلغ النبي ﷺ فقال: لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالاً يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ) رواه البخاري ومسلم. ثالثاً: لِمَا فيه مِن ضعف القوة، وإنهاك الأبدان. قاله القرطبي. رابعاً: دَفْع الْملل. وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ). رواه البخاري ومسلم ولَما نَهى عن الوصال ﷺ قال (فَاكْلَفُوا مِنْ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ) متفق عليه. خامساً: يُنهَى عن الوصال مِن أجل مُخالفة أهل الكتاب. ولذلك كانت أكلة السَّحَر مِما يُخالَف به أهل الكتاب. سادساً: لِمَا في الوصال مِن تضييع الحقوق والتقصير فيها.

стр. 1574

وكان أبو الدرداء ﵁ يصوم النهار ويقوم الليل، فلمّا زاره سلمان ﵁ قال له سلمان: إن لربك عليك حقّا، ولنفسك عليك حقّا، ولأهلك عليك حقّا، فأعطِ كل ذي حق حقّه، فأتى أبو الدرداء النبيَّ ﷺ فذكر ذلك له. فقال النبي ﷺ : صدق سلمان. رواه البخاري. د-معنى قول النبي ﷺ (يطعمني ربي ويسقيني): اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ (يطعمني ربي ويسقيني): فقيل: هو على حقيقته. وضعفه النووي، فقال: لو كان حقيقة لم يكن مواصلاً. وضعفه ابن القيم، فقال: إنه غَلِطَ من قال: إنه كان يأكل ويشرب طعاماً وشراباً يتغذى به بدنه لوجوه: أحدهما: أنه قال (أظل عند ربي يطعمني ويسقيني) ولو كان أكلاً وشراباً لم يكن وصالاً ولا صوماً. الثاني: أن النبي ﷺ أخبرهم أنهم ليس كهيئتهم في الوصال، فإنهم إذا واصلوا تضرروا بذلك، وأما هو ﷺ فإنه إذا واصل لا يتضرر بالوصال، فلوا كان يأكل ويشرب لكان الجواب: وأنا أيضاً لا أواصل، بل آكل وأشرب، كما تأكلون وتشربون فلما قررهم: إنك تواصل، ولم ينكر عليهم، دلّ على أنه كان مواصلاً وأنه لم يكن أكلاً وشراباً يفطر الصائم. الثالث: أنه لو كان أكلاً وشراباً يفطر الصائم لم يصح الجواب بالفارق بينهم وبينه، فإنه حينئذٍ ﷺ هو وهم مشتركون في عدم الوصال، فكيف يصح الجواب بقوله: لست كهيئتكم. وقيل: يجعل الله فيه قوة الطاعم الشارب.

стр. 1575

ونسبه ابن حجر للجمهور. وقيل: أن المراد ما يغذيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح. ورجح هذا القول ابن القيم، وقال: وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان، ومن له أدنى تجربة وشوق، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه، والرضى عنه. (عَلَى رُطَبٍ، فَإِنْ عُدِمَ فَتَمْرٌ، فَإِنْ عُدِمَ فَمَاءٌ). أي: يسن كون الفطر يكون على رطب، فإن عدم الرطب فعلى تمر، فإن عدم الرطب والتمر فعلى ماء. لحديث أنس قال (كان رسول ﷺ يفطر على رطبات، فإن لم تكن فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسَوات من ماء) رواه الترمذي، وصححه الدارقطني. وجاء عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ اَلضَّبِّيِّ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. فائدة: ١ قوله (فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ) هذا الأمر بالحديث للاستحباب. ويدل لذلك حديث ابن أبي أوفى قال: (سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم، فلما غربت الشمس قال: انزل فاجدح لنا، قال: يا رسول الله، لو أمسيت … ).

стр. 1576

قوله (فاجدح) بالجيم ثم بالحاء، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له المجدح. قال ابن حجر: وشذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء. فائدة: ٢ الحكمة من الفطر على التمر: قال ابن القيم ﵀: وكان يحض على الفطر بالتمر، فإن لم يجد فعلى الماء، هذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة، أدعى إلى قبوله، وانتفاع القوى به، … وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان أولى بالظمآن الجائع، أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده. وقال الشوكاني: وإنما شرع الإفطار بالتمر لأنه حلو، وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم، وهذا أحسن ما قيل في المناسبة وبيان وجه الحكمة. (وقولُ ما وردَ). أي: ويسن أن يقول عند فطره ما ورد. عن ابن عمر قال (كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: " ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) رواه أبو داود. وقال ابن حجر في (التلخيص الحبير) قال الدارقطني: إسناده حسن ". وأما دعاء: " اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت " فقد رواه أبو داود وهو حديث مرسل، فهو ضعيف.

стр. 1577

فائدة: ١ وقد وردت أحاديث في فضل دعوة الصائم منها: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه البيهقي. وعن أبي أمامة مرفوعاً (لله عند كل فطر عتقاء) رواه أحمد. وعن أبي سعيد الخدري مرفوعاً (إن الله ﵎ عتقاء في كل يوم وليلية - يعني في رمضان - وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة) رواه البزار. وهذه الأحاديث اختلف العلماء في صحتها _ والله أعلم -. جاء في (الموسوعة الفقهية) أَمَرَ اللَّهُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ وَذَكَرَ إِكْمَال الْعِدَّةِ ثُمَّ قَال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ قَال ابْنُ كَثِيرٍ: فِي ذِكْرِهِ تَعَالَى هَذِهِ الآْيَةَ الْبَاعِثَةَ عَلَى الدُّعَاءِ مُتَخَلِّلَةً بَيْنَ أَحْكَامِ الصِّيَامِ إِرْشَادٌ إِلَى الاِجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ إِكْمَال الْعِدَّةِ بَل وَعِنْدَ كُل فِطْرٍ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لِلصَّائِمِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَة، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إِذَا أَفْطَرَ دَعَا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ ثُمَّ دَعَا، وَلِمَا رُوِيَ أَيْضًا: إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً مَا تُرَد. (انتهى). وقال النووي: يستحب للصائم أن يدعو في حَالِ صَوْمِهِ بِمُهِمَّاتِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا لَهُ وَلِمَنْ يُحِبُّ وَلِلْمُسْلِمِينَ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالْمَظْلُومُ ـ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ ـ وَهَكَذَا الرِّوَايَةُ حَتَّى بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ فَيَقْتَضِي اسْتِحْبَابُ دُعَاءِ الصَّائِمِ مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ إلَى آخِرِهِ، لِأَنَّهُ يُسَمَّى صَائِمًا فِي كُلِّ ذَلِك. (المجموع). فائدة: ٢ قال الشيخ ابن عثيمين: الدعاء يكون قبل الإفطار عند الغروب؛ لأنه يجتمع فيه انكسار النفس والذل وأنه صائم، وكل هذه أسباب للإجابة وأما بعد الفطر فإن النفس قد استراحت وفرحت وربما حصلت غفلة، لكن ورد دعاء عن النبي ﷺ لو صح فإنه يكون بعد الإفطار وهو: " ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله.

стр. 1578

باب قضاء رمضان (ومن أفطر برمضان فعليه القضاء). أي: يجب على من أفطر في رمضان لعذر السفر، أو مرض، أو حيض، أو نفاس، أن يقضي هذه الأيام بعد رمضان. أ- لقوله تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر). ب- وعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ (سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِى الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِى الصَّلَاةَ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْتُ لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّى أَسْأَلُ. قَالَتْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فُنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) متفق عليه. فائدة: فقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: امرأة عليها قضاء من رمضان، ولكنها شكت هل هي أربعة أيام أم ثلاثة، والآن صامت ثلاثة أيام فماذا يجب عليها؟ فأجاب: إذا شك الإنسان فيما عليه من واجب القضاء فإنه يأخذ بالأقل، فإذا شكَّت المرأة أو الرجل هل عليه قضاء ثلاثة أيام أو أربعة ؟ فإنه يأخذ بالأقل، لأن الأقل متيقن، وما زاد مشكوك فيه، والأصل براءة الذمة، ولكن مع ذلك: الأحوط أن يقضي هذا اليوم الذي شك فيه، لأنه إن كان واجباً عليه فقد حصلت براءة ذمته بيقين، وإن كان غير واجب فهو تطوع، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا " انتهى من "فتاوى نور على الدرب".

стр. 1579

(ويُسنُ القضاءُ على الفور). أي: أن الأفضل والمستحب أن يكون قضاء تلك الأيام فوراً. لقوله تعالى (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُم). وقوله أيضاً (أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات). وأسرع في إبراء الذمة. لكن لا يجب لذلك: لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إلاَّ فِي شَعْبَانَ). فهذا الحديث دليل على أن قضاء رمضان ليس على الفور بل هو على التراخي. قال ابن قدامة:. . . أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ صَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَلَهُ تَأْخِيرُهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ آخَرُ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَا أَقْضِيه حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ. قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقاً سواء كان لعذر أو لغير عذر لكن لا يجوز تأخيره عن شعبان. فائدة: الحديث دليل على أنه يجب قضاء رمضان قبل مجيء رمضان الثاني. قال الحافظ: يُؤْخَذ مِنْ حِرْصهَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَان أَنَّهُ لا يَجُوز تَأْخِير الْقَضَاء حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَان آخَرُ. جاء في (الموسوعة الفقهية): وقضاء رمضان يكون على التّراخي. لكن الجمهور قيّدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه، بأن يهلّ رمضان آخر، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان يكون عليّ الصّوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلاّ في شعبان، لمكان النّبيّ ﷺ ، كما لا يؤخّر الصّلاة الأولى إلى الثّانية ولا يجوز عند الجمهور تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر يأثم به، لحديث عائشة هذا (ولا يجوزُ إلى رمضانٍ آخرَ من غير عذرٍ).

стр. 1580

أي: لا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان من غير عذر. فمن أخر قضاء رمضان إلى ما بعد رمضان الثاني فله أحوال: الحالة الأولى: أن يؤخره بعذر. كأن يستمر مرضه أو سفره. فهنا يجب عليه القضاء فقط (فلا إثم ولا كفارة). الحالة الثانية: أن يؤخره بغير عذر. فعليه: أ-الإثم: لأنه إذا أخره إلى ما بعد رمضان صار كمن أخر فريضة إلى وقت الثانية من غير عذر، ومعلوم أنه لا يجوز تأخير صلاة الفريضة إلى وقت الثانية إلا لعذر. قال ابن قدامة: وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمْ تُؤَخِّرْهُ إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ أَمْكَنَهَا لَأَخَّرَتْهُ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ، كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ. ب-القضاء. ج-الكفارة: اختلف أهل العلم هل عليه كفارة أم لا؟ فقيل: عليه كفارة. وهذا مذهب، والشافعي، وأحمد. قال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ إطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ.
следующие страницы →