← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قوله (فاجدح) بالجيم ثم بالحاء، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له المجدح. قال ابن حجر: وشذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء. فائدة: ٢ الحكمة من الفطر على التمر: قال ابن القيم ﵀: وكان يحض على الفطر بالتمر، فإن لم يجد فعلى الماء، هذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة، أدعى إلى قبوله، وانتفاع القوى به، … وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان أولى بالظمآن الجائع، أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده. وقال الشوكاني: وإنما شرع الإفطار بالتمر لأنه حلو، وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم، وهذا أحسن ما قيل في المناسبة وبيان وجه الحكمة. (وقولُ ما وردَ). أي: ويسن أن يقول عند فطره ما ورد. عن ابن عمر قال (كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: " ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) رواه أبو داود. وقال ابن حجر في (التلخيص الحبير) قال الدارقطني: إسناده حسن ". وأما دعاء: " اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت " فقد رواه أبو داود وهو حديث مرسل، فهو ضعيف.

стр. 1577

فائدة: ١ وقد وردت أحاديث في فضل دعوة الصائم منها: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه البيهقي. وعن أبي أمامة مرفوعاً (لله عند كل فطر عتقاء) رواه أحمد. وعن أبي سعيد الخدري مرفوعاً (إن الله ﵎ عتقاء في كل يوم وليلية - يعني في رمضان - وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة) رواه البزار. وهذه الأحاديث اختلف العلماء في صحتها _ والله أعلم -. جاء في (الموسوعة الفقهية) أَمَرَ اللَّهُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ وَذَكَرَ إِكْمَال الْعِدَّةِ ثُمَّ قَال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ قَال ابْنُ كَثِيرٍ: فِي ذِكْرِهِ تَعَالَى هَذِهِ الآْيَةَ الْبَاعِثَةَ عَلَى الدُّعَاءِ مُتَخَلِّلَةً بَيْنَ أَحْكَامِ الصِّيَامِ إِرْشَادٌ إِلَى الاِجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ إِكْمَال الْعِدَّةِ بَل وَعِنْدَ كُل فِطْرٍ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لِلصَّائِمِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَة، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إِذَا أَفْطَرَ دَعَا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ ثُمَّ دَعَا، وَلِمَا رُوِيَ أَيْضًا: إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً مَا تُرَد. (انتهى). وقال النووي: يستحب للصائم أن يدعو في حَالِ صَوْمِهِ بِمُهِمَّاتِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا لَهُ وَلِمَنْ يُحِبُّ وَلِلْمُسْلِمِينَ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالْمَظْلُومُ ـ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ ـ وَهَكَذَا الرِّوَايَةُ حَتَّى بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ فَيَقْتَضِي اسْتِحْبَابُ دُعَاءِ الصَّائِمِ مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ إلَى آخِرِهِ، لِأَنَّهُ يُسَمَّى صَائِمًا فِي كُلِّ ذَلِك. (المجموع). فائدة: ٢ قال الشيخ ابن عثيمين: الدعاء يكون قبل الإفطار عند الغروب؛ لأنه يجتمع فيه انكسار النفس والذل وأنه صائم، وكل هذه أسباب للإجابة وأما بعد الفطر فإن النفس قد استراحت وفرحت وربما حصلت غفلة، لكن ورد دعاء عن النبي ﷺ لو صح فإنه يكون بعد الإفطار وهو: " ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله.

стр. 1578

باب قضاء رمضان (ومن أفطر برمضان فعليه القضاء). أي: يجب على من أفطر في رمضان لعذر السفر، أو مرض، أو حيض، أو نفاس، أن يقضي هذه الأيام بعد رمضان. أ- لقوله تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر). ب- وعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ (سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِى الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِى الصَّلَاةَ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْتُ لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّى أَسْأَلُ. قَالَتْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فُنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) متفق عليه. فائدة: فقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: امرأة عليها قضاء من رمضان، ولكنها شكت هل هي أربعة أيام أم ثلاثة، والآن صامت ثلاثة أيام فماذا يجب عليها؟ فأجاب: إذا شك الإنسان فيما عليه من واجب القضاء فإنه يأخذ بالأقل، فإذا شكَّت المرأة أو الرجل هل عليه قضاء ثلاثة أيام أو أربعة ؟ فإنه يأخذ بالأقل، لأن الأقل متيقن، وما زاد مشكوك فيه، والأصل براءة الذمة، ولكن مع ذلك: الأحوط أن يقضي هذا اليوم الذي شك فيه، لأنه إن كان واجباً عليه فقد حصلت براءة ذمته بيقين، وإن كان غير واجب فهو تطوع، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا " انتهى من "فتاوى نور على الدرب".

стр. 1579

(ويُسنُ القضاءُ على الفور). أي: أن الأفضل والمستحب أن يكون قضاء تلك الأيام فوراً. لقوله تعالى (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُم). وقوله أيضاً (أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات). وأسرع في إبراء الذمة. لكن لا يجب لذلك: لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إلاَّ فِي شَعْبَانَ). فهذا الحديث دليل على أن قضاء رمضان ليس على الفور بل هو على التراخي. قال ابن قدامة:. . . أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ صَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَلَهُ تَأْخِيرُهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ آخَرُ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَا أَقْضِيه حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ. قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقاً سواء كان لعذر أو لغير عذر لكن لا يجوز تأخيره عن شعبان. فائدة: الحديث دليل على أنه يجب قضاء رمضان قبل مجيء رمضان الثاني. قال الحافظ: يُؤْخَذ مِنْ حِرْصهَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَان أَنَّهُ لا يَجُوز تَأْخِير الْقَضَاء حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَان آخَرُ. جاء في (الموسوعة الفقهية): وقضاء رمضان يكون على التّراخي. لكن الجمهور قيّدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه، بأن يهلّ رمضان آخر، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان يكون عليّ الصّوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلاّ في شعبان، لمكان النّبيّ ﷺ ، كما لا يؤخّر الصّلاة الأولى إلى الثّانية ولا يجوز عند الجمهور تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر يأثم به، لحديث عائشة هذا (ولا يجوزُ إلى رمضانٍ آخرَ من غير عذرٍ).

стр. 1580

أي: لا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان من غير عذر. فمن أخر قضاء رمضان إلى ما بعد رمضان الثاني فله أحوال: الحالة الأولى: أن يؤخره بعذر. كأن يستمر مرضه أو سفره. فهنا يجب عليه القضاء فقط (فلا إثم ولا كفارة). الحالة الثانية: أن يؤخره بغير عذر. فعليه: أ-الإثم: لأنه إذا أخره إلى ما بعد رمضان صار كمن أخر فريضة إلى وقت الثانية من غير عذر، ومعلوم أنه لا يجوز تأخير صلاة الفريضة إلى وقت الثانية إلا لعذر. قال ابن قدامة: وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمْ تُؤَخِّرْهُ إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ أَمْكَنَهَا لَأَخَّرَتْهُ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ، كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ. ب-القضاء. ج-الكفارة: اختلف أهل العلم هل عليه كفارة أم لا؟ فقيل: عليه كفارة. وهذا مذهب، والشافعي، وأحمد. قال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ إطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ.

стр. 1581

وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. أ- ولما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: أَطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُمْ. ب- وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ صَوْمِ رَمَضَانَ عَنْ وَقْتِهِ إذَا لَمْ يُوجِبْ الْقَضَاءَ، أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ. (المغني). وقيل: لا كفارة عليه. وهذا مذهب أبي حنيفة. لأن الله قال ( … فعدة من أيام أخر) فلم يوجب إلا الصيام. ولم يرد دليل على إيجاب الكفارة. وهذا القول اختاره الإمام البخاري ﵀، قال في صحيحه: قَالَ إِبْرَاهِيمُ -يعني: النخعي-: إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلا وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ. ثم قال البخاري: وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ الإِطْعَامَ، إِنَّمَا قَالَ: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). ا. هـ والأول أحوط. (ولا يصح ابتداء تطوعٍ من عليه قضاء رمضان). أي: لا يصح أن يصوم الإنسان تطوعاً وعليه قضاء من رمضان. وهذا المذهب. لحديث هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال (من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه، ومن صام تطوعا وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه). وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز ذلك.

стр. 1582

وهذا مذهب الأئمة الثلاثة. أ- لقول الله تعالى: (ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) ولم يقيد الله تعالى القضاء بالاتصال برمضان ولا بالتتابع ب-ولحديث عائشة السابق قالت (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) متفق عليه. ج-أن قضاء رمضان موسع، ومن المقرّر عند الفقهاء: أن الواجب الموسّع يجوز الاشتغال بالتطوع من جنسه قبل الاشتغال به. قال ابن رجب في القواعد: "القاعدة الحادية عشرة: من عليه فرض، هل له أن يتنفّل قبل أدائه بجنسه أم لا؟ هذا نوعان: أحدهما: العبادات المحضة، فإن كانت موسّعة جاز التنفّل قبل أدائها كالصلاة بالاتفاق، وقبل قضائها أيضاً كقضاء رمضان على الأصح. وقال ابن قدامة معلِّلاً سبب الجواز: لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع بها في وقتها قبل فعلها. (ومن مات وعليه صيام صام عنه وليه). أي: إذا مات الإنسان وعليه صيام، فإنه يستحب لوليه أن يقضيه عنه. لحديث عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) متفق عليه. فإن قيل: متى يكون على الميت صيام؟ ويكون عليه صيام إذا تمكن منه فلم يفعل، أما إذا لم يتمكن فليس عليه صيام.

стр. 1583

مثال: إنسان نذر أن يصوم [٣] أيام، ثم مات من يومه، فهذا ليس عليه شيء لأنه لم يتمكن منه. مثال آخر: إنسان مرض في: ٢٠ رمضان فأفطر، وتواصل به المرض شهر شوال وشهر ذي القعدة، ثم مات، فهذا ليس عليه صوم، فلا يقضى عنه، لأنه لم يمر عليه أيام يتمكن منها القضاء. (الشيخ ابن عثيمين). قال الشيخ ابن عثيمين: ومفهوم الحديث أن من مات ولا صيام عليه لم يُصم عنه، وقد علمت مما سبق أن المريض إذا استمر به المرض لم يجب عليه الصوم أداء ولا قضاء في حال استمرار مرضه. وقال ابن قدامة: وجملة ذلك أن من مات وعليه صيام من رمضان لم يَخلُ من حالين: أحدهما: أن يموت قبل إمكان الصيام، إما لضيق الوقت، أو لعذر من مرض، أو سفر، أو عجز عن الصوم: فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم … ثم ذكر الحالة الثانية. وقال النووي: فرع في مذاهب العلماء فيمن مات وعليه صوم فاته بمرض، أو سفر، أو غيرهما من الأعذار، ولم يتمكن من قضائه حتى مات: ذكرنا أن مذهبنا لا شيء عليه، ولا يصام عنه، ولا يطعم عنه، بلا خلاف عندنا. وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور، قال العبدري: وهو قول العلماء كافةً إلا طاوساً وقتادة. (المجموع). جاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) السؤال: كانت والدتي مريضة في شهر رمضان عام ٩٧ هـ ولم تستطع صيام ثمانية أيام منه، وتوفيت بعد شهر رمضان بثلاثة أشهر، فهل أصوم عنها ثمانية الأيام، وهل يمكن تأجيلها إلى ما بعد رمضان ٩٨ هـ أو أتصدق عنها؟ فكان الجواب: إذا كانت والدتك شفيت بعد شهر رمضان الذي أفطرت فيه ثمانية أيام، ومر بها قبل وفاتها وقت تستطيع القضاء فيه، وماتت ولم تقض، استحب لك أو لأحد أقاربها صيام ثمانية الأيام عنها؛ لقوله ﵊: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) متفق عليه، ويجوز تأجيل صيامها، والأَوْلى المبادرة به مع القدرة.

стр. 1584

أما إن كان المرض استمر معها، وماتت ولم تقدر على القضاء، فلا يُقضَى عنها لعدم تمكنها من القضاء، لعموم قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) " انتهى. فائدة: ١ اختلف العلماء: هل يشرع القضاء عن الميت على أقوال؟ القول الأول: أنه يقضى عنه النذر فقط. وهو قول أحمد وإسحاق. قال الحافظ: وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: لا يصام عنه إلا النذر، وأما رمضان فيطعم عنه. حملاً للعموم الذي في حديث عائشة (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) على المقيد في حديث ابن عباس. ففي حديث ابن عباس أن امرأة قالت (إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ. أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ). القول الثاني: يصام عن الميت النذر والواجب بأصل الشرع. وهذا مذهب أبي ثور، وأهل الحديث، ونصره ابن حزم، واختاره ابن تيمية والشيخ السعدي. ورجحه النووي، وقال: وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي نَعْتَقِدُهُ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ مُحَقِّقُو أَصْحَابنَا الْجَامِعُونَ بَيْن الْفِقْه وَالْحَدِيث لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة. أ- للحديث السابق (من مات … ). ب- ولحديث بريدة قال (بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال : صومي عنها) رواه مسلم.

стр. 1585

وجه الدلالة: أن عموم حديث عائشة يتناول رمضان وغيره، وفي حديث بريدة لم يستفصل من السائل عن هذا الشهر: هل هو رمضان أو غيره، ولو كان هناك فرق في الحكم لوجب الاستفسار أو بينه، فلما سكت عنه ﷺ دل على اتحاد الحكم. قال البيهقي عن حديث بريدة: فهذا الحديث قد صحَّ، وهو صريح في جواز الصوم عن الميت بعيدٌ من التأويل. وقال الشوكاني عن حديث (من مات وعليه صوم): فيه دليل على أنه يصوم الولي عن الميت إذا مات وعليه صوم، أيّ صوم كان. ج- ما ذكره ابن تيمية: أنه إذا جاز الإطعام عنه وهو ليس من جنس الصيام، فالصيام من باب أولى، لأنه أقرب إلى المماثلة. القول الثالث: لا يصام عن الميت مطلقاً. وهذا مذهب الجمهور. قال النووي: وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَام عَنْ مَيِّت لَا نَذْر وَلَا غَيْره، حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، وَرِوَايَة عَنْ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره: هُوَ قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء. وقال الحافظ ابن حجر: وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت. أ- لحديث ابن عمر. أن رسول الله ﷺ قال (من مات وعليه صوم رمضان، فليطعم عن كل يوم مسكيناً) رواه الترمذي (حديث ضعيف) ب-لقول ابن عباس (لا يصلِّ أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد). أخرجه النسائي ج-ولقول عائشة (لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم). أخرجه عبد الرزاق. قالوا: فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه، دلّ ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه.

стр. 1586

قال ابن حجر: وهذه قاعدة لهم معروفة، إلا أن الآثار المذكورة عن عائشة وعن ابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام إلا الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جداً، والراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه. والراجح القول الثاني، وأنه يصام عنه الواجب بأصل الشرع والنذر. • بماذا أجاب الجمهور عن حديث عائشة (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)؟ قالوا المراد بقوله (صام عنه وليه) أي يفعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام. قال النووي: وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، بَلْ بَاطِلٌ، وَأَيُّ ضَرُورَةٍ إِلَيْهِ وَأَيُّ مَانِع يَمْنَع مِنْ الْعَمَل بِظَاهِرِهِ مَعَ تَظَاهُرِ الْأَحَادِيثِ، مَعَ عَدَم الْمُعَارِض لَهَا، قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابنَا: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ صَلَاةٌ فَائِتَة، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُصَام عَنْ أَحَد فِي حَيَاته، وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي الْمَيِّت. وقال الشوكاني: وهو عذر بارد لا يتمسك به منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة. • ما الجواب عن حديث ابن عمر (من مات وعليه صوم رمضان، فليطعم عن … )؟ الجواب عنه: أنه حديث لا يصح. قال الترمذي: لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ والصحيح عن ابن عمر موقوف قوله. وقال ابن حجر: قال الدارقطني: المحفوظ وقفه على ابن عمر. وقال البيهقي: هذا خطأ من وجهين؛ أحدهما: رفعه الحديث إلى النبي ﷺ وإنما هو قول ابن عمر. وقال النووي: ليس بثابت.

стр. 1587

فائدة: ٢ الأمر بالحديث (فليصم عنه وليه) ليس للوجوب عند جمهور العلماء، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادّعوا الإجماع على ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن بعض أهل الظاهر أوجبه، فلعله لم يعتد بكلامهم على قاعدته. الدليل على أنه غير واجب: أ- أننا لو قلنا بالوجوب للزم أن يأثم الولي إذا لم يصم، والله يقول (ولا تزر وازرة وزر أخرى). ب- أن النبي ﷺ شبهه بالديْن، كما قال ﷺ للمرأة (أرأيتِ لو كان على أمكِ ديْنٌ أكنتِ قاضيَتَه؟. . . فقال: صومي) ومن المعلوم أن الوارث لا يجب عليه قضاء ديْن مورثه. فائدة: ٣ اختلف العلماء في المراد بالولي في قوله (صام عنه وليه): فقيل: كل قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل: عصبه، والأول أرجح. قال النووي: وَالْمُرَاد بِالْوَلِيِّ الْقَرِيب، سَوَاء كَانَ عَصَبَةً أَوْ وَارِثًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَقِيلَ: الْمُرَاد الْوَارِث، وَقِيلَ: الْعَصَبَة، وَالصَّحِيح الْأَوَّل. وقال في الفتح: واختلف في المراد بقوله (وليه) فقيل: كل قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل: عصبته، والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها. فائدة: ٤ يجوز أن يقضيه عن الميت أجنبي. قال النووي: ولا فرق بين أن يقضيه عنه وارث أو غيره، فيبرأ به بلا خلاف. فائدة: ٥ لا يشترط التتابع في القضاء، فيجوز متتابعاً ويجوز متفرقاً. فائدة: ٦ هل يجوز إذا كان للميت عدد من الأولياء أن يتقاسموا أيام الصيام التي على مورثهم، ويصوم كل واحد منهم قسماً منها سواء كانوا رجالاً أو نساءً أو من الصنفين؟ نعم يجوز، (هذا ما لم يشترط فيه التتابع كالكفارة، فإنه لا يجوز أن يصوموا جميعاً).

стр. 1588

باب صيام التطوع (يسن صوم التطوع). أي: يسن الإكثار من صيام التطوع. وقد تقدم في أول الباب الأحاديث التي تدل على فضل الصيام. (وأفضلُه صوم يوم وإفطار يوم). أي: أفضل صيام التطوع صوم يوم وإفطار يوم. لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُد. وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُد. كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ. وَيَنَامُ سُدُسَهُ. وَكَانَ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً) متفق عليه. وعنه (أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاَللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقَالَ: فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ. وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ. قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ. قُلْتُ: أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً. فَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ دَاوُد. وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ. فَقُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) متفق عليه. وإنما كان ذلك أعدل الصيام، وأحبه إلى اللَّه تعالى، لأن فاعله يُؤَدِّي الحقوق الواجبة عليه، كما تقدّم قريبًا، بخلاف من يصوم الدهر، أي يتابع الصوم، ويسرده، فإنه يفوّت بعض الحقوق، وقد لا يشقّ عليه باعتياده، فلا يحصّل المقصود من قمع النفس، نظير ما قاله الأطبّاء من أن المرض إذا تعوّد عليه البدنُ لم يَحتَج إلى دواء.

стр. 1589

قال القرطبي: قوله (وهو أعدل الصيام) من جهة حفظ القوة، ووجدان صوم مشقة العبادة، وإذا كان أعدل في نفسه فهو عند الله أفضل وأحب. قال في الفتح: في رواية عند البخاري (أحب الصيام إلى الله صيام داوود) يقتضي ثبوت الأفضلية مطلقاً، ورواه مسلم والترمذي بلفظ (أفضل الصيام صيام داود) ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة. فائدة: ١ قال ابن رجب: قوله ﷺ في حق داود ﵇ (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى) يشير إلى أنه كان لا يضعفه صيامه عن ملاقاة عدوه ومجاهدته في سبيل الله. فائدة: ٢ هذا الصوم - صوم يوم وإفطار يوم - مشروط بما إذا لم يضيع ما أوجب الله عليه. ففي حديث عبد الله بن عمرو السابق (. . . فَصُمْ يَوماً وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ)) قُلْتُ: فَإنِّي أُطِيقُ أفضَلَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: ((فَصُمْ يَوماً وَأفْطِرْ يَوماً فَذلِكَ صِيَامُ دَاوُد ﷺ ، وَهُوَ أعْدَلُ الصيامِ)). وفي رواية: ((هُوَ أفْضَلُ الصِّيامِ)) فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطيقُ أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : ((لا أفضَلَ مِنْ ذلِكَ))، وَلأنْ أكُونَ قَبِلْتُ الثَّلاثَةَ الأَيّامِ الَّتي قَالَ رَسُول الله ﷺ أحَبُّ إليَّ مِنْ أهْلي وَمَالي). وفي رواية (فَكَانَ عَبدُ الله يقول بَعدَمَا كَبِرَ: يَا لَيتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَة رَسُول الله ﷺ .

стр. 1590

ومعنى كلامه: أنه كبر، وعجز عن المحافظة على ما التزمه، ووظّفه على نفسه عند رسول الله ﷺ ، فشق ذلك عليه فعله لعجزه، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له ولأن النبي ﷺ قال: يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل، فتمنى أن لو قبِل الرخصة فأخذ بالأخف، ومع عجزه، وتمنّيه الأخذ بالرخصة لم يترك العمل بما التزمه، بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف، فقد ثبت عنه أنه كان حين ضعف وكبر يصوم تلك الأيام كذلك، يصل بعضها إلى بعض، ثم يفطر بعدد تلك الأيام، فيقوى بذلك، وكان يقول: لأن أكون قبلت الرخصة أحب إليّ مما عُدل به، لكنني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره. [قاله في الفتح] قال الشيخ ابن عثيمين: ونأخذ من هذا فائدة، وهي أن الإنسان ينبغي ألا يقيس نفسه في مستقبله على حاضره، فقد يكون الإنسان في أول العبادة نشيطاً يرى أنه قادر، ثم بعد ذلك يلحقه الملل، أو يلحقهُ ضعف وتعب، ثم يندم، لهذا ينبغي للإنسان أن يكون عمله قصداً، ولهذا قال النبي ﷺ مرشداً أمته (اكلفوا من العمل ما تطيقون) أي: لا تكلفوا أنفسكم وقال: «استعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا) وقال (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) والمنبت هو الذي يسير ليلاً ونهاراً، فالإنسان ينبغي له أن يقدر المستقبل، لا يقول أنا الآن نشيط سأحفظ القرآن والسنة، وزاد المستقنع وألفية ابن مالك كلها في أيام قليلة، فهذا لا يمكن، فأعط نفسك حقها، وقد قال النبي ﷺ (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل).

стр. 1591

(ويسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل أن تكون أيام البيض). من الصيام التطوع: صيام ٣ أيام من كل شهر. أ- عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو -رضى الله عنهما- قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ وَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَهِكَتْ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ صَوْمُ الشَّهْرِ كُلِّهِ). متفق عليه وقد أوصى بذلك بعض الصحابة: ب- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاثٍ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) متفق عليه. ج- وعَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ (أَوْصَانِي حَبِيبِي ﷺ بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ) رواه مسلم. د-ومنهم أبو ذر كما عند الترمذي. هـ- وعن مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ (أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِى مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُوم) رواه مسلم.

стр. 1592

(والأفضل أن تكون أيام البيض). أي: أن الأفضل أن تكون هذه الأيام الثلاثة: ١٣ - ١٤ - ١٥ لورود أحاديث في الأمر بها: أ-عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: (أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنْ اَلشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيّ. ب-وعن جرير عن النبي ﷺ قال: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، أيام البيض صبيحة ثلاث عشر، وأربع عشر، وخمس عشر) رواه النسائي، قال المنذري: إسناده جيد. وقال الحافظ: إسناده صحيح. ج-وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ له: (إذا صمت من الشهر ثلاثاً، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة) رواه النسائي والترمذي. فائدة: ١ أيام البيض، سميت بذلك لأن لياليها بيضاً لوضوح القمر فيها. فائدة: ٢ ذكر السنديّ عن بعضهم أن الحكمة في صومها أنه لما عمّ النور لياليها ناسب أن تعمّ العبادة نهارها. وقيل: الحكمة في ذلك أن الكسوف يكون فيها غالبًا، ولا يكون في غيرها، وقد أُمرنا بالتقرّب إلى اللَّه تعالى بأعمال البرّ عند الكسوف انتهى (٣).

стр. 1593

(وَالاثْنَيْنِ والخَمِيسِ). أي: ومن الصيام التطوع، صيام الاثنين والخميس. أ-لحديث أَبِي قَتَادَةَ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ " وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ " وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ اَلِاثْنَيْنِ، قَالَ: " ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ب- وعن عائشة قالت (كان النبي ﷺ يتحرَّى صوم الاثنين والخميس) رواه الترمذي. ج- وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم). رواه الترمذي (وَسِتٍ مِنْ شَوَّالٍ). أي: ومن الصيام التطوع: صيام ست أيام من شوال. لحديث أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ اَلدَّهْرِ). رَوَاهُ مُسْلِم فهذا الحديث دليل على استحباب صيامها. وبالاستحباب قال الجمهور، وهو مذهب السلف والخلف. وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك، حتى لا يظن وجوبها. قال مالك: ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها. قال النووي رداً عليهم: وَدَلِيل الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح الصَّرِيح، وَإِذَا ثَبَتَتْ السُّنَّة لَا تُتْرَكُ لِتَرْكِ بَعْضِ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ أَوْ كُلِّهِمْ لَهَا، وَقَوْلهمْ: قَدْ يُظَنّ وُجُوبهَا، يُنْتَقَض بِصَوْمِ عَرَفَة وَعَاشُورَاء وَغَيْرهمَا مِنْ الصَّوْم الْمَنْدُوب. وقال الشوكاني رداً عليهم: وهو باطل لا يليق بعاقل، فضلاً عن عالماً نصب مثله في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة، وأيضاً يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها، ولا قائل بها.

стр. 1594

وأحسن ما اعتذر به عن مالك: ما قاله شارح موطئه أبو عمر بن عبد البر: إن هذا الحديث لم يبلغ مالكاً، ولو بلغه لقال به .. فائدة: ١ يجوز صوم هذه الأيام متفرقة ومتتابعة. قال في سبل السلام: واعلم أن أجر صومها يحصل لمن صامها متفرقة أو متوالية، ومن صامها عقيب العيد أو في أثناء الشهر. لكن الأفضل عقيب العيد مباشرة لعدة اعتبارات: o المسارعة في فعل الخير. o المسارعة إليها دليل على الرغبة في الصيام والطاعة. o أن لا يعرض له من الأمور ما يمنعه من صيامها إذا أخرها. o أن صيام ستة أيام بعد رمضان كالراتبة بعد فريضة الصلاة، فتكون بعدها. فائدة: ٢ قوله (كصيام الدهر) المراد بالدهر العام. قال النووي: قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء في هذا حديث مرفوع في كتاب النسائي.

стр. 1595

فائدة: ٣ هل يصح صوم ست من شوال لمن عليه قضاء من رمضان؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يصح صيامها لمن عليه قضاء من رمضان. وهذا اختيار الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحم الله الجميع. لقوله (من صام رمضان) أي كاملاً، فلا يصح صيام ست من شوال إلا باستكمال رمضان، وأما الذي عليه بقية من رمضان فلا يصدق في حقه أنه صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال. القول الثاني: أنه يجوز. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة اختارها ابن قدامة وغيره. أ-لفعل عائشة، وإقرار النبي ﷺ لها. ب-ولأن قوله ﷺ (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) خرج مخرج الغالب. ج-ولو أخذ قوله ﷺ (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) على ظاهره لم يدخل في هذه الفضيلة الكثير من النساء؛ لأن المرأة يأتيها العذر أثناء رمضان فيكون عليها قضاء. د-ومن المعلوم أن الفرض إذا كان موسعاً فإنه لا حرج أن يتنفل صاحبه، بدليل ما لو أذن الظهر مثلاً فإن الإنسان يصلي الراتبة القبلية مع أنه مخاطب بالفرض، لأن الوقت واسع، وكذلك بالنسبة لرمضان فإن وقت قضائه واسع كما ثبت ذلك من حديث عائشة ﵂ (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ الشُّغُلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ متفق عليه. وهذا أرجح.

стр. 1596

فائدة: ٤ ما الحكم إن أخر صيام الست من شوال حتى خرج شوال بلا عذر؟ إن أخرها بلا عذر، فإنه لا يقضيها لأنه تركها بلا عذر. فائدة: ٥ حكم إن أخرها بعذر كمرض أو حيض؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: قيل: يقضيها، واختاره السعدي. قال السعدي: أما إن كان له عذر من مرض أو حيض أو نفاس أو نحو ذلك من الأعذار التي بسببها أخر صيام قضائه أو أخر صيام الست فلا شك في إدراك الأجر الخاص، وقد نصوا على ذلك. وأما إذا لم يكن له عذر أصلاً بل أخر صيامها إلى ذي القعدة أو غيره فظاهر النص على أنه لا يدرك الفضل الخاص، وأنه سنة في وقت فات محله، كما إذا فاته صيام عشر ذي الحجة أو غيرها حتى فات وقتها، فقد زال ذلك المعنى الخاص وبقي الصيام المطلق. وقيل: لا يقضيها، وهذا أرجح. لأنها مؤقتة بوقت وقد مضى هذا الوقت.

стр. 1597

(وَشَهْرِ المُحَرَّمِ). أي: ومن الصيام التطوع صيام شهر الله المحرم. لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ) رواه مسلم. فائدة: ١ اختلف العلماء: ما الأفضل صوم شعبان أم صوم محرم على قولين: القول الأول: صوم محرم. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم). رواه مسلم فهذا تصريح بأنه أفضل الشهور. قالوا: وأما إكثار النبي ﷺ من صوم شعبان دون محرم، فلعله إنما علم فضله في آخر حياته. أو لعلة كان يعرض عليه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما. [قاله النووي] القول الثاني: صوم شعبان أفضل. ورجح هذا ابن رجب ﵀، وقال: ويكون قوله (أفضل الصيام بعد رمضان المحرم) محمولاً على التطوع المطلق بالصيام، فأما ما قبل رمضان وبعده فإنه يلتحق به في الفضل، كما أن قوله في تمام الحديث: (وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل) إنما أريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن الرواتب عند جمهور العلماء.

стр. 1598

قال النووي: قَوْله ﷺ (أَفْضَل الصِّيَام بَعْد رَمَضَان شَهْر اللَّه الْمُحَرَّم) تَصْرِيح بِأَنَّهُ أَفْضَل الشُّهُور لِلصَّوْمِ، وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَاب عَنْ إِكْثَار النَّبِيّ ﷺ مِنْ صَوْم شَعْبَان دُون الْمُحْرِم، وَذَكَرنَا فِيهِ جَوَابَيْنِ: أَحَدهمَا: لَعَلَّهُ إِنَّمَا عَلِمَ فَضْلَهُ فِي آخِر حَيَاته. وَالثَّانِي: لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِض فِيهِ أَعْذَار، مَنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. (نووي). وقال ابن رجب: فإن قيل: فكيف كان النبي ﷺ يخص شعبان بصيام التطوع فيه مع أنه قال (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم)؟ فالجواب: أن جماعة من الناس أجابوا عن ذلك بأجوبة غير قوية، لاعتقادهم أن صيام المحرم والأشهر الحرم أفضل من شعبان كما صرح به الشافعية و غيرهم. والأظهر خلاف ذلك وأن صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم. ويدل على ذلك ما خرجه الترمذي من حديث أنس (سئل النبي ﷺ أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان تعظيماً لرمضان) وفي إسناده مقال. وفي سنن ابن ماجه (أن أسامة كان يصوم الأشهر الحرم فقال له رسول الله ﷺ : صم شوالاً) فترك الأشهر الحرم فكان يصوم شوالاً حتى مات) وفي إسناده إرسال. وقد روي من وجه آخر يعضده.

стр. 1599

فهذا نص في تفضيل صيام شوال على صيام الأشهر الحرم، وإنما كان كذلك لأنه يلي رمضان من بعده كما أن شعبان يليه من قبله، وشعبان أفضل لصيام النبي ﷺ له دون شوال، فإذا كان صيام شوال أفضل من الأشهر الحرم فلأن يكون صوم شعبان أفضل بطريق الأولى. فظهر بهذا أفضل التطوع ما كان قريباً من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها فيلتحق بالفرائض في الفضل، وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة، فكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه، ويكون قوله ﷺ (أفضل الصيام بعد رمضان المحرم) محمولاً على التطوع المطلق بالصيام، فأما ما قبل رمضان وبعده فإن يلتحق في الفضل كما أن قوله في تمام الحديث (وأفضل الصلاة بعد المكتوبة: قيام الليل) إنما أريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن الرواتب عند جمهور العلماء خلافا لبعض الشافعية و الله أعلم. قال الشيخُ ابنُ عثيمين: واختلف العلماءُ ﵏ أيهما أفضلُ صوم شهر المحرم، أم صوم شعبان؟ فقال بعضُ العلماءِ: شهرُ شعبانَ أفضلُ؛ لأن النبي ﷺ كان يصومهُ إلا قليلاً منهُ ولم يُحفظ عنهُ أنه كان يصومُ شهرَ المحرمِ، لكنهُ حث على صيامهِ بقوله: " إنهُ أفضلُ الصيامِ بعد رمضان. قالوا: ولأن صومَ شعبانَ ينزلُ منزلةَ الراتبةِ قبل الفريضةِ، وصومَ المحرمِ ينزلُ منزلةَ النفلِ المطلقِ، ومنزلةُ الراتبةِ أفضلُ من منزلةِ المطلقِ، وعلى كلٍ فهذان الشهران يسنُ صومهما، إلا أن شعبانَ لا يكملهُ.

стр. 1600

فائدة: ٢ قال الحافظُ ابنُ رجبٍ: وقد سمى النبي ﷺ المحرمَ شهرَ اللهِ، وإضافتهُ إلى اللهِ تدلُّ على شرفهِ وفضلهِ، فإن اللهَ تعالى لا يضيفُ إليه إلا خواصَّ مخلوقاتهِ، كما نسبَ محمداً وإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ وغيرَهم من الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم وسلامهُ إلى عبوديتهِ، ونسبَ إليه بيتهُ وناقتهُ، ولما كان هذا الشهرُ مختصاً بإضافتهِ إلى اللهِ تعالى، وكان الصيامُ من بين الأعمالِ مضافاً إلى الله تعالى، فإنهُ لهُ من بين الأعمالِ، ناسبَ أن يختصَّ هذا الشهرُ المضافُ إلى اللهِ بالعملِ المضافِ إليهِ، المختصِّ به، وهو الصيام. فائدة: ٣ اختلف أهل العلم ﵏ في مدلول الحديث ؛ هل يدل الحديث على صيام الشهر كاملاً أم أكثره؟ وظاهر الحديث - والله أعلم- يدل على فضل صيام شهر المحرم كاملاً. وحمله بعض العلماء على الترغيب في الإكثار من الصيام في شهر المحرم لا صومه كله. لقول عائشة ﵂ (ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان) أخرجه مسلم. ولكن قد يقال إن عائشة ﵂ ذكرت ما رأته هنا ولكن النص يدل على صيام الشهر كاملًا. (وآكَدُهُ العَاشِرُ، ثُمَّ التَّاسِعُ). أي: آكد صوم شهر المحرم العاشر ثم التاسع. عَنْ أَبِي قَتَادَةَ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ " وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ " وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ اَلِاثْنَيْنِ، قَالَ: " ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) رَوَاهُ مُسْلِم. وعاشوراء: هو اليوم العاشر من محرم، وهذا مذهب جمهور العلماء.

стр. 1601

ثم يليه تاسوعاء. فالأفضل أن يصوم مع العاشر التاسع، وعلى هذا جاءت أكثر الأحاديث. فقد قال رسول الله ﷺ (لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع). رواه مسلم وقد روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال (صوموا التاسع مع العاشر). وأما حديث: صوموا يوماً قبله وبعده - وكذلك حديث: صوموا يوماً قبله أو بعده، ضعيفة لا تصح. فائدة: ١ ما الحكمة من استحباب صوم اليوم التاسع مع العاشر؟ قال النووي: وذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهاً: أحدها: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر وهو مروى عن ابن عباس في حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس قال. قال رسول الله ﷺ صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا قبله يوماً وبعده يوماً. الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم كما نهى أن يصام يوم الجمعة وحده ذكرهما الخطابي وآخرون. الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع غلط فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: نهى ﷺ عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة مثل قوله في عاشوراء: لئن عشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع. وقال ابن حجر ﵀ في تعليقه على حديث (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع): ما همّ به من صوم التاسع يحتمل معناه ألا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطاً له، وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يُشعر بعض روايات مسلم.

стр. 1602

فائدة: ٢ هل يكره إفراد صوم عاشوراء؟ لا، لا يكره. لأن النبي ﷺ صام العاشر وأمر به، ويحصل بصيامه الأجر المترتب على ذلك من التكفير. فائدة: ٣ سبب صيام عاشوراء: ما جاء في حديث ابن عباس قال: (قدم النبي ﷺ فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم نجى الله نبيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. فقال: أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه). متفق عليه فائدة: ٤ هل كان صوم يوم عاشوراء واجباً أم تطوعاً؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لم يكن واجباً قبل فرض رمضان، بل كان سنة باق على سنيته. وهذا قول الشافعية والحنابلة. قال ابن حجر: ذهب الجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - إلى أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان. أ- لحديث مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَان أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِر) متفق عليه. وجه الدلالة: أن قوله (لم يكتب عليكم صيامه) يدل على أنه لم يكن واجباً قط، لأن لم لنفي الماضي. القول الثاني: أنه كان واجباً فنسخ وجوبه بفرض صيام رمضان.

стр. 1603

وهذا قول الحنفية والمالكية واختيار ابن تيمية. أ- عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ (كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَه). متفق عليه قال ابن بطال: دلّ حديث عائشة على أن صومه كان واجباً قبل أن يُفْرَض رمضان، ودل أيضاً أن صومه قد رد إلى التطوع بعد أن كان فرضاً. فائدة: ٥ من لم يصم يوم عرفة أو عاشوراء هل يقضيه أم لا؟ قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: النوافل نوعان: نوع له سبب، ونوع لا سبب له. فالذي له سبب يفوت بفوات السبب ولا يُقضى. مثال ذلك: تحية المسجد، لو جاء الرجل وجلس ثم طال جلوسه ثم أراد أن يأتي بتحية المسجد، لم تكن تحية للمسجد، لأنها صلاة ذات سبب، مربوطة بسبب، فإذا فات فاتت المشروعية، ومثل ذلك فيما يظهر يوم عرفة ويوم عاشوراء، فإذا أخر الإنسان صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء بلا عذر فلا شك أنه لا يقضي، ولا ينتفع به لو قضاه، أي لا ينتفع به على أنه يوم عرفة ويوم عاشوراء. وأما إذا مر على الإنسان وهو معذور كالمرأة الحائض والنفساء أو المريض، فالظاهر أيضاً أنه لا يقضي، لأن هذا خص بيوم معين يفوت حكمه بفوات هذا اليوم.

стр. 1604

فائدة: ٦ أيهما أفضل يوم عرفة أم يوم عاشوراء؟ قال ابن حجر: روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعاً: إن صوم يوم عاشوراء يكفر سنة، وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين. وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇، ويوم عرفة منسوب إلى النبي ﷺ ؛ فلذلك كان أفضل. وقال ابن القيم: فإن قيل: لم كان عاشوراء يكفر سنة، ويوم عرفة يكفر سنتين؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما/ أن يوم عرفة في شهر حرام، وقبله شهر حرام، وبعده شهر حرام، بخلاف عاشوراء. الثاني/ أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا، بخلاف عاشوراء، فضوعف ببركات المصطفى. (وَتِسْعِ ذِي الحِجَّةِ). أي: ومن صيام التطوع صوم تسع من ذي الحجة. لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ قَالُوا، وَلَا الْجِهَادُ قَالَ، وَلَا الْجِهَادُ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْء) رواه البخاري. والصوم من العمل الصالح. عن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر وخميسين) رواه الإمام أحمد.

стр. 1605

فائدة: فإن قيل: جاء في صحيح مسلم: عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ). قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُوهِم كَرَاهَة صَوْم الْعَشَرَة، وَالْمُرَاد بِالْعَشْرِ هُنَا: الْأَيَّام التِّسْعَة مِنْ أَوَّل ذِي الْحِجَّة، قَالُوا: وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّل فَلَيْسَ فِي صَوْم هَذِهِ التِّسْعَة كَرَاهَة، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّة اِسْتِحْبَابًا شَدِيدًا لَا سِيَّمَا التَّاسِع مِنْهَا، وَهُوَ يَوْم عَرَفَة، وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيث فِي فَضْله، وَثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ: أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ أَيَّام الْعَمَل الصَّالِح فِيهَا أَفْضَل مِنْهُ فِي هَذِهِ " - يَعْنِي : الْعَشْر الْأَوَائِل مِنْ ذِي الْحِجَّة -. فَيَتَأَوَّل قَوْلهَا: لَمْ يَصُمْ الْعَشْر، أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَض أَوْ سَفَر أَوْ غَيْرهمَا، أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ، وَلَا يَلْزَم عَنْ ذَلِكَ عَدَم صِيَامه فِي نَفْس الْأَمْر، وَيَدُلّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث هُنَيْدَة بْن خَالِد عَنْ اِمْرَأَته عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَصُوم تِسْع ذِي الْحِجَّة، وَيَوْم عَاشُورَاء، وَثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر: الِاثْنَيْنِ مِنْ الشَّهْر وَالْخَمِيس) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا لَفْظه وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَتهمَا (وَخَمِيسَيْنِ). وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم). وقال ابن حجر: ولا يرد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت (ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً العشر قط) لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته كما رواه الصحيحان من حديث عائشة أيضاً. (الفتح).

стр. 1606

الخلاصة: سلك بعض الفقهاء مسلك الجمع بين الحديثين بأحد الوجوه التالية: أن حديث عائشة أرادت به أنه لم يصم العشر كاملا، وحديث حفصة أرادت أنه كان يصوم غالبه، وهذا أحد جوابي الإمام أحمد. أن حديث عائشة متأول بأنها لم تره صائما، ولا يلزم منه تركه في نفس الأمر؟ لأنه يكون عندها في يوم من تسعة أيام، والباقي عند أمهات المؤمنين. ويحتمل أن يكون المراد أنه يصوم بعضها في بعض الأوقات، وكلها في بعض الأوقات، ويتركها في بعض الأوقات لعارض. (وآكَدُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ لِغَيْرِ حَاجٍّ بِهَا). أي: وآكد تسع ذي الحجة صيام يوم عرفة لغير الحاج. لحديث أَبِي قَتَادَةَ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ " وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ " وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ اَلِاثْنَيْنِ، قَالَ: " ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

стр. 1607

فائدة: ١ قوله (لِغَيْرِ حَاجٍّ بِهَا) فلا يشرع صومه لمن كان بعرفة حاجاً. وقد اختلف العلماء في حكم صومه للحاج على أقوال: القول الأول: يستحب فطره. وهذا قول مالك والشافعي وأحمد. أ-عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ (أَنَّ نَاساً تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ) متفق عليه. ب- وعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ (إِنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ بِحِلَابِ اللَّبَنِ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْه) متفق عليه. وجه الاستدلال: يُستفاد من الحديثين استحبابُ فطر يوم عرفة للحجاج تأسِّيًا برسول الله ﷺ . قال الخطابي -شارحًا لحديث ميمونة ﵂ وفيه: الاستحباب للإفطار بعرفة لمن شهدها، وإنما جاء الترغيب لمن غاب عنها. وقال ابن القيم - بعد أن أورد حديث أم الفضل في فطر رسول الله ﷺ يوم عرفة بعرفة وغيره من الآثار في ذلك -: وصحَّ عنه: صيامه يكفر سنتين، فالصواب أنّ الأفضل لأهل الآفاق - أي الذين لم يَحُجُّوا - صومه، ولأهل عرفة فطره، لاختياره ﷺ ذلك لنفسه، وعمل خلفائه بعده بالفطر. تنبيه: في الحديث الأول أنّ أم الفضل هي التي أرسلت إلى النبي ﷺ بقدح اللبن، وفي هذا الحديث أنّ ميمونة هي التي أرسلته!!

стр. 1608

والجواب على ذلك - كما قال ابن القيم في تهذيب السنن، فقيل: يحتمل أن تكون ميمونة أرسلت، وأم الفضل أرسلت، كلٌّ منهما بقدَح، ويحتمل أن يكون مجتمعتين فإنها أختها، فاتفقتا على الإرسال بقدح واحد، فينسب إلى هذه وإلى هذه. ج-وقال ابن عمر: (حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه - يعني يوم عرفة - ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه). رواه الترمذي وجه الاستدلال: في الحديث بيان هدي النبي ﷺ والخلفاء الراشدين في تركهم صيام يوم عرفة بعرفة. د-أنّ يوم عرفة يوم عبادة وتضرُّع ودعاء، فيستحب للحاج أن يفطر ذلك اليوم ليقوى على التعبُّد والذكر والدعاء. قال ابن قدامة: لأنّ الصوم يُضعفه ويمنعه الدعاء في هذا اليوم المعظَّم الذي يستجاب فيه الدعاء في ذلك الموقف الشريف الذي يُقصَد من كل فجٍّ عميق، رجاء فضل الله فيه، وإجابة دعائه به؛ فكان تركه أفضل. القول الثاني: يكره صومه. وهذا ذهب إليه بعض العلماء. لحديث أبي هريرة. (نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة) رواه أبو داود. لكنه حديث ضعيف، قال العقيلي: لا يصحّ عنه أنه نهى عن صومه. وقال النووي: ضعيف.

стр. 1609

القول الثالث: يستحب صومه. وهذا قول ابن حزم. للحديث السابق (يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ). لكن هذا الحديث ورد في حق غير الحاج، أمّا الحاج فلا يصومه اقتداء وتأسيًا بالنبي ﷺ وخلفائه من بعده، وفيه قوة على الدُّعاء والذكر والعبادة، والدعاء فيه مستجاب، وأنّ يوم عرفة هو يوم عيد لأهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه كما في الحديث الذي تقدَّم ذكره. والراجح القول الأول وهو استحباب فطره. فائدة: ٢ الحكمة من استحباب فطره للحاج: قيل: ليتقوى على الدعاء. وقيل: لأنه عيد لأهل عرفة. قال ابن القيم: قالت طائفة: ليتقوى على الدعاء، وهذا قول الخرقي وغيره. وقال غيرهم - منهم شيخ الإسلام ابن تيمية - الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يستحب صومه لهم، قال: والدليل عليه الحديث الذي في السنن عنه ﷺ أنه قال: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا أهل الإسلام) قال شيخنا: وإنما يكون يوم عرفة عيداً في حق أهل عرفة لاجتماعهم فيه، بخلاف أهل الأمصار فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقهم.

стр. 1610

فائدة: ٣ تكفير الذنوب في صوم عرفة يشمل الصغائر دون الكبائر، وهذا مذهب جمهور العلماء. أ-لقوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ). ب-ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما لم تغش الكبائر). رواه مسلم فإذا كانت الصلوات الخمس لا تقوى على تكفير الكبائر، فمن باب أولى صيام عرفة. (وصوم شعبان). أي: ومن صوم التطوع، صوم شهر شعبان. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ اِسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وعنها قَالَتْ (لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَان) رواه مسلم. وعنها قالت (لَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) رواه مسلم

стр. 1611

فائدة: ١ الحكمة من إكثاره ﷺ من صوم شعبان؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فتجتمع فيقضيها في شعبان. وهذا فيه حديث ضعيف أخرجه الطبراني في الأوسط. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان. وهذا فيه حديث آخر أخرجه الترمذي من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال (سئل رسول الله ﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان لتعظيم رمضان) قال الترمذي: حديث غريب، وصدقة عندهم ليس بذاك القوي. والأولى في ذلك: ما جاء في حديث أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: (قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم). فائدة: ٢ جاء عند أبي داود من حديث أم سلمة (أنه كان لا يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان)؟ اختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال: قيل: أي أنه كان يصوم معظمه، فالمراد بالكل أكثره. ويدل ذلك الحديث السابق (وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ). وجاء عند مسلم (كان يصوم شعبان إلا قليلاً). قال الحافظ: وهذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داود: (أنه كان لا يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان) أي كان يصوم معظمه، فالمراد بالكل الأكثر.

стр. 1612

وقيل: يحتمل أنه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان. وقيل: المراد بقولها (كله) أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طوراً، فلا يخلي شيئاً منه من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض. وقيل: قال ابن المنير: إما يحمل قول عائشة على المبالغة والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانياً عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم ولفظه (ولا صام شهراً كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان). فائدة: ٣ قال ابن رجب: عند حديث (ذاك شهر يغفل الناس عنه. . .) وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب عند الله . وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد: منها: أنه يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل. ومنها: أنه أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس، وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة، لكثرة المقتدين بهم، فسهلت الطاعة، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المتيقظين طاعاتهم، لقلة من يقتدون بهم فيها. ومنها: أن المنفرد بالطاعة بين أهل المعاصي والغفلة قد يُدْفَعُ به البلاء عن الناس كلهم، فكأنه يحميهم ويدافع عنهم. [لطائف المعارف ٢٥١ ـ ٢٥٤]

стр. 1613

(ولا تصوم المرأة تطوعاً إلا بإذن زوجها). أي: لا يجوز للمرأة أن تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها. أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ولفظ أبي داود والترمذي (لا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ غَيْرَ رَمَضَان). ب- ولأن حق الزوج فرض فلا يجوز تركه بنفل. قال النووي: هذَا مَحْمُول عَلَى صَوْم التَّطَوُّع وَالْمَنْدُوب الَّذِي لَيْسَ لَهُ زَمَن مُعَيَّن، وَهَذَا النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابنَا، وَسَبَبه أَنَّ الزَّوْج لَهُ حَقّ الاسْتِمْتَاع بِهَا فِي كُلّ الَايَّام، وَحَقّه فِيهِ وَاجِب عَلَى الْفَوْر فَلا يَفُوتهُ بِتَطَوُّعٍ وَلا بِوَاجِبٍ عَلَى التَّرَاخِي. فائدة: ١ الحكمة من المنع: لأن حق الزوج واجب، وصيام غير الفرض مستحب، ومن الفقه تقديم الواجبات، ومن ذلك تقديم طاعة الزوج على المستحبات. فائدة: ٢ صوم الفرض كرمضان لا يحتاج إذن الزوج، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

стр. 1614

فائدة: ٣ هل يجب على الزوجة أن تستأذن زوجها في قضاء رمضان أم لا؟ هذه المسألة لا تحلو من حالين: الحال الأولى: أن يضيق الوقت، بأن لم يبق من شعبان إلا بمقدار ما عليها من رمضان. فهنا لا يجب أن تستأذنه. الحال الثانية: إذا لم يضق الوقت، (الوقت موسع للقضاء) فهنا اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يجب أن تستأذنه. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. أ- لحديث عائشة قالت (كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) متفق عليه. ب- أنه ليس لها أن تمنع الزوج حقه الذي هو على الفور بما ليس على الفور. القول الثاني: أنه لا يجب أن تستأذنه. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا تصومن امرأة تطوعاً وبعلها شاهد إلا بإذنه) رواه البخاري ومسلم وعبد الرزاق وهذا لفظه. فمفهوم المخالفة من هذا الحديث يدل على أن لها أن تصوم بغير إذنه إذا لم يكن تطوعاً. ب- أنه ليس للزوج منع الزوجة من المبادرة إلى قضاء رمضان إلا باختيارها، لأن لها حقاً في إبراء ذمتها من الفرض الذي لزمها وهذا القول هو الصحيح.

стр. 1615

فائدة: ٤ قوله ﷺ (وزوجها شاهد)؟ نستفيد: أن الزوج إذا كان غائباً فيجوز لها أن تصوم ولا تحتاج إلى إذنه. أ- لمفهوم الحديث. ب- ولأن صيامها لا يضيع عليه حقاً من حقوقه. ج- ولأن المعنى المراد من المنع لا يوجد. قال النووي: قوله (وَزَوْجهَا شَاهِد) أَيْ مُقِيم فِي الْبَلَد، أَمَّا إِذَا كَانَ مُسَافِرًا فَلَهَا الصَّوْم؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الِاسْتِمْتَاع إِذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ. فصل (وَيُكْرَهُ إِفرَادُ رَجَبٍ) أي: يكره إفراد شهر رجب بصيام. قال ابن قدامة: وَيُكْرَهُ إفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ. أ- لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِهِ) رواه ابن ماجه. ب- وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُعَظِّمُه (كشاف القناع). جاء في (الموسوعة الفقهية). . . بَل نَصُّوا (يعني الحنابلة) عَلَى كَرَاهَةِ إِفْرَادِ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ. لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاس (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ رَجَب). وَلأِنَّ فِيهِ إِحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ. فائدة: ١ قوله (إفراد) يؤخذ منه أنه لو صامه مع غيره، فلا يكره. جاء في (الموسوعة الفقهية). . . وَتَزُول الْكَرَاهَةُ بِفِطْرِهِ فِيهِ وَلَوْ يَوْمًا، أَوْ بِصَوْمِهِ شَهْرًا آخَرَ مِنَ السَّنَةِ وَإِنْ لَمْ يَل رَجَبًا.
следующие страницы →