← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فائدة: ١ الحكمة من إكثاره ﷺ من صوم شعبان؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فتجتمع فيقضيها في شعبان. وهذا فيه حديث ضعيف أخرجه الطبراني في الأوسط. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان. وهذا فيه حديث آخر أخرجه الترمذي من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال (سئل رسول الله ﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان لتعظيم رمضان) قال الترمذي: حديث غريب، وصدقة عندهم ليس بذاك القوي. والأولى في ذلك: ما جاء في حديث أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: (قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم). فائدة: ٢ جاء عند أبي داود من حديث أم سلمة (أنه كان لا يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان)؟ اختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال: قيل: أي أنه كان يصوم معظمه، فالمراد بالكل أكثره. ويدل ذلك الحديث السابق (وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ). وجاء عند مسلم (كان يصوم شعبان إلا قليلاً). قال الحافظ: وهذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داود: (أنه كان لا يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان) أي كان يصوم معظمه، فالمراد بالكل الأكثر.

стр. 1612

وقيل: يحتمل أنه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان. وقيل: المراد بقولها (كله) أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طوراً، فلا يخلي شيئاً منه من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض. وقيل: قال ابن المنير: إما يحمل قول عائشة على المبالغة والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانياً عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم ولفظه (ولا صام شهراً كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان). فائدة: ٣ قال ابن رجب: عند حديث (ذاك شهر يغفل الناس عنه. . .) وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب عند الله . وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد: منها: أنه يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل. ومنها: أنه أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس، وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة، لكثرة المقتدين بهم، فسهلت الطاعة، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المتيقظين طاعاتهم، لقلة من يقتدون بهم فيها. ومنها: أن المنفرد بالطاعة بين أهل المعاصي والغفلة قد يُدْفَعُ به البلاء عن الناس كلهم، فكأنه يحميهم ويدافع عنهم. [لطائف المعارف ٢٥١ ـ ٢٥٤]

стр. 1613

(ولا تصوم المرأة تطوعاً إلا بإذن زوجها). أي: لا يجوز للمرأة أن تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها. أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ولفظ أبي داود والترمذي (لا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ غَيْرَ رَمَضَان). ب- ولأن حق الزوج فرض فلا يجوز تركه بنفل. قال النووي: هذَا مَحْمُول عَلَى صَوْم التَّطَوُّع وَالْمَنْدُوب الَّذِي لَيْسَ لَهُ زَمَن مُعَيَّن، وَهَذَا النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابنَا، وَسَبَبه أَنَّ الزَّوْج لَهُ حَقّ الاسْتِمْتَاع بِهَا فِي كُلّ الَايَّام، وَحَقّه فِيهِ وَاجِب عَلَى الْفَوْر فَلا يَفُوتهُ بِتَطَوُّعٍ وَلا بِوَاجِبٍ عَلَى التَّرَاخِي. فائدة: ١ الحكمة من المنع: لأن حق الزوج واجب، وصيام غير الفرض مستحب، ومن الفقه تقديم الواجبات، ومن ذلك تقديم طاعة الزوج على المستحبات. فائدة: ٢ صوم الفرض كرمضان لا يحتاج إذن الزوج، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

стр. 1614

فائدة: ٣ هل يجب على الزوجة أن تستأذن زوجها في قضاء رمضان أم لا؟ هذه المسألة لا تحلو من حالين: الحال الأولى: أن يضيق الوقت، بأن لم يبق من شعبان إلا بمقدار ما عليها من رمضان. فهنا لا يجب أن تستأذنه. الحال الثانية: إذا لم يضق الوقت، (الوقت موسع للقضاء) فهنا اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يجب أن تستأذنه. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. أ- لحديث عائشة قالت (كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) متفق عليه. ب- أنه ليس لها أن تمنع الزوج حقه الذي هو على الفور بما ليس على الفور. القول الثاني: أنه لا يجب أن تستأذنه. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا تصومن امرأة تطوعاً وبعلها شاهد إلا بإذنه) رواه البخاري ومسلم وعبد الرزاق وهذا لفظه. فمفهوم المخالفة من هذا الحديث يدل على أن لها أن تصوم بغير إذنه إذا لم يكن تطوعاً. ب- أنه ليس للزوج منع الزوجة من المبادرة إلى قضاء رمضان إلا باختيارها، لأن لها حقاً في إبراء ذمتها من الفرض الذي لزمها وهذا القول هو الصحيح.

стр. 1615

فائدة: ٤ قوله ﷺ (وزوجها شاهد)؟ نستفيد: أن الزوج إذا كان غائباً فيجوز لها أن تصوم ولا تحتاج إلى إذنه. أ- لمفهوم الحديث. ب- ولأن صيامها لا يضيع عليه حقاً من حقوقه. ج- ولأن المعنى المراد من المنع لا يوجد. قال النووي: قوله (وَزَوْجهَا شَاهِد) أَيْ مُقِيم فِي الْبَلَد، أَمَّا إِذَا كَانَ مُسَافِرًا فَلَهَا الصَّوْم؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الِاسْتِمْتَاع إِذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ. فصل (وَيُكْرَهُ إِفرَادُ رَجَبٍ) أي: يكره إفراد شهر رجب بصيام. قال ابن قدامة: وَيُكْرَهُ إفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ. أ- لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِهِ) رواه ابن ماجه. ب- وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُعَظِّمُه (كشاف القناع). جاء في (الموسوعة الفقهية). . . بَل نَصُّوا (يعني الحنابلة) عَلَى كَرَاهَةِ إِفْرَادِ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ. لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاس (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ رَجَب). وَلأِنَّ فِيهِ إِحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ. فائدة: ١ قوله (إفراد) يؤخذ منه أنه لو صامه مع غيره، فلا يكره. جاء في (الموسوعة الفقهية). . . وَتَزُول الْكَرَاهَةُ بِفِطْرِهِ فِيهِ وَلَوْ يَوْمًا، أَوْ بِصَوْمِهِ شَهْرًا آخَرَ مِنَ السَّنَةِ وَإِنْ لَمْ يَل رَجَبًا.

стр. 1616

فائدة: ٢ لم يصح في فضل صوم رجب حديث. قال ابن تيمية: كل ما ورد في فضل الصلاة والصيام في رجب فكله كذب. (والجُمُعَةِ). أي: ويكره إفراد الجمعة بصيام. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْماً قَبْلَهُ، أَوْ يَوْماً بَعْدَهُ) متفق عليه. وعنه. عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ اَلْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اَللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اَلْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ (سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ) متفق عليه، وَزَادَ مُسْلِمٌ (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ). فائدة: ١ اختلف العلماء: في النهي في قوله (لا يصومن. . .) هل هو للتحريم أم للكراهة على قولين: القول الأول: أنه للكراهة. وهذا قول الشافعية والحنابلة. لقوله (لا يصومن … ) والصارف عن النهي أن النبي ﷺ أجاز صيامه إذا صيم يوماً قبله أو بعده. القول الثاني: أنه للتحريم. وهذا قول الظاهرية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. أ-للأحاديث، قالوا: والأصل في النهي التحريم. ب- ولحديث جابر (فقد سُئل أنهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم). والراجح الأول.

стр. 1617

فائدة: ٢ دلت هذه الأحاديث على أن النهي يزول بأمرين: الأول: أن يوافق يوم الجمعة صيام معتاد، كأن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصادف يوم صيامه يوم الجمعة. الثاني: إذا لم يفرده بالصيام، بل جمع معه غيره. قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الدَّلَالَة الظَّاهِرَة لِقَوْلِ جُمْهُور أَصْحَاب الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِمْ، وَأَنَّهُ يُكْرَه إِفْرَاد يَوْم الْجُمُعَة بِالصَّوْمِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً لَهُ، فَإِنْ وَصَلَهُ بِيَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ وَافَقَ عَادَةً لَهُ بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ شِفَاءِ مَرِيضِهِ أَبَدًا، فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة لَمْ يُكْرَهْ؛ لِهَذِهِ الْأَحَادِيث. وقال ابن قدامة: يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ، إلا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ، مِثْلُ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَيُوَافِقُ صَوْمُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمَنْ عَادَتُهُ صَوْمُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ، أَوْ آخِرِهِ، أَوْ يَوْمِ نِصْفِهِ. فائدة: ٣ اختلف في السبب في النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام؟ فقيل: لئلا يضعف عن العبادة، ورجحه النووي. قال في الفتح: وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه. وقال ابن القيم: ولكن يشكل عليه زوال الكراهة بضم يوم قبله أو بعده إليه. وقيل: سداً للذريعة من أن يلحق بالدين ما ليس منه، ويوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد من الأعمال الدنيوية. [قاله ابن القيم]

стр. 1618

وقيل: لكونه يوم عيد والعيد لا يصام، ورجحه الحافظ ابن حجر، وقال: ورد فيه صريحاً حديثان: أحدهما: رواه الحاكم وغيره عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا يوماً قبله أو بعده). والثاني: رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: (من كان منكم متطوعاً من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام وشراب وذكر. فائدة: ٤ صوم يوم الجمعة إذا صادف يوم عرفة أو عاشوراء أو قضاء رمضان. صوم يوم الجمعة مكروه، لكن ليس على إطلاقه، فصوم يوم الجمعة مكروه لمن قصده وأفرده بالصوم، لقول النبي ﷺ (لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام). وأما إذا صام الإنسان يوم الجمعة من أجل أنه صادف صوماً كان يعتاده فإنه لا حرج عليه في ذلك، وكذلك إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده فلا حرج عليه في ذلك، ولا كراهة. مثال الأول: إذا كان من عادة الإنسان أن يصوم يوماً ويفطر يوماً فصادف يوم صومه الجمعة فلا بأس، وكذلك لو كان من عادته أن يصوم يوم عرفة فصادف يوم عرفة يوم الجمعة فإنه لا حرج عليه أن يصوم يوم الجمعة ويقتصر عليه؛ لأنه إنما أفرد هذا اليوم لا من أجل أنه يوم الجمعة، ولكن من أجل أنه يوم عرفة، وكذلك لو صادف هذا اليوم يوم عاشوراء واقتصر عليه، فإنه لا حرج عليه في ذلك، وإن كان الأفضل في يوم عاشوراء أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده. ومثال الثاني: أن يصوم مع الجمعة يوم الخميس، أو يوم السبت، أما من صام يوم الجمعة لا من أجل سبب خارج عن كونه يوم جمعة فإننا نقول له: إن كنت تريد أن تصوم السبت فاستمر في صيامك، وإن كنت لا تريد أن تصوم السبت ولم تصم يوم الخميس فأفطر كما أمر النبي ﷺ بذلك، والله الموفق. (الشيخ ابن عثيمين). وقال الشيخ ابن باز ﵀: إذا صادف يوم الجمعة يوم عرفة فصامه المسلم وحده فلا بأس بذلك، لأن هذا الرجل صامه لأنه يوم عرفة لا لأنه يوم جمعة.

стр. 1619

سئل الشيخ ابن عثيمين: هل يجوز صيام يوم الجمعة منفرداً قضاء؟ فأجاب رحمه الله تعالى: صيام يوم الجمعة منفرداً نهى عنه النبي ﷺ (دخلت عليه امرأة من نساءه أو دخل هو عليها فوجدها صائمة فقال لها أصمت أمس قالت لا قال أتصومين غدا قالت لا قال فأفطري) لكن إذا صادف يوم الجمعة يوم عرفة مثلاً وصامه وحده فلا بأس لأن هذا الرجل صامه لأنه يوم عرفة لا لأنه يوم الجمعة وكذلك لو كان عليه قضاء من رمضان ولا يتسنى له الفراغ إلا يوم الجمعة فإنه لا حرج عليه أن يفرده لأنه لم يفرده لأنه يوم الجمعة ولكن أفرده لأنه يوم فراغه وكذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عاشوراء فصامه فإنه لا حرج عليه أن يفرده لأنه صامه لأنه يوم عاشوراء لا لأنه يوم الجمعة ولهذا قال النبي ﷺ (لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام) فنص على الخصوصية أي على أن يفعل الإنسان هذا لخصوصية يوم الجمعة وليلة الجمعة. (وَالسَّبْتِ). أي: ويكره إفراد السبت بصيام. لحديث اَلصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تَصُومُوا يَوْمَ اَلسَّبْتِ، إِلَّا فِيمَا اِفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا) رواه أبو داود والترمذي. لكن هذا الحديث لا يصح. قال أبو داود: هذا حديث منسوخ. وقال مالك: هذا كذب. وقال النسائي: هذا حديث مضطرب. وضعفه يحيي بن سعيد، والطحاوي، وابن القيم، وابن حجر كما في التلخيص.

стр. 1620

وسبب الضعف: الاضطراب في سنده والنكارة في متنه: أما الاضطراب في سنده: فإن الحديث مداره على الصحابي: عبد الله بن بُسْر لكن اضطرب الرواة في روايته عنه: فتارة رَووْه عنه عن النبي ﷺ [بدون ذكر أخته]. [هذا عند أحمد]. وتارة رووه عنه عن أخته. [هذا كما في الرواية التي معنا: عند أبي داود والترمذي]. وتارة عنه عن عمته. [وهي لم يتغير اسمها: الصماء]. [عند ابن خزيمة والبيهقي]. وتارة عنه عن خالته الصماء. [عند النسائي في الكبرى]. وتارة عنه عن أمه الصماء. [انفرد بها تمام الرازي في كتابه الفوائد]. فقالوا: هذا اضطراب. وأما نكارة متنه: فإن الحديث يدل على النهي عن صوم السبت إلا في حالة واحدة فقط: وهي أن يكون في صوم الفريضة، وهذا يدل على أنه لا يصام ولو كان قبله يوم أو بعده يوم. وهذا يعارضه أحاديث أخرى أصح منه. أ- ما رواه البخاري عن جويرية (أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري). فهذا حديث صريح في أنه يجوز صيام يوم السبت إذا كان قبله يوم، بخلاف حديث الباب فإنه لم يستثن هذه الحالة. ب-ومنها: حديث (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده) ومعلوم قطعاً أن اليوم الذي بعد الجمعة هو يوم السبت. ج- حديث أم سلمة (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ اَلْأَيَّامِ يَوْمُ اَلسَّبْتِ، وَيَوْمُ اَلْأَحَدِ).

стр. 1621

فهذه الأحاديث تدل على نكارة حديث الصماء بنت بسر، وهذا القول هو الصحيح. قال الشيخ ابن باز: لا حرج أن يصوم الإنسان يوم السبت مطلقاً في الفرض والنفل، والحديث الذي فيه النهي عن صوم يوم السبت حديث ضعيف مضطرب مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا بأس أن يصوم المسلم من يوم السبت، سواءٌ كان عن فرض أو عن نفل، ولو ما صام معه غيره، والحديث الذي فيه النهي عن صوم يوم السبت إلا في الفرض حديث غير صحيح، بل هو ضعيف وشاذ مخالف للأحاديث الصحيحة. (نور على الدرب). ولذلك فالراجح جواز صوم يوم السبت من غير كراهة ولو منفرداً. فائدة: بما أجاب من قال بصحة الحديث؟ من صحح الحديث، بعضهم ذهب إلى أنه منسوخ. قال أبو داود: وهذا حديث منسوخ. كما في سننه. لكن لا دليل على النسخ، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص متعقباً دعوى أبي داود: ولا يتبين وجه النسخ فيه. وذهب بعضهم: إلى أن النهي محمول على إفراده بالصيام، فإن صام يوماً قبله أو بعده فلا بأس. وهذا رأي الترمذي وابن خزيمة وغيرهم. أ- الترمذي، فقد أَخْرَجَ حديثَ الصَّمَّاءِ وقال: هذا حديثٌ حسنٌ، ومعنى كراهتِهِ في هذا أنْ يَخُصَّ الرجلُ يومَ السَّبْتِ بصيامٍ لأنَّ اليهودَ تُعظِّمُ يومَ السَّبْت. ب- ابن خزيمة، فقد أخْرَجَ الحديث (وبَوَّبَ له في صحيحه: باب النهي عن صوم يوم السَّبْتِ تطَوُّعَاً إذا أُفرِد بالصوم).

стр. 1622

ج-منهم ابن حبان، فقد ترجم (ذِكْرُ الزجر عن صوم يوم السَّبْتِ مُفْرَدَاً) وأَخْرَجَ تَحْتَهُ حديثَ عبد الله بن بُسْر، وترجم بَعْدَهُ: (ذِكْرُ العلة التي من أجلها نُهيَ عن صيام يوم السَّبْتِ مع البيان بأنَّه إذا قُرِن بيومٍ آخرَ جَازَ صومُهُ). وساق تَحْتَهُ حديثَ كُرَيْبٍ مولى ابنِ عباس عن أم سَلَمَةَ (إنَّ رسول الله ﷺ أَكثَرَ ما كانَ يصومُ من الأيام يومَ السَّبْتِ والأحد وكانَ يقول: إنَّهما عيدانِ للمشركين، وأنا أريد أنْ أُخالِفَهم). د-قال النووي في المجموع: يُكْرَهُ إفرادُ يوم السَّبْتِ بالصوم، فإنْ صام قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ معه لم يُكرَه، صرَّح بكراهةِ إفرادهِ أصحابُنا، منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم … والصوابُ … أنَّه يُكْرَهُ إفرادُ السَّبْتِ بالصيام إذا لم يُوافق عادةً له لحديث الصَّمَّاء .... هـ-قال ابن القيم: وقال جماعةٌ من أهل العلم: لا تعارُضَ بينه وبين حديث أم سَلَمَةَ، فإنَّ النهي عن صومه: إنَّما هو عن إفراده، وعلى ذلك تَرْجَمَ أبو داوُدَ … قالوا: ونظيرُ هذا أنَّه نهى عن إفراد يوم الجُمُعَةِ بالصوم إلا أنْ يصوم يوماً قَبْلَهُ أو يوماً بَعْدَهُ، وبهذا يزولُ الإشكالُ الذي ظنَّهُ مَنْ قال: إنَّ صومَهُ نوعُ تعظيمٍ له: فهو موافَقَةٌ لأهل الكتاب في تعظيمه، وإنْ تضمَّن مخالفتَهم في صومه، فإنَّ التعظيم إنَّما يكون إذا أُفرِدَ بالصوم ولا ريب أنَّ الحديث لم يجيء بإفراده، وأمَّا إذا صامه مع غيره، لم يكن فيه تعظيمٌ واللهُ أعلَمُ). و-وقال الشوكاني: وقد جَمَعَ صاحِبُ البدر المنير بين هذه الأحاديث فقال النهيُ متوجِّهٌ إلى الإفراد، والصومُ باعتبارِ انضمامِ ما قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ إليه، ويؤيِّدُ هذا ما تقدَّمَ من إذنه ﷺ لِمَنْ صام الجُمُعَةَ أنْ يصوم السَّبْتَ بعدها، والجَمْعُ مهما أمْكَنَ أولى من النسخ. ك- وهو رأي الشيخ ابن عثيمين ﵀.

стр. 1623

(والدهر). أي: ويكره صوم الدهر. ومعنى صيام الدهر: سرد الصوم متتابعاً جميع الأيام باستثناء ما نهي عن صومه كأيام العيد وأيام التشريق. وقد اختلف العلماء في حكم صيام الدهر على أقوال: القول الأول: المنع مطلقاً، إما على وجه التحريم أو على وجه الكراهة .. وهو قول ابن حزم، والكراهة هو مذهب الحنفية واختيار ابن قدامة وابن تيمية. قال ابن قدامة: الذي يقوى عندي أن صوم الدهر مكروه وإن لم يصم هذه الأيام - يعني العيد والتشريق -، فإن صامها قد فعل محرماً، وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف، وشبه التبتل المنهي عنه. وقال ابن حزم: يحرم صوم الدهر أصلاً. أ-لقوله ﷺ (لا صام من صام الأبد)، وفي رواية (لا صام ولا أفطر). قال الحافظ ﵀: وَالْمَعْنَى بِالنَّفْيِ أَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ أَجْرَ الصَّوْمِ لِمُخَالَفَتِهِ. ب-لحديث أبي موسى مرفوعاً (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم) أخرجه أحمد. قال ابن حجر: وظاهره أنه تضيق عليه حصراً لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيه ﷺ ، واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد فيكون حراماً. ج-قوله ﷺ (لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) وهذا وعيد شديد من مخالفة صوم النبي كصيام الدهر كما فعل بعض الصحابة، إذ قال أحدهم (أصوم أبداً).

стр. 1624

د-لحديث عبد الله بن عمرو - (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا … إلى آخر الحديث. وفي رواية: فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِك) رواه مسلم. هـ-وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمرو الشيباني قال: (بلغ عمر أن رجلاً يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري). و-النظر الصحيح لما في صيام الدهر من المشقة على النفس وهذا يتعارض مع التشريع من التخفيف والتيسير. القول الثاني: أنه يستحب صوم الدهر. وهذا قول جمهور العلماء من المالكية، والشافعية والحنابلة. أما المالكية والشافعية فقد صرحوا بالاستحباب، وأما الحنابلة فنصوصهم جاءت بلفظ الجواز. (والاستحباب مقيد عند الجميع بأن لا يؤدي صوم الدهر إلى تقصير في أداء الحقوق والواجبات، أو يخاف الصائم ضرراً على نفسه، فإن أدى لذلك فيكره حينئذ عند الشافعية والحنابلة، ويجوز عند المالكية). واستدل هؤلاء: أ-بحديث حمزة بن عمرو عند مسلم (أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم) وموضع الدلالة أن النبي ﷺ لم ينكر عليه سرد الصوم ب- ولحديث أبي موسى. قال ﷺ (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم). قال النووي ﵀: ومعنى: (ضيقت عليه) أي: عنه، فلم يدخلها. وحملوا قوله ﷺ لعبد الله بن عمرو (لا أفضل من ذلك) أي في حقك، فيلتحق به من في معناه ممن يدخل فيه على نفسه مشقة، أو يفوت حقاً، ولذلك لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد، فلو السرد ممتنعاً لبينه له، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

стр. 1625

ج-ولقوله ﷺ في صيام ثلاثة أيام من كل شهر (كصيام الدهر). متفق عليه قالوا: فدل على أن صوم الدهر أفضل مما شبه به، وأنه أمر مطلوب. د- أنه فعل بعض الصحابة كعائشة وعثمان وأبو طلحة. عن ابن عمر أنه سئل عن صيام الدهر فقال: (كنا نعد أولئك فينا من السابقين) رواه البيهقي. وعن عروة أن عائشة (كانت تصوم الدهر في السفر والحضر) رواه البيهقي بإسناد صحيح. وعن أنس قال (كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي ﷺ من أجل الغزو، فلما قبض النبي ﷺ لم أره مفطراً إلا يوم الفطر أو الأضحى) رواه البخاري في صحيحه. هـ-عموم الآيات والأحاديث الدالة على فضل العبادة وعمل الخير: منها قوله تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا). وقوله ﷺ (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا). وأجاب هؤلاء (وهم الجمهور) عن أدلة من قال بالمنع؟ أجابوا بما قال النووي ﵀: أحدها: جواب عائشة ﵂ وتابعها عليه خلائق من العلماء، أن المراد: من صام الدهر حقيقة، بأن يصوم معه العيد والتشريق، وهذا منهي عنه بالإجماع. الثاني: أنه - يعني حديث (لا صام من صام الأبد) - محمول على أن معناه أنه لا يجد من مشقته ما يجد غيره، لأنه يألفه ويسهل عليه، فيكون خبراً لا دعاء، ومعناه لا صام صوماً يلحقه فيه مشقة كبيرة، ولا أفطر، بل هو صائم له ثواب الصائمين

стр. 1626

والثالث: أنه محمول على من تضرر بصوم الدهر أو فوت به حقاً، ويؤيده أنه في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كان النهي خطاباً له، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة، وكان يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ فنهى النبي ﷺ ابن عمرو بن العاص لعلمه بأنه يضعف عن ذلك، وأقر حمزة بن عمرو - سيأتي حديثه فيما بعد - لعلمه بقدرته على ذلك بلا ضرر. (المجموع). وأجاب أصحاب القول الأول عن أدلة من قال بالجواز؟ أجابوا: أما حديث حمزة بن عمرو (إني أسرد الصوم) بأن سؤال حمزة إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر، ولا يلزم من سرد الصوم صوم الدهر، فقد قال أسامة بن زيد (أن النبي ﷺ كان يسرد الصوم فيقال لا يفطر). رواه أحمد، ومن المعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يصوم الدهر، فلا يلزم من ذكر السرد صوم الدهر. (الفتح). وقد أجاب ابن حزم عن حديث حمزة بن عمرو الأسلمي وغيره من الصحابة الذين ورد أنهم كانوا يسردون الصوم: بأن سرد الصوم ليس هو صيام الدهر كله، وإنما هو متابعة الصيام لأشهر طويلة حتى يقال: لا يفطر، ولكن ليس صيام العام كله، وروي عن بعض الصحابة كعمر بن الخطاب ﵁ النهي الصريح عن صيام الدهر. وأما قوله (صيام ثلاثة أيام كصيام الدهر … ) قال ابن القيم: هذا التشبيه إنما يقتضي التشبيه في ثوابه لو كان مستحباً. وأما الآية (من جاء بالحسنة … ) والحديث (من صام يوماً … ) فأجيب عن هذين الدليلين بأنهما عامَّان في كل صيام، وقد جاءت الأدلة السابقة بتخصيص صيام الدهر من عموم الاستحباب.

стр. 1627

وأما الجواب عن فعل بعض الصحابة كعائشة وأبو طلحة: أولاً: أنه موقوف لا يعارض به المرفوع. ثانياً: وصح عن بعض السلف أنهم كانوا يمنعون من يصوم الدهر. ثالثاً: نصوص المنع أقوى من نصوص الجواز. والراجح المنع من صومه. فائدة: قال ابن رجب: الحكمة من النهي عن استدامة الصيام: قد أشار النبي ﷺ إلى الحكمة في ذلك من وجوه: منها: قوله ﷺ في صيام الدهر (لا صام ولا أفطر) يعني أنه لا يجد مشقة الصيام ولا فقْدَ الطعام والشراب والشهوة، لأنه صار الصيام له عادة مألوفة، فربما تضرر بتركه، فإذا صام تارة وأفطر تارة حصل له بالصيام مقصوده بترك هذه الشهوات، وفي نفسه داعية إليها، وذلك أفضل من أن يتركها ونفسه لا تتوق إليها. ومنها: قوله ﷺ في حق داود ﵇ (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى) يشير إلى أنه كان لا يضعفه صيامه عن ملاقاة عدوه ومجاهدته في سبيل الله.

стр. 1628

ومنها: ما أشار إليه بقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو (لعله أن تطول بك حياة) يعني أن من تكلّف الاجتهاد في العبادة فقد تحمِلُه قوة الشباب ما دامت باقية، فإذا ذهب الشباب وجاء المشيب والكِبَر عجز عن حمل ذلك، فإن صابر وجاهد واستمرّ فربما هلك بدنه، وإن قطع فقد فاته أحب الأعمال إلى الله تعالى، وهو المداومة على العمل الصالح. (وَيَحْرُمُ صَوْمُ العِيدَيْنِ وَلَوْ فِي فَرْضٍ) أي: من الصيام المحرّم صوم العيدين. (يوم عيد الفطر، ويوم عيد الأضحى). عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ) متفق عليه. وعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ - قَالَ: (شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ: تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ) متفق عليه. ففي هذين الحديثين تحريم صيام يومي العيد. قال النووي: أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواء صامهما عن نذر، أو تطوع، أو كفارة. وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم أن صوم يومي العيد منهي عنه، محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة.

стр. 1629

فائدة: ١ ما الحكم لو نذر صيامهما، فهل يصح نذره؟ لا يصح نذره، ولا ينعقد، ولا يجوز الوفاء به. لأنه نذر معصية، وقد قال النبي ﷺ (من نذر أن يعص الله فلا يعصه). متفق عليه فائدة: ٢ الحكمة من النهي عن صيامهما: هو الأكل من النسك في عيد الأضحى تقربا إلى الله تعالى، وتمييز الصوم من الفطر في عيد الفطر. قال الشوكاني: والحكمة في النهي عن صوم العيدين: أن فيه إعراضاً عن ضيافة الله تعالى لعباده، كما صرح بذلك أهل الأصول. فائدة: ٣ عيد الفطر هو يوم واحد فقط، وهو اليوم الأول من شوال. وأما ما اشتهر عند الناس من أن عيد الفطر ثلاثة أيام، فهذا مجرد عرف اشتهر بين الناس لا يترتب عليه حكم شرعي. قال البخاري ﵀: بَاب صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ ثم روى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَالنَّحْرِ. فعلى هذا فيوم الفطر يوم واحد فقط، وهو الذي يحرم صومه، أما اليوم الثاني أو الثالث من شوال فلا يحرم صومهما، فيجوز صومهما عن قضاء رمضان أو تطوعاً.

стр. 1630

(وَصِيَامُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، إلاَّ عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ). أي: ومن الصيام المحرم، صوم أيام التشريق إلا عن دم متعة وقران. وأيام التشريق: هي الأيام التي بعد يوم النحر، وهي [١١، ١٢، ١٣] من ذي الحجة. وسميت بذلك: لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تنشر في الشمس. وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس. فصوم هذه الأيام: لا يصح إلا للمتمتع والقارن إذا لم يجدا الهدي. وهو قول مالك والشافعي في القديم. ونسبه ابن حجر لابن عمر، وعائشة، وعبيد بن عمير. أ- عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالا (لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ اَلْهَدْيَ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي. وقد أخرجه الدار قطني والطحاوي بلفظ (رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق). فهذا الحديث صريح في الترخيص للمتمتع الذي لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق، وهو مقيِّد لما جاء من النهي عن صوم هذه الأيام مطلقاً. ورجحه الشوكاني وقال: وهو أقوى المذاهب. وهذا القول هو الصحيح. وذهب بعض العلماء: إلى المنع مطلقاً. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد وابن حزم. قال في الفتح: وعن علي وعبد الله بن عمرو المنع مطلقاً، وهو المشهور عن الشافعي. أ-عنْ نُبَيْشَةَ اَلْهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيَّامُ اَلتَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ) رَوَاهُ مُسْلِم. قال الخطابي: فيه دليلٌ على أنّ صوم أيام التشريق غير جائز؛ لأنه قد وسمها بالأكل والشرب كما وسم يوم العيد بالفطر ثم لم يجز صيامه، فكذلك أيام التشريق، وسواء كان تطوعًا من الصائم أو نذرًا أو صامها الحاج عن التمتع. ب-وعن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أيام منى أيام أكل وشرب). رواه مسلم ج-عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) رواه أحمد.

стр. 1631

قال الخطابي: وهذا كالتعليل في وجوب الإفطار فيها وأنها مستحقة لهذا المعنى، فلا يجوز صيامها ابتداءً تطوعًا ولا نذرًا، ولا عن صوم التمتع إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر. والصحيح الأول، وهو تحريم صومها إلا للمتمتع الذي لم يجد الهدي. فائدة: (وَمنْ دخلَ في تطوعٍ لم يجب إتمامه). أي: أنه يجوز للصائم نفلاً أن يقطع صومه ولو من غير عذر. أ- عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ». فَقُلْنَا لَا. قَالَ «فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ». ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِىَ لَنَا حَيْسٌ. فَقَالَ «أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» فَأَكَلَ) رواه مسلم. ب- عَن أَبِى جُحَيْفة. قَالَ (آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِى الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً. فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً. فَقَالَ كُلْ. قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ. قَالَ: نَمْ. فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ. فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ. فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ سَلْمَانُ). رواه البخاري ج- وعن أبي سعيد الخدري أنه قال (صنعت لرسول الله ﷺ طعاماً فأتاني هو وأصحابه فلما وضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : دعاكم أخوكم وتكلف لكم ثم قال له أفطر وصم مكانه يوماً إن شئت) رواه البيهقي. د- وعن أم هانئ قال رسول الله ﷺ : (الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر). رواه الحاكم وحسنه العراقي ج- ولأنه نفل فهو إلى خيرة الإنسان في الابتداء، وكذا في الدوام. [قاله النووي]

стр. 1632

فائدة: لكن هؤلاء اتفقوا على استحباب إتمامه. وذهب بعض العلماء: أنه لا يجوز قطعه. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. أ-لقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم). ب- ولحديث عائشة قالت: (كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء رسول الله ﷺ فبدرتني إليه حفصة وكانت ابنة أبيها، فقالت: يا رسول الله! إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، قال اقضيا يوماً آخر مكانه) رواه الترمذي. والراجح القول الأول. وأما الجواب عن أدلة القول الثاني: أما الآية (ولا تبطلوا أعمالكم) فيجاب عنها؛ بأن الخروج من صيام التطوع ليس إبطالاً للعمل، لأن إبطال العمل يكون بالردة، وقد يكون بالرياء والسمعة. وأما حديث عائشة وحفصة؛ فهو حديث ضعيف لا يصح. (وفي فرضٍ يجب). أي: وفي صوم الفرض - كقضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة - يجب إتمامه ولا يجوز قطعه. قال ابن قدامة: وَمِنْ دَخَلَ فِي وَاجِبٍ، كَقَضَاءِ رَمَضَان، أَوْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ، أَوْ صِيَامِ كَفَّارَةٍ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَيِّنَ وَجَبَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ، وَغَيْرَ الْمُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ بِدُخُولِهِ فِيهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ الْمُتَعَيِّنِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ. فلا يجوز قطع الفرض من صلاة أو صيام، إلا في مسألتين: الأولى: للضرورة، كما لو كان في ذلك إنقاذ نفس معصومة من الهلاك. كمن شرع في صلاة فريضة، ورأى طفلاً يريد أن يقع في هلكة، فهنا يجب أن يقطعها لينقذه.

стр. 1633

الثانية: إذا قطع الفرض ليفعله على وجه أكمل. مثال: إنسان دخل في الصلاة لوحده، وفي أثناء صلاته دخل جماعة وشرعوا في الفريضة، فهنا يجوز أن يقطع الفريضة ليدخل معهم. (فهو قطعها ليفعلها على وجه أكمل). والدليل على هذه المسألة: حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (أَنَّ رَجُلاً، قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ، أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: شَأْنُكَ إِذَنْ) رواه أبو داود. (وَتُرْجَى لَيْلَةُ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأواخِرِ مِنْ رَمَضان وأوتاره آكد، وَلَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أبلَغُ ويَدْعُوا فِيها بِمَا وَرَدْ). أي: أن ليلة القدر ترجي وتتحرى في العشر الأواخر من رمضان، وآكد العشر أوتاره، وآكد هذه الأوتار ليلة سبع وعشرين.

стр. 1634

مباحث تتعلق بليلة القدر: المبحث: ١ سبب تسميتها بليلة القدر: فقيل: لأن الله يقدر فيها الأرزاق والآجال وحوادث العام، كما قال تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم). وعزاه النووي للعلماء حيث صدر كلامه فقال: قال العلماء: سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار. قال الشنقيطي: قَوْلُهُ تعالى (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) مَعْنَى قَوْلِهِ: يُفْرَقُ، أَيْ يُفْصَلُ وَيُبَيَّنُ، وَيُكْتَبُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ (كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) أَيْ ذِي حِكْمَةٍ بَالِغَةٍ; لِأَنَّ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَنْوَاعِ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَكِيمٌ، أَيْ مُحْكَمٌ، لَا تَغْيِيرَ فِيهِ وَلَا تَبْدِيلَ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ حَقٌّ; لِأَنَّ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ، وَلِأَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ فِي غَايَةِ الْحِكْمَةِ. وَإِيضَاحُ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ ﵎ فِي كُلِّ لَيْلَةِ قَدْرٍ مِنَ السَّنَةِ يُبَيِّنُ لِلْمَلَائِكَةِ وَيَكْتُبُ لَهُمْ بِالتَّفْصِيلِ وَالْإِيضَاحِ جَمِيعَ مَا يَقَعُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ السَّنَةِ الْجَدِيدَةِ، فَتَبَيَّنَ فِي ذَلِكَ الْآجَالُ وَالْأَرْزَاقُ، وَالْفَقْرُ وَالْغِنَى، وَالْخِصْبُ وَالْجَدْبُ وَالصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ، وَالْحُرُوبُ وَالزَّلَازِلُ، وَجَمِيعُ مَا يَقَعُ فِي تِلْكَ السَّنَّةِ كَائِنًا مَا كَانَ. (أضواء البيان). وقيل: سميت بذلك لأنها ليلة عظيمة وذات شرف، من قولهم لفلان قدر عند فلان، أي: منزلة وشرف، ويدل لذلك قوله تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر). وقيل: سميت بذلك لأنها تكسب من أحياها قدراً عظيماً، ويدل لذلك قوله ﷺ (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

стр. 1635

مبحث: ٢ وهي ليلة شريفة وفاضلة، ومن فضائلها: أولاً: قيامها سبب لمغفرة الذنوب. قال ﷺ (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. ثانياً: أنزل فيها القرآن. قال تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر). ثالثاً: أنها مباركة. قال تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة). قال الشنقيطي: قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَة) أَبْهَمَ تَعَالَى هَذِهِ اللَّيْلَةَ الْمُبَارَكَةَ هُنَا، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّهَا هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي قَوْلِهِ تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وَبَيَّنَ كَوْنَهَا (مُبَارَكَةٍ) الْمَذْكُورَةَ هُنَا فِي قَوْلِهِ تعالى (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَقَوْلُهُ (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) أَيْ كَثِيرَةِ الْبَرَكَاتِ وَالْخَيْرَاتِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ لَيْلَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، إِلَى آخِرِ الصِّفَاتِ الَّتِي وُصِفَتْ بِهَا فِي سُورَةِ «الْقَدْرِ» - كَثِيرَةُ الْبَرَكَاتِ وَالْخَيْرَاتِ جِدًّا. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ الْمُبَارَكَةَ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي قَوْلِهِ تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن). (أضواء البيان).

стр. 1636

رابعاً: نزول الملائكة والروح فيها. قال تعالى (تنزل الملائكة والروح فيها). قال ابن كثير: أي: يكثر تنزّل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزّل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحِلَقِ الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدقٍ تعظيماً له. خامساً: أنها سلام إلى مطلع الفجر. قال تعالى (سلام هي حتى مطلع الفجر). عن مجاهد في قوله (سَلَامٌ هي) قال: سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً أو يعمل فيها أذى. قال ابن الجوزي: … وفي معنى السلام قولان: أحدهما: أنه لا يحدث فيها داء ولا يُرسَل فيها شيطان، قاله مجاهد. والثاني: أن معنى السلام: الخير والبركة، قاله قتادة.

стр. 1637

مبحث: ٣ اختلف العلماء في تحديد ليلة القدر على أقوال كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري. ويمكن تقسيم هذه الأقوال إلى: هناك أقوال مرفوضة. كالقول بإنكارها من أصلها أو رفعها. هناك أقوال ضعيفة. كالقول بأنها ليلة النصف من شعبان. هناك أقوال مرجوحة. كالقول بأنها في رمضان في غير العشر الأخيرة منه. القول الراجح. أنها في العشر الأواخر من رمضان، وآكدها أوتارها. قال ابن حجر: وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين. الدليل على أن أوتار العشر آكد: حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان). رواه البخاري ومسلم وفي رواية: (في الوتر من العشر الأواخر). ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أرى رؤياكم في العشر الأواخر فاطلبوها في الوتر منها). رواه مسلم وآكد هذه الأوتار ليلة سبع وعشرين، الأدلة: كان عمر بن الخطاب ﵁[المحدث الملهم] وحذيفة بن اليمان [صاحب السر] لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين.

стр. 1638

وروى مسلم: عَنْ زِرٍّ قَالَ سَمِعْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ - وَقِيلَ لَهُ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فَقَالَ أُبَىٌّ: وَاللَّهِ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ - يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِى - وَوَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ. هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا). قال ابن رجب: ومما استدل به من رجح أنها ليلة سبع وعشرين الآيات والعلامات التي رؤيت فيها قديماً وحديثاً. قال الحافظ ابن حجر: لَيْلَةُ الْقَدْرِ مُنْحَصِرَةٌ فِي رَمَضَان، ثُمَّ فِي الْعَشْر الْأَخِيرِ مِنْهُ، ثُمَّ فِي أَوْتَارِهِ، لَا فِي لَيْلَةٍ مِنْهُ بِعَيْنِهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَجْمُوع الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِيهَا. وقال النووي ﵀: "حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ كَانَ يَحْلِف أَنَّهَا لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ، وَهَذَا أَحَد الْمَذَاهِب فِيهَا، وَأَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهَا لَيْلَة مُبْهَمَة مِنْ الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان، وَأَرْجَاهَا أَوْتَارُهَا، وَأَرْجَاهَا لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ وَثَلَاث وَعِشْرِينَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَأَكْثَرهمْ أَنَّهَا لَيْلَة مُعَيَّنَة لَا تَنْتَقِل، وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: إِنَّهَا تَنْتَقِل فَتَكُون فِي سَنَة: لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ، وَفِي سَنَة: لَيْلَة ثَلَاث، وَسَنَة: لَيْلَة إِحْدَى، وَلَيْلَة أُخْرَى وَهَذَا أَظْهَر، وَفِيهِ جَمْع بَيْن الْأَحَادِيث الْمُخْتَلِفَة فِيهَا. (شرح مسلم). مبحث: ٤ قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر، ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها لاقتصر عليها. مبحث: ٥ سبب رفع علمها: جاء في حديث عبادة (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ «إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْس) رواه البخاري.

стр. 1639

فهذا يفيد أنها رفعت بسبب المخاصمة. وجاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال (أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ). والجمع: إما أنه يحمل على التعدد، أو يكون المعنى: أيقظني بعض أهلي فسمعت تلاحي الرجلين فقمت لأحجز بينهما فنسيتها للاشتغال بهما. قوله (فرفعت) قال ابن كثير: أي رفع علم تعيينها لكم، لا أنها رفعت بالكلية من الوجود، لأنه قال بعد هذا: فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. وقوله (وعسى أن يكون خيراً) أي وإن كان عدم الرفع أزيد خيراً وأولى منه، لأنه متحقق فيه، لكن في الرفع خير مرجو لاستلزامه مزيد الثواب، لكونه سبباً لزيادة الاجتهاد في التماسها. وقال ابن كثير: وعسى أن يكون خيراً: يعني عدم تعيينها لكم، فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محالِّ رجائها فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينها فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط. وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر ولهذا كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده. [تفسير ابن كثير. ٤/ ٥٣٤] قال القاضي عياض: فيه أن المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة المعنوية أي الحرمان.

стр. 1640

مبحث: ٦ بعض علامات ليلة القدر: جاء في صحيح مسلم عن أبي بن كعب (أن النبي ﷺ أخبر من أماراتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها). ما جاء في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (ليلة القدر ليلة طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة). رواه ابن خزيمة وذكر بعض العلماء علامات أخرى: زيادة النور في تلك الليلة، طمأنينة القلب وانشراح الصدر من المؤمن مبحث: ٧ بعض العلامات التي لا أصل لها: قال الحافظ: وذكر الطبري عن قوم أن الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى منابتها وأن كل شيء يسجد فيها. ذكر بعضهم أن المياه المالحة تصبح في ليلة القدر حلوة، وهذا لا يصح. وذكر بعضهم أن الكلاب لا تنبح فيها ولا ترى نجومها، وهذا لا يصح. مبحث: ٨ هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها وإن لم يظهر له شيء، أو يتوقف ذلك على كشفها؟ ذهب إلى الأول الطبري وابن العربي وجماعة. وإلى الثاني ذهب الأكثر، ويدل له ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ (من يقم ليلة القدر فيوافقها). وفي حديث عبادة بن الصامت عند أحمد (من قامها إيماناً واحتساباً ثم وفقت له). قال النووي: معنى يوافقها: أي يعلم أنها ليلة القدر فيوافقها.

стр. 1641

مبحث: ٩ يسن أن يقول لمن علمها: ما جاء عن عائشة ﵂ قالت (قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه الترمذي. مبحث: ١٠ قال النووي في المجموع: ويسن لمن رآها كتمها. وقال في شرح مسلم: وَاعْلَمْ أَنَّ لَيْلَة الْقَدْر مَوْجُودَة كَمَا سَبَقَ بَيَانه فِي أَوَّل الْبَاب، فَإِنَّهَا تُرَى، وَيَتَحَقَّقهَا مَنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مِنْ بَنِي آدَم كُلّ سَنَة فِي رَمَضَان كَمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأَحَادِيث السَّابِقَة فِي الْبَاب، وَإِخْبَار الصَّالِحِينَ بِهَا وَرُؤْيَتهمْ لَهَا أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَر، وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي عِيَاض: عَنْ الْمُهَلَّب بْن أَبِي صُفْرَة لا يُمْكِن رُؤْيَتهَا حَقِيقَة، فَغَلَط فَاحِش، نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلا يُغْتَرّ بِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. وقال شيخ الإسلام: وَقَدْ يَكْشِفُهَا اللَّهُ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي الْمَنَامِ أَوْ الْيَقَظَةِ. فَيَرَى أَنْوَارَهَا أَوْ يَرَى مَنْ يَقُولُ لَهُ هَذِهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَقَدْ يُفْتَحُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الأَمْرُ. روى عبد الرزاق في مصنفه أن التابعي الجليل مكحول الدمشقي كان يرى ليلة القدر ثلاث وعشرين. قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة أبو زيد الأنصاري: يقال أنه كان يرى ليلة القدر. قال النووي: ليلة القدر مختصة في هذه الأمة زادها الله شرفاً لم تكن لمن كان قبلنا. (المجموع). وقال أيضاً ﵀: إنه الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلهم وجماهير العلماء. وقيل: بل كانت موجودة في الأمم الماضية. لحديث أبي ذر أنه قال: (يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر في رمضان أو في غيره؟ فقال: بل هي في رمضان، قال: قلت: يا رسول الله، تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبض الأنبياء رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: لا بل هي إلى يوم القيامة). رواه النسائي تخصيص ليلة القدر بعمرة فليس بمشروع، وقد نبه الشيخ ابن عثيمين ﵀ على أن تحرى العمرة في ليلة القدر قد يكون بدعة؛ لأنه تخصيص بما لم يأت دليل من الشارع على تخصيصه. والعمرة خصت في رمضان كله، لقوله ﷺ "عمرة في رمضان تقضى حجة" أو قال: "حجة معي.

стр. 1642

باب الاعتكاف الاعتكاف لغة: الإقامة، يقال: عكف بالمكان إذا أقام فيه، ومنه قوله تعالى: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون). وشرعاً: لزوم المسجد بنية مخصوصة لطاعة الله وتفرغاً لعبادته. فائدة: الحكمة من الاعتكاف: التفرغ للعبادة، والانقطاع عن العوائق والشواغل. قال ابن تيمية: ولما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبُّه ويعظِّمه، كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم شرع الله لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم . وذلك: لكي ينأى بنفسه عن الشَّواغل التي تحول بين المرء وبين أن يتفرَّغ لعبادة ربّه ! وهذه الشواغل تتمثل في الفضول الأربعة: فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام! فالقدر المناسب من هذه المضرّات الأربعة، ليس مضرّاً، ولكن الزيادة فيها عن حدّ الاعتدال! وقال ابن رجب: فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال.

стр. 1643

(وهو سنة). أي: أن الاعتكاف سنة للرجل والمرأة. قال ابن قدامة: ومما يدل على أنه سنةٌ، فعل النبي ﷺ ومداومته عليه، تقرباً إلى الله تعالى، وطلباً لثوابه، واعتكاف أزواجه معه وبعده، ويدل على أنه غير واجبٍ أن أصحابه لم يعتكفوا، ولا أمرهم النبي ﷺ به إلا من أراده. وقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه، فيجب عليه. وقال النووي: فالاعتكاف سنةٌ بالإجماع ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع. … (المجموع). أ-قال تعالى (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ). ب- وَعَنْ عائشة (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ج- قوله ﷺ ( … فمن أحب أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر) رواه مسلم. د - وعَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ أَمَرَتْ بِبِنَاءٍ فَبُنِيَ لَهَا … ) متفق عليه. نقل عن الإمام مالك أنه قال (تأملت أمر الاعتكاف وما ورد فيه كيف أن المسلمين تركوه مع أن النبي ﷺ لم يتركه، فرأيت أنهم إنما تركوه لمشقة ذلك عليهم). قال الزهري: عجباً للمسلمين تركوا الاعتكاف مع أن النبي ﷺ ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله.

стр. 1644

فائدة: وهو سنة في رمضان وغير رمضان، لكن الأفضل والسنة في رمضان في العشر الأواخر. (ويصِحُّ بِلا صومٍ). أي: يصح الاعتكاف بلا صوم. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. أ-أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال. فعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاِعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ «آلْبِرَّ تُرِدْنَ». فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ) رواه مسلم. قال البغوي: وفي اعتكافه في أوَّل شوال دليلٌ على أنّ الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف؛ لأنّ يوم العيد غير قابل للصوم. ب-ولحديث ابن عمر: (أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك). متفق عليه. قال الخطابي: وفيه دليل على أنّ الاعتكاف جائز بغير صوم؛ لأنه كان نذرَ اعتكافَ ليلة، والليل ليس بمحل للصوم. وهذا الحديث أيضًا قد بوّب له ابن خزيمة بقوله: باب الخبر الدال على إجازة الاعتكاف بلا مقارنة للصوم، إذ النبي ﷺ قد أمر باعتكاف ليلة، ولا صوم في الليل.

стр. 1645

ج- حديث ابن عَبَّاسٍ - أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَيْسَ عَلَى اَلْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ) وهو ضعيف. د-ولأنه عبادة تصح في الليل، فلم يشترط له الصيام كالصلاة، ولأنه عبادة تصح في الليل، فأشبه سائر العبادات. هـ-ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص، ولا إجماع، فدل على أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يشترط للاعتكاف صوم. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم. قال ابن القيم: القول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية. أ- لقوله تعالى ( … ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). وجه الاستدلال: أنّ الله تعالى ذكر الاعتكاف إثر الصوم فوجب أن لا يكون الاعتكاف إلا بصوم. ب- وعن عائشة. قَالَتْ: (اَلسُّنَّةُ عَلَى اَلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ … ) رواه أبو داود. ج-ما روته عائشة مرفوعاً (لا اعتكاف إلا بصوم) رواه الدارقطني.

стр. 1646

(ويجبُ بالنذرِ). أي: الاعتكاف لا يجب إلا إذا نذره الإنسان على نفسه. قال الحافظ: وليس واجباً إجماعاً إلا على من نذره. لحديث عمر أنه قال (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك) متفق عليه. ولحديث عائشة (من نذر أن يطيع الله فليطعه) رواه البخاري، والاعتكاف طاعة. (وآكده في رمضان في العشر الأواخر). أي: وآكد الاعتكاف وأفضله في رمضان في العشر الأواخر منه، لفعل النبي ﷺ . أ- عن عائشة (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ب- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا) رواه البخاري. فائدة: الحكمة من تخصيص الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؟ لالتماس ليلة القدر. عنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ .... ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ: إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ) متفق عليه. (ولا حدّ لأكثره). أي: لا حد لأكثر الاعتكاف. قال ابن حجر: اتفقوا على أنه لا حد لأكثره. وقال ابن الملقن: أجمع العلماء على أن لا حدَّ لأكثره.

стр. 1647

فائدة: اختلف العلماء في أقل الاعتكاف على أقوال: القول الأول: أن أقله لحظة. وهذا مذهب الجمهور، فهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. قال النووي: وَأَمَّا أَقَلُّ الاعْتِكَافِ فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لُبْثٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْكَثِيرُ مِنْهُ وَالْقَلِيلُ حَتَّى سَاعَةٍ أَوْ لَحْظَة. أ-أن الاعتكاف في اللغة هو الإقامة، وهذا يصدق على المدة الطويلة والقصيرة ولم يرد في الشرع ما يحدده بمدة معينة. قال ابن حزم: والاعتكاف في لغة العرب الإقامة .. فكل إقامة في مسجد لله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف .. مما قل من الأزمان أو كثر، إذ لم يخص القرآن والسنة عدداً من عدد، ووقتاً من وقت. ب-روى ابن أبي شيبة عن يعلى بن أمية ﵁ قال: إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف. احتج به ابن حزم في المحلى (٥/ ١٧٩) وذكره الحافظ في الفتح وسكت عليه. والساعة هي جزء من الزمان وليست الساعة المصطلح عليها الآن وهي ستون دقيقة. ج-أن الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير. قال الشيخ ابن باز: الاعتكاف هو المكث في المسجد لطاعة الله تعالى سواء كانت المدة كثيرة أو قليلة، لأنه لم يرد في ذلك فيما أعلم ما يدل على التحديد لا بيوم ولا بيومين ولا بما هو أكثر من ذلك، وهو عبادة مشروعة إلا إذا نذره صار واجباً بالنذر وهو في المرأة والرجل سواء.

стр. 1648

القول الثاني: أن أقل مدته يوم. وقال به بعض المالكية. القول الثالث: أن أقل مدته يوم وليلة. وهذا مذهب المالكية. لحديث عمر أنه قال (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك). متفق عليه. والراجح القول الأول. (ولا يَصِح إلا في مسجدٍ). أي: لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد. لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). قال ابن عبد البر: وأجمعوا أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد. وقال القرطبي: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد. وقال في المغني: لا نعلم فيه خلافاً. (يُجمعُ فيه). أي: في مسجد تقام فيه الجماعة. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة. لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).

стр. 1649

وجه الدلالة: أن الآية تعم كل مسجد، وخص منها ما تقام فيه الجماعة لأدلة وجوب الجماعة. قال ابن قدامة في المغني: وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ، وَاعْتِكَافُ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ يُفْضِي إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: الأول: إمَّا تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ - وَإِمَّا خُرُوجُهُ إلَيْهَا، فَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ كَثِيرًا مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ، إذْ هُوَ لُزُومُ الْمُعْتَكَفِ وَالْإِقَامَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيهِ. وذهب بعض العلماء: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة. لحديث حذيفة مرفوعاً (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) رواه سعيد بن منصور. وذهب بعضهم: إلى أنه يصح في كل مسجد سواء تقام فيه الجماعة أم لا. وهذا مذهب الشافعية. لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). قالوا: وهذا عام يشمل كل المساجد ولا يقبل تخصيصها ببعض المساجد إلا بدليل. والراجح المذهب، وأنه يصح في كل مسجد جماعة.

стр. 1650

فائدة: الجواب عن حديث حذيفة (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة): أولاً: أنه لا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ . ثانياً: أنه لو كان ثابتاً مرفوعاً لاشتهر ذلك بين الصحابة، وقد خالفه جمع من الصحابة. قال علي بن أبي طالب: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. أخرجه ابن أبي شيبة. وقالت عائشة: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. أخرجه البيهقي. وقال ابن عباس: لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة. أخرجه البيهقي ثالثاً: أنه لو قيل: بموجب هذا الحديث لكان حملاً للآية على النادر، وهذا من معايب الاستدلال. رابعاً: على فرض ثبوته، فالمراد: لا اعتكاف كامل لما تقدم من أدلة الرأي الأول. (إلا المرأةُ ففي كلِ مسجدٍ سِوَى مسجدَ بيتِها). أي: أن المرأة يشرع لها الاعتكاف كالرجل كما تقدم، في الحديث ( … ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ). ويصح اعتكافها في كل مسجد ولو لم تقم فيه الجماعة، سوى مسجد بيتها. وهذا مذهب الجمهور. (خلافاً لمن قال يجوز في مسجد بينها وهو مصلاها). وقد ذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز لها أن تعتكف في مسجد بيتها (وهو مصلاها). والراجح مذهب الجمهور، وأنه لا يصح في مسجد بيتها.
следующие страницы →