Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
(ويجبُ بالنذرِ).
أي: الاعتكاف لا يجب إلا إذا نذره الإنسان على نفسه.
قال الحافظ: وليس واجباً إجماعاً إلا على من نذره.
لحديث عمر أنه قال (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك) متفق عليه.
ولحديث عائشة (من نذر أن يطيع الله فليطعه) رواه البخاري، والاعتكاف طاعة.
(وآكده في رمضان في العشر الأواخر).
أي: وآكد الاعتكاف وأفضله في رمضان في العشر الأواخر منه، لفعل النبي ﷺ .
أ- عن عائشة (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
ب- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا) رواه البخاري.
فائدة:
الحكمة من تخصيص الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؟
لالتماس ليلة القدر.
عنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ .... ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ: إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ) متفق عليه.
(ولا حدّ لأكثره).
أي: لا حد لأكثر الاعتكاف.
قال ابن حجر: اتفقوا على أنه لا حد لأكثره.
وقال ابن الملقن: أجمع العلماء على أن لا حدَّ لأكثره.
стр. 1647
فائدة:
اختلف العلماء في أقل الاعتكاف على أقوال:
القول الأول: أن أقله لحظة.
وهذا مذهب الجمهور، فهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
قال النووي: وَأَمَّا أَقَلُّ الاعْتِكَافِ فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لُبْثٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْكَثِيرُ مِنْهُ وَالْقَلِيلُ حَتَّى سَاعَةٍ أَوْ لَحْظَة.
أ-أن الاعتكاف في اللغة هو الإقامة، وهذا يصدق على المدة الطويلة والقصيرة ولم يرد في الشرع ما يحدده بمدة معينة.
قال ابن حزم: والاعتكاف في لغة العرب الإقامة .. فكل إقامة في مسجد لله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف .. مما قل من الأزمان أو كثر، إذ لم يخص القرآن والسنة عدداً من عدد، ووقتاً من وقت.
ب-روى ابن أبي شيبة عن يعلى بن أمية ﵁ قال: إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف. احتج به ابن حزم في المحلى (٥/ ١٧٩) وذكره الحافظ في الفتح وسكت عليه. والساعة هي جزء من الزمان وليست الساعة المصطلح عليها الآن وهي ستون دقيقة.
ج-أن الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير.
قال الشيخ ابن باز: الاعتكاف هو المكث في المسجد لطاعة الله تعالى سواء كانت المدة كثيرة أو قليلة، لأنه لم يرد في ذلك فيما أعلم ما يدل على التحديد لا بيوم ولا بيومين ولا بما هو أكثر من ذلك، وهو عبادة مشروعة إلا إذا نذره صار واجباً بالنذر وهو في المرأة والرجل سواء.
стр. 1648
القول الثاني: أن أقل مدته يوم.
وقال به بعض المالكية.
القول الثالث: أن أقل مدته يوم وليلة.
وهذا مذهب المالكية.
لحديث عمر أنه قال (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك). متفق عليه.
والراجح القول الأول.
(ولا يَصِح إلا في مسجدٍ).
أي: لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد.
لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).
قال ابن عبد البر: وأجمعوا أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد.
وقال القرطبي: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد.
وقال في المغني: لا نعلم فيه خلافاً.
(يُجمعُ فيه).
أي: في مسجد تقام فيه الجماعة.
وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.
لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).
стр. 1649
وجه الدلالة: أن الآية تعم كل مسجد، وخص منها ما تقام فيه الجماعة لأدلة وجوب الجماعة.
قال ابن قدامة في المغني: وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ، وَاعْتِكَافُ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ يُفْضِي إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
الأول: إمَّا تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ - وَإِمَّا خُرُوجُهُ إلَيْهَا، فَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ كَثِيرًا مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ، إذْ هُوَ لُزُومُ الْمُعْتَكَفِ وَالْإِقَامَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيهِ.
وذهب بعض العلماء: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة.
لحديث حذيفة مرفوعاً (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) رواه سعيد بن منصور.
وذهب بعضهم: إلى أنه يصح في كل مسجد سواء تقام فيه الجماعة أم لا.
وهذا مذهب الشافعية.
لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). قالوا: وهذا عام يشمل كل المساجد ولا يقبل تخصيصها ببعض المساجد إلا بدليل.
والراجح المذهب، وأنه يصح في كل مسجد جماعة.
стр. 1650
فائدة:
الجواب عن حديث حذيفة (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة):
أولاً: أنه لا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
ثانياً: أنه لو كان ثابتاً مرفوعاً لاشتهر ذلك بين الصحابة، وقد خالفه جمع من الصحابة.
قال علي بن أبي طالب: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. أخرجه ابن أبي شيبة.
وقالت عائشة: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. أخرجه البيهقي.
وقال ابن عباس: لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة. أخرجه البيهقي
ثالثاً: أنه لو قيل: بموجب هذا الحديث لكان حملاً للآية على النادر، وهذا من معايب الاستدلال.
رابعاً: على فرض ثبوته، فالمراد: لا اعتكاف كامل لما تقدم من أدلة الرأي الأول.
(إلا المرأةُ ففي كلِ مسجدٍ سِوَى مسجدَ بيتِها).
أي: أن المرأة يشرع لها الاعتكاف كالرجل كما تقدم، في الحديث ( … ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ).
ويصح اعتكافها في كل مسجد ولو لم تقم فيه الجماعة، سوى مسجد بيتها.
وهذا مذهب الجمهور. (خلافاً لمن قال يجوز في مسجد بينها وهو مصلاها).
وقد ذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز لها أن تعتكف في مسجد بيتها (وهو مصلاها).
والراجح مذهب الجمهور، وأنه لا يصح في مسجد بيتها.
стр. 1651
قال ابن قدامة:
أ- وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).
وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ فِيهَا، وَمَوْضِعُ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، وَإِنْ سُمِّيَ مَسْجِدًا كَانَ مَجَازًا، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْمَسَاجِدِ الْحَقِيقِيَّةِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا).
ب-وَلِأَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَذِنَ لَهُنَّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لِاعْتِكَافِهِنَّ، لَمَا أَذِنَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِهِ أَفْضَلَ لَدَلَّهُنَّ عَلَيْهِ، وَنَبَّهَهُنَّ عَلَيْهِ.
ج-وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ قُرْبَةٌ يُشْتَرَطُ لَهَا الْمَسْجِدُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، فَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، كَالطَّوَافِ. (المغني).
د- وعن عائشة. (أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضةٌ ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم) أخرجه البخاري.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ مكَّن امرأته أن تعتكف في المسجد وهي مستحاضةٌ، إذ لا تفعل ذلك إلا بأمره، ولو كان الاعتكاف في البيت جائزاً لما أمرها بالمسجد، ولأمرها بالبيت؛ فإنه أسهل وأيسر وأبعد عن تلويث المسجد بالنجاسة، وعن مشقة حمل الطست ونقله، وهو ﷺ لم يُخيَّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فعُلِمَ أن الجلوس في غير المسجد ليس باعتكاف.
стр. 1652
فائدة:
شروط اعتكاف المرأة:
أولاً: إذن الزوج.
ثانياً: إذا أمنت الفتنة. ثالثاً: أن تكون طاهرة.
(ويشترط لاعتكاف المرأة إذا وليها).
أي: يشترط لاعتكاف المرأة إذا وليها من زوج أو غيره، فلا يجوز للمرأة أن تعتكف إلا بإذن زوجها، لأن اعتكافها في المسجد يفوت حق الزوج، فإن أذن لها فله الرجوع في الإذن وإخراجها من الاعتكاف.
ففي عائشة وقد تقدم ( … فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ … ).
قال ابن قدامة: وَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ إلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا فَإِنْ أَذِنَ الزَّوْجُ لَها، ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَها مِنْهُ بَعْدَ شُرُوعِها فِيهِ، فَلَه ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ كَانَ مَا أُذِنَ فِيهِ مَنْذُورًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُا مِنْهُ; لأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَيَجِبُ إتْمَامُهُ، فَيَصِيرُ كَالْحَجِّ إذَا أَحْرَمَت بِهِ اهـ بتصرف.
وقد دلت السنة على جواز منع الرجل امرأته من الاعتكاف إلا بإذنه.
ففي حديث عائشة - وقد تقدم - قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ آلْبِرَّ تُرِدْنَ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّال) متفق عليه.
وفي رواية للبخاري (فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَة فَأَذِنَ لَهَا، وَسَأَلَتْ حَفْصَة عَائِشَة أَنْ تَسْتَأْذِن لَهَا فَفَعَلَت).
قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْرُهُ: فِي الْحَدِيث إِنَّ الْمَرْأَة لا تَعْتَكِف حَتَّى تَسْتَأْذِن زَوْجهَا وَأَنَّهَا إِذَا اِعْتَكَفَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلَهُ أَنَّ يَرْجِعَ فَيَمْنَعَهَا. وَعَنْ أَهْل الرَّأْي إِذَا أَذِنَ لَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ مَنَعَهَا أَثِمَ بِذَلِكَ وَامْتَنَعَتْ، وَعَنْ مَالِك لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّةٌ عَلَيْهِم. (فتح الباري).
стр. 1653
(ويبطل بالخروج من المسجد لغير عذر).
أي: ويبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد بجميع بدنه بلا عذر. (كالبيع والشراء).
وهذا باتفاق الأئمة.
عن عائشة قَالَتْ: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ -وَهُوَ فِي اَلْمَسْجِدِ- فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ اَلْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وعنها قالت (السنة للمعتكف أن لا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له) رواه أبو داود.
فائدة:
ويمكن أن يُقسم خروج المعتكف من المسجد إلى أقسام:
أولاً: خروج بعض جسد المعتكف.
فهذا لا يبطل الاعتكاف بالاتفاق.
لحديث عائشة السابق (إِنْ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ -وَهُوَ فِي اَلْمَسْجِدِ- فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ اَلْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفاً) متفق عليه.
وعنها قالت (كَان ﷺ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ) متفق عليه.
ثانياً: الخروج بجميع بدنه بلا عذر. (كالبيع والشراء).
فهذا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة.
لحديث عائشة السابق ( … وَكَانَ لَا يَدْخُلُ اَلْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفاً) متفق عليه.
ثالثاً: الخروج لما لا بد منه.
(كالبول والغائط، وخروجه للوضوء إذا لم يكن فعله في المسجد).
عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَت (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) متفق عليه.
قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن للمعتكف أن يخرج عن معتكفه للغائط أو البول.
قال ابن قدامة: وَالْمُرَادُ بِحَاجَةِ الإِنْسَانِ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، كَنَّى بِذَلِكَ عَنْهُمَا; لأنَّ كُلَّ إنْسَانٍ يَحْتَاجُ إلَى فِعْلِهِمَا، وَفِي مَعْنَاهُ الْحَاجَةُ إلَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ … وَكُلُّ مَا لا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، وَلا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُطِلْ اهـ. (المغني).
стр. 1654
فائدة: ١
إذا وجد من يأتيه بالأكل فهل له الخروج من المسجد إلى منزله للأكل؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ليس له الخروج من المسجد في هذه الحال فإن خرج بطل اعتكافه.
وإليه ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية، والحنابلة.
أ- واستدل هؤلاء بحديث عائشة السابق (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ).
فقولها (إلا لحاجة الإنسان) كناية عن البول والغائط فدل ذلك على أنه ﷺ لا يخرج للأكل والشرب مع قرب بيته من المسجد.
ب-ولأن الأصل في الاعتكاف لزوم المسجد والمكث فيه وعدم الخروج منه إلا لحاجةٍ ملحة، ومادام المعتكف يوجد من يأتي له بالأكل فقد أمكن قضاء حاجة الأكل في المسجد، فيكون خروجه في هذه الحال خروجاً لغير حاجة، والخروج لغير حاجة ينافي الاعتكاف.
القول الثاني: له الخروج من المسجد إلى منزله للأكل وإن أمكنه ذلك في المسجد.
وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي.
والراجح قول الجمهور.
تنبيه: وأما خروج المعتكف من المسجد لشرب الماء في منزله مع إمكان ذلك في المسجد فلا يجوز في قول أكثر الفقهاء.
стр. 1655
فائدة: ٢
الخروج لصلاة الجمعة.
إذا تخلل الاعتكاف جمعة في مسجد غير جامع وجب على المعتكف الخروج إلى صلاة الجمعة إذا كان من أهلها.
ولكن هل يبطل اعتكافه؟
قيل: لا يبطل اعتكافه.
وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وبه قال ابن حزم.
أ-واستدلوا بالأدلة الدالة على مشروعية الاعتكاف في مسجد الجماعة.
وجه الدلالة: أن الشارع أذن بالاعتكاف في مسجد الجماعة مع إيجاب صلاة الجمعة، فدل ذلك على إذنه للخروج لصلاة الجمعة، وما ترتب على المأذون غير مضمون.
ب- أدلة وجوب صلاة الجمعة كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ).
وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على عدم بطلان الاعتكاف بالخروج إلى صلاة الجمعة، لأن إيجاب الشارع لها يقتضي استثناءها من عدم البطلان بالخروج.
وقيل: يبطل اعتكافه.
وهذا مذهب المالكية والشافعية.
قالوا: بأنه يمكنه الاحتراز من الخروج بأن يعتكف في مسجد جامع.
والراجح القول الأول، وهو عدم البطلان. (فقه الاعتكاف للمشيقح).
стр. 1656
(إلا أن يشترط).
الاشتراط في الاعتكاف معناه: أن يشترط في ابتداء اعتكافه الخروج من المسجد لأمرٍ لا ينافي الاعتكاف.
أي: إذا اشترط في اعتكافه أن يزور مريضاً، أو شهود جنازة فإنه يجوز له الخروج لذلك.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة. (يجوز له الخروج إذا اشترط).
أ- عن عائشة قَالَتْ: (اَلسُّنَّةُ عَلَى اَلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ، إِلَّا أَنَّ اَلرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ.
ب-وعنها قَالَتْ (إِنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ) رواه مسلم.
ولقولها (كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه) رواه مسلم.
عموم قوله ﷺ (المسلمون على شروطهم).
ولحديث ضباعة بنت الزبير، وفيه قال لها النبي ﷺ (حجي واشترطي) متفق عليه.
وجه الدلالة: أنه إذا كان الشرط يؤثر في الإحرام، وهو ألزم العبادات بالشروع فيه، فالاعتكاف من باب أولى.
(وبالوطء في الفرج).
أي: ويبطل الاعتكاف بالجماع في الفرج، وهذا بالإجماع.
قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه من جامع امرأته وهو معتكف عامداً لذلك في فرجها أنه يفسد اعتكافه.
وقال ابن حجر: واتفقوا على فساده بالجماع.
قال تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع.
стр. 1657
فائدة:
حكم مباشرة الزوجة حال الاعتكاف:
إذا باشر المعتكف زوجته لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: إن كان لغير شهوة فلا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة الأربعة.
والحال الثانية: وإن كانت المباشرة لشهوة حرم ذلك عليه باتفاق العلماء.
أ-لحديث الباب (وَكَانَ لَا يَدْخُلُ اَلْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ).
ب- ولمنافاته حال الاعتكاف.
• وهل يبطل اعتكافه؟
قولان للعلماء:
جماهير العلماء أنه لا يبطل اعتكافه إلا بالإنزال، إبقاء على الأصل، وهو صحة الاعتكاف، ولم يرد ما يدل على بطلانه.
وأما الآية (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فالمراد بالمباشرة هنا الجماع في قول جمهور المفسرين، وهو اختيار ابن جرير. (فقه الاعتكاف للمشيقح).
(ويدخل معتكفه قبل غروب شمس من ليلة إحدى وعشرين).
أي: أن من أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فإنه يدخل المسجد الذي يريد أن يعتكف فيه: قبل غروب الشمس من ليلة
إحدى وعشرين.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة. (الفتح).
стр. 1658
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: … والعشر الأواخر من رمضان تدخل من ليلة إحدى وعشرين وليس من فجر إحدى وعشرين.
أ-أنه ثبت أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان. متفق عليه، وهذا يدل على أنه كان يعتكف الليالي لا الأيام، لأن العشر تمييز لليالي، قال الله تعالى (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) والعشر الأواخر تبدأ من ليلة إحدى وعشرين.
٢ - قالوا: إن من أعظم ما يقصد من الاعتكاف التماس ليلة القدر، وليلة إحدى وعشرين من ليالي الوتر في العشر الأواخر فيحتمل أن تكون ليلة القدر، فينبغي أن يكون معتكفاً فيها.
قال ابن تيمية: لأنه لا يكون معتكفًا جميع العشر إلا باعتكاف أول ليلة منه، لا سيما وهي إحدى الليالي التي يلتمس فيها ليلة القدر.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يدخل من بعد صلاة الصبح من يوم إحدى وعشـ ٢١ ـرين.
قال ابن حجر: وهو قول الأوزاعي والليث والثوري.
ومال إليه الصنعاني.
لحديث عائشة قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى اَلْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال الخطابي: وفيه من الفقه: أن المعتكف يبتدئ اعتكافه من أول النهار، ويدخل في معتكفه بعد أن يصلي الفجر.
وقال الصنعاني: فيه دليلٌ على أنّ أول وقت الاعتكاف بعد صلاة الفجر، وهو ظاهر في ذلك.
لكن الصحيح قول الجمهور.
والجواب عن حديث عائشة (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى اَلْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ) من وجهين:
الأول: أن النبي ﷺ كان معتكفاً قبل غروب الشمس ولكنه لم يدخل المكان الخاص بالاعتكاف إلا بعد صلاة الفجر.
قال النووي: (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِف صَلَّى الْفَجْر ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفه) اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُول: يَبْدَأ بِالاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّل النَّهَار، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْث فِي أَحَد قَوْلَيْهِ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد: يَدْخُل فِيهِ قَبْل غُرُوب الشَّمْس إِذَا أَرَادَ اِعْتِكَاف شَهْر أَوْ اِعْتِكَاف عَشْر، وَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ الْمُعْتَكَف، وَانْقَطَعَ فِيهِ، وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْد صَلَاته الصُّبْح، لا أَنَّ ذَلِكَ وَقْت اِبْتِدَاء الاعْتِكَاف، بَلْ كَانَ مِنْ قَبْل الْمَغْرِب مُعْتَكِفًا لابِثًا فِي جُمْلَة الْمَسْجِد، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْح اِنْفَرَدَ.
стр. 1659
وقال ابن حجر: وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح.
وسئل الشيخ ابن عثيمين: متى يبتدئ الاعتكاف؟
فأجاب: جمهور أهل العلم على أن ابتداء الاعتكاف من ليلة إحدى وعشرين لا من فجر إحدى وعشرين، وإن كان بعض العلماء ذهب إلى أن ابتداء الاعتكاف من فجر إحدى وعشرين مستدلاًّ بحديث عائشة ﵂ عند البخاري: (فلما صلى الصبح دخل معتكفه) لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأن الرسول ﵊ انفرد من الصباح عن الناس، وأما نية الاعتكاف فهي من أول الليل، لأن العشر الأواخر تبتدئ من غروب الشمس يوم عشرين.
الجواب الثاني: أَجَابَ به الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنَابِلَة بِحَمْلِ الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَفْعَل ذَلِكَ فِي يَوْم الْعِشْرِينَ. قال السندي: وَهَذَا الْجَوَاب هُوَ الَّذِي يُفِيدهُ النَّظَر، فَهُوَ أَوْلَى وَبِالاعْتِمَادِ أَحْرَى.
فائدة:
متى يخرج المعتكف من معتكفه؟
ذهب بعض العلماء إلى أنه يستحب أن يكون خروجه من معتكفه عند خروجه إلى صلاة العيد.
لكي يصل عبادة بعبادة.
وقيل: يخرج إذا غربت الشمس ليلة العيد.
وهذا القول هو الصحيح، لأن العشر الأواخر تنتهي بانتهاء الشهر، والشهر ينتهي بغروب الشمس من ليلة العيد.
(ومن نذرَ الاعتكاف في مسجدٍ، فله فعل ذلك في غيرهِ إلا المسجدَ الثلاثةَ).
المراد بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
أي: من نذر أن يعتكف في مسجد - غير هذه الثلاثة - فله فعل ذلك فيه وفي غيره من المساجد، إلا المساجد الثلاثة إذا نذر الاعتكاف بها تعين الوفاء به.
стр. 1660
فمن نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة أو الاعتكاف بها لزمه الوفاء بنذره، ولو لزم من ذلك شد الرحال، لأن هذه المساجد تشد إليها الرحال.
أ-لعموم ما جاء عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (من نذر أن يطيع الله فليطعه).
فالوفاء بنذر الطاعة واجبٌ.
ب- وعن ابن عمر (أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك) متفق عليه.
ج- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا تُشَدُّ اَلرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِد اَلْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
ومن نذر إتيان غير هذه المساجد لصلاة أو غيرها لا يلزمه الوفاء به.
لأنه لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أي مسجد كان، ويدل لذلك:
أولاً: بأن الشارع الحكيم لم يعين موضعاً خاصاً للعبادات فلا تتعين.
ثانياً: أنه لو ألزمناه بما نذر للزم من ذلك أن تشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فلو نذر أن يعتكف في مسجد خارج بلدته للزمه أن يشد الرحال إلى هذا المسجد، والنبي ﷺ يقول (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد).
جاء في (الموسوعة الفقهية) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِي مَسْجِدٍ بِعَيْنِهِ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَسْجِدِ الأْقْصَى، وَعَمَّا إِذَا كَانَ يَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ أَوْ لَا يَتَعَيَّنُ، وَذَلِكَ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:
الاِتِّجَاهُ الأْوَّل: يَرَى أَنَّ مَنْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ لاِعْتِكَافِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ وَيُجْزِئُهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ.
إِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ لَهُمْ أَنَّهُ يُخَيَّرُ سَوَاءٌ احْتَاجَ إِلَى شَدِّ الرِّحَال أَوْ لَمْ يَحْتَج.
стр. 1661
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال (لَا تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأْقْصَى).
فَالْمَسْجِدُ الْمُعَيَّنُ فِي النَّذْرِ لَوْ كَانَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ لَلَزِمَ النَّاذِرَ الْمُضِيُّ إِلَيْهِ وَاحْتَاجَ إِلَى شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهِ؛ لِقَضَاءِ نَذْرِهِ فِيهِ، وَقَدْ نَهَى الشَّارِعُ عَنْ شَدِّ الرِّحَال وَالسَّفَرِ إِلاَّ إِلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا عَدَمُ تَعَيُّنِ غَيْرِهَا بِالنَّذْرِ، لِلنَّهْيِ عَنْ شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهَا
وَقَالُوا كَذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَكَانًا مُعَيَّنًا، فَلَا يَتَعَيَّنُ هَذَا الْمَوْضِعُ بِتَعْيِينِ غَيْرِهِ كَمَا أَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِبَعْضِ الْمَسَاجِدِ عَلَى بَعْضٍ بِاسْتِثْنَاءِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ بَعْضُهَا بِالتَّعْيِينِ.
وَأَضَافُوا: إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّذْرِ هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَدْخُل تَحْتَ النَّذْرِ إِلاَّ مَا كَانَ قُرْبَةً، وَعَيْنُ الْمَوْضِعِ الَّذِي تُؤَدَّى فِيهِ الْقُرْبَةُ لَيْسَ قُرْبَةً فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَدْخُل فِي النَّذْرِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِهِ النَّذْرُ.
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: يَرَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ، وَلَا يُجْزِئُ النَّاذِرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ.
وَهَذَا قَوْل زُفَرَ وَوَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَة. (الموسوعة).
فائدة:
لو نذر الصلاة في المسجد الأقصى جاز أن يصليها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي.
ولو نذر الصلاة في المسجد النبوي جاز أن يصليها في المسجد الحرام ولم يجز أن يصليها في المسجد الأقصى.
لو نذر أن يصلي في المسجد الحرام فإنه لا يجوز له أداؤها إلا فيه لعدم جواز الانتقال من الأفضل إلى المفضول.
ويدل لذلك:
حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (أَنَّ رَجُلاً، قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ، أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: شَأْنُكَ إِذَنْ) رواه أبو داود.
стр. 1662
قال ابن تيمية: وَهَذَا مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا وَأَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمْ: قَالُوا: إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَجْزَأَهُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ أَجْزَأَهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ وَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
فمسألة نقل النذر لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن ينقله من المفضول إلى الفاضل: فهذا لا بأس به.
مثال: لو نذر أن يصوم يوم الثلاثاء، ثم صام يوم الإثنين، فهنا لا يحنث، لأنه نقل نذره من مفضول إلى فاضل، فهو أتى بالمفضول وزيادة.
الحالة الثانية: أن ينقله من مساوٍ إلى مساو: فهذا تلزمه كفارة يمين.
مثال: لو نذر أن يصوم يوم الأربعاء فصام يوم الثلاثاء.
الحالة الثالثة: أن ينقل من فاضل إلى مفضول.
مثال: لو نذر صيام يوم الإثنين، ثم صام يوم الثلاثاء، فليس له ذلك، وعليه أن يصوم يوم الإثنين، لأن النذر لم يقع موقعه.
(وأفضلُها المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم الأقصى).
أي: وأفضل هذه المساجد: المسجد الحرام.
لأن له من الخصائص ما ليس لغيره:
فهو أول مسجد وضع في الأرض.
كما قال تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين).
стр. 1663
وعن أبي ذَر. قال (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ قَالَ «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ». قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى». قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا قَالَ «أَرْبَعُونَ عَامًا ثُمَّ الأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَل) متفق عليه.
وهو مبارك.
كما قال تعالى (مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين).
والبركة كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه، ولا أكثر خيراً منه، ولا أدوم منه، ولا أنفع للخلائق.
وأنه أحد المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها.
كما تقدم في قوله ﷺ (لَا تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأْقْصَى).
وأن الله تعالى أضافه إلى نفسه.
كما قال تعالى (وطهر بيتيَ)، فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته.
وجعل الله قصده مكفراً لما سلف من الذنوب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّه) متفق عليه.
والصلاة فيه مضاعفة، فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة.
عَنِ اِبْنِ اَلزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي بِمِائَةِ صَلَاةٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
وقد جاء عند ابن ماجه (وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه).
стр. 1664
فائدة: ١
وقد اختلف العلماء: هل هذا الفضل يشمل جميع الحرام أم فقط خاص بمسجد الكعبة على قولين:
القول الأول: أن المضاعفة خاصة بالمسجد الذي فيه الكعبة.
وهذا مذهب المالكية، وإلى هذا ذهب جماعة من العلماء منهم النووي والمحب الطبري، وابن مفلح، وابن حجر الهيتمي واختاره ابن عثيمين ﵏.
أ- لقوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ).
وجه الدلالة: أن الإسراء بالنبي ﷺ كان من مسجد الكعبة، كما يدل على ذلك حديث أنس قال (أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة) فدل ذلك على أن المراد بالمسجد الحرام في مضاعفة الصلاة، مسجد الكعبة.
ب- ولقوله تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام) والمقصود أن الاستقبال في هذه الآية للكعبة.
ج-ولحديث ميمونة. أن النبي ﷺ قال (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواها من المساجد إلا مسجد الكعبة) رواه مسلم.
وجه الدلالة: قوله (إلا مسجد الكعبة) وهذا نص، حيث فسرت هذه الرواية، الروايات الأخرى التي فيها ذكر المسجد الحرام.
القول الثاني: أن المضاعفة عامة في جميع الحرم.
وهو مذهب الحنفية، والشافعية، وقول للحنابلة، واختاره ابن القيم والشيخ ابن باز.
أ- لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذا).
فهذه الآية تدل على أن المقصود بالمسجد الحرام هو الحرم كله وليس المسجد فقط، قال ابن حزم بلا خلاف.
ب-أن النبي ﷺ - عندما كان في صلح الحديبية - (أخرجه أحمد مطولاً ٤/ ٣٢٣) كان يصلي في الحرم مع أن إقامته في الحديبية بالحل وذكر الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم.
وهذا من أصرح الأدلة على أن مضاعفة الصلاة تتعلق بجميع الحرم وليس مسجد الجماعة فقط.
стр. 1665
قال ابن القيم ﵀: وفي هذا دلالة على أن مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخص بها المسجد الذي هو مكان الطواف
فائدة: ٢
اختلف العلماء: هل المضاعفة تختص بالفريضة أم تشمل حتى النافلة على قولين:
القول الأول: إن المضاعفة تختص بالفريضة فقط.
وهذا مذهب أبي حنيفة والمالكية ورجحه الطحاوي.
لقوله ﷺ : (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة).
القول الثاني: أن المضاعفة تعم صلاة الفريضة والنفل.
وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة ورجحه النووي.
قال النووي في شرح صحيح مسلم: اعلم أن مذهبنا أنه لا يختص هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين بالفريضة؛ بل يعم الفرض والنفل جميعاً، وبه قال مطرف من أصحاب مالك. وقال الطحاوي: يختص بالفرض، وهذا مخالف إطلاق هذه الأحاديث الصحيحة. والله اعلم.
لإطلاق الأحاديث الصحيحة.
قال الشيخ ابن باز: المضاعفة عامة للفرض والنفل في مسجد النبي ﷺ وفي المسجد الحرام، والنبي ﷺ لم يخص الفريضة بل قال (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام).
وقال ﷺ (صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)، وهذا يعم النفل والفرض، لكن النفل في البيت أفضل، ويكون له أجر أكثر، والمرأة في بيتها أفضل ولها أجر أكثر، وإذا صلى الرجل في مسجد النبي ﷺ فرضاً أو نفلاً فله هذه المضاعفة، ومع هذا فالمشروع له أن يصلي النافلة في البيت، سنة الظهر سنة المغرب سنة العشاء سنة الفجر أفضل، وتكون له المضاعفة أكثر؛ لأن الرسول ﷺ : قال للناس: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ويخاطبهم وهو في المدينة ﵇، فدل ذلك على أن صلاتهم في بيوتهم صلاة النافلة أفضل وتكون مضاعفتها أكثر، وهكذا في المسجد الحرام.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 1666
فائدة: قال الحافظ ابن حجر: ثم إن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء باتفاق العلماء كما نقله الثوري وغيره.
(ثم المسجد النبوي).
أي: ويلي المسجد الحرام في الأفضلية والتضعيف المسجد النبوي، الذي بناه النبي ﷺ .
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَام) متفق عليه.
واختلف العلماء: هل المضاعفة خاص بمسجد الرسول ﷺ الذي بناه أو يشمل الزيادة التي طرأت على المسجد بعد وفاته على قولين:
القول الأول: أن الصلاة تضاعف فيها كما تضاعف في أصل المسجد.
وهذا مذهب الجمهور.
قال ابن رجب ﵀: وحكم الزيادة حكم المزيد فيه في الفضل أيضاً، فما زيد في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ كله سواء في المضاعفة والفضل.
وقد قيل: إنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف، إنما خالف فيه بعض المتأخرين من أصحابنا، منهم ابن عقيل وابن الجوزي، وبعض الشافعية.
القول الثاني: أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده ﷺ الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده.
ورجح هذا النووي.
والراجح الأول.
والله أعلم.
стр. 1667
ومما جاء في فضله:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) متفق عليه.
قال ابن حجر: قوله (روضة من رياض الجنة) أي: كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة، وحصول السعادة بما يحصل من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده ﷺ فيكون تشبيهًا بغير أداة، أو المعنى: أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة، فيكون مجازًا، أو هو على ظاهره، وأن المراد أنه روضة حقيقة، بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة. هذا محصل ما أوله العلماء في هذا الحديث، وهي على ترتيبها هذا في القوة. انتهى. (الفتح).
(ثم المسجد الأقصى).
فهو أفضل المساجد بعد الحرمين.
فهو أول القبلتين، وثاني مسجد وضع في الأرض.
وسمي بذلك: قيل: لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقيل: في الزمان، وفيه نظر، لأنه ثبت في الصحيح أن بينهما أربعين سنة.
واختلف في مقدار الصلاة فيه:
قيل: عن [٥٠٠] صلاة.
جاء ذلك عند الطبراني.
والذي يظهر من كلام ابن تيمية وابن القيم ترجيح هذا القول.
وقيل: بألف صلاة.
جاء عند ابن ماجه، وهو ضعيف.
وقيل: بخمسين ألف صلاة.
جاء عند ابن ماجه.
стр. 1668
قال ابن القيم تعليقاً على هذه الرواية: وهذا محال، لأن مسجد الرسول ﷺ أفضل منه، والصلاة فيه تفضل على غيره بألف صلاة.
وقال الذهبي: هذا منكر جداً.
وقيل: بمائتين وخمسين صلاة.
عن أبي ذر ﵁ قال (تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل مسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مِثْل شطن فرسه من الأرض حيث يَرى منه بيت المقدس خيراً له من الدنيا جميعاً) رواه الحاكم (٤/ ٥٠٩) وصححه ووافقه الذهبي والألباني كما في " السلسلة الصحيحة " في آخر الكلام على حديث رقم (٢٩٠٢).
стр. 1669
كتاب الحج
تعريف الحج:
لغة: القصد، يقال: حج كذا بمعنى قصد.
وشرعاً: التعبد لله بأداء المناسك على صفة مخصوصة في وقت مخصوص.
والعمرة لغة: الزيارة.
وشرعاً: التعبد لله بالطواف والسعي والحلق أو التقصير.
فائدة: ١
حكم الحج.
الحج واجب بالكتاب والسنة والإجماع، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة.
أ- قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً).
وجه الدلالة من وجهين:
الأول: قوله (على) فإن هذا الحرف موضوع في خطاب الشرع للدلالة على الأمر.
الثاني: قوله (ومن كفر) فإن الكفر لا يذكر إلا على ترك مأمور به واجب.
ب- وقال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: … وذكر منها: حج البيت من استطاع إليه سبيلاً).
ج- وصح عن عمر أنه قال (من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه يهودياً مات أو نصرانياً) رواه البيهقي، وإسناده صحيح كما ذكر ابن كثير وابن حجر.
والإجماع، قال ابن المنذر: أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة.
стр. 1670
فائدة: ٢
اختلف العلماء في فرض الحج:
فقيل: قبل الهجرة.
قال في الفتح: هو شاذ.
وقيل: بعدها، واختلف في أي سنة:
فالجمهور أنه فرض في السنة السادسة لأنه نزل فيه قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله).
ورجح هذا القول الحافظ ابن حجر.
وقيل سنة تسع، ورجحه ابن القيم وقال:
فإن فرض الحج تأخر سنة تسع أو عشر، وأما قوله تعالى: (وأتموا … ) فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فرض الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقضي وجوب الابتداء.
وهذا القول هو الراجح.
فإن قيل: لماذا لم يحج النبي ﷺ في السنة التاسعة؟
فالجواب:
أ-لكثرة الوفود في تلك السنة، ولهذا تسمى السنة التاسعة سنة الوفود.
ب-ولأن في السنة التاسعة كان من المتوقع أن يحج المشركون.
ج-وقال بعض العلماء: إن النبي ﷺ أخر ذلك لبيان أن إمامة المسلمين في غيبته لأبي بكر ﵁، فكما كان إماماً لهم في الصلاة يكون إماماً لهم أيضاً في الحج.
د-ذكر بعضهم قال: كون النبي ﷺ يؤخر الحج يدل على أن الحج ليس بواجب على الفور، ولكن هذا القول ضعيف.
стр. 1671
فائدة: ٣
حكم تارك الحج تهاوناً وكسلاً:
اختلف العلماء فيمن ترك الحج تهاوناً وكسلاً هل يكفر أم لا على قولين:
القول الأول: أنه يكفر.
وهذا مذهب ابن عمر، وسعيد بن جبير وهو أحد القولين عن ابن عباس.
أ- واستدلوا بقوله تعالى ( .. ومن كفر .. ) والكفر هنا الكفر الأكبر.
ب- وبحديث علي. قال: قال ﷺ (من ملك زاداً وراحلة فلم يحج، مات يهودياً أو نصرانياً). رواه الترمذي وهو ضعيف
القول الثاني: أنه لا يكفر.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح.
فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى (ومن كفر … )؟
قال الشنقيطي: الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ أَوْجُهٌ لِلْعُلَمَاءِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ كَفَرَ) أَيْ: وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ، فَقَدْ كَفَرَ وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ كَفَر) أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ الْبَالِغِ فِي الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ (لا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ
قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَال).
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ.
стр. 1672
فائدة: ٤
حكم من حج بمال حرام:
الذي عليه جمهور أهل العلم أن من حج بمال حرام سقط عنه وجوب الحج مع ارتكابه لإثم تناول ذلك المال الحرام.
قال النووي: إذا حج بمال حرام أو راكباً دابة مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأه عندنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وبه قال أكثر الفقهاء.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) فَإِنْ حَجَّ بِمَالٍ فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ بِمَالٍ مَغْصُوبٍ صَحَّ حَجُّهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، لَكِنَّهُ عَاصٍ وَلَيْسَ حَجًّا مَبْرُورًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵏ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا يُجْزِيهِ الْحَجُّ بِمَالٍ حَرَامٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَصِحُّ مَعَ الْحُرْمَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّهُ ﷺ : ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمُشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ أ. هـ.
وقال الشيخ ابن باز: الحج صحيح إذا أداه كما شرعه الله، ولكنه يأثم لتعاطيه الكسب الحرام، وعليه التوبة إلى الله من ذلك ويعتبر حجه ناقصاً بسبب تعاطيه الكسب الحرام، لكنه يسقط عنه الفرض أ. هـ. فتاوى ابن باز (١٦/ ٣٨٧).
وفي فتاوى اللجنة الدائمة (١١/ ٤٣) كون الحج من مال حرام لا يمنع من صحة الحج، مع الإثم بالنسبة لكسب الحرام، وأنه ينقص أجر الحج، ولا يبطله. ا. هـ (موقع الإسلام سؤال وجواب).
فائدة: ٥
قال ابن القيم: ولا خلاف أنه ﷺ لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر.
стр. 1673
(فضله عظيم).
أي: فضل الحج كبير وعظيم.
أ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (اَلْعُمْرَةُ إِلَى اَلْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ اَلْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا اَلْجَنَّةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ب- وعن أبي هُرَيْرَةَ. قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّه) رواه البخاري.
ج- وعن عمرو بن العاص. قال: قال ﷺ (أما علمت أن الحج يهدم ما قبله) رواه مسلم.
فائدة: ١
قوله (الحج المبرور. . .).
قيل: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي.
قال النووي: الأصح والأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم.
وقال الشيخ ابن باز: الحج المبرور هو الذي لا يرتكب فيه صاحبه معصية لله، كما يدل على ذلك قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه).
وقال ابن عبد البر: الحج المبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق وخرج بمال حلال.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الحج المبرور هو الذي جمع أوصافاً:
أولاً: أن يكون خالصاً لله.
ثانياً: أن يكون بمال حلال.
ثالثاً: أن يقوم فيه الإنسان بفعل ما يجب ليكون عبادة.
ومن الحج المبرور أن لا تحج المرأة إلا بمحرم، فإن حجت بغير محرم لم يكن حجها مبرور.
стр. 1674
• تنبيه: لو اقتصر الحاج على الواجبات دون المستحبات مع تركه المحرمات والمكروهات فهل يكون حجه مبروراً؟
الجواب: نعم، لكن يزداد براً بفعل المستحبات.
فائدة: ٢
(فَلَمْ يَرْفُثْ) الرفث الجماع ومقدماته، (وَلَمْ يَفْسُقْ) أي: لم يأت بسيّئة، ولا معصية.
وإنما صرّح بنفي الفسق في الحجّ، مع كونه ممنوعًا في كلّ حال، وفي كلّ حين؛ لزيادة التقبيح، والتشنيع، ولزيادة تأكيد النهي عنه في الحجّ، وللتنبيه على أن الحجّ أبعد الأعمال عن الفسق. واللَّه تعالى أعلم.
فائدة: ٣
قوله (اَلْعُمْرَةُ إِلَى اَلْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا).
استدل به جماهير العلماء على استحباب تكرار العمرة في العام الواحد أكثر من مرة.
ولحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة) رواه الترمذي.
قال ابن قدامة: وَلا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالشَّافِعِيِّ لأَنَّ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وقال النووي: مذهبنا أنه لا يكره ذلك بل يستحب، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وجمهور العلماء من السلف والخلف.
للحديث السابق (تابعوا بين الحج والعمرة).
стр. 1675
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشرع تكرار العمرة في العام الواحد أكثر من مرة.
وهذا قول جماعة من العلماء.
والراجح القول الأول.
وأما كونه ﷺ لم يعتمر في السنة أكثر من مرة فهذا لا يعني عدم مشروعية الاعتمار أكثر من مرة في السنة.
(الحَجُّ والعُمْرَةُ وَاجِبَان).
أي: أن حكم الحج والعمرة الوجوب.
أما الحج فتقدم أنه واجب فرض بإجماع المسلمين.
وأما العمرة: فهي واجبة أيضاً.
وهذا مذهب الإمام أحمد، والشافعي.
وروي هذا القول عن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاووس، ومجاهد والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والثوري.
أ- لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَت (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَلَى اَلنِّسَاءِ جِهَادٌ? قَالَ: " نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: اَلْحَجُّ، وَالْعُمْرَة) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَصْلُهُ فِي اَلصَّحِيحِ.
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ قرن العمرة مع الحج، فدل على الاتفاق في الحكم وهو الوجوب.
ولقوله (عليهن) تدل على الوجوب، (وعلى من صيغ الوجوب).
ب- ولحديث أبي رزين (أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، قال: حج عن أبيك واعتمر) رواه أبو داود والترمذي.
قالوا: إن الرسول ﷺ قرن الحج والعمرة لعاجز بلغة الأمر.
ج-ولحديث عمر أن النبي ﷺ قال للذي سأله ما الإسلام؟ قال: (تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر) وهذه عند الدارقطني
وصححها (والحديث في الصحيح دون ذكر العمرة).
стр. 1676
د- ولحديث جَابِرٍ مَرْفُوعاً (اَلْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَان) وهو ضعيف.
هـ-هو قول جماعة من الصحابة؛ منهم: ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله ﵃.
قال جابر: لَيْسَ مُسْلِم إِلا عَلَيْهِ عُمْرَة. قال الحافظ: رَوَاه اِبْن الْجَهْم الْمَالِكِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن.
وقال البخاري ﵀: بَاب وُجُوبِ الْعُمْرَةِ وَفَضْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ﵄: لَيْسَ أَحَدٌ إِلا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) وقوله: (لَقَرِينَتُهَا) أي: قرينة فريضة الحج.
قال الشيخ العصيمي: الأحاديث الواردة في وجوب العمرة لا يصح منها شيء، لكن العمدة في إيجاب العمرة ما صح من الآثار عن الصحابة، كجابر (عند ابن خزيمة) وابن عباس (عند ابن أبي شيبة).
وذهب بعض العلماء: إلى عدم وجوبها.
وهذا مذهب مالك وأبو حنيفة، واختاره ابن تيمية.
قال ابن تيمية: والعمرة في وجوبها قولان للعلماء، هما قولان في مذهب الشافعي وأحمد، والمشهور عنهما وجوبها، والقول الآخر لا تجب، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وهذا القول هو الراجح، فإن الله إنما أوجب الحج بقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) لم يوجب العمرة؛ وإنما أوجب إتمامها، فأوجب إتمامها لمن شرع فيهما، وفي الابتداء إنما أوجب الحج.
أ-لحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ: (أَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَخْبِرْنِي عَنْ اَلْعُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ? فَقَال: لَا. وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ.
ب-ولحديث: (الحج والعمرة تطوع) رواه الدارقطني وهو ضعيف.
стр. 1677
قال الشوكاني مؤيداً هذا القول: والحق عدم الوجوب، لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك لا سيما مع اعتضادهما بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب.
وقال الصنعاني: والأدلة لا تنهض عند التحقيق على الإيجاب الذي الأصل عدمه.
والراجح عدم الوجوب.
تنبيه: إذا قلنا بوجوب العمرة، فإن عمرة المتمتع تجزئ عن عمرة الإسلام.
فائدة: ١
عدد عُمَر النبي ﷺ -:
قال الشنقيطي: إن المحفوظ الثابت بالروايات الصحيحة أن النبي ﷺ لم يعتمر في رمضان قط، لأنه لم يعتمر إلا أربع عمر:
أ-عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت الحرام عام ٦ هـ.
ب-عمرة القضاء التي وقع عليها الصلح في الحديبية، وهي عام ٧ هـ.
ج-عمرة الجعرانة بعد فتح مكة، عام ٨ هـ.
ثم قال ﵀: وكل هذه العمر في شهر ذي القعدة بالإجماع والروايات الصحيحة.
د-عمرته مع حجه في حجة الوداع.
قال ابن القيم: وَلَا خِلَافَ أَنّ عُمَرَهُ لَمْ تَزِدْ عَلَى أَرْبَع.
وقال: لم يعتمر رسول الله ﷺ في رمضان قط.
وقال: عمر النبي ﷺ كلها كانت في أشهر الحج، مخالفة لهدي المشركين، فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، ويقولون: هي من أفجر الفجور.
стр. 1678
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: وَإِنَّمَا اِعْتَمَرَ النَّبِيّ ﷺ هَذِهِ الْعُمْرَة فِي ذِي الْقَعْدَة لِفَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْر، وَلِمُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّة فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا
يَرَوْنَهُ مِنْ أَفْجَر الْفُجُور كَمَا سَبَقَ، فَفَعَلَهُ ﷺ مَرَّات فِي هَذِهِ الْأَشْهُر لِيَكُونَ أَبْلَغ فِي بَيَان جَوَازه فِيهَا، وَأَبْلَغ فِي إِبْطَال مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة عَلَيْهِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
فائدة: ٢
المفاضلة بين الاعتمار في ذي القعدة والاعتمار في رمضان.
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: الاعتمار في رمضان أفضل.
وهذا قول الجمهور.
لقوله ﷺ لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّى مَعَنَا؟ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلاَّ نَاضِحَانِ فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضِحُ عَلَيْهِ قَالَ: فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً) متفق عليه.
القول الثاني: أن العمرة في ذي القعدة أفضل.
أ- لأن النبي ﷺ اعتمر في ذي القعدة ولم يعتمر في رمضان، وما كان الله ليختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل.
ب- لم يثبت عن صحابي قط أنه اعتمر في رمضان.
стр. 1679
القول الثالث: أن العمرة في رمضان - لغير النبي ﷺ أفضل.
وهذا اختيار ابن حجر.
قال ابن حجر: لم يعتمر النبي ﷺ إلا في أشهر الحج كما تقدم وقد ثبت فضل العمرة في رمضان فأيهما أفضل؟
الذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبي ﷺ أفضل وأما في حقه فما صنعه هو أفضل لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه فأراد الرد عليهم بالقول والفعل وهو لو كان مكروها لغيره لكان في حقه أفضل والله أعلم.
(مَرةً في العُمُرِ).
أي: أن الحج يجب على المسلم مرة في العمُر وكذا العمرة.
قال النووي: أجمعوا على أنه لا يجب الحج ولا العمرة في عمر الإنسان إلا مرة واحدة إلا أن ينذر فيجب الوفاء بالنذر بشرطه.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثاً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ -ثُمَّ قَالَ- ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوه) رواه مسلم
وعند أبي داود ( … لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، اَلْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ).
стр. 1680
(عَلَى الفَوْر).
أي: أن الحج واجب على الفور.
والمراد بالفورية: المبادرة إلى فعله عند أول التمكن منه.
فالحج واجب على الفور.
وهذا قول المالكية والحنابلة.
قال ابن قدامة: وجملة ذلك أن من وجب عليه الحج، وأمكنه فعله، وجب عليه على الفور، ولم يجز له تأخيره.
وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك.
أ- لقوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً).
ب- ولقوله ﷺ (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا).
والأمر على الفور.
ج- وروي عن النبي ﷺ أنه قال (مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه. وفي رواية أحمد وابن ماجه (فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَة).
د- وروي عن النبي ﷺ أنه قال (من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله؛ ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً) رواه الترمذي وفيه ضعف.
هـ_وقال ﷺ (من أراد الحج فليتعجل) رواه أحمد وفيه ضعف.
وما جاء في قصة الحديبية، وفيها أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا … فوالله ما قام منهم رجل … فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس).
ووجه الدلالة: أنه لو لم يكن الأمر للفور ما دخل على أم سلمة مغضباً.
و- ولأن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ للذمة.
ز- ولأن وجوبه بصفة التوسع يخرجه عن رتبة الواجبات.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه على التراخي وليس على الفور.
стр. 1681
وهذا مذهب أكثر الشافعية.
قال النووي: مذهبنا أنه على التراخي، وبه قال الاوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس رضي الله تعالى عنهم.
أ- قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، ولا خلاف أن آية (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما وقع في الحديبية من إحصار المشركين رسول الله ﷺ ، وأصحابه، وهم محرومون بعمرة، وذلك في ذي القعدة من عام ست بلا خلاف وإذا كان الحج فرض عام ست، وكان النَّبي ﷺ لم يحج إلا عام عشر، فذلك دليل على أنه على التراخي.
ب-ومن أدلتهم أيضاً: أَنه إن أَخر الحج من سنة إلى أَخرى، أَو إلى سنين ثم فعله فإنه يسمى مؤدياً للحج لا قاضياً له بالإجماع، قالوا: ولو حرم تأخيره لكان قضاء لا أداء.
ج-ومنها: أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونهما على التراخي، بجامع أن كليهما واجب، ليس له وقت معين، قالوا: ولكن ثبتت آثار: أن قضاء رمضان غاية زمنه مدة السنة.
د- إن الله أوجب الحج على المستطيع مرة في العمر-وعلى هذا الإجماع- فهو وظيفة العمر، فكان العمر فيه كالوقت في الصلاة.
(علَى المُسْلِمِ الحُرِّ المُكَلَّفِ القَادِر).
أي: أن الحج يجب على المسلم، فلا يجب على الكافر.
فكل عبادة لا تصح من كافر.
قال ابن قدامة: أما الكافر فغير مخاطب بفروع الدين خطابا يلزمه أداء، ولا يوجب قضاء. (المغني).
وهو شرط للوجوب وللصحة وللإجزاء.
стр. 1682
فائدة:
من حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم فهل يجب عليه الحج من جديد؟
الراجح من أقوال العلماء: لا تجب عليه حجة الإسلام مجدداً بعد التوبة عن الردة.
وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، وقول ابن حزم.
أ- لقوله تعالى (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون).
وجه الدلالة: أن الآية دلت على أن إحباط الردة للعمل مشروط بالموت كافراً، فشرط لحبوط الأعمال استمرار الإنسان على الردة إلى
أن يموت، فدلت الآية بمفهومها على أنه لو تاب قبل الوفاة فإن أعماله التي أداها قبل الردة تكون صحيحة، ومجزئة إن شاء الله.
ب- ولقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام (أسلمت على ما أسلفت عليه من خير).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد أثبت له ثواب ما قدم من أعمال صالحة حال كفره، بعد أن أسلم، فمن باب أولى ثبوت الأعمال التي قدمها المرء حال إسلامه قبل ارتداده إذا عاد إلى الإسلام. (المجموع).
قال النووي: ومن حج ثم ارتد ثم أسلم لم يلزمه الحج بل يجزئه حجته السابقة عندنا، وقال أبو حنيفة وآخرون: يلزمه الحج ومبنى الخلاف على أن الردة متى تحبط العمل فعندهم تحبطه في الحال سواء أسلم بعدها أم لا فيصير كمن لم يحج، وعندنا لا تحبطه إلا إذا اتصلت بالموت لقوله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم). (المجموع).
стр. 1683
وقال ﵀: إذا صلى المسلم ثم ارتد ثم أسلم ووقت تلك الصلاة باق لم يجب اعادتها، وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه يجب، والمسألة مبنية علي أصل سبق وهو أن عندنا لا تبطل الاعمال بالردة الا أن يتصل بالموت وعندهم يبطل بنفس الارتداد احتجوا بقول الله تعالى (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله).
واحتج أصحابنا:
بقول الله تعالي (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) فعلق الحبوط بشرطين الردة والموت عليها والمعلق بشرطين لا يثبت بأحدهما والآية التي احتجوا بها مطلقة وهذه مقيدة فيحمل المطلق علي المقيد. (المجموع).
وقال الشنقيطي: قَوْلُهُ تَعَالَى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُحْبِطُ جَمِيعَ عَمَلِهِ بِرِدَّتِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ زَائِدٍ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِر) وَمُقْتَضَى الْأُصُولِ حَمْلُ هَذَا الْمُطْلَقِ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ، فَيُقَيِّدُ إِحْبَاطَ الْعَمَلِ بِالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ الْقَائِلِ بِإِحْبَاطِ الرِّدَّةِ الْعَمَل. (أضواء البيان).
(الحُرّ).
أي: أن الحج يجب على الحر فلا يجب على الرقيق.
قال الشنقيطي: وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ: فَهِيَ شَرْطُ وُجُوبٍ، فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْعَبْدِ، وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْعَبْدِ بِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حَجَّ صَحَّ حَجُّهُ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ عُتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ.
стр. 1684
قَالَ النَّوَوِي:: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ; لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ، فَلَيْسَ هُوَ مُسْتَطِيعًا.
الْأَمْرُ الثَّانِي: حَدِيثٌ جَاءَ عَن ﷺ .
عن ابن عباس. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ اَلْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ [أَنْ يَحُجَّ] حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ [أَنْ يَحُجَّ] حَجَّةً أُخْرَى) رَوَاهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَات.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ أَنَّهُ لَوْ حَجَّ وَهُوَ مَمْلُوكٌ، ثُمَّ أُعْتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا أَجْزَأَهُ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (أضواء البيان).
تنبيه: حديث ابن عباس اختلف العلماء في رفعه ووقفه.
فروي مرفوعاً، وصححه مرفوعاً البيهقي والشيخ ابن باز، ومال إلى تصحيحه مرفوعاً الحافظ في التلخيص وصححه الألباني.
قال الحافظ في التلخيص: ويؤيد صحة رفعه ما رواه بن أبي شيبة في مصنفه، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن بن عباس قال (احفظوا عني ولا تقولوا قال بن عباس. . . فذكره) وهذا ظاهره أنه أراد أنه مرفوع فلذا نهاهم عن نسبته إليه.
وروي موقوفاً وهو الصحيح.
فائدة: ١
فالعبد إذا حج قبل عتقه فحجه صحيح، لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام.
فالحرية شرط للوجوب وللإجزاء.
قال ابن قدامة: فَلَوْ حَجَّ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ صَحَّ حَجُّهُمَا، وَلَمْ يُجْزِئْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
стр. 1685
فائدة: ٢
ذهب بعض العلماء إلى أن العبد إذا حج وهو بالغ أنه يصح حجه ويجزئه عن حجة الإسلام لأنه مكلف.
وهذا قول ابن حزم ورجحه السعدي وقال: إنه إذا حج (أي العبد) بعد بلوغه-ولو قبل حريته-أن حجته هي حجة الإسلام، كما أن الفقير معفو عنه الحج، ولا يجب عليه، فإذا تيسر له وفعله أجزأه ذلك، ولم يلزمه إعادته إذا استغنى، فكذلك هذا الرقيق إذا أدى فريضته فإن ذلك يجزئه.
وأيضاً: فإن الحج لم يوجبه الله ورسوله في العمر إلا مرة واحدة وذلك مجمع عليه، فلزم على قول من يقول: إن حج الرقيق لا يجزئه، أنه يجب في العمر مرتين، وهذا واضح.
(العاقل)
أي: أن الحج يجب على العاقل، فلا يجب على المجنون، ولو حج فإنه لا يجزئه.
أ- عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) رواه أبو داود.
ب- أن المجنون ليس من أهل العبادات، فلا يتعلق التكليف به كالصبي.
ج- أن الحج لابد فيه من نية وقصد، ولا يمكن وجود ذلك في المجنون.
قال النووي: أجمعت الأمة على أنه لا يجب الحج على المجنون.
وقال المرداوي: لا يجب الحج على المجنون إجماعاً.
• العقل شرطٌ في وجوب الحج وإجزائه، فلا يجب على المجنون، ولا تجزئ عن حجة الإسلام إن وقعت منه.
следующие страницы →