← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وهذا مذهب أكثر الشافعية. قال النووي: مذهبنا أنه على التراخي، وبه قال الاوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس رضي الله تعالى عنهم. أ- قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، ولا خلاف أن آية (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما وقع في الحديبية من إحصار المشركين رسول الله ﷺ ، وأصحابه، وهم محرومون بعمرة، وذلك في ذي القعدة من عام ست بلا خلاف وإذا كان الحج فرض عام ست، وكان النَّبي ﷺ لم يحج إلا عام عشر، فذلك دليل على أنه على التراخي. ب-ومن أدلتهم أيضاً: أَنه إن أَخر الحج من سنة إلى أَخرى، أَو إلى سنين ثم فعله فإنه يسمى مؤدياً للحج لا قاضياً له بالإجماع، قالوا: ولو حرم تأخيره لكان قضاء لا أداء. ج-ومنها: أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونهما على التراخي، بجامع أن كليهما واجب، ليس له وقت معين، قالوا: ولكن ثبتت آثار: أن قضاء رمضان غاية زمنه مدة السنة. د- إن الله أوجب الحج على المستطيع مرة في العمر-وعلى هذا الإجماع- فهو وظيفة العمر، فكان العمر فيه كالوقت في الصلاة. (علَى المُسْلِمِ الحُرِّ المُكَلَّفِ القَادِر). أي: أن الحج يجب على المسلم، فلا يجب على الكافر. فكل عبادة لا تصح من كافر. قال ابن قدامة: أما الكافر فغير مخاطب بفروع الدين خطابا يلزمه أداء، ولا يوجب قضاء. (المغني). وهو شرط للوجوب وللصحة وللإجزاء.

стр. 1682

فائدة: من حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم فهل يجب عليه الحج من جديد؟ الراجح من أقوال العلماء: لا تجب عليه حجة الإسلام مجدداً بعد التوبة عن الردة. وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، وقول ابن حزم. أ- لقوله تعالى (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون). وجه الدلالة: أن الآية دلت على أن إحباط الردة للعمل مشروط بالموت كافراً، فشرط لحبوط الأعمال استمرار الإنسان على الردة إلى أن يموت، فدلت الآية بمفهومها على أنه لو تاب قبل الوفاة فإن أعماله التي أداها قبل الردة تكون صحيحة، ومجزئة إن شاء الله. ب- ولقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام (أسلمت على ما أسلفت عليه من خير). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد أثبت له ثواب ما قدم من أعمال صالحة حال كفره، بعد أن أسلم، فمن باب أولى ثبوت الأعمال التي قدمها المرء حال إسلامه قبل ارتداده إذا عاد إلى الإسلام. (المجموع). قال النووي: ومن حج ثم ارتد ثم أسلم لم يلزمه الحج بل يجزئه حجته السابقة عندنا، وقال أبو حنيفة وآخرون: يلزمه الحج ومبنى الخلاف على أن الردة متى تحبط العمل فعندهم تحبطه في الحال سواء أسلم بعدها أم لا فيصير كمن لم يحج، وعندنا لا تحبطه إلا إذا اتصلت بالموت لقوله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم). (المجموع).

стр. 1683

وقال ﵀: إذا صلى المسلم ثم ارتد ثم أسلم ووقت تلك الصلاة باق لم يجب اعادتها، وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه يجب، والمسألة مبنية علي أصل سبق وهو أن عندنا لا تبطل الاعمال بالردة الا أن يتصل بالموت وعندهم يبطل بنفس الارتداد احتجوا بقول الله تعالى (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله). واحتج أصحابنا: بقول الله تعالي (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) فعلق الحبوط بشرطين الردة والموت عليها والمعلق بشرطين لا يثبت بأحدهما والآية التي احتجوا بها مطلقة وهذه مقيدة فيحمل المطلق علي المقيد. (المجموع). وقال الشنقيطي: قَوْلُهُ تَعَالَى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُحْبِطُ جَمِيعَ عَمَلِهِ بِرِدَّتِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ زَائِدٍ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِر) وَمُقْتَضَى الْأُصُولِ حَمْلُ هَذَا الْمُطْلَقِ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ، فَيُقَيِّدُ إِحْبَاطَ الْعَمَلِ بِالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ الْقَائِلِ بِإِحْبَاطِ الرِّدَّةِ الْعَمَل. (أضواء البيان). (الحُرّ). أي: أن الحج يجب على الحر فلا يجب على الرقيق. قال الشنقيطي: وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ: فَهِيَ شَرْطُ وُجُوبٍ، فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْعَبْدِ، وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْعَبْدِ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حَجَّ صَحَّ حَجُّهُ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ عُتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ.

стр. 1684

قَالَ النَّوَوِي:: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ; لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ، فَلَيْسَ هُوَ مُسْتَطِيعًا. الْأَمْرُ الثَّانِي: حَدِيثٌ جَاءَ عَن ﷺ . عن ابن عباس. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ اَلْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ [أَنْ يَحُجَّ] حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ [أَنْ يَحُجَّ] حَجَّةً أُخْرَى) رَوَاهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَات. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ أَنَّهُ لَوْ حَجَّ وَهُوَ مَمْلُوكٌ، ثُمَّ أُعْتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا أَجْزَأَهُ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (أضواء البيان). تنبيه: حديث ابن عباس اختلف العلماء في رفعه ووقفه. فروي مرفوعاً، وصححه مرفوعاً البيهقي والشيخ ابن باز، ومال إلى تصحيحه مرفوعاً الحافظ في التلخيص وصححه الألباني. قال الحافظ في التلخيص: ويؤيد صحة رفعه ما رواه بن أبي شيبة في مصنفه، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن بن عباس قال (احفظوا عني ولا تقولوا قال بن عباس. . . فذكره) وهذا ظاهره أنه أراد أنه مرفوع فلذا نهاهم عن نسبته إليه. وروي موقوفاً وهو الصحيح. فائدة: ١ فالعبد إذا حج قبل عتقه فحجه صحيح، لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام. فالحرية شرط للوجوب وللإجزاء. قال ابن قدامة: فَلَوْ حَجَّ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ صَحَّ حَجُّهُمَا، وَلَمْ يُجْزِئْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.

стр. 1685

فائدة: ٢ ذهب بعض العلماء إلى أن العبد إذا حج وهو بالغ أنه يصح حجه ويجزئه عن حجة الإسلام لأنه مكلف. وهذا قول ابن حزم ورجحه السعدي وقال: إنه إذا حج (أي العبد) بعد بلوغه-ولو قبل حريته-أن حجته هي حجة الإسلام، كما أن الفقير معفو عنه الحج، ولا يجب عليه، فإذا تيسر له وفعله أجزأه ذلك، ولم يلزمه إعادته إذا استغنى، فكذلك هذا الرقيق إذا أدى فريضته فإن ذلك يجزئه. وأيضاً: فإن الحج لم يوجبه الله ورسوله في العمر إلا مرة واحدة وذلك مجمع عليه، فلزم على قول من يقول: إن حج الرقيق لا يجزئه، أنه يجب في العمر مرتين، وهذا واضح. (العاقل) أي: أن الحج يجب على العاقل، فلا يجب على المجنون، ولو حج فإنه لا يجزئه. أ- عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) رواه أبو داود. ب- أن المجنون ليس من أهل العبادات، فلا يتعلق التكليف به كالصبي. ج- أن الحج لابد فيه من نية وقصد، ولا يمكن وجود ذلك في المجنون. قال النووي: أجمعت الأمة على أنه لا يجب الحج على المجنون. وقال المرداوي: لا يجب الحج على المجنون إجماعاً. • العقل شرطٌ في وجوب الحج وإجزائه، فلا يجب على المجنون، ولا تجزئ عن حجة الإسلام إن وقعت منه.

стр. 1686

(البالغ) أي: أن الحج يجب على البالغ، فلا يجب على الصغير. لحديث عائشة السابق (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم). قال الترمذي: وقد أجمع أهل العلم أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا أدرك لا تجزئ عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن المجنون إذا حج ثم أفاق أو الصبى ثم بلغ أنه لا يجزئهما عن حجة الإسلام. فائدة: البلوغ شرط وجوبٍ وشرط إجزاء، فلا يجب الحج على الصبي، فإن حج لم يجزئه عن حجة الإسلام، وتجب عليه حجة أخرى إذا بلغ. لكن لو حج فيصح حجه: عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: مَنِ اَلْقَوْمُ? قَالُوا: اَلْمُسْلِمُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ? قَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ اِمْرَأَةٌ صَبِيًّا. فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ? قَالَ: نَعَمْ: وَلَكِ أَجْرٌ) رَوَاهُ مُسْلِم. (أَلِهَذَا حَجٌّ?) أي: أيحصل لهذا الصبي ثواب حج. ففي هذا الحديث صحة حج الصبي، وقد نقل الإجماع على ذلك الطحاوي. قال النووي: فِيهِ حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء أَنَّ حَجّ الصَّبِيّ مُنْعَقِد صَحِيح يُثَاب عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُجْزِيه عَنْ حَجَّة الْإِسْلَام، بَلْ يَقَع تَطَوُّعًا، وَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِيهِ. ومما يدل على صحة حج الصبي: ما رواه البخاري عن السائب بن يزيد قال (حج بي أبي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين).

стр. 1687

(المستطيع). أي: أن الحج يجب على المستطيع، فلا يجب على غير المستطيع. وهذا شرط بالإجماع. قال ابن قدامة: أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة. وقال القرطبي: الحج إنما فرضه على المستطيع إجماعاً. وقال النووي: الاستطاعة شرط لوجوب الحج بإجماع المسلمين. لقوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً). فائدة: الاستطاعة ليست شرط إجزاء في الحج، فإذا تجشم غير المستطيع المشقة، فحج بغير زاد وراحلة، فإن حجه يقع صحيحاً مجزئاً عن حج الفريضة. ويدل لذلك ما يلي: أ- أن خلقاً من الصحابة ﵃ حجوا ولا شيء لهم، ولم يؤمر أحدٌ منهم بالإعادة. ب- أن سقوط الوجوب عن غير المستطيع إنما كان لدفع الحرج، فإذا تحمله وقع عن حجة الإسلام، كما لو تكلف القيام في الصلاة والصيام مَنْ يسقط عنه، وكما لو تكلف المريض حضور الجمعة، أو الغني خطر الطريق وحج، فإنه يجزئ عنهم جميعاً.

стр. 1688

(والاستطاعة: مِلْكُ اَلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ). هذا تفسير الاستطاعة، وهي ملك الزاد والراحلة. قال اين قدامة: وَالِاسْتِطَاعَةُ الْمُشْتَرَطَةُ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. (المغني). الزاد: وهو ما يتزود به في السفر من طعام وشراب وغير ذلك من حوائج السفر. الراحلة: وهي ما يرتحله الإنسان من مركوب من إبل وحُمر وسيارات وطائرات وسفن وغيرها. وهذا ما عليه جمهور العلماء. لحديث أنس (أن النبي ﷺ فسرها لما قيل له ما السبيل يا رسول الله؟ قال: الزاد والراحلة) رواه الدارقطني والحاكم. وهذا الحديث ضعيف، لكن يتقوى بشواهده. قال الشوكاني: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضاً فتصلح للاحتجاج بها. وقال الشنقيطي: حديث الزاد والراحلة لا يقل بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج. وقد ذكر الترمذي أن أكثر أهل العلم على العمل بها، وقد روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في تفسير السبيل أنه قال: أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زادٍ وراحلة من غير أن يجحف به، وسنده صحيح. وذهب بعض العلماء: إلى أن المراد بالاستطاعة على قدر الطاقة. واختار هذا ابن جرير في تفسيره.

стр. 1689

فيدخل في ذلك الزاد والراحلة وأمن الطريق ووجود مكانٍ صالحٍ للمبيت بالمشاعر وزوال الموانع من أداء الحج أياً كانت، ونحو ذلك. قال ابن جرير الطبري في تفسيره: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال بقول ابن الزبير وعطاء: إن ذلك على قدر الطاقة ؛ لأن السبيل في كلام العرب الطريقُ. فمن كان واجداً طريقاً إلى الحج لا مانع له منه، من زَمانة، أو عجز، أو عدو، أو قلة ماء في طريقه، أو زادٍ، أو ضعفٍ عن المشي، فعليه فرضُ الحج، لا يجزئه إلا أداؤه) إلى أن قال: (وإنما قلنا: هذه المقالة أولى بالصحة مما خالفها؛ لأن الله لم يخصص -إذ ألزم الناسَ فرضَ الحج- بعض مستطيعي السبيل إليه بسقوط فرض ذلك عنه. فذلك على كل مستطيع إليه سبيلاً بعموم الآية. فأما الأخبار التي رُويَت عن رسول الله ﷺ في ذلك بأنه الزاد والراحلة فإنها أخبار في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين).

стр. 1690

فائدة: قال الشنقيطي: وبِذَلِكَ كُلِّهِ تَعْلَمُ أَنَّ سُؤَالَ النَّاسِ لَيْسَ اسْتِطَاعَةً عَلَى رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ لَا يُعَدُّ اسْتِطَاعَةً، هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ: الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ اهـ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ. … (أضواء البيان). وقال أيضاً: والَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحَانُهُ بِالدَّلِيلِ مِنْ قَوْلَيِ الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ؛ وَهُوَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَعِيشُ فِي طَرِيقِهِ بِتَكَفُّفِ النَّاسِ، وَأَنَّ سُؤَالَ النَّاسِ لَا يُعَدُّ اسْتِطَاعَةً. (أضواء البيان). (بَعْدَ قَضَاءِ الواجِبَات، والنَّفَقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، والحَوَائِجِ الأَصْلِية). أي: أن تكون الراحلة والزاد فاضلةً وزائدة عن هذه الامور الثلاثة: أولاً: بعد قضاء الواجبات. من الديون، حالة أَو مؤجلة، والزكوات، والكفارات، والنذور، فلا بد أن يقضي هذه الديون. لأن ذمته مشغولة به، وهو محتاج لبراءتها، فتجب مقدمة على الحج، وإن ترك حقًا يلزمه من دين وغيره حرم وأجزأه، لتعلقه بذمته.

стр. 1691

فائدة: ١ حج المدين له أحوال: أولاً: أن تكون قيمة الحج تغطي ديونه فيجب عليه والحالة هذه أن يقضي الديون، فيكون في هذه الحالة غير مستطيع للحج فيسقط عنه. ثانياً: أن تكون قيمة الحج لا تغطي الديون ولكنها تخفف شيئاً كثيراً، فالأولى أن يدفع قيمة الحج للغرماء. ثالثاً: أن تكون قيمة الحج لا تغطي شيئاً بالنسبة للديون. فقيل: إنه يحج لأن الحج مجلبة للرزق كما في حديث [تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب … ]. وقيل: بل يسدد دينه ولا يحج لخطر الدين ولو كان قليلاً. فائدة: ٢ إذا تُبرع له بمال هل يلزمه أخذه؟ الجواب: لا يلزمه لأنه قد يكون فيه منَّة من الناس، وإن أخذه جاز ولكن لا يجب عليه. ثانياً: والنَّفَقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. له ولعياله. لقوله ﷺ (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول). وقال ﷺ (كفى بالمرء إثماً أن يُضيعَ من يقوت). ولأن ذلك مقدم على الدين، فلأن يقدم على الحج بطريق الأولى. … (حاشية الروض). ثالثاً: والحَوَائِجِ الأَصْلِية. أي: وبعد الحوائج الأصلية، من كتب، ومسكن، وخادم، ولباس مثله وغطاء، ووطاء، ونحوها ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره له.

стр. 1692

فائدة: يقدم الحج أم الزواج. إذا كان الرجل يحتاج إلى الزواج، ويشق عليه تأخيره فإنه يقدم الزواج على الحج. أما إذا كان لا يحتاج إلى الزواج فإنه يقدم الحج. قال ابن قدامة: وَإِنْ احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ، وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ (أي المشقة)، قَدَّمَ التَّزْوِيجَ، لأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلا غِنَى بِهِ عَنْهُ، فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ، قَدَّمَ الْحَجَّ; لأَنَّ النِّكَاحَ تَطَوُّعٌ، فَلا يُقَدَّمُ عَلَى الْحَجَّ الْوَاجِبِ. وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز تأجيل الحج إلى ما بعد الزواج للمستطيع، وذلك لما يقابل الشباب في هذا الزمن من المغريات والفتن صغيرة كانت أم كبيرة؟ فأجاب: لا شك أن الزواج مع الشهوة والإلحاح أولى من الحج لأن الإنسان إذا كانت لديه شهوة ملحة فإن تزوجه حينئذٍ من ضروريات حياته، فهو مثل الأكل والشرب، ولهذا يجوز لمن احتاج إلى الزواج وليس عنده مال أن يدفع إليه من الزكاة ما يُزوج به، كما يعطى الفقير ما يقتات به وما يلبسه ويستر به عورته من الزكاة. وعلى هذا فنقول: إنه إذا كان محتاجاً إلى النكاح فإنه يقدم النكاح على الحج لأن الله اشترط في وجوب الحج الاستطاعة فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) آل عمران/ ٩٧. أما من كان شاباً ولا يهمه أن يتزوج هذا العام أو الذي بعده فإنه يقدم الحج لأنه ليس في ضرورة إلى تقديم النكاح. (فتاوى منار الإسلام) (وَإِنْ أعْجَزَهُ كِبَرٌ، أوْ مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ ويَعَتَمِرُ عَنْهُ). أي: من لا يستطيع الحج لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه، أَوْ كَانَ نِضْوَ الْخَلْقِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ، وَالشَّيْخُ الْفَانِي، وهو قادر بماله، فإنه يجب عليه أن يقيم من يحج عنه. عن ابن عباس قَالَ: (كَانَ اَلْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَجَاءَتِ اِمْرَأَةٌ مَنْ خَثْعَمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اَللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي اَلْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى اَلرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ? قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وفي لفظ لمسلم (فَحُجِّي عَنْهُ).

стр. 1693

(أَفَأَحُجُّ عَنْهُ?) أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه، (قَالَ: نَعَمْ) وفي حديث أبي هريرة (احججي عن أبيك). فالإنسان إذا كان قادراً بماله لكنه غير قادر ببدنه (لا يرجى زوال مرضه) فهذا يجب عليه أن ينيب أحداً عنه لهذا الحديث. والقدرة قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام: أولاً: قدرة بالمال والبدن، فهذه توجب حج الإنسان بنفسه. ثانياً: قدرة بالبدن دون المال، فهذه توجب حج الإنسان بنفسه إذا كان قادراً على المشي، سواء من بلده أم من مكة، فإن كان لا يقدر على المشي وليس عنده راحلة، فإنه لا يجب عليه الحج، لأنه غير مستطيع. ثالثاً: قدرة بالمال دون البدن، فهذا يقسمه العلماء إلى قسمين: قسم يرجى زوال عجزه، فهذا لا يجب أن يقيم من يحج عنه، بل لا يصح، لأن عجزه مؤقت. وقسم لا يرجى زوال عجزه، فهذا يجب أن ينيب عنه أحداً، لحديث الباب. قال النووي: والجمهور على أن النيابة في الحج جائزة عن الميت والعاجز الميئوس من برئه. وقال ابن حجر: واتفق من أجاز النيابة في الحج على أنها لا تجزئ في الفرض إلا عن موت أو عضَب -أي: شلل-، فلا يدخل المريض؛ لأنه يرجى برؤه، ولا المجنون؛ لأنه ترجى إفاقته، ولا المحبوس؛ لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير؛ لأنه يمكن استغناؤه. قال ابن قدامة: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا يَسْتَنِيبُ بِهِ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، فَالْمَرِيضُ أَوْلَى.

стр. 1694

فائدة: ١ قال ابن قدامة: وَمَتَى أَحَجَّ هَذَا عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ عُوفِيَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَجٌّ آخَرُ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَلْزَمُهُ. لِأَنَّ هَذَا بَدَلُ إيَاسٍ، فَإِذَا بَرَأَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْهُ، فَلَزِمَهُ الْأَصْلُ، كَالْآيِسَةِ إذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ، ثُمَّ حَاضَتْ، لَا تُجْزِئُهَا تِلْكَ الْعِدَّةُ. وَلَنَا: أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ، أَوْ نَقُولُ: أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِأَمْرِ الشَّارِعِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ ثَانٍ، كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ. وَلِأَنَّ هَذَا يُفْضِي إلَى إيجَابِ حَجَّتَيْنِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً. وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ. قُلْنَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْهُ، لَمَا أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ. (المغني). فائدة: ٢ قال ابن قدامة: مَنْ يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ، وَالْمَحْبُوسُ وَنَحْوُهُ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ. فَإِنْ فَعَلَ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ. وَيَكُونُ ذَلِكَ مُرَاعًى، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ لَزِمَهُ، وَإِلَّا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، أَشْبَهَ الْمَيْئُوسَ مِنْ بُرْئِهِ.

стр. 1695

وَلَنَا: أَنَّهُ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ، وَلَا تُجْزِئُهُ إنْ فَعَلَ، كَالْفَقِيرِ، وَفَارَقَ الْمَأْيُوسَ مِنْ بُرْئِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، آيِسٌ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ، فَأَشْبَهَ الْمَيِّتَ. وَلِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْحَجِّ عَنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُرْجَى مِنْهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ كَانَ مِثْلَهُ. فَعَلَى هَذَا إذَا اسْتَنَابَ مَنْ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ صَارَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَابَ فِي حَالٍ لَا تَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا، فَأَشْبَهَ الصَّحِيحَ. … (المغني). فائدة: ٣ أنه لا يجوز الحج عن القادر المستطيع ببدنه. قال ابن قدامة: لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعاً. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئ عنه أن يحج غيره عنه. (المغني) فائدة: ٤ أن من كان قادراً بماله، عاجزاً ببدنه عجزاً لا يرجى برؤه، فإنه يجب عليه أن ينيب من يحج عنه. فائدة: ٥ يشترط في هذا النائب أن يكون قد حج عن نفسه. وقد ذهب إلى هذا جماهير العلماء، فالواجب أن يبدأ بنفسه، ثم يحج عن غيره. لحديث ابن عباس (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: " مَنْ شُبْرُمَةُ? " قَالَ: أَخٌ [لِي]، أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: " حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ? " قَالَ: لَا. قَالَ: "حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ.

стр. 1696

ورجح بعض العلماء وقف هذا الحديث. وما دل عليه هذا الموقوف هو الصحيح لوجوه: أولاً: أنه قول صحابي لم يثبت خلافه. ثانياً: أنه الأصل، فالأصل أن يحج الإنسان عن نفسه قبل أن يحج عن غيره. ثالثاً: أن الله قد خاطب هذا المكلف وأمره أن يؤدي هذا الفرض، فكيف يذهب يؤدي فرض غيره، والله قد خاطبه بنفسه: (ولله على الناس حج … ). فائدة: ٦ إن حج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه، فإن هذه الحجة تكون عن نفسه، ويرد المال لصاحبه. وقد جاء في رواية عند ابن ماجه لهذا الحديث (فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة). قال الشيخ ابن عثيمين: لو فرضنا أن هذا الذي أقيم وهو لم يؤد فريضة الحج، حج وقال: لبيك عن فلان الذي وكله، يكون الحج لهذا الذي حج ويرد النفقة التي أعطاها لمن وكله، لأن ذلك العمل الذي وكله فيه لم يصح، فيرد عوضه. (الشرح الممتع) وهذا القول هو مذهب الشافعي وأحمد. قال النووي: لَا يَجُوزُ لِمَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْ حَجَّةُ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا لِمَنْ عَلَيْهِ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ إذَا أَوْجَبْنَاهَا أَوْ عُمْرَةُ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَنْ يَعْتَمِرَ عَنْ غَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، فَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ الْغَيْرِ، هَذَا مَذْهَبُنَا وبه قال ابن عباس. … (المجموع). وذهب بعض العلماء: إلى أن من حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه فإن الحج يقع عن الغير. وهذا قول الحنفية، والمالكية. واستدلوا بحديث المرأة الخثعمية - وقد تقدم - ولم يسألها هل حججتِ عن نفسك أم لا؟ ولكن الراجح القول الأول، وأما حديث الخثعمية فالجواب عنه بأن يقال: أن المرأة سألت وهي متلبسة بالحج (تحج عن نفسها) فهي تسأل عن المستقبل.

стр. 1697

فائدة: ٧ الحج والعمرة عن الغير لا يشترط فيهما ذكر اسم الشخص المنوي عنه الحج أو العمرة، ولا التلفظ بذلك، بل تكفي النية عنه، والنية محلها القلب. ولكن الأفضل أن يقول عند أول تلبية: لبيك اللهم عن فلان - كما في حديث شبرمة. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء: الحج عن الغير يكفي فيه النية عنه، ولا يلزم فيه تسمية المحجوج عنه، لا باسمه فقط ولا باسمه واسم أبيه أو أمه، وإن تلفظ باسمه عند بدء الإحرام أو أثناء التلبية أو عند ذبح دم التمتع إن كان متمتعاً أو قارناً - فحسن؛ لما روى أبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان، عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: " من شبرمة "؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: " حججت عن نفسك "؟ قال: لا. قال: " حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة ". وسئل الشيخ ابن باز ﵀: رجل حج عن امرأة وعندما أراد الإحرام من الميقات نسي اسمها ماذا يصنع؟ فأجاب: إذا حج عن امرأة أو عن رجل ونسي اسمه فإنه يكفيه النية ولا حاجة لذكر الاسم، فإذا نوى عند الإحرام أن هذه الحجة عمن أعطاه الدراهم أو عمن له الدراهم كفى ذلك، فالنية تكفي؛ لأن الأعمال بالنيات، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ . يشرع الجهر بالتلبية، فالرجل إذا حج عن غيره فإنه يصرح بذكره فيقول: لبيك عن فلان لكن لو قال: لبيك عمن استنابني فإنه جائز. إذا نسي اسم من وكله فإنه يقول: لبيك عمن استنابني. فائدة: ٨ إذا كان الرجل فقير لم يحج عن نفسه لفقره، هل يصح أن ينوب عن غيره؟ قيل: لا يصح. وقيل: يصح لإنسان الذي لم يؤدِ الفريضة عن نفسه أن يحج عن غيره، إذا كان الحج لا يجب عليه، كالفقير. مثال: رجل فقير ليس عنده شيء، فأنابه شخص وقال: حج عني، فإنه يصح.

стр. 1698

والسبب قالوا: الحج لا يجب على هذا الفقير، فهو لم يسقط فرض غيره قبل فرض نفسه، لأن الفريضة هنا غير واجبة. وهذا القول هو الصحيح. القاعدة: من وجب عليه الحج لم يصح أن يحج عن غيره قبل نفسه، وأما من لم يجب عليه الحج فيصح. فائدة: ٩ يجوز للمرأة أن تحج عن الرجل والعكس كذلك. للحديث السابق. قال ابن قدامة: يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فِي الْحَجِّ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ، فَإِنَّهُ كَرِهَ حَجَّ الْمَرْأَةِ عَنْ الرَّجُلِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذِهِ غَفْلَةٌ عَنْ ظَاهِرِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا، وَعَلَيْهِ؛ يَعْتَمِدُ مَنْ أَجَازَ حَجَّ الْمَرْءِ عَنْ غَيْرِهِ وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ، وَأَحَادِيثُ سِوَاهُ. (المغني). فائدة: ١٠ إن من اعتمر عن غيره أو حج عنه، فهو مأجور، وقد اختلف أهل العلم في أجره، هل ينال أجر أعمال الحج أو العمرة، أو يختص أجرهما بالشخص الذي ناب عنه، ويكون للنائب أجر الطاعات التي يؤديها في الحرم على قولين: فقيل: إن النائب ينال أجر الحج إن كان متطوعا به - أي يؤديه بغير أجرة - وقيل: إن النائب لا ينال أجر الحج وإنما ينال أجر القربات التي عملها في الحج أما أجر الحج فيختص فقط بالمسستنيب.

стр. 1699

فائدة: ١١ لا يجوز لمن يحج عن غيره أن يكون قصده المال، فليست العبادة عرضة للتجارة، ولا من مجالات الربح، والأفضل لمن أراد أن يحج عن غيره أن يتبرع بها كاملة من غير أن يأخذ مالاً، وهذا له أجر عظيم، وهو في أعلى المراتب، كما يجوز أن يطلب من أهل من سيحج عنهم تكاليف السفر وأداء المناسك، دون أن يستوفي زيادة على قدر تلك التكاليف، إلا أن يعطوه شيئاً منهم عن طيب نفسٍ منهم، وله أجر على فعله ذاك، وهو في أوسط المراتب، وأما من قصد بالحج عن غيره المال والدنيا: فلا ثواب له على عمله ذلك .. قال ابن تيمية: الحاجَّة عن الميت: إن كان قصدها الحج، أو نفع الميت: كان لها في ذلك أجرٌ، وثواب، وإن كان ليس مقصودها إلا أخذ الأجرة: فما لَها في الآخرة مِن خلاق [أي: نصيب]. (مجموع الفتاوى). وقال ﵀: أَمَّا الْحَاجُّ عَنْ الْغَيْرِ لِأَنْ يُوَفِّيَ دَيْنَهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَفْضَلَ التَّرْكُ. فَإِنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ يَحُجُّ لِأَجْلِ أَنْ يَسْتَفْضِلَ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ السَّلَفِ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ يَحُجُّ عَنْ أَحَدٍ بِشَيْءِ. وَلَوْ كَانَ هَذَا عَمَلًا صَالِحًا لَكَانُوا إلَيْهِ مُبَادِرِينَ وَالِارْتِزَاقُ بِأَعْمَالِ الْبِرِّ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الصَّالِحِينَ. أَعْنِي إذَا كَانَ إنَّمَا مَقْصُودُهُ بِالْعَمَلِ اكْتِسَابَ الْمَالِ وَهَذَا الْمَدِينُ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يُوَفِّي بِهِ دَيْنَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَحُجَّ لِيَأْخُذَ دَرَاهِمَ يُوَفِّي بِهَا دَيْنَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا يَحُجُّ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ إلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: إمَّا رَجُلٌ يُحِبُّ الْحَجَّ وَرُؤْيَةَ الْمَشَاعِرِ وَهُوَ عَاجِزٌ. فَيَأْخُذُ مَا يَقْضِي بِهِ وَطَرَهُ الصَّالِحَ وَيُؤَدِّي بِهِ عَنْ أَخِيهِ فَرِيضَةَ الْحَجِّ. أَوْ رَجُلٌ يُحِبُّ أَنْ يُبَرِّئَ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ عَنْ الْحَجِّ إمَّا لِصِلَةِ بَيْنَهُمَا أَوْ لِرَحْمَةِ عَامَّةٍ بِالْمُؤْمِنِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَأْخُذُ مَا يَأْخُذُ لِيُؤَدِّيَ بِهِ ذَلِكَ. وَجِمَاعُ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ لِيَحُجَّ لَا أَنْ يَحُجَّ لِيَأْخُذَ، وَهَذَا فِي جَمِيعِ الْأَرْزَاقِ الْمَأْخُوذَةِ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ فَمَنْ ارْتَزَقَ لِيَتَعَلَّمَ أَوْ لِيُعَلِّمَ أَوْ لِيُجَاهِدَ فَحَسَنٌ. كَمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي. وَيَأْخُذُونَ أُجُورَهُمْ. مَثَلُ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ ابْنَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا) شَبَّهَهُمْ بِمَنْ يَفْعَلُ الْفِعْلَ لِرَغْبَةِ فِيهِ كَرَغْبَةِ أُمِّ مُوسَى فِي الْإِرْضَاعِ بِخِلَافِ الظِّئْرِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى الرِّضَاعِ إذَا كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً. وَأَمَّا مَنْ اشْتَغَلَ بِصُورَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِأَنْ يَرْتَزِقَ فَهَذَا مِنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا. فَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَكُونُ الدِّينُ مَقْصُودَهُ وَالدُّنْيَا وَسِيلَةٌ وَمَنْ تَكُونُ الدُّنْيَا مَقْصُودَهُ وَالدِّينُ وَسِيلَةٌ. وَالْأَشْبَهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا. (مجموع الفتاوى)

стр. 1700

(من حيثُ وجَبَا). أي: من المكان الذي وجب على المستنيب أن يحج منه. فإن كان هذا المريض الذي لا يستطيع الحج من الرياض فإنه يجب أن يخرج نائباً من الرياض. قال البهوتي: ويحج النائب من حيث وجبا على الميت، لأن القضاء يكون بصفة الأداء. (كشاف القناع) وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يلزم ذلك. أولاً: أن السفر إلى مكة ليس مقصوداً لذاته. ثانياً: أن النبي ﷺ أجاز النيابة في الحج ولم يشترط أن يكون من بلده، ولو كان شرطاً لبيّنه. (ويُجزئُ عنه وإنْ عُوفي بعد الإحرام). أي: أن النائب بعدما أحرم بالحج عوفي المنيب (وهو المريض الذي لا يرجى برؤه) فإنه يجزئ عنه الحج. • قوله (بعد الإحرام) مفهومه أنه لو عوفي (المنيب) قبل الإحرام فإنه لا يجزئه ولا تصح النيابة. الخلاصة: أ- أن يبرأ المنيب بعد الفراغ من أعمال الحج، فهذا يجزئه، لأنه أتى بما أمر به. ب- أن يبرأ المنيب قبل إحرام النائب، فلا يجزئه. ج- أن يبرأ المنيب بعد الإحرام وقبل الفراغ من النسك. فهذه وقع فيها خلاف بين العلماء: فقيل: يجزئه لك. وهذا قول الحنابلة. أ- أنه أتى بما قدر عليه. ب- وبالقياس على المكفّر إذا قدر على الأصل بعد الشروع في البدل، وكالمتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي، لم يلزمه الهدي، بل يكمل صومه، فكذلك هنا.

стр. 1701

وقيل: لا يجزئه ذلك. وهذا قول الشافعية، واختاره ابن تيمية. أ- لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ تَمَامِ الْبَدَلِ، فيلزمه الأصل. ب- وبالقياس على المتيمم إذا رأى الماء في صلاته، فإنه يقطع صلاته لبطلان التيمم، ويجب عليه الوضوء، فكذلك هنا. والراجح القول الأول. (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ عَلَى المَرْأةِ: وَجُودُ مَحْرَمِهَا) أي: يشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرم لها، فإن لم يكن لها محرم فلا يجب عليها الحج لأنها غير مستطيعة. أ- لأن الله يقول (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً). قال الإمام أحمد: المحرَم من السبيل. ب- وَعَن ابن عباس. قال: قال ﷺ (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِاِمْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ اَلْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ " فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّ اِمْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اِكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: اِنْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ اِمْرَأَتِكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ج- وعنه. عن النبي ﷺ أنه قال (لا تحجّن امرأة إلا ومعها ذو محرَم) رواه الدارقطني، قال ابن حجر: إسناده صحيح. وجه الاستدلال: أن هذين الحديثين نصان صريحان في المسألة. د- عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثاً إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَم). هـ-وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَم). رواه البخاري ومسلم هـ-وعنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ). رواه البخاري ومسلم

стр. 1702

وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز إذا كان مع نساء ثقات. وهذا مذهب الشافعية. أ-لما رواه البخاري معلقاً: (أن عمر أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، وبعث معهن عثمان وعبد الرحمن بن عوف). ب- وعَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ (بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ، فَشَكَا قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ «يَا عَدِىُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ». قُلْتُ لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا. قَالَ «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ أَحَداً إِلاَّ اللَّه) رواه البخاري. والراجح المذهب: التحريم مطلقاً. لأن النبي ﷺ كما في حديث ابن عباس - لم يستفصل هل معها نساء أم لا، أو صغيرة أو كبيرة، أو آمنة أو غير آمنة. قال الشيخ محمد بن عثيمين: هذا العمل وهو الحج بدون مَحرم: مُحرَّم لحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يخطب: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإنني قد اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : انطلق فحج مع امرأتك). فلا يجوز للمرأة السفر بدون محرم، والمحرم: من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، ويشترط أن يكون بالغاً عاقلاً، وأما الصغير فلا يكون محرماً، وغير العاقل لا يكون محرماً أيضاً، والحكمة من وجود المحرم مع المرأة حفظها وصيانتها، حتى لا تعبث بها أهواء مَن لا يخافون الله ولا يرحمون عباد الله.

стр. 1703

ولا فرق بين أن يكون معها نساء أو لا، أو تكون آمنة أو غير آمنة، حتى ولو ذهبت مع نساء من أهل بيتها وهي آمنة غاية الأمن، فإنه لا يجوز لها أن تسافر بدون محرم؛ وذلك لأن النبي ﷺ لما أمر الرجل بالحج مع امرأته لم يسأله ما إذا كان معها نساء وهل هي آمنة أم لا، فلما لم يستفسر عن ذلك دل على أنه لا فرق، وهذا هو الصحيح. وقد تساهل بعض الناس في وقتنا الحاضر فسوَّغ أن تذهب المرأة في الطائرة بدون محرم، وهذا لا شك أنه خلاف النصوص العامة الظاهرة، والسفر في الطائرة كغيره تعتريه الأخطار. فائدة: ١ المحرم بالنسبة للمرأة. ضابط المحرم الذي يجوز السفر معه والخلوة به: هو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح. (على التأبيد) احترازاً من أخت الزوجة وعمتها وخالتها. (بنسب) كالأب، والابن، والأخ، والعم، وابن الأخ .... (مباح) كالرضاع: الأب من الرضاع، والأخ من الرضاع .... والمحرم بالمصاهرة: أبو زوجها، ابن زوجها، زوج أم المرأة، زوج بنت المرأة. قال النووي: قوله ﷺ (إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم) فِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّ جَمِيع الْمَحَارِم سَوَاء فِي ذَلِكَ، فَيَجُوز لَهَا الْمُسَافَرَة مَعَ مَحْرَمهَا بِالنَّسَبِ كَابْنِهَا وَأَخِيهَا وَابْن أَخِيهَا وَابْن أُخْتهَا وَخَالهَا وَعَمّهَا، وَمَعَ مَحْرَمهَا بِالرَّضَاعِ كَأَخِيهَا مِنْ الرَّضَاع وَابْن أَخِيهَا وَابْن أُخْتهَا مِنْهُ وَنَحْوهمْ، وَمَعَ مَحْرَمهَا مِنْ الْمُصَاهَرَة كَأَبِي زَوْجهَا وَابْن زَوْجهَا، وَلَا كَرَاهَة فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا يَجُوز لِكُلِّ هَؤُلَاءِ الْخَلْوَة بِهَا وَالنَّظَر إِلَيْهَا مِنْ غَيْر حَاجَة، وَلَكِنْ لَا يَحِلّ النَّظَر بِشَهْوَةِ لِأَحَدِ مِنْهُمْ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور، وَوَافَقَ مَالِك عَلَى ذَلِكَ كُلّه إِلَّا اِبْن زَوْجهَا، فَكَرِهَ سَفَرهَا مَعَهُ لِفَسَادِ النَّاس بَعْد الْعَصْر الْأَوَّل، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاس لَا يَنْفِرُونَ مِنْ زَوْجَة الْأَب نَفْرَتهمْ مِنْ مَحَارِم النَّسَب، قَالَ: وَالْمَرْأَة فِتْنَة إِلَّا فِيمَا جَبَلَ اللَّه تَعَالَى النُّفُوس عَلَيْهِ مِنْ النَّفْرَة عَنْ مَحَارِم النَّسَب، وَعُمُوم هَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَى مَالِك.

стр. 1704

فائدة: ٢ شروط المحرم: أولاً: أن يكون بالغاً، فالصغير لا يكفي أن يكون محرماً، لأن المقصود من المحرم حماية المرأة وصيانتها، ومن دون البلوغ لا يحصل فيه ذلك. ثانياً: عاقلاً، فالمجنون لا يصح أن يكون محرماً، لأنه لا يحصل للمجنون حماية المرأة وصيانتها. سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: الولد متى يكون محرماً لأمه؟ هل هو بالبلوغ أو بالتمييز؟ فأجاب: المحرم بارك الله فيك! يكون مَحْرَماً إذا كان بالغاً عاقلاً، فمن لم يبلغ فليس بمحرم، ومن كان في عقله خلل فليس بمحرم. (لقاءات الباب المفتوح) ثالثاً: الذكورية، فالمرأة لا تكون محرماً للمرأة. فائدة: ٣ اختلف العلماء: هل يجب على الزوج أن يحج مع زوجته؟ قولان: القول الأول: يجب إذا لم يكن لها غيره. لحديث ابن عباس السابق (انطلق فحج مع امرأتك). قال ابن حزم: ففرض عليه أن يحج معها. القول الثاني: لا يلزمه. وهذا القول أقوى. وأما الحديث: (انطلق. . .) فهنا أمره بالحج مع امرأته لأن المرأة قد شرعت في السفر، ولا طريق إلى خلاص من ذلك إلا أن يسافر معها. لكن ليس للزوج أن يمنعها عن حج فرض باتفاق العلماء.

стр. 1705

فائدة: ٤ خروج المرأة للحج من غير محرم في حج التطوع: لا يجوز لها ذلك. وهذا مذهب أغلب الفقهاء، فيه قال الحنفية والمالكية وهو المذهب الراجح عند الشافعية وقال به الحنابلة. (وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَزِمَاهُ أُخْرِجَا مِن تَرِكَتِهِ). أي: من تمت الشروط في حقه، ثم مات، فإنهما يخرجان من تركته قبل الإرث والوصية. لأن الحج دين في ذمته، ودين الله أحق بالقضاء. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: (أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ). قال ابن قدامة: مَتَى تُوُفِّيَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَمْ يَحُجَّ، وَجَبَ أَنْ يُخْرَجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ مَا يُحَجُّ بِهِ عَنْهُ وَيُعْتَمَرُ، سَوَاءٌ فَاتَهُ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّافِعِيُّ. فائدة: ١ حكم من مات ولم يحج وكان قادراً: اختلف العلماء في هذا: فمنهم من قال: إنه يحج عنه وأن ذلك ينفعه، ويكون كمن حج لنفسه. ومنهم من قال: لا يحج عنه، وأنه لو حج عنه ألف مرة لم تقبل. يعني لم تبرأ بها ذمته. وهذا القول هو الحق، لأن هذا الرجل ترك عبادة واجبة عليه مفروضة على الفور بدون عذر، فكيف يرغب عنها، ثم نلزمه إياها بعد الموت، ثم التركة الآن تعلق بها حق الورثة، كيف نحرمهم من ثمن هذه الحجة وهي لا تجزئ عن صاحبها، وهذا هو ما ذكره ابن القيم ﵀ في "تهذيب السنن"، وبه أقول: إن من ترك الحج تهاوناً مع قدرته عليه لا يجزئ عنه الحج أبداً، لو حج عنه الناس ألف مرة.

стр. 1706

فائدة: ٢ إن كان في حياته لا يملك نفقة الحج الفاضلة عن نفقته ونفقته عياله، فالحج لم يجب عليه، ولا يجب الحج عنه، إلا إن تبرع أحد بذلك. سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: لي ابن أخ أصيب بمرض السرطان -أعيذكم بالله من ذلك وجميع المسلمين- وتوفي هذا العام وعمره تسع عشرة سنة ولم يؤد فريضة الحج، علماً بأنه أصيب بهذا المرض منذ خمس سنوات، فهل نحج عنه؟ فأجاب: " لابد أن نسأله: هل هذا الشاب عنده مال يستطيع أن يحج به؟ إن كان الأمر كذلك فلا بد أن يحج عنه، وإذا لم يكن عنده مال فالحج ليس بواجب عليه وقد مات بريئاً من الفريضة، لكن إن أرادوا أن يتطوعوا ويحجوا عنه فلا حرج. فائدة: ٣ سئل أيضاً: رجل جاء من بلده للحج ثم تحطمت الطائرة قبل أن يصل هل يعتبر حاجاً؟ فأجاب: " إذا هلك من سافر للحج قبل أن يخرج فليس بحاج، لكن الله يثيبه على عمله، أما إذا أحرم وهلك فهو حاج، لقول النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته وهو واقف بعرفة فقال: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً). ولم يأمرهم بقضاء حجه، وهذا يدل على أنه يكون حاجاً.

стр. 1707

باب المواقيت المواقيت جمع ميقات: وهو الموضع من الأرض الذي يحرم منه مريد النسك بحج أو عمرة. (يجب على الحاج أو المعتمر أن يحرم من المواقيت التي عيّنها النبي ﷺ -). أي: يجب لمن أراد الحج أو العمرة أن يحرم من الميقات المعتبر له. والمواقيت المكانية عينها النبي ﷺ : أ- عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄; (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ اَلشَّامِ: اَلْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ اَلْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اَلْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ اَلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ب-وفي حديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة … ) متفق عليه. ج- وفي حديث ابن عمر - عند البخاري - قال (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْناً، وَلأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَة). (ذَا الْحُلَيْفَةِ) مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين. قال النووي: وهي أبعد المواقيت من مكة، بينهما نحو عشر مراحل، وهي قريبة من المدينة. (الْجُحْفَةَ) قال الحافظ: هي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة. قال النووي: سميت بذلك لأن السيل اجتحفها. (يَلَمْلَمَ) وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة. (قَرْنَ اَلْمَنَازِلِ) على نحو مرحلتين من مكة، وهو أقرب المواقيت إلى مكة. قال ابن قدامة بعد ما ذكر المواقيت: أجمع أهل العلم على أربعة منها، وهي: ذو الحليفة، وقرن، والجحفة ويلملم، واتفق أئمة النقل على صحة الحديث عن رسول الله فيها.

стр. 1708

فائدة: ١ يجب الإحرام من هذه المواقيت لمن أراد الحج أو العمرة. أ- لقوله (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ … ). ب-وفي حديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة … ). ج- وفي حديث ابن عمر - عند البخاري - قال (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْناً، وَلأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَة). فائدة: ٢ أبعد هذه المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة. قال الحافظ: فقيل في الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، وقيل: رفقاً بأهل الآفاق، لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة، أي ممن له ميقات معين. فائدة: ٣ ميقات أهل العراق: ذات عرق. وهذا قول أكثر العلماء. قال ابن قدامة: فأما ذات عرق فميقات أهل المشرق في قول أكثر أهل العلم. وقد اختلف العلماء من الذي وقّته: على أقوال: القول الأول: الذي وقته رسول الله ﷺ . لحديث عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْق) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

стр. 1709

القول الثاني: أن الذي وقته عمر. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما قَالَ (لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْناً، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْناً شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْق) رواه البخاري. ولو كان النبي ﷺ هو الذي حدده لاشتهر ذلك كما اشتهر تحديد المواقيت الأخرى، وأيضاً لو وقع تحديدها لما احتاج عمر إلى تحديدها لأهل العراق. وضعف هؤلاء الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق. وممن قال بهذا أبو الشعثاء جابر بن زيد، وطاووس، ومحمد بن سيرين، ومسلم، وأبو داود، وابن المنذر، وابن خزيمة، والخطابي، والبغوي، وابن الجوزي، والنووي. قال مسلم: فأما الأحاديث التي ذكرناها من قبل أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق فليس واحد منها يثبت. قال ابن المنذر: ولا يثبت فيه عن رسول الله ﷺ سنة. قال ابن خزيمة: وقد روي في ذات عرق أنه ميقات أهل العراق أخبار عن غير ابن جريج لا يثبت عند أهل الحديث شيء منها. قال البغوي: والصحيح أن النبي ﷺ لم يوقت لهم شيئاً. قال النووي: وَأَمَّا (ذَات عِرْق) بِكَسْرِ الْعَيْن فَهِيَ مِيقَات أَهْل الْعِرَاق، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ صَارَتْ مِيقَاتهمْ بِتَوْقِيتِ النَّبِيّ ﷺ أَمْ بِاجْتِهَادِ عُمَر بْن الْخَطَّاب؟ وَفِي الْمَسْأَلَة وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيّ: أَصَحّهمَا: وَهُوَ نَصّ الشَّافِعِيّ ﵁ فِي الْأُمّ: بِتَوْقِيتِ عُمَر ﵁، وَذَلِكَ صَرِيح فِي صَحِيح الْبُخَارِي.

стр. 1710

القول الثالث: أن الذي وقته النبي ﷺ وعمر لم يبلغه النص فجاء توقيته على وفق توقيت النبي ﷺ . وعمر معروف بموافقاته الكثيرة. وبهذا قال ابن حزم، وابن قدامة، وابن تيمية، والعيني. قال ابن قدامة: ويجوز أن يكون عمر ومن سأله لم يعلموا توقيت النبي ﷺ ذات عرق فقال برأيه فأصاب، ووافق قول النبي ﷺ فقد كان كثير الإصابة. والقول الثاني أصح. فائدة: ٣ حكم من تجاوز هذه المواقيت من غير إحرام وهو مريد النسك. لا يجوز للمسلم إذا أراد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات الذي يمر به إلا بإحرام، فإن تجاوزه بدون إحرام لزمه الرجوع إليه والإحرام منه، فإن ترك ذلك وأحرم من مكان دونه أو أقرب منه إلى مكة فعليه دم عند الكثير من أهل العلم، يذبح في مكة ويوزع بين الفقراء؛ لكونه ترك واجباً وهو الإحرام من الميقات الشرعي. قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ، إنْ أَمْكَنَهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ، فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَبِهِ يَقُولُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ. وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ.

стр. 1711

فائدة: ٤ من مرّ بميقات ليس ميقاته فإنه يجب عليه أن يحرم منه، فهذه المواقيت لأهلها ولمن مرّ عليها من غير أهلها ممن أراد الحج أو العمرة. فمن سلك طريقاً فيها ميقات فهو ميقاته، فإذا مرّ أحد من أهل نجد ميقات أهل الشام فإنه يحرم منه، ولا يكلف أن يذهب إلى ميقات أهل نجد. فائدة: ٥ حكم المرأة الحائض إذا كانت تريد الحج أو العمرة وحاضت بالميقات: المرأة التي تريد العمرة لا يجوز لها مجاوزة الميقات إلا بإحرام، حتى لو كانت حائضاً فإنها تحرم وهي حائض وينعقد إحرامها ويصح؛ والدليل لذلك أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر ﵄ ولدت - والنبي ﷺ نازل في ذي الحليفة يريد حجة الوداع - فأرسلت إلى النبي ﷺ كيف أصنع؟ فقال (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي). ودم الحيض كدم النفاس، فنقول للمرأة الحائض: إذا مررت بالميقات وأنت تريدين العمرة أو الحج فاغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي ". والاستثفار معناه: أنها تشد على فرجها خرقة وتربطها ثم تحرم، سواء بالحج أو بالعمرة ". ولكنها إذا أحرمت ووصلت إلى مكة لا تأتي إلى البيت ولا تطوف به حتى تطهر ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة حين حاضت في أثناء العمرة قال لها (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي في البيت حتى تطهري) هذه رواية البخاري ومسلم، وفي صحيح البخاري أيضاً ذكرت عائشة أنها لما طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة، فدل هذا على أن المرأة إذا أحرمت بالحج أو العمرة وهي حائض أو أتاها الحيض قبل الطواف فإنها لا تطوف ولا تسعى حتى تطهر وتغتسل، أما لو طافت وهي طاهرة وبعد أن انتهت من الطواف جاءها الحيض؛ فإنها تستمر وتسعى ولو كان عليها الحيض وتقص من رأسها وتنهي عمرتها، لأن السعي بين الصفا والمروة لا يشترط له الطهارة. (الشيخ ابن عثيمين).

стр. 1712

فائدة: ٦ اختلف العلماء: في حكم إذا مر الشامي بميقات أهل المدينة، هل له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة والتي هي الأصل أو يجب أن يحرم من ذي الحليفة على قولين: القول الأول: يجب أن يحرم من ذي الحليفة. وهذا قول الشافعي وأحمد. لقوله ﷺ (هنّ لهنّ ولمن مرّ عليهنّ من غير أهلهنّ). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ حدد ذا الحليفة ميقاتاً من ضمن هذه المواقيت، فلم يجز تجاوزه بغير إحرام كسائر المواقيت. القول الثاني: يجوز ذلك تجاوز ذي الحليفة إلى الجحفة ويحرم من الأخير. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وهو اختيار شيخ الإسلام. أ-واستدلوا بالحديث (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ اَلشَّامِ: اَلْجُحْفَةَ). قالوا: لأن هذا الرجل مرّ بميقاتين، يجب عليه الإحرام منهما، أحدهما فرع، والثاني أصل، والأصل الجحفة وميقات المدينة فرع، فله أن يدع الإحرام من الفرع إلى الأصل. ب- وقالوا: إن أهل الشام بنص الحديث ميقاتهم الجحفة. والأول أحوط.

стр. 1713

فائدة: ٧ من كان منزله دون الميقات يكون ميقاته من مكانه الذي هو ساكن فيه. لقوله ﷺ (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ). وقال الشيخ ابن باز: جدة ليست ميقاتاً للوافدين، وإنما هي ميقات لأهلها ولمن وفدوا إليها غير مريدين الحج ولا العمرة، ثم أنشئوا الحج والعمرة منها. فائدة: ٨ حكم مَن سافر مِن بلده إلى جدة ثم أراد العمرة فهل يحرم من جدة: لا يخلو الأمر مِن حالين: أ- الإنسان قد سافر إلى جدة بدون نية العمرة، ولكن طرأت له العمرة وهو في جدة: فإنه يُحرم من جدة، ولا حرج في ذلك؛ لحديث ابن عباس ﵄ حين ذكر المواقيت قال: (ومَن كان دون ذلك: فمِن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة). ب- يكون سافر من بلده بنية العمرة عازماً عليها: فإنه يجب في هذه الحالة أن يُحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يجوز الإحرام من جدة؛ لأنها دون الميقات، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه وقَّت المواقيت فقال: (هنَّ لهنَّ ولمن مرَّ عليهن مِن غير أهلهن لمن أراد الحج والعمرة). فإن أحرم من جدة ونزل إلى مكة في هذه الحال: فإن عليه عند أهل العلم فدية، دماً يذبحه في مكة، ويتصدق به على الفقراء، وعمرته صحيحة، فإن لم يحرم من جدة بعد وصوله إليها، وهو ناوٍ العمرة قبل وصوله: فإنه يرجع إلى الميقات، ويحرم منه، ولا شيء عليه. (الشيخ ابن عثيمين)

стр. 1714

فائدة: ٩ من تجاوز هذه المواقيت بلا نية النسك، ثم طرأ عليه نية العزم على النسك فإنه يحرم من حيث أراد النسك. لقوله ﷺ (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) أي: ومن كان منزله دون هذه المواقيت، بأن كان بينها وبين مكة، فميقاته من حيث أنشأ السفر أو أنشأ النية للحج أو العمرة. فائدة: ١٠ حكم من لا يمر بميقات: الذي لا يمر بميقات فإنه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، واعتبار المحاذاة أصل بنى عليه عمر حين قرر ذات عرق ميقاتاً لأهل العراق. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما قَالَ (لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْناً، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْناً شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْق). رواه البخاري فنستفيد من قول عمر (قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْق) أن من لا يمر بشيء من هذه المواقيت فإنه ينظر إلى حذو الميقات الأقرب إليه (فيحرم منه).

стр. 1715

فإذا مر في طريق بين يلملم وقرن المنازل ينظر أيهما أقرب إليه، فإذا حاذى أقربهما إليه أحرم من محاذاته فعمر قال لهم: انظروا إلى حذوها من طريقكم). فأمرهم أن ينظروا إلى محاذاة قرن المنازل ويحرموا. فائدة: من أين يحرم من جاء بالطائرة. قال ابن عثيمين: … وفي حكم عمر ﵁ هذا فائدة جليلة، وهي أن الذين يأتون عن طريق الطائرات وقد نووا الحج أو العمرة ويمرون بهذه المواقيت إما فوقها أو عن يمينها أو يسارها يجب عليهم أن يحرموا إذا حاذوا هذه المواقيت، ولا يحل لهم أن يؤخروا الإحرام حتى ينزلوا في جدة، كما يفعله كثير من الناس، فإن هذا خلاف ما حدده النبي ﷺ وقد قال الله تعالى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ). وقال الله تعالى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فعلى الإنسان إذا جاء عن طريق الجو وهو يريد الحج أو العمرة أن يكون متهيئاً للإحرام في الطائرة، فإذا حاذى أول ميقات يمر به وجب عليه أن يحرم، أي أن ينوي الدخول في النسك ولا يؤخر هذا حتى يدخل في مطار جدة. (الشيخ ابن عثيمين) فائدة: ١١ الإحرام قبل الميقات: ذهب عامة أهل العلم على أن الإحرام من وراء الميقات صحيح معتد به، وأن من أحرم قبل بلوغ الميقات فإحرامه صحيح، وحكاه ابن المنذر إجماعاً. والقائلون بأن الإحرام قبل الميقات منعقد اختلفوا هل هو أفضل، أو هو جائز أو مكروه؟ قال ابن بطال في شرح البخاري حكاية عن ابن المنذر بعد حكاية الإجماع المشار إليه ما عبارته: غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، واستحبه آخرون. فممن رأى ذلك ابن عمر أحرم من إيلياء، وسئل علي وابن مسعود عن قوله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّه) فقالا: أن تحرم من دويرة أهلك.

стр. 1716

وأجاز ذلك علقمة والأسود، وهو قول أبى حنيفة، والثوري، والشافعي. وكره الإحرام قبل المواقيت عمر بن الخطاب، وأنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة. وأنكر عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات. وهو قول عطاء، والحسن، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وقال أحمد: المواقيت أفضل؛ لأنها سنة النبي ﵇. ا. هـ والصواب قول من كره الإحرام قبل الميقات، لأنه قول عمر وعثمان ﵄، ولموافقته لفعل النبي ﷺ ولا يختار إلا الأفضل، وإحرام من أحرم قبل الميقات منعقد لأن من أنكره من الصحابة لم يلزم من فعله بتجديد الإحرام، ولأنه قول عامة العلماء، والذاهبون إلى عدم الصحة قليل من أهل العلم. قال ابن قدامة مبيناً وجه كراهة الإحرام قبل الميقات: ولنا أن النبي ﷺ وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الأفضل. قال الشيخ ابن عثيمين: الإحرام قبل هذه المواقيت المكانية مكروه، لأن النبي ﷺ وقتها، وكون الإنسان يحرم قبل أن يصل إليها فيه شيء من تقدم حدود الله ، ولهذا قال النبي ﷺ في الصيام (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين) يدل على أنه ينبغي لنا أن نتقيد بما وقته الشرع من الحدود الزمانية والمكانية، ولكنه إذا أحرم قبل أن يصل إليها فإن إحرامه ينعقد. وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها، وهي أن الرسول ﷺ لما وقت هذه المواقيت قال (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) فمن كان من أهل نجد فمر بالمدينة فإنه يحرم من (ذو الحليفة) ومن كان من أهل الشام، ومر بالمدينة، فإنه يحرم من (ذو الحليفة) ولا يحل له أن ينتظر حتى يصل إلى ميقات الشام الأصلي على القول الراجح من قولي أهل العلم.

стр. 1717

فائدة: ١٢ اختلف العلماء: هل الإنسان إذا مر بالميقات وهو لا يريد نسكاً وكان قد أدى فرضه، هل يلزمه الإحرام أم لا على قولين: القول الأول: إنه يجب عليه الإحرام، ولا يتجاوز الميقات إلا محرماً، لأداء عمرة أو حج. وممن قال بهذا القول جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، إلا إن الحنفية قيدوه فيما إذا كان منزله خارج المواقيت، وهو قول عند الشافعية. أ-عن عطاء، عن ابن عباس ﵁ قال الرسول ﷺ (لا يتجاوز أحد الميقات إلا وهو محرم). بالنسبة للفظ الأول: قال ابن حجر: رواه ابن عدي مرفوعاً من وجهين ضعيفين. وفي لفظ آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال (لا تجوزوا الوقت إلا بإحرام). قال الهيثمي: وفيه خصيف، وفيه كلام وقد وثقَّه جماعة. وقال الذهبي عنه: صدوق سيء الحفظ، ضعفه أحمد، ووصفه أبو حاتم بالاختلاط. ب-عن ابن عباس ﵁ قال (لا يدخل أحد مكة إلا محرماً) رواه البيهقي، قال الحافظ: إسناده جيد. ج-عن علي قال (لا يدخلها إلا بإحرام، يعني مكة) أخرجه ابن أبي شيبة. القول الثاني: أنه لا يجب. وهذا مذهب الشافعي. قال النووي: أن الأصح عندنا أنه يستحب له الإحرام ولا يجب. واختار هذا القول ابن حزم، والشوكاني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الشنقيطي. أ-لقوله: (ممن أراد الحج والعمرة) فمفهومه أن من لم يرد النسك لا يجب عليه. ب- حديث جابر - مرفوعاً - (الحج مرة وما زاد فهو تطوع).

стр. 1718

وجه الدلالة: إن الحج والعمرة لا يجبان في العمر إلا مرة واحدة، وأن ما زاد كان تطوعاً، والتطوع لا يجب وإنما يستحب، فإذا أوجبنا على الداخل إلى مكة الإحرام وهو لا يريد الحج، أو العمرة فكأننا قد أوجبنا عليه شيء لم يوجبه الشرع. • الخلاصة: أن من مر بالميقات فله ٣ أحوال: الحال الأول: أن يكون مريداً للنسك، فيجب عليه الإحرام من الميقات. الحال الثانية: أن يكون غير مريد للنسك، فلا يجب عليه. الحال الثالثة: أن يكون متردداً (كأن يقول: لا أدري هل أتمكن من العمرة أم لا) فهنا لا يجب عليه الإحرام لقوله (ممن أراد الحج أو العمرة) وهذا متردد وليس بعازم. فائدة: ١٣ ميقات أهل مكة للحج من مكة. لقوله (حتى أهل مكة من مكة). فمن حج من مكة فمنها حتى لو من غير أهلها. فائدة: ١٤ ميقات أهل مكة للعمرة من الحل. (كالتنعيم أو عرفة). وهذا مذهب الأئمة الأربعة. قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافاً. لأن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة إلى الحل لتحرم منه.

стр. 1719

بَابُ الإِحْرَامِ (الإِحْرَامُ: نِيَّةُ النُّسُكِ). أي: أن الإحرام المراد به أن ينوي الدخول في النسك. وسميت نية الدخول في النسك إحراماً، لأنه إذا نوى الدخول في النسك حرم على نفسه ما كان مباحاً قبل الإحرام، فيحرم عليه مثلاً: الرفث، والطيب، وحلق الرأس وغير ذلك. فائدة: قال ابن حجر: قال العلماء: والحكمة في منع المحرم من اللباس والطيب البعد عن الترفه والاتصاف بصفة الخاشع وليتذكر بالتجرد القدوم على ربه فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات. (سُنَّ لِمُرِيدِهِ غُسْلٌ). أي: يسن لمن أراد الدخول في الإحرام أن يغتسل. قال النووي: وهو مجمعٌ على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب، وقال الحسن: وأهل الظاهر هو واجب. وقال ابن قدامة: … وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ طَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَاب الرأي. وقال ابن رشد: واتفق جمهور العلماء على أن الغسل للإهلال سنة، وأنه من أفعال المحرم. أ- عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. ب- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ حَجَّ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ: اِغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي) رواه مسلم.

стр. 1720

ج-وجاء عن ابن عمر أنه قال: (من السنة أن يغتسل عند إحرامه وعند دخوله مكة) رواه الحاكم وصححه الحافظ ابن حجر د- وَلِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ، فَسُنَّ لَهَا الِاغْتِسَالُ، كَالْجُمُعَةِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ جَائِزٌ بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. فائدة: هل يجزئ الغسل لو اغتسل في بلده ثم لم يغتسل عند الإحرام؟ الجواب: في هذا تفصيل، إذا كان لا يمكنه الاغتسال عند الميقات كالذي يسافر بالطائرة فلا شك أن ذلك يجزئه لكن يجعل الاغتسال عند خروجه إلى المطار. وإن كان في سيارة نظرنا فإن كانت المدة وجيزة كالذين يسافرون إلى مكة عن قرب أجزأه وإن كانت بعيدة لا يجزئه، لكن لا حرج عليه أن يغتسل في بيته، ويقول: إن تهيأ لي الاغتسال عند الميقات فعلت، وإلا اكتفيت بهذا. (الشرح الممتع). (أَوْ تيمُّمٌ لِعَدَمٍ). أي: يسن لمن أراد الإحرام أن يغتسل فإن لم يستطع فإنه يسن له أن يتيمم. لأن الشارع الحكيم أقام التيمم بدلاً عن الاغتسال، فإذا لم يتمكن من الاغتسال تيمم. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يتيمم. واختار هذا القول ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية. لأن المراد من الغسل التنظف، والتراب لا ينظف. • قال ابن قدامة: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً، لَمْ يُسَنَّ لَهُ التَّيَمُّمُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ مَشْرُوعٌ، فَنَابَ عَنْهُ التَّيَمُّمُ، كَالْوَاجِبِ. وَلَنَا: أَنَّهُ غُسْلٌ مَسْنُونٌ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِهِ، كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مُنْتَقَضٌ بِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ، أَنَّ الْوَاجِبَ يُرَادُ لِإِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، وَالتَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَالْمَسْنُونُ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ، وَالتَّيَمُّمُ لَا يُحَصِّلُ هَذَا، بَلْ يَزِيدُ شُعْثًا وَتَغْيِيرًا، وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، فَلَمْ يُشْرَعْ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، وَلَا تَكْرَارُ الْمَسْحِ بِهِ.
следующие страницы →