Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
(يَبْتَدِئُ المُعْتَمِرُ بِطَوافِ الْعمْرةِ، وَالقَارِنُ والمُفْرِدُ لِلْقُدُومِ).
لأن النبي ﷺ أول ما قدم بدأ بالطواف.
عن عائشة. (أن النبي ﷺ أَوَّل شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) متفق عليه.
(يَبْتَدِئُ المُعْتَمِرُ بِطَوافِ الْعمْرةِ) وهذا يشمل المعتمر عمرة تمتع، والمعتمر عمرة مفردة.
(وَالقَارِنُ والمُفْرِدُ لِلْقُدُومِ) أي: بطواف القدوم، وهو ليس بواجب.
جاء في (الموسوعة الفقهية) طواف القدوم: ويسمى طواف القادم، وطواف الورود، وطواف التحية؛ لأنه شرع للقادم والوارد من غير مكة، لتحية البيت، ويسمى أيضا طواف اللقاء، وأول عهد بالبيت.
وطواف القدوم سنة للآفاقي القادم إلى مكة، عند الحنفية والشافعية والحنابلة، تحية للبيت العتيق، لذلك يستحب البدء به دون تأخير.
فائدة: ١
أن من دخل المسجد الحرام للطواف فإنه يبتدئ به، ولا يصلي تحية المسجد.
فمن دخل الحرم محرماً، فإنه لا يشرع له أن يصلي ركعتين، بل يبدأ مباشرة بالطواف لفعل النبي ﷺ ، وأما إن دخل الحرم لغير الطواف، لصلاة أو حضور درس أو غيره، فإنه يشرع له أن يصلي ركعتين كغيره من المساجد، وأما حديث (تحية البيت الطواف) فلا يصح.
قال الألباني: تحية المسجد الحرام هي ركعتان كغيره من المساجد لعموم الأدلة الآمرة بالتحية دون تخصيص مسجد عن آخر، فمن دخل المسجد الحرام وأراد القعود لانتظار الصلاة أو لحضور درس أو لقراءة القرآن فإنه يصلي ركعتي المسجد، أما من دخل المسجد الحرام يريد الطواف فإنه يطوف ويجزئ الطواف عن التحية لتضمنه الركعتين، وأما القول بأن تحية المسجد الحرام الطواف لكل داخل ففيه نظر:
أولاً: لضعف الحديث الوارد وهو (من أتى البيت فليحييه بالطواف) ضعفه ابن حجر.
стр. 1787
ثانياً: لما فيه من حرج عظيم على المسلمين لاسيما إذا تكرر دخول المسجد وخصوصًا أيام المواسم كرمضان والحج.
وقال الشيخ ابن عثيمين: اشتهر عند كثير من الناس أن تحية المسجد الحرام الطواف، وليس كذلك، ولكن تحية الطواف لمن أراد أن يطوف، فإذا دخلت المسجد الحرام تريد الطواف فإن طوافك يغني عن تحية المسجد، لكن إذا دخلت المسجد الحرام بنية انتظار الصلاة، أو حضور مجلس العلم، أو ما أشبه ذلك فإن تحيته أن تصلي ركعتين كغيره من المساجد لقول النبي ﷺ (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) وهذا يشمل المسجد الحرام، وأما إذا دخلت للطواف فإن الطواف يغني عن التحية؛ لأن النبي ﷺ دخل المسجد الحرام للطواف فلم يصل التحية.
فائدة: ٢
القارن هو من أحرم بالعمرة والحج جميعاً، والقارن ليس عليه إلا سعي واحد فقط، وهذا السعي يكفيه للحج والعمرة. والأفضل أن يسعى بعد طواف القدوم كما فعله النبي ﷺ ، وله تأخيره حتى يكون مع طواف الإفاضة.
وقد دل على أن القارن ليس عليه إلا سعي واحد عدة أدلة، منها:
أن النبي ﷺ كان قارناً، ولم يسع بين الصفا والمروة إلى سعياً واحداً فقط بعد طواف القدوم.
عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قال: لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافَهُ الأَوَّلَ.
قال النووي: قوله (لَمْ يَطُفْ رَسُول اللَّه ﷺ وَلا أَصْحَابه) يَعْنِي النَّبِيّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابه قَارِنًا، فَهَؤُلاءِ لَمْ يَسْعَوْا بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة إِلا مَرَّة وَاحِدَة، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّهُ سَعَى سَعْيَيْنِ، سَعْيًا لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ سَعْيًا آخَر لِحَجِّهِ يَوْم النَّحْر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلالَة ظَاهِرَة لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ الْقَارِن لَيْسَ عَلَيْهِ إِلا طَوَاف وَاحِد لِلإِفَاضَةِ وَسَعْي وَاحِد اهـ.
стр. 1788
وقال الشيخ ابن عثيمين: إذا حج الإنسان قارناً فإنه يجزئه طواف الحج، وسعي الحجّ عن العمرة والحج جميعاً، ويكون طواف القدوم طواف سنّة وإن شاء قدم السعي بعد طواف القدوم كما فعل النبي ﷺ ، وإن شاء أخره إلى يوم العيد، بعد طواف الإفاضة، ولكن تقديمه أفضل لفعل النبي ﷺ ، فإذا كان يوم العيد فإنه يطوف طواف الإفاضة فقط، ولا يسعى لأنه سعى من قبل.
(ويبدأُ بالحَجَرِ الأسودِ فيستلِمُه ويقبّلُه، فإنْ شَقَّ قبّل يدَه، فإن شقَّ اللمسُ أشارَ إليه).
(فيستلمه) الاستلام هو اللمس باليد.
أي: يسن للمحرِم أن يبدأ الطواف من الحجر الأسود، فيستلمه ويقبله.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ -في صفة حجة النبي ﷺ قال ( … حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا اَلْبَيْتَ اِسْتَلَمَ اَلرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا … ). رواه مسلم
والمراد بالركن: أي الحجر الأسود، وسمي ركناً لأنه في ركن الكعبة.
فنستفيد: أنه يسن للمحرم أن يبدأ طوافه بالحجر الأسود فيقصده ويبدأ الشوط منه.
стр. 1789
• قوله (فيستلِمُه ويقبّلُه .... ) أحوال استلام الحجر الأسود.
أ- أن يستلم الحجر ويقبله، وهذا أعلاها [والمسح يكون باليد اليمنى لأن اليد اليمنى تقدم للتعظيم].
عَنْ عُمَرَ ﵁ (أَنَّهُ قَبَّلَ اَلْحَجَرَ اَلْأَسْوَدَ: فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [هذا من فقه عمر: أن تقبيل الحجر اتباعاً لله ولرسوله].
ب- إن لم يتمكن، استلمه بيده وقبل يده.
عَنْ نَافِعٍ قَالَ (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ) متفق عليه.
قال ابن حجر: ويستفاد منه استحباب الجمع بين التّسليم والتّقبيل بخلاف الرّكن اليمانيّ فيستلمه فقط، والاستلام المسح باليد والتّقبيل بالفم.
ج-أن يستلمه بشيء في يده، ويقبل ذلك الشيء.
عَنْ أَبِي اَلطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ اَلرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقْبِّلُ اَلْمِحْجَنَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[المحجن] هو عصا محنية الرأس.
د- إن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك.
стр. 1790
فائدة: ١
استلام الحجر الأسود وتقبيله تعظيماً لله تعالى واتباعاً للرسول ﷺ لا لكونه حجراً أو محبة له.
فائدة: ٢
ورد في استلام الحجر فضل عظيم.
قال ﷺ (إِنَّ مَسْحَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ يَحُطَّانِ الْخَطَايَا حَطًّاً) رواه أحمد عن ابن عمر.
وقال ﷺ (والله ليبعثنه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق) رواه الترمذي عن ابن عباس.
فائدة: ٣
هل يشرع تقبيل الحجر الأسود واستلامه في غير نسك من حج أو عمرة؟ الجمهور على المنع.
وصح عند ابن أبي شيبة (أن ابن عمر كان إذا كان في المسجد الحرام، فأراد أن يخرج قصد الحجر فقبّله).
فائدة: ٤
قال ابن حجر: وفي قول عمر هذا التّسليم للشّارع في أمور الدّين وحسن الاتّباع فيما لَم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتّباع النّبيّ ﷺ فيما يفعله ولو لَم يعلم الحكمة فيه، وفيه دفع ما وقع لبعض الجهّال من أنّ في الحجر الأسود خاصّة ترجع إلى ذاته.
وفيه بيان السّنن بالقول والفعل، وأنّ الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاده أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضّح ذلك. (الفتح).
فائدة: ٥
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم، وحجرة النبي ﷺ ، ومقابر الأنبياء والصالحين، وصخرة بيت
المقدس، فالطواف بها واستلامها وتقبيلها من أعظم البدع المحرمة باتفاق الأئمة الأربعة.
стр. 1791
فائدة: ٦
يشرع استلام الركن اليماني.
لحديث ابنِ عُمَر قَالَ (لَمْ أَرَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ اَلْبَيْتِ غَيْرَ اَلرُّكْنَيْنِ اَلْيَمَانِيَيْن) رواه مسلم.
قال النووي: أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفقت الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين.
قال شيخ الإسلام: لا يستلم إلا الركنيين اليمانيين دون الشاميين، فإن النبي ﷺ إنما استلم اليمانيين خاصة لأنها على قواعد إبراهيم.
فائدة: ٧
عند استلام الركن اليماني لا يقل شيئاً لا تكبير ولا غيره، لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ .
فائدة: ٨
إن لم يتمكن من استلام الركن اليماني، لم تشرع الإشارة إليه بيده.
قال في المغني: الركن اليماني قبلة أهل اليمن، ويلي الركن الذي فيه الحجر الأسود، وهو آخر ما يمر عليه من الأركان في طوافه، وذلك أنه يبدأ بالركن الذي فيه الحجر الأسود وهو قبلة أهل خراسان، فيستلمه ويقبله، ثم يأخذ على يمين نفسه، ويجعل البيت على يساره، فإذا انتهى إلى الركن الثاني، وهو العراقي، لم يستلمه، وهذان الركنان يليان الحجر، فإذا وصل إلى الرابع وهو الركن اليماني، استلمه.
ثم قال ﵀: والصحيح أنه لا يقبله، وهو قول أكثر أهل العلم.
(ويقولُ ما ورد).
أي: يسن أن يقول عند استلام الحجر ما ورد، وهو قول: الله أكبر.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ (طَافَ النَّبِيُّ صلى ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ) رواه البخاري.
стр. 1792
فائدة: ١
الإشارة تكون باليد اليمنى دون اليدين جميعاً.
فائدة: ٢
هل يشرع قول بسم الله؟
لم ينقل في ذكر صفة حج النبي ﷺ أنه كان يقول (بسم الله).
لكن ثبت عن ابن عمر أنه كان إذا استلم الحجر قال: باسم الله والله أكبر، أخرجه البيهقي وغيره بإسناد صحيح، كما قال النووي والحافظ.
(ثم يأخذُ على يمينهِ، ويجعلُ البيتَ على يساره).
وهو شرط لصحة الطواف، فإن عكسه بأن جعل الكعبة عن يمينه في الطواف ومر من الحجر الأسود إلى الركن اليماني لم يصح طوافه.
وبهذا قال جمهور العلماء منهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وداود، وأبو ثور.
لفعل النبي ﷺ ، فإنه جعل البيت على يساره في الطواف، وقال: لتأخذوا مناسككم.
وذلك تعليم منه ﷺ مناسك الحج.
ولأن الطواف عبادة متعلقة بالبيت، فكان الترتيب شرطاً لصحتها كالصلاة.
(فيطوفُ سبعاً).
لفعل النبي ﷺ .
أ- عن ابن عمر ﵄ قال (قدم النبيُّ ﷺ فطاف بالبيت سبعاً) وقد قال ﷺ : (لتأخذوا مناسككم). رواه مسلم
ب-وعن جابر بن عبدالله -في صفة حج النبي ﷺ قال (حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً). رواه مسلم
стр. 1793
• قوله (سبعاً) أي: لابد من سبعة أشواط كاملة، من الحجَر إلى الحجَر، فلو ترك شيئاً يسيراً من شوط من السبعة لم يصح طوافه، لأنه لم يأت بالعدد المعتبر.
قال النووي: شرط الطواف أن يكون سبع طوفات، كل مرة من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، ولو بقيت خطوة من السبع لم يحسب طوافه، سواء كان باقياً في مكة أو انصرف عنها وصار في وطنه، ولا ينجبر شيء منه بالدم، ولا بغيره. (المجموع)
جاء في (الموسوعة الفقهية) الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الرُّكْنَ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْفَرْضِ أَقَل مِنْهَا.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
وَقَدْ جَاءَ فِعْلُهُ ﷺ مُبَيِّنًا الْقَدْرَ الَّذِي يَحْصُل بِهِ امْتِثَال قَوْلِهِ: (وَلْيَطَّوَّفُوا) وَهُوَ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ، فَتَكُونُ هِيَ الْفَرْضَ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ مَقَادِيرَ الْعِبَادَاتِ لَا تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ وَالاِجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ بِالتَّوْقِيفِ، أَيِ التَّعْلِيمِ مِنَ الشَّارِعِ، وَالرَّسُول ﷺ طَافَ سَبْعًا، وَفِعْلُهُ هَذَا بَيَانٌ لِمَنَاسِكِ الْحَجِّ، كَمَا قَال: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم.
فَالْفَرْضُ طَوَافُ سَبْعَةِ أَشْوَاطٍ وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا دُونَهَا. … (الموسوعة).
فائدة: ١
الطواف داخل الحِجر.
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط لصحة الطواف أن يكون بجميع البيت (الكعبة)، وأن من طاف من داخل الحِجر لم يعتد بطوافه؛ لأنه لم يطف بالبيت كله كما أمر الله سبحانه بقوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
والطائف من داخل الحِجر، طائف ببعض البيت؛ لأن الحِجر جزء من الكعبة، وعليه فلا يعتد بالشوط الذي وقع فيه الطواف من داخل الحجر.
стр. 1794
قال ابن قدامة ﵀: مسألة: قال: (ويكون الحجر داخلاً في طوافه; لأن الحجر من البيت) إنما كان كذلك لأن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت جميعه، بقوله (وليطوفوا بالبيت العتيق) والحِجر منه، فمن لم يطف به، لم يعتد بطوافه. وبهذا قال عطاء، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال أصحاب الرأي: إن كان بمكة، قضى ما بقي، وإن رجع إلى الكوفة، فعليه دم.
فائدة: ٢
إذا شك في عدد الأشواط فإنه يبني على اليقين.
فلو شك هل طاف خمساً أو ستاً بنى على الأقل "خمساً"، لأن هذا هو المتيقن والزيادة "ستاً" مشكوك فيها.
لقوله ﷺ (إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ) رواه مسلم.
قال ابن قدامة: وإن شك في عدد الطواف، بنى على اليقين. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك. ولأنها عبادة فمتى شك فيها وهو فيها، بنى على اليقين كالصلاة.
تنبيه:
جاء في (الموسوعة الفقهية) أَمَّا إِذَا شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الطَّوَافِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
قال الشيخ ابن عثيمين: الشك بعد الفراغ من العبادة لا عبرة به، ومثل ذلك: لو شك في أشواط الطواف هل طاف ستة أو طاف خمسة، نقول: إذا كان في أثناء الطواف فليأت بما شك فيه، وينتهي الموضوع، وإذا كان بعد أن فرغ من الطواف وانصرف، قال: والله ما أدري هل طفت ستة أو سبعة؟ فلا عبرة بهذا الشك، يلغي هذا الشك، ويجعلها سبعة.
وهذه قاعدة مفيدة للإنسان: إذا كثرت الشكوك معه فلا يلتفت إليها، وإذا وقع الشك بعد الفراغ من العبادة فلا يلتفت إليه، إلا أن يتيقن، فإذا تيقن وجب عليه أن يأتي بما نقص" انتهى من فتاوى "نور على الدرب".
стр. 1795
(يَرملُ في الثلاثةِ الأُوَل من الحجَر إلى الحجَر، ويمشي في الأربعة الأخرى).
هذا هو الأمر الثاني الذي يسن فعله في طواف القدوم، وهو الرمل، وقد تقدم الأمر الأول وهو الاضطباع.
والرمل: هو إسراع المشي مع تقارب الخطا. (قاله النووي).
فيسن للمحرِم أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأول.
أ- لحديث جابر - في صفة حج النبي ﷺ قال (حتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) رواه مسلم
ب- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا: إلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) متفق عليه.
ج- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ -أَوَّلَ مَا يَطُوفُ- يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ) متفق عليه.
стр. 1796
فائدة: ١
يكون في طواف القدوم.
وذكر ابن قدامة في (المغني) استحباب الرمل والاضطباع في طواف العمرة وفي طواف القدوم ثم قال: وَلا يُسَنُّ الرَّمَلُ وَالاضْطِبَاعُ فِي طَوَافٍ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ; لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا رَمَلُوا وَاضْطَبَعُوا فِي ذَلِك.
فائدة: ٢
يستحب في الأشواط الثلاثة الأول، والمشي في الأربعة الباقية.
قال في المغني: وهو سنة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، ولا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافاً، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه رمل ثلاثاً ومشى أربعاً.
وقال النووي: لَكِنْ يَفْتَرِقُ الرَّمَلُ وَالاضْطِبَاعُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الاضْطِبَاعَ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الطَّوْفَاتِ السَّبْعِ، وَأَمَّا الرَّمَلُ إنَّمَا يُسَنُّ فِي الثَّلَاثِ الأُوَلِ وَيَمْشِي فِي الأَرْبَعِ الأَوَاخِرِ.
فائدة: ٣
الحكمة منه:
إظهار القوة والجلد للمشركين.
لحديث ابن عباس السابق ( … فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ … ).
فإن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها؟
الجواب: أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته، لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم وقواهم بعد القلة والضعف.
ومما يؤيده أن رسول الله ﷺ رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة.
стр. 1797
فائدة: ٤
الرمل يكون من الحَجَر إلى الحَجَر.
لحديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ رمل من الحَجَر إلى الحجر).
وهذا يقدم على حديث ابن عباس:
لأن حديث ابن عباس السابق كان في عمرة القضاء في ذي القعدة عام سبع، وأما حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ رمل من الحجر إلى الحجر) كان في حجة الوداع، فيكون هذا ناسخاً للمشي بين الركنين الثابت في حديث ابن عباس، لأنه متأخر عنه.
قال النووي في شرح حديث ابن عمر (رمل من الحجَر إلى الحجر) فِيهِ: بَيَان أَنَّ الرَّمَل يُشْرَع فِي جَمِيع الْمَطَاف مِنْ الْحَجَر إِلَى الْحَجَر، وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور بَعْد هَذَا بِقَلِيلٍ (قَالَ: وَأَمَرَهُمْ النَّبِيّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَة أَشْوَاط وَيَمْشُوا مَا بَيْن الرُّكْنَيْنِ) فَمَنْسُوخ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّل؛ لِأَنَّ حَدِيث اِبْن عَبَّاس كَانَ فِي عُمْرَة الْقَضَاء سَنَة سَبْع قَبْل فَتْح مَكَّة، وَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْف فِي أَبْدَانهمْ، وَإِنَّمَا رَمَلُوا إِظْهَارًا لِلْقُوَّةِ وَاحْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ فِي غَيْر مَا بَيْن الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا جُلُوسًا فِي الْحِجْر، وَكَانُوا لَا يَرَوْنَهُمْ بَيْن هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَيَرَوْنَهُمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فَلَمَّا حَجَّ النَّبِيّ ﷺ حَجَّة الْوَدَاع سَنَة عَشْر رَمَلَ مِنْ الْحَجَر إِلَى الْحَجَر، فَوَجَبَ الْأَخْذ بِهَذَا الْمُتَأَخِّر.
وقال ابن تيمية بعد ذكر حديث ابن عباس: وكان هذا في عمرة القضية، ثم اعتمر رسول الله ﷺ بعد ذلك عمرة الجعرانة ومكة دار إسلام، ثم حج حجة الوداع وقد نفى الله الشرك وأهله ورمل من الحَجَر إلى الحجر.
стр. 1798
فائدة: ٥
الذين لا يشرع لهم الرمل:
أولاً: أهل مكة.
قال ابن عبد البر: واختلفوا في أهل مكة إذا حَجوا هل عليهم رَمَل أم لا؟ فكان ابن عمر لا يرى عليهم رَملاً إذا طافوا بالبيت.
وقال ابن قدامة: وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَرْمُلْ.
والسبب أنه ليس لهم طواف قُدُوم؛ لأنهم مِن حاضري المسجد الحرام.
الثاني: النساء فلا يشرع لهن الرمل.
قال النووي: اتفق العلماء على أن الرَّمَل لا يُشرع للنساء، كما لا يُشرع لهن شِدّة السعي بين الصفا والمروة. ولو ترك الرَّجُل الرَّمَل حيث شُرع له فهو تارك سُنة، ولا شيء عليه.
فائدة: ٦
إذا لم يرمل في الأشواط الثلاثة الأول فهل يشرع له قضاء في الأربعة الباقية؟
لا يشرع قضاؤه، لأنه سنة فات محلها.
قال النووي: قَالَ أَصْحَابنَا: فَلَوْ أَخَلَّ بِالرَّمَلِ فِي الثَّلَاث الْأُوَل مِنْ السَّبْع لَمْ يَأْتِ بِهِ مِنْ الْأَرْبَع الْأَوَاخِر؛ لِأَنَّ السُّنَّة فِي الْأَرْبَع الْأَخِيرَة الْمَشْي عَلَى الْعَادَة فَلَا يُغَيِّرهُ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنهُ الرَّمَل لِلزَّحْمَةِ أَشَارَ فِي هَيْئَة مَشْيه إِلَى صِفَة الرَّمَل، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنهُ الرَّمَل بِقُرْبِ الْكَعْبَة لِلزَّحْمَةِ وَأَمْكَنَهُ إِذَا تَبَاعَدَ عَنْهَا فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَبَاعَد وَيَرْمُل؛ لِأَنَّ فَضِيلَة الرَّمَل هَيْئَة لِلْعِبَادَةِ فِي نَفْسهَا، وَالْقُرْب مِنْ الْكَعْبَة هَيْئَة فِي مَوْضِع الْعِبَادَة لَا فِي نَفْسهَا، فَكَانَ تَقْدِيم مَا تَعَلَّقَ بِنَفْسِهَا أَوْلَى.
وقال ابن حجر: لا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاثة لم يقضه في الأربعة الباقية.
стр. 1799
(يستلمُ الحَجَرَ والركنَ اليماني كلَّ مرةٍ).
أي: كلما حاذى الحجر الأسود فإنه يستلمه ويكبر.
ففي سنن أبي داود (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ، فِي كُلِّ طَوْفَةٍ) وحسنها الألباني
قد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: ذكرتم أن الطائف يشرع له في طوافه أن يقبل الركن الأسود إن أمكن، وإلا يلمس أو يكبر، وهذا في الشوط الأول، فما حكم بقية الأشواط؟ وما الحكم لو لم يفعل؟
فأجاب: جميع الأشواط حكمها واحد، وإن لم يفعل فليس عليه شيء، لأن التكبير والتقبيل والمسح سنة، والمقصود الطواف.
(ويقولُ بين الركنينِ: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
أي: مما يشرع فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود أن يدعو الحاج أو المعتمر بهذا الدعاء.
عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ﵁ قَال (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْن: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
وَقِنَا عَذَابَ النَّار) رواه أبو داود.
فلم يرد عن النبي ﷺ فيما نعلم أدعية أو أذكار تقال في الطواف:
إلا فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود (ربنا آتنا في الدنيا حسنة … ).
والتكبير كلما حاذى الحجر الأسود.
أما في باقي الطواف فهو مخير بين الذكر والدعاء وقراءة القرآن.
стр. 1800
قال ابن قدامة: ويستحب الدعاء في الطواف، والإكثار من ذكر الله تعالى; لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال، ففي حال تلبسه بهذه العبادة أولى، ويستحب أن يَدَعَ الحديثَ [الكلام] إلا ذكرَ الله تعالى، أو قراءةَ القرآن، أو أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، أو ما لا بد منه " انتهى.
وقال ابن تيمية: وليس فيه - يعني الطواف - ذكر محدود عن النبي ﷺ ، لا بأمره، ولا بقوله، ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب، ونحو ذلك فلا أصل له، وكان النبي ﷺ يختم طوافه بين الركنين بقوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، كما كان يختم سائر دعائه بذلك، وليس في ذلك ذكر واجب باتفاق الأئمة.
وقال الشيخ ابن عثيمين: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يكبر الله تعالى كلما أتى على الحجر الأسود، وكان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ولم يرد عن النبي ﷺ في الطواف دعاء مخصص لكل شوط، وعلى هذا: فيدعو الطائف بما أحب من خيري الدنيا والآخرة ويذكر الله تعالى بأي ذكر مشروع من تسبيح أو تحميد أو تهليل أو تكبير أو قراءة قرآن.
مباحث تتعلق بالطواف:
مبحث: ١
لو ترك شيئاً ولو يسيراً من الطواف لم يصح.
لأنه يشترط أن يكون مستوعباً لجميع الأشواط. (وقد تقدمت المسألة).
قال النووي: شرط الطواف أن يكون سبع طوفات، كل مرة من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، ولو بقيت خطوة من السبع لم يحسب طوافه، سواء كان باقيا في مكة أو انصرف عنها وصار في وطنه، ولا ينجبر شيء منه بالدم، ولا بغيره.
стр. 1801
مبحث: ٢
لو طاف عريان لم يصح.
اتفق جمهور الفقهاء وهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة، على أن ستر العورة شرط في الطواف.
قال النووي: ستر العورة شرط لصحة الطواف عندنا وعند مالك وأحمد والجمهور. (المجموع).
أ-لقوله تعالى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).
ومن الزينة التي أمروا بأخذها عند كل مسجد: لبسهم الثياب عند المسجد الحرام للطواف؛ لأنه هو صورة سبب النزول، فدخولها في حكم الآية قطعي عند الجمهور، فالأمر في الآية: شامل لستر العورة للطواف وهو أمر محتم أوجبه الله مخاطباً به بني آدم، وهو السبب الذي نزل فيه الأمر.
ب-قوله ﷺ (ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) متفق عليه.
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن علة المنع اتصاف الطائف بالعري، وهو دليل على اشتراط سترة العورة.
قال الشيخ ابن عثيمين: فإن طاف وهو عريان لم يصح؛ لأنه طواف منهي عنه، وإذا كان منهياً عنه، فقد قال النبي ﷺ : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.
مبحث: ٣
يشترط لصحة الطواف طهارة الحدث.
وهذه المسألة اختلف العلماء فيها: هل يشترط الوضوء لصحة الطواف أم لا على قولين:
القول الأول: لا بد من الوضوء.
وهذا قول جماهير العلماء.
فمن طاف محدثاً، لم يصح طوافه، ولا يعتد به.
стр. 1802
وإلى هذا القول ذهب: مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وجمهور العلماء.
قال النووي: حكاه الماوردي عن جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر عن عامة العلماء في طهارة الحدث.
أ- لحديث عائشة (أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت) متفق عليه، وقد قال ﷺ (لتأخذوا عني مناسككم).
وجه الاستدلال منه من وجهين:
أولاً: أن فعل النبي ﷺ في الطواف بيان لمجمل القرآن، لأن الله أمر بالطواف في كتابه العزيز ولم يبين كيفيته، فجاء البيان بفعله ﷺ إذ توضأ قبل طوافه، والفعل إن جاء بياناً لأمر واجب دل على وجوبه، فدل ذلك على وجوب الطهارة من الحدث قبل الطواف.
ثانياً: أن أمر النبي ﷺ صحابته ﵃ بأخذ مناسكه، والاقتداء به في ذلك دليل على وجوب جميع ما صدر منه في بيان أفعال المناسك- إلا ما دل الدليل على استثنائه- ومن ذلك الطهارة من الحدث قبل الطواف.
ب-حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه المنطق فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير). (الصحيح أنه موقوف على ابن عباس).
стр. 1803
وجه الاستدلال منه من وجهين:
أولاً: أن النبي ﷺ شبه الطواف بالصلاة وليس المراد التشبيه في الأفعال والهيئة لتباينهما، وإنما المراد التشبيه بها في الحكم، فدل ذلك على أن للطواف جميع الأحكام المتعلقة بالصلاة- إلا ما استثناه الدليل- ومن ذلك اشتراط الطهارة؛ لقوله ﷺ (لا يقبل الله صلاة بغير طهور).
ثانياً: من قوله (إلا أن الله أباح فيه المنطق) فاستثناؤه ﷺ إباحة المنطق في الطواف، دليل على اشتراط ما عداه كما يشترط في الصلاة، ومن ذلك اشتراط الطهارة من الحدث.
ج- قوله ﷺ لعائشة ﵂ حين حاضت وهي محرمة (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) متفق عليه. وفي رواية لمسلم (حتى تغتسلي).
وجه الاستدلال منه: أن النبي ﷺ رخص لعائشة أن تفعل وهي حائض جميع ما يفعله الحاج، ولم يمنعها إلا من الطواف، وجعل ذلك مقيداً باغتسالها وتطهرها، فدل ذلك على ترتب منع الطواف على انتفاء الطهارة، وعلى أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وعلى عدم صحته بدونها، لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد.
د-قوله ﷺ لما أخبر بأن صفية حاضت (أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: فلا إذاً) متفق عليه.
وجه الاستدلال: إخباره ﷺ بانحباسه- وانحباس من كان معه لانحباسه- لحيض صفية، لو لم تكن قد أفاضت، مع ما في ذلك من المشقة العامة، دليل ظاهر- إن لم يكن نصاً صريحاً- على اشتراط الطهارة لصحة الطواف.
القول الثاني: الطهارة للطواف من الحدث سنة.
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ- لأن النبي ﷺ بعث أبا بكر عام تسع لما أمره على الحج ينادي (ألا يطوف بالبيت عريان).
وجه الاستدلال منه: أن النبي ﷺ نهى عن طواف العراة بالبيت، ولم يثبت أنه أمر بالطهارة للطواف، فدل ذلك على أن الطهارة ليست واجبة إذ لو كانت واجبة لأمر بها.
стр. 1804
ب-وقالوا: إن الأصل براءة الذمة، وعدم وجوب الطهارة إلا بدليل ولا دليل صريح صحيح على وجوبها.
ج- ولحديث عائشة (أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت) وهذا فعل والفعل يدل على الاستحباب. (بحث في مجلة البحوث الإسلامية ٥٦).
وأجاب أصحاب هذا القول عن أدلة من قال باشتراط الطهارة للطواف:
أما حديث (الطواف بالبيت صلاة) فقالوا: لا يصح من قول النبي ﷺ ، وإنما هو من قول ابن عباس ﵄.
قال النووي في المجموع: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ أ. هـ.
وأما فعل النبي ﷺ وأنه طاف متطهراً فقالوا: هذا لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب فقط، لأن النبي ﷺ فعله ولم يَرِد أنه أمر أصحابه بذلك.
وأما قوله ﷺ لعائشة (افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) فإنما منعها النبي ﷺ من الطواف لأنها حائض، والحائض ممنوعة من دخول المسجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلاً؛ فإنه لم يَنقل أحدٌ عن النَّبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، مع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمَراً متعددة والناس يعتمرون معه، فلو كان الوضوء فرضاً للطواف لبيَّنه النبي ﷺ بياناً عامّاً، ولو بيَّنه لنَقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه، ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة، وقد قال: إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهر. (مجموع الفتاوى ٢١).
والله أعلم.
стр. 1805
تنبيه:
الطهارة شرط لصحة الطواف عند جمهور العلماء كما تقدم.
لكنهم اختلفوا فيما إذا أحدث في الطواف ثم توضأ، هل يكمل الأشواط أم يستأنف الطواف؟ على قولين:
فذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يبني على طوافه، ولو طال الفصل بينهما.
لأن الموالاة بين الأشواط ليست شرطاً في الطواف.
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يستأنف الطواف من أوله.
لأن الحدث يبطل الطواف، ويلزمه الاستئناف من جديد، وكذلك الحكم فيما لو طال الفصل بين الأشواط، لأن الموالاة بين أشواط الطواف شرط لصحته.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز: إذا أحدث الإنسان في الطواف انقطع طوافه كالصلاة، يذهب فيتطهر ثم يستأنف الطواف، هذا هو الصحيح، والمسألة فيها خلاف، لكن هذا هو الصواب في الطواف والصلاة جميعاً؛ لقول النبي ﷺ (إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، وليتوضأ، وليعد الصلاة) رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، والطواف من جنس الصلاة في الجملة.
مبحث: ٤
أن يطوف ماشياً مع القدرة على المشي.
أجمع العلماء على أن طواف الماشي أولى وأفضل من طواف الراكب والمحمول، لأن طواف الراكب أو المحمول يزاحم الطائفين، وربما حصل منه أذى لهم، أو كان فيه تمييز للأغنياء عن الفقراء.
قال ابن قدامة: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الطَّوَافَ رَاجِلًا- أي ماشياً- أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ طَافُوا مَشْيًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي غَيْرِ حَجَّةِ
الْوَدَاعِ طَافَ مَشْياً. (المغني).
стр. 1806
واتفقوا على أن المعذور يجوز له الطواف والسعي راكباً، سواء كان العذر مرضا أو عجزا أو مشقة أو كِبَراً في السن، ونحو ذلك.
لحديث أم سلمة ﵂ قالت (شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَال: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ). متفق عليه
قال الحافظ: وفيه جواز الطواف للراكب إذا كان لعذر، وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس ليكون أستر لها، ولا تقطع صفوفهم أيضا، ولا يتأذون بدابتها.
وقال ابن تيمية: يَجُوزُ الطَّوَافُ رَاكِبًا وَمَحْمُولًا لِلْعُذْرِ بِالنَّصِّ، وَاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء.
واختلف العلماء فيمن طاف راكباً من غير عذر على أقوال:
القول الأول: أن ذلك يجزئه.
أ- عن ابن عباس ﵄ قال (طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير) رواه مسلم.
والنبي ﷺ إنما فعل ذلك لمصلحة وهي أن يراه الناس ويسألوه.
ففي صحيح مسلم: عَنْ جَابِرٍ، قَالَ (طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ؛ لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوه) أي ازدحموا عليه.
قال النووي: " هذا بيان لعلة ركوبه ﷺ .
ب- ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقاً فكيفما أتى به أجزأه راكباً أو ماشياً؛ لأنه لا يجوز تقييد المطلق بغير دليل.
تنبيه:
وأما ما جاء في "سنن أبي داود" (من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة عن ابن عباس (أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته).
فهي رواية ضعيفة لا يعتمد عليها في تعليل ركوبه بالمرض.
стр. 1807
وممن ضعفها: البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٧/ ٢٥٨)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (٥/ ١٤٢)، والشوكاني في "نيل الأوطار" (٥/ ١٢٢)، والمباركفوري في "تحفة الأحوذي" (٣/ ٢٩٨).
قال الشافعي: فَأَخْبَرَ جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ طَافَ رَاكِبًا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ لِيَرَاهُ النَّاسُ.
وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ مِنْ شَكْوَى وَلَا أَعْلَمُهُ اشْتَكَى ﷺ فِي حَجَّتِهِ تِلْك. (الأم).
القول الثاني: من طاف محمولاً أو راكباً لغير عذر لا يجزئ طوافه ولا يصح.
وهذا القول مروي عن الإمام أحمد بن حنبل، وهو ظاهر كلام الخرقي.
وعلى هذا فالمشي شرط لصحة الطواف، فإذا طاف راكباً أو محمولاً لغير عذر لم يجزئه طوافه.
لأن النبي ﷺ ورد عنه أنه قال (الطواف بالبيت صلاة).
ولأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت، فلم يجز فعلها راكباً لغير عذر كالصلاة.
القول الثالث: يجزئه طوافه راكباً ويجبره بدم إذا لم يستطع إعادته.
وبهذا قال أبو حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل.
ودليل هذا: أنه ترك صفة واجبة في الحج، أشبه ما لو دفع من عرفة قبل الغروب.
وعند المالكية يلزمه دم إذا كان الطواف واجباً، وأما غيره فسنة ولا دم عليه. (بحث في مجلة البحوث الإسلامية).
стр. 1808
مبحث: ٥
أن يكون الطواف داخل المسجد الحرام.
لأن الواجب على المسلم أن يطوف بالبيت، وإذا طاف خارج المسجد فقد طاف بالمسجد وليس بالبيت.
أ- لقوله تعالى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
وجه الدلالة: أن الله ، أمر بالطواف بالبيت، فمن طاف خارج البيت لم يكن طائفاً به.
ب- ولفعله ﷺ ، فقد طاف ﵊ داخل المسجد الحرام، وقال (لتأخذوا مناسككم).
ج- أنه إذا طاف خارج المسجد لم يكن طائفاً بالبيت، وإنما طاف حول المسجد.
قال الشيخ ابن عثيمين: قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد الحرام، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ فلو أراد الإنسان ــــ مثلا ــــ أن يطوف حول المسجد الحرام من خارج فإنه لا يجزئ؛ لأنه يكون حينئذ طائفا بالمسجد لا بالكعبة؛ أما الذين يطوفون في نفس المسجد سواء فوق أو تحت، فهؤلاء يجزئهم الطواف؛ وعلى هذا يجب الحذر من الطواف في المسعى، أو فوقه؛ لأن المسعى ليس من المسجد.
стр. 1809
مبحث: ٦
الموالاة بين الأشواط.
فالموالاة بين أشواط الطواف شرط في صحته، على الراجح من أقوال أهل العلم، فإن فصل بينها بفاصل يسير فلا بأس.
أ-لفعل النبي ﷺ فقد والى بين طوافه وقال: «خذوا عني مناسككم».
ب- والطواف صلاة، فاشترطت له الموالاة، كسائر الصلوات والموالاة بين ركعاتها.
ج-و الطواف عبادة تعلقت بالبيت فاشترطت لها الموالاة، كالصلاة.
قال الشيخ ابن عثيمين: من شروط صحة الطواف: الموالاة بين أشواطه.
• لكن رخص أهل العلم للطائف إذا حضرت الجنازة أو أقيمت الصلاة أن يصلي ثم يكمل طوافه ولا يستأنفه.
جاء في (الموسوعة الفقهية) اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الطَّوَافُ، وَيُصَلِّي مَعَ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى طَوَافِهِ؛ لأِنَّهُ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ فَلَمْ يَقْطَعْهُ، كَالْفِعْل الْيَسِير.
وقال الشيخ ابن عثيمين: الموالاة بين أشواط الطواف شرط لا بد منه، لكن رخص بعض العلماء بمثل صلاة الجنازة أو التعب ثم يستريح قليلا ثم يواصل وما أشبه ذلك.
• وسئل ﵀: رجل طاف من الطواف شوطين ولكثرة الزحام خرج من الطواف وارتاح لمدة ساعة أو ساعتين، ثم رجع للطواف ثانية فهل يبدأ من جديد أو يكمل طوافه من حيث انتهى؟
فأجاب:
إذا كان الفصل طويلا كالساعة والساعتين: فإن الواجب عليه إعادة الطواف، وإذا كان قليلا فلا بأس، وذلك لأنه يشترط في الطواف وفي السعي: الموالاة، وهي تتابع الأشواط، فإذا فصل بينها بفاصل طويل: بطل أول الأشواط، ويجب عليه أن يستأنف الطواف من جديد، أما إذا كان الفصل ليس طويلا جلس لمدة دقيقتين أو ثلاث ثم قام وأكمل فلا بأس.
стр. 1810
(ثم يصلي ركعتينِ خلفَ المَقام).
أي: يسن للطائف أن يصلي بعد فراغه ركعتين خلف المقام لفعل النبي ﷺ ، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية (قل هو الله أحد).
قال النووي: أجمع المسلمون على أنه ينبغي لمن طاف أن يصلي بعده ركعتين عند المقام. (المجموع).
أ- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ -في صفة حجة النبي ﷺ ( … حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَرَأَ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ … ) رواه مسلم.
ب- وعن عبدالله بن أبي أوفى قال (اعتمر رسول الله ﷺ فطاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين) رواه البخاري.
فائدة: ١
اختلف العلماء في هاتين الركعتين على أقوال:
القول الأول: أنهما سنتان سنة مؤكدة، غير واجبة، فلو تركهما أساء، وليس عليه شيء لتركهما.
وإلى هذا ذهب: أحمد، ومالك في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في الأصح.
أ- لحديث: طلحة بن عبيد الله ﵁ (أن أعرابياً قال: يا رسول الله، ماذا فرض الله على عباده من الصلاة؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة. قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع) متفق عليه.
стр. 1811
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ صرح بأن الصلوات التي افترضها الله على عباده إنما هي الصلوات الخمس، فدل ذلك على أن ما عداها ليس بفرض ولا واجب، وأكد ذلك بقوله: إلا أن تطوع فدل ذلك على أن ما عدا الصلوات الخمس تطوع وليس بواجب.
ب- ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال (خمس صلوات كتبهن الله على العباد … الحديث) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: كسابقه، وهو: أن النبي ﷺ أخبر أن الصلوات التي كتبهن الله على عباده، وافترضهن عليهم إنما هي خمس صلوات، فدل ذلك على أن ما عداهن ليس بفرض، ومن ذلك ركعتا الطواف.
ج- وقالوا: إنها صلاة لم تشرع لها جماعة، فلم تكن واجبة كسائر النوافل.
القول الثاني: أنهما واجبتان، وليستا شرطاً لصحة الطواف، فإن تركهما عقب الطواف، وجب عليه أداؤهما بعد ذلك، فلا يتقيد أداؤهما بزمان ولا مكان.
وإلى هذا ذهب: أبو حنيفة.
أ- لقوله تعالى (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).
وجه الدلالة: إن الله جل وعلا أمر بالصلاة عند مقام إبراهيم بعد الفراغ من الطواف، والأمر للوجوب، فدل ذلك على وجوب ركعتي الطواف.
стр. 1812
ب- ولحديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ وفيه ( .. حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵊ فقرأ: فجعل المقام بينه وبين البيت … ).
ولحديث ابن عمر ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين … ).
وجه الدلالة من أوجه:
أحدها: أن فعله ﵇ لهما متصل بالطواف دليل على أنهما من الطواف، وفعله بيان لمجمل الكتاب.
الثاني: أنه ﵇ نبه أن ما فعله امتثالاً للأمر في الآية، والأمر للوجوب، فدل على وجوبهما.
الثالث: أن النبي ﷺ كان يواظب عليهما بعد الطواف، فدل ذلك على وجوبهما.
القول الثالث: أنهما واجبتان، يجب أداؤهما عقيب الطواف بطهره، فإن أخرهما لكراهة الصلاة في ذلك الوقت، فلا بأس بذلك ما لم تنتقض طهارته، فإن انتقضت وكان الطواف واجباً، وجب عليه إعادة الطواف، إلا إن تباعد، فله أن يصليهما وعليه دم.
وإلى هذا ذهب: مالك في المشهور. (بحث في مجلة البحوث الإسلامية).
стр. 1813
فائدة: ٢
هل يلزم أداء هاتين الركعتين خلف المقام؟
لا يلزم أداء هاتين الركعتين خلف المقام، فلو صلاهما في أي مكان من الحرم أو خارجه جاز.
قال ابن قدامة: وحَيْثُ رَكَعَهُمَا وَمَهْمَا قَرَأَ فِيهِمَا، جَازَ؛ فَإِنَّ عُمَرَ رَكَعَهُمَا بِذِي طُوًى.
أ- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: وَهْوَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ
وَأَرَادَتِ الْخُرُوجَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ) متفق عليه.
وجه الدلالة: الإخبار بأنها لم تصل حتى خرجت، وإقرار النبي ﷺ لها دليل صريح على عدم اشتراط الصلاة داخل المسجد أو خلف المقام.
ب- وثبت (أن عمر ﵁ طاف بالبيت بعد صلاة الصبح، فركب حتى أناخ بذي طوى، فصلى ركعتين) رواه مالك.
ج- وعن ابن عمر (أنه كان يطوف بالبيت سبعاً، ثم يدخل البيت، فيصلى فيه ركعتي الطواف) رواه عبد الرزاق.
стр. 1814
فائدة: ٣
المشروع في هاتين الركعتين التخفيف وليس قبلهما دعاء ولا بعدهما دعاء.
فائدة: ٤
إذا دار الأمر بين أن يصلي قريباً من المقام مع كثرة حركته، كرد المارين بين يديه، وبين أن يصلي بعيداً عن المقام ولكن بطمأنينة، فما الأفضل؟
فالأفضل الثاني، لأن ما يتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة بما يتعلق بمكانها.
فائدة: ٥
ما حكم الموالاة بين الطواف والركعتين؟
اختلف الفقهاء في حكم الموالاة بين الطواف والركعتين، على قولين:
الصحيح أن الموالاة سنة، فلو فصل بين الطواف وركعتيه بوقت طويل، جاز.
وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أ-أن عمر بن الخطاب ﵁ طاف بالبيت بعد صلاة الصبح، فلما قضى طوافه، نظر فلم ير الشمس طلعت، فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى ركعتين).
ب-عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال - وهو بمكة، وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج - فقال لها رسول الله ﷺ (إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك والناس يصلون، ففعلت ذلك، فلم تصل حتى خرجت).
стр. 1815
فائدة: ٦
يستحب إذا جاء المقام أن يقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).
فائدة: ٧
الحكمة من قراءة هذه الآية:
أولاً: بالنسبة للنبي ﷺ ، إبلاغ الناس أنه فعل ذلك امتثالاً لأمر الله.
ثانياً: أن يشعر نفسه أنه يفعل ذلك امتثالاً لأمر الله.
فائدة: ٨
هل تجزئ سنة راتبة عنهما أو صلاة مكتوبة؟
هذا موضع خلاف والصحيح أنها لا تجزئ، لأنهما سنة مستقلة بنفسهما.
(ثمّ يعودُ إلى الركنِ فيستلمُه).
أي: بعد أن يصلي ركعتي الطواف يسن أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه.
لحديث جابر -في صفة حجة النبي ﷺ قال ( … فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى اَلرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ … ) رواه مسلم.
قال النووي: فِيهِ دَلَالَة لِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلطَّائِفِ طَوَاف الْقُدُوم إِذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَاف وَصَلَاته خَلْف الْمَقَام أَنْ يَعُود إِلَى الْحَجَر الْأَسْوَد فَيَسْتَلِمهُ، ثُمَّ يَخْرُج بَاب الصَّفَا لِيَسْعَى. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِلَام لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّة لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَلْزَمهُ دَم. (شرح مسلم).
وقال ابن قدامة: وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الصَّفَا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعُودَ فَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ.
стр. 1816
ذَكَرَهُ جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. (المغني).
وقال ابن عبد البر: وأما استلام الركن فسنةٌ مسنونةٌ عند ابتداء الطواف، وعند الخروج بعد الطواف، والرجوع إلى الصفا، لا يختلف أهل العلم في ذلك قديماً وحديثاً والحمد لله. (التمهيد).
قال بعض العلماء: وظاهر ذلك أنه لا يسن تقبيله ولا الإشارة إليه.
قال الشيخ ابن عثيمين: بعد أن يصلي ركعتين يستلم الركن مرة ثانية كالمودع للبيت في هذا العمل.
ولم ترد السنة بالتقبيل في هذا الموضع ولم ترد أيضاً بالإشارة.
وعلى هذا فلا تقبيل ولا إشارة، فان تيسر لك أن تستلمه فهو سنة وإلا فدعه.
وهذا فيمن خرج ليسعى، أما من طاف ولا يريد السعي [كطواف الوداع مثلاً أو طواف الإفاضة لمن سعى بعد طواف القدوم] فإنه لم يرد أن النبي ﷺ رجع إلى الركن فاستلمه.
فائدة: ١
قوله (الركن) المراد بالركن هنا الحَجَر الأسود، وسمي ركناً، لأنه في ركن البيت.
فائدة: ٢
جاء عند الإمام أحمد (ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه) فيسن بعد صلاة الركعتين أن يذهب إلى زمزم ويشرب ويصب على رأسه.
(ثم يشرب من ماء زمزم).
أي: يستحب للحاج وللمعتمر خصوصاً وللمسلم عموماً أن يشرب من ماء زمزم.
لماء جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم. رواه البخاري.
وفي حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال في ماء زمزم (إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْم) رواه مسلم.
وزاد الطيالسي (وشفاء سقم).
стр. 1817
أي شرب مائها يغني عن الطعام ويشفي من السّقام لكن مع الصدق كما ثبت عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه أقام شهراً بمكة لا قوت له إلا ماء زمزم.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال (ماء زمزم لما شرب له) رواه أحمد.
قال شيخ الإسلام: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ وَيَدْعُوَ عِنْدَ شُرْبِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ الأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ اهـ.
وقال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ زَمْزَمَ، فَيَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ. قَالَ جَابِرٌ، فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ : ثُمَّ أَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُمْ يَسْقُونَ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ مِنْهُ اهـ.
ومعنى (يَتَضَلَّعَ) أي يكثر من الشرب حتى يمتلئ جنبه وأضلاعه. حاشية السندي على ابن ماجه.
وقال النووي: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ، وَأَنْ يَتَضَلَّعَ مِنْهُ -أَيْ يَتَمَلَّى- وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَهُ لِمَطْلُوبَاتِهِ مِنْ أُمُورِ الآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَهُ لِلْمَغْفِرَةِ أَوْ الشِّفَاءِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ
اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَك ﷺ قَالَ: (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ) اللَّهُمَّ إنِّي أَشْرَبُهُ لِتَغْفِرَ لِي، اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لِي أَوْ اللَّهُمَّ إنِّي أَشْرَبُهُ مُسْتَشْفِيًا بِهِ مِنْ مَرَضٍ، اللَّهُمَّ فَاشْفِنِي) وَنَحْوَ هَذَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلاثًا كَمَا فِي كُلِّ شُرْبٍ، فَإِذَا فَرَغَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى. اهـ.
стр. 1818
فائدة: ١
وقد ذكر الفقهاء آداباً تستحب لشرب ماء زمزم، منها استقبال الكعبة، والتسمية، والتنفس ثلاثاً، والتضلع منها، وحمد الله بعد الفراغ، والجلوس عند شربه كغيره، واستحبوا أيضاً لمن يشرب من زمزم نضح الماء على رأسه ووجهه وصدره، والإكثار من الدعاء عند شربه، وشربه لمطلوبه من أمر الدنيا والآخرة لما جاء في الحديث عنه ﷺ : ماء زمزم لما شرب له.
فائدة: ٢
استحب بعض الفقهاء التزود من ماء زمزم وحمله إلى البلاد لأنه شفاء لمن استشفى، وجاء في حديث عائشة ﵂ أنها حملت من ماء زمزم في القوارير، وقالت: حمل رسول الله ﷺ منها، وكان يصبّ على المرضى ويسقيهم.
فائدة: ٣
يذكر على بعض الألسنة أن فضيلته ما دام في محله فإذا نقل يتغيّر وهو شيء لا أصل له.
فقد كتب ﷺ إلى سهيل بن عمرو: إن وصل كتابي ليلاً فلا تصبحن أو نهاراً فلا تمسين حتى تبعث إليّ بماء زمزم، وفيه أنه بعث بمزادتين وكان حينئذ بالمدينة قبل أن يفتح مكة، وهو حديث حسن لشواهده.
وكذا كانت عائشة ﵂ تحمل وتخبر أنه ﷺ كان يفعله وأنه كان يحمله في الأداوي والقرب فيصب منه على المرضى ويسقيهم.
وكان ابن عباس إذا نزل به ضيف أتحفه بماء زمزم.
وسئل عطاء عن حمله فقال: قد حمله النبي ﷺ والحسن والحسين.
стр. 1819
فائدة: ٤
قال ابن القيم: وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعاً ويطوف مع الناس كأحدهم وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مراراً. … (زاد المعاد).
(ثم يخرجُ إلى الصفا فيرقاه حتى يرى البيت. . .).
أي: بعد ذلك يذهب إلى الصفا ليسعى بين الصفا والمروة.
كما في حديث جابر - في صفة حجة النبي ﷺ قال ( … ثُمَّ خَرَجَ مِنَ اَلْبَابِ إِلَى اَلصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ اَلصَّفَا قَرَأَ: " إِنَّ اَلصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اَللَّهِ " " أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اَللَّهُ بِهِ " فَرَقِيَ اَلصَّفَا، حَتَّى رَأَى اَلْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ اَلْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اَللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ اَلْمُلْكُ، وَلَهُ اَلْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ [وَحْدَهُ] أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ اَلْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ". ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى اَلْمَرْوَةِ، حَتَّى اِنْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ اَلْوَادِي [سَعَى] حَتَّى إِذَا صَعَدَتَا مَشَى إِلَى اَلْمَرْوَةِ فَفَعَلَ عَلَى اَلْمَرْوَةِ، كَمَا فَعَلَ عَلَى اَلصَّفَا … ).
• مباحث الصفا:
مبحث: ١
السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة، وستأتي أدلة المسألة إن شاء الله في أركان الحج.
стр. 1820
مبحث: ٢
الحكمة من السعي بين الصفا والمروة.
قال ابن دقيق العيد: … مثاله: السعي بين الصفا والمروة إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه: قصة هاجر مع ابنها وترك الخليل لهما في ذلك المكان الموحش منفردين منقطعي أسباب الحياة بالكلية مع ما أظهره الله تعالى لهما من الكرامة والآية في إخراج الماء لهما - كان في ذلك
مصالح عظيمة أي في التذكر لتلك الحال وكذلك رمي الجمار إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه: رمي إبليس بالجمار في هذه المواضع عند إرادة الخليل ذبح ولده: حصل من ذلك مصالح عظيمة النفع في الدين.
وقال الشنقيطي: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا»، فِيهِ الْإِشَارَةُ الْكَافِيَةُ إِلَى حِكْمَةِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ; لِأَنَّ هَاجَرَ سَعَتْ بَيْنَهُمَا السَّعْيَ الْمَذْكُورَ، وَهِيَ فِي أَشَدِّ حَاجَةٍ، وَأَعْظَمِ فَاقَةٍ إِلَى رَبِّهَا، لِأَنَّ ثَمَرَةَ كَبِدِهَا، وَهُوَ وَلَدُهَا إِسْمَاعِيلُ تَنْظُرُهُ يَتَلَوَّى مِنَ الْعَطَشِ فِي بَلَدٍ لَا مَاءَ فِيهِ، وَلَا أَنِيسَ، وَهِيَ أَيْضًا فِي جُوعٍ، وَعَطَشٍ فِي غَايَةِ الِاضْطِرَارِ إِلَى خَالِقِهَا جَلَّ وَعَلَا، وَهِيَ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ تَصْعَدُ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ فَإِذَا لَمْ تَرَ شَيْئًا جَرَتْ إِلَى الثَّانِي فَصَعِدَتْ عَلَيْهِ لِتَرَى أَحَدًا، فَأُمِرَ النَّاسُ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ لَيَشْعُرُوا بِأَنَّ حَاجَتَهُمْ وَفَقْرَهُمْ إِلَى خَالِقِهِمْ وَرَازِقِهِمْ كَحَاجَةِ وَفَقْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الضَّيِّقِ، وَالْكَرْبِ الْعَظِيمِ إِلَى خَالِقِهَا وَرَازِقِهَا، وَلِيَتَذَكَّرُوا أَنَّ مَنْ كَانَ يُطِيعُ اللَّهَ كَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا ﵇ لَا يُضَيِّعُهُ، وَلَا يُخَيِّبُ دُعَاءَهُ وَهَذِهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ظَاهِرَةٌ دَلَّ عَلَيْهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ الْبَيْهَقِيِّ الْمَذْكُورِ حِكْمَةَ الرَّمْيِ أَيْضًا فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ حِكْمَةَ السَّعْيِ، وَالرَّمْيِ مَعْرُوفَةٌ ظَاهِرَةٌ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 1821
مبحث: ٣
يستحب إذا دنا من الصفا أن يقرأ هذه الآية (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ).
إذ دنا من الصفا وليس إذا صعد، ولا يشرع إكمال الآية وإنما يقتصر فقط على (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ).
مبحث: ٤
الحكمة من قراءة هذه الآية:
أولاً: اقتداء بالرسول ﷺ .
ثانياً: امتثالاً لأمر الله.
ثالثاً: وليشعر نفسه أنه إنما سعى لأنه من شعائر الله.
تنبيه:
ولا يقال هذا الذكر إلا إذا أقبل على الصفا من بعد الطواف -فلا يقال بعد ذلك- لا عند المروة ولا عند الصفا في المرة الثانية، لأنه ليس ذكراً يختص بالصعود وإنما هو ذكر يبين أن ابتداء الإنسان من الصفا إنما هو بتقديم الله له.
مبحث: ٥
البداءة بالسعي من الصفا، فلو بدأ بالمروة لم يعتد بالشوط الأول، والبدء بالصفا هو تفسير لقوله تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فقد بدأ بما قدم الله ذكره.
قال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَشْتَرِطُونَ فِي السَّعْيِ التَّرْتِيبَ، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا، وَيَخْتِمَ بِالْمَرْوَةَ، فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةَ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَدَاوُدُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ.
стр. 1822
مبحث: ٦
ما يفعله الحاج على الصفا:
يستحب أن يصعد الصفا وأن يستقبل القبلة حينما يطلع عليه (وليس هو واجب، الواجب هو حدود العربيات).
ويستحب رفع اليدين عند الصعود على الصفا، وصفة رفعهما كصفة رفعهما عند الدعاء.
ويستحب على الصفا أن يوحد الله ويكبره ويقول (لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
[أنجز وعده] أي: بإظهار هذا الدين، وكون العاقبة للمتقين. [ونصر عبده] أي: نبيه محمداً ﷺ [وهزم الأحزاب] أي: غلبهم
وكسرهم [وحده] أي: بلا قتال من الناس.
• قوله: يستحب الدعاء فيما بين ذلك، وصفة هذا: أن يذكر الله أولاً، ثم يدعو، ثم يذكر الله ثانياً، ثم يدعو، ثم يذكر الله ثالثاً، ثم ينزل من الصفا.
стр. 1823
مبحث: ٧
بعد الذكر والدعاء يتجه إلى المروة، إذا حاذى العلم الأخضر هرول حتى العلم الثاني، والهرولة خاصة بالرجال.
قال ابن قدامة: وهو يذكر صفة السعي بين الصفا والمروة:
وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ الصَّفَا، فَيَمْشِيَ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ، مَعْنَاهُ يُحَاذِي الْعَلَمَ، وَهُوَ الْمِيلُ الْأَخْضَرُ الْمُعَلَّقُ فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا كَانَ مِنْهُ نَحْوًا مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا، حَتَّى يُحَاذِيَ الْعَلَمَ الْآخَرَ، ثُمَّ يَتْرُكُ السَّعْيَ، وَيَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ، فَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيَدْعُوَ بِمِثْلِ دُعَائِهِ عَلَى الصَّفَا، وَمَا دَعَا بِهِ فَجَائِزٌ، وَلَيْسَ فِي الدُّعَاءِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ.
ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ. (المغني).
مبحث: ٨
الهرولة خاصة بالرجال دون النساء.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا رَمَل على النساء حول البيت، ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع؛ وذلك لأن الأصل فيهما إظهار الجَلَد [القوة]، ولا يقصد ذلك في النساء؛ ولأن النساء يقصد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرض للكشف. انتهى.
فالرمل بين العَلَمينِ الأخضرينِ أثناء السعي بين الصفا والمروة سنة في حق الرجال وليس بواجب. أما النساء فلا يسن لهن الرمل أثناء السعي وإن كان هذا الرمل قد حصل من هاجر أثناء سعيها بين الصفا والمروة، والذي هو أصل مشروعية السعي عموماً،
ففي صحيح البخاري أثناء الحديث عن سعي هاجر بين الصفا والمروة:
( … فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا).
стр. 1824
مبحث: ٩
لا تشترط الطهارة للسعي.
قال النووي: مذهبنا ومذهب الجمهور أن السعي يصح من المحدث والجنب والحائض.
وقال ابن قدامة: أكثر أهل العلم يرون أن لا يشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة، وممن قال ذلك عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وقال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ لَا تُشْتَرَطُ لَهُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ، وَلَا الْخَبَثِ، وَلَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَلَوْ سَعَى، وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ، أَوْ سَعَتِ امْرَأَةٌ وَهِيَ حَائِضٌ، فَالسَّعْيُ صَحِيحٌ، وَلَا يُبْطِلُهُ ذَلِكَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْم.
وقال ﵀: وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ لَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ: هِيَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: أَنْ تَفْعَلَ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ، وَهِيَ حَائِضٌ إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ خَاصَّةً. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ لَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ، لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ طَوَافٍ، وَالْحَيْضُ مَانِعٌ مِنَ الطَّوَافِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ نَصٌّ فِي أَنَّ غَيْرَ الطَّوَافِ يَصِحُّ مِنَ الْحَائِضِ وَيَدْخُلُ فِيهِ السَّعْيُ.
مبحث: ١٠
السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، الذهاب شوط والرجوع شوط آخر.
قال النووي: قوْله: (حَتَّى إِذَا كَانَ آخِر طَوَاف عَلَى الْمَرْوَة) فِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّ الذَّهَاب مِنْ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَة يُحْسَب مَرَّة وَالرُّجُوع إِلَى الصَّفَا ثَانِيَة وَالرُّجُوع إِلَى الْمَرْوَة ثَالِثَة وَهَكَذَا، فَيَكُون اِبْتِدَاء السَّبْع مِنْ الصَّفَا، وَآخِرهَا بِالْمَرْوَةِ.
стр. 1825
وقال ابن قدامة: حتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: ذَهَابُهُ وَرُجُوعُهُ سَعْيَةٌ.
وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ (ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ، رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إذَا صَعِدْنَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، قَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت، لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتهَا عُمْرَةً).
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ آخِرُ طَوَافِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عِنْدَ الصَّفَا، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ.
وَلِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ طَائِفٌ بِهِمَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَسِبَ بِذَلِكَ مَرَّةً، كَمَا أَنَّهُ إذَا طَافَ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ احْتَسَبَ بِهِ مَرَّةً. (المغني).
مبحث: ١١
يقول في سعيه ما أحب من ذكر ودعاء وقرآن، وإن دعا في السعي بقوله (رب اغفر وارحم، إنك أنت الأعز الأكرم) فلا بأس لثبوت ذلك عن ابن مسعود وابن عمر.
مبحث: ١٢
إذا كان في آخر شوط من السعي أتمه بصعوده المروة، ولا يقف للدعاء ولا للذكر، لأن العبادة قد انتهت.
مبحث: ١٣
حكم الموالاة بين الطواف والسعي:
اختلف الفقهاء في حكم الموالاة بين الطواف والسعي على قولين:
القول الأول: أن الموالاة بينهما سنة، فلا يضر الفصل بزمن طويل.
وهو قول الحنفية، وقول عند المالكية، والمذهب عند الشافعية، وقول الحنابلة.
أ - أن كل واحد من الطواف والسعي ركن، والموالاة بين أركان الحج لا تجب، كالوقوف بعرفة وطواف الإفاضة.
ب - ب-أن الموالاة إذا لم تجب في السعي نفسه، ففيما بينه وبين الطواف أولى.
القول الثاني: أن الموالاة بين الطواف والسعي شرط، فلو فرق بينهما كثيراً لزم إعادة الطواف والسعي.
وهو قول عند المالكية، ووجه عند الشافعية.
следующие страницы →