Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
مبحث: ٣
يستحب إذا دنا من الصفا أن يقرأ هذه الآية (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ).
إذ دنا من الصفا وليس إذا صعد، ولا يشرع إكمال الآية وإنما يقتصر فقط على (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ).
مبحث: ٤
الحكمة من قراءة هذه الآية:
أولاً: اقتداء بالرسول ﷺ .
ثانياً: امتثالاً لأمر الله.
ثالثاً: وليشعر نفسه أنه إنما سعى لأنه من شعائر الله.
تنبيه:
ولا يقال هذا الذكر إلا إذا أقبل على الصفا من بعد الطواف -فلا يقال بعد ذلك- لا عند المروة ولا عند الصفا في المرة الثانية، لأنه ليس ذكراً يختص بالصعود وإنما هو ذكر يبين أن ابتداء الإنسان من الصفا إنما هو بتقديم الله له.
مبحث: ٥
البداءة بالسعي من الصفا، فلو بدأ بالمروة لم يعتد بالشوط الأول، والبدء بالصفا هو تفسير لقوله تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فقد بدأ بما قدم الله ذكره.
قال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَشْتَرِطُونَ فِي السَّعْيِ التَّرْتِيبَ، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا، وَيَخْتِمَ بِالْمَرْوَةَ، فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةَ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَدَاوُدُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ.
стр. 1822
مبحث: ٦
ما يفعله الحاج على الصفا:
يستحب أن يصعد الصفا وأن يستقبل القبلة حينما يطلع عليه (وليس هو واجب، الواجب هو حدود العربيات).
ويستحب رفع اليدين عند الصعود على الصفا، وصفة رفعهما كصفة رفعهما عند الدعاء.
ويستحب على الصفا أن يوحد الله ويكبره ويقول (لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
[أنجز وعده] أي: بإظهار هذا الدين، وكون العاقبة للمتقين. [ونصر عبده] أي: نبيه محمداً ﷺ [وهزم الأحزاب] أي: غلبهم
وكسرهم [وحده] أي: بلا قتال من الناس.
• قوله: يستحب الدعاء فيما بين ذلك، وصفة هذا: أن يذكر الله أولاً، ثم يدعو، ثم يذكر الله ثانياً، ثم يدعو، ثم يذكر الله ثالثاً، ثم ينزل من الصفا.
стр. 1823
مبحث: ٧
بعد الذكر والدعاء يتجه إلى المروة، إذا حاذى العلم الأخضر هرول حتى العلم الثاني، والهرولة خاصة بالرجال.
قال ابن قدامة: وهو يذكر صفة السعي بين الصفا والمروة:
وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ الصَّفَا، فَيَمْشِيَ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ، مَعْنَاهُ يُحَاذِي الْعَلَمَ، وَهُوَ الْمِيلُ الْأَخْضَرُ الْمُعَلَّقُ فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا كَانَ مِنْهُ نَحْوًا مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا، حَتَّى يُحَاذِيَ الْعَلَمَ الْآخَرَ، ثُمَّ يَتْرُكُ السَّعْيَ، وَيَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ، فَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيَدْعُوَ بِمِثْلِ دُعَائِهِ عَلَى الصَّفَا، وَمَا دَعَا بِهِ فَجَائِزٌ، وَلَيْسَ فِي الدُّعَاءِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ.
ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ. (المغني).
مبحث: ٨
الهرولة خاصة بالرجال دون النساء.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا رَمَل على النساء حول البيت، ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع؛ وذلك لأن الأصل فيهما إظهار الجَلَد [القوة]، ولا يقصد ذلك في النساء؛ ولأن النساء يقصد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرض للكشف. انتهى.
فالرمل بين العَلَمينِ الأخضرينِ أثناء السعي بين الصفا والمروة سنة في حق الرجال وليس بواجب. أما النساء فلا يسن لهن الرمل أثناء السعي وإن كان هذا الرمل قد حصل من هاجر أثناء سعيها بين الصفا والمروة، والذي هو أصل مشروعية السعي عموماً،
ففي صحيح البخاري أثناء الحديث عن سعي هاجر بين الصفا والمروة:
( … فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا).
стр. 1824
مبحث: ٩
لا تشترط الطهارة للسعي.
قال النووي: مذهبنا ومذهب الجمهور أن السعي يصح من المحدث والجنب والحائض.
وقال ابن قدامة: أكثر أهل العلم يرون أن لا يشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة، وممن قال ذلك عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وقال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ لَا تُشْتَرَطُ لَهُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ، وَلَا الْخَبَثِ، وَلَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَلَوْ سَعَى، وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ، أَوْ سَعَتِ امْرَأَةٌ وَهِيَ حَائِضٌ، فَالسَّعْيُ صَحِيحٌ، وَلَا يُبْطِلُهُ ذَلِكَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْم.
وقال ﵀: وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ لَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ: هِيَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: أَنْ تَفْعَلَ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ، وَهِيَ حَائِضٌ إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ خَاصَّةً. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ لَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ، لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ طَوَافٍ، وَالْحَيْضُ مَانِعٌ مِنَ الطَّوَافِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ نَصٌّ فِي أَنَّ غَيْرَ الطَّوَافِ يَصِحُّ مِنَ الْحَائِضِ وَيَدْخُلُ فِيهِ السَّعْيُ.
مبحث: ١٠
السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، الذهاب شوط والرجوع شوط آخر.
قال النووي: قوْله: (حَتَّى إِذَا كَانَ آخِر طَوَاف عَلَى الْمَرْوَة) فِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّ الذَّهَاب مِنْ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَة يُحْسَب مَرَّة وَالرُّجُوع إِلَى الصَّفَا ثَانِيَة وَالرُّجُوع إِلَى الْمَرْوَة ثَالِثَة وَهَكَذَا، فَيَكُون اِبْتِدَاء السَّبْع مِنْ الصَّفَا، وَآخِرهَا بِالْمَرْوَةِ.
стр. 1825
وقال ابن قدامة: حتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: ذَهَابُهُ وَرُجُوعُهُ سَعْيَةٌ.
وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ (ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ، رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إذَا صَعِدْنَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، قَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت، لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتهَا عُمْرَةً).
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ آخِرُ طَوَافِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عِنْدَ الصَّفَا، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ.
وَلِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ طَائِفٌ بِهِمَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَسِبَ بِذَلِكَ مَرَّةً، كَمَا أَنَّهُ إذَا طَافَ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ احْتَسَبَ بِهِ مَرَّةً. (المغني).
مبحث: ١١
يقول في سعيه ما أحب من ذكر ودعاء وقرآن، وإن دعا في السعي بقوله (رب اغفر وارحم، إنك أنت الأعز الأكرم) فلا بأس لثبوت ذلك عن ابن مسعود وابن عمر.
مبحث: ١٢
إذا كان في آخر شوط من السعي أتمه بصعوده المروة، ولا يقف للدعاء ولا للذكر، لأن العبادة قد انتهت.
مبحث: ١٣
حكم الموالاة بين الطواف والسعي:
اختلف الفقهاء في حكم الموالاة بين الطواف والسعي على قولين:
القول الأول: أن الموالاة بينهما سنة، فلا يضر الفصل بزمن طويل.
وهو قول الحنفية، وقول عند المالكية، والمذهب عند الشافعية، وقول الحنابلة.
أ - أن كل واحد من الطواف والسعي ركن، والموالاة بين أركان الحج لا تجب، كالوقوف بعرفة وطواف الإفاضة.
ب - ب-أن الموالاة إذا لم تجب في السعي نفسه، ففيما بينه وبين الطواف أولى.
القول الثاني: أن الموالاة بين الطواف والسعي شرط، فلو فرق بينهما كثيراً لزم إعادة الطواف والسعي.
وهو قول عند المالكية، ووجه عند الشافعية.
стр. 1826
واستدلوا له: بأن السعي لما افتقر إلى تقدم الطواف عليه ليمتاز عما لغير الله تعالى، افتقر إلى الموالاة بينه وبينه ليقع به الامتياز، ولا يحصل الميز إذا أخل بالموالاة.
والراجح الأول.
قال الشيخ ابن باز ﵀: لا حرج في الفصل بين السعي والطواف عند أهل العلم، فلو سعى بعد الطواف بزمن أو في يوم آخر فلا بأس بذلك ولا حرج فيه، ولكن الأفضل أن يتوالى السعي مع الطواف، فإذا طاف بعمرته سعى بعد ذلك من دون فصل، وهكذا في حجه ولو فصل فلا حرج في ذلك؛ لأن السعي عبادة مستقلة، فإذا فصل بينهما بشيء فلا يضر، ولهذا لو قدم الحاج أو القارن وطاف فقط وأجل السعي إلى ما بعد نزوله من عرفات فلا حرج في ذلك، وإن قدمه فلا حرج في ذلك.
مبحث: ١٤
لا يشرع التطوع بالسعي بين الصفا والمروة لغير الحاج والمعتمر.
قال ابن حجر: إجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع.
وقال الشنقيطي: إجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع، والعلم عند الله تعالى.
وقال الشيخ ابن عثيمين: لا يجوز التطوع بالسعي، لأن السعي إنما يُشرع في النُّسك، الحج والعمرة، لقول الله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيم).
стр. 1827
مبحث: ١٥
يشترط في صحة السعي أن يقع بعد الطواف.
عن ابن عمر ﵂ (أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم، سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يقدِّم الطواف على السعي بدلالة كلمة (ثم) وقد قال (لتأخذوا مناسككم) وفعلُهُ في المناسك يفيد الوجوب.
ب- عن جابر بن عبدالله ﵄ قال (حاضت عائشة ﵂، فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت، قالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجةٍ وعمرة، وأنطلق بحج! فأمر عبدالرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج).
وفي روايةٍ عن عائشة ﵂ (فقدمتُ مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة).
وجه الدلالة: أنه لولا اشتراط تقدم الطواف على السعي؛ لفعلت في السعي مثل ما فعلت في غيره من المناسك؛ فإنه يجوز لها السعي من غير طهارة.
قال الماوردي: فإذا ثبت وجوب السعي فمن شرط صحته أي السعي أن يتقدمه الطواف، وهو إجماعٌ ليس يُعرَف فيه خلافٌ بين الفقهاء.
وقال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ لَا يَصِحُّ، إِلَّا بَعْدَ طَوَافٍ، فَلَوْ سَعَى قَبْلَ الطَّوَافِ لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ، عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَطَاءٍ، وَبَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ يَصِحُّ، وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ عَطَاءٍ، وَدَاوُدَ.
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْعَ فِي حَجٍّ، وَلَا عُمْرَةٍ إِلَّا بَعْدَ الطَّوَافِ، وَقَدْ قَالَ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَعَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ ذَلِكَ عَنْه. (أضواء البيان).
стр. 1828
تنبيه:
اختلف العلماء في صحة السعي إذا وقع بعد طواف نفل، فعند الشافعية والحنابلة لا يصح، وإنما يشترط لصحته أن يقع بعد طواف ركن أو قدوم.
تنبيه:
اعلم أن القارِن والمُفْرِد يَكْفِيه هذا السَّعْي، فلا يَلْزَمه أن يَسْعَى مرَّة أخرى بعد طواف الإفاضة.
أما المتمتِّع، فإنه يَلْزَمه أن يسعى سعيًا آخر بعد طواف الإفاضة.
ثم يحِل المتمتِّع من إحرامه بالحلق أو التقصير، والمقصود: أنه إذا كان متمتعًا فإنه يحِل من إحرامه بالحَلق أو التقصير، وبهذا يكون قد انتهى من مناسك العمرة.
وأما القارِن والمُفْرِد؛ فإنهما يَظَلان على إحرامهما، فلا يحلقان ولا يقصِّران حتى يوم التروية -الثامن من ذي الحجة - ليُكْمِلوا بقية المناسك، كما سيأتي بيانه.
(ثم يُقصّر من شَعرهِ إن كان معتمراً وقد حلّ).
أي: إن كان متمتعاً وقد انتهى من عمرته فالأفضل أن يقصر من شعره دون الحلق.
وهنا التقصير أفضل من الحلق لسببين:
أولاً: أن النبي ﷺ أمر به في قوله (ومن لم يسق الهدي فليقصّر).
ثانياً: من أجل أن يبقى للحج ما يُحلق أو يقصر، ولو أنه حلق، والمدة قصيرة لم يتوفر الشعر للحج.
ففي حديث ابن عمر السابق قال ﷺ ( … وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ).
قال النووي: … وَإِنَّمَا أَمَرَهُ رَسُول اللَّه ﷺ بِالتَّقْصِيرِ وَلَمْ يَأْمُر بِالْحَلْقِ مَعَ أَنَّ الْحَلْق أَفْضَل لِيَبْقَى لَهُ شَعْر يَحْلِقهُ فِي الْحَجّ، فَإِنَّ الْحَلْق فِي تَحَلُّل الْحَجّ أَفْضَل مِنْهُ فِي تَحَلُّل الْعُمْرَة. وَأَمَّا قَوْله ﷺ : (وَلْيَحْلِلْ) فَمَعْنَاهُ وَقَدْ صَارَ حَلَالًا فَلَهُ فِعْل مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَام مِنْ الطِّيب وَاللِّبَاس وَالنِّسَاء وَالصَّيْد وَغَيْر ذَلِكَ. (شرح مسلم).
وقال ابن قدامة: وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: (قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ).
стр. 1829
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ عِنْدَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ التَّقْصِيرُ؛ لِيَكُونَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: وَيُعْجِبُنِي إذَا دَخَلَ مُتَمَتِّعًا أَنْ يُقَصِّرَ؛ لِيَكُونَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ.
وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ إلَّا بِالتَّقْصِيرِ:
فَقَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا).
وَفِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ (فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَقَصَّرُوا).
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلِيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَإِنْ حَلَقَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، فَجَازَ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ التَّقْصِيرِ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ نُسُكٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ. (المغني)
• وأما إذا كان معتمراً فقط دون حج فالأفضل في حقه الحلق.
(وتحلل).
أي: من عمرته، فحل له كل شي حتى النساء.
(إلا القارن والمفرد فإنه لا يحل).
أي: فإن كان الحاج قارناً أو مفرداً، فإنه لا يحل، بل يستمر على إحرامه حتى يرميا جمرة العقبة يوم العيد.
صفة الحج
стр. 1830
(يُسَنُّ لِلْمُحلِّينَ بِمَكَّةَ الإِحْرَامُ بالحَجِّ يَومَ التَّرْويَةِ قَبْلَ الزَّوالِ مِنْهَا).
أي: في هذا اليوم - وهو يوم التروية - يسن لمن كان حلالاً أن يحرم بالحج ضحى.
والمحل هو المتمتع، لأنه حل من إحرامه، أو كان من أهل مكة.
عن جابر قال ( … فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ) رواه مسلم.
قال النوويّ: فيه دليل للشافعيّ وموافقيه أن المتمتّع، وكلّ من بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ، فالسنّة له أن يُحرم يوم التروية.
ويوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة.
قال النووي: وسمي بذلك لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي يحملونه معهم من مكة إلى عرفات ليستعملوه في الشرب وغيره. [توجهوا إلى منى] توجهوا من الأبطح، لأن النبي ﷺ نزل هناك.
فائدة: ١
ويحرم من مكانه.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى. قَالَ فَأَهْلَلْنَا مِنَ الأَبْطَح). رواه مسلم
وإنما أهلوا من الأبطح لأنه مكان نزولهم، والأبطح: هو مسيل فيه دقاق الحصى يقع شرقي مكة، فأحرم النبي ﷺ في هذا المكان ومعه أصحابه قبل الزوال، ثم توجهوا إلى منى وكان ذلك يوم الخميس.
تنبيه: قال بعض الفقهاء: أنه يحرم من الحرم تحت الميزاب، وهذا غلط وبدعة، فلم يفعله النبي ﷺ ، ولا عهد عن أحد من الصحابة أنه فعله.
стр. 1831
فائدة: ٢
أعمال الحج تبتدئ من اليوم الثامن.
فائدة: ٣
يسن أن يفعل الحاج عند إحرامه هذا ما يفعله عند الإحرام من الميقات من الغسل والتنظف والتجرد من المخيط ويهل بالحج بعدها قائلاً: لبيك حجاً.
(ويبيتُ بمنى).
أي: يسن أن يخرج إلى منى ويبيت بها ليلة التاسع، ويصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً بلا جمْع.
ففي حديث جابر -في صفة حجة النبي ﷺ قال (فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ اَلتَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنَى، وَرَكِبَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا اَلظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ … ) رواه مسلم.
قال النووي: والسنة أن يبيتوا بمنى ليلة التاسع، وهذا المبيت سنةٌ ليس بركنٍ ولا واجب، فلو تركه فلا شيء عليه، لكن فاتته الفضيلة وهذا الذي ذكرناه من كونه سنة لا خلاف فيه. … (المجموع).
فائدة: ١
الأفضل أن تكون صلاة الظهر في اليوم الثامن في منى.
فائدة: ٢
أن الصلاة في منى تكون قصراً من غير جمع.
فائدة: ٣
أنه يسن المكث في منى حتى تطلع الشمس.
стр. 1832
فائدة: ٤
أن الذين يذهبون إلى عرفات من ليلتها قد خالفوا السنة، وكذلك من لم يحرم اليوم الثامن، وهو وإن كان جائزاً لكنهم حرموا أنفسهم السنة.
فائدة: ٥
فإذا صادف يوم التروية يوم جمعة، فأيهما أفضل، أن يصلي الحاج في المسجد الحرام ثم يخرج إلى منى، أو أن يخرج إلى منى (ضحى) ويصلي الظهر في منى؟ الثاني أفضل، لأن بقاءك في منى عبادة، وأنت أيها الحاج لم تأت من بلادك إلا لأجل هذه العبادة.
(فَإِذَا طَلَعَت الشَّمْسُ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ وَكُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَة).
أي: فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع سار إلى عرفة وينزل أولاً بنمرة.
لحديث جابر -في صفة حجة النبي ﷺ قال ( … ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتْ اَلشَّمْسُ، فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ اَلْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا. حَتَّى إِذَا زَاغَتْ اَلشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ اَلْوَادِي، فَخَطَبَ اَلنَّاسَ … ).
(حتى أتى عرفة) قال النووي: "المراد قارب عرفات، فإن نمرة ليست من عرفات". [القبة] قال ابن الأثير: "القبة من الخيام بيت صغير مستدير.
فائدة: ١
عرفة: مشعر خارج حدود الحرم، لأنها واقعة في الحل، وهي اسم لمكان الوقوف في الحج.
سميت بذلك:
قيل: لأن الناس يتعارفون فيها.
وقيل: لأن أمين الوحي جبريل طاف بإبراهيم ﵇ وكان يريه المشاهد فيقول له "أَعَرَفْتَ؟ أَعَرَفْتَ؟ "، فيرد إبراهيم "عَرَفْتُ، عَرَفْتُ.
стр. 1833
وقيل: لأن آدم وحواء عندما هبطا من الجنة التقيا فعرفها وعرفته في هذا المكان.
وقيل: لأنها مرتفعة على غيرها؛ والشيء المرتفع يسمى عُرْفاً، ومنه: أهل الأعراف، كما قال تعالى (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً)، ومنه: عُرْف الديك؛ لأنه مرتفع؛ وكل شيء مرتفع يسمى بهذا الاسم.
فائدة: ٢
إن تيسر له النزول بنمرة نزل إلى زوال الشمس [ونمرة قرية قرب عرفة وليست من عرفة] وهذا النزول نزول نسك، بناءً على أن الأصل التعبد في جميع أعمال الحج إلا ما قام الدليل على أنه ليس كذلك، وإلا ذهب إلى عرفات واستقر بها ولو قبل الزوال.
فائدة: ٣
عرفة كلها موقف إلا بطن عُرنة.
عَنْ جَابِر. قال: قال ﷺ (نَحَرْتُ هَا هُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ وَوَقَفْتُ هَا هُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَوَقَفْتُ هَا هُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِف) رواه مسلم.
إلا بطن عرنة:
قال ﷺ (كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عُرَنة).
قال القاضي عياض: اتفق العلماء على أنه لا موقف فيه [يعني بطن عرنة].
стр. 1834
فائدة: ٤
قوله (حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة) نمرة ليست من عرفة، فاختلف الشراح في معنى قوله (حتى أتى عرفة فوجد القبة … بنمرة) لأنها توهم أن نمرة من عرفة.
فقيل: المعنى أي قد قارب عرفة.
وقيل: أن مراد جابر أن منتهى سيره عرفة، وأنه لم يفعل كما تفعل قريش في الجاهلية، فتنتهي بمزدلفة وتقف فيه يوم عرفة، وفي طريقه إلى عرفة نزل بنمرة، وهذا أصح.
(فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذانٍ واحد وإقامتين).
وذلك لفعل النبي ﷺ .
ففي حديث جابر -في صفة حجة النبي ﷺ قال (حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ … ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا).
[القصواء] لقب لناقته التي حج عليها [فرحلتْ له] أي جعل عليها الرحل [بطن الوادي] وادي عرنة الذي فيه مقدمة المسجد، لأن المسجد بعضه في عرفة وبعضه خارج عرفة، وبطن الوادي موضع متسع، ولذا خصه النبي ﷺ بخطبته.
ففي هذا استحباب الخطبة للإمام ليعلم الناس صفة الوقوف ويذكرهم بعظم هذا اليوم، وقد خطب ﷺ خطبة عظيمة بين فيها أحكام مهمة وعظيمة.
стр. 1835
فائدة: ١
فيه: استحباب جمع العصر مع الظهر في عرفات وهذا الجمع مجمع عليه، بأذان واحد وإقامتين.
لقول جابر (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى اَلظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى اَلْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا).
فائدة: ٢
حكم القصر والجمع لأهل مكة في عرفة ومزدلفة:
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يشرع لهم الجمع والقصر كغيرهم.
وهذا مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية، وابن القيم.
أ-قالوا: إن النبي ﷺ كان يقصر الصلاة بمنى، وجمع وقصر بعرفة ومزدلفة، وصلى معه جميع المسلمين من أهل مكة وغيرهم، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولا بتأخير العصر في عرفة، أو تقديم المغرب في المزدلفة، وكذا خلفاؤه من بعده، فدل ذلك على مشروعية الجمع والقصر لأهل مكة في المشاعر.
ب- أن خروج أهل مكة إلى منى وعرفات ومزدلفة، يعتبر سفراً، فشرع لهم الجمع والقصر كغيرهم.
القول الثاني: لا يجوز الجمع والقصر لهم.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
قالوا: إن خروج أهل مكة إلى منى وعرفة ومزدلفة لا يعد سفراً لعدم المسافة، وهم في اعتبار المسافة كغيرهم، فلم يجز لهم الجمع والقصر.
والراجح: الأحوط عدم الجمع والقصر.
стр. 1836
فائدة: ٣
الحكمة من جمع التقديم هنا: ليتفرغ الناس للدعاء، وأيضاً لو تفرقوا لفاتت الجماعة، وصلى كل إنسان لوحده.
فائدة: ٤
أن الخطبة يوم عرفة قبل الأذان، لقوله: (ثم أذن ثم أقام).
فائدة: ٥
أنه لا تشرع للمسافر أن يصلي راتبة الظهر، لقوله: (ولم يصلّ بينهما).
فائدة: ٦
بداية الوقوف بعرفة:
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن بداية الوقوف من زوال الشمس.
لأن النبي ﷺ ومعه أصحابه لم يقفوا إلا بعد الزوال.
القول الثاني: أن بداية الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة.
وهذا مذهب الحنابلة، وستأتي المسألة إن شاء الله.
لحديث عروة بن المضرس قال (أتيت رسول الله ﷺ بالموقف - يعني بجمْع - قلت: جئت يا رسول الله من جبلي طي، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : (مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي: بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، قالوا: فقوله (أو نهاراً) يشمل ما قبل الزوال وما بعده.
стр. 1837
والراجح قول الجمهور، والجواب عن حديث عروة بن مضرس بأن المراد بـ (بالنهار) فيه خصوص ما بعد الزوال، بدليل فعل النبي ﷺ وفعل خلفائه من بعده.
• ما نهاية وقت الوقوف بعرفة؟
نهاية وقته: طلوع الفجر يوم النحر.
لقوله ﷺ (الحج عرفات - ثلاثاً - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك) رواه أبو داود.
قال جابر: (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع). [قاله في المغني]
(وَيَقِفُ رَاكِباً).
المراد بالوقوف هنا المكث.
أي: يسن أن يقف بعرفة واقفاً.
أ- لقول جابر ( … فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفَاً حَتَّى غَرُبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ القُرْصُ).
ب- وعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ (أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ) متفق عليه.
وجه الدلالة من الحديثين: أن هذين الحديثين دلا على أن الرسول ﷺ وقف بعرفة راكباً، والرسول ﷺ لا يفعل إلا الأفضل.
وذهب بعض العلماء: أن الأفضل ترك الركوب.
لأن ترك الركوب أشبه بالتواضع والخضوع.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يختلف باختلاف الناس.
وهذا اختيار ابن تيمية.
стр. 1838
(عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَل الرَّحْمَةِ)
لقول جابر (ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى اَلْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ اَلْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ حَبْلَ اَلْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ اَلْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفَاً حَتَّى غَرُبَتِ الشَّمْسُ.
فائدة:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الصعود على جبل عرفات ليس من الأمور المشروعة، بل هو إن اتخذه الإنسان عبادة بدعة، لا يجوز للإنسان أن يعتقده عبادة، ولا أن يعمل به على أنه عبادة، والرسول ﷺ أحرص الناس على فعل الخير، وأبلغ الناس في تبليغ الرسالة، وأعلم الناس بدين الله، لم يصعده ولم يأمر أحداً بصعوده، ولا أقر أحداً بصعوده فيما أعلم، وعلى هذا فإن صعود هذا الجبل ليس بمشروع، بل قال رسول الله ﷺ حين وقف خلفه من الناحية الشرقية قال: (وقفت هاهنا، وعرفة كله موقف) وكأنه ﷺ يشير بهذا إلى أن كل إنسان يقف في مكانه ولا يزدحمون على هذا المكان الذي وقف فيه الرسول ﷺ .
(وَيُكْثِرُ الدُّعَاء، ممَّا وَرَدَ).
يستحب للحاج أن يتفرغ للدعاء في يوم عرفة.
وينبغي أن يكون حال الدعاء مستقبل القبلة وإن كان الجبل خلفه أو يمينه أو شماله، لأن السنة استقبال القبلة، ويرفع اليدين، ولا يزال هكذا ذاكراً ملبياً داعياً راجياً من الله أن يجعله من عتقائه الذين يباهي بهم الملائكة كما في الحديث: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: (ماذا أرادوا هؤلاء).
قال شيخ الإسلام: لم يعين النبي ﷺ لعرفة دعاء خاصاً ولا ذكراً خاصاً، بل يدعو بما شاء من الأدعية.
стр. 1839
(وَمَنْ وَقَفَ وَلَو لَحْظَةً مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَهو أَهْلٌ لَهُ صَحَّ حَجُّهُ وَإِلاَّ فَلَا).
أي: أن وقت الوقوف بعرفة يبدأ من طلوع الفجر.
وهذا مذهب الحنابلة.
لحديث عروة بن المضرس قال (أتيت رسول الله ﷺ بالموقف - يعني بجمْع - قلت: جئت يا رسول الله من جبلي طيء، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي:
بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
قالوا: فقوله (أو نهاراً) يشمل ما قبل الزوال وما بعده.
وهذا مذهب الحنابلة.
وذهب بعض العلماء: إلى أن بداية الوقوف يكون من زوال الشمس يوم التاسع من ذي الحجة.
стр. 1840
وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية ورواية عن أحمد.
وحكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر، وابن حزم، والقرطبي.
قال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال، ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يُعتدُّ بوقوفه ذلك قبل الزوال. (التفسير).
لأن النبي ﷺ وقف بعد الزوال، وكذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم إلى اليوم، وما نُقِلَ أن أحدًا وقف قبل الزوال.
والراجح قول الجمهور.
والجواب عن حديث عروة بن مضرس بأن المراد بـ (بالنهار) فيه خصوص ما بعد الزوال، بدليل فعل النبي ﷺ وفعل خلفائه من بعده.
فائدة:
من وقف مغمى عليه:
نقول ابتداء: إن الإغماء لا يؤثر على الإحرام، فمن أحرم ثم أغمي عليه فحجه صحيح.
جاء في (الموسوعة الفقهية) الإْغْمَاءُ بَعْدَ الإْحْرَامِ لَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِهِ، بِاتِّفَاقِ الأْئِمَّةِ.
وَعَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا حَمْلُهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَى رُفَقَائِهِ، وَلَا سِيَّمَا لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَوْ كَانَ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ عَلَى تَفْصِيلٍ. هـ.
لكنه إذا حمل إلى عرفة ولم يفق جزءاً من الوقت، فقد اختلف الفقهاء هل يصح حجه أم لا؟ على قولين:
جاء في (الموسوعة الفقهية) أمّا بالنّسبة للوقوف بعرفة، فالكلّ مجمعٌ على أنّه لو أفاق المغمى عليه في زمن الوقوف ولو لحظةً أجزأه، وإن لم يفق من إغمائه إلاّ بعد الوقوف:
فمذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه فاته الحجّ في ذلك العام.
وللشّافعيّة قولان في إجزاء وقوف المغمى عليه أو عدمه.
стр. 1841
والحنفيّة يكتفون بالكينونة في محلّ الوقوف وزمنه مع سبق الإحرام، فوقوف المغمى عليه مجزئٌ.
ورجح الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ في الشرح الممتع صحة وقوفه، فقال:
مثال المغمى عليه: أن يحصل له حادث وهو متجه إلى عرفة، فأغمي عليه قبل أن يصل إلى عرفة، وبقي مغمى عليه حتى انصرف الناس وانصرفوا به، فنقول: هذا الرجل لم يصح وقوفه، لأنه مغمى عليه، ونقول: إنه فاته الحج، فإذا أفاق تحلل بعمرة، ثم قضاه إذا كان فرضاً من العام القادم، هذا هو المشهور من المذهب،
والقول الثاني: أن وقوفه صحيح، لأن عقله باق لم يزل، وهذا هو الراجح. هـ.
ولا شك أن الأحوط والأبرأ للذمة أن لا يعتد بتلك الحجة ويعيدها إن تيسر له ذلك.
(وَمَنْ وَقَفَ نَهَاراً وَدَفَع قَبلَ الغُروب وَلَمْ يَعُدْ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ).
أي: من وقف نهاراً في عرفة، فإن دفع قبل الغروب ولم يعد فعليه دم،
لأنه ترك واجباً من واجبات الحج، وهو الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس.
هو قول جماهير أهل العلم، فقد قال بهذا القول الحنفية، والشافعية في إحدى الروايتين، والحنابلة في الصحيح من المذهب.
أ-لأن هذا فعل النبي ﷺ .
قال جابر ( … فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّى غَرَبَتِ اَلشَّمْسُ … ).
ب- ولأن الدفع قبل الغروب من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بمخالفتها.
• فإن عاد فلا دم عليه.
стр. 1842
(وَمَنْ وَقَفَ لَيْلاً فَقَطْ فَلَا).
أي: بأن أتى إلى عرفة بعد غروب الشمس، فإنه يجزئه ولا دم عليه.
قال العلامة الشنقيطي:: وَالْحَاصِلُ:
أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ إِجْمَاعاً.
وَأَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ، فَوُقُوفُهُ تَامٌّ إِجْمَاعًا.
وَأَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، فَوُقُوفُهُ تَامٌّ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِلُزُومِ الدَّمِ.
وَأَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: حَجُّهُ صَحِيحٌ. مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ، فَقَالَ أَحْمَدُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ. وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِ دَمٌ. قِيلَ وُجُوبًا، وَقِيلَ: اسْتِنَانًا، وَقِيلَ: نَدْبًا. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ. وَأَنَّمَا قِبلَ الزَّوَالُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ لَيْسَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، خِلَافًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀.
(ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الغُرُوبِ إِلَى مُزْدَلفَةَ بِسَكِيْنةٍ وَيُسْرِعُ فِي الفَجْوَةِ).
أي: يسن الدفع من عرفة إلى مزدلفة بعد غروب الشمس (وهذا من واجبات الحج).
ففي حديث جابر (حَتَّى غَابَ القُرْصُ وَأَرْدًفَ أُسَامَةُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ اَلزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ اَلْيُمْنَى: (أَيُّهَا اَلنَّاسُ، اَلسَّكِينَةَ، اَلسَّكِينَةَ) كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ اَلْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى اَلْمُزْدَلِفَة).
стр. 1843
فائدة: ١
يستحب أن يكون الدفع إلى مزدلفة بسكينة وهدوء.
لقول جابر (حَتَّى غَابَ القُرْصُ وَأَرْدًفَ أُسَامَةُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ اَلزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ اَلْيُمْنَى: (أَيُّهَا اَلنَّاسُ، اَلسَّكِينَةَ، اَلسَّكِينَةَ) كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ اَلْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ).
[شنق للقصواء الزمام] هو الخيط الذي يشد إلى الحلقة التي في أنف البعير. [مَورِك رحله] هو الموضع الذي يجعل عليه الراكب رجله إذا مل من الركوب. [كلما أتى حبلاً] هو التل اللطيف من الرمل الضخم، والمعنى إذا أتى حبلاً من حبال الرمل أرخى لناقته قليلاً من أجل أن تصعد [المزدلفة] وتسمى جمعاً.
فائدة: ٢
سبب تسمية مزدلفة في ذلك:
قيل: لأنهم يقربون فيها من منى، والازدلاف القرب.
وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها، والاجتماع الازدلاف.
وقيل: لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى؛ أي يتقربون بالوقوف، ويقال للمزدلفة: جمع لأنه يجمع فيها بين صلاة العشاء والمغرب، وهذا قول قتادة، وقيل إن آدم ﵇ اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها أي دنا منها.
(وَيَجْمَعُ بِهَا بَيْنَ العِشَاءَين وَيَبيِتُ بِهَا).
يسن أن يجمع بين المغرب والعشاء إذا وصل إلى مزدلفة، وأن يصليهما بأذان واحد وإقامتين.
لحديث جابر (فَصَلَّى بِهَا اَلْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا).
وأيضاً لفعل النبي ﷺ بعرفة.
стр. 1844
فائدة: ١
ما الحكم لو صلى في الطريق؟
لو صلى في الطريق أجزأه ذلك لقوله ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
وذهب ابن حزم إلى أنه لو صلى في الطريق لم يجزئه لأن النبي ﷺ قال لأسامة بن زيد (الصلاة أمامك) لكن هذا قول ضعيف، وقول النبي ﷺ لأسامة (الصلاة أمامك) لأنه لو وقف ليصلي وقف الناس، ولو أوقفهم في هذا المكان لكان في ذلك مشقة عليهم.
فائدة: ٢
متى يجب أن يصلي في الطريق؟
يجب أن يصلي في الطريق إذا خشي خروج وقت العشاء بمنتصف الليل.
فائدة: ٣
ثبت عن النبي ﷺ أنه بال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، لحديث أسامة بن زيد قال (دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ، فقلت له الصلاة يا رسول الله؟ قال: الصلاة أمامك) متفق عليه، فهل يسن للإنسان أن ينزل في أثناء الطريق وفي المكان الذي نزل فيه الرسول ﷺ إن كان سار معه ويبول ويتوضأ وضوءاً خفيفاً؟
الجواب: لا يسن هذا، لأن هذا وقع اتفاقاً، بمقتضى الطبيعة حيث احتاج أن يبول فنزل فبال.
стр. 1845
فائدة: ٤
ما الحكم إذا وصل مزدلفة في وقت المغرب؟
قيل: يؤخر الصلاة لفعل النبي ﷺ .
وقيل: يقدم، لأن النبي ﷺ من حين وصل إلى مزدلفة صلى.
قال الشيخ ابن عثيمين: قد يقال: روى البخاري عن ابن مسعود أنه قدم مزدلفة العشاء أو قريباً من العشاء، فأذّن وصلى المغرب، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أذن فصلى العشاء، وهذا يدل على أنه ﵁ لما وصل في هذا الوقت رأى أن لا يجمع، وبناء على هذا نقول: من وصل مبكراً فليصل ثم لينتظر حتى يأتي العشاء فيؤذن ويصلي العشاء، فإن قال الحاج: الراحة لي والأسهل عليّ أن أصلي المغرب من حين أن أصِل وأصلي معها العشاء وأستريح، نقول: ذلك جائز ولا بأس به.
فائدة: ٥
ماذا نستفيد من قول جابر (ثُمَّ اِضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ اَلْفَجْرُ)؟
نستفيد: أنه يسن أن ينام حتى يصبح.
فائدة: ٦
هل يصلي الوتر أم لا؟
يستثنى الوتر فإنه يصليه ولا يتركه لأسباب:
أولاً: لأن النبي ﷺ كان لا يدعه لا سفراً ولا حضراً، حتى كان ﷺ يوتر على راحلته في السفر.
ثانياً: أن النبي ﷺ أمر به أمراً عاماً بدون استثناء.
ثالثاً: أن عدم النقل ليس نقلاً للعدم، فإما أن يكون جابر سكت عن ذكره لأنه لا يدري، ولهذا لم ينف الوتر كما نفى التنفل في قوله [ولم يسبح بينهما].
رابعاً: أن يكون ترك ذكره للعلم به، ولأنه ليس من المناسك، والحديث في سياق المناسك.
стр. 1846
فائدة: ٧
هل يشرع قيام الليل؟
قال بعض العلماء يشرع قيام الليل، لأنه قد ثبت عن أسماء، فقد ثبت عنها (أنها نزلت ليلة جمع بالمزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: ارتحلوا، فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة … ) متفق عليه.
فائدة: ٨
هل يجوز أن يدفع من مزدلفة قبل الفجر؟
قال بعض العلماء: يجوز بعد منتصف الليل للضعفة من النساء والصبيان والكبار والعاجزين والمرضى.
وقال بعض العلماء: إن المعتبر غروب القمر، ولذلك كان من فقه أسماء أنها تنتظر حتى إذا غاب القمر دفعت، وغروب القمر يكون بعد مضي ثلثي الليل تقريباً.
لحديث عائشة قالت (كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة، فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمْع بليل فأذن لها). متفق عليه
وعن ابن عباس قال (أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله) متفق عليه.
• أما غير الضعفاء والعاجزين فالجمهور على أنه يجوز أن يدفع آخر الليل، وقال بعض العلماء لا يجوز ورجحه بعض المحققين، لكن الصحيح الجواز، والأحوط البقاء حتى صلاة الصبح.
• والمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، إذا تركه عمداً فحجه صحيح مع الإثم وعليه دم.
стр. 1847
(فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَتَى المَشْعَر الحَرام فَيَرْقَاه، أَوْ يَقِفُ عَنْدَه، وَيَحْمَدُ اللهَ، وَيُكَبِّرهُ، وَيَقْرَأُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيَتَيْنِ ويَدْعُو حَتَّى يُسْفِرَ).
[المشعر الحرام] هو جبل صغير بمزدلفة والآن المسجد المبني في مزدلفة على المشعر الحرام.
أي: يسن أن يصلي الصبح في مزدلفة، ويبادر بها مبادرة تكون غير معتادة، ولعل هذه المبادرة ليتسع وقت الذكر والدعاء بعد الصلاة.
لحديث جابر وفيه (ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَلَّى الْفَجْرَ - حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ - بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ).
ففي هذا: أنه يسن للحاج في مزدلفة بعد صلاة الصبح أن يأتي المشعر الحرام فيرقي عليه ويستقبل القبلة ويذكر الله ويهلله ويدعو كما قال تعالى (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه لقوله ﷺ (وقفت ههنا وجمع كل موقف) رواه مسلم.
على الحاج أن يحذر من تضييع هذه الدقائق الغالية.
يبقى للدعاء والذكر حتى يسفر جداً.
فائدة:
قال النووي: السُّنَّة أَنْ يُبَالِغ بِتَقْدِيمِ صَلَاة الصُّبْح فِي هَذَا الْمَوْضِع وَيَتَأَكَّد التَّبْكِير بِهَا فِي هَذَا الْيَوْم أَكْثَر مِنْ تَأَكُّده فِي سَائِر السَّنَة لِلِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ لِأَنَّ وَظَائِف هَذَا الْيَوْم كَثِيرَة فَسُنَّ الْمُبَالَغَة بِالتَّبْكِيرِ بِالصُّبْحِ لِيَتَّسِع الْوَقْت لِلْوَظَائِف.
(ثم يدفع قبل طلوع الشمس).
يسن للحاج أن يدفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس من يوم العيد.
قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن السنة الدفع قبل طلوع الشمس.
قال ابن القيم: أجمع المسلمون على أن الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة.
стр. 1848
لفعل النبي ﷺ ، ومخالفة لأهل الجاهلية.
أ- عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ (إِنَّ اَلْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ وَأَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ
تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي.
ب- وفي حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ : ( … فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس). رواه مسلم
[لا يفيضون] أي من جمع كما جاء في رواية [أشرق] أي من الإشراق، أي أدخل في الشروق، والمعنى: لتطلع عليه الشمس، [ثبير] جبل معروف هناك، وهو على يسار الذاهب إلى منى، وهو أعظم جبال مكة، [ثم أفاض] أي النبي ﷺ ، والدليل على أن المراد هو النبي ﷺ : ما جاء في رواية أبي داود الطيالسي: (فخالفهم النبي ﷺ فأفاض) وفي حديث جابر عند مسلم: ( … فدفع قبل أن تطلع الشمس).
ففي هذا الحديث أن السنة في الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
لفعل النبي ﷺ ومخالفة المشركين، فإنهم كانوا يبقون في مزدلفة صبح يوم النحر حتى تشرق الشمس، ثم يفيضون إلى منى، ففي هذا الحديث تأكد الإفاضة من مزدلفة وقت الإسفار قبل طلوع الشمس.
стр. 1849
فائدة: ١
أن من تأخر عامداً فقد أساء وخالف هدي النبي ﷺ ، وأما من تعذر عليه ذلك بعد أن أخذ في الإفاضة ولكن عاقه المسير لشدة زحام، أو خلل في مركوبه، أو نحو ذلك فهو معذور.
فائدة: ٢
أنواع إفاضات الحج:
حصل بالتتبع والاستقراء أن إفاضات الحج ثلاثة:
الأولى: من عرفة إلى مزدلفة ليلة عيد النحر.
وهذه هي المذكورة في قوله تعالى (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس).
الثانية: من مزدلفة إلى منى.
وهي المذكورة في حديث عمر السابق (ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس).
الثالثة: الإفاضة من منى إلى مكة لأداء طواف الحج.
وهي المشار إليها في حديث جابر السابق وفيه: (ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض بالبيت).
(فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّراً أَسَرَعَ رَمْيَةَ حَجَرٍ).
لحديث جابر - في صفة حجة النبي ﷺ وفيه قال (وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ … حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلاً).
في هذا كيفية الدفع من مزدلفة، وأنه إذا مر بوادي محسر حرك دابته قليلاً، وهذه هي السنة فيمن أتى بطن محسر، وكذا سيارته إن أمكن، وإن كان ماشياً أسرع.
ووادي محسر هو وادٍ بين مزدلفة ومنى لا من هذه ولا من هذه.
واختلف العلماء لماذا أسرع في وادي محسر:
قيل: هذا أمر تعبدي.
стр. 1850
وقيل: لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل فينبغي للإنسان أن يسرع إذا مرّ بأراضي العذاب.
وهذا تعليل عليل لأمرين:
أ- لأن أصحاب الفيل لم يهلكوا هنا، بل في مكان يقال له [المُغَمّس] حول الأبطح.
ب- أنه لا يشرع الإسراع للذاهب، ولا يشرع الإسراع لغير القادم من مزدلفة، فلو كان على ما ذكروا لشرع الإسراع لكل من مرّ به، وهم لا يقولون بهذا.
وقيل: لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم، فأراد النبي ﷺ أن يخالفهم، كما خالفهم في الخروج من عرفة
، وفي الإفاضة من مزدلفة. والله أعلم.
(حتى يأتي منى، فيبدأ بجمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة).
أي: السنة للحاج إذا وصل إلى منى: أن يبدأ برمي جمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات.
ففي حديث جابر (ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْف).
وقد سماها جابر الكبرى، وسماها بذلك باعتبار ما قبلها من الجمرتين الصغرى والوسطى، ولأنها تنفرد بالرمي يوم العيد.
стр. 1851
فائدة: ١
أول أعمال يوم العيد للحاج: رمي جمرة العقبة.
فائدة: ٢
عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ (أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ. فَرَآهُ رَمَى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ متفق عليه.
(فَرَآهُ رَمَى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى) وهي جمرة العقبة.
في هذا الحديث ذكر صفة رمي جمرة العقبة المفضل وهو جعل مكة عن اليسار ومنى عن اليمين.
قال النووي: وأجمعوا على أنه من حيث رمى جمرة العقبة جاز، سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو عن يساره، أو رماها من فوقها أو أسفلها، أو وقف وسطها ورماها.
فائدة: ٣
الأفضل في رميها يوم النحر ضحى.
عن جابر (رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس) رواه مسلم.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا رَمَاهَا ضُحَى ذَلِكَ الْيَوْمِ.
• وأما أهل الأعذار إذا وصلوا في آخر الليل ووصلوا إلى منى فإنهم يرمون، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، فكل من جاز له الدفع من مزدلفة جاز له الرمي وإلا لما استفاد شيئاً.
стр. 1852
فائدة: ٤
ترمى لوحدها بسبع حصيات.
أ- لحديث جابر (فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلَ حَصَى اَلْخَذْف) رواه مسلم.
ب- وفي حديث ابن مسعود السابق ( .. بسبع حصيات).
فائدة: ٥
يسن التكبير مع كل حصاة.
أ- ففي حديث جابر السابق ( .. فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا) رواه مسلم.
ب- وعن اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي اَلْجَمْرَةَ اَلدُّنْيَا، بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ … هكذا رأيت رسول الله يفعله) متفق عليه.
فلو ترك التكبير فلا شيء عليه.
فائدة: ٦
لا يشرع الدعاء بعدها.
وقد علل بعض العلماء بعدم الدعاء بعد جمرة العقبة بعدة علل:
قيل: لضيق المكان في ذلك الوقت.
وقيل: لانتهاء العبادة.
وقيل: لأنها ليست من منى.
قال ابن القيم: فَقِيلَ لِضِيقِ الْمَكَانِ بِالْجَبَلِ، وَقِيلَ وَهُوَ أَصَحّ: إنّ دُعَاءَهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَلَمّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَرَغَ الرّمْيُ وَالدّعَاءُ فِي صُلْبِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، وَهَذَا كَمَا كَانَتْ سُنّتُهُ فِي دُعَائِهِ فِي الصّلَاةِ إذْ كَانَ يَدْعُو فِي صُلْبِهَا، فَأَمّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَلَمْ يَثْبُت عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَعْتَادُ الدّعَاءَ وَمَنْ رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ وَإِنْ رُوِيَ فِي غَيْرِ الصّحِيحِ أَنّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَدْعُو بِدُعَاءٍ عَارِضٍ بَعْدَ السّلَامِ وَفِي صِحّتِهِ نَظَرٌ، ولا رِيبَ أَنّ عَامّةَ أَدْعِيَتِهِ الّتِي كَانَ يَدْعُو بِهَا، وَعَلّمَهَا الصّدّيقَ إنّمَا هِيَ فِي صُلْبِ الصّلَاةِ وَأَمّا حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: لَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ: اللّهُمّ أَعِنّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِك، وَحُسْنِ عِبَادَتِك فَدُبُرُ الصّلَاةِ يُرَادُ بِهِ آخِرُهَا قَبْلَ السّلَامِ مِنْهَا، كَدُبُرِ الْحَيَوَانِ وَيُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ السّلَامِ كَقَوْلِهِ تُسَبّحُونَ اللّهَ وَتُكَبّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ الْحَدِيثُ.
стр. 1853
فائدة: ٧
المقصود من رمي الجمار.
عن ابن عباس ﵄ رفعه إلى النبي ﷺ قال (لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون) رواه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم واللفظ له، وقال: صحيح على شرطهما.
وقد ذكر العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان: أن حكمة الرمي معقولة المعنى وذكر هذا الحديث وقال: وعلى هذا الذي ذكره البيهقي فَذِكْرُ الله الذي شرع الرمي لإقامته هو الاقتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان ورميه وعدم الانقياد إليه.
فائدة: ٨
قوله (فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَات) دليل على أنه لا بد من الرمي، فلو وضع الحصى وضعاً لم يجزئ.
فائدة: ٩
قوله (بسبح حصيات) دليل على أنه لا يجزئ الرمي بغير الحصى ولو كان ثميناً كالجواهر.
فائدة: ١٠
قوله (يكبر مع كل حصاة) دليل على أنه يشترط رمي الجمرات الواحدة بعد الأخرى، وهذا مذهب جماهير العلماء، فلو رمى الحصيات دفعة واحدة فإنه لا يجزئه إلا عن واحدة.
قال ابن قدامة: وَإِنْ رَمَى الْحَصَيَاتِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
стр. 1854
فائدة: ١١
لا يستحب غسل الحصى.
فائدة: ١٢
لم يذكر جابر من أين أخذ النبي ﷺ حصى جمرة العقبة، وهذا يدل على أنه ليس لذلك مكان معين.
بعضهم قال أن النبي ﷺ التقطها من منى، وبعضهم قال إنه التقطها من موقفه الذي رمى فيه، وبعضهم قال إنه التقطها من طريقه لحديث الفضل وفيه (حتى إذا دخل محسراً وهو من منى، قال: عليكم بحصى الخذف … ) وبهذا جزم ابن القيم، والمقصود أنه ليس للحصى مكان معين، وأما ما يعتقده بعض العوام أن المستحب أن يُلتقط الحصى من مزدلفة فهذا لا أصل له فضلاً على أن يكون واجباً
فائدة: ١٣
يكون الحصى بمثل حصى الخذف - وهي بالخاء المعجمة - وقدر حصى الخذف أكبر من حبة الحمص قليلاً.
لحديث جابر في صفة حج النبي ﷺ وفيه ( … فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف). رواه مسلم
فلا يجوز أن يرمي بالحجر الكبير فيؤذي المسلمين، ولا بالصغير الذي لا يمكن رميه.
стр. 1855
فائدة: ١٤
يشترط أن يكون المرمي به حجراً.
وهذا قول الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة)، فلا يصح الرمي بالطين والمعادن والتراب.
وقد استدل الجمهور بما ثبت من فعل النبي ﷺ عندما رمى جمرة العقبة؛ فعن جابر يصف رمي رسول الله ﷺ لجمرة العقبة، فيقول: (فرماها بسبع حصيات - يكبر مع كل حصاة منها - مثل حصى الخذف).
فائدة: ١٥
ما حكم الرمي بالحجر مرة ثانية؟
قال بعض العلماء: لا يجزئ الرمي بحصاة رمي بها.
وقيل: يجزئ ذلك، وهذا أصح.
واختاره الشيخ الشنقيطي، والشيخ ابن عثيمين.
فائدة: ١٦
قال الشيخ ابن عثيمين: من شرط الرمي أن تقع الحصاة في الحوض، وإذا وقعت الحصاة في الحوض، فقد برئت بهذا الذمة، سواء بقيت في الحوض أو تدحرجت منه، ومن الأخطاء أيضا في الرمي: أن بعض الناس يظن أنه لا بد أن تصيب الحصاة الشاخص، أي: العمود، وهذا ظن خطأ؛ فإنه لا يشترط لصحة الرمي أن تصيب الحصاة هذا العمود، فإن هذا العمود إنما جعل علامة على المرمى الذي تقع فيه الحصى، فإذا وقعت الحصاة في المرمى، أجزأت سواء أصابت العمود أم لم تصبه.
стр. 1856
(ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي).
أي: أن الحاج يستمر في التلبية حتى ابتداء الرمي.
عنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵃ قَالَا: (لَمْ يَزَلِ اَلنَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ اَلْعَقَبَةِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد.
قال النووي: يبدأ وقت التلبية من حين الإحرام إلى يوم النحر حتى يرمي جمرة العقبة لما أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس أنه قال (لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة) وهذا قول الشافعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي ثور وأحمد وإسحاق وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.
قال ابن عبد البر: فقال الثوري والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأبور ثور: يقطعها في أول حصاة يرميها من جمرة العقبة.
قال الشنقيطي: فاعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل: أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة لما جاء عند مسلم عن الفضل بن عباس (أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة) وقوله في هذا الحديث (حتى بلغ الجمرة) هو حجة من قال يقطع التلبية عند الشروع في الرمي لأن بلوغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة.
وهو قول إسحاق، وابن خزيمة، واختاره بن حزم.
لحديث الفضل قال: (إن النبي ﷺ قطع التلبية مع آخر حصاة). رواه ابن خزيمة
لكن هذه اللفظة: (ثم قطع التلبية مع آخر حصاة) منكرة، لم ترد في الحديث.
قال البيهقي في سننه: هذه الزيادة غريبة، وليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل.
стр. 1857
والراجح القول الأول.
ومن القرائن الدالة على ذلك، ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير في كل حصاة، فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة لتتابع رمي الحصيات.
• فإن قيل: ما الجواب عن حديث عَنْ نَافِعٍ قَالَ (كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) رواه البخاري؟
الجواب: أن يقال: إن المراد بقطع التلبية عند دخول الحرم الإمساك عنها - للحاج - إمساكاً مؤقتاً ينتهي بالطواف والسعي، ثم يعاودها بعد الخروج من مكة إلى عرفة.
قال ابن خزيمة: وأخبار النبي ﷺ أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة دالة على أنه لم يقطع التلبية عند دخوله الحرم قطعاً لم يعاود لها.
ويدل لهذا الجمع: ما روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك التلبية في العمرة إذا دخل الحرم.
فائدة:
متى يقطع المعتمر التلبية؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: يقطعها عند دخول أدنى الحرم.
стр. 1858
وهو قول ابن عمر وعروة بن الزبير والحسن ومالك والنسائي وابن خزيمة.
عَنْ نَافِعٍ قَالَ (كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) رواه البخاري.
القول الثاني: يقطعها إذا استلم الركن.
قال في المغني: وبهذا قال ابن عباس، وعطاء، وعمرو بن ميمون، وطاوس، والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
قال الترمذي بعدما خرج حديث ابن عباس الآتي قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر.
أ- عن ابن عباس قال (يمسك ﷺ عن التلبية في العمرة، إذا استلم الحجر). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ب- وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ (اعتمر ثلاث عمر، ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر) رواه أحمد وإسناده ضعيف وضعفه ابن حزم.
ج-ولأن التلبية إجابة إلى العبادة، وإشعار للإقامة عليها، وإنما يتركها إذا شرع فيما ينافيها، وهو التحلل منها، والتحلل يحصل بالطواف والسعي، فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل، فينبغي أن يقطع التلبية، كالحج إذا شرع في رمي جمرة العقبة، لحصول التحلل بها. وأما قبل ذلك، فلم يشرع فيما ينافيها، فلا معنى لقطعها. (المغني).
(ولا يقف عندها).
أي: إذا انتهى من رمي جمرة العقبة يوم العيد، فإنه لا يقف عندها، لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك.
стр. 1859
(ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل).
وقد تقدم دليل ذلك.
(ثمّ ينحرُ هديَهُ).
هذا العمل الثاني من أعمال يوم العيد: وهو نحر الهدي.
لقول جابر ( .. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ).
والهدي على المتمتع والقارن، أما المتمتع بنص القرآن قال تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وأما القارن فوجوب الهدي عليه هو مذهب جمهور العلماء، قياساً على المتمتع.
ودم التمتع والقران دم نسك وعبادة، فهو دم شكر حيث حصل للعبد نُسُكان في سفر واحد ودم واحد. ولهذا كان دم المتعة والقران مما يؤكل منه ويهدى ويتصدق -فليس هو دم جبران-، وأما دم المحظور لا يؤكل منه ولا يهدى، فهو يصرف على الفقراء.
فإن عدم الهدي فقد قال تعالى (فإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). فعليه -كما أخبر الله- صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم.
ومعنى لا يجد الهدي: أن لا يوجد هدي في الأسواق، أو أن يوجد بهيمة أنعام لكنه لا يملك الثمن. (وقد تقدمت المسألة)
стр. 1860
(ويَحْلقُ أو يقصّر من جميع شعَرهِ، وتُقصّرُ المرأة منه قدْرَ أنْمُلةٍ).
هذا العمل الثالث من أعمال يوم العيد: الحلق أو التقصير.
لم يذكر جابر الحلق في هذه الرواية، لكن جاء عند أحمد من حديث جابر ( … نحر رسول الله ﷺ فحلق).
وفي حديث أنس (أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس).
وهذا يدل على أن السنة أن يكون الحلق بعد النحر (رمي، نحر، حلق).
• والحلق أفضل من التقصير:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ) متفق عليه.
وقد قال تعالي (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون).
فقدم الله الحلق علي التقصير، وهذا يدل على أن الحلق أفضل لتقدمه.
ولحديث ابن عمر ﵄ قال: (حلق رسول الله ﷺ في حجته) متفق عليه.
وهذا فعل النبي ﷺ ، ولا شك أن فعل النبي ﷺ هو الأفضل.
فائدة: ١
وجه كون الحلق أفضل من التقصير.
قال في الفتح: وجه كون الحلق أفضل من التقصير أنه أبلغ في العبادة، وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية، فالذي يقصّر يُبقي على نفسه شيئاً مما يتزين به، بخلاف الحالق، فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى.
وقال النووي: ووجه فضيلة الحلق على التقصير أنه أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية في التذلل لله تعالى، ولأن المقصر مبق على نفسه الشعر الذي هو زينة، والحاج مأمور بترك الزينة، بل هو أشعث أغبر.
следующие страницы →