Полный текст (3 390 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قال النووي: ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة.
• إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. [قاله النووي]
مثال: إنسان أكل لحم إبل، فلما أذن العصر شك هل توضأ أم لا، فالأصل أنه على غير وضوء وأنه يلزمه الوضوء لأنه الأصل.
(ويحرم على المحدث مس المصحف).
أي: يحرم على المحدث - حدثاً أصغر أو أكبر - أن يمس المصحف.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
أ-لقوله تعالى (لا يمسه إلا المطهرون).
ب- ولحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵀ (أَنَّ فِي اَلْكِتَابِ اَلَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ لَا يَمَسَّ اَلْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلاً، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.
وقد تلقى العلماء لهذا الحديث بالقبول.
قال الشافعي: لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ .
وقال أحمد بن حنبل: كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح.
وصححه إسحاق بن راهوية كما نقله عنه ابن المنذر.
وقال العقيْلي: هذا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع ممن فوق الزهري.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: وكتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل.
وقال في الاستذكار: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد، لأنه أشبه بالتواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة.
وقال ابن تيمية في شرح العمدة: وهذا الكتاب ذكر هذا فيه مشهور مستفيض عند أهل العلم، وهو عند كثير منهم أبلغ من خبر الواحد العدل المتصل، وهو صحيح بإجماعهم.
وقال الشنقيطي: والتحقيق صحة الاحتجاج به، لأنه ثبت أنه كتاب رسول الله ﷺ ، كتبه ليبين به أحكام الديات والزكوات وغيرها، ونسخته معروفة في كتب الفقه والحديث.
стр. 177
قالوا: والطاهر في الحديث هو المتطهر من الحدث الأصغر أو الغسل، لأن المؤمن طهارته معنوية، ولا يمس القرآن غالباً إلا المؤمنون، ولا يعرف بالشرع تسمية المؤمن بالطاهر، وإنما ورد وصفه بذلك، وفرق بين الوصف والتسمية.
فالأظهر أن قوله (إلا طاهر) أي: إلا متوضئ لما يلي:
أولاً: لأنه كثر في لسان الشرع إطلاق هذا اللفظ على المتوضئ.
ثانياً: ولأن الصحابة فهموا ذلك وأفتوا بأنه لا يمس القرآن إلا على طهارة.
ثالثاً: ولأنه لم يعهد على لسان الرسول ﷺ أن يعبر عن المؤمن بالطاهر.
رابعاً: أنه ورد في بعض الروايات (لا يمس القرآن إلا على طهر) وفي حديث حكيم بن حزام (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) وفي إسناده ضعف، لكن يفيد ترجيح المعنى المذكور. (منحة العلام).
ج- أنه ثابت عن الصحابة.
عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال (كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت، فقال: لعلك مسست ذكرك، قال، فقلت: نعم، فقال: قم فتوضأ) رواه مالك والبيهقي.
وعن عبد الرحمن بن يزيد قال (كنا مع سلمان فخرج فقضى حاجته، ثم جاء، فقلت: يا أبا عبد الله، لو توضأت لعلنا أن نسألك عن آيات، قال: إني لست أمسه، إنما لا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا). رواه الدار قطني والبيهقي وابن أبي شيبة
وروى نافع (أن ابن عمر كان لا يمس المصحف إلا وهو طاهر) رواه ابن أبي شيبة.
قال النووي: وهو قول علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف.
وقال ابن رجب: وهذا قول جماهير العلماء، وروي ذلك عن علي وسعد وابن عمر وسلمان، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز للمحدث مسّ المصحف.
стр. 178
وبهذا قال ابن حزم.
أ-لما جاء في حديث هرقل الطويل (أن النبي ﷺ كتب له كتاباً جاء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد بعث هذا الكتاب إلى النصارى وفيه آية من القرآن، وقد أيقن أنهم سيمسونه مع أنهم على غير طهارة، فهذا يدل على جواز مس المحدث للقرآن.
ب- أنه يجوز للصبيان حمل الألواح التي كُتبَ عليها القرآن بلا إنكار، فكذلك يجوز لغيرهم ذلك.
• وأجاب هؤلاء عن أدلة الجمهور:
أما الآية: بأن الضمير في قوله (يمسه) يعود إلى اللوح المحفوظ، والمراد بـ (المطهرون) الملائكة، فلا يكون في الآية دليل على منع المحدث من قراءة القرآن.
وقد رجح ابن القيم أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وذلك من عشرة أوجه:
منها: أن الله قال (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ولم يقل: إلا المتطهرون، ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال: إلا المتطهرون كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، ثم ذكر بقية الأوجه.
وأما الحديث: فقالوا ضعيف.
والراجح القول الأول للحديث وعمل الصحابة.
• الجواب عن قصة هرقل التي احتج بها من قال بالجواز:
قال النووي: والجواب عن قصة هرقل: أن ذلك الكتاب كان فيه آية، ولم يمس مصحفاً.
وقال ابن قدامة: فأما الآية التي كتب بها النبي ﷺ ، فإنما قصد بها المراسلة، والآية في الرسالة أو كتاب فقه أو نحوه لا تمنع مسه، ولا يصير الكتاب بها مصحفاً، ولا تثبت له حرمته.
стр. 179
• اختلف العلماء: هل يجوز للصغير مس المصحف من غير وضوء أم لا على قولين:
القول الأول: أنه يجوز.
وبهذا قال الحنفية والمالكية.
قالوا: إذا لم نقل بجواز مس الصبيان للمصحف واللوح ونحوهما، فإما أن يمنعوا من مسه وفي هذا تضييع لحفظ كتاب الله، وإما أن يكلف الصبيان بالتطهر لمسه، وفي هذا حرج ومشقة عليهم، فيرخص لهم في هذه الحالة مسه على غير طهارة دفعاً للضرر عنهم.
القول الثاني: أنه لا يجوز.
وهو مذهب الحنابلة.
لعموم الأدلة الدالة على عدم جواز مس المحدث للمصحف.
والراجح الأول.
• مس كتب التفسير:
يجوز مسها لأنها تعتبر تفسيراً، والآيات التي بها أقل من التفسير الذي فيها، ويستدل بهذا بكتابة النبي ﷺ الكتب للكفار، وفيها آيات من القرآن، فدل هذا على أن الحكم للأغلب والأكثر.
وأما إذا تساوى التفسير والقرآن، فإنه إذا اجتمع مبيح وحاظر ولم يتميز أحدهما برجحان، فإنه يغلّب جانب الحظر فيُعطَى الحكم للقرآن. (الشرح الممتع).
• جماهير العلماء على أن مس المصحف بالحايل المتصل حرام.
فغلاف المصحف المتصل به [أي: المثبت في المصحف بمادة لاصقة أو بالخياطة … أو غير ذلك] يأخذ حكم المصحف فلا يجوز مسه بغير وضوء، وكذا أطراف الأوراق.
جاء في (الموسوعة الفقهية): ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يمتنع على غير المتطهر مس جلد المصحف المتصل، والحواشي التي لا كتابة فيها من أوراق المصحف، والبياض بين السطور، وكذا ما فيه من صحائف خالية من الكتابة بالكلية، وذلك لأنها تابعة للمكتوب وحريم له، وحريم الشيء تبع له ويأخذ حكمه.
стр. 180
وذهب بعض الحنفية والشافعية إلى جواز ذلك.
واختلفوا في الحايل المنفصل، والأرجح الجواز، كأن يمسه بخرقة.
فالغلاف المنفصل عن المصحف، الذي هو عبارة عن كيس يدخل فيه المصحف ويخرج منه، لا حرج في لمسه بدون طهارة، ولو كان المصحف بداخله، فيجوز مس المصحف بحائل منفصل عنه، كالكيس الذي يوضع فيه، والقفاز ونحو ذلك.
قال في "كشاف القناع" (١/ ١٣٥): "وللمحدث حمل المصحف بعلاقته وفي غلافه أي: كيسه من غير مس له; لأن النهي ورد عن المس والحمل ليس بمس وله تصفحه بكمه أو بعود ونحوه كخرقة وخشبة; لأنه غير ماس له. وله مسه أي: المصحف من وراء حائل لما تقدم.
(والصلاة)
أي: ويحرم على المحدث - حدثاً أصغر أو أكبر - أن يصلي حتى يتوضأ.
أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ … ).
ب- وعن أَبي هُرَيْرَة. قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) متفق عليه وهذا لفظ مسلم ولفظ البخاري (لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ فُسَاءٌ، أَوْ ضُرَاطٌ.
ج- وعن ابْنَ عُمَر. قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) رواه مسلم.
د- وعَنْ عَلِىٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ) رواه الترمذي.
قال النووي: الْحَدِيث نَصّ فِي وُجُوب الطَّهَارَة لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الطَّهَارَة شَرْط فِي صِحَّة الصَّلَاة.
وقال ﵀: أجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة.
وكذلك تجب الطهارة لصلاة الجنازة، قال النووي: إلا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري من قولهما تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة، وهذا مذهب باطل وأجمع العلماء على خلافه.
• الصَّلاة هي التي بَيَّنَهَا الرَّسولُ ﷺ تحريمها التَّكبير، وتحليلها التَّسليم، سواء كانت ذاتَ رُكوع وسُجود أم لا.
فالفرائض الخَمسُ صلاة، والجمعة، والعيدان، والاستسقاء، والكسوف، والجنازة صلاة، لأن الجنازة مُفتتحة بالتكبير، مُختتمة بالتَّسليم، فينطبق عليها التَّعريف الشَّرعي، فتكون داخلة في مُسَمَّى الصَّلاة.
стр. 181
وقال بعض العلماء: إِنَّ الصَّلاةَ هي التي فيها رُكُوع وسجود.
وقال آخرون: إِن الصَّلاة هي التي تكون رَكْعَتَيْن فأكثر، إِلا الوِتْر فهو صلاة، ولو رَكْعَة.
والأوَّل هو الأصحُّ. (الشرح الممتع).
• الصلاة تبطل بالحدث سواء كان خروجه اختيارياً أم اضطرارياً.
• من أحدث أثناء الصلاة يجب أن يخرج ويتوضأ ويعيدها.
وهذا قول جماهير العلماء.
أ-لحديث عَلِي بْن طَلْق ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي اَلصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ اَلصَّلَاةَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
ب-وقد يستدل بحديث أبي هريرة (لا يقبل الله صلاةَ أحدِكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فإنه يفيد أن صلاة المحدث لا تقبل، وهذا يعم ما قبل الصلاة من الحدث اختياراً وما حصل في أثنائها اضطراراً، لأنه ﷺ لم يفرق بين حدث وحدث.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان إذا أحدث في صلاته فإنه ينصرف ويتوضأ ويبني على ما مضى.
وهذا مذهب الحنفية.
لحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ (من أصابه قيء أو قلس أو رعاف أو مذي فلينصرف وليتوضأ وليبني على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم)، لكن هذا الحديث ضعيف.
• من صلى وهو محدث متعمداً بلا عذر فهو آثم، ولكن هل يكفر؟
قيل: لا يكفر.
ونسبه النووي للجمهور.
يقول النووي ﵀: إن كان عالماً بالحدث وتحريم الصلاة مع الحدث فقد ارتكب معصيةً عظيمةً، ولا يكفر عندنا بذلك، إلا أن يستحله، وقال أبو حنيفة: يكفر لاستهزائه.
دليلنا: أنه معصية فأشبهت الزنا وأشباهه. انتهى.
стр. 182
وقيل: يكفر ونسبه النووي لأبي حنيفة، لتلاعبه.
٤ - في قوله ﷺ (إذا أحدث حتى. . .) دليل على أن الإنسان إذا توضأ لصلاة، ثم دخل وقت الصلاة الأخرى وهو على طهارته، فإنه لا يجب عليه أن يعيد الوضوء.
لقوله (. . . إذا احدث. . .).
فيجوز أن يصلي الصلوات المفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث.
قال النووي: وهذا جائز بإجماع من يعتد به.
(والطواف).
أي: ويحرم على المحدث أن يطوف بالبيت حتى يتوضأ.
وهذا قول جماهير العلماء.
فمن طاف محدثاً، لم يصح طوافه، ولا يعتد به.
وإلى هذا القول ذهب: مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وجمهور العلماء.
أ- لحديث عائشة (أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت) متفق عليه، وقد قال ﷺ (لتأخذوا عني مناسككم).
وجه الاستدلال منه من وجهين:
أولاً: أن فعل النبي ﷺ في الطواف بيان لمجمل القرآن، لأن الله أمر بالطواف في كتابه العزيز ولم يبين كيفيته، فجاء البيان بفعله ﷺ إذ توضأ قبل طوافه، والفعل إن جاء بياناً لأمر واجب دل على وجوبه، فدل ذلك على وجوب الطهارة من الحدث قبل الطواف.
ثانياً: أن أمر النبي ﷺ صحابته ﵃ بأخذ مناسكه، والاقتداء به في ذلك دليل على وجوب جميع ما صدر منه في بيان أفعال المناسك-
إلا ما دل الدليل على استثنائه- ومن ذلك الطهارة من الحدث قبل الطواف.
стр. 183
ب-حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه المنطق فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير). (الصحيح أنه موقوف على ابن عباس).
وجه الاستدلال منه من وجهين:
أولاً: أن النبي ﷺ شبه الطواف بالصلاة وليس المراد التشبيه في الأفعال والهيئة لتباينهما، وإنما المراد التشبيه بها في الحكم، فدل ذلك على أن للطواف جميع الأحكام المتعلقة بالصلاة- إلا ما استثناه الدليل- ومن ذلك اشتراط الطهارة؛ لقوله ﷺ (لا يقبل الله صلاة بغير طهور).
ثانياً: من قوله (إلا أن الله أباح فيه المنطق) فاستثناؤه ﷺ إباحة المنطق في الطواف، دليل على اشتراط ما عداه كما يشترط في الصلاة، ومن ذلك اشتراط الطهارة من الحدث.
ج- قوله ﷺ لعائشة ﵂ حين حاضت وهي محرمة (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) متفق عليه. وفي رواية لمسلم (حتى تغتسلي).
وجه الاستدلال منه: أن النبي ﷺ رخص لعائشة أن تفعل وهي حائض جميع ما يفعله الحاج، ولم يمنعها إلا من الطواف، وجعل ذلك مقيداً باغتسالها وتطهرها، فدل ذلك على ترتب منع الطواف على انتفاء الطهارة، وعلى أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وعلى عدم صحته بدونها، لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد.
د-قوله ﷺ لما أخبر بأن صفية حاضت (أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: فلا إذاً) متفق عليه.
وجه الاستدلال: إخباره ﷺ بانحباسه- وانحباس من كان معه لانحباسه- لحيض صفية، لو لم تكن قد أفاضت، مع ما في ذلك من المشقة العامة، دليل ظاهر- إن لم يكن نصاً صريحاً- على اشتراط الطهارة لصحة الطواف.
стр. 184
وذهب بعض العلماء: إلى أن الطهارة من الحدث سنة.
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ- لأن النبي ﷺ بعث أبا بكر عام تسع لما أمره على الحج ينادي (ألا يطوف بالبيت عريان).
وجه الاستدلال منه: أن النبي ﷺ نهى عن طواف العراة بالبيت، ولم يثبت أنه أمر بالطهارة للطواف، فدل ذلك على أن الطهارة ليست واجبة إذ لو كانت واجبة لأمر بها.
ب-وقالوا: إن الأصل براءة الذمة، وعدم وجوب الطهارة إلا بدليل ولا دليل صريح صحيح على وجوبها.
ج- ولحديث عائشة (أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت) وهذا فعل والفعل يدل على الاستحباب. (بحث في مجلة البحوث الإسلامية ٥٦).
وأجاب أصحاب هذا القول عن أدلة من قال باشتراط الطهارة للطواف:
أما حديث (الطواف بالبيت صلاة) فقالوا: لا يصح من قول النبي ﷺ ، وإنما هو من قول ابن عباس ﵄.
قال النووي في المجموع: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ أ. هـ.
وأما فعل النبي ﷺ وأنه طاف متطهراً فقالوا: هذا لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب فقط، لأن النبي ﷺ فعله ولم يَرِد أنه أمر أصحابه بذلك.
وأما قوله ﷺ لعائشة (افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) فإنما منعها النبي ﷺ من الطواف لأنها حائض، والحائض ممنوعة من دخول المسجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلاً؛ فإنه لم يَنقل أحدٌ عن النَّبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، مع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمَراً متعددة والناس يعتمرون معه، فلو
كان الوضوء فرضاً للطواف لبيَّنه النبي ﷺ بياناً عامّاً، ولو بيَّنه لنَقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه، ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة، وقد قال: إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهر. (مجموع الفتاوى ٢١). والله أعلم.
стр. 185
• هل يجوز للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة؟
نعم يجوز، فالسعي لا يشترط فيه الوضوء وهو مذهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، بل يجوز للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة، لأن النبي ﷺ لم يمنع الحائض إلا من الطواف فقال لعائشة ﵂ لما حاضت - (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت). (المغني).
قال الشيخ ابن عثيمين: فلو سعى محدثاً، أو سعى وهو جنب، أو سعت المرأة وهي حائض: فإن ذلك مجزئ، لكن الأفضل أن يسعى على طهارة.
• فائدة: هل القهقهة تبطل الوضوء؟
أولاً: لا خلاف بين العلماء في أن الضحك خارج الصلاة - ولو في حال الاستعداد لها - لا ينقض الوضوء.
قال بن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الضحك في غير الصلاة لا ينقض طهارة، ولا يوجب وضوءاً.
وقال النووي: " وأجمعوا على أن القهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء.
ثانياً: اتفق العلماء على أن الضحك في الصلاة يبطلها.
قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الضحك في الصلاة ينقض الصلاة.
ومراده بالضحك الذي يكون قهقهة.
قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه مخالفاً.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إنَّ الْقَهْقَهَةَ فِيهَا أَصْوَاتٌ عَالِيَةٌ تُنَافِي حَالَ الصَّلَاةِ، وَتُنَافِي الْخُشُوعَ الْوَاجِبَ فِي الصَّلَاةِ … وَأَيْضًا فَإِنَّ فِيهَا مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّلَاعُبِ بِهَا مَا يُنَاقِضُ مَقْصُودَهَا فَأَبْطَلَتْ لِذَلِك.
ثالثاً: بما سبق يظهر أن المختلَف فيه بين العلماء هو الضحك قهقهة في الصلاة، هل يبطل الوضوء أم لا؟.
والقول الصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا ينقض الوضوء، لعدم وجود دليل يدل على نقضه للوضوء.
قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: (إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ). رواه البخاري معلقاً، والدارقطني (٥١) موصولاً.
وقال ابن حجر: وهو صحيح من قول جابر.
وقال شيخ الإسلام: " ولم يثبت عن صحابي خلافه؛ ولأنه لا ينقض خارج الصلاة، فكذلك في الصلاة.
وقال النووي: " مذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه لا ينقض … وهو قول جمهور التابعين فمن بعدهم.
وروى البيهقي عن أبي الزِّناد قال: أدركتُ من فقهائنا الذين يُنتَهى إلى قولهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عقبة، وسليمان بن يسار، ومشيخة جِلَّة سواهم، يقولون: الضحك في الصلاة ينقضها، ولا ينقض الوضوء ".
وقال: " ولم يثبت في النقض بالضحك شيء أصلاً. (المجموع).
стр. 186
والأحاديث التي رويت في نقض الضحك للوضوء ضعيفة لا يصح منها شيء.
قال النووي: " كلها ضعيفةٌ واهيةٌ باتفاق أهل الحديث.
(ويستحب الوضوء عند النوم).
لحديث الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ، وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ
الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ وَرَسُولِكَ قَالَ: لَاَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْت) متفق عليه.
فهذا الحديث فيه دليل على استحباب الوضوء لمن أراد النوم.
وقد جاء في ذلك أحاديث:
منها حديث معاذ رفعه (ما من مسلم يبيت على ذكر وطهارة فيتعار من الليل فيسأل الله خيراً من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه) أخرجه أبو داود والنسائي.
وأخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر رفعه (من بات طاهراً بات في شعاره ملك، فلا يستيقظ إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك فلان) وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس نحوه بسند جيد.
قال ابن حجر: وله فوائد:
منها: أن يبيت على طهارة لئلا يبغته الموت فيكون على هيئة كاملة.
ومنها: أن يكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به.
• قوله (فتوضأ) ظاهره استحباب الوضوء لكل من أراد النوم ولو كان على طهارة، ويحتمل أن يكون مخصوصاً بمن كان محدثاً، وهذا أصح.
стр. 187
قال النووي: فَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا كَفَاهُ ذَلِكَ الْوُضُوء؛ لِأَنَّ الْمَقْصُود النَّوْم عَلَى طَهَارَة؛ مَخَافَة أَنْ يَمُوت فِي لَيْلَته، وَلِيَكُونَ أَصْدَق لِرُؤْيَاهُ، وَأَبْعَد مِنْ تَلَعُّب الشَّيْطَان بِهِ فِي مَنَامه، وَتَرْوِيعه إِيَّاهُ.
• فائدة: قال النووي: في الحديث ثلاث سنن إحداها: الوضوء عند النوم، وإن كان متوضئاً كفاه، ثانيها: النوم على اليمين، ثالثها: الختم بذكر الله.
(وعند ذكر الله).
أي: ويستحب الوضوء عند ذكر الله.
لحديث الْمُهَاجِر بْن قُنْفُذٍ (أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَة) رواه أبو داود.
فذكر الله لا يشترط له الوضوء.
ففي حديث ابن عباس - في قصة نومه عند خالتي ميمونة - قال ( … ثم استيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر آيات الخواتم من سورة آل عمران … ).
قال ابن عبد البر: وفيه قراءة القرآن على غير وضوء، لأنه ينام النوم الكثير الذي لا يختلف في مثله.
وقد بوّب الإمام البخاري على الحديث: باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره.
قال ابن حجر: أي الأصغر.
وقال النووي: وفيه جواز القراءة للمحدث، وهذا إجماع المسلمين، وإنما تحرم القراءة على الجنب والحائض.
ب-ولحديث عائشة (كَان رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُذْكُرُ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) رواه مسلم.
قال النووي في شرح مسلم: هذا الحديث أصل في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار، وهذا جائز بإجماع المسلمين، وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض.
وقال الصنعاني: والحديث مقرر للأصل، وهو ذكر الله على كل حال من الأحوال، وهو ظاهر في عموم الذكر، فتدخل تلاوة القرآن - ولو كان جنباً - إلا قد خصصه أنه حديث علي (كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً) وأحاديث أُخر في معناه، وكذلك هو مخصص بحالة الغائط والبول والجماع
قال النووي: أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث - يعني حدثاً أصغر - والأفضل أن يتطهر لها.
стр. 188
(وللجنب إذا أراد أن ينام).
لحديث عَائِشَةَ، قَالَت (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاة) متفق عليه.
وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة قريباً إن شاء الله.
(وإذا أراد أن يأكل أو يعاود الجماع).
أي: ويسن الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل أو يعاود الجماع.
لحديث عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاة) رواه مسلم.
ومعاودة الجماع.
لحديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ) رواه مسلم.
وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة قريباً إن شاء الله.
(وقبل الغسل).
أي: ويسن الوضوء قبل الغسل سواء كان واجباً أو مستحباً.
لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة) متفق عليه.
(ومن أكل ما مسته النار).
لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (توضؤوا مما مست النار) متفق عليه.
وقد تقدم أن هذا الأمر محمول على الاستحباب.
(وتجديد الوضوء لكل صلاة).
أي: ويسن تجديد الوضوء لكل صلاة.
وقد تقدم حديث أنس. قالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ .... ) رواه البخاري.
وقد تقدم معنى تجديد الوضوء.
стр. 189
باب الغسل
الغسل: بضم العين، هو تعميم البدن بالماء.
(ومُوجبُهُ خروج المني دفقاً بلذةٍ).
أي: ومما يوجب الغسل خروج المني.
والمني: هو الماء الدافق الذي يخرج من الإنسان بشهوة ويعقبه فتور وارتخاء.
قال النووي: خواصه التي عليها الاعتماد في معرفته، وهي ثلاث:
إحداها: الخروج بشهوة مع الفتور عقيبه.
والثانية: الرائحة التي تشبه الطلع أو العجين.
والثالثة: الخروج بتزريق ودفع في دفعات.
فكل واحدة من هذه الثلاثة كافية في كونه منياً، ولا يشترط اجتماعها، فإن لم يوجد منها شيء، لم يحكم بكونها منياً. [المجموع]
والأدلة على أن خروج المني موجب للغسل:
أ- قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا).
والجنب: هو الذي خرج منه المني دفقاً بلذة.
ب-وعن أم سلمة (أن أم سُليم قالت: يا رسول الله؛ إن الله لا يستحي من الحق؛ فهل على المرأة من غسل إن هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء). متفق عليه.
احتلمت: الاحتلام اسم لما يراه النائم من الجماع، فيحدث معه إنزال المني غالباً.
ج- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إنما اَلْمَاءُ مِنْ اَلْمَاءِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 190
(إنما الماء) أي ماء الغسل. (من الماء) أي من المني.
قال النووي: وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني.
• قوله (دفقاً بلذة) مفهومه أنه لو خرج بلا لذة ولا تدفق؛ فلا غسل عليه، وهذا في اليقظان واضح، وهو الراجح.
وهذا قول الحنفية والمالكية والحنابلة.
فلو خرج منه لغير ذلك كبرد أو مرض ونحوهما فلا غسل عليه، بل يكون نجساً يغسل كغيره وليس منياً.
• وأما النائم فعليه الغسل مطلقاً، لأنه قد لا يحس به، وهذا يقع بكثرة، فإذا استيقظ الإنسان فوجد الأثر ولم يشعر باحتلام؛ فعليه الغسل، بدليل حديث أم سلمة حين سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ قال: (نعم، إذا هي رأت الماء).
فأوجب الغسل برؤية الماء ولم يشترط أكثر من ذلك، فدل على وجوب الغسل إذا استيقظ ووجد الماء.
• وقوله (خروج المني) أي: لا بد من خروجه، فلو أحس بانتقاله لكنه لم يخرج؛ فليس عليه غسل.
وقد اختلف العلماء إذا تحرك المني ولم يخرج هل يجب الغسل أم لا على قولين:
القول الأول: يجب الغسل بانتقاله ولو لم يخرج.
وهذا المذهب.
أ-لأن الجنابة تُباعِد الماء عن محله، وقد وجِد.
ب-ولأن الغسل تراعى فيه الشهوة، وقد حصلت بانتقاله، فأشبه ما لو ظهر. (المغني).
القول الثاني: أنه لا غسل عليه.
وهو قول أكثر الفقهاء واختاره ابن قدامة وابن تيمية.
أ-لأن النبي ﷺ علق الاغتسال على الرؤية بقوله (إذا رأت الماء) فلا يثبت الحكم بدونه.
ب- ولو وجب الغسل بالانتقال لبينه النبي ﷺ لدعاء الحاجة إلى بيانه.
وهذا القول هو الصحيح.
قال ابن قدامة: إن أحس بانتقال المني عند الشهوة فأمسك ذكره، فلم يخرج فلا غسل عليه .. (وهذا) قول أكثر الفقهاء.
لأن النبي ﷺ علق الاغتسال على الرؤية وفضخ الماء، بقوله: (إذا رأت الماء) و (إذا فضخت الماء فاغتسل) فلا يثبت الحكم بدونه. (المغني).
стр. 191
وقال النووي: لو قبل امرأة فأحس بانتقال المني ونزوله فأمسك ذكره فلم يخرج منه في الحال شيء، ولا علم خروجه بعد ذلك، فلا غسل عليه عندنا، وبه قال العلماء كافة إلا أحمد، فإنه قال - في أشهر الروايتين عنه - يجب الغسل، قال: ولا يتصور رجوع المني. دليلنا قوله ﷺ : (إنما الماء من الماء) ولأن العلماء مجمعون على أن من أحس بالحدث كالقرقرة والريح، ولم يخرج منه شيء لا وضوء عليه، فكذا هنا. (المجموع).
(وإلتقاءُ الختانين).
هذا الموجب الثاني من موجبات الغسل وهو: الإيلاج في الفرج وإن لم ينزل.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) متفق عليه.
وَلمسلم (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ).
(بَيْنَ شُعَبِهَا اَلْأَرْبَعِ) أي: شعب المرأة الأربع، والمراد هنا: يداها ورجلاها، وهو كناية عن مكان الرجل من المرأة حال الجماع. (ثُمَّ جَهَدَهَا) أي: بلغ المشقة، والمعنى: بلغ جهده فيها، وذلك بإيلاج ذكره في فرجها. (فَقَدْ وَجَبَ اَلْغُسْلُ) أي: عليهما جميعاً.
فهذا الحديث دليل على أن الإيلاج (الجماع) يوجب الغسل وإن لم ينزل.
وهذا الحكم ذهب إليه الجمهور، بل حكاه بعضهم إجماعاً للصحابة، حكى ذلك النووي وابن العربي: أن الصحابة أجمعوا على وجوب الغسل من الإيلاج ولو لم ينزل لهذا الحديث الصحيح الصريح.
وقد كان فيه خلافاً لبعض الصحابة كأبي سعيد وزيد بن خالد ورافع بن خديج وداود الظاهري؛ أنه لا يجب الغسل إلا بالإنزال.
قال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ إِيجَاب الْغُسْل لا يَتَوَقَّف عَلَى نُزُول الْمَنِيّ، بَلْ مَتَى غَابَتْ الْحَشَفَة فِي الْفَرْج وَجَبَ الْغُسْل عَلَى الرَّجُل وَالْمَرْأَة، وَهَذَا لا خِلاف فِيهِ الْيَوْم، وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَاف لِبَعْضِ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ، ثُمَّ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ " انتهى.
стр. 192
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وهذا صريح في وجوب الغسل، وإن لم ينزل وهذا يخفى على كثير من الناس، فتجد الزوجين يحصل منهما هذا الشيء، ولا يغتسلان، لا سيما إذا كانا صغيرين ولم يتعلما، وهذا بناء عندهم على عدم وجوب الغسل إلا بالإنزال، وهذا خطأ. … (الشرح الممتع).
• فإن قيل: ما الجواب عن حديث (إنما الماء من الماء) فالجواب:
أ- إما أن يكون منسوخ.
وهذا المشهور عند أكثر العلماء، وناسخه حديث (إذا جلس بين شعبها الأربع … ).
ب-وإما أن يحمل على حالة الاحتلام.
وهو قول ابن عباس.
وقد بوّب على ذلك النسائي، ومال إليه الحافظ ابن حجر، ورجحه الشيخ ابن باز ﵀.
• اختلف العلماء إذا جامع من وراء حايل؛ على قولين:
القول الأول: يجب الغسل.
لعموم الحديث.
القول الثاني: لا يجب الغسل.
لحديث (إذا التقى الختانان .. ) وفي لفظ (إذا مس الختان الختان .. ) ومع الحايل لا يحصل مس.
والأول أرجح.
(وإسلامُ كافر).
أي: ومن موجبات الغسل أن يسلم الكافر، فإذا أسلم كافر وجب عليه الاغتسال.
وسواء كان الكافر أصلياً أو مرتداً.
الأصلي: من أصله كافر لم يدخل في الإسلام.
والمرتد: من ارتد وترك الإسلام ثم رجع إليه.
وهذا المذهب، وهو مذهب مالك، وأبي ثور، وابن المنذر، ورجحه الشوكاني.
أ- لحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، عِنْدَمَا أَسْلَم وَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ) رَوَاهُ عَبْدُ اَلرَّزَّاقِ.
وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
ب-ولحديث قيس بن عاصم: (أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر) رواه أبو داود وحسنه النووي.
قال الشوكاني: والظاهر الوجوب، لأن أمر البعض قد وقع به التبليغ، ودعوى عدم الأمر لمن عداهم لا يصلح متمسكاً لأن غاية ما فيها عدم العلم بذلك، وهو ليس علماً بالعدم.
стр. 193
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ إسلام الكافر موجب للغسل، فإذا أسلم الكافر وجب عليه أن يغتسل، لما روى أبو هريرة ﵁ (أنّ ثمامة بن أثال ﵁ أسلم، فقال النّبيّ ﷺ : اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل) وعن (قيس بن عاصم أنّه أسلم: فأمره النّبيّ ﷺ أن يغتسل بماء وسدر) ولأنّه لا يسلم غالباً من جنابة، فأقيمت المظنّة مقام الحقيقة كالنّوم والتقاء الختانين.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب الغسل عليه.
وهذا مذهب الشافعي.
قال الخطابي: وبهذا قال أبو حنيفة وأكثر العلماء.
أ- لأن العدد الكثير والجم الغفير أسلموا، فلو أمر كل من أسلم بالغسل لنقل نقلاً متواتراً أو ظاهراً، ولو كان واجباً لما خص بالأمر بعضاً دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب.
ب-أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن أمره أن يدعوهم إلى (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم
أطاعوا … ) ولو كان الغسل واجباً لأمرهم به، لأنه أول واجبات الإسلام.
ج-أن أمره ﷺ لمن أسلم أن يغتسل بماء وسدر، وهذا دليل على عدم الوجوب لأنه بالاتفاق أن السدر غير واجب.
وهذا القول هو الراجح.
(وموت).
أي: ومن موجبات الغسل الموت، فإذا مات المسلم وجب على المسلمين غسله.
والمراد وجوب ذلك على الأحياء، إذ لا وجوب بعد الموت.
أ- لقوله ﷺ للذي وقصته ناقته بعرفة (اغسلوه بماء وسدر). متفق عليه
ب- وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ … ) متفق عليه.
فقوله ﷺ (اغسلنها) فهذا أمر، والأمر للوجوب.
• لا فرق بين الصغير والكبير، أما السِّقط فإن نفخ فيه الروح غسِّل وصلي عليه، وهو ما تم له أربعة أشهر، وإلا فلا يغسل ولا يصلى عليه.
стр. 194
• يستثنى الشهيد، [شهيد المعركة]، فلا يغسل.
لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (ادفنوهم في دمائهم - يعني يوم أحد- ولم يغسلهم). رواه البخاري
قال الشيخ ابن عثيمين: لأن التغسيل واجب ولا يترك إلا لمحرم.
والمراد شهيد المعركة، وأما سائر ما يطلق عليهم اسم الشهيد كالمطعون والمبطون وغيرهم، فيغسلون إجماعاً
(وَخُرُجُ دَمِ الحَيضِ وَالنِّفَاس).
أي: ومن موجبات الغسل الحيض والنفاس، فإذا حاضت المرأة وانقطع حيضها، وجب عليها الغسل، وهذا بالإجماع.
أ- لقوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ).
ب-وقال ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبيش: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) متفق عليه.
وأجمع المسلمون على وجوب الغسل، وممن نقل الإجماع: النووي عن ابن المنذر، وابن حجر.
(ومن لَزِمَه الغسل حَرُمَ عليه قراءة القرآن).
أي: ويحرم على الجنب قراءة القرآن.
وهذا قول جماهير العلماء، أنه يحرم على الجنب قراءة القرآن. (كما قال الخطابي والنووي).
أ- لحديث عَلِي ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُقْرِئُنَا اَلْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَهَذَا لَفْظُ اَلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَة.
وهذا الحديث مختلف فيه اختلافاً كثيراً.
فصححه: الترمذي، والحاكم، والشوكاني، وأحمد، وضعفه جمع من أهل العلم. …
ب-ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) رواه الترمذي.
стр. 195
وهذا الحديث ضعيف لا يصح بالاتفاق.
لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن موسى بن عطية، وإسماعيل بن عياش في روايته عن غير أهل بلده ضعيفة هذا منها.
ج-عن أبي العريف قال: (أتي علي بوضوء، فمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه وذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية) رواه أحمد.
فهذا الحديث صريح في منع الجنب من قراءة القرآن، لكن الحديث معلول، والراجح وقفه، وقد صححه موقوفاً الدار قطني فقال: هو صحيح عن علي.
وذهب بعض العلماء: إلى الجواز.
وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل العلم منهم: ابن عباس، فقد ذكره عنه البخاري في صحيحه تعليقاً مجزوماً بصحته فقال: ولم يرَ ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً.
وروى ابن المنذر في الأوسط عن عكرمة عن ابن عباس (أنه كان يقرأ ورده وهو جنب).
وجاء هذا القول أيضاً عن جماعة من التابعين، منهم: سعيد ابن المسيب، فقد روى عبد الرزاق بسند صحيح عن محمد بن طارق قال: (سألت ابن المسيب: أيقرأ الجنب شيئاً من القرآن؟ فقال: نعم).
ورجح هذا القول جماعة من المحققين، منهم: داود الطبري، وابن حزم، وابن المنذر.
أ-لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم.
وهذا الذكر عام يشمل قراءة القرآن والتسبيح والاستعاذة وغير ذلك.
ب-البراءة الأصلية.
ج-لم يثبت حديث صحيح تقوم به الحجة في منع الجنب.
стр. 196
• وأجاب الجمهور على أدلة من قال بالجواز:
أما حديث عائشة (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) فالجواب من وجهين:
الأول: أن المراد بالذكر في الحديث غير القرآن، لأنه المفهوم عند الإطلاق.
قال النووي: وأجاب أصحابنا عن حديث عائشة (كان يذكر الله .. ) بأن المراد بالذكر غير القرآن فإنه المفهوم عند الإطلاق.
وقال ابن رجب: ليس فيه دليل على جواز قراءة القرآن للجنب، لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد به القرآن.
والثاني: أنه عام وقد خصصته الأحاديث السابقة الدالة على تحريم قراءة القرآن حال الجنابة، ومنها ما رواه علي قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً. (ذكر ذلك الصنعاني في سبل السلام).
والراجح: الأحوط المنع.
• قراءة القرآن للحائض:
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجوز لها ذلك.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
أ-لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) رواه الترمذي (وسبق أنه ضعيف).
ب-قياس الحائض على الجنب، فإذا منع الجنب من قراءة القرآن فالحائض أولى.
القول الثاني: يجوز لها ذلك.
وهذا مذهب مالك، واختاره ابن تيمية والشيخ ابن باز.
أ- لعدم الدليل الذي يمنع من ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس في منع الحائض من القراءة نصوص صريحة صحيحة، وقال: ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن، كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء.
ب- إن الحيض قد يمتد ويطول فيخاف نسيانها.
ج- قوله ﷺ لعائشة لما حاضت وهي محرمة (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) متفق عليه.
стр. 197
ومعلوم أن المحرم يقرأ القرآن ولم يمنعها النبي ﷺ منه.
وهذا القول هو الصحيح.
قال الشيخ ابن باز ﵀: فقد سبق أن تكلمت في هذا الموضوع غير مرة وبينت أنه لا بأس ولا حرج أن تقرأ المرأة وهي حائض أو نفساء ما تيسر من القرآن عن ظهر قلب؛ لأن الأدلة الشرعية دلت على ذلك، وقد اختلف العلماء رحمة الله عليهم في هذا:
فمن أهل العلم من قال: إنها لا تقرأ كالجنب واحتجوا بحديث ضعيف رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن) وهذا الحديث ضعيف عند أهل العلم، لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة.
وبعض أهل العلم قاسها على الجنب قال: كما أن الجنب لا يقرأ فهي كذلك. لأن عليها حدثاً أكبر يوجب الغسل، فهي مثل الجنب.
والجواب عن هذا أن هذا قياس غير صحيح، لأن حالة الحائض والنفساء غير حالة الجنب، الحائض والنفساء مدتهما تطول وربما شق عليهما ذلك وربما نسيتا الكثير من حفظهما للقرآن الكريم، أما الجنب فمدته يسيرة متى فرغ من حاجته اغتسل وقرأ، فلا يجوز قياس الحائض والنفساء عليه، والصواب من قولي العلماء أنه لا حرج على الحائض والنفساء أن تقرأ ما تحفظان من القرآن، ولا حرج أن تقرأ الحائض والنفساء آية الكرسي عند النوم، ولا حرج أن تقرأ ما تيسر من القرآن في جميع الأوقات عن ظهر قلب، هذا هو الصواب، وهذا هو الأصل، ولهذا أمر النبي ﷺ عائشة لما حاضت في حجة الوداع قال لها (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) ولم ينهها عن قراءة القرآن.
ومعلوم أن المحرم يقرأ القرآن. فيدل ذلك على أنه لا حرج عليها في قراءته؛ لأنه ﷺ إنما منعها من الطواف؛ لأن الطواف كالصلاة وهي لا تصلي وسكت عن القراءة، فدل ذلك على أنها غير ممنوعة من القراءة ولو كانت القراءة ممنوعة لبينها لعائشة ولغيرها من النساء في حجة الوداع وفي غير حجة الوداع.
ومعلوم أن كل بيت في الغالب لا يخلو من الحائض والنفساء، فلو كانت لا تقرأ القرآن لبينه ﷺ للناس بياناً عاماً واضحاً حتى لا يخفى على أحد، أما الجنب فإنه لا يقرأ القرآن بالنص ومدته يسيرة متى فرغ تطهر وقرأ.
стр. 198
الأغسال المشروعة وصفة الغسل
(الاغتسال من تغسيل الميت).
أي: فإذا غسل الإنسان ميتاً سُنّ له الغُسل.
وهذا قول جماهير العلماء.
وقد جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ غَسَّلَ مَيْتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَه.
هذا الحديث مختلف في صحته.
وقد صحح بعض العلماء أنه موقوف، كالبيهقي، والبخاري، وابن أبي حاتم.
قال أبو حاتم: إنما هو موقوف عن أبي هريرة، لا يرفعه الثقات.
وقال البخاري بعد أن ساق الاختلاف على أبي هريرة في رفعه ووقفه، فقال: وهذا أشبه، يعني الموقوف.
وقال البيهقي: بعد أن رواه مرفوعاً وموقوفاً قال: هذا هو الصحيح موقوفاً على أبي هريرة.
وقال الإمام أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء.
وكذا قال علي بن المديني: لا يثبت فيه حديث.
وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت.
وقد حسنه بعض العلماء، كابن حبان، وابن القطان، وابن حزم، والألباني.
стр. 199
والصارف عن الوجوب:
أ-حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهراً وليس ينجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم). قال ابن حجر: إسناده حسن
ب-وحديث ابن عمر قال (كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل). رواه الدار قطني. قال الحافظ: إسناده صحيح
قال الفقهاء: الغاسل هو من يقلبه ويباشره ولو مرّة، لا من يصب الماء ونحوه.
(الاغتسال إذا أفاق من جنون أو إغماء).
أي: ومن الأغسال المشروعة، الاغتسال إذا أفاق من جنون أو إغماء.
لحديث عَائِشَةَ. قالت (ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَصَلَّى النَّاسُ قُلْنَا لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ قَالَ ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ قَالَتْ فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ ﷺ أَصَلَّى النَّاسُ قُلْنَا لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ قَالَتْ فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ … ) متفق عليه.
قال ابن قدامة: ولَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اغْتَسَلَ مِنْ الْإِغْمَاءِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ فِي نَفَسِهِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْغُسْلِ، وَوُجُودُ الْإِنْزَالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ، فَإِنْ تَيَقَّنَ مِنْهُمَا الْإِنْزَالَ فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ احْتِلَامٍ، فَيَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ الْمَذْكُورَة. (المغني).
(والغسل الكامل).
أي: أن الغسل له صفتان:
الغسل الكامل المسنون.
والغسل المجزئ.
стр. 200
• صفة الغسل الكامل المسنون كالتالي:
(أن ينوي).
لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات).
فالنية شرط لصحة جميع العبادات.
فينوي رفع الحدث الأكبر، أو استباحة الصلاة أو القراءة أو نحو ذلك، فلو وقع الماء ولم ينو الغسل؛ أو اغتسل للتبرد ولم يكن قربة ولا عبادة؛ لا يرتفع حدثه.
فالنية شرط لصحة الطهارة، فلا تصح الطهارة بدونها.
وهذا قول جماهير العلماء.
قال القرطبي: وجمهور العلماء على أن الوضوء لابد فيه من نية. (التفسير).
وقال ابن حجر: وأما الجمهور فيرون الوضوء عبادة مستقلة لا تصح إلا بنية.
أ-لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).
ففي هذه الآية معنى النية، لقوله (إذا قمتم) أي: أردتم القيام للصلاة، ففيه استحضار لمعنى القيام لأجل الصلاة، وهذا هو معنى النية.
ب-ولقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) فهذا الحديث نص في وجوب النية في العبادات، فقد أثبت أن العمل لا يكون شرعياً يتعلق به ثواب أو عقاب إلا بالنية.
ج-أن الطهارة بالماء عن الحدث عبادة من العبادات الفعلية، فقد اشتُرط فيها من التحديد في الغسلات والمغسولات والماء ما يثبت كونها عبادة، وهي أيضاً عبادة مستقلة.
قال ابن رجب: ويدلُّ على صحَّةِ ذلك - أي اشتراط النية في الوضوء - تكاثرُ النُّصوصِ الصَّحيحةِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : بأنَّ الوُضوءَ يكفِّر الذُّنوبَ والخطايا، وأنَّ مَنْ توضَّأ كما أُمِرَ، كان كفَّارةً لذُنوبه، وهذا يدلُّ على أنَّ الوُضوءَ المأمورَ به في القرآنِ عبادةٌ مستقلَّةٌ بنفسها، حيث رتَّب عليه تكفيرَ الذنوبِ، والوضوءُ الخالي عن النِّيَّةِ لا يُكفِّرُ شيئاً من الذُّنوبِ بالاتِّفاقِ، فلا يكونُ مأموراً به، ولا تصحُّ به الصَّلاةُ. (جامع العلوم).
стр. 201
• والنية قصد الشيء المأمور به تقرباً إلى الله مقترناً بفعله. (الإعلام لابن الملقن).
• والنية محلها القلب.
قال ابن تيمية: والنية محلها القلب باتفاق العلماء، فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاقهم.
وقال ﵀: وَلَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ سِرًّا أَمْ لَا؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْفُقَهَاءِ.
فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا؛ كَوْنُهُ أَوْكَدَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: لَا يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا.
لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ وَلَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ وَلَا عَلَّمَ ذَلِكَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ هَذَا مَشْهُورًا مَشْرُوعًا لَمْ يُهْمِلْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَعَ أَنَّ الْأُمَّةَ مُبْتَلَاةٌ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ.
بَلْ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ. أَمَّا فِي الدِّينِ فَلِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. وَأَمَّا فِي الْعَقْلِ فَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامًا فَيَقُولُ: نَوَيْت بِوَضْعِ يَدِي فِي هَذَا الْإِنَاءِ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ مِنْهُ لُقْمَةً فَأَضَعُهَا فِي فَمِي فَأَمْضُغُهَا ثُمَّ أَبْلَعُهَا لِأَشْبَعَ. مِثْلَ الْقَائِلِ الَّذِي يَقُولُ: نَوَيْت أُصَلِّي فَرِيضَةَ هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيَّ حَاضِرَ الْوَقْتِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي جَمَاعَةٍ أَدَاءً لِلَّهِ تَعَالَى. فَهَذَا كُلُّهُ حُمْقٌ وَجَهْلٌ وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ بَلَاغُ الْعِلْمِ فَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ مَا يَفْعَلُهُ كَانَ قَدْ نَوَاهُ ضَرُورَةً فَلَا يُتَصَوَّرُ مَعَ وُجُودِ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ أَنْ يَفْعَلَ بِلَا نِيَّةٍ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِالنِّيَّةِ وَتَكْرِيرَهَا لَيْسَ بِمَشْرُوع. (مجموع الفتاوى).
فائدة:
اشتراط النية إنما هو في طهارة الأحداث، إما إزالة النجاسة أو طهارة الأنجاس فلا يشترط لها نية.
قال النووي: إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية، فهو المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور، ونقل صاحب الحاوي والبغوي في شرح السنة إجماع المسلمين عليه. (المجموع).
وقال ابن عثيمين: فلو عَلَّق إِنسانٌ ثوبه في السَّطح، وجاء المطرُ حتى غسله، وزالت النَّجَاسةُ طَهُرَ؛ مع أن هذا ليس بفعله، ولا بنيَّته، وكذلك الأرض تصيبها النَّجَاسة، فينزل عليها المطر فتطهُر.
стр. 202
(ثم يسمي).
وحكمها هنا كحكمها في الوضوء، وقد تقدم ذلك.
(ثم يغسل يديه ثلاثاً).
لحديث عائشة (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا اِغْتَسَلَ مِنْ اَلْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ).
وعن ميمونة. قالت (سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة فغسل يديه) رواه البخاري.
ويبدأ بالكفين لأنهما أداة غرف الماء، فينبغي طهارتهما.
(ثم يغسل فرجَه).
أ- لحديث عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْه) متفق عليه.
ب- ولحديث ميمونة قالت (سَتَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الْحَائِطِ، أَوِ الأَرْضِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ الْمَاءَ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ) رواه البخاري.
وفي لفظ ( … ثمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ). رواه البخاري
• الحكمة من غسل الفرج قبل الغسل:
أولاً: لإزالة الذي عليه.
ثانياً: لأن بتقديم غسله يحصل الأمن من مس فرجه في أثناء الغسل.
• واختلف العلماء: هل غسل الفرج مستحب مطلقاً أم إذا كان فيه أذى؟
فقيل: إن لم يكن هناك أذى فلا حاجة إلى غسل فرجه.
وهذا مذهب الشافعية.
لحديث ميمونة السابق ( … ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ).
стр. 203
وقيل: مستحب مطلقاً.
وهذا مذهب الحنفية.
• ويستحب بعد غسل الفرج غسل اليد بمنظف عقب الاستنجاء بها، كأن يدلكها بالأرض، أو التراب، أو الصابون.
لحديث ميمونة: ( … ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بها الأرض).
(ثم يتوضأ وضوءه للصلاة).
أي يسن له أن يتوضأ قبل الغسل.
لحديث عائشة السابق ( … فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ).
قال الشوكاني: قدّم غسل الأعضاء تشريفاً لها، ولتكمل لها الطهارتان.
• هذا الوضوء سنة بالإجماع.
لأن الله أمر بالغسل ولم يذكر الوضوء، فليس واجباً لا قبل الغسل ولا بعده، بل إذا اغتسل كفى، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) فلم يوجب علينا سوى أن نطهر، أي نَعُمَّ البدن بالماء.
• وقوله (وضوءه للصلاة) أي: وضوءاً كاملاً، أي: مع غسل الرجلين لحديث عائشة السابق.
لكن جاء في حديث ميمونة: ( … ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ).
فذهب بعض العلماء: إلى أنه يستحب تأخير غسل الرجلين في الغسل.
والصحيح أنه يتوضأ وضوءاً كاملاً مع الرجلين.
لأن هذا الغالب من فعل الرسول ﷺ ، لأن عائشة ذكرت غسل النبي ﷺ للجنابة على سبيل الدوام، وأما حديث ميمونة فيحمل أن ذلك كان لحاجة، كما لو كانت الأرض رطبة، لأنه لو غسلهما لتلوثت رجلاه بالطين.
стр. 204
(ثم يخلل شعر رأسه).
لحديث عائشة ( … ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ).
• صفة التخليل: أن يدخل الأصابع فيما بين أجزاء الشعر.
• فائدة التخليل:
قال ابن الملقن: للتخليل ثلاث فوائد:
الأولى: تسهيل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة.
ثانياً: مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه.
ثالثها: تأنيس البشرة، خشية أن يُصيب بصبه دفعة آفة في رأسه.
(ثُمَّ يَحْثِي اَلْمَاء عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، يَرْوِيهِ بِذَلِكَ).
أي: وبعد أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويخلل شعر رأسه، يحثي الماء على رأسه ثلاثاً.
لحديث عائشة (حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ).
وفي حديث ميمونة (ثمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ).
• اختلف العلماء: هل يستحب التثليث في بقية البدن كالرأس أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أنه يستحب غسل البدن ثلاثاً.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
أ- قياساً على الوضوء، فإذا استحب التكرار في الوضوء فالغسل أولى.
ب- وقياساً على غسل الرأس، فكما ثبت تثليث غسل الرأس في الغسل فكذلك البدن ولا فرق.
القول الثاني: لا يستحب ذلك، بل الاقتصار على مرة واحدة.
وبه قال مالك، واختاره ابن تيمية.
لقوله عائشة وفيه ( … ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ).
وجه الدلالة: أنه ﷺ أفاض الماء على جسده كله ولم يكرره عليه، فدل على أن التكرار في غسل البدن غير مشروع.
وهذا هو الصحيح.
стр. 205
• يستحب له بعد ذلك أن يبدأ بشقه الأيمن.
لحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء من الحلاب، فأخذ بكفيه ثم بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر). متفق عليه الحلاب: إناء يسع قدر حلب ناقة.
(ثم يعمم جسده بالماء).
لحديث عائشة (ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ).
وفي رواية (ثم غسل سائر جسده).
وفي حديث ميمونة (ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ الْمَاءَ).
(ثم أفاض على رأسه الماء ثم غسل سائر جسده).
• وظاهره أنه ليس فيه تثليث، وأن التثليث خاص بغسل الرأس فقط كما سبق في حديث عائشة.
• قوله (ثم يفيض الماء … ) هذا دليل على أن الدلك غير واجب.
والدلك هو إمرار اليد على البدن مع الماء أو بعده.
وهو مستحب.
أ-لحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَتَى بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ) أَخْرَجَهُ أَحْمَد.
ب-ولأن ذلك من الإسباغ المستحب.
والقول باستحبابه هو قول جمهور العلماء.
وذهب بعض العلماء: إلى وجوبه.
стр. 206
وهو قول المالكية.
أ-استدلالاً بحديث عبد الله بن زيد السابق.
ب-وقياساً على التيمم، لأن التيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذلك هنا.
والراجح عدم وجوبه، ويدل لذلك:
أ- حديث عمران بن حصين ( … الحديث وفيه: صلى النبي ﷺ بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجلٍ معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك، ثم قال له بعد أن حضر الماء: اذهب فأفرغْه عليك … ) رواه البخاري.
فالرسول ﷺ لم يطلب منه إلا إفراغ الماء على جسده، ولو كان الدلك لازماً لأخبره النبي ﷺ .
ب- وحديث عائشة في صفة غسل النبي ﷺ ( … ثم غسل سائر جسده).
ج- وحديث أم سلمة (قالت: قلت يا رسول الله! إني امرأة أشد ظفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) رواه مسلم.
فهذا دليل على أن الدلك ليس بواجب، وإلا لما طهرت بمجرد إفاضة الماء.
د- ولأن الله أمر بغسل أعضاء الوضوء، ولم يتعرض للدلك، وكذا الأحاديث التي بينت فروض الوضوء، لم تتعرض للدلك، فدل على عدم اشتراطه وصحة الوضوء بدونه.
هـ-أن الله أمر بتطهير هذه الأعضاء بالغَسْل، والغَسل اسم لإمرار الماء على الموضع من غير دلك.
قال النووي ﵀: مذهبنا أن دلك الأعضاء في الغسل وفي الوضوء سنة ليس بواجب، فلو أفاض الماء عليه فوصل به ولم يمسه بيديه، أو انغمس في ماء كثير، أو وقف تحت ميزاب، أو تحت المطر ناويا، فوصل شعره وبشره أجزأه وضوءه وغسله، وبه قال العلماء كافة إلا مالكا والمزني، فإنهما شرطاه في صحة الغسل والوضوء.
стр. 207
واحتج أصحابنا بقوله ﷺ لأبي ذر ﵁ (فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك) ولم يأمره بزيادة، وهو حديث صحيح وله نظائر كثيرة من الحديث. (المجموع).
وقال ﵀: واتفق الجمهور على أنه يكفي في غسل الأعضاء في الوضوء والغسل جريان الماء على الأعضاء، ولا يشترط الدلك، وانفرد مالك والمزني باشتراطه. (شرح مسلم).
وقال ابن قدامة ﵀: ولا يجب عليه إمرار يده على جسده في الغسل والوضوء، إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده. وهذا قول الحسن والنخعي والشعبي وحماد والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقال مالك: إمرار يده إلى حيث تنال يده واجب. (المغني).
وقال ابن تيمية: وأما دلك البدن في الغسل، ودلك أعضاء الوضوء فيه: فيجب إذا لم يعلم وصول الطهور إلى محله بدونه، مثل باطن الشعور الكثيفة، وإن وصل الطهور بدونها فهو مستحب. (شرح العمدة).
• وأما قياس الدلك على التيمم فقياس بعيد.
قال ابن قدامة: وأما قياسه على التيمم فبعيد، لأن التيمم أمرنا فيه بالمسح، والمسح لا يكون إلا باليد، ويتعذر في الغالب إمرار التراب إلا باليد.
• متى يكون الدلك واجباً؟
إذا كان إتمام الوضوء يتوقف على الدلك، كأن يكون الماء قليلاً، فهنا يجب إمرار اليد على العضو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
стр. 208
• هل يجب على المرأة نقض شعر رأسها لغسل الجنابة؟
لا يجب.
وهذا قول جماهير العلماء ولم يخالف إلا القليل.
أ-لحديث أُم سَلَمَة ﵂ قَالَتْ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ إِنِّي اِمْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ اَلْجَنَابَةِ? وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ? فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) رَوَاهُ مُسْلِم.
ب- وورد عن عدد من النساء أنهنّ سألن رسول الله ﷺ عن الغسل (مع كثرة استعمالهن للظفر) فلم يأمر إحداهن بأن تحل قرون رأسها.
وقد أنكرت عائشة على ابن عمرو قوله فيما رواه مسلم من طريق عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ (بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ فَقَالَتْ يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذَا يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ أَفَلَا يَأْمرهنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إِفْرَاغَات).
قال ابن القيم في (تهذيب السنن): حَدِيث أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَة أَنَّ تَنْقُض شَعْرهَا لِغُسْلِ الْجَنَابَة، وَهَذَا اِتِّفَاق مِنْ أَهْل الْعِلْم، إِلا مَا يُحْكَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالا تَنْقُضهُ، وَلا يُعْلَم لَهُمَا مُوَافِق.
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: بعض النساء لدينا يمشطن شعورهن - أي: يضفرنها - وعندما يغتسلن من الجنابة لا تفك المرأة ضفائرها، فهل يصح غسلها؟ مع العلم أن الماء لم يصل إلى كل منابت شعرها. أفيدونا أفادكم الله.
فأجاب: إذا أفاضت المرأة على رأسها كفى؛ لأن أم سلمة ﵂ سألت النبي ﷺ عن ذلك فقالت: إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: لا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
فإذا حثت المرأة على رأسها الماء ثلاث حثيات كفاها ذلك ولا حاجة إلى نقضه؛ لهذا الحديث الصحيح. (مجموع فتاوى الشيخ ابن باز)
стр. 209
• هل يجب على المرأة أن تنقض شعرها للغسل من الحيض؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يجب عليها أن تنقضه للغسل من الحيض.
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة وهو قول الظاهرية واختيار ابن القيم.
أ- ما رواه مسلم من طريق إبراهيم بْنِ الْمُهَاجِرِ قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ تُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ فَقَالَ: تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِينَ بِهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ، وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ: تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ أو تُبْلِغُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ) الحديث.
قال ابن القيم ﵀: وهذا دليل أنه لا يكتفى فيه بمجرد إفاضة الماء كغسل الجنابة … ففرق بين غسل الحيض والجنابة في هذا الحديث، وجعل غسل الحيض أكثر، ولهذا أمر فيه بالسدر المتضمن لنقضه.
ب-ما رواه مسلم من طريق عروة عن عائشة. قالت (خرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع فأهللت بعمرة ولم أكن سقت الهدي … الحديث وفيه: أنه ﷺ قال لها حين حاضت: انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن العمرة)، فأمرها بنقض رأسها وهي تغتسل من الحيض.
ج- أن الأصل نقض الشعر لتيقن وصول الماء إلى ما تحته، إلا أنه عفي عنه في غسل الجنابة لتكرره ووقوع المشقة الشديدة في نقضه، بخلاف غسل الحيض فإنه في الشهر مرة.
стр. 210
القول الثاني: أنه لا يجب نقضه في غسل الحيض.
وهذا قول جمهور العلماء، اختار هذا القول ابن قدامة، وصاحب الشرح الكبير ابن أبي عمر، واختاره الشوكاني، والسعدي ومحمد بن إبراهيم.
أ- لحديث أم سلمة السابق (أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ اَلْجَنَابَةِ? وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ? فَقَالَ: لا … )، ولو كان النقض واجباً لذكره لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ب-ولما ورد في إنكار عائشة على ابن عمرو في غسلها مع رسول الله ﷺ ، وأنها لا تزيد على أن تفرغ على رأسها ثلاث فراغات.
ج- ولأنه موضع من البدن فاستوى فيه الحيض والجنابة كسائر البدن. وهذا القول هو الراجح.
قال الشيخ ابن باز: والصحيح أنه لا يجب عليها نقضه في غسل الحيض، لما رود في بعض روايات أم سلمة عند مسلم أنها قالت للنبي ﷺ : (إني امرأة أشد ظفر رأسي، أفأنقضه للحيض والجنابة؟ قال: لا)، ومذهب الجمهور أنه إذا وصل الماء إلى جميع شعرها ظاهره وباطنه من غير نقض، لم يجب النقض.
• … الحكمة من التفريق بين الجنابة والحيض عند من يقول به:
الحكمة: أن الأصل وجوب نقض الشعر، ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله، فعفي عنه في غسل الجنابة، لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، بخلاف الحيض فالغالب أنه في الشهر مرة فلا مشقة في نقضه، فيبقى على مقتضى الأصل، وهو الوجوب.
• وهل للرجل نفس الحكم إذا ضفّر شعره؟
قال ابن قدامة: والرجل والمرأة في هذا سواء، وإنما خصت المرأة بالذكر لأن العادة اختصاصها بكثرة الشعر وتوفيره وتطويله.
(والمجزئ أن يعمم بدنه بالغسل مرة).
أي: والغسل المجزئ: أن يعمم بدنه بالماء مع المضمضة والاستنشاق.
لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) ولم يذكر الله شيئاً سوى ذلك، ومن عمم بدنه بالغسل مرة صدق عليه أنه تطهر.
• قوله (ويعمم بدنه) يشمل حتى ما تحت الشعر الكثيف، فيجب غسل ما تحته بخلاف الوضوء، فلا يجب غسل ما تحته.
• الشعر الكثيف: هو الذي لا يُرى من ورائه البشرة.
стр. 211
(ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع).
أي: يسن أن يكون وضوءه بمد، وأن يكون اغتساله بصاع.
لحديث أنس. قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ) متفق عليه.
المد: ما يملأ كفيّ الرجل المعتدل في الخِلقة.
• مقدار ما كان يتوضأ به النبي ﷺ :
o ورد أنه ﷺ توضأ بمدّ:
كما في حديث أنس السابق.
o وورد ثلثي مد:
كما في حديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَتَى بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ) أَخْرَجَهُ أَحْمَد.
وهذا أقل ما ورد أنه توضأ به.
قال الصنعاني: فثلثا المد هو أقل ما ورد أنه توضأ به ﷺ .
o وورد أنه توضأ بثلث مد.
قال الصنعاني: وأما حديث: أنه توضأ بثلث المد فلا أصل له.
o وورد في نصف مد.
لكنه حديث لا يصح. قال الشوكاني: أما حديث أنه توضأ بنصف مد فأخرجه الطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة، وفي إسناده الصلت بن دينار، وهو متروك.
стр. 212
• وهذه الروايات تدل على أن المسألة تقريبية، وأنه ليس هناك شيء محدد، لكن المهم هو عدم الإسراف.
قال النووي: وأجمعوا على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغسل وهو جريان الماء على الأعضاء.
• مقدار ما اغتسل به النبي ﷺ :
ورد صاع. كما في حديث أنس السابق.
وورد عن عائشة كما في صحيح مسلم (أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء هو الفَرَق). (والفرق = ٣ أصواع).
فعلى حسب الروايات: أقل ما ورد في الغسل ثلاثة أمداد.
وأكثر ما اغتسل به صاع إلى صاع ومد.
(وإن نوى بغسلهِ الحدثين أجزأ).
أي: إذا نوى بغسله رفع الحدث الأكبر والأصغر جميعاً فإنه يرتفعان.
لقوله (إنما الأعمال بالنيات).
• فإن نوى بغسله رفع الحدث الأكبر فقط دون الأصغر
فقيل: يرتفع الأكبر ولا يرتفع الأصغر، فلا يجزئ الغسل عن الوضوء.
لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات).
وجه الدلالة: أنه لم ينو بغسله رفع الحدثين، وإنما نوى رفع الحدث الأكبر فليس له إلا ما نواه.
وقيل: يرتفع الحدثان، فيجزئ الغسل عن الوضوء وإن لم ينوه، ما دام أنه نوى بغسله رفع الحدث الأكبر.
وبهذا قال مالك، والشافعي، وهو قول الجمهور.
واختاره ابن تيمية.
أ-لقوله تعالى (وإن كنتم جنباً فاطهروا) ولم يذكر الله شيئاً غير الاغتسال.
ب- ولحديث أم سلمة - في صفة غسل الجنابة - حيث قال لها النبي ﷺ (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين
عليك فتطهرين) رواه مسلم.
стр. 213
وفي حديث علي. أن النبي ﷺ قال (في المذي الوضوء، وفي المني الغسل) رواه أحمد.
وفي حديث فاطمة بنت أبي حبيش قال لها ﷺ (إذا أقبلت الحيضة … وإذا أدبرت فاغتسلي) متفق عليه.
وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أنه لم يذكر الوضوء في الطهارة الكبرى، مما يدل على أنه غير واجب، ولو كان واجباً لذكره
وهذا القول هو الراجح.
• فائدة: سئل ابن عثيمين: ما الحكم إذا عم الشخص بدنه بالماء غسلاً للجمعة أو لنظافة، هل يجزئه عن الوضوء؟
لا، إذا اغتسل للجمعة فلا يجزئه عن الوضوء، والنظافة لا تجزئ عن الوضوء، وذلك لأن غسل الجمعة والنظافة ليسا عن حدث، والوضوء إنما يكون عن الحدث.
أما الحدث الأكبر يجزِئ، يعني: لو اغتسل الإنسان وعليه جنابة أجزأ عن الوضوء؛ لكن لابد من المضمضة والاستنشاق. (الشيخ ابن عثيمين).
وسئل: هل الغسل للجمعة يجزئ عن الوضوء؟
لا؛ لأن غسل الجمعة ليس عن حدث، أما غسل الجنابة فيجزي عن الوضوء، والدليل على أنه يجزئ عن الوضوء قول الله ﵎ (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) ولم يذكر الوضوء. (الشيخ ابن عثيمين).
(ويسن لجنب الوضوء لأكل ونوم ومُعاودة وطء).
أي: يسن للإنسان إذا كان جنباً أن يتوضأ إذا أراد الأكل.
والجنب: من عليه جنابة.
لحديث عَائِشَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ) رواه مسلم.
стр. 214
(ونوم).
أي: ويسن للإنسان إذا كان جنباً وأراد أن ينام أن يتوضأ.
أ-لحديث ابن عمر: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ). متفق عليه.
ب- عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ (سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْقُدُ وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَتْ نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ).
فالحديث دليل على استحباب الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام.
وهذا مذهب أكثر العلماء.
وهو ثابت بالسنة القولية والفعلية.
القولية: الحديث السابق (أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ فليرقد).
والفعلية: كما في حديث عائشة (أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام). رواه مسلم
• والصارف عن الوجوب:
أنه جاء في رواية عند ابن حبان (يتوضأ إن شاء).
وحديث عائشة (كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء). رواه أبو داود [ولكن مختلف في صحته، والأقرب أنه ضعيف].
قال في الفتح: ونقل الطحاوي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب، وتمسك بما رواه أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة (أنه ﷺ كان يُجنب، ثم ينام ولا يمس ماء) رواه أبو داود.
وتُعُقّب بأن الحفاظ قالوا: بأن أبا إسحاق غلط فيه، وبأنه لو صح حمِل على أنه ترك الوضوء لبيان الجواز، لئلا يعتقد وجوبه.
أو أن معنى قوله (لا يمس ماء) أي: للغسل.
قال النووي: وَأَمَّا حَدِيث أَبِي إِسْحَاق السُّبَيْعِيّ عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة ﵂ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَنَام وَهُوَ جُنُب وَلَا يَمَسّ مَاء، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَغَيْرهمْ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَنْ يَزِيد بْن هَارُون وَهَمَ أَبُو إِسْحَاق فِي هَذَا، يَعْنِي فِي قَوْله: لَا يَمَسّ مَاء. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَط مِنْ أَبِي إِسْحَاق. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: طَعَنَ الْحُفَّاظ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ضَعْفُ الْحَدِيث، وَإِذَا ثَبَتَ ضَعْفُهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَا يَتَعَرَّض بِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ أَيْضًا مُخَالِفًا، بَلْ كَانَ لَهُ جَوَابَانِ: أَحَدهمَا جَوَاب الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ أَبِي الْعَبَّاس بْن شُرَيْحٍ وَأَبِي بَكْر الْبَيْهَقِيِّ: أَنَّ الْمُرَاد لَا يَمَسّ مَاء لِلْغُسْلِ. وَالثَّانِي وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ: أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْض الْأَوْقَات لَا يَمَسّ مَاء أَصْلًا، لِبَيَانِ الْجَوَاز. إِذْ لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَتَوَهَّمَ وُجُوبه. وَاللَّهُ أَعْلَم.
стр. 215
قال ابن رجب الحنبلي ﵀: وقد ذهب أكثر العلماء إلى هَذهِ الأحاديث، وقالوا: إن الجنب إذا أراد النوم غسل ذَكره وتوضأ.
وممن أمر بذلك: علي، وابن عمر، وعائشة، وشداد بنِ أوس، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وَهوَ قول الحسن، وعطاء، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم مِن العلماء، وكرهوا تركه معَ القدرة عليهِ.
ومنهم مِن قالَ: هوَ واجب ويأثم بتركه، وَهوَ رواية عَن مالك، واختارها ابن حبيب مِن أصحابه، وَهوَ قول طائفة مِن أهل الظاهر. … (فتح الباري) ل ابن رجب.
• وهل المرأة كالرجل؟
الظاهر أن المرأة الجنب والرجل في هذا سواء، لأن الأصل استواؤهما في الأحكام إلا ما ورد الدليل بالتفرقة بينهما.
قال ابن رجب الحنبلي ﵀: واختلفوا: هل المرأة في ذَلِكَ كالرجل، أم لا؟
فقالت طائفة: هما سواء.
وَهوَ قول الليث، وحكي رواية عَن أحمد، وقد نص على التسوية بينهما في الوضوء للأكل.
والثاني: أن الكراهة تختص بالرجل دونَ المرأة.
وَهوَ المنصوص عَن أحمد.
ولعله يستدل بأن عائشة لَم تذكر أن النبي ﷺ كانَ يأمرها بالوضوء، وإنما أخبرت عَن وضوئه لنفسه. (فتح الباري) لابن رجب
• هل الحائض كالرجل الجنب في ذلك، فيشرع لها الوضوء عند الأكل وعند النوم؟
والجواب: لا، لأن حدث الحائض وهو خروج الدم مستمر، فلا ينفعها الوضوء بتخفيف الحدث، بل لو اغتسلت لم ينفعها الاغتسال، أما الجنب، فإذا اغتسل ارتفعت جنابته، وإذا توضأ خفت.
لكن … إذا انقطع دم الحائض فيصح قياسها حينئذ على الجنب فتتوضأ قبل الأكل وقبل النوم.
قال الحافظ ابن حجر: وقال ابن دقيق العيد: نصَّ الشافعي ﵀ على أن ذلك ليس على الحائض؛ لأنها لو اغتسلت لم يرتفع حدثُها بخلاف الجنب لكن إذا انقطع دمها استحب لها ذلك.
قال ابن رجب: وقد دلت هَذهِ الأحاديث المذكورة في هَذا الباب: على أن وضوء الجنب يخفف جنابته.
وقال النووي ﵀ وأصحابنا متفقون على أنه لا يُستحب الوضوء للحائض والنفساء [يعني: قبل النوم]؛ لأن الوضوء لا يؤثر في حدثهما، فإن كانت الحائض قد انقطعت حيضتها صارت كالجنب، والله أعلم. (شرح مسلم).
следующие страницы →