Полный текст (3 390 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع).
أي: يسن أن يكون وضوءه بمد، وأن يكون اغتساله بصاع.
لحديث أنس. قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ) متفق عليه.
المد: ما يملأ كفيّ الرجل المعتدل في الخِلقة.
• مقدار ما كان يتوضأ به النبي ﷺ :
o ورد أنه ﷺ توضأ بمدّ:
كما في حديث أنس السابق.
o وورد ثلثي مد:
كما في حديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَتَى بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ) أَخْرَجَهُ أَحْمَد.
وهذا أقل ما ورد أنه توضأ به.
قال الصنعاني: فثلثا المد هو أقل ما ورد أنه توضأ به ﷺ .
o وورد أنه توضأ بثلث مد.
قال الصنعاني: وأما حديث: أنه توضأ بثلث المد فلا أصل له.
o وورد في نصف مد.
لكنه حديث لا يصح. قال الشوكاني: أما حديث أنه توضأ بنصف مد فأخرجه الطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة، وفي إسناده الصلت بن دينار، وهو متروك.
стр. 212
• وهذه الروايات تدل على أن المسألة تقريبية، وأنه ليس هناك شيء محدد، لكن المهم هو عدم الإسراف.
قال النووي: وأجمعوا على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغسل وهو جريان الماء على الأعضاء.
• مقدار ما اغتسل به النبي ﷺ :
ورد صاع. كما في حديث أنس السابق.
وورد عن عائشة كما في صحيح مسلم (أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء هو الفَرَق). (والفرق = ٣ أصواع).
فعلى حسب الروايات: أقل ما ورد في الغسل ثلاثة أمداد.
وأكثر ما اغتسل به صاع إلى صاع ومد.
(وإن نوى بغسلهِ الحدثين أجزأ).
أي: إذا نوى بغسله رفع الحدث الأكبر والأصغر جميعاً فإنه يرتفعان.
لقوله (إنما الأعمال بالنيات).
• فإن نوى بغسله رفع الحدث الأكبر فقط دون الأصغر
فقيل: يرتفع الأكبر ولا يرتفع الأصغر، فلا يجزئ الغسل عن الوضوء.
لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات).
وجه الدلالة: أنه لم ينو بغسله رفع الحدثين، وإنما نوى رفع الحدث الأكبر فليس له إلا ما نواه.
وقيل: يرتفع الحدثان، فيجزئ الغسل عن الوضوء وإن لم ينوه، ما دام أنه نوى بغسله رفع الحدث الأكبر.
وبهذا قال مالك، والشافعي، وهو قول الجمهور.
واختاره ابن تيمية.
أ-لقوله تعالى (وإن كنتم جنباً فاطهروا) ولم يذكر الله شيئاً غير الاغتسال.
ب- ولحديث أم سلمة - في صفة غسل الجنابة - حيث قال لها النبي ﷺ (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين
عليك فتطهرين) رواه مسلم.
стр. 213
وفي حديث علي. أن النبي ﷺ قال (في المذي الوضوء، وفي المني الغسل) رواه أحمد.
وفي حديث فاطمة بنت أبي حبيش قال لها ﷺ (إذا أقبلت الحيضة … وإذا أدبرت فاغتسلي) متفق عليه.
وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أنه لم يذكر الوضوء في الطهارة الكبرى، مما يدل على أنه غير واجب، ولو كان واجباً لذكره
وهذا القول هو الراجح.
• فائدة: سئل ابن عثيمين: ما الحكم إذا عم الشخص بدنه بالماء غسلاً للجمعة أو لنظافة، هل يجزئه عن الوضوء؟
لا، إذا اغتسل للجمعة فلا يجزئه عن الوضوء، والنظافة لا تجزئ عن الوضوء، وذلك لأن غسل الجمعة والنظافة ليسا عن حدث، والوضوء إنما يكون عن الحدث.
أما الحدث الأكبر يجزِئ، يعني: لو اغتسل الإنسان وعليه جنابة أجزأ عن الوضوء؛ لكن لابد من المضمضة والاستنشاق. (الشيخ ابن عثيمين).
وسئل: هل الغسل للجمعة يجزئ عن الوضوء؟
لا؛ لأن غسل الجمعة ليس عن حدث، أما غسل الجنابة فيجزي عن الوضوء، والدليل على أنه يجزئ عن الوضوء قول الله ﵎ (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) ولم يذكر الوضوء. (الشيخ ابن عثيمين).
(ويسن لجنب الوضوء لأكل ونوم ومُعاودة وطء).
أي: يسن للإنسان إذا كان جنباً أن يتوضأ إذا أراد الأكل.
والجنب: من عليه جنابة.
لحديث عَائِشَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ) رواه مسلم.
стр. 214
(ونوم).
أي: ويسن للإنسان إذا كان جنباً وأراد أن ينام أن يتوضأ.
أ-لحديث ابن عمر: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ). متفق عليه.
ب- عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ (سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْقُدُ وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَتْ نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ).
فالحديث دليل على استحباب الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام.
وهذا مذهب أكثر العلماء.
وهو ثابت بالسنة القولية والفعلية.
القولية: الحديث السابق (أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ فليرقد).
والفعلية: كما في حديث عائشة (أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام). رواه مسلم
• والصارف عن الوجوب:
أنه جاء في رواية عند ابن حبان (يتوضأ إن شاء).
وحديث عائشة (كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء). رواه أبو داود [ولكن مختلف في صحته، والأقرب أنه ضعيف].
قال في الفتح: ونقل الطحاوي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب، وتمسك بما رواه أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة (أنه ﷺ كان يُجنب، ثم ينام ولا يمس ماء) رواه أبو داود.
وتُعُقّب بأن الحفاظ قالوا: بأن أبا إسحاق غلط فيه، وبأنه لو صح حمِل على أنه ترك الوضوء لبيان الجواز، لئلا يعتقد وجوبه.
أو أن معنى قوله (لا يمس ماء) أي: للغسل.
قال النووي: وَأَمَّا حَدِيث أَبِي إِسْحَاق السُّبَيْعِيّ عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة ﵂ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَنَام وَهُوَ جُنُب وَلَا يَمَسّ مَاء، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَغَيْرهمْ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَنْ يَزِيد بْن هَارُون وَهَمَ أَبُو إِسْحَاق فِي هَذَا، يَعْنِي فِي قَوْله: لَا يَمَسّ مَاء. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَط مِنْ أَبِي إِسْحَاق. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: طَعَنَ الْحُفَّاظ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ضَعْفُ الْحَدِيث، وَإِذَا ثَبَتَ ضَعْفُهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَا يَتَعَرَّض بِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ أَيْضًا مُخَالِفًا، بَلْ كَانَ لَهُ جَوَابَانِ: أَحَدهمَا جَوَاب الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ أَبِي الْعَبَّاس بْن شُرَيْحٍ وَأَبِي بَكْر الْبَيْهَقِيِّ: أَنَّ الْمُرَاد لَا يَمَسّ مَاء لِلْغُسْلِ. وَالثَّانِي وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ: أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْض الْأَوْقَات لَا يَمَسّ مَاء أَصْلًا، لِبَيَانِ الْجَوَاز. إِذْ لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَتَوَهَّمَ وُجُوبه. وَاللَّهُ أَعْلَم.
стр. 215
قال ابن رجب الحنبلي ﵀: وقد ذهب أكثر العلماء إلى هَذهِ الأحاديث، وقالوا: إن الجنب إذا أراد النوم غسل ذَكره وتوضأ.
وممن أمر بذلك: علي، وابن عمر، وعائشة، وشداد بنِ أوس، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وَهوَ قول الحسن، وعطاء، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم مِن العلماء، وكرهوا تركه معَ القدرة عليهِ.
ومنهم مِن قالَ: هوَ واجب ويأثم بتركه، وَهوَ رواية عَن مالك، واختارها ابن حبيب مِن أصحابه، وَهوَ قول طائفة مِن أهل الظاهر. … (فتح الباري) ل ابن رجب.
• وهل المرأة كالرجل؟
الظاهر أن المرأة الجنب والرجل في هذا سواء، لأن الأصل استواؤهما في الأحكام إلا ما ورد الدليل بالتفرقة بينهما.
قال ابن رجب الحنبلي ﵀: واختلفوا: هل المرأة في ذَلِكَ كالرجل، أم لا؟
فقالت طائفة: هما سواء.
وَهوَ قول الليث، وحكي رواية عَن أحمد، وقد نص على التسوية بينهما في الوضوء للأكل.
والثاني: أن الكراهة تختص بالرجل دونَ المرأة.
وَهوَ المنصوص عَن أحمد.
ولعله يستدل بأن عائشة لَم تذكر أن النبي ﷺ كانَ يأمرها بالوضوء، وإنما أخبرت عَن وضوئه لنفسه. (فتح الباري) لابن رجب
• هل الحائض كالرجل الجنب في ذلك، فيشرع لها الوضوء عند الأكل وعند النوم؟
والجواب: لا، لأن حدث الحائض وهو خروج الدم مستمر، فلا ينفعها الوضوء بتخفيف الحدث، بل لو اغتسلت لم ينفعها الاغتسال، أما الجنب، فإذا اغتسل ارتفعت جنابته، وإذا توضأ خفت.
لكن … إذا انقطع دم الحائض فيصح قياسها حينئذ على الجنب فتتوضأ قبل الأكل وقبل النوم.
قال الحافظ ابن حجر: وقال ابن دقيق العيد: نصَّ الشافعي ﵀ على أن ذلك ليس على الحائض؛ لأنها لو اغتسلت لم يرتفع حدثُها بخلاف الجنب لكن إذا انقطع دمها استحب لها ذلك.
قال ابن رجب: وقد دلت هَذهِ الأحاديث المذكورة في هَذا الباب: على أن وضوء الجنب يخفف جنابته.
وقال النووي ﵀ وأصحابنا متفقون على أنه لا يُستحب الوضوء للحائض والنفساء [يعني: قبل النوم]؛ لأن الوضوء لا يؤثر في حدثهما، فإن كانت الحائض قد انقطعت حيضتها صارت كالجنب، والله أعلم. (شرح مسلم).
стр. 216
• الحكمة من الوضوء:
قيل: أنه يخفف الحدث.
وقيل: أنه إحدى الطهارتين.
وقيل: أنه ينشط إلى العَوْد أو إلى الغسل.
فائدة: الحديث دليل على أن الاغتسال من الجنابة ليس على الفور ما لم يحضر وقت الصلاة.
ودليل أيضاً على ضعف الحديث الوارد في سنن أبي داود عن علي مرفوعاً (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ولا جنب).
قال الخطابي: يحتمل أن المراد بالجنب من يتهاون بالاغتسال ويتخذ تركه عادة لا من يؤخره ليفعله.
قال: ويقويه أن المراد بالكلب غير ما أذن في اتخاذه، وبالصورة ما فيه روح وما لا يمتهن.
(ومُعاودة وطء).
أي: ويسن للإنسان إذا كان جنباً وأراد أن يعود للجماع أن يتوضأ.
لحديث أَبِي سَعِيد اَلْخُدْرِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ
زَادَ اَلْحَاكِمُ: (فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ).
وهذا أمر لكنه ليس للوجوب، والصارف عن الوجوب:
أنه جاء في رواية الحاكم (فإنه أنشط للعَوْد).
فهذا التعليل مشعر بأن القضية تتعلق بأمر يخص نشاط الرجل في الجماع، وليس معلق بأمر شرعي.
• الحكمة من هذا الوضوء:
أشارت إليه رواية الحاكم (فإنه أنشط للعود) لأن المجامع يحصل له كسل وانحلال، والماء يعيد إليه نشاطه وقوته وحيويته.
стр. 217
باب التيمم
التيمم لغة: القصد، يقال: تيمم الشيء ويمّمه، أي: قصده.
وشرعاً: التعبد لله بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين.
وهو من خصائص هذه الأمة كما سيأتي في الحديث إن شاء الله.
وهو مشروع عند فقد الماء أو العجز عن استعماله كما سيأتي إن شاء الله.
(وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع).
قال تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ).
ومن السنة: أحاديث كثيرة:
أ-عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً).
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ (وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ اَلْمَاءَ). …
وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ (وَجُعِلَ اَلتُّرَابُ لِي طَهُورًا).
(وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ) أي: جعلها الله لي حلالاً، والمراد بها: ما يؤخذ من أموال الكفار في الجهاد، وكانت في الأمم السابقة تجمع في مكان، ثم تنزل عليهم نار من السماء فتحرقها (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) المراد بها: الشفاعة العظمى، وهي شفاعته ﷺ إلى الله تعالى في أهل الموقف أن يُقضَى بينهم.
ب- وعن عِمْرَان بْن حُصَيْن الْخُزَاعِيُّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ «يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّىَ فِي الْقَوْمِ». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ).
ج- وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: (بَعَثَنِي اَلنَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ اَلْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي اَلصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ اَلدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ اَلْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ).
وأجمعت الأمة على جواز التيمم من حيث الجملة. [نقل الإجماع النووي وابن قدامة].
стр. 218
• سبب مشروعيته: ضياع عقد عائشة.
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِى بَكْرٍ. قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ). متفق عليه.
(فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ) أي: لأجل طلب ذلك العقد الضائع، (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ) أي: ليسوا نازلين على محل يوجد فيه ماء، (وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) أي: وليسوا أيضاً حاملين معهم ماء من محل آخر، (فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا) وهي آية المائدة على الراجح، فقد جاء في رواية للحديث عند المصنف (فنزلت: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة … إلى قوله: تشكرون) وهي صريحة في أن الآية نزلت كاملة في قوت واحد في تلك السفرة.
(وهو بدل عن الماء عند تعذر استعماله).
أي: أن التيمم بدل عن الماء، ومن المعلوم أن البدل له حكم المبدل، فهذا يدل على أنه رافع ويقوم مقام الماء.
وهذا مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية
أ- لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ). قالوا: هذا دليل على أن التيمم طهارة، فهو مطهر كما يطهر الماء بنص القرآن.
ب- ولقوله ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). قالوا:
هذا دليل على أن التراب طهور للمتيمم كما أن الماء طهور له إلا أن طهرة التراب مؤقتة.
ج- أنه بدل، والقاعدة الشرعية: (أن البدل له حكم المبدل).
стр. 219
وذهب بعض العلماء: إلى أنه مبيح لا رافع.
وهذا مذهب الشافعي ونسبه النووي للجمهور.
لحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليمسه بشرته). رواه الترمذي.
قالوا: ولو رفع الحدث لم يحتج الماء إذا وجده.
والأول أصح.
وعليه: إذا تيمم لنافلة فإنه يصلي به فريضة وغيرها من الصلوات، ولا يبطل بخروج الوقت، لأنه يقوم مقام الماء.
وإذا تيمم لمس المصحف صلى به نافلة.
(عند عدم الماء أو زاد على ثمنهِ كثيراً).
أي: يشترط للتيمم عدم الماء، وهذا شرط للتيمم بالإجماع.
فإذا كان غير واجد للماء لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافراً، ولا ما قرب منه؛ فإنه يشرع له التيمم.
أ-لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا).
ب- ولحديث حُذَيْفَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا
مَسْجِداً، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُوراً إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ) رواه مسلم.
ج-وللحديث السابق (الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليمسه بشرته).
стр. 220
(ويجب عليه طلب الماء).
أي: يجب عليه قبل التيمم أن يطلب ويبحث عن الماء في رحله وبقربه وبدلالة.
قال ابن قدامة: وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ اشْتِرَاطُ طَلَبِ الْمَاءِ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
لقَوْله تَعَالَى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وَلَا يَثْبُتُ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مَاءٌ لَا يَعْلَمُهُ.
وَلِذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ فِي الظِّهَارِ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، قَالَ: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) لَمْ يُبِحْ لَهُ الصِّيَامَ حَتَّى يَطْلُبَ الرَّقَبَةَ، وَلَمْ يُعَدَّ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ وَاجِدٍ.
وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ مُخْتَصٌّ بِهَا، فَلَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِهِ عِنْدَ الْإِعْوَازِ، كَالْقِبْلَةِ. (المغني).
(أو زاد على ثمنهِ كثيراً).
أي: إذا وجد الماء بثمن زائد على ثمنه كثيراً فإنه يعدل إلى التيمم.
قالوا: إن هذه الزيادة تجعله في حكم المعدوم.
وذهب بعض العلماء: إن كان قادراً على شرائه لوجود ثمنه عنده؛ فإنه يشتريه إذا لم يكن عليه ضرر.
لأن الله يقول: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً). والماء هنا موجود.
وهذا الصحيح.
• لكن إن كان غير واجد الثمن، أو ليس معه إلا بعضه؛ فهو عادم للماء، ولا يلزمه الاقتراض، لما في ذلك من المنة.
(أو خاف باستعماله ضرر بدنه، أو رفيقه أو حرمته).
هذه من الحالات التي يجوز فيها التيمم، وهي إذا خاف باستعمال الماء الضرر، فيخاف إذا استعمل الماء المرض.
وكما لو حصل برد شديد، وعَدِمَ ما يسخن به الماء، وخاف الضرر من البرد.
أ- لأنه داخل في عموم قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى).
ولقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ).
ب-وحديث عمرو بن العاص قال (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا عمرو، أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول (ولا تقتلوا أنفسكم) فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً) رواه أبو داود.
стр. 221
وجه الدلالة:
سكوت النبي ﷺ يدل على الجواز، لأنه لا يقر على الخطأ، ولأنه خائف على نفسه، فأبيح له التيمم كالجريح والمريض.
قال شمس الحق آبادي ﵀ -في شرح حديث عمرو بن العاص-: فيه دليل على جواز التيمم عند شدة البرد من وجهين:
الأول: التبسم والاستبشار.
والثاني: عدم الإنكار؛ لأن النبي ﷺ لا يقر على باطل، والتبسم والاستبشار أقوى دلالة من السكوت على الجواز.
وقال الخطابي: فيه من الفقه أنه ﵇ جعل عدم إمكان استعمال الماء، كعدم عين الماء، وجعله بمنزلة من يخاف العطش ومعه ماء فأبقاه ليشربه وليتيمم به خوف التلف.
قال النووي: المرض ثلاثة أضرب:
أحدها: مرض يسير لا يخاف من استعمال الماء معه تلفاً ولا مرضاً مخوفاً ولا إبطاء برء ولا زيادة ألم ولا شيئاً فاحشاً، وذلك كصداع ووجع
ضرس وحمى وشبهها.
فهذا لا يجوز له التيمم بلا خلاف عندنا، وبه قال العلماء كافة إلا ما حكاه أصحابنا عن أهل الظاهر وبعض أصحاب مالك: أنهم جوزوه للآية.
الضرب الثاني: مرض يخاف معه من استعمال الماء تلف النفس أو عضو، أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس أو عضو أو فوات منفعة عضو، فهذا يجوز له التيمم مع وجود الماء.
الضرب الثالث: أن يخاف إبطاء البرء، أو زيادة المرض، وهي كثرة الألم، وإن لم تطل مدته أو شدة الضنى، وهو الداء الذي يخامر صاحبه، وكلما ظن أنه برئ نكس.
فالصحيح جواز التيمم ولا إعادة عليه، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود وأكثر العلماء لظاهر الآية وعموم البلوى. (شرح المهذب)
стр. 222
وجاء في فتاوى (اللجنة الدائمة) من به جروح أو قروح أو كسر أو مرض يضره منه استعمال الماء فأجنب جاز له التيمم، وإن أمكنه غسل الصحيح من جسده وجب عليه ذلك وتيمم للباقي.
فائدة: في قصة عمرو بن العاص فوائد:
أولاً: جواز إمامة المتيمم بالمتوضئين. وهذا مذهب الجمهور.
ثانياً: جواز التيمم إذا خشي الإنسان البرد.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل برد أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين.
ثالثاً: أن إقرار النبي ﷺ دليل يعمل به.
رابعاً: أنه لا يلزمه الإعادة فيما بعد، لأن النبي ﷺ لم يأمره بالإعادة، لأنه أتى بما أمر به.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: فأقره النبي ﷺ على ذلك ولم يأمره بالإعادة؛ لأن مَن خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالباً أو قاطعاً، أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء. (مجموع فتاوى الشيخ العثيمين).
• قوله (أو خاف باستعماله ضرر رفيقه أو حرمته).
ضرر رفيقه: أن يكون معه قليل ورفقة، فإن استعمل الماء عطش الرفقة وتضرروا، فهنا يتيمم ويدع الماء للرفقة.
أو حرمته: خاف باستعمال الماء ضرر امرأته.
أو ماله: كما لو كان معه حيوان، وإذا استعمل الماء تضرر أو هلك.
стр. 223
(ومَن وجدَ ماءً يَكفي بعضَ طُهرهِ تيمم بعد استعمالهِ).
أي: إذا وجد الإنسان ماء يكفي بعض طهره، فإنه يستعمله، ثم يتيمم.
مثال: إنسان عنده ماء يكفي لغسل الوجه واليدين فقط، فإنه هنا يستعمله ثم يتيمم.
أ-لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا).
ب-ولقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). متفق عليه
ج- وليصدق عليه أنه عادم للماء إذا استعمله قبل التيمم.
وقيل: يتيمم ولا يلزم استعماله، وهذا اختيار المصنف.
والأول أرجح.
(ويجب التيمم بترابٍ طهور له غبار).
أي: يشترط لصحة التيمم أن يكون بتراب.
وهذا مذهب أحمد والشافعي وداود وأكثر الفقهاء. [قاله النووي]
أ- لحديث حذيفة السابق (وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا).
وحديث (وَجُعِلَ اَلتُّرَابُ لِي طَهُورًا).
فخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه، ولو كان غير التراب طهوراً لذكره فيما منّ الله تعالى به عليه.
ب- ولقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ).
وجه الدلالة: أن الله سبحانه أمر بالتيمم بالصعيد - وهو التراب - كما فسره ابن عباس، وقال تعالى (منه) أي: ببعضه، ولا يحصل المسح بشيء منه إلا أن يكون ذا غبار يعلق باليد والوجه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز بكل ما تصاعد على الأرض من ترابها ورملها وحجرها ومدرها.
стр. 224
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، واختاره ابن تيمية وابن القيم.
أ-لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ).
وجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: أن الصعيد هو الصاعد على وجه الأرض، وهذا يعم كل صاعد، فيتناول الحجر والمدر وسائر أجزاء الأرض.
الثاني: أن معنى (منه) في الآية المذكورة لابتداء الغاية، فيكون ابتداء الفعل بالأرض، وانتهاء المسح بالوجه، فيمسح من وقت الضرب لا قبله.
ب- ولقوله ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فدل على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض.
ج-ولحديث أبي جهم قال: (أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم ردّ ﵇.
د- ولأن الرسول ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك وقطعوا تلك الرمال في طريقهم، لم يرد أنهم حملوا التراب معهم ولا أمرهم به، بل كانوا يتيممون بما تيسر لهم من الأرض.
وهذا القول هو الصحيح.
قال السعدي: والصحيح أنه يصح التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب له غبار أو رمل أو حجر أو غير ذلك
وقال ابن القيم: ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلة، ولم يرد أنه حمل معه التراب ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: القول الراجح أنه لا يشترط للتيمم أن يكون تراب له غبار، بل إذا تيمم على الأرض أجزأه سواء كان فيها غبار أم لا.
وهذا القول هو الراجح.
وأما دليلهم: (وجعلت تربتها … ) فهذا من ذكر بعض أفراد العام ما يوافق حكم العام، وذكر بعض أفراد العام بما يوافق العام لا يفيد التخصيص.
стр. 225
• وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن المريض لا يجد التراب فهل يتيمم على الجدار، وكذلك الفرش أم لا؟
فأجاب: الجدار من الصعيد الطيب، فإذا كان الجدار مبنياً من الصعيد سواء كان حجراً أو كان مدراً- لَبِنًا من الطين -، فإنه يجوز التيمم عليه، أما إذا كان الجدار مكسواً بالأخشاب أو (بالبوية) فهذا إن كان عليه تراب - غبار - فإنه يتيمم به ولا حرج، ويكون كالذي يتيمم على الأرض؛ لأن التراب من مادة الأرض، أما إذا لم يكن عليه تراب، فإنه ليس من الصعيد في شيء، فلا يتيمم عليه.
وبالنسبة للفرش نقول: إن كان فيها غبار فليتيمم عليها، وإلا فلا يتيمم عليها لأنها ليست من الصعيد.
(طَهور).
أي: يشترط أن يكون التراب طهوراً.
فلا يجوز التيمم بتراب نجس، كأن يصيبه بول ولم يطهر.
لقوله تعالى (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) والطيب ضد الخبيث.
(له غبار).
أي: يشرط أن يكون هذا التراب له غبار، فإن لم يكن له غبار لم يصح التيمم به، كالرمل الخشن، وكالتراب إذا أصابه الندى.
ودليل هذا قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ).
و (من) للتبعيض، ولا يتحقق التبعيض إلا بتراب له غبار يعلق باليد، ويمسح به الوجه واليدان.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشترط الغبار، فلو تيمم على أرض أصابها ندى صح.
لعموم قوله تعالى (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا).
стр. 226
ولأن النبي ﷺ كان يسافر في الأرض الرملية والتي أصابها مطر، فكانوا يتيممون كما أمر الله تعالى.
وأما (من) في الآية فليست للتبعيض، وإنما لابتداء الغاية، أي: أن المسح يكون من هذا الصعيد.
(وفروضه: مسح وجههِ ويديه إلى كوعيهِ).
أي: فروض التيمم:
أولاً: مسح الوجه.
ثانياً: مسح اليدين.
(ونية).
قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن التيمم لا يصح إلا بنية.
أ- لقوله تعالى (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا).
قال ابن حجر: استدل بالآية على وجوب النية في التيمم، لأن معنى (فتيمموا) اقصدوا.
ب- ولقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه.
ج- ولأن التيمم طهارة حكمية فاشترطت لها النية.
(والترتيب).
أي: ومن فروض التيمم الترتيب، وهو أن يبدأ بالوجه قبل اليدين.
أ- لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فبدأ بالوجه قبل اليدين. وقد قال النبي ﷺ : (أبدأ بما بدأ الله به).
ب- ولأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض فيها.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الترتيب في الحدث الأصغر سنة ليس بواجب.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
والراجح الأول.
• وأما حكم الترتيب في التيمم عن الحدث الأكبر، فجمهور العلماء أنه سنة ليس واجب.
قياساً على الأصل وهو الغسل بالماء، فإن بدن الجنب في الغسل بمنزلة عضو واحد، ولا ترتيب في العضو الواحد، فإذا لم يفترض الترتيب في الأصل وهو الاغتسال بالماء، فلأن لا يفترض في بدله وهو التيمم من باب أولى.
وقيل: الترتيب فرض في التيمم عن الحدث الأكبر، وهو مذهب الشافعية.
стр. 227
(والموالاة).
أي: ومن فروض التيمم الموالاة.
(وصفته: أن يضرب بيديه على التراب ضربة واحدة فيمسح بهما وجهه وكفيه).
هذه صفة التيمم:
(أن يضرب بيديه) المراد باليدين هنا الكفان.
واليد إذا أطلقت فهي عبارة عن الكف.
ويدل لذلك قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) والمراد باليد هنا الكف، لأن القطع إنما يكون من الكف.
• وقوله (على التراب) وقد تقدم أن الصواب أنه يجوز على كل ما تصاعد على الأرض، من تراب أو رمل أو حجر.
• وقوله (ضربة واحدة) دليل على أن التيمم ضربة واحدة.
وإلى هذا ذهب عطاء، ومكحول، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
قال في الفتح: ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء، وهو قول عامة أهل الحديث.
واستدلوا بحديث عمار السابق وفيه (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة) ولفظه:
عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: (بَعَثَنِي اَلنَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ اَلْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي اَلصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ اَلدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ اَلْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ).
وذهب بعض العلماء: إلى أن التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين.
стр. 228
وهذا مذهب الشافعي، وروي ذلك عن ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، والثوري، وأصحاب الرأي.
أ- لحديث اِبْنِ عُمَر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى اَلْمِرْفَقَيْنِ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ اَلْأَئِمَّةُ وَقْفَه.
قال ابن القيم: لم يصح شيء في الضربتين.
وقال الحافظ في الفتح: الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح فيها سوى حديث أبي جهيم وحديث عمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه والراجح عدم رفعه.
وقال الدارقطني في سننه: وقفه عمر بن القطان وهشيْم وغيرهما وهو الصواب.
وقال الألباني: في الضربتين أحاديث واهية معلومة.
ب-ما رواه أبي جهم بن الحارث: (أن النبي ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه) رواه البخاري.
والراجح القول الأول.
والرد على أدلة القول الثاني:
قال الشوكاني: أحاديث الضربتين لا يخلو جميع طرقها من مقال، ولو صحت لكان الأخذ بها متعيناً لما فيها من الزيادة، فالحق الوقوف على ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار من الاقتصار على ضربة واحدة حتى تصح الزيادة على ذلك المقدار.
وحديث أبي الجهم (وذراعيه) فقد قال الحافظ ابن حجر: والثابت في حديث أبي جهم بلفظ (يديه) لا ذراعيه، فإنها رواية شاذة.
• قوله (فيمسح بهما وجهه وكفيه) فيه دليل على أن المسح يكون إلى الكوع.
وهذا مذهب مكحول، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد.
قال ابن المنذر: وبه أقول.
وحكاه الخطابي عن عامة أصحاب الحديث.
لحديث عمار السابق وفيه (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ،
وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَه).
стр. 229
وذهب بعض العلماء: إلى أنه إلى المرفقين.
وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة.
قياساً على الوضوء، حيث أن الله أمر بغسل اليد إلى المرفق في الوضوء.
قال ابن حجر في الفتح: وأما ما استدل به من اشترط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك مشروط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار.
والراجح الأول.
فائدة:
قال النووي: وحكى الماوردي وغيره عن الزهري أنه يجب مسحهما إلى الإبطين، وما أظن هذا يصح عنه. (المجموع).
• صفة التيمم واحدة في الحدث الأصغر والأكبر.
(وإن حُبِسَ في مِصرٍ فتيمم، أو عدم الماء والتراب صلى ولم يُعِد).
أي: إن حبِس في مصر - وهي البلد - ولم يتمكن من استعمال الماء، فإنه يجوز له أن يتيمم ويصلي ولا يعيد.
لأنه تعذر عليه استعمال الماء، فيجوز له التيمم.
(أو عَدِم الماء والتراب صلى ولم يُعِد).
أي: لو حبِس في مكان لا تراب فيه ولا ماء، ولا يستطيع الخروج منه، ولا يُجلب له ماء ولا تراب، فإنه يصلي على حسب حاله، محافظة على الوقت ولا يعيد.
وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة: إذا فقد الإنسان الماء والتراب فإنه يصلي على حسب حاله ولا يعيد.
وهذا مذهب الحنابلة، واختيار ابن تيمية، وابن القيم.
قال النووي: وهو أقوى الأقوال دليلاً.
أ-لقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا).
ب-ولقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
وجه الدلالة منهما: أن الله شرع الشرائع ولم يأمر الناس بما يشق عليهم، بل كلفهم في حدود طاقاتهم، ولا شك أن فاقد الطهورين قادر على الصلاة بدون طهارة، فيلزمه أن يتقي الله ما استطاع، وأن يصلي حسب حاله، فإذا صلى لا يعيد، لأنه فعل ما أمر به.
ج- ولحديث عَائِشَة (أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً، فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ جَزَاكِ اللَّهُ خَيْراً، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْراً) متفق عليه.
قال النووي: وَهَذَا مَذْهَب الْمُزَنِيِّ، وَهُوَ أَقْوَى الْأَقْوَال دَلِيلًا وَيُعَضِّدهُ هَذَا الْحَدِيث وَأَشْبَاهه فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ النَّبِيّ ﷺ إِيجَاب إِعَادَة مِثْل هَذِهِ الصَّلَاة، وَالْمُخْتَار أَنَّ الْقَضَاء إِنَّمَا يَجِب بِأَمْرٍ جَدِيد، وَلَمْ يَثْبُت الْأَمْر، فَلَا يَجِب.
د-ولحديث (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصلي ويعيد.
стр. 230
وهذا مذهب الشافعية، وقول أبي يوسف من الحنفية.
أ- لقوله ﷺ (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) قالوا: وهذا صلى بغير طهارة فيجب عليه أن يعيد.
ب-وقالوا: إنه عذر نادر فلم يسقط الإعادة.
وذهب بعضهم: إلى أنه لا يصلي حتى يقدر، ثم يقضي.
وهذا مذهب أبي حنيفة، وهول قول الثوري والأوزاعي.
أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً).
ب- ولحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (لا يقبل الله صلاة بغير طهور).
ج-ولحديث علي (مفتاح الصلاة الطهور) رواه أبو داود.
والصحيح - كما تقدم - أنه يصلي حسب حاله ولا يقضي.
وأجاب النووي ﵀ عن احتجاج بالآية فمن وجهين:
أحدهما: أن المراد لا تقربوا موضع الصلاة وهو المسجد.
والثاني: أنها محمولة على واجد المطهر وهذا الثاني هو الجواب عن الحديث أيضا كما في قوله ﷺ (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) معناه إذا قدر عليها وهذا هو الجواب أيضاً عن الحديث الآخر.
فائدة: على المذهب إذا صلى على حسب حاله لا يزيد على ما يُجزئ في الصلاة من قراءة وغيرها، فلا يقرأ زائداً عن الفاتحة، ولا يُسبّح أكثر من مرة، وإذا فرغ من قراءة الفاتحة ركع في الحال.
لكن هذا القول ضعيف.
стр. 231
قال ابن تيمية: ومن عدم الماء والتراب يتوجه أن يفعل ما يشاء، من صلاة فرض أو نفل وزيادة قراءة على ما يجزئ.
وقال السعدي: والصحيح أن الذي يعجز عن الطهارتين ويصلي حسب حاله أنه يصلي ما شاء من فروض ونوافل، ويزيد على ما يجزئ، لأنها كاملة في حقه لا نقص فيها.
فهذا الحديث يدل على أن المكلف مأمور بالإتيان بالواجب بحسب ما يستطيع.
(ويبطل التيمم بخروج الوقت).
أي: من مبطلات التيمم خروج الوقت.
فإذا تيمم لصلاة الظهر بطل بخروج الوقت، فلا يصلي به العصر.
وهذا بناء على أن التيمم مبيح لا رافع، وقد تقدم أن القول الصحيح أن التيمم رافع، وعليه فيجوز أن يصلي بتيممه أكثر من فرض ما دام لم ينقض تيممه بأي ناقض.
لأن التيمم بدل عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل.
(وبمبطلات الوضوء).
لأن البدل له حكم المبدل.
(وبوجود الماء ولو في الصلاة لا بعدَها).
أي: من مبطلات التيمم وجود الماء فيما إذا كان تيممه لعَدِم الماء.
• وقوله (ولو في الصلاة) أي: ولو وجد الماء أثناء الصلاة، فإنه يجب أن يقطع الصلاة ويتوضأ ويصلي من جديد.
مثال: إنسان تيمم لعدم الماء، ثم صلى، وفي أثناء الصلاة وجد الماء، إما بنزول مطر أو قدوم شخص معه الماء، فهنا يبطل تيممه ويقطع الصلاة ويتوضأ ويعيد الصلاة.
• وقوله (لا بعدها) أي: لو وجد الماء بعد الصلاة، فإنه لا يعيد الصلاة، وهذا قول الجمهور.
стр. 232
• ولذلك وجود الماء للمتيمم له حالات:
الحالة الأولى: أن يجد الماء قبل الصلاة، ففي هذه الحالة يجب عليه أن يتوضأ ويبطل تيممه.
قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من تيمم كما أمر، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أن طهارته تنتقض وعليه أن يعيد الطهارة ويصلي.
الحالة الثانية: أن يجد الماء بعد خروج وقت الصلاة، فلا إعادة عليه بالإجماع.
قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، أن لا إعادة عليه.
الحالة الثالثة: أن يجد الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت، فلا إعادة عليه عند جماهير العلماء.
لحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ (خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ اَلصَّلَاةَ -وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ- فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا اَلْمَاءَ فِي اَلْوَقْتِ. فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا اَلصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ اَلْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: "أَصَبْتَ اَلسُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ" وَقَالَ لِلْآخَرِ: "لَكَ اَلْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِي.
وقال عطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري: يعيد الصلاة.
الحالة الرابعة: أن يجد الماء أثناء الصلاة، فهذه موضع خلاف بين العلماء:
القول الأول: أنه يبطل تيممه، ويجب أن يتوضأ ويعيد الصلاة.
وبهذا قال أبو حنيفة والإمام أحمد.
وبه قال الثوري، واختاره ابن عبد البر.
أ-لقوله تعالى (فلم تجدوا ماءً فتيمموا. . .) وهذا وجد الماء.
ب-ولحديث أبي ذر (. . . فَإِذَا وَجَدَ اَلْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اَللَّهَ، وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ) وهذا وجد الماء.
ج - ولأن من وجد الماء في أثنائها قد قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلاة.
القول الثاني: أنه يكمل صلاته ولا يقطعها.
وبهذا قال مالك والشافعي وداود الظاهري ورجحه ابن المنذر.
لقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم).
стр. 233
والراجح القول الأول.
• من تيمم لمرض لم يبطل بوجود الماء، لأنه يجوز أن يتيمم مع وجود الماء، ولكن يبطل بالبرء وزوال المبيح وهو المرض.
(والتيمم يكون عن الحدث الأصغر والأكبر).
أي: أن التيمم يكون عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر.
وهذا مذهب أكثر العلماء، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
أ- لحديث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزلاً، لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا فُلانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلا مَاءَ، فَقَالَ: عَلَيْك بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيَكَ) متفق عليه.
ب- ولحديث عَمَّار بْن يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: (بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ، كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إنَّمَا يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا - ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ) متفق عليه.
قال النووي: ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا أحد من السلف إلا ما جاء عن عمر وعبد الله بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي التابعي، وقيل إن عمر وعبد الله رجعا عنه.
• أنه إذا تطهر الجنب بالتيمم ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء، إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده، والأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره ﷺ للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء. [قاله النووي: ٤/ ٥٧]
(والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى).
أي: إذا لم يجد الماء عند دخول الوقت، ولكن يرجو وجوده في آخر الوقت، فتأخير التيمم إلى آخر الوقت أولى، ليصلي بطهارة الماء،
وإن تيمم وصلى في أول الوقت فلا بأس.
стр. 234
• فإن علم وجود الماء آخر الوقت فإنه يؤخره من باب أولى، لكنه لا يجب بل يستحب.
وقيل: يجب.
والأول أصح.
لعموم قوله ﷺ (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل).
• ومفهوم المخالفة: أنه إن علم عدم وجدان الماء، أو ترجح عنده عدم وجدانه، فإنه يقدم الصلاة أول الوقت.
فائدة: هل يتيمم لخوف فوات صلاة الجنازة؟
جمهور الفقهاء إلى أنه لا يتيمم لخوف فوات الجنازة أو العيد.
وقال الإمام النووي: ذكرنا أن مذهبنا أن صلاة الجنازة لا تصح إلا بطهارة ومعناه إن تمكن من الوضوء لم تصح إلا به وإن عجز تيمم ولا يصح التيمم مع إمكان الماء وإن خاف فوت الوقت وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور وابن المنذر.
واستدل الجمهور على المنع:
أ-بأن التيمم لا يشرع مع وجود الماء والقدرة على استعماله.
ب- وأن الجنازة تفوت إلى بدل وهو الصلاة على القبر، وأن صلاة العيد لا تجب.
ج-وقياس الصلاتين على الجمعة، فقد حُكي فيها الإجماع - كما سيأتي - على أنها لا تصلى بالتيمم لخوف فواتها.
وذهب الحنفية إلى الجواز، واختاره ابن تيمية ﵀، وهو قول المالكية فيما إذا تعيّنت الجنازة.
قالوا: إن الجنازة لا تقضى، وأن العيد لا يعاد.
وعلَّل شيخ الإسلام ابن تيمية الجواز بأن الصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة.
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل يجوز المشي والصلاة على الجنازة لشخص جنب، وذلك بالتيمم. علما أنه لو ذهب ليتطهر لفاتته الجماعة في الصلاة على الميت؟
فأجابوا: الطهارة شرط لصحة الصلاة على الجنازة، ولا يصح التيمم لها مع وجود الماء والقدرة على استعماله، وإذا لم يتمكن من الصلاة عليه مع الجماعة صلى على قبره بعد دفنه إذا لم يمض للدفن شهر.
стр. 235
مسألة: التيمم خوف فوات الجمعة:
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة - وحكي إجماعاً- إلى أنه لا يتيمم لخوف فوات الجمعة، بل يصليها ظهراً بوضوء.
قال ابن المنذر ﵀: قال أبو ثور: لا أعلم خلافاً أن رجلاً لو أحدث يوم الجمعة وخاف فوتها أن ليس له أن يتيمم ويصلي.
وقال ابن بطال ﵀: واحتج أهل المقالة الأولى، فقالوا: أجمع أهل العلم على أن من خاف فوت الجمعة، أنه لا يجوز له التيمم، مثل أن يدرك الإمام في الركعة الثانية، فإن تيمم أدركها مع الإمام، وإن توضأ فاتته، فكلهم قال: لا يتيمم وإن فاتته الجمعة، فالذي يخاف فوت الجنازة أولى بذلك.
وذهب ابن تيمية ﵀ وبعض المالكية إلى أنه يتيمم لها عند خوف فواتها.
قال ابن تيمية ﵀: "ويجوز [يعني: التيمم] لخوف فوات صلاة الجنازة وهو رواية عن أحمد، وإسحاق، وألحق به من خاف فوات العيد، وقال أبو بكر عبد العزيز، والأوزاعي: بل لمن خاف فوات الجمعة ممن انتقض وضوؤه وهو في المسجد.
وقال أيضاً: وأما إذا خاف فوات الجنازة أو العيد أو الجمعة ففي التيمم نزاع، والأظهر أنه يصليها بالتيمم ولا يفوتها، وكذلك إذا لم يمكنه صلاة الجماعة الواجبة إلا بالتيمم فإنه يصليها بالتيمم، ومذهب أحمد في إحدى الروايتين أنه يجوز التيمم للجنازة مع أنه لا يختلف قوله في أنه يجوز أن يعيدها بوضوء فليست العلة على مذهبه تعذر الإعادة؛ بخلاف أبي حنيفة فإنه إنما علل ذلك بتعذر الإعادة وفرّق بين الجنازة
وبين العيد والجمعة.
وهذا القول الثاني رجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀.
قال في شرح الكافي: التيمم لفوت الجنازة وجيه، وكذلك التيمم لخوف فوت الجمعة، وكذلك التيمم لخوف فوات صلاة العيد، كل هذا جائز، فلو أن إنساناً في صلاة الجمعة أحدث في أثناء الخطبة وقال: إن ذهبت أتوضأ فاتتني الصلاة وإن تيممت أدركت الصلاة، نقول: تيمم وصل، لماذا؟
стр. 236
لأنه لو ذهب فاتته الصلاة ولا يمكنه تداركها، فإن كان ذلك في صلاة الظهر مثلا أحدث عند إقامة الصلاة وقال: إن ذهبت أتوضأ فاتتني الصلاة وإن تيممت أدركت الصلاة فهل يذهب يتوضأ أو يتيمم؟
يتوضأ.
والفرق بين هذا والجمعة، أن صلاة الظهر إذا فاتته أمكنه أن يتداركها بخلاف الجمعة.
قد يقول قائل: صلاة الجنازة أيضاً إذا فاتته أمكنه أن يصلي على القبر كما فعل النبي ﷺ . فنقول: نعم، هذا صحيح لكن لا سواء بين الصلاة على الميت وهو بين يديك وبين الصلاة على القبر ليس بينهما مساواة.
والأخذ بمذهب الجمهور في المسألتين أحوط؛ لأن التيمم إنما شرع عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، والجنازة تفوت إلى بدل وهو الصلاة على القبر، والجمعة بدلها الظهر، ويعذر في ترك صلاة العيد.
مسألة: اختلف العلماء إذا خشي خروج الوقت لو توضأ، فهل يتيمم ليدرك الوقت؟ أو يتوضأ ولو صلى خارج الوقت؟
القول الأول: أنه يتيم ويصلي بالوقت.
مشهور مذهب مالك أنه يتيمم ويصلي للوقت.
والرسول ﷺ حينما أتى من نحو بئر جمل -كما في الحديث- وسلم عليه الرجل، فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد ﵇ كره أن يرد ﵇ بدون طهارة، فتيمم في الحضر مع وجود الماء، كي لا يفوته رد السلام، كذلك إذا خشي فوات الفريضة تيمم لإدراك الوقت ولو وجد الماء.
القول الثاني: يتوضأ ولا يتيمم ولو خرج الوقت بسبب وجود الماء.
وهذا قول الشافعية والحنابلة.
قال ابن قدامة: وإذا كان الماء موجوداً إلا أنه إذا اشتغل بتحصيله واستعماله فات الوقت، لم يُبح له التيمم سواء كان حاضراً أو مسافراً في قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي.
وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية وفصل المسألة فقال: يفرَّق بين النائم والناسي وبين غيرهما فإذا كان هذا التأخير حتى ضاق الوقت بسبب أنه كان نائماً أو ناسياً، فإنه يتوضأ ولو خرج الوقت لماذا؟ لأن الوقت في حقه من حين الاستيقاظ ليس في النوم تفريط و (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها -أو فليصليها- إذا ذكرها) فهذا معذور، فبالتالي يقدم الوضوء بالماء حتى لو خرج الوقت، لأن هذا وقت في حقه، هذا هو أول الوقت في حقه أما إذا لم يكن نائماً ولا ناسياً، فإنه يتيمم لإدراك الوقت.
стр. 237
باب إزالة النجاسة
النجاسة ضد الطهارة، وهي نوعان:
أولاً: نجاسة عينية: وهي كل عين جامدة يابسة أو رطبة أو مائعة، وهذه لا تطهر بحال، وسميت عينية لأنها تدرك بالعين، كالبول ودم الحائض.
ثانياً: نجاسة حكمية: وهي التي تقع على شيء طاهر فينجس بها، كالبول يقع على الثوب أو فراش ونحوهما، وهي المراد هنا.
(تغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهُن بالتراب).
أما نجاسة الكلب:
فلحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذْ وَلَغَ فِيهِ اَلْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ: (فَلْيُرِقْهُ).
وَلِلتِّرْمِذِيِّ: (أُخْرَاهُنَّ، أَوْ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ).
(طُهور) بضم الطاء، أي: مُطَهِّر إناء أحدكم.
ففي هذا الحديث: وجوب غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات.
ويؤخذ هذا الحكم من الحديث من وجهين:
الأول: قوله (طهور إناء حدكم … ) ولفظ الطهور لا يكون إلا من حدث أو نجاسة.
الثاني: لأنه أمر ﷺ بإراقته كما في الرواية (فَلْيُرِقْهُ).
وهذا قول أكثر أهل العلم.
стр. 238
قال النووي: وقد اختلف العلماء في ولوغ الكلب، فمذهبنا أنه ينجس ما ولغ فيه، ويجب غسل إنائه سبع مرات إحداهن بالتراب، وبهذا قال أكثر العلماء. حكى ابن المنذر وجوب الغسل سبعا عن أبي هريرة وابن عباس وعروة بن الزبير وطاوس وعمرو بن دينار ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور. قال ابن المنذر: وبه أقول. (المجموع).
• قوله (الكلب) (أل) في الكلب للاستغراق، فيشمل جميع أنواع الكلاب، وعليه فلا فرق بين الكلب المأذون فيه ككلب الصيد وحراسة الماشية والزرع، وغير المأذون فيه وهو ما عداها.
• قوله (طهور إناء .. ) لم يفرق العلماء بين الآنية وغيرها، فيجب غسل الإناء أو الثوب سبع مرات.
قال العراقي: ذكر الإناء خرج مخرج الأغلب.
• قوله (إحداهُن بالتراب) فيه أنه يجب استعمال التراب في نجاسة الكلب، للحديث السابق (أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ).
وهذا قول جماهير العلماء.
• موضع الغسلة بالتراب:
جاء في مسلم كما في الحديث السابق (أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ).
وجاء عند الترمذي (أُخْرَاهُنَّ، أَوْ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ).
وعند الدارقطني (إحداهن).
وأرجح هذه الروايات رواية (أولاهن)، لأمور:
أولاً: أنها أصح إسناداً وأكثر رواة.
ثانياً: أن الغسل بالتراب لو كانت هي الأخيرة لكان ينبغي أن تتبعه غسلة بعدها لإزالة التراب.
ثالثاً: تخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض.
قال النووي: الأفضل أن يكون التراب في غير الغسلة الأخيرة ليأتي عليه ما ينظفه، والأفضل أن يكون في الأولى.
قال الشوكاني: وقد نص الشافعي على أن الأولى أولى.
стр. 239
وقال الصنعاني: رواية أولاهن أرجح لكثرة رواتها بإخراج الشيخين لها، وذلك من وجوه الترجيح عن التعارض.
وقال الشيخ محمد ﵀: لأن الأولى إذا كانت بالتراب صارت الغسلات الثانية والتي بعدها تزيده طهرة ونظافة.
• هل يقوم غير التراب مقامه أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
فقيل: يشترط التراب ولا يقوم غيره مقامه.
لأن النص ورد في التراب، ولأنه أحد الطهورين.
قال النووي: ولا يقوم الصابون والاشنان وما أشبههما مقام التراب على الأصح. [شرح مسلم].
وقيل: يقوم غيره مقامه.
واختاره بعض العلماء.
قالوا: وإنما نص على التراب لتوفره وسهولة الحصول عليه، والراجح الأول، واختاره الشيخ ابن عثيمين.
قال الشيخ ابن عثيمين عن القول بأنه يجزئ عن التراب غيره قال: وهذا فيه نظر لما يلي:
أولاً: أن الشارع نص على التراب، فالواجب اتباع النص.
ثانياً: أن السدر والأشنان كانت موجودة في عهد النبي ﷺ ولم يشر إليهما.
ثالثاً: لعل في التراب مادة تقتل الجراثيم التي تخرج من لعاب الكلب.
رابعاً: أن التراب أحد الطهورين، لأنه يقوم مقام الماء في باب التيمم إذا عدم. وقال ﷺ (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
فالصحيح: أنه لا يجزئ عن استعمال التراب، لكن لو فرض عدم وجود التراب وهذا احتمال بعيد، فإن استعمال الأشنان، أو الصابون خير من عدمه. (الشرح الممتع).
стр. 240
• أكثر العلماء على أن بول الكلب ورجيعه يجب غسله سبعاً كولوغه.
قالوا: وإنما نص النبي ﷺ على الولوغ لأنه هو الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
وعلى هذا القول: لو بال كلب في إناء فإنه يغسل سبع مرات إحداها بالتراب.
وذهب بعض العلماء إلى أن الغسل سبعاً خاص بنجاسة الولوغ، أما بوله أو روثه أو دمه فكسائر النجاسات.
وهذا قول الظاهرية، واختاره الشوكاني.
لقوله (إذا ولغ … ).
والكلاب كانت تبول في أمكنة الناس ومجالسهم ولم ينبّه الرسول ﷺ على ذلك.
قال النووي: وهذا الوجه متجه وقوي من حيث الدليل لأن الأمر بالغسل سبعاً من الولوغ إنما كان لينفرهم عن مواكلة الكلب وهذا مفقود في غير الولوغ. [المجموع].
قال الشوكاني: وهذا حكم مختص بولوغه فقط وليس فيه ما يدل على نجاسة ذاته كلها لحماً وعظماً ودماً وشعراً وعرقاً وإلحاق هذه بالقياس على الولوغ بعيد جداً. [السيل الجرار].
• لو أدخل الكلب يده أو رجله في الإناء فإنه لا يغسل سبعاً كالولوغ، وإنما يغسل كسائر النجاسات.
لأن النص جاء في الولوغ وهذا لا يسمى ولوغاً.
• لو ولغ الكلب في غير الإناء كالثوب فهل يجب غسله سبعاً أم لا؟
قيل: إن ولوغ الكلب في غير الإناء لا يضر.
لأنه خص الولوغ في الإناء.
وقيل: يجب التسبيع فيه.
стр. 241
قالوا: إن ذِكر الإناء خرج مخرج الغالب؛ لأن الكلب غالباً ما يلغ في الإناء، وإذا كان خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ولا يخصص الحكم.
بناءً عليه إذا أصاب لعاب الكلب الثوب أو اليد أو الأرض وجب فيه التسبيع بناءً على هذا القول الثاني، وهذا القول هو الراجح.
• إذا صاد كلب الصيد بفمه، فإن الصحيح أنه لا يجب غسل اللحم سبع مرات إحداها بالتراب، لأن هذا مما عفا عنه الشارع، والقاعدة في ذلك (ما كان معفواً عنه شرعاً زال ضرره قدراً).
(والخنزير سبعاً).
أي: أن نجاسة الخنزير كنجاسة الكلب تغسل سبعاً.
لأن النص وقع في الكلب، والخنزير شر منه وأغلظ، لأن الله تعالى نص على تحريمه وأجمع المسلمون على ذلك وحرم اقتناؤه. [المغني]
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يقاس على الكلب وذلك لأمور:
أولاً: لأن النص ورد في الكلب.
ثانياً: لأن الخنزير مذكور في القرآن، وموجود في زمن النبي ﷺ ولم يرد إلحاقه.
قال النووي: واعلم أن الراجح من حيث الدليل أنه يكفي غسلة واحدة بلا تراب وبه قال أكثر العلماء الذين قالوا بنجاسة الخنزير وهذا هو المختار، لأن الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع لا سيما في هذه المسألة المبنية على التعبد. [المجموع].
وقال ﵀: وذهب أكثر العلماء إلى أن الخنزير لا يفتقر إلى غسله سبعاً وهو قول الشافعي. [شرح مسلم].
وهذا القول هو الراجح.
стр. 242
(ويجزئ في سائر النجاسات ثلاثٌ منقية).
أي: ويجزئ في غسل سائر النجاسات - غير الكلب والخنزير - ثلاث غسلات منقية.
وقيل: سبع.
وهذا المشهور من المذهب.
لما روى ابن عمر قال: (أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً) وهذا الأثر لا يصح ولا يحتج به، وقد ذكره ابن قدامة في المغني بدون إسناد.
وقيل: واحدة تكفي.
وهذا القول هو الصحيح.
أي: أنه يكفي إذا وقعت نجاسة على البدن أو الثوب أو البقعة أو غيرها أن تغسل حتى تزول عينها عن المحل، ولا يشترط عدد معين للغسلات.
وهذا اختيار ابن تيمية ﵀: أنه لا يجب العدد في غسل نجاسة غير الكلب، بل يكفي غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة وأثرها، فإن لم تذهب زاد حتى يذهب أثرها ولو جاوز السبع سواء في الأرض أو الثوب أو الأواني.
أ- لحديث أَسْمَاءَ قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّى فِيهِ) ولم يأمر فيه بعدد، ولو أراد لبيّنه كما في حديث الولوغ.
(تَحُتُّهُ) أي تحكه وتقْشُرُه، وقد أخرجه ابن خزيمة بلفظ (فحكيه) والمراد بذلك إزالة عينه ليهون غسله بالماء. (ثُمَّ تَقْرُصُهُ) أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما يشربه الثوب منه. (ثُمَّ تَنْضَحُهُ) قيل: المراد به الرش، ورجحه القرطبي. وقيل: المراد الغسل، ورجحه الخطابي وابن حجر، لأنه جاء في روايات أخرى أنه قال: (تغسله).
ب- ولحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﷺ قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ اَلْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ اَلنَّاسُ، فَنَهَاهُمْ اَلنَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ; فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ.) مُتَّفَقٌ عَلَيْه، ولم يأمر بالعدد.
ج- ولأن المقصود إزالة النجاسة، فمتى زالت زال حكمها.
د- ولأن غسل النجاسة لا يحتاج إلى نية، فلا يحتاج إلى عدد.
هـ- ولأنه لو لم تزل بسبع غسلات وجب الزيادة على ذلك بالاتفاق، فدل على عدم اعتبار السبع، إلا فيما جعله الشارع شرطاً فيه كنجاسة الكلب.
стр. 243
قال الشيخ السعدي مرجحاً هذا القول: الصحيح في غسل النجاسات كلِّها غير الكلب: أنه يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة وأثرها، فإن لم تذهب زاد حتى يذهب أثرها، ولو جاوز السبع، وسواء كانت على الأرض أو الثياب أو البدن أو الأواني أو غير
ذلك … إلى أن قال: لأن جميع النصوص الواردة في غسل النجاسات مطلقة لا قيد فيها ولا عدد، وذلك يدل على أن المقصود إزالتها فقط، وأن العدد فيها غير مقصود.
فائدة: حديث الأعرابي ﷺ السابق (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ اَلْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ اَلنَّاسُ، فَنَهَاهُمْ اَلنَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ; فَأُهْرِيقَ عَلَيْه).
فيه دليل على أنه إذا وقعت نجاسة على الأرض فتطهر بصب الماء على المكان النجس بدون تكرار، سواء كانت الأرض صلبة أم رخوة.
وهذا مذهب جماهير العلماء كما حكاه النووي عنهم.
لقوله (فَأُهْرِيقَ عَلَيْه … ) ولم يحفر المكان أو ينقل ترابه بل اكتفى بصب الماء.
فإن كان للنجاسة جرم كعذرة أو دم جفّ، فلا بد من إزالة ذلك قبل تطهيرها بالماء.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الأرض الصلبة تحفر.
واستدلوا بروايات جاءت في هذا الحديث لكنها ضعيفة لا تصح.
فقد جاء عند الدار قطني من حديث أنس بلفظ (احفروا مكانه ثم صبوا عليه).
وعند سعيد بن منصور (خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماءً).
(ولا يطهرُ مُتَنَجِّسٌ بشمسٍ ودلك).
المتنجِّس: ما أصابته النجاسة.
أي: لا يطهر أي متنجس - من أرض أو ثوب أو فراش أو غير ذلك - بشمس، أي بذهاب نجاسته بشمس.
стр. 244
وهذا مذهب مالك، والشافعي، والحنابلة واختاره ابن المنذر.
أ- لقوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً).
ولقوله تعالى (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِه).
قال النووي ﵀: ذكره امتناناً فلو حصلت الطهارة بغيره لم يحصل الامتنان به. انتهى.
ب-لحديث الأعرابي وفيه (فأمر بذنوب من ماء).
وجه الدلالة: لو كان الجفاف مطهراً لاكتفى به النبي ﷺ ولم يأمر بالماء.
ج- قالوا: إذا كانت طهارة الحدث لا تكون إلا بالماء مع وجوده، فكذلك إزالة النجاسة لا تكون إلا بالماء.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشترط الماء.
وهذا قول الحنفية، واختاره ابن تيمية.
قال ابن تيمية ﵀: … فإن العلماء اختلفوا في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة، هل تطهر الأرض على قولين: أحدهما: تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة .. وهو الصحيح في الدليل.
أ-لحديث ابن عمر (أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ لم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك) رواه البخاري دون ذكر (البول).
وجه الدلالة: لو كانت النجاسة باقية لوجب غسلها بالماء، مما يدل على أنها طهرت بالريح أو بالشمس.
ب- وقالوا: إن النجاسة عين خبيثة، فإذا زالت زال حكمها.
وهذا القول هو الراجح.
والجواب عن حديث الأعرابي (أَمَرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاء … )؟
أن المقصود بذلك تعجيل تطهير المسجد، إذ لو تركه حتى تطهره الشمس لتأخر تطهيره، فليس في الحديث حصر التطهير بالماء. [ابن تيمية].
стр. 245
وقال الشيخ ابن عثيمين: وأما ذكر الماء في التطهير في الأدلة السابقة فلا يدل تعيينه على تعيينه، لأن تعيينه لكونه أسرع في الإزالة وأيسر على المكلف.
وأما قياس إزالة النجاسة على طهارة الحدث، فهو قياس مع الفارق لما يلي:
أ- طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح بخلاف إزالة النجاسة.
ب- طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان بخلاف طهارة الخبث.
ج- طهارة الحدث طهارة تعبدية غير معقولة المعنى بخلاف طهارة الخبث فإنها طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.
و إذا ثبت الفرق لم يصح ال
(ولا استحالة).
أي: أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة.
الاستحالةُ لغةً: تُطلَقُ على تغيُّرِ الشَّيءِ عن طَبعِه ووَصفِه.
واصطلاحًا: تَحوُّلُ العَينِ النَّجسةِ بنَفْسِها أو بواسطة.
قال ابن قدامة: ظاهِرُ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالِاسْتِحَالَةِ، إلَّا الْخَمْرَةَ، إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا، وَمَا عَدَاهُ لَا يَطْهُرُ؛ كَالنَّجَاسَاتِ إذَا احْتَرَقَتْ وَصَارَتْ رَمَادًا، وَالْخِنْزِيرِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَلَّاحَةِ وَصَارَ مِلْحًا، وَالدُّخَانِ الْمُتَرَقِّي مِنْ وَقُودِ النَّجَاسَةِ، وَالْبُخَارِ الْمُتَصَاعِدِ مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ إذَا اجْتَمَعَتْ مِنْهُ نَدَاوَةٌ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ ثُمَّ قَطَّرَ، فَهُوَ نَجِسٌ.
قال المرداوي على قول ابن قدامة: لَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالِاسْتِحَالَةِ، قال: هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب ونصروه.
أ- لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ نهى عن أكل الجلالة وألبانها) رواه أبو داود. (الجلالة: هي التي تأكل العَذِرَة من الحيوان).
وجه الدلالة: أنه إنما نهى عنها لأكلها النجاسة، ولو كانت تطهر بالاستحالة لم يؤثر أكلها النجاسة لأنها تستحيل.
وذهب بعض العلماء: إلى أن استحالة النجاسة تطهرها.
وهذا مَذهَبُ الحنفيّة، والمالكيَّة، وروايةٌ عن أحمد، وهو اختيارُ ابنِ حَزم، وابنِ تيميَّة، وابنِ القيِّم.
وبه أفتت اللَّجنةُ الدَّائمة، وهو قول أكثر العُلَماء.
стр. 246
وشرط ذلك: أن لا يبقى أثر للنجاسة، لا طعمها، ولا لونها، ولا ريحها.
أ-القياسُ على ما أجمَعوا عليه من أنَّ الخَمرةَ إذا استحالتْ بنفْسِها وصارتْ خلًّا، كانت طاهرةً؛ فكذلك سائِرُ النَّجاساتِ إذا انقلَبَت إلى عينٍ طاهرةٍ، صار لها حُكمُ الطَّاهرات.
ب- أنَّ المعنى الذي لأجْله كانت تلك العَينُ نَجسةً، معدومٌ في العَينِ التي استحالَت إليها؛ فلا معنى لبقاءِ الاسمِ عليه، فالشَّرعُ رتَّبَ وَصفَ النَّجاسةِ على تلك الحقيقةِ، فينتفي بانتفائِها.
قال ابن القيم في أعلام الموقعين: ومن الممتنع بقاء حكم الخبيث وقد زال اسمه ووصفه والحكم تابع للاسم والوصف دائر معه وجوداً أو عدما، فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر لا يتناول الزروع والثمار والرماد والملح والخل لا لفظاً ولا معنى ولا نصا ولا قياساً.
(وتطهر خمرة انقلبت بنفسها خلاً).
أي: أن الخمر إذا تخللت بنفسها - بدون فعل أحد - فإنها تكون طاهرة.
قال النووي: وأجمعوا على أنها إذا انقلبت بنفسها خلاً طهرت، وقد حكي عن سحنون أنها لا تطهر، فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله.
وإما إذا تخللت بفعل آدمي كما لو تخللت بأن أضاف إليها إنسان شيئاً، أو نقلها من الشمس إلى الظل أو العكس، فإنه لا يجوز ولا تطهر.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ- لحديث أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا? قَالَ: لَا) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
(تُتَّخَذُ خَلًّا) المراد باتخاذها خلاً هو علاجها حتى تصير خلاً بعدما تشتد وتقذف الزبد، وذلك بوضع شيء فيها، كبصل أو خبز أو خميرة ونحو ذلك، أو ينقلها من الظل إلى الشمس أو بالعكس.
ب- وعند أبي داود: عَنْ أَنَس (أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، قَالَ: أَهْرِقْهَا قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: لَا).
стр. 247
وجه الدلالة: أنه لو كان هناك طريق للانتفاع لتطهير الخمر لأرشد إليه النبي ﷺ حفظاً للأموال، وأيضاً كما في الرواية الأخرى: (كانت لأيتام) والأيتام أولى بحفظ أموالهم، فلو كان تخليلها جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ .
وكذلك قوله (أهرقها) دليل على أنه لا يجوز تخليلها، لأنه يجب إراقتها ولا يجوز اقتناؤها.
• في قوله (وتطهر خمرة) دليل على أن مذهب الحنابلة يرون نجاسة الخمر.
وهذا قول جماهير العلماء: أن الخمر نجسة.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، ورجحه ابن تيمية، والشنقيطي، وابن باز رحم الله الجميع.
أ- لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس).
فقد سمى الله الخمر رجساً، والرجس النجس، قالوا: ولا يضر قرن الميسر والأنصاب والأزلام معها، وذلك أن ثلاثتها قد خرجت بالإجماع.
قال الشنقيطي: يُفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمرَ نجسة العين، لأن الله تعالى قال (إنها رجس) والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس.
ب- ولقوله تعالى (وسقاهم ربهم شراباً طهوراً).
قال الشنقيطي: لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور، يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح الله بها خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا كقوله (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) وكقوله (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ) بخلاف خمر الدنيا ففيها غوْل يغتال العقول وأهلها، يُصدعون، أي: يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس.
ج- حديث أبي ثعلبة الخشني السابق، حيث في رواية أبي داود (إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر … ).
стр. 248
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمر أبا ثعلبة الخشني وقومه بغسل أواني أهل الكتاب التي يطبخون فيها الخنزير، ويشربون فيها الخمر، وأن لا يستعملوها إلا إذا لم يجدوا غيرها بعد أن يغسلوها، والأمر بغسلها دليل نجاستها.
واستدلوا من العقل من ثلاثة أوجه:
أولها: أن الخمر شيء حرم تناوله من غير ضرر، فكان نجساً كالدم.
والثاني: القياس على الكلب تغليظاً وزجراً.
والثالث: أن من تمام تحريمها، وكمال الردع عنها الحكم بنجاستها حتى يتقذرها العبد، فيكف عنها قربناً، بالنجاسة وشرباً بالتحريم، فالحكم بتحريمها يوجب نجاستها. (المجموع شرح المهذب).
وذهب بعض العلماء: إلى أنها طاهرة ليست بنجسة.
وهذا قال به ربيعة الرأي، والليث بن سعد، والمزني صاحب الشافعي، ورجحه الألباني، والشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
أ-لحديث أنس بن مالك قال: (كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة … فإذا مناد ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فأهرقتها) متفق
عليه.
قال الشيخ ابن عثيمين: وطرقات المسلمين لا يجوز أن تكون مكاناً لإراقة النجاسة، ولهذا يحرم على الإنسان أن يبول في الطريق، أو يصيب فيه النجاسة.
ب-وعن ابن عباس قال: (إن رجلاً أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : هل علمت أن الله قد حرمها؟ قال: لا، فسارَّ إنساناً، فقال له رسول الله ﷺ : بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها، فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها). رواه مسلم
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وهذا بحضرة النبي ﷺ ، ولم يقل له: اغسلها، وهذا بعد التحريم بلا ريب.
ج-ولأن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم دليل على النجاسة.
قالوا: وأما الجواب عن الآية: بأن يقال بأن المراد بالنجاسة النجاسة المعنوية لا الحسية، بدليل أنها قرنت بالأنصاب والأزلام والميسر، ونجاسة هذه معنوية.
والراجح قول الجمهور والله أعلم.
стр. 249
وأما الجواب عن إراقة الصحابة لها بالشوارع:
قال القرطبي: … والجواب أن الصحابة فعلت ذلك لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم، … ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور.
وأيضاً فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة واسعة ولم يكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطرق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز منها، هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك. (الجامع لأحكام القرآن).
(وإن خفيَ موضعُ نجاسةٍ غَسل حتى يجزمَ بزوالهِ).
أي: وإن خفي موضع من الثوب أو غيره غسل الموضع حتى يجزم بزواله.
والنجاسة إما أن تكون في الثوب أو في البدن أو في البقعة.
فإذا وقعت النجاسة في أحد هذه الثلاثة أشياء فإما أن يعلم مكانها أو يجهل.
فإن علم فالأمر ظاهر أنه يغسل.
وإن جهل فإنه يغسل حتى يجزم بزوال النجاسة.
ويستثنى من هذا الحكم إذا وقعت النجاسة في بقعة كبيرة كما إذا وقعت في فضاء واسع فإنها إذا كانت وقعت في فضاء واسع فإنه لا يشترط أن يغسل ولا أن يتحرى للمشقة.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن النجاسة إذا وقعت في البدن أو الثوب أو البقعة المحدودة وأمكن التحري - وهذا شرط مهم - فإنه يتحرى لأنه إذا جاء الشرع بالتحري في عدد الركعات فمن باب أولى أن يتحرى في تحديد البقعة النجسة.
والأحوط في الحقيقة مذهب الحنابلة أنه إذا اشتبهت النجاسة في البقعة أو البدن أو الثوب المحدود فإنه يغسل حتى يجزم بزوال النجاسة لأن النجاسة وجدت قطعاً فإذا كانت النجاسة موجودة يقيناً فإنه يسعى إلى إزالتها باليقين أيضاً وذلك بأن يغسل إلى أن يجزم بزوال النجاسة.
وهذا القول كما قلت أحوط وأقرب إلى القواعد الشرعية.
стр. 250
(ويطهر بولُ غلامٍ لم يأكل الطعام بنضحه).
أي: وكيفية تطهير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام - إذا بال على ثوب أو فراش أو غيرهما - يكون بالنضح تخفيفاً.
والنضح: هو أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره، ورجحه النووي.
وقال الشيخ ابن عثيمين: والنَّضح: أن تُتْبِعَهُ الماء دون فَرْكٍ، أو عَصْرٍ حتى يشمله كلَّه.
وأما الغَسْل: فهو أن يغسله ويغمره بالماء.
أ- حديث أم قيس بنت محصن (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه عليه ولم يغسله) متفق عليه.
ب- وحديث عائشة قالت (أتي رسول الله ﷺ بصبي يحنكه، فبال عليه فأتبعه الماء) متفق عليه.
ولمسلم (فبال عليه فدعا بماء، فأتبعه بوله ولم يغسله).
ج- ولحديث أَبِي اَلسَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ اَلْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ اَلْغُلَامِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ
د- ولحديث أم الفضل لبابة بنت الحارث قالت (بال الحسين بن علي في حجر النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أعطني ثوبك والبس ثوباً غيره حتى أغسله، فقال: إنما ينضح من بول الذكر، ويغسل من بول الأنثى). واه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وابن خزيمة وابن حبان.
следующие страницы →