Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
(ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي).
أي: أن الحاج يستمر في التلبية حتى ابتداء الرمي.
عنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵃ قَالَا: (لَمْ يَزَلِ اَلنَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ اَلْعَقَبَةِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد.
قال النووي: يبدأ وقت التلبية من حين الإحرام إلى يوم النحر حتى يرمي جمرة العقبة لما أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس أنه قال (لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة) وهذا قول الشافعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي ثور وأحمد وإسحاق وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.
قال ابن عبد البر: فقال الثوري والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأبور ثور: يقطعها في أول حصاة يرميها من جمرة العقبة.
قال الشنقيطي: فاعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل: أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة لما جاء عند مسلم عن الفضل بن عباس (أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة) وقوله في هذا الحديث (حتى بلغ الجمرة) هو حجة من قال يقطع التلبية عند الشروع في الرمي لأن بلوغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة.
وهو قول إسحاق، وابن خزيمة، واختاره بن حزم.
لحديث الفضل قال: (إن النبي ﷺ قطع التلبية مع آخر حصاة). رواه ابن خزيمة
لكن هذه اللفظة: (ثم قطع التلبية مع آخر حصاة) منكرة، لم ترد في الحديث.
قال البيهقي في سننه: هذه الزيادة غريبة، وليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل.
стр. 1857
والراجح القول الأول.
ومن القرائن الدالة على ذلك، ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير في كل حصاة، فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة لتتابع رمي الحصيات.
• فإن قيل: ما الجواب عن حديث عَنْ نَافِعٍ قَالَ (كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) رواه البخاري؟
الجواب: أن يقال: إن المراد بقطع التلبية عند دخول الحرم الإمساك عنها - للحاج - إمساكاً مؤقتاً ينتهي بالطواف والسعي، ثم يعاودها بعد الخروج من مكة إلى عرفة.
قال ابن خزيمة: وأخبار النبي ﷺ أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة دالة على أنه لم يقطع التلبية عند دخوله الحرم قطعاً لم يعاود لها.
ويدل لهذا الجمع: ما روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك التلبية في العمرة إذا دخل الحرم.
فائدة:
متى يقطع المعتمر التلبية؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: يقطعها عند دخول أدنى الحرم.
стр. 1858
وهو قول ابن عمر وعروة بن الزبير والحسن ومالك والنسائي وابن خزيمة.
عَنْ نَافِعٍ قَالَ (كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) رواه البخاري.
القول الثاني: يقطعها إذا استلم الركن.
قال في المغني: وبهذا قال ابن عباس، وعطاء، وعمرو بن ميمون، وطاوس، والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
قال الترمذي بعدما خرج حديث ابن عباس الآتي قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر.
أ- عن ابن عباس قال (يمسك ﷺ عن التلبية في العمرة، إذا استلم الحجر). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ب- وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ (اعتمر ثلاث عمر، ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر) رواه أحمد وإسناده ضعيف وضعفه ابن حزم.
ج-ولأن التلبية إجابة إلى العبادة، وإشعار للإقامة عليها، وإنما يتركها إذا شرع فيما ينافيها، وهو التحلل منها، والتحلل يحصل بالطواف والسعي، فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل، فينبغي أن يقطع التلبية، كالحج إذا شرع في رمي جمرة العقبة، لحصول التحلل بها. وأما قبل ذلك، فلم يشرع فيما ينافيها، فلا معنى لقطعها. (المغني).
(ولا يقف عندها).
أي: إذا انتهى من رمي جمرة العقبة يوم العيد، فإنه لا يقف عندها، لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك.
стр. 1859
(ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل).
وقد تقدم دليل ذلك.
(ثمّ ينحرُ هديَهُ).
هذا العمل الثاني من أعمال يوم العيد: وهو نحر الهدي.
لقول جابر ( .. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ).
والهدي على المتمتع والقارن، أما المتمتع بنص القرآن قال تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وأما القارن فوجوب الهدي عليه هو مذهب جمهور العلماء، قياساً على المتمتع.
ودم التمتع والقران دم نسك وعبادة، فهو دم شكر حيث حصل للعبد نُسُكان في سفر واحد ودم واحد. ولهذا كان دم المتعة والقران مما يؤكل منه ويهدى ويتصدق -فليس هو دم جبران-، وأما دم المحظور لا يؤكل منه ولا يهدى، فهو يصرف على الفقراء.
فإن عدم الهدي فقد قال تعالى (فإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). فعليه -كما أخبر الله- صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم.
ومعنى لا يجد الهدي: أن لا يوجد هدي في الأسواق، أو أن يوجد بهيمة أنعام لكنه لا يملك الثمن. (وقد تقدمت المسألة)
стр. 1860
(ويَحْلقُ أو يقصّر من جميع شعَرهِ، وتُقصّرُ المرأة منه قدْرَ أنْمُلةٍ).
هذا العمل الثالث من أعمال يوم العيد: الحلق أو التقصير.
لم يذكر جابر الحلق في هذه الرواية، لكن جاء عند أحمد من حديث جابر ( … نحر رسول الله ﷺ فحلق).
وفي حديث أنس (أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس).
وهذا يدل على أن السنة أن يكون الحلق بعد النحر (رمي، نحر، حلق).
• والحلق أفضل من التقصير:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ) متفق عليه.
وقد قال تعالي (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون).
فقدم الله الحلق علي التقصير، وهذا يدل على أن الحلق أفضل لتقدمه.
ولحديث ابن عمر ﵄ قال: (حلق رسول الله ﷺ في حجته) متفق عليه.
وهذا فعل النبي ﷺ ، ولا شك أن فعل النبي ﷺ هو الأفضل.
فائدة: ١
وجه كون الحلق أفضل من التقصير.
قال في الفتح: وجه كون الحلق أفضل من التقصير أنه أبلغ في العبادة، وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية، فالذي يقصّر يُبقي على نفسه شيئاً مما يتزين به، بخلاف الحالق، فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى.
وقال النووي: ووجه فضيلة الحلق على التقصير أنه أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية في التذلل لله تعالى، ولأن المقصر مبق على نفسه الشعر الذي هو زينة، والحاج مأمور بترك الزينة، بل هو أشعث أغبر.
стр. 1861
فائدة: ٢
الإنسان مخير بين الحلق والتقصير.
قال ابن قدامة: في قول أكثر أهل العلم.
قال النووي: وذكر الأحاديث في دعائه ﷺ للمحلقين ثلاث مرات، وللمقصرين مرة بعد ذلك، هذا كله تصريح بجواز الاقتصار على
أحد الأمرين إن شاء اقتصر على الحلق، وإن شاء على التقصير، وتصريح بتفضيل الحلق، وقد أجمع العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير، وعلى أن التقصير يجزي إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول: يلزمه الحلق في أول حجة، ولا يجزئه التقصير، وهذا إن صح عنه مردود بالنصوص وإجماع من قبله.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ.
стр. 1862
فائدة: ٣
الحلق أو التقصير في الحج واجب من واجبات الحج في قول جمهور العلماء.
أ-لقوله تعالى (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ).
وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى جعل الحلق والتقصير وصفاً للحج والعمرة، والقاعدة أنه إذا عبر بجزءٍ من العبادة عن العبادة، كان دليلاً على وجوبه فيها.
ب- عن عبد الله بن عمر ﵄ (أنَّ رسول الله ﷺ خرج معتمراً، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية). أخرجه البخاري
ج-عن عبد الله بن عمر ﵄ (أنَّ رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع) أخرجه البخاري ومسلم، وقد قال ﷺ (لتأخذوا عني مناسككم)، مع كون فعله وقع بياناً لمجمل الكتاب.
فائدة: ٤
اختلف العلماء: ماذا يفعل من كان أصلع الرأس على أقوال:
القول الأول: يجب أن يمر الموسى على رأسه إمراراً.
وبهذا قال الحنفية والمالكية.
واستدلوا على ذلك بما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال في الأصلع (يمر الموسى على رأسه) وهو أثر لا تقوم به حجة لضعفه.
стр. 1863
القول الثاني: استحباب إمرار الموسى على الرأس.
وبه قال الشافعية والحنابلة.
واستدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول، وبالإجماع.
قال النووي ﵀: ونقل ابن المنذر إجماع العلماء على أن الأصلع يمر الموسى على رأسه.
القول الثالث: أنه لا شيء عليه.
وبه قال العلامة ابن عثيمين ﵀، قال: وهذا في الحقيقة لا فائدة له (أي: إمرار الموسى على رأس الأصلع)؛ لأنَّ إمرار الموسى على الشَّعر ليس مقصوداً لذاته حتى يُقال: لمّا تعذَّر أحد الأمرين شُرع الأخذ بالآخر؛ لأن المقصود من إِمرار الموسى إزالة الشَّعر، وهذا لا شعر له، لقوله تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) وهذا لم يؤته الله شعراً فلا يكلَّف عمل شيء.
فائدة: ٥
الحلق أفضل من التقصير لعموم دعاء النبي ﷺ - إلا في حالة واحدة فإن التقصير أفضل، وذلك للمتمتع إذا كان الإنسان متمتعاً بالعمرة إلى الحج، فإن التقصير أفضل لأجل أن يتوفر الشعر للحلق في الحج، ولهذا لمّا قدم النبي ﷺ في اليوم الرابع من ذي الحجة وأمر أصحابه بالتحلل أمرهم بالتقصير، فقال: (وليقصّر ثم ليُحل).
فائدة: ٦
اختلف العلماء في أقل المجزئ في حلق الرأس على أقوال:
القول الأول: أن أقل ما يجزئ حلق أو تقصير ثلاث شعرات.
وهذا مذهب الشافعية.
قالوا: الشعر جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
стр. 1864
القول الثاني: أن الواجب حلق ربع الرأس.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
واستدلوا بالقياس على قولهم في مسح الرأس في الوضوء، فقد أوجبوا مسح ربع الرأس فأكثر.
القول الثالث: أن الحلق أو التقصير لا بد أن يعم جميع الرأس.
وهذا مذهب الإمامين: مالك وأحمد.
أ-لأن الله تعالى قال (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) ومن المعلوم أن الإنسان إذا قصر ثلاث شعرات من جانب الرأس ما أحس الناس أنه مقصّر.
ب-ولأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه تفسيراً منه لمطلق الأمر، فيجب الرجوع إليه، ولأنه نسك تعلق بالرأس، فوجب استيعابه به كالمسح.
فائدة: ٧
أن المرأة تقصر من شعرها مقدار الأنملة، فالمشروع للمرأة التقصير دون الحلق.
قال ابن قدامة: لا خلاف في ذلك.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم.
فائدة: ٨
محل الحلق أو التقصير هو شعر الرأس خاصة دون بقية شعور البدن.
واستحب بعض العلماء ومنهم: المالكية والحنابلة، الأخذ من الشعور المستحب إزالتها أو تخفيفها، كالعانة والشارب وكذلك تقليم الأظافر، وكان ابن عمر يفعله.
стр. 1865
فائدة: ٩
قال البخاري في صحيحه: وزعموا أن الذي حلق النبي ﷺ معمر بن عبد الله.
قال ابن القيم: وحلق كثير من الصحابة، بل أكثرهم، وقصر بعضهم.
(ثمّ قد حلّ له كلَّ شيءٍ إلا النساءِ).
أي: بعد حلقه يكون قد حل له كل شيء إلا النساء.
وقد اختلف العلماء بما يكون التحلل الأول على قولين:
القول الأول: برمي جمرة العقبة.
وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، ونصره ابن قدامة.
وهو أحد القولين عن أمير المؤمنين عمر، وأفتى به جمع غفير من الصحابة والتابعين.
فإذا رمى حل له كل شيء إلا النساء.
لما رواه أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) رواه أحمد مرفوعاً، وهذا الحديث مختلف فيه، ورواه البيهقي موقوفاً.
وجاء عن عمر أنه يحل بمجرد الرمي، رواه مالك في الموطأ بسند صحيح.
وثبت هذا عن عائشة قالت (إذا رمى حل له كل شيء إلا النساء، حتى يطوف بالبيت، فإذا طاف بالبيت حل له النساء). إسناده صحيح، رجاله ثقات رواه ابن أبي شيبة في المصنف.
وعن ابن الزبير قال (إذا رميت الجمرة من يوم النحر، فقد حل لك ما وراء النساء). إسناده صحيح، رجاله ثقات. رواه ابن أبي خزيمة في صحيحه.
قال ابن قدامة: وهو الصحيح إن شاء الله.
стр. 1866
القول الثاني: حصول التحلل الأول بفعل اثنين من الثلاثة: الرمي، والحلق أو التقصير، والطواف بالبيت.
هذا مذهب الشافعية، والصحيح المشهور في مذهب الحنابلة.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ، إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ حَلَقَ، حَلَّ لَهُ كُلُّ مَا كَانَ مَحْظُورًا بِالْإِحْرَامِ، إلَّا النِّسَاءُ.
هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ﵀.
نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، فَيَبْقَى مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ مِنْ النِّسَاءِ، مِنْ الْوَطْءِ، وَالْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ، وَعَقْدِ النِّكَاحِ، وَيَحِلُّ لَهُ مَا سِوَاهُ.
هَذَا قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةَ، وَعَلْقَمَةَ، وَسَالِمٍ، وَطَاوُسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. (المغني).
أ-لحديث عائشة ﵂، قالت (طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين، حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف، وبسطت يديها) متفق عليه.
وجه الدليل من الحديث يتبين من تراجم أهل العلم، وشروحهم له:
فقد ترجم الإمام البخاري له بقوله (باب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة).
وترجم له إمام الأئمة ابن خزيمة بقوله (باب إباحة التطيب يوم النحر بعد الحلق، وقبل زيارة البيت ضد قول من زعم أن التطيب محظور حتى يزور البيت).
وترجم الإمام ابن حبان له بقوله (باب ذكر الإباحة للمحرم إذا أراد طواف الزيارة أن يتطيب بمنى قبل إفاضته).
وترجم الإمام الترمذي له بقوله (باب ما جاء في الطيب عند الإحلال، قبل الزيارة … " ثم ساقه.
وقال ابن خزيمة موجها لذلك: " وفي أخبار عائشة (طيبت رسول الله ﷺ لحله قبل أن يطوف بالبيت) دلالة على أنه إذا رمى الجمرة، وذبح، وحلق، كان حلالا، قبل أن يطوف بالبيت، خلا ما زجر عنه من وطء النساء، الذي لم يختلف العلماء فيه أنه ممنوع من وطء النساء، حتى يطوف طواف الزيارة.
стр. 1867
قال الحافظ ابن حجر: فدل ذلك على أن تطييبها له وقع بعد الرمي، وأخذه من حديث الباب من جهة التطيب، فإنه لا يقع إلا بعد التحلل، والتحلل الأول يقع بأمرين من ثلاثة: الرمي، والحلق، والطواف. فلولا أنه حلق بعد أن رمى لم يتطيب.
وقال الشنقيطي في دلالة الحديث على المسألة: " وقد دل النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمي والحلق … إلى أن قال: والتحقيق أن الطيب يحل له بالتحلل الأول؛ لحديث عائشة المتفق عليه، الذي هو صريح بذلك.
قلت: ومما يوضح دلالة الحديث على أن التحلل الأول حصل بالرمي والحلق معاً وجوه:
الأول: أن أعمال الحج التي فعلها رسول الله ﷺ يوم النحر في حجته تلك أنه رمى جمرة العقبة، ثم نحر، ثم حلق، ثم طاف بالبيت، كما ثبت ذلك عنه ﵇ من حديث أنس بن مالك ﵁، ولفظه (أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر، ثم قال للحلاق: " خذ" وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس).
وفي رواية (لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة، ونحر نسكه، ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: " احلق " فحلق فأعطاه أبا طلحة، فقال: "اقسمه بين الناس) أخرجه مسلم.
وقد جاء في حديث عائشة ﵂ التصريح بأنها طيبت رسول الله ﷺ لحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت، وتقييدها الإحلال بقبلية طواف الزيارة يدل على أن الرمي، والحلق، قد تحقق فعلهما قبل الطواف، وأن الحل حصل بهما.
стр. 1868
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويؤخذ ذلك من كونه ﷺ في حجته رمى، ثم حلق، ثم طاف. فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: " قبل أن يطوف.
وقال زين الدين أبو الفضل العراقي ﵀ في شرحه للحديث: فيه دليل على إباحة التطيب بعد رمي جمرة العقبة والحلق وقبل طواف الإفاضة، وهو المراد بالطواف هنا. وإنما قلنا: بعد رمي جمرة العقبة والحلق؛ لأنه ﵇ رتب هذه الأفعال يوم النحر هكذا: فرمى، ثم حلق، ثم طاف.
فلولا أن التطيب كان بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: قبل أن يطوف بالبيت.
وقال النووي: وقولها في الرواية الأخرى (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) فيه تصريح بأن التحلل الأول يحصل بعد رمي جمرة العقبة والحلق، قبل الطواف. وهذا متفق عليه
стр. 1869
(ثُمَّ يُفِيضُ إِلى مَكَّةَ، فيطوف للزيارة).
هذا العمل الرابع من أعمال يوم العيد: وهو طواف الإفاضة (ثم يسعى إن كان متمتعاً).
ففي حديث جابر ( … ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى البَيْت).
وهذا الطواف ركن من أركان الحج بالإجماع قال تعالى (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
السنة أن يكون هذا الطواف يوم العيد اقتداء بالنبي ﷺ .
فائدة: ١
يشترط لطواف الإفاضة أن يكون مسبوقاً بوقوف عرفة، فلو طاف للإفاضة قبل الوقوف فلا يسقط به فرض الطواف.
فائدة: ٢
اختلف العلماء في بداية وقت الطواف على قولين:
فقيل: أول وقت طواف الإفاضة بعد منتصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبله.
وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة.
وقيل: يبدأ من طلوع فجر اليوم الثاني.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية.
والراجح الأول.
فائدة: ٣
فإن كان متمتعاً أتى بالسعي بعد الطواف، لأن سعيه الأول كان للعمرة، فالمتمتع عليه طوافين وسعيين، فيطوف طواف العمرة ويسعى، ويطوف طواف الحج ويسعى.
وأما القارن والمفرد: فإن كانا قد سعيا بعد طواف القدوم (وهو أفضل لفعل النبي ﷺ لم يعيدا السعي مرة أخرى، لحديث جابر قال (لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه الذين بقوا على إحرامهم … )
فالقارن يكفيه سعي واحد وطواف واحد لعمرته وحجه جميعاً، اذا سعى عند قدومه أجزأ ذلك عن سعي الحج.
стр. 1870
فالقارن ليس عليه إلا سعي واحد ويدل لذلك:
أ-أن النبي ﷺ كان قارناً، ولم يسع بين الصفا والمروة إلى سعياً واحداً فقط بعد طواف القدوم.
روى مسلم عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قال (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافَهُ الأَوَّل)
قال النووي ﵀: (لَمْ يَطُفْ رَسُول اللَّه ﷺ وَلا أَصْحَابه) يَعْنِي النَّبِيّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابه قَارِنًا، فَهَؤُلاءِ لَمْ يَسْعَوْا بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة إِلا مَرَّة وَاحِدَة، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّهُ سَعَى سَعْيَيْنِ، سَعْيًا لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ سَعْيًا آخَر لِحَجِّهِ يَوْم النَّحْر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلالَة ظَاهِرَة لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ الْقَارِن لَيْسَ عَلَيْهِ إِلا طَوَاف وَاحِد لِلإِفَاضَةِ وَسَعْي وَاحِد.
ب-وروى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ ( … فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ (وهم المتمتعون) بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ (وهم القارنون) فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا).
ومرادها ﵂ بالطواف الواحد السعي بين الصفا والمروة، فإن السعي يطلق عليه طواف.
قال ابن القيم: وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى تَعَدُّد السَّعْي عَلَى الْمُتَمَتِّع، فَإِنَّ قَوْلهَا (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَر بَعْد أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِم) تُرِيد بِهِ الطَّوَاف بَيْن الصَّفَّا وَالْمَرْوَة، وَلِهَذَا نَفَتْهُ عَنْ الْقَارِنِينَ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ لَكَانَ الْجَمِيع فِيهِ سَوَاء فَإِنَّ طَوَاف الإِفَاضَة لا يَفْتَرِق فِيهِ الْقَارِن وَالْمُتَمَتِّع.
وسئل الشيخ ابن عثيمين: هل يكفي طواف واحد وسعي واحد للقارن؟
فأجاب:
إذا حج الإنسان قارناً فإنه يجزئه طواف الحج، وسعي الحجّ عن العمرة والحج جميعاً، ويكون طواف القدوم طواف سنّة وإن شاء قدم السعي بعد طواف القدوم كما فعل النبي ﷺ ، وإن شاء أخره إلى يوم العيد، بعد طواف الإفاضة، ولكن تقديمه أفضل لفعل النبي ﷺ ، فإذا كان يوم العيد فإنه يطوف طواف الإفاضة فقط، ولا يسعى لأنه سعى من قبل، والدليل على أن الطواف والسعي يكفيان للعمرة والحج جميعاً قول الرسول ﷺ لعائشة ﵂ وكانت قارنة (طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجِك وعمرتك) فبيّن النبي ﵇ أن طواف القارن وسعي القارن يكفي للحج والعمرة جميعاً.
стр. 1871
فائدة: ٤
اختلف العلماء: كم سعي على المتمتع، هل يكفيه سعي واحد أم لا على قولين:
القول الأول: أنه لا يكفيه، بل عليه سعيان، سعي لعمرته، وسعي لحجته بعد إفاضته من عرفات.
أ- لحديث عائشة ﵂ قالت (خرجنا مع رسول الله ﷺ فذكرت الحديث، وفيه فقالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم) رواه البخاري ومسلم.
وقولها ﵂ عن الذين أهلوا بالعمرة - (ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم) تعني به: الطواف بين الصفا والمروة، على أصح الأقوال في تفسير هذا الحديث.
وأما قول من قال: أرادت بذلك طواف الإفاضة، فليس بصحيح؛ لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع وقد فعلوه، وإنما المراد بذلك: ما يخص المتمتع، وهو الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بعد الرجوع من منى لتكميل حجه، وذلك واضح بحمد الله، وهو قول أكثر أهل العلم.
ويدل على صحة ذلك أيضاً ما رواه البخاري في الصحيح تعليقاً مجزوماً به، عن ابن عباس ﵄، أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أَهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ ، في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : (اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي)، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: (من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله)، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة). انتهى المقصود منه، وهو صريح في سعي المتمتع مرتين.
стр. 1872
القول الثاني: أن المتمتع يكفيه سعي واحد.
وبهذا قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، وهذا اختيار ابن تيمية ﵀.
لحديث جابر (أن النبي ﷺ وأصحابه لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافهم الأول) رواه مسلم
قال ابن القيم: من تمسك بهذا الحديث، هذا نص صحيح، صرح فيه جابر بأن النَّبي ﷺ لم يطف هو ولا أصحابه إلا طوافاً واحداً، ومعلوم أن أصحابه فيهم القارن، وهو من كان معه الهدي، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن معه هدي، ففي هذا الحديث الصحيح الدليل على استواء القارن والمتمتع في لزوم طواف واحد وسعي واحد.
لكن الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
الجواب الأول: بحمل حديث جابر هذا على أن المراد بأصحاب النَّبي ﷺ الذين لم يطوفوا إلا طوافاً واحداً للعمرة والحج، خصوص
القارنين منهم، كالنَّبي ﷺ .
قال النووي: قَوْله: (لَمْ يَطُفْ رَسُول اللَّه ﷺ وَلَا أَصْحَابه بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا وَهُوَ طَوَافه الْأَوَّل) يَعْنِي النَّبِيّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابه قَارِنًا، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَسْعَوْا بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّهُ سَعَى سَعْيَيْنِ، سَعْيًا لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ سَعْيًا آخَر لِحَجِّهِ يَوْم النَّحْر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة ظَاهِرَة لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ الْقَارِن لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا طَوَاف وَاحِد لِلْإِفَاضَةِ وَسَعْي وَاحِد.
الجواب الثاني: أن يقال: إن حديث جابر ينفي طواف المتمتع بعد رجوعه من منى، وحديث عائشة وحديث ابن عباس يثبتانه، وقد تقرر في الأصول وعلوم الحديث أن المثبت مقدم على النافي، فيجب تقديم حديث ابن عباس وعائشة، لأنهما مثبتان على حديث جابر النافي.
стр. 1873
الجواب الثالث: أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في الصحيح رواه جابر وحده، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في الصحيح ابن عباس، وعائشة، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد.
(وأعمال يوم العيد الأفضل ترتيبها كما فعل النبي ﷺ -).
أي: أن الأفضل والأكمل ترتيب أعمال يوم العيد فعل النبي ﷺ :
رمي، ثم نحر، ثم حلق، ثم طواف، ثم سعي.
• فإن أخل بترتيبها ولو متعمداً فلا شيء عليه، وهذا قول جمهور العلماء.
لحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ اَلْعَاصِ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: " اِذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: " اِرْمِ وَلَا حَرَجَ " فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: " اِفْعَلْ وَلَا حَرَجَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فإن أخل بترتيبها ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه.
قال في المغني: وهو قول كثير من أهل العلم.
وإن قدم بعضها على بعض في حق العامد العالم، اختلف العلماء في ذلك:
والصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الإمام أحمد وجمهور التابعين وفقهاء الحديث أنه يجوز تقديم بعضها على بعض في حق العامد.
مستدلين بأحد طرق هذا الحديث التي رواها البخاري ومسلم عن ابن عمرو (قال السائلون: يا رسول الله، حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. وقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج. فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج). ولم يقيده بالناسي والجاهل.
стр. 1874
فائدة: ١
اختلف العلماء: هل يجوز تقديم سعي الحج على الطواف في يوم النحر؟
ذهب بعض العلماء إلى جواز ذلك.
أ- لحديث أسامة بن شريك قال (خرجت مع رسول الله ﷺ حاجاً، وكان الناس يأتونه، فمن قائل يقول: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو أخرت شيئاً أو قدمت شيئاً، فكان يقول: لا حرج لا حرج، إلا رجلٌ اقترض عِرْضَ رجل مسلم وهو ظالم فذاك الذي حرِج وهلك) رواه أبو داود.
ب- ويؤيد ذلك قوله (ما سئل عن شيء في ذلك اليوم قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج).
قال الشيخ ابن عثيمين: لو قدم السعي على الطواف في يوم النحر جاز، خلافاً لأكثر أهل العلم.
وممن صحح حديث (سعيت قبل أن أطوف) ابن خزيمة حيث أورده في صحيحه وابن جماعة حيث قال: إسناده صحيح، وكذا قال النووي كما في المجموع.
وقد حكم بعض العلماء على رواية (سعيت قبل أن أطوف أو أخرت … ) بالشذوذ.
قال ابن القيم: وقوله (سعيت قبل أن أطوف) ليس بمحفوظ والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق، بعضها على بعض.
وجماهير أهل العلم على عدم جواز تقديم السعي على الطواف، وجعلوا الترتيب بينهما شرطاً.
فائدة: ٢
قال جابر في - صفة حجة النبي ﷺ (فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ).
وجاء في الصحيحين عن ابن عمر (أنه صلاها بمنى).
عن نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، قَالَ نَافِعٌ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفِيضُ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّى الظُّهْرَ بِمِنًى وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ) متفق عليه.
والجمع: أن يقال أن الرسول ﷺ صلى الظهر بمكة، ثم خرج إلى منى فوجد بعض أصحابه لم يصلّ، فصلى بهم إماماً، فتكون صلاته في منى معادة، كما وقع له في بعض حروبه.
стр. 1875
قال النووي: وَوَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهُ ﷺ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْل الزَّوَال، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْر بِمَكَّة فِي أَوَّل وَقْتهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْر مَرَّة أُخْرَى بِأَصْحَابِهِ حِين سَأَلُوهُ ذَلِكَ، فَيَكُون مُتَنَفِّلًا بِالظُّهْرِ الثَّانِيَة الَّتِي بِمِنًى، وَهَذَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي صَلَاته ﷺ بِبَطْنِ نَخْل أَحَد أَنْوَاع صَلَاة الْخَوْف فَإِنَّهُ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابه الصَّلَاة بِكَمَالِهَا وَسَلَّمَ بِهِمْ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى تِلْكَ الصَّلَاة مَرَّة أُخْرَى، فَكَانَتْ لَهُ صَلَاتَانِ، وَلَهُمْ صَلَاة.
وقال الشوكاني: ويمكن الجمع بأن يقال إنه صلى بمكة ثم رجع إلى منى فوجد أصحابه يصلون الظهر فدخل معهم متنقلاً لأمره ﷺ بذلك لمن وجد جماعة يصلون وقد صلى.
وقال الشنقيطي: وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ: أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ جَابِرٌ وَعَائِشَةُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ مَرَّةً أُخْرَى، كَمَا صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِطَائِفَةٍ، وَمَرَّةً بِطَائِفَةٍ أُخْرَى فِي بَطْنِ نَخْلٍ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ سَابِقًا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فَرَأَى جَابِرٌ وَعَائِشَةُ صَلَاتَهُ فِي مَكَّةَ فَأَخْبَرَا بِمَا رَأَيَا وَقَدْ صَدَقَا. وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ صَلَاتَهُ بِهِمْ فِي مِنًى فَأَخْبَرَ بِمَا رَأَى، وَقَدْ صَدَقَ وَهَذَا وَاضِحٌ، وَبِهَذَا الْجَمْعِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِد.
فصل
(ثمّ يرجعُ إلى منى، ولا يبيت لياليَها إلا بها).
أي: يرجع الحاج بعد الطواف والسعي إلى منى فيمكث فيها بقية يوم العيد وأيام التشريق ولياليها.
والمبيت بمنى أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ: من واجبات الحج.
وهو قول الجمهور فقد ذهب إليه المالكية، والشافعية، والحنابلة وبه قال الشوكاني.
أ-أن النبي ﷺ بات بمنى، وقال: (خذوا عني مناسككم).
стр. 1876
ب- ولحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ اَلْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ ﵁ اِسْتَأْذَنَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفي رواية (رخص).
ووجه الدلالة: أن تخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره من الحجاج.
ج-ورود بعض الآثار عن عمر بن الخطاب وابنه عبدالله وابن عباس ﵃ بمنع الحجاج من المبيت خارج منى.
فائدة: ١
اختلف العلماء في مقدار المبيت المجزئ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن القدر المجزئ هو أن يكون موجوداً بمنى عند طلوع الفجر.
وهو أحد القولين في مذهب الشافعية.
ودليل هذا القول: القياس على المبيت ليلة المزدلفة فإن النبي ﷺ قال ليلتها في حديث عروة بن المضرِّس (من شهد صلاتنا هذه -يعني
صلاة الصبح- ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه).
وقد أجيب عن هذا: أن عروة كان معذوراً في عدم مبيته بمزدلفة.
القول الثاني: أنه لا فرق بين المبيت أكثر الليل أو أقله.
وبه قال ابن حزم.
ودليل هذا القول: إن لم يرد دليل على التحديد فلا يصار إلى شيء من ذلك إلا بدليل.
стр. 1877
القول الثالث: أن المقدار المجزئ هو أكثر الليل.
وهذا مذهب الجمهور من المالكية وهو الأظهر عند الشافعية وهو مذهب الحنابلة.
أ-ومن أدلتهم: أن النبي ﷺ رخص للضعفة من أهله أن يدفعوا بعد منتصف الليل.
ووجه الدلالة: أن الترخيص للضعفة إنما كان لعذرهم فيدل هذا على أن من عداهم يبقون أكثر الليل.
ب- أن أكثر الشيء يقوم مكانه ممن بات أكثر الليل صار في حكم من بات جميعه.
وهذا القول هو الراجح.
فائدة: ٢
هل يجوز لأهل الأعذار المبيت خارج منى؟
نعم.
فالنبي ﷺ أرخص للعباس أن يبيت بمكة، وأرخص لرعاة الإبل.
وهل يعذر غير هؤلاء؟
قال الشيخ ابن عثيمين: ومثل ذلك في وقتنا الحاضر رجال المرور، والأمن، ومن ذلك الأطباء، فإنه يسمح لهم في ترك المبيت، فكل من يشتغل بمصلحة عامة يعذر في ترك المبيت قياساً على السقاية والرعاية.
فائدة: ٣
إن كان لمصلحة خاصة، مثل: مرض أو خوف، أو ضياع مال، هل يرخص له؟
نعم.
قال ابن القيم: وإذا كان النبي ﷺ قد رخص لأهل السقاية، وللرعاة في ترك البيتوتة، فمن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضاً لا تُمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء.
قال في المغني: وأهل الأعذار كالمرض ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم، كالرعاة في ترك البيتوتة.
стр. 1878
• الخلاصة:
ترك المبيت بمنى ليال أيام التشريق على تفصيل:
الحالة الأولى: إذا كان ترك المبيت بمنى لعذر.
سئل الشيخ ابن باز عن حكم من لم يستطع المبيت في منى أيام التشريق فقال:
لا شيء عليه لقول الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) سواء كان تركه المبيت لمرض أو عدم وجود مكان أو نحوهما من الأعذار الشرعية كالسقاة والرعاة ومن في حكمهما.
الحالة الثانية: إذا ترك المبيت ليال أيام التشريق لغير عذر.
قال الشيخ ﵀: من ترك المبيت بمنى أيام التشريق بدون عذر فقد ترك شيئاً شرعه رسول الله ﷺ بقوله وفعله وبدلالة ترخيصه لبعض أهل الأعذار مثل الرعاة وأهل السقاية. والرخصة لا تكون إلا مقابل العزيمة، ولذلك اعتبر المبيت بمنى أيام التشريق من واجبات الحج في أصح قولي أهل العلم، ومن تركه بدون عذر شرعي فعليه دم، لما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال (من ترك نسكاً أو نسيه
فليرق دماً) ويكفيه دم واحد عن ترك المبيت أيام التشريق.
تنبيه: المراد بالمبيت: الإقامة بمنى أكثر الليل.
قال الحافظ ابن حجر: ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل.
стр. 1879
(فيرمي الجمرات بعد الزوال من أيامِها).
(فَيرمي الجَمْرَةَ الأولى، التي مَسْجِدَ الخِيفِ بِسَبعِ حَصَيَاتٍ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ، وَيَتَأخر قَلِيلاً، ويَدْعُو طَويلاً، ثُمَّ الوُسْطَى مِثْلَهَا، ثُمَّ جَمَرَةَ العَقَبَة، وَيَجْعَلُهَا عَن يَمِيِنِه، وَيَستَبْطِنُ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا).
هذه صفة الرمي أيام التشريق: أن يرمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم يتقدم فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو رافعاً يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيدعو وهو رافع يديه، ثم يرمي جمرة العقبة فينصرف ولا يقف للدعاء.
عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي اَلْجَمْرَةَ اَلدُّنْيَا، بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، ثُمَّ يُسْهِلُ، فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ اَلْقِبْلَةَ، فَيَقُومُ طَوِيلاً، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي اَلْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ اَلشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ اَلْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلاً، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ اَلْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ اَلْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
فائدة: ١
لا يقف للدعاء بعد جمرة العقبة.
وقد علل بعض العلماء بعدم الدعاء بعد جمرة العقبة بعدة علل:
قيل: لضيق المكان في ذلك الوقت.
وقيل: لانتهاء العبادة.
وقيل: لأنها ليست من منى.
قال ابن القيم: فَقِيلَ لِضِيقِ الْمَكَانِ بِالْجَبَلِ، وَقِيلَ وَهُوَ أَصَحّ: إنّ دُعَاءَهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَلَمّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَرَغَ الرّمْيُ وَالدّعَاءُ فِي صُلْبِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا. (وقد تقدمت المسألة).
فائدة: ٢
لا خلاف في مشروعية الترتيب في رمي الجمرات (الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى) واختلف العلماء في حكم هذا الترتيب على أقوال:
القول الأول: أنه شرط.
وهو قول مالك والشافعي وأحمد.
فلو نسي ورمى العقبة، ثم الوسطى، ثم الأولى، حسبت الأولى فقط، ووجب عليه أن يرمي الثانية والثالثة.
أ- واستدلوا بأن النبي ﷺ رتبها كما جاء في حديث ابن عمر.
ب- وبقوله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
стр. 1880
القول الثاني: سنة.
وهو قول أبي حنيفة والحسن وعطاء. واحتجوا:
أن الجمار مناسك متكررة، في أمكنة متفرقة، في وقت واحد، ليس بعضها تابعاً لبعض، فلم يشترط الترتيب بها كالرمي والذبح.
القول الثالث: أنه واجب ليس بشرط.
والرأي الأول أحوط.
فائدة: ٣
يجوز للنائب أن يرمي الجمرة عن نفسه ثم عن مستنيبه كل جمرة من الجمار الثلاث وهو في موقف واحد، هذا هو القول الصحيح من أقوال العلماء.
وأنه لا يلزم أن يرمي عن نفسه أولاً الثلاث، فيرمي الأولى ثم الثانية ثم الثالثة، ويرجع مرة أخرى فيرمي مثلما رمى لنفسه رمياً عن غيره.
стр. 1881
(يَفْعَلُ هَذَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ)
أي: أن رمي الجمرات أيام التشريق يكون بعد الزوال، فلا يجوز قبله.
وهذا مذهب الجمهور.
قال ابن قدامة: ولا يرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال، فإن رمى قبل الزوال أعاد. نصّ عليه [أي الإمام أحمد]. وروي ذلك عن ابن عمر، وبه قال مالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وروي عن الحسن، وعطاء، إلا أن إسحاق وأصحاب الرأي، رخصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال، ولا ينفر إلا بعد الزوال.
وقال النووي: ومذهبنا من الشافعية ومذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال لهذا الحديث الصحيح.
أ- عن جابر قال (رَمَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلْجَمْرَةَ يَوْمَ اَلنَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَادَتْ اَلشَّمْسُ) رواه مسلم.
ب-ولحديث ابن عمر قال: (كنا نتحين زوال الشمس، فإذا زالت رمينا) رواه البخاري.
ج-وعن ابن عباس قال: (رمى رسول الله ﷺ حينما زالت الشمس) رواه الترمذي.
قال الشيخ ابن عثيمين: ومما يدل على أنه لا يجزئ الرمي قبل الزوال: لو كان الرمي جائزاً قبل الزوال لفعله النبي ﷺ لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجه آخر، ولما فيه من تطويل الوقت من وجه ثالث، فلما كان رسول الله ﷺ يتعمد أن يؤخر حتى تزول الشمس مع أنه أشق على الناس، دلّ على أنه قبل الزوال لا يجزئ.
стр. 1882
القول الثاني: يجوز.
وهو قول عطاء وطاووس.
القول الثالث: يجوز قبل الزوال يوم النفر الأول.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
درءاً للمشقة، وتيسيراً للناس.
والأول هو الصحيح.
فائدة:
اختلف العلماء في جواز الرمي ليلاً على قولين:
القول الأول: الجواز.
وهو قول مالك والشافعي.
لحديث ابن عباس: (أن رسول الله ﷺ كان يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج … الحديث وفيه: فسأله رجل: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: لا حرج). رواه البخاري قالوا: واسم المساء يصدق بجزء من الليل.
القول الثاني: عدم الجواز.
وهو قول أبي حنيفة وابن المنذر. قالوا في الجواب عن دليل أصحاب القول الأول:
أن مراد السائل بالإمساء: يعني بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل، ودليل ذلك قول ابن عباس في أول الحديث: (كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر) فبتصريحه بقوله: يوم النحر، يدل على أن السؤال وقع في النهار.
стр. 1883
والراجح الأول وهو الجواز. ويدل لذلك:
أن النبي ﷺ بين بداية الرمي، ولم يبين نهايته، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن جريج عن ابن سايط قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ يقدمون حجاجاً فيدعون ظهرهم فيجيئون فيرقون بالليل).
(وَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ خَرجَ قَبْلَ الغُروب، وإِلاَّ لَزِمَه المَبِيتُ والرَّميُ مِن الغَدِ)
المراد باليومين: ١١، ١٢
قال تعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى … ).
أي: فمن تعجل في يومين من هذه الأيام الثلاثة (أيام التشريق) فلا بد أن يخرج من منى قبل الغروب.
فإذا غربت الشمس في اليوم الثاني عشر قبل نفره من منى فلا يتعجل حينئذ.
لأن الله قال: (فمن تعجل في يومين … ) فقيد التعجيل في اليومين ولم يطلقه، فإذا انتهت اليومان فقد انتهى وقت التعجيل، واليوم ينتهي بغروب شمسه، فيجب عليه أن يبيت بمنى ويرمي من الغد.
فائدة: ١
إذا تأخر الحاج إلى الغروب يوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل: أن يتأهب للسفر ويشد رحله فيتأخر خروجه من منى بسبب زحام السيارات أو نحو ذلك فإنه ينفر ولا شيء عليه لو غربت عليه الشمس قبل أن يخرج من منى.
فائدة: ٢
يخطئ بعض الناس في قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه … ) حيث ظنوا أن يوم الثاني عشر هو اليوم الحادي عشر وظنوا أن اليوم الأول هو يوم العيد، وليس الأمر كذلك، إنما اليومان هما: الحادي عشر والثاني عشر).
стр. 1884
فائدة: ٣
التأخر أفضل.
لأنه فعل النبي ﷺ ، ولأنه أكثر عملاً.
(فَإِذَا أرادَ الخُرُوج مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَخْرُج حَتَى يَطُوف لِلوَدَاعِ).
أي: إذا انتهى الحاج من أعمال وأراد الخروج من مكة، فإنه لا يخرج حتى يطوف طواف الوداع.
فطواف الوداع للحاج واجب:
أ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) متفق عليه.
ووجه الدلالة من وجهين:
الأول: الأمر بطواف الوداع، بقوله (أمِر) وفي رواية لمسلم (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت).
الثاني: أنه قال (خفف عن الحائض) والتخفيف لا يقال إلا في مقابل الإلزام.
قال الحافظ في الفتح: فِيهِ دَلِيل عَلَى وُجُوب طَوَاف الْوَدَاع لِلأَمْرِ الْمُؤَكَّد بِهِ وَلِلتَّعْبِيرِ فِي حَقّ الْحَائِض بِالتَّخْفِيفِ، وَالتَّخْفِيف لا يَكُون إِلا مِنْ أَمْر مُؤَكَّد " انتهى. ونحوه قاله النووي في "شرح مسلم".
ب- ولحديث ابن عباس قال (كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال رسول الله ﷺ (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) رواه مسلم.
وجه الدلالة: أن النهي عن النفر قبل طواف الوداع دليل على الوجوب.
قال النووي: وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء، منهم: الحسن البصري، والحكم، وحماد، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق
، وأبو ثور.
стр. 1885
فائدة: ١
يسقط طواف الوداع عن الحائض.
لقوله (إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ) ففيه دليل على سقوط طواف الوداع عن الحائض.
قال في المغني: هو قول عامة الفقهاء.
قال النووي: هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة، إلا ما حكاه ابن المنذر عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت.
وهل يسقط عن النفساء أم لا؟ الصحيح نعم، أنه يسقط عن النفساء خلافاً لابن حزم.
فائدة: ٢
اختلف العلماء في حكم طواف الوداع للمعتمر على قولين:
القول الأول: أنه سنة.
وهذا قول جمهور العلماء، وحكاه ابن عبد البر إجماعاً.
أ- أن الصحابة ﵃ لما حلوا من عمرتهم في حجة الوداع، خرجوا إلى منى وعرفة، ولم يؤمروا بطواف الوداع، ولو كان واجباً لأمروا به.
ب- ولأنه ﷺ لم يطف للوداع عند خروجه من مكة بعد عمرة القضاء والجعرانة.
ج-ولأن الأحاديث لم تأت إلا بأمر الحاج به، ففي حديث ابن عمر المخرّج عند ابن خزيمة (أمر الحاج .. ) وكذلك رواية ابن عباس عند الشافعي، فتخصيصه بالحاج يدل على أن المعتمر على خلافه.
وحديث (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) أمر للحجاج بدليل قرينة الحال، لأنه ﷺ قاله عند الفراغ من الحج إرشاداً للحجاج.
قال الشيخ ابن باز: المعتمر لا وداع عليه في أصح قولي العلماء.
стр. 1886
القول الثاني: أنه يجب على المعتمر وداع.
وبه قال الثوري.
قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا القول هو الراجح،. . . وقال: طواف الوداع واجب على كلِّ إنسان مغادر مكة وهو حاج أو معتمر، للأدلة التالية:
أ- عموم قوله: (لا ينفر واحد حتى يكون آخر عهده بالبيت).
وهذا شامل (واحدٌ) نكرة في سياق النفي، أو في سياق النهي، فتعم كل من خرج.
ب- أن العمرة كالحج، سماها النبي ﷺ حجاً أصغر، كما في حديث عمرو بن حزم المشهور الذي تلقته الأمة بالقبول: (والعمرة هي الحج الأصغر).
ج-أن النبي ﷺ قال ليعلى بن أمية (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك).
فإذا كنت تصنع طواف الوداع في حجك، فاصنعه في عمرتك، ولا يخرج من ذلك إلا ما أجمع العلماء على خروجه، مثل: الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمار، فإن هذا بالإجماع ليس مشروعاً في العمرة. (انتهى كلام الشيخ)
د- حديث الحارث بن عبد الله بن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت) رواه الترمذي، لكنه ضعيف.
والراجح أن طواف الوداع للعمرة سنة.
لكن ينبغي للإنسان أن يفعله خروجاً من الخلاف وأبرأ للذمة. والله أعلم.
стр. 1887
تنبيه:
أجمع العلماء على أن المعتمر إذا اعتمر ثم خرج مباشرة، أنه لا يجب عليه طواف وداع، كأن يقدم مكة فيطوف ويسعى ويحلق ثم يخرج مباشرة، فهذا لا طواف عليه.
فائدة: ٣
أهل مكة ليس عليهم أن يطوفوا للوداع؛ لأن الطواف وجب توديعا للبيت، وهذا المعنى لا يوجد في أهل مكة لأنها وطنهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في بيانه أن طواف الوداع ليس من أركان الحج التي لا بد منها: ولهذا لم يكن على أهل مكة طواف قدوم، ولا طواف وداع؛ لانتفاء معنى ذلك في حقهم، فإنهم ليسوا بقادمين إليها ولا مودعين لها ما داموا فيها.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: ليس على أهل مكة طواف وداع.
وهذا الأمر يشمل كل من كان داخل حدود الحرم.
قال ابن قدامة: ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي، لا وداع عليه.
لكن إذا أراد شخص من أهل مكة أن يسافر منها بعد أداء المناسك فإنه يلزمه طواف الوداع قبل الخروج من مكة.
قال النووي ﵀: قال أصحابنا: من فرغ من مناسكه، وأراد المقام بمكة، ليس عليه طواف الوداع، وهذا لا خلاف فيه، سواء كان من أهلها، أو غريباً، وإن أراد الخروج من مكة إلى وطنه أو غيره طاف للوداع.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا كان الرجل من أهل مكة، وحج وسافر بعد الحج، فليطف للوداع؛ لقول النبي ﷺ (لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) مسلم، وهذا عام، فنقول لهذا المكي: ما دمت سافرت في أيام الحج، وقد حججت، فلا تسافر حتى تطوف.
стр. 1888
فائدة: ٤
من ترك طواف الوداع لزمه أن يرجع فيطوف، فإن شق أو لم يرجع فعليه دم.
لأنه ترك واجباً من واجبات الحج.
أما الحائض فإن طهرت قبل مفارقة بنيان مكة فإنه يلزمها الرجوع، وأما إذا طهرت بعد مفارقة البنيان ولو بيسير، فإنه لا يلزمها أن ترجع. . . . (الشرح الممتع).
(فإنْ أقامَ أو اتّجرَ بعدَه أعاده).
أي: فإن أقام الحاج في مكة بعد طواف الوداع، أو اتجر فإنه يعيده.
قال في المغني: إذا طاف للوداع، ثم اشتغل بتجارة أو إقامة، فعليه إعادته.
وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور.
فائدة: ١
رخص العلماء له في الأشياء التي يفعلها وهو عابر وماش، مثلاً يشتري حاجة في طريقه، أو أن ينتظر رفقته متى جاءوا ركب ومشى، ومثله لو تغدى أو تعشى.
فائدة: ٢
قول بعض الفقهاء: تقف الحائض والنفساء على باب المسجد … ، هذا فيه نظر، فقد انعقد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يندب إليه، فلما حاضت صفية قال: (فلتنفر) فقد خفف عنها النبي ﷺ طواف الوداع، ولم يشرع لها الدعاء عند الباب.
стр. 1889
فائدة: ٣
بعض الناس إذا طاف للوداع ثم انصرف ووصل إلى باب المسجد الحرام اتجه إلى الكعبة وكأنه يودّعها، فيدعو أو يُسلِّم أو ما أشبه ذلك، وهذا من البدع أيضاً لأن الرسول ﷺ لم يفعله، ولو كان خيراً لفعله النبي ﷺ .
(وَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَة فَطَافَهُ عِنْدَ الخُرُوجِ أَجْزَأ عَن الوَدَاعِ).
أي: إن أخر الحاج طواف الإفاضة فطافه عند الخروج أجزأه عن الوداع.
لأن طواف الوداع ليس مقصودًا لِذاته، وإنما المقصود أن يَكونَ آخِرَ العهدِ بالبيتِ؛ لقوله ﷺ : لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْت.
وهذه المسألة لها ٣ أحوال:
أن ينوي طواف الإفاضة: فيجزئ.
أن ينويهما جميعاً: فيجزئ أيضاً.
أن ينوي طواف الوداع فقط: فإن ذلك لا يجزئ.
قال البهوتي: وإن أخر طواف الزيارة. . . أو القدوم فطافه عند الخروج كفاه ذلك الطواف عنهما لأن المأمور به أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف وقد فعل، ولأن ما شرع مثل تحية المسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه؛ كإجزاء المكتوبة عن تحية المسجد، وكإجزاء المكتوبة أيضاً عن ركعتي الطواف وعن ركعتي الإحرام، فإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة؛ لقوله ﷺ : وإنما لكل امرئ ما نوى.
стр. 1890
(ويستحبُ إذا طافَ أن يقفَ في الملتزمِ بين الركنِ والباب).
الملتزم: ما بين باب الكعبة والحجر الأسود.
قال ابن عباس: الملتزم ما بين الركن والباب.
ومعنى التزامه أي: وضع الداعي صدره ووجهه وذراعيه وكفيه عليه ودعاء الله تعالى بما تيسر له مما يشاء.
والدعاء عند الملتزم: جاء ذلك عن ابن عباس وغيره من السلف.
ولم يصح فيه شيء عن النبي ﷺ .
قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْمُوَدِّعُ فِي الْمُلْتَزَمِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَيَلْتَزِمَهُ، وَيُلْصِقَ بِهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ، وَيَدْعُوَ اللَّهَ .
وقال المرداوي: وإذا فرغ من الوداع، وقف في الملتزم، بين الركن والباب.
стр. 1891
باب أركان الحج وواجباته.
(الإحرام).
هذا الركن الأول من أركان الحج: وهو نية الدخول في النسك.
لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات).
(والوقوف).
هذا الركن الثاني من أركان الحج: وهو الوقوف بعرفة.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في كل عصر وبكل مصر - فيما علمت - أنه فرض لا ينوب عنه شيء، وأنه من فاته الوقوف بعرفة في وقته الذي لا بد منه فلا حج له.
وقال النووي: الوقوف بعرفات ركن من أركان الحج، وهو أشهر أركان الحج للأحاديث الصحيحة (الحج عرفة) وأجمع المسلمون على كونه ركن.
أ- لقوله ﷺ : (الحج عرفة).
ب- وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي: بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
فائدة:
أي: ومن واجبات الحج المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.
متى ينتهي الوقوف بعرفة؟
لا خلاف في أن آخر الوقوف طلوع فجر يوم النحر.
وقال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر.
أ- قال جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جَمْع. [قاله في المغني]
ب- ولحديث عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّس السابق (مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي: بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ).
стр. 1892
(وطواف الإفاضة).
هذا الركن الثالث من أركان الحج: وهو طواف الإفاضة.
قال ابن قدامة: وهو ركن لا يتم الحج إلا به لا نعلم فيه خلافاً.
قال تعالى (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
• السنة أن يكون هذا الطواف يوم العيد اقتداء بالنبي ﷺ .
(والسعي).
هذا الركن الرابع من أركان الحج: وهو السعي.
وهو ركن عند جمهور العلماء.
أ- لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ).
ب- وقال ﷺ : (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي). رواه أحمد
(وواجباته)
أي: الحج.
(اَلْإِحْرَامُ مِنْ اَلْمِيقَاتِ).
فيجب على الحاج أو المعتمر أن يحرم من الميقات، ولا يجوز أن يتجاوزه بغير إحرام إذا أراد الحج أو العمرة.
أ-لقوله ﷺ : (يهل أهل المدينة … ) وهذا خبر بمعنى الأمر.
ب-وقال ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة … ). رواه البخاري.
стр. 1893
(وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اَلْغُرُوبِ).
لفعل النبي ﷺ مع أنه لو دفع بالناس قبل الغروب لكان أرفق ومع ذلك وقف إلى الغروب.
ولأن الدفع قبل الغروب فيه مشابهة لأهل الجاهلية لأنهم يدفعون قبل الغروب. [الممتع: ٧].
فتأخير النبي ﷺ الدفع إلى ما بعد غروب الشمس ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب مع أن وقت المغرب قد دخل، يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت، وكأنه ﵇ ممنوع حتى تغرب الشمس.
(وَالْمَبِيتُ لَيْلَةَ اَلنَّحْرِ بِمُزْدَلِفَة).
فالمبيت بمزدلفة من واجبات الحج، وهذا قول الأكثر.
لقوله تعالى (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ).
وقال ﷺ (وقفت ههنا وجمْع كلها موقف) رواه مسلم.
وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك سنة، وذهب بعضهم إلى أنه ركن، وتقدم ذلك كله.
(والمبيت بمنى أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ).
لحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ اَلْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ ﵁ اِسْتَأْذَنَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفي رواية (رخص).
فالعباس استأذن رسول الله ﷺ فأذن له، ولو لم يكن واجباً ما احتاج إلى الاستئذان.
(وَرَمْيُ اَلْجِمَارِ).
لقوله ﷺ (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) رواه الترمذي.
لأنه عمل يترتب عليه الحل فكان واجباً ليكون فاصلاً بين الحل والإحرام.
стр. 1894
(وَالْحَلْقُ أَوْ اَلتَّقْصِير).
لأن الله جعله وصفاً في الحج والعمرة فقال: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ).
(وطواف الوداع).
عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (أُمِرَ اَلنَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْحَائِضِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية (لا ينصرفنّ أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت).
(وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَرْكِ اَلرُّكْنِ فِي اَلْحَجِّ وَتَرْكِ اَلْوَاجِبِ: أَنَّ تَارِكِ الرُّكْنِ لَا يَصِح حَجَّهُ حَتَّى يَفْعَلْهُ عَلَى صِفَتِهِ الشَّرْعِيَةِ، وَتَارِكِ الوَاجِبِ حَجَّهُ صَحِيح وَعَلِيهِ إِثم وَدَم لِتَرْكِهِ).
إذا ترك الحاج ركن من أركان الحج:
فإن كانت الإحرام - وهي النية -لم ينعقد نسكه لحديث (إنما الأعمال بالنيات).
وإن ترك ركناً من أركان الحج - غير النية - لم يتم حجه حتى يأتي به، فإذا كان الركن مما يفوت فالحج لاغ، كما لو ترك الوقوف بعرفة حتى خرج فجر يوم العيد.
فإن ترك واجباً فعليه دم.
عن ابن عباس قال: (من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً). رواه مالك
هذا الدم جبران لا شكران، وعليه فيجب أن يتصدق بجميعه على فقراء الحرم ويذبح في الحرم ويوزع في الحرم. (وهذا ما عليه جماهير العلماء).
(وأركان العمرة: إحرامُ، وطوافٌ، وسعيٌ، وواجباتها: الحلقُ، والإحرام من ميقاتها).
وقد تقدم أدلة ذلك.
стр. 1895
باب الفوات.
الفوات: أن يفوت الحج، كأن يفوته الوقوف بعرفة، حيث لم يصلها إلا بعد مضي وقتها.
(ومنْ لمْ يقفْ بعرفةَ حتى طلع الفجر يوم النحر، فقد فاتَه الحج).
تقدم أن بداية الوقوف بعرفة - على مذهب الجمهور - يبدأ من زوال الشمس يوم التاسع.
وأما انتهاء وقت الوقوف: فينتهي بطلوع فجر يوم النحر، وهذا بالاتفاق.
أ- لحديث عُرْوَة بْن مُضَرِّسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي: بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
ب - قال جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جَمْع.
قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر.
وقال النووي: فإذا أحرم بالحج فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج بالإجماع.
وقال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ يَنْتَهِي وَقْتُهُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَمَنْ طَلَعَ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ لَمْ يَأْتِ عَرَفَةَ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ إِجْمَاعاً.
فمن لم يأت عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر، ولو لحظة، ولو ماراً، فاته الحج بإجماع العلماء.
قال النووي ﵀ في (المجموع): فإذا أحرم بالحج، فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج بالإجماع.
ولذلك سمي الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، لأنه بفوته يفوت الحج، وليس هناك ركن من أركان الحج إلا ويمكن تداركه إلا الوقوف بعرفة، ومن ثم قال النبي (الحج عرفة)، بخلاف الطواف لأنه ليس له وقت محدود.
следующие страницы →