Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
باب أركان الحج وواجباته.
(الإحرام).
هذا الركن الأول من أركان الحج: وهو نية الدخول في النسك.
لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات).
(والوقوف).
هذا الركن الثاني من أركان الحج: وهو الوقوف بعرفة.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في كل عصر وبكل مصر - فيما علمت - أنه فرض لا ينوب عنه شيء، وأنه من فاته الوقوف بعرفة في وقته الذي لا بد منه فلا حج له.
وقال النووي: الوقوف بعرفات ركن من أركان الحج، وهو أشهر أركان الحج للأحاديث الصحيحة (الحج عرفة) وأجمع المسلمون على كونه ركن.
أ- لقوله ﷺ : (الحج عرفة).
ب- وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي: بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
فائدة:
أي: ومن واجبات الحج المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.
متى ينتهي الوقوف بعرفة؟
لا خلاف في أن آخر الوقوف طلوع فجر يوم النحر.
وقال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر.
أ- قال جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جَمْع. [قاله في المغني]
ب- ولحديث عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّس السابق (مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي: بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ).
стр. 1892
(وطواف الإفاضة).
هذا الركن الثالث من أركان الحج: وهو طواف الإفاضة.
قال ابن قدامة: وهو ركن لا يتم الحج إلا به لا نعلم فيه خلافاً.
قال تعالى (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
• السنة أن يكون هذا الطواف يوم العيد اقتداء بالنبي ﷺ .
(والسعي).
هذا الركن الرابع من أركان الحج: وهو السعي.
وهو ركن عند جمهور العلماء.
أ- لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ).
ب- وقال ﷺ : (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي). رواه أحمد
(وواجباته)
أي: الحج.
(اَلْإِحْرَامُ مِنْ اَلْمِيقَاتِ).
فيجب على الحاج أو المعتمر أن يحرم من الميقات، ولا يجوز أن يتجاوزه بغير إحرام إذا أراد الحج أو العمرة.
أ-لقوله ﷺ : (يهل أهل المدينة … ) وهذا خبر بمعنى الأمر.
ب-وقال ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة … ). رواه البخاري.
стр. 1893
(وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اَلْغُرُوبِ).
لفعل النبي ﷺ مع أنه لو دفع بالناس قبل الغروب لكان أرفق ومع ذلك وقف إلى الغروب.
ولأن الدفع قبل الغروب فيه مشابهة لأهل الجاهلية لأنهم يدفعون قبل الغروب. [الممتع: ٧].
فتأخير النبي ﷺ الدفع إلى ما بعد غروب الشمس ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب مع أن وقت المغرب قد دخل، يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت، وكأنه ﵇ ممنوع حتى تغرب الشمس.
(وَالْمَبِيتُ لَيْلَةَ اَلنَّحْرِ بِمُزْدَلِفَة).
فالمبيت بمزدلفة من واجبات الحج، وهذا قول الأكثر.
لقوله تعالى (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ).
وقال ﷺ (وقفت ههنا وجمْع كلها موقف) رواه مسلم.
وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك سنة، وذهب بعضهم إلى أنه ركن، وتقدم ذلك كله.
(والمبيت بمنى أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ).
لحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ اَلْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ ﵁ اِسْتَأْذَنَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفي رواية (رخص).
فالعباس استأذن رسول الله ﷺ فأذن له، ولو لم يكن واجباً ما احتاج إلى الاستئذان.
(وَرَمْيُ اَلْجِمَارِ).
لقوله ﷺ (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) رواه الترمذي.
لأنه عمل يترتب عليه الحل فكان واجباً ليكون فاصلاً بين الحل والإحرام.
стр. 1894
(وَالْحَلْقُ أَوْ اَلتَّقْصِير).
لأن الله جعله وصفاً في الحج والعمرة فقال: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ).
(وطواف الوداع).
عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (أُمِرَ اَلنَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْحَائِضِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية (لا ينصرفنّ أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت).
(وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَرْكِ اَلرُّكْنِ فِي اَلْحَجِّ وَتَرْكِ اَلْوَاجِبِ: أَنَّ تَارِكِ الرُّكْنِ لَا يَصِح حَجَّهُ حَتَّى يَفْعَلْهُ عَلَى صِفَتِهِ الشَّرْعِيَةِ، وَتَارِكِ الوَاجِبِ حَجَّهُ صَحِيح وَعَلِيهِ إِثم وَدَم لِتَرْكِهِ).
إذا ترك الحاج ركن من أركان الحج:
فإن كانت الإحرام - وهي النية -لم ينعقد نسكه لحديث (إنما الأعمال بالنيات).
وإن ترك ركناً من أركان الحج - غير النية - لم يتم حجه حتى يأتي به، فإذا كان الركن مما يفوت فالحج لاغ، كما لو ترك الوقوف بعرفة حتى خرج فجر يوم العيد.
فإن ترك واجباً فعليه دم.
عن ابن عباس قال: (من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً). رواه مالك
هذا الدم جبران لا شكران، وعليه فيجب أن يتصدق بجميعه على فقراء الحرم ويذبح في الحرم ويوزع في الحرم. (وهذا ما عليه جماهير العلماء).
(وأركان العمرة: إحرامُ، وطوافٌ، وسعيٌ، وواجباتها: الحلقُ، والإحرام من ميقاتها).
وقد تقدم أدلة ذلك.
стр. 1895
باب الفوات.
الفوات: أن يفوت الحج، كأن يفوته الوقوف بعرفة، حيث لم يصلها إلا بعد مضي وقتها.
(ومنْ لمْ يقفْ بعرفةَ حتى طلع الفجر يوم النحر، فقد فاتَه الحج).
تقدم أن بداية الوقوف بعرفة - على مذهب الجمهور - يبدأ من زوال الشمس يوم التاسع.
وأما انتهاء وقت الوقوف: فينتهي بطلوع فجر يوم النحر، وهذا بالاتفاق.
أ- لحديث عُرْوَة بْن مُضَرِّسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي: بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
ب - قال جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جَمْع.
قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر.
وقال النووي: فإذا أحرم بالحج فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج بالإجماع.
وقال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ يَنْتَهِي وَقْتُهُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَمَنْ طَلَعَ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ لَمْ يَأْتِ عَرَفَةَ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ إِجْمَاعاً.
فمن لم يأت عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر، ولو لحظة، ولو ماراً، فاته الحج بإجماع العلماء.
قال النووي ﵀ في (المجموع): فإذا أحرم بالحج، فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج بالإجماع.
ولذلك سمي الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، لأنه بفوته يفوت الحج، وليس هناك ركن من أركان الحج إلا ويمكن تداركه إلا الوقوف بعرفة، ومن ثم قال النبي (الحج عرفة)، بخلاف الطواف لأنه ليس له وقت محدود.
стр. 1896
(فيتحلل بطوافٍ وسعيٍ، وينحر هدياً إن كان معه، وعليه القضاء).
هذا بيان ما يلزم من فاته الحج:
أي: يلزم من فاته الحج: أن يتحلل بطواف وسعي - وأن ينحر هدياً - وعليه القضاء.
الأمر الأول: أن يحول هذا الحج إلى عمرة، فيأتي إلى الكعبة ويطوف بالسعي ويقصر.
لأنه ليس بإمكانه إتمام الحج الآن، ولأن الحج عرفة.
لما رواه مالك في الموطأ أن أبا أيوب الأنصاري ﵁ (خَرَجَ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالنَّازِيَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ، وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكَكَ الْحَجُّ قَابِلًا، فَاحْجُجْ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي) وصحح إسناده النووي ﵀.
قال ابن قدامة: أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلَّاقٍ.
هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
ولأنه قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا؛ فَكَانَ إجْمَاعًا.
الأمر الثاني: وجوب الهدي.
وهذا قول جماهير العلماء.
أ- لقول عمر لأبي أيوب ﵄ (فَإِذَا أَدْرَكَكَ الْحَجُّ قَابِلًا، فَاحْجُجْ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ).
ب- وروى مالك عن نافع عن سليمان بن يسار (أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ، كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَانْحَرُوا هَدْيًا، إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا، وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ).
قال ابن قدامة: الهدي يلزم من فاته الحج في أصح الروايتين. وهو قول من سمينا من الصحابة، والفقهاء، إلا أصحاب الرأي، فإنهم قالوا: لا هدي عليه … ، ولنا، حديث عطاء، وإجماع الصحابة … " انتهى.
стр. 1897
الأمر الثالث: وجوب القضاء.
من فاته الحج وكان حجه فرضاً، فعليه إعادته بغير خلاف.
قال ابن رشد: لا خلاف أن من فاته الحج بعد أن شرع فيه إما بفوت ركن من أركانه وإما من قبل غلطه في الزمان أو من قبل جهله أو نسيانه أو إتيانه في الحج فعلاً مفسداً له، فإن عليه القضاء إذا كان حجا واجباً. (بداية المجتهد).
وأما من فاته الحج وكان حجه نفلاً، فهل يلزمه إعادته أم لا؟
جماهير العلماء: يلزمه إعادته.
فهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمذهب عند الحنابلة.
قال ابن قدامة: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْفَائِتُ وَاجِبًا، أَوْ تَطَوُّعًا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. (المغني).
أ- عن الأسود بن يزيد (أن رجلاً فاته الحج، فأمره عمر بن الخطاب أن يحل بعمرة، وعليه الحج من قابل).
وفي رواية: قال الأسود: مكثت عشرين سنة ثم سألت زيد بن ثابت عن ذلك؟ فقال: مثل قول عمر. رواه البيهقي
ب- وعن ابن عمر ﵄ أنه قال (من لم يدرك عرفة حتى طلع الفجر فقد فاته الحج، فليأت البيت فليطف به سبعاً، وليطوَّف بين الصفا والمروة سبعاً، ثم ليحلق أو يقصر إن شاء، وإن كان معه هدي فلينحره قبل أن يحلق، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصر، ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع، وليهد في حجه، فإن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) رواه البيهقي.
وجه الدلالة من هذه الآثار: أن عمومها يشمل الفرض والنفل.
وذهب الظاهرية إلى أنه لا يلزمه إعادته.
والأول أصح.
стр. 1898
باب الإحصار
الإحصار في اللغة: المنع.
وفي الشرع: هو منع المحرمين من المضي للحج أو العمرة أو كليهما من جميع الطرق.
قال النووي: ويجوز للمحرم بالعمرة التحلل عند الاحصار بلا خلاف ودليل التحلل واحصار العدو نص القرآن والاحاديث الصحيحة المشهورة في تحلل النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية وكانوا محرمين بعمرة وإجماع المسلمين على ذلك.
• حكمة مشروعية التحلل عند الإحصار:
شرع الله التحلل لحاجة المحصر إليه، ورفعاً للحرج والضرر عنه، حتى لا يظل محرما إلى أن يندفع عنه المانع من إتمام الحج أو العمرة
قال الشافعي في حكمة مشروعية التحلل: جعل الله على الناس إتمام الحج والعمرة وجعل التحلل للمحصر رخصة.
وقال الكاساني: المحصر محتاج إلى التحلل لأنه منع عن المضي في موجب لإحرام على وجه لا يمكنه الدفع، فلو لم يجز له التحلل لبقي محرماً لا يحل له ما حظره الإحرام إلى أن يزول المانع، فيمضي في موجب الإحرام، وفيه من الضرر والحرج ما لا يخفى، فمست الحاجة إلى التحلل والخروج من الإحرام دفعاً للضرر والحرج، وسواء كان الإحصار عن الحج أو عن العمرة أو عنهما عند عامة العلماء.
(ومن صدّهُ عدوٌ عن البيتِ أهدَى ثم حلّ).
أي: من منِعَ عن الوصول إلى البيت بعدو، فإنه يهدي ثم يحل.
وقد أجمع أهل العلم على أن المحرم إذا حصره العدو من المشركين وغيرهم فمنعوه الحج ولم يجد طريقاً آمناً يوصله إليه جاز له التحلل من إحرامه.
стр. 1899
وإلى هذا ذهب الإمام مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد ﵏ جميعاً.
وقد روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأنس.
أ- وذلك لأن الله تعالى قد نص على جواز التحلل عند الحصر بقوله (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي).
ب- ولأن النبي ﷺ أمر أصحابه يوم أحصروا بالحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا.
وسواء كان الإحرام بالعمرة فقط أو بالحج أو بهما معاً لا خلاف فيه بين علماء الأمصار سوى ما نسب إلى ابن سيرين أنه قال: لا إحصار في العمرة لأنها غير مؤقتة ولا يخشى فواتها.
فائدة: ١
والواجب على المحصر: هدي.
لقوله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ).
قال الشنقيطي: هذه الآية نزلت في صد المشركين النبي ﷺ وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء
وجمهور العلماء على أن المراد به شاة فما فوقها، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
• والمحصر يذبح الهدي في المكان الذي أحصر فيه، سواء كان في الحل أو في الحرم.
وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (وهو قول أكثر أهل العلم، واختيار ابن باز، وابن عثيمين).
أ- لأن النبي ﷺ نحر هديه بالحديبية حيث أحصر، وهي خارج الحرم.
ب- لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحل، لتعذر وصول الهدي إلى محله.
стр. 1900
تنبيه:
حكم إذا لم يكن مع المحصر هدي:
إذا كان مع المحصر هدي لزمه نحره إجماعاً، واختلف العلماء إذا لم يكن مع المحصر هدي، هل يلزمه شراؤه أو لا على قولين؟
القول الأول: وجوب الهدي عليه، وأنه يلزمه شراؤه.
وهذا قول الجمهور.
القول الثاني: أنه لا هدي على المحصر إن لم يكن ساقه معه قبل الإحصار.
وهذا قول مالك واختيار ابن القيم.
لأن الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ كانوا ألفاً وأربعمائة، ولم يكن معهم كلهم هدي، بل كان هديهم سبعين بدنة، ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالهدي، وإنما أمرهم بالتحلل مطلقاً.
وهذا أرجح.
فائدة: ٢
ومما يجب على المحصر: الحلق.
وهذا مذهب مالك وأصحابه.
لأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية وهو محرم وأمر أصحابه أن يحلقوا.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير، لأنه لم تذكر الآية.
والأول أصح.
стр. 1901
فائدة: ٣
اختلف العلماء في وجوب القضاء عليه. (إذا حجه تطوعاً) على قولين:
القول الأول: يجب عليه القضاء.
لحديث (من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل).
القول الثاني: لا يلزمه القضاء إلا إذا كان الحج الذي أحصر فيه فريضة الإسلام، أو واجباً بنذر، فإنه يلزمه القضاء السابق.
أ-أن القرآن لم يذكر.
ب-أن النبي ﷺ لم يبينه.
ج-أن هذا النسك ليس واجب ابتداء، وإنما الواجب إتمامه، وإتمامه معذور بالعجز عنه.
د-وأيضاً الذين كانوا مع النبي ﷺ في عمرة القضاء أقل من الذين كانوا معه في عمرة الحديبية، فهو لم يأمرهم بالقضاء.
وهذا أرجح.
قال ابن عثيمين: إن كانت هذه الحجة هي الفريضة، أداها فيما بعد بالخطاب الأول لا قضاء، وإن كانت غير الفريضة فإنه لا شيء عليه على القول الراجح.
فائدة:
الإحصار يقع في الحج، ويقع في العمرة أيضاً. والدليل ما يلي:
أ- قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) عقيب قوله (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّه) فالمراد أن الإحصار يقع في الحج ويقع في العمرة.
ب- وروي أن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ حصروا بالحديبية فحال كفار قريشٍ بينهم وبين البيت وكانوا معتمرين فنحروا هديهم وحلقوا رؤوسهم.
ج- ولأن التحلل بالهدي في الحج لمعنًى هو موجودٌ في العمرة وهو التضرر بامتداد الإحرام.
стр. 1902
(ولا إحصار بغيرِ عدو).
أي: أن الإحصار خاص بمن حصره ومنعه العدو فقط.
وهذا لا خلاف فيه: أن المحصر بعدو له التحلل.
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن المحرم إذا حصره عدو من المشركين، أو غيرهم، فمنعوه الوصول إلى البيت، ولم يجد طريقا آمنا، فله التحلل.
وقال ابن تيمية: فالمحصر بعدو له أن يتحلل باتفاق العلماء.
لكن وقع الخلاف بين العلماء: هل يقع الإحصار بغير عدو، كمرض، أو ذهاب نفقة، ونحو ذلك على قولين:
القول الأول: لا إحصار بغير عدو.
وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهو المشهور من المذهب.
أ- لقوله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ).
وهذه نزلت في صد المشركين النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية.
ب- ولقول ابن عباس: لا حصر إلا من عدو. أخرجه البيهقي.
وعلى هذا القول: فالمحصر بمرض ونحوه لا يتحلل من إحرامه، بل يبقى محرماً إلى أن يبرأ من مرضه، ثم يكمل النسك، فإن فاته الوقوف تحلل بعمرة.
стр. 1903
القول الثاني: إلى أن الإحصار يتحقق بكل ما يمنع المحرم من المضي في نسكه، من عدو، أو مرض، أو ذهاب نفقة ونحو ذلك.
وبهذا قال بعض الصحابة كابن مسعود.
وبه قال مجاهد وعطاء.
وهو قول أبي حنيفة.
ورجح هذا القول ابن تيمية، وابن القيم، وابن عثيمين.
أ- لقوله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي).
وجه الدلالة: أنَّ لفظ الإحصار عام يدخل فيه العدو والمرض ونحوه.
ب- ولحديث الْحَجَّاج بْن عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. قَالَ عِكْرِمَةُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ) رواه أبو داود.
وفي لفظ: (مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ أَوْ مَرِضَ).
(أو عَرَجَ) بفتح الراء، أي: أصابه شيء في رجله وليس بخلقة، فإن كان خلقة قيل: عَرِجَ بكسر الراء.
ج- أن المعنى الذي لأجله ثبت حق التحلل للمحصر بالعدو موجود كذلك في المرض.
قال الشيخ عبد العزيز ابن باز: والصواب أن الإحصار يكون بالعدو ويكون بغير العدو فيهدي ويحلق ويقصر ويتحلل هذا هو حكم المحصر يذبح ذبيحة في محله ولو كان خارج الحرم فإن لم يتيسر حوله أحد نقلت إلى فقراء الحرم أو إلى من حوله من الفقراء أو إلى فقراء بعض القرى ثم يحلق أو يقصر ويتحلل.
وقال الشيخ ابن عثيمين: والصحيح في هذه المسألة أنه إذا حصر بغير عدو فكما لو حصر بعدو؛ لعموم قول الله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُم) أي: عن إتمامهما، ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو.
стр. 1904
فائدة:
الفرق بين الإحصار والفوات:
الإحصار: هو عجز الحاج عن فعل النسك بعد الإحرام بأي سببٍ من الأسباب.
والفوات: هو أن يذهب وقت الوقوف بعرفة، دون أن يدرك الحاج الوقوف بها، سواء كان ذلك بعذر أم بغير عذر.
الفوات يختص بالحج، أما العمرة: فإنها لا تفوت، لأنها غير مؤقتة بوقت.
فائدة: ١
يستحب للحاج أذا رمى الجمرات وخرج من منى أن ينزل المحصب، وهو الأبطح.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى اَلْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
(بِالْمُحَصَّبِ) على وزن محمد، وهو اسم مكان متسع بين جبلين، وهو إلى منى أقرب من مكة، سمي بذلك لكثرة ما به من الحصى.
(بِالْأَبْطَحِ) وهو المحصب. قال النووي: وَ (الْمُحَصَّبُ) بِفَتْحِ الْحَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ (وَالْحَصْبَة) بِفَتْحِ الْحَاء وَإِسْكَان الصَّاد، وَ (الْأَبْطَح) وَالْبَطْحَاء وَخَيْف بَنِي كِنَانَة اِسْم لِشَيْءِ وَاحِد، وَأَصْل الْخَيْف كُلّ مَا اِنْحَدَرَ عَنْ الْجَبَل وَارْتَفَعَ عَنْ الْمِيل.
فنزول المحصب للحاج سنة.
وهو مذهب جمهور العلماء.
стр. 1905
قال النووي:. . . فَحَصَل خِلَاف بَيْن الصَّحَابَة ﵃. وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالْجُمْهُور اِسْتِحْبَابه اِقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَغَيْرهمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبّ أَنْ يُصَلِّي بِهِ الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء وَيَبِيتُ بِهِ بَعْض اللَّيْل أَوْ كُلّه اِقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه ﷺ .
قال في طرح التثريب: وهو قول الأئمة الأربعة.
أ-لفعل النبي ﷺ ، كما في حديث أنس.
ب- عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى (نَحْنُ نَازِلُونَ غَداً بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ، وَذَلِكَ إِنَّ قُرَيْشاً وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْنِى بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ) متفق عليه.
فالمحصب والأبطح والبطحاء وخيف بني كنانة أسماء للموضع الذي نزل به رسول الله ﷺ حين خرج من مكة يوم النفر قبل أن يودع، وهو موضع بين مكة ومنى.
وهذا يدل على أن نزوله ﷺ بالمحصب كان قصداً، لهذه المصلحة، شكراً لله تعالى.
قال النووي: قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: وَكَانَ نُزُوله ﷺ هُنَا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الظُّهُور بَعْد الِاخْتِفَاء، وَعَلَى إِظْهَار دِين اللَّه تَعَالَى
ج- وعن ابن عمر (أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح) رواه مسلم.
د- ولفعل الصحابة، فعن سالم: (أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ينزلون بالأبطح).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه ليس بسنة.
стр. 1906
وهذا مروي عن ابن عباس وعائشة.
أما عائشة (أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ -أَيْ: اَلنُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ- وَتَقُولُ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلاً أَسْمَحَ لِخُرُوجِه).
وأما ابن عباس فقال (التحصيب ليس بشيء، وإنما منزل نزله رسول الله ﷺ . متفق عليه.
والصحيح الأول.
فإن قيل: ما الجواب عن ما ورد عن عائشة وابن عباس؟
قال الحافظ: والحاصل أن من نفى أنه سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه دم، ومن أثبته كابن عمر أراد
دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك.
فائدة: ٢
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَلَمَّا فَتَحُوا: كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ. فَلَقِيتُ بِلالاً، فَسَأَلَتْهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ) متفق عليه.
قوله (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ) كان ذلك في عام الفتح كما وقع مبيّناً من رواية يونس بن يزيد عن نافع عن ابن عمر عند البخاري بزيادة فوائد. ولفظه: أقبل النّبيّ ﷺ يوم الفتح من أعلى مكّة على راحلته.
فهذا الدخول كان في عام الفتح لا في حجة الوداع، كما في رواية: (أقبل النبي ﷺ عام الفتح … ).
стр. 1907
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن دخول الكعبة من سنن الحج، وهذا غلط.
لأن النبي ﷺ لم يدخل البيت في الحج.
وقد قال ابن عباس: (يا أيها الناس، إن دخولكم البيت ليس في حجكم من شيء) رواه ابن أبي شيبة.
وجاء عند البخاري تعليقاً (وكان ابن عمر يحج كثيراً ولا يدخل).
قال الحافظ ابن حجر: كأنه - أي البخاري - أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم أن دخولها من مناسك الحج، واقتصر المصنف - أي البخاري - على الاحتجاج بفعل ابن عمر لأنه أشهر من روى عن النبي ﷺ دخول الكعبة، فلو كان دخولها من المناسك لما أخل به مع كثرة اتباعه.
فائدة: ٣
الجمع بين حديث ابن عمر السابق الدال على أن النبي ﷺ صلى في الكعبة، وحديث ابن عباس الدال على أن النبي ﷺ لم يصل في الكعبة.
ولفظ حديث ابن عباس عند مسلم: قال ﵁: أخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ «هَذِهِ الْقِبْلَةُ». قُلْتُ لَهُ: مَا نَوَاحِيهَا أَفِي زَوَايَاهَا؟ قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ).
فقيل: أن تحمل الأحاديث على دخولين مختلفين، صلى في أحدهما في البيت، ولم يصل في الآخر.
وهذا مسلك ابن حبان.
وقيل: تحمل الصلاة المثبتة في حديث ابن عمر عن بلال على الصلاة اللغوية وهي الدعاء، والصلاة المنفية في حديث ابن عباس عن أسامة الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود.
وهذا المسلك مردود بما تقدم أنه جاء في بعض طرق حديث ابن عمر أنه قال (ونسيت أن أسأله كم صلى).
وقيل: يحمل إثبات بلال على صلاة التطوع، ونفي أسامة على صلاة الفرض.
وهذا ضعيف.
стр. 1908
وقيل: بترجيح حديث ابن عمر الدال على أن النبي ﷺ صلى في الكعبة على حديث أسامة الدال على أن النبي ﷺ لم يصل في الكعبة.
وهذا مسلك أكثر العلماء، إليه ذهب أبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأحمد، والبخاري، وابن خزيمة، وابن المنذر، واختاره ابن عبد البر.
وسبب الترجيح: أن بلالاً أثبت صلاة النبي ﷺ في الكعبة ونفاها أسامة، وإذا تعارض الإثبات والنفي قدم قول المثبت، لأن معه زيادة علم، لا سيما إذا تساويا في العدالة والإتقان كما هاهنا.
قال النووي: وَأَجْمَع أَهْل الْحَدِيث عَلَى الْأَخْذ بِرِوَايَةِ بِلَال، لِأَنَّهُ مُثْبَت، فَمَعَهُ زِيَادَة عِلْم فَوَاجِب تَرْجِيحه، وَالْمُرَاد الصَّلَاة الْمَعْهُودَة ذَات
الرُّكُوع، وَالسُّجُود، وَلِهَذَا قَالَ اِبْن عُمَر: وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلهُ: كَمْ صَلَّى؟ وَأَمَّا نَفْي أُسَامَة فَسَبَبه أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْكَعْبَة أَغْلَقُوا الْبَاب، وَاشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ، فَرَأَى أُسَامَة النَّبِيّ ﷺ يَدْعُو، ثُمَّ اِشْتَغَلَ أُسَامَة بِالدُّعَاءِ فِي نَاحِيَة مِنْ نَوَاحِي الْبَيْت، وَالنَّبِيّ ﷺ فِي نَاحِيَة أُخْرَى، وَبِلَال قَرِيب مِنْهُ، ثُمَّ صَلَّى النَّبِيّ ﷺ فَرَآهُ بِلَال لِقُرْبِهِ، وَلَمْ يَرَهُ أُسَامَة لِبُعْدِهِ وَاشْتِغَاله، وَكَانَتْ صَلَاة خَفِيفَة فَلَمْ يَرَهَا أُسَامَة لِإِغْلَاقِ الْبَاب مَعَ بُعْده وَاشْتِغَاله بِالدُّعَاءِ، وَجَازَ لَهُ نَفْيهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ، وَأَمَّا بِلَال فَحُقِّقَهَا فَأَخْبَرَ بِهَا.
стр. 1909
باب الأضحية
الأضحية: ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام الأضحى بسبب العيد تقرباً إلى الله.
سميت بذلك: لأنها تذبح ضُحًى بعد صلاة العيد.
الحكمة من مشروعيتها:
أولاً: تعظيم الله بذبح الأضاحي تقرباً إليه. (اراقة الدماء بنية الأضحية هذا من تعظيم الله).
ثانياً: إظهار شعائر الله تعالى.
ثالثاً: التوسعة على الأهل والفقراء والإهداء للجيران والأقرباء.
جاء في (الموسوعة الفقهية) أَمَّا حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا، فَهِيَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ الْحَيَاةِ، وَإِحْيَاءُ سُنَّةِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيل ﵊ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ بِذَبْحِ الْفِدَاءِ عَنْ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيل ﵊ فِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ الْمُؤْمِنُ أَنَّ صَبْرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل ﵉ وَإِيثَارَهُمَا طَاعَةَ اللَّهِ وَمَحَبَّتَهُ عَلَى مَحَبَّةِ النَّفْسِ وَالْوَلَدِ كَانَا سَبَبَ الْفِدَاءِ وَرَفْعَ الْبَلَاءِ، فَإِذَا تَذَكَّرَ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ اقْتَدَى بِهِمَا فِي الصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَتَقْدِيمِ مَحَبَّتِهِ عَلَى هَوَى النَّفْسِ وَشَهْوَتِهَا.
(وهي سنة مؤكدةٌ).
أي: أن حكم الأضحية سنة مؤكدة.
والأضحية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي من شعائر الدين.
قال تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ).
قال ابن كثير: الصحيح أن المراد بالنحر ذبح المناسك، وهو ذبح البدن ونحوها.
وقال تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) المنسك المراد به هنا هو الذبح الذي يتقرب به إلى الله تعالى.
стр. 1910
وقد ذكر ابن كثير عند هذه الآية أن هذه الآية تدل على أن ذبح المناسك مشروعة في جميع الملل.
وأما السنة:
فالأحاديث كثيرة وسيأتي بعضها في الشرح ومنها:
أ- عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، وَيُسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا) وَفِي لَفْظٍ (ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، وَيَقُولُ (بِسْمِ اَللَّهِ. وَاَللَّهُ أَكْبَرُ).
ب- وعن عَائِشَةَ ﵂ (أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ; لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ: "اِشْحَذِي اَلْمُدْيَةَ، ثُمَّ أَخَذَهَا، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، وَقَالَ: بِسْمِ اَللَّهِ، اَللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمّةِ مُحَمَّدٍ) رواه مسلم.
ج- وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، ﵄، قَالَ (خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا نُسُكَ لَه) متفق عليه.
وأجمع المسلمون على مشروعيتها.
قال ابن قدامة: أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية.
وقال ابن دقيق العيد: لا خلاف أن الأضحية من شعائر الدين.
قال ابن القيم: فإنه ﷺ لم يكن يدع الأضحية.
وقال ابن حجر: ولا خلاف في كونها من شرائع الدين.
стр. 1911
• واختلف العلماء في وجوبها - بعد إجماعهم على مشروعيتها - على قولين:
القول الأول: أنها واجبة.
وهذا مذهب أبي حنيفة واختيار ابن تيمية ﵀.
أ- لقوله تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) أن الله أمر نبيه ﷺ بالنحر، والأمر يفيد الوجوب.
ب- ولحديث أبي هريرة ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ (من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا) رواه أحمد وابن ماجه. صححه الحاكم وحسنه الألباني، وروي موقوفاً على أبي هريرة، ورجحه الترمذي والطحاوي والبيهقي وابن عبد الهادي والحافظ ابن حجر في الفتح
وجه الدلالة: أنه قد خرج مخرج الوعيد على ترك الأضحية، والوعيد إنما يكون على ترك الواجب، مما يدل على أن الأضحية واجبة.
ج- ولحديث جندب قال: قال ﷺ (من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن يذبح فليذبح على اسم الله) متفق عليه، فلو لم تكن الأضحية واجبة لما أمر النبي ﷺ بإعادة الذبح لمن ذبح قبل الصلاة.
القول الثاني: أنها غير واجبة.
وهذا مذهب الجمهور. [وقد قال كثير من أصحاب القول يقولون: يكره للقادر تركها].
أ- لحديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ شيئاً من شعره وأظفاره). رواه مسلم
стр. 1912
قال الإمام الشافعي: هذا دليل أن التضحية ليست بواجبة، لقوله ﷺ (وأراد)، فجعله مفوضاً إلى إرادته ولو كان واجباً لقال ﷺ (فلا يمس من شعره وبشره حتى يضحي).
وقال ابن قدامة: علقه على الإرادة، والواجب لا يعلق على الإرادة، فلو كانت واجبة لاقتصر على قوله: إذا دخل العشر فلا يمس من شعره وبشره شيئاً.
ب- وعن جابر ﵃ قال (صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى فلما انصرف أتي بكبش فذبحه و قال: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي)
فالنبي ﷺ ضحى عن أمته فهي تجزئ عمن تمكن منها ومن لم يتمكن منها.
ج- ما أخرجه البيهقي عن أبي بكر وعمر ﵃ أنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين مخافة أن يرى ذلك واجباً، مما يدل على أنهما لم يكونا يريان الوجوب.
والراجح مذهب الجمهور.
وأما أدلة أصحاب القول الأول:
أما الآية فهي محتملة لوجوب النحر يوم العيد، وتحتمل معنى آخر كوضع اليدين عند النحر في الصلاة، ولو سلم أن المقصود بالنحر الذبح فالآية تدل على وقت النحر لا وجوبه.
وقيل: المراد بالآية تخصيص الرب بالنحر له لا لغيره.
وأما الحديث، فقال عنه ابن قدامة: ضعفه أصحاب الحديث، ولو صح فيحمل على تأكيد الاستحباب كقوله ﷺ (غسل الجمعة واجب على كل محتلم).
أما الحديث الآخر فلا يدل على وجوب الأضحية ابتداء، بل يدل على وجوب الأضحية إذا نوى أن يضحي وذبح قبل الصلاة فقد انقلب التطوع إلى فرض.
стр. 1913
فبهذا يظهر رجحان مذهب الجمهور.
فائدة:
تجب الأضحية بالنذر.
جاء في (الموسوعة الفقهية) اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نَذْرَ التَّضْحِيَةِ يُوجِبُهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ النَّاذِرُ غَنِيًّا أَمْ فَقِيرًا، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَذْرًا لِمُعَيَّنَةٍ نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ الشَّاةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَذْرًا فِي الذِّمَّةِ لِغَيْرِ مُعَيَّنَةٍ لِمَضْمُونَةٍ، كَأَنْ يَقُول: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ، أَوْ يَقُول: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِشَاةٍ. فَمَنْ نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِمُعَيَّنَةٍ لَزِمَهُ التَّضْحِيَةُ بِهَا فِي الوقت.
فائدة: ٢
ليس من شرط الأضحية الذكورية.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وليست الذكورة من شروط الوجوب ولا السنية، فكما تجب على الذكور تجب على الإناث، لأن أدلة الوجوب أو السنية شاملة للجميع.
فائدة: ٣
يشترط لوجوب الأضحية أو سنيتها: غنى المضحي، بأن يكون ثمن الأضحية فاضلاً عن كفايته وكفاية من ينفق عليهم.
ودل على اشتراط الغنى قول النبي ﷺ (من كان له سَعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا) رواه ابن ماجه.
والسعة هي الغنى.
стр. 1914
(والتضحيةُ أفضلُ من الصدقةِ بثمنِها).
أي: أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها.
وهذا مذهب جماهير العلماء، لأمور:
أولاً: أن إراقة الدم والذبح عبادة مقصودة، فإخراج القيمة فيه تعطيل لهذه الحكمة العظيمة.
ثانياً: أن الأضحية سنة النبي ﷺ وعمل المسلمين إلى يومنا هذا، ولم ينقل أن أحداً منهم أخرج القيمة.
ثالثاً: اقتداء بأبينا إبراهيم ﵇ -.
قال الحافظ ابن عبد البر: الضحية عندنا أفضل من الصدقة. وذكر أن هذا هو الصحيح من مذهب مالك وأصحابه.
قال ابن قدامة: وَالْأُضْحِيَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقِيمَتِهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ.
وَرُوِيَ عَنْ بِلَالٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أُضَحِّيَ إلَّا بِدِيكٍ، وَلَأَنْ أَضَعَهُ فِي يَتِيمٍ قَدْ تَرِبَ فُوهُ، فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُضَحِّيَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ، لَعَدَلُوا إلَيْهَا.
وَلِأَنَّ إيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ يُفْضِي إلَى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقال الإمام النووي: مذهبنا أن الأضحية أفضل من صدقة التطوع، للأحاديث الصحيحة المشهورة في فضل الأضحية، ولأنها مختلف في وجوبها، بخلاف صدقة التطوع، ولأن الأضحية شعار ظاهر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأضحية والعقيقة والهدي أفضل من الصدقة بثمن ذلك، فإذا كان معه مال يريد التقرب إلى الله كان له أن يضحي به، والأكل من الأضحية أفضل من الصدقة. انتهى.
стр. 1915
وكان من هدي النبي ﷺ أنه كان حريصا على الأضحية، حتى إنه ضحى، لما أدركه الأضحى في سفره.
روى مسلم عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: (يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ)، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ
قال النووي: فِيهِ أَنَّ الضَّحِيَّةَ مَشْرُوعَةٌ لِلْمُسَافِرِ، كَمَا هِيَ مَشْرُوعَةٌ لِلْمُقِيمِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ " انتهى.
وهذا دليل على تعظيم النبي ﷺ لأمر الأضحية.
(أَفْضَلُهَا: إِبلٌ، ثُمَّ بَقرٌ، ثُمَّ غَنَمٌ).
أي: الأفضل في الأضحية أن تكون من الإبل، ثم من البقر، ثم من الغنم.
هذا هو الشرط الأول من شروط الأضحية: أن تكون من بهيمة الأنعام.
لقوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَام).
قال القرطبي: والأنعام هنا هي الإبل والبقر والغنم.
ولم تنقل الأضحية عن رسول الله ﷺ بغير بهيمة الأنعام.
قال ابن رشد: أجمع العلماء على جواز الضحايا من جميع بهيمة الأنعام، واختلفوا في الأفضل من ذلك.
وقال النووي: فشرط المجزئ في الأضحية أن يكون من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم.
• قوله (أَفْضَلُهَا: إِبلٌ، ثُمَّ بَقرٌ، ثُمَّ غَنَمٌ).
وهذا قول الشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وبه قال بعض المالكية.
قال ابن قُدامة: وأفضل الأضاحي البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، ثم شرك فِي بقرة، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، والشافعي.
أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً … ) متفق عليه.
قال النووي: وفيه أن التضحية بالإبل أفضل من البقرة، لأن الرسول ﷺ قدَّمَ الإبل، وجعلَ البقرة في الدرجة الثانية.
ب- قال ابن قدامة: ولأنه ذبح يتقرب به إلى الله تعالى، فكانت البدنةُ فيه أفضل، كالهدي فإنه قد سلَّمَه.
ج- ولأنها أكثر ثمناً ولحماً وأنفع.
стр. 1916
القول الثاني: أن الأفضل الجذع من الضأن.
وهذا قول مالك.
لأن النبيّ ﷺ ضَحَّى بكبشين، ولا يفعل إلا الأفضل، ولو علم الله خيراً منه، لَفَدَى إسحاق به.
قال ابن دقيق العيد: وقد يستدل للمالكية باختيار النبي ﷺ في الأضاحي للغنم، وباختيار الله تعالى في فداء الذبيح.
والراجح الأول.
فائدة: ١
الأفضل في لونها: البياض.
قال الإمام النووي: أفضلها، البيضاء ثم الصفراء ثم الغبراء، وهي التي لا يصفو بياضها ثم البلقاء، وهي التي بعضها أبيض وبعضها أسود ثم السوداء.
وقال ابن قدامة: والأفضل في الأضحية من الغنم في لونها البياض.
للحديث السابق (بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ).
قال الحافظ ابن حجر: الأملح: هو الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر، ويقال هو الأغبر وهو قول الأصمعي.
وزاد الخطابي: هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود. ويقال الأبيض الخالص قاله ابن الأعرابي، وبه تمسك الشافعية في تفضيل الأبيض في الأضحية.
فائدة: ٢
هل الأفضل في الأضحية السمينة أو من هي أكثر ثمناً؟ رجح ابن تيمية الثاني.
فائدة: ٣
أيهما أفضل التضحية بواحدة غالية الثمن، أو بأعداد لكنها رخيصة الثمن؟
الجواب: غالية الثمن أفضل، ورجحه ابن تيمية.
стр. 1917
فائدة: ٤
أن الذكَر في الأضحية أفضل من الأنثى، لأنه ﷺ ضحى بكبشين، ولأن لحمه أطيب، مع جواز التضحية بالأنثى بالإجماع.
(ولا يُجزئُ إلا الجّذعُ من الضأنِ، وهو ما كَمُلَ له ستةُ أشهرٍ، والثّنيّ مما سواه، وثَنيُّ الإبلِ ما كمل له خمسَ سنين، ومنَ البقرِ ما له سنتان، ومن المعزِ: ما له سنةٌ).
هذا هو الشرط الثاني من شروط الأضحية: أن تبلغ السن المعتبرة شرعاً.
بأن يكون ثنياً إن كان من الإبل أو البقر أو المعز، وجذعاً إن كان من الضأن.
عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ اَلضَّأْنِ) رَوَاهُ مُسْلِم.
o الثني من الإبل: ما تم له خمس سنين.
o الثني من البقر: ما تم له سنتان.
o الثني من الغنم: ما تم له سنة.
o الجذع: ما تم له ستة أشهر.
جاء في (الموسوعة الفقهية) في ذكر شروط الأضحية: الشرط الثاني: أن تبلغ سن التضحية، بأن تكون ثنية أو فوق الثنية من الإبل والبقر والمعز، وجذعة أو فوق الجذعة من الضأن، فلا تجزئ التضحية بما دون الثنية من غير الضأن، ولا بما دون الجذعة من الضأن. . . وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء، ولكنهم اختلفوا في تفسير الثنية والجذعة " انتهى.
стр. 1918
قال النووي: أجمعت الأمة على أنه لا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني، ولا من الضأن إلا الجذع، وأنه يجزئ هذه المذكورات إلا ما حكاه بعض أصحابنا ابن عمر والزهري أنه قال: لا يجزئ الجذع من الضأن. وعن عطاء والأوزاعي أنه يجزئ الجذع من الإبل والبقر والمعز والضأن. (المجموع).
ونقل ابن قدامة عن أئمة اللغة: إذا مضت الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني … وأما البقرة فهي التي لها سنتان لأن النبي ﷺ قال (لا تذبحوا إلا مسنة) ومسنة البقر التي لها سنتان.
وقال النووي: قال العلماء المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال وهذا مجمع عليه. (شرح مسلم).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في (أحكام الأضحية) فالثني من الإبل: ما تم له خمس سنين، والثني من البقر: ما تم له سنتان. والثني من الغنم: ما تم له سنة، والجذع: ما تم له نصف سنة، فلا تصح التضحية بما دون الثني من الإبل والبقر والمعز، ولا بما دون الجذع من الضأن " انتهى
فائدة:
هل قول الرسول ﷺ (. . . إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ اَلضَّأْنِ) على ظاهره؟
ظاهر الحديث أنه لا يجوز التضحية بالجذع من الضأن إلا إذا عسُر على المضحي وجود المسنة، لكن الجمهور أن هذا الحديث على الاستحباب.
قال النووي: وَأَمَّا الْجَذَع مِنْ الضَّأْن فَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة يُجْزِي سَوَاء وَجَدَ غَيْره أَمْ لَا، وَحَكَوْا عَنْ اِبْن عُمَر وَالزُّهْرِيّ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يُجْزِي، وَقَدْ يُحْتَجّ لَهُمَا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث.
стр. 1919
قَالَ الْجُمْهُور: هَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب وَالْأَفْضَل، وَتَقْدِيره يُسْتَحَبّ لَكُمْ أَلَّا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّة فَإِنْ عَجَزْتُمْ فَجَذَعَة ضَأْن، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِمَنْعِ جَذَعَة الضَّأْن، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِي بِحَالٍ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِره؛ لِأَنَّ الْجُمْهُور يُجَوِّزُونَ الْجَذَع مِنْ الضَّأْن مَعَ وُجُود غَيْره وَعَدَمه، وَابْن عُمَر وَالزُّهْرِيّ يَمْنَعَانِهِ مَعَ وُجُود غَيْره وَعَدَمه، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيل الْحَدِيث عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاسْتِحْبَاب.
وَاللَّهُ أَعْلَم. (نووي).
وقال الحافظ في (التلخيص) ظاهر الحديث يقتضي أن الجذع من الضأن لا يجزئ إلا إذا عجز عن المسنة، والإجماع على خلافه، فيجب تأويله بأن يحمل على الأفضل، وتقديره: المستحب ألا يذبحوا إلا مسنة " انتهى.
وقال في "عون المعبود: هذا التَّأْوِيل هُوَ الْمُتَعَيِّن.
ويدل على جواز الجذع من الضأن ولو مع وجود الثنية:
أ-عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَّمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ضَحَايَا، فَصَارَتْ لِي جَذَعَةٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَارَتْ لِي جَذَعَةٌ، فَقَالَ: ضَحِّ بِهَا) متفق عليه.
ب-وعنه ﷺ قال (ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ بِجِذَعٍ مِنْ الضَّأْن) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، قَالَ الْحَافِظ سَنَده قَوِي.
ج- وعَنِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ (كُنَّا فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ الأَضْحَى، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَشْتَرِي الْمُسِنَّةَ بِالْجَذَعَتَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ لَنَا رَجُلٌ، مِنْ مُزَيْنَةَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ هَذَا الْيَوْمُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ الْمُسِنَّةَ بِالْجَذَعَتَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْجَذَعَ يُوفِي مِمَّا يُوفِي مِنْهُ الثَّنِيُّ) رواه أبو داود.
стр. 1920
(وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَن وَاحِدٍ)
أي: تجزئ الشاة الواحدة عن الشخص وعن أهل بيته. (من حيث الثواب).
فقد كان النبي ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، وعنده تسع نسوة.
أ- ففي حديث عائشة (أن النبي ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ; لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ: "اِشْحَذِي اَلْمُدْيَةَ، ثُمَّ أَخَذَهَا، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، وَقَالَ: بِسْمِ اَللَّهِ، اَللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمّةِ مُحَمَّدٍ).
فهذا يدل على أن الأضحية بالشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته.
قال النووي: واستدل بهذا من جوَّز تضحية الرجل عنه وعن أهل بيته واشتراكهم معه في الثواب، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور.
وقال الخطابي: وفي قوله (تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد) دليل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهله وإن كثروا، وروي عن أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما كانا يفعلان ذلك، وأجازه مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد.
ب- وعن أبي رافع ﵁ (أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أحدهما عنه وعن آل محمد والآخر عن أمة محمد).
ج- وعن أبي أيوب قال (كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون). رواه ابن ماجه
стр. 1921
قال النووي: هذا حديث صحيح. والصحيح أن هذه الصيغة تقتضي أنه حديث مرفوع.
قال ابن القيم: وكان من هديه ﷺ أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ولو كثر عددهم، ثم ذكر حديث أبي أيوب السابق.
وقال الشوكاني: قوله (يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته) فيه دليل على أن الشاة تجزئ عن أهل البيت، لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في عهده ﷺ والظاهر اطلاعه فلا ينكر عليهم … والحق أنها تجزئ عن أهل البيت، وإن كانوا مئة نفس أو أكثر كما قضت بذلك السنة.
فائدة:
لو كان عنده أكثر من بيت كما لو كان له زوجتان أو ثلاث وعنده بيوت متعددة فإن ظاهر السنة أنه يكتفي بشاة واحدة لأن النبي ﷺ عنده تسعة أبيات ومع ذلك لم يعدد النبي ﷺ الأضحية.
(والبَدَنَةُ والبَقَرَة عَنْ سَبْعَةٍ).
أي: عن سبع شياه.
فلو اشترك ثمانية في بعير، فإن هذا لا يجوز.
عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ (نَحَرْنَا مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ عَامَ اَلْحُدَيْبِيَةِ: اَلْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ) رَوَاهُ مُسْلِم.
ففي هذا الحديث: جواز الاشتراك في البدنة والبقرة وأنهما يجزيان عن سبعة أشخاص.
وروى أبو داود عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ - أي: البعير - عَنْ سَبْعَةٍ).
стр. 1922
قال النووي: فِي هَذِهِ الأَحَادِيث دَلالَة لِجَوَازِ الِاشْتِرَاك فِي الْهَدْي، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الشَّاة لا يَجُوز الاشْتِرَاك فِيهَا. وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيث أَنَّ الْبَدَنَة تُجْزِئ عَنْ سَبْعَة، وَالْبَقَرَة عَنْ سَبْعَة، وَتَقُوم كُلّ وَاحِدَة مَقَام سَبْع شِيَاه، حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى الْمُحْرِم سَبْعَة دِمَاء بِغَيْرِ جَزَاء الصَّيْد، وَذَبَحَ عَنْهَا بَدَنَة أَوْ بَقَرَة أَجْزَأَهُ عَنْ الْجَمِيع. (شرح مسلم).
وقال ابن قدامة: وهذا قول أكثر أهل العلم.
روي ذلك عن علي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة ﵃، وبه قال عطاء، وطاووس، وسالم، والحسن وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
(وَلَا تُجزئُ العَوْرَاءُ البيّن عورُها، ولا العَجْفَاءُ التي لا تُنقي، ولا العَرْجَاءُ البيّن ظلَعُها) هذا هو الشرط الثالث من شروط الأضحية: أن تكون الأضحية سالمة من العيوب.
والعيوب تنقسم إلى قسمين:
عيوب غير مجزئة - وعيوب مجزئة لكنها مكروهة.
العيوب الغير المجزئة ما ذكره النبي ﷺ في حديث البراء.
عَنِ اَلْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ (أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي اَلضَّحَايَا: اَلْعَوْرَاءُ اَلْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ اَلْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ اَلْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرَةُ اَلَّتِي لَا تُنْقِي) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ. وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّان.
(اَلْعَوْرَاءُ اَلْبَيِّنُ عَوَرُهَا) وهي التي انخسفت عينها أو برزت.
(وَالْمَرِيضَةُ اَلْبَيِّنُ مَرَضُهَا) هي التي ظهر عليها آثار المرض، مثل: الحمى التي تقعدها عن المرعى، والجرب الظاهر المفسد للحمها، أو المؤثر على صحتها.
стр. 1923
(إن كان فيها فتور أو كسل يمنعها من المرعى والأكل، أجزأت لكن السلامة منها أولى).
(وَالْعَرْجَاءُ اَلْبَيِّنُ ظَلْعُهَا) وهي التي لا تستطيع معانقة السليمة في المشي.
(فإن كان فيها عرج يسير لا يمنعها من معانقة السليمة أجزأت والسلامة منها أولى).
(وَالْكَسِيرَةُ اَلَّتِي لَا تُنْقِي) يعني الهزيلة التي لا مخ فيها.
(فإن كانت هزيلة فيها مخ أو كسيرة فيها مخ أجزأت).
هذه الأربع المنصوص عليها وعليها أهل العلم.
قال في المغني: لا نعلم خلافاً في أنها تمنع الإجزاء.
وقال ابن عبد البر: أما العيوب الأربعة المذكورة في هذا الحديث فمجتمع عليها لا أعلم خلافاً بين العلماء فيها، ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها ولا سيما إذا كانت العلة فيها أبين، ألا ترى أن العوراء إذا لم تجز فالعمياء أحرى ألا تجوز، وإذا لم تجز العرجاء فالمقطوعة الرجل أو التي لا رجل لها المقعدة أحرى ألا تجوز، وهذا كله واضح لا خلاف فيه.
فائدة: ١
ويلحق بهذه الأربع ما كان في معناها أو أولى:
العمياء: فهي أولى بعدم الإجزاء من العوراء البين عورها.
الزمنى: وهي العاجزة عن المشي لعاهة، لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البين عرجها.
مقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين: لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البين عرجها.
فائدة: ٢
ما حكم لو طرأ على الذبيحة عيب مخل بها بعد تعيينها أضحية؟
стр. 1924
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يذبحها وتجزئ.
نقل هذا القول عن عطاء، والحسن، والنخعي، والزهري، والثوري، والشافعي، وأحمد، واسحق.
القول الثاني: لا تجزؤه، ولا بد أن يذبح بدلها.
وهو قول الحنفية، والمالكية.
فائدة: ٣
من فوائد الحديث: أن العوراء الذي لا يبين عورها تجزئ، وأن المريضة التي مرضها خفيف تجزئ.
(وتجزئُ البَتْرَاء خِلقَةً).
الأبتر مقطوع الذنب.
أي: يجوز الأضحية بالتي ليس لها ذنب خلقة. (يعني خلقت بلا ذنب).
وأما لو قطع ذنبها فإنها لا تجزئ.
واختار الشيخ ابن عثيمين جواز الأمرين.
(والجَمّاءُ).
أي: ويجزئ الأضحية بالجماء، وهي التي لم يخلق لها قرن أصلاً.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى إِجْزَاءِ الْجَمَّاءِ.
لكن الأفضل التضحية بذات قرن، لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين أقرنين.
(والخَصِيّ).
أي: ويجزئ التضحية بالخصي. (وهو مقطوع الخصيتين).
قال الشيخ ابن عثيمين: يجوز الأضحية بالخصي؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه ضحى بكبشين موجوءين - يعني: مقطوعي الخصيتين- ووجه ذلك أن الخصي يكون لحمه أطيب، فالخصاء لن يضره شيئاً.
стр. 1925
فائدة:
إذا قطع مع الخصيتين الذّكَر فلا يجزئ، ويسمى الخصي المجبوب.
(وَمَا بِأذُنِهِ أوْ قَرنِهِ قَطْعٌ أقَلُّ مِن النِّصْفِ).
فتجزئ الأضحية بها.
فإن زاد على النصف فإنه لا يجزئ.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَاخْتَلَفَتْ فِي مَكْسُورَةِ الْقَرْنِ.
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تُجْزِئُ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ الْكَسْرِ دَامِيًا، وَفَسَّرُوا الدَّامِيَ بِمَا لَمْ يَحْصُل الشِّفَاءُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ دَمٌ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُجْزِئُ وَإِنْ أَدْمَى مَوْضِعُ الْكَسْرِ، مَا لَمْ يُؤَثِّرْ أَلَمُ الاِنْكِسَارِ فِي اللَّحْمِ، فَيَكُونُ مَرَضًا مَانِعًا مِنَ الإْجْزَاءِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَا تُجْزِئُ إِنْ كَانَ الذَّاهِبُ مِنَ الْقَرْنِ أَكْثَرُ مِنَ النِّصْفِ، وَتُسَمَّى عَضْبَاءَ الْقَرْنِ.
فائدة:
القسم الثاني: عيوب مجزئة لكنها مكروهة. (ووقع في بعضها خلاف).
الشرقاء: وهي مشقوقة الأذن وتسمى عند أهل اللغة أيضاً عضباء.
وهذه تجزئ مع الكراهة عند المالكية والشافعية والحنابلة وهو الأولى. وقال الحنفية تجزئ بلا كراهة.
الخرقاء: وهي التي في إذنها خرق وهو ثقب مستدير.
وهذه تجزئ مع الكراهة عند المالكية والشافعية والحنابلة.
وقال الحنفية تجزئ بلا كراهة، والنهي الوارد في الحديث عن الخرقاء، يحمل على الخرق الكثير دون القليل. وقول الجمهور أولى أيضاً.
стр. 1926
قال ابن قدامة: وتكره المشقوقة الأذن والمثقوبة وما قطع شيء منها لما روي عن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء. قال زهير: قلت لأبي إسحاق: ما المقابلة؟ قال: تقطع طرف الأذن، قلت: فما المدابرة؟ قال: تقطع من مؤخرة الأذن، قلت: ما الخرقاء؟ قال: تشق الأذن، قلت: فما الشرقاء؟ قال: تشق أذنها للسمة. رواه أبو داود والنسائي، قال القاضي: الخرقاء التي انثقبت أذنها، وهذا نهي تنزيه ويحصل الإجزاء بها ولا نعلم فيه خلافاً ولأن اشتراط السلامة من ذلك يشق إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله. انتهى.
وقال القرطبي ﵀: والخرقاء التي تخرق أذنها السمة. والعيب في الأذن مراعى عند جماعة العلماء، قال مالك والليث: المقطوعة الأذن أو جل الأذن لا تجزئ، والشق للميسم يجزئ، وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء. انتهى.
مقطوعة الأذن:
مقطوعة الأذنين أو مقطوعة الأذن لا تجزئ عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
هذا إذا كان القطع لجميع الأذن.
وأما إذا قُطِعَ بعضُ الأذن، فقال الحنفية والحنابلة إذا قطع أكثر الأذن لا تجزئ، ويؤيد قولهم حديث علي السابق: (نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن. وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب ما الأعضب؟ قال: النصف فما فوقه).
قال الشوكاني في نيل الأوطار عند كلامه على حديث: نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضب القرن. . . إلخ فيه دليل على أنها لا تجزئ التضحية بأعضب القرن والأذن وهو ما ذهب نصف قرنه أو أذنه، وذهب أبو حنيفة والشافعي والجمهور إلى أنها تجزئ التضحية بمكسور القرن مطلقاً، وكرهه مالك إذا كان يدمي، وجعله عيباً. انتهى
стр. 1927
الحولاء: وهي التي في عينها حول، وهذه تجزئ لأن الحول لا يؤثر عليها ولا يمنعها من الرعي.
التي في عينها بياض: تجزئ في الأضحية نص على ذلك المالكية والحنابلة.
• المخلوقة بلا ألية أصلاً: تجزئ عند أبي حنيفة والشافعية والحنابلة ولا تجزئ عند المالكية.
وأما مقطوعة الألية وهي التي كانت لها ألية فقطعت، فلا تجزئ عند الفقهاء، لأنها فقدت عضواً مأكولاً.
وأما إن قطع بعض أليتها فاختلف الفقهاء فيها.
الهتماء: قال ابن تيمية: والهتماء التي سقط بعض أسنانها، فيها قولان: هما وجهان في مذهب أحمد، أصحهما أنها تجزئ.
(وَوَقْتُ الذَّبحِ بَعْدَ صَلَاةِ العِيدِ أوْ قَدْره إِلى يَوْمَينِ بَعْدَه).
هذا الشرط الرابع من شروط الأضحية: أن تكون في الوقت المحدد لها، وهو بعد صلاة العيد.
أ- عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ (شَهِدْتُ اَلْأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ، نَظَرَ إِلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ اَلصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اَللَّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
ب-وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا نُصَلِّى ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا وَمَنْ ذَبَحَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ) متفق عليه.
ج- وعنْ جُنْدَبٍ قَالَ (صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ ذَبَحَ فَقَالَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ) رواه البخاري.
• قوله ( … إِلى يَوْمَينِ بَعْدَه) فيه أن وقت الذبح ينتهي بانتهاء اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيامه ثلاثة.
وهذا قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة. (أيام التضحية ثلاثة: يوم العيد واليومان الأولان من أيام التشريق).
أ- أن النبي ﷺ نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث.
стр. 1928
وجه الدلالة: أنه لا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، فمن ذبح في اليوم الرابع وقع في هذا المحظور بحصول اللحم زمن النهي عن أكله.
ب- أن اليوم الرابع لا يجب فيه الرمي فيه، فلم تجز الأضحية فيه كالذي بعده.
ج- أنه قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس.
قال الإمام أحمد: أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ .
وفي رواية أخرى عنه قال: خمسة من أصحاب رسول الله.
قال ابن قدامة: ولا مخالف لهم إلا رواية عن علي ﵁، وقد روي عنه مثل مذهبنا.
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَيَّامَ التَّضْحِيَةِ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَالْيَوْمَانِ الأْوَّلَانِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَيَنْتَهِي وَقْتُ التَّضْحِيَةِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الأْخِيرِ مِنَ الأْيَّامِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَاحْتَجُّوا: بِأَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَأَنَسًا وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ ﵃ أَخْبَرُوا أَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا يُهْتَدَى إِلَيْهَا بِالرَّأْيِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ سَمَاعًا.
وذهب بعض العلماء: أن النحر خاص بيوم العيد.
وهو قول ابن سيرين.
وذهب بعض العلماء: أن أيام الذبح أربعة، يوم العيد، وأيام التشريق الثلاثة.
وهو قول الشافعية، واختيار ابن تيمية، فينتهي بغروب شمس اليوم ١٣ من ذي الحجة.
стр. 1929
قال ابن القيم: وقد قال علي بن أبي طالب: أيام النحر: يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده، وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن، وإمام أهل الكوفة عطاء بن أبي رباح، وإمام أهل الشام الأوزاعي، وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي، واختاره ابن المنذر، ولأن الثلاثة تختص بكونها: أيام منى، وأيام النحر، وأيام التشريق، ويحرم صيامها، فهي إخوة في هذه الأحكام، فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع. [زاد المعاد ٢/ ٢٩١]
أ- جاء في حديث (كل أيام التشريق ذبح) لكن مختلف في صحته.
ب-حديث نبيْشة. قال: قال ﷺ (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله) رواه مسلم.
وهذا الراجح.
فائدة: ١
إذا كان المضحي في مكان لا يُصلى فيه العيد كالبادية، فإن وقت الأضحية يبدأ فيما يمضي من قدر صلاة العيد.
فائدة: ٢
في قوله (من ذبح قبل الصلاة. . .) نستفيد أنه لا يشترط أن يكون الذبح بعد خطبة الإمام، وإنما العبرة بالصلاة.
ونستفيد: أن من ذبح قبل الصلاة وجب عليه أن يضمن بدلها.
ونستفيد: أن العبادة إذا فعلت قبل وقتها فإنها لا تقبل.
стр. 1930
فائدة: ٣
يجوز الذبح ليلاً من غير كراهة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهته.
واستدلوا بحديث رواه الطبراني.
والصحيح أنه لا يكره وهو قول الجماهير لعدم الدليل على الكراهة، وأما الحديث الوارد فهو لا يصح، وقد عزاه الهيثمي للطبراني وقال:
فيه راوٍ متروك.
فائدة: ٤
ما حكم إذا اجتمعت الأضحية والعقيقة؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا تجزئ الأضحية عن العقيقة.
وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد ﵏.
وحجة أصحاب هذا القول: أن كلاً منهما - أي: العقيقة والأضحية - مقصود لذاته فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى.
ولأن كل واحدة منهما لها سبب مختلف عن الآخر، فلا تقوم إحداهما عن الأخرى، كدم التمتع ودم الفدية.
القول الثاني: تجزئ الأضحية عن العقيقة.
وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب الأحناف، وبه قال الحسن البصري ومحمد بن سيرين وقتادة ﵏.
وحجة أصحاب هذا القول: أن المقصود منهما التقرب إلى الله بالذبح، فدخلت إحداهما في الأخرى، كما أن تحية المسجد تدخل في صلاة الفريضة لمن دخل المسجد.
следующие страницы →