← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وأكد الجمهور قولهم بأن التدمية منسوخة أنها كانت من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أبطلها ويدل على نسخها وإبطالها ما يلي: أ- حديث عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: سمعت أبي - بريدة - يقول (كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران). ب- عن عائشة ﵂ في حديث العقيقة قالت: (وكان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونه على رأس الصبي فأمر رسول الله (أن يجعل مكان الدم خلوقاً) رواه البيهقي وهذا لفظه، وقال النووي بإسناد صحيح. وقال الحافظ ابن (فَإِنْ فَاتَ فَفِي أربَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ فَاتَ فِفِي إِحْدَى وَعِشْرين). أي: فإن فات وقتها في السابع سن ذبحها في الرابع عشر، فإن فات ذبحها فيه انتقلت إلى الحادي والعشرين. قال ابن قدامة: أمَّا كَوْنُهُ فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ، ثُمَّ فِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ، فَالْحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ وَهَذَا تَقْدِيرٌ، الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا.

стр. 1962

فائدة: فإن فات الحادي والعشرين ففي أي يوم تيسر للإنسان فيه الذبح. قال ابن قدامة: وَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ. وَإِنْ تَجَاوَزَ أَحَدًا وَعِشْرِينَ، احْتَمَلَ أَنْ يُسْتَحَبَّ فِي كُلِّ سَابِعٍ، فَيَجْعَلَهُ فِي ثَمَانِيَةٍ وَعُشْرِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَفِي خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَعَلَى هَذَا، قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّ هَذَا قَضَاءُ فَائِتٍ، فَلَمْ يَتَوَقّت، كَقَضَاءِ الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا وقال في الكافي: فإن أخرها عن إحدى وعشرين ذبحها بعده، لأنه قد تحقق سببها. وقال المرداوي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (فَإِنْ فَاتَ) يَعْنِي لَمْ يَكُنْ فِي سَبْعٍ (فَفِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ. فَإِنْ فَاتَ فَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ) أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ الْأَسَابِيعَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَيَعُقُّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَيِّ يَوْمٍ أَرَادَ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُهُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. (تُنْزَعُ جُدُولاً وَلَا يُكْسَرُ عَظْمُهَا). قال صاحب القاموس: (الجَدْلُ: كل عظم مُوفّر لا يُكسر، ولا يخلط به غيره). أي: تنزع اليد، والرجِل، والرقبة وهكذا عضواً عضواً. أ- قالوا: لأن هذا ورد عن عائشة، قالت (تطبخ جُدُولاً، ولا يكسر لها عظم). ب- ومن باب التفاؤل. قال ابن قدامة:. . . لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ عَنْ الْغُلَامِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، تُطْبَخُ جُدُولًا، وَلَا يُكْسَرُ عَظْمٌ، يَأْكُلُ، وَيُطْعِمُ، وَيَتَصَدَّقُ، وَذَلِكَ يَوْمُ السَّابِعُ. وَإِنَّمَا فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ ذَبِيحَةٍ ذُبِحَتْ عَنْ الْمَوْلُودِ، فَاسْتُحِبَّ فِيهَا ذَلِكَ تَفَاؤُلًا بِالسَّلَامَةِ. (المغني). وذهب بعض العلماء: إلى جواز ذلك.

стр. 1963

لأنه لم يصح في المنع من ذلك ولا كراهته سنة يجب المصير إليها. وقد جرت العادة بكسر عظام اللحم وفى ذلك مصلحة أكله وتمام الانتفاع به ولا مصلحة تمنع من ذلك. وهذا أرجح. (وحُكمُهَا كَالأضْحِيَةِ). أي: أن العقيقة كالأضحية في أكثر الأحكام. فلا بد أن تكون من بهيمة الأنعام، وأن تكون سليمة من العيوب، وأن تبلغ السن المعتبرة. قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حُكْمَ الْعَقِيقَةِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ؛ فِي سَنِّهَا، وَأَنَّهُ يُمْنَعُ فِيهَا مِنْ الْعَيْبِ مَا يُمْنَعُ فِيهَا، وَيُسْتَحَبُّ فِيهَا مِنْ الصِّفَةِ مَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا. . . فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ، وَلَا تَجُوزُ فِيهَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنَقَّى، وَالْعَضْبَاءُ الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا. (إِلاَّ أنَّه لَا يُجْزِئ فِيها شرِك فِي دَم). أي: مما تخالف فيها العقيقة الأضحية: أولاً: أنه لا يجزئ فيها شرك في دم. فلا يجزئ البعير عن اثنين، ولا البقر عن اثنين. أ- لأنه لم يرد التشريك فيها. ب- أنها فداء، والفداء لا يتبعض. (الشرح الممتع). ثانياً: أن طبخها أفضل من توزيعها نيئة، لأن ذلك أسهل لمن أطعمت له. ثالثاً: أنه لا يكسر عظمها عند بعض العلماء، وقد تقدم ذلك.

стр. 1964

(وَلَا تُسَنُّ الفَرَعَةُ، وَلَا العَتَيِرةُ). والعتيرة هي ذبيحة كان يذبحها أهل الجاهلية في شهر رجب. والفرع: ذبح أول ولد الناقة، وكان أهل الجاهلية يذبحونها لآلهتهم. فلا تسن الفرع ولا العتيرة: وقد اختلف العلماء في حكم العتيرة: وسبب اختلافهم: اختلاف الأحاديث الواردة فيها، فمنها ما أمر بها ورخص فيها، ومنها ما نهى عنها. والصحيح من أقوالهم - كما سيأتي - أن أحاديث الأمر بها والترخيص في فعلها كانت في أول الأمر، ثم نهى عنها النبي ﷺ . وقد اختلف العلماء في حكمها على عدة أقوال: القول الأول: أنها سنة مستحبة. وهذا قول الإمام الشافعي ﵀. قال ابن رجب: وحكاه الإمام أحمد عن أهل البصرة ورجحه طائفة من أهل الحديث المتأخرين. أ- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ سئل عنَ الْعَتِيرَةُ فقَالَ: (الْعَتِيرَةُ حَقٌّ) رواه أحمد. ب- وعن مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةٌ وَعَتِيرَةٌ. هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي تُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ) رواه أبو داود.

стр. 1965

قال ابن رجب ﵀: وهؤلاء جمعوا بين هذه الأحاديث، وبين حديث أبي هريرة (لا فَرَع ولا عتيرة) بأنَّ المنهي عنه هو: ما كان يَفعله أهل الجاهليَّة من الذَّبح لغير الله، وحمله سفيان بن عُيينة على أنَّ المراد به نفي الوجوب. (اللطائف). قال الشيخ مشهور بن حسن: والعتيرةُ: الذَّبيحة في رجَب، وهذه الذَّبيحة قال أهلُ العلم: منسوخة، والرَّاجح نسخ الوجوب فقط وليس نسخ الأصل، فمِن السُّنَّة أنَّ كل أهل بيت يَذبحون ذبيحةً في رجب، وهذه سُنَّة مهجورة. القول الثاني: أنها لا تستحب ولا تكره. وقال بهذا القول بعض الشافعية، كما حكاه النووي عنهم في "المجموع". القول الثالث: أنها مكروهة، لنهي النبي ﷺ عنها، وقال بعضهم: هي حرام باطلة. وقالوا: أحاديث الترخيص فيها والأمر بها كانت في أول الأمر، ثم نسخت بنهي النبي ﷺ عنها. نقل النووي في (شرح مسلم) عن القاضي عياض قوله: إن الأمر بالعتيرة منسوخ عند جماهير العلماء. واستدلوا على تحرمها بـ: أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لا فَرَعَ وَلا عَتِيرَة) متفق عليه. والفرع هو أول ولدٍ للناقة كانوا يذبحونه لأصنامهم. ب- أن العتيرة من شأن أهل الجاهلية، ولا يجوز التشبه بهم في عباداتهم لقول النبي ﷺ (من تشبه بقوم فهو منهم). وقال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر بعض الأحاديث الدالة على مشروعية العتيرة: وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر - بعد أن ذكر بعض الأحاديث في العتيرة - قال: وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَفَعَلَهُ بَعْض أَهْل الإِسْلام، فَأَمَرَ النَّبِيّ ﷺ بِهِمَا ثُمَّ نَهَى عَنْهُمَا رَسُول اللَّه ﷺ ، فَقَالَ: (لا فَرَع وَلا عَتِيرَة) فَانْتَهَى النَّاس عَنْهُمَا لِنَهْيِهِ إِيَّاهُمْ عَنْهُمَا، وَمَعْلُوم أَنَّ النَّهْي لا يَكُون إِلا عَنْ شَيْء قَدْ كَانَ يُفْعَل، وَلا نَعْلَم أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْم يَقُول: إِنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ نَهَاهُمْ عَنْهُمَا ثُمَّ أَذِنَ فِيهِمَا، وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْفِعْل كَانَ قَبْل النَّهْي قَوْله فِي حَدِيث نُبَيْشَة: (إِنَّا كُنَّا نَعْتِر عَتِيرَة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَإِنَّا كُنَّا نُفْرِع فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّة) وَفِي إِجْمَاع عَوَامّ عُلَمَاء الأَمْصَار عَلَى عَدَم اِسْتِعْمَالهمْ ذَلِكَ وُقُوف عَنْ الأَمْر بِهِمَا، مَعَ ثُبُوت النَّهْي عَنْ ذَلِكَ بَيَان لِمَا قُلْنَا. انتهى.

стр. 1966

قال ابن قدامة: قلَ أَصْحَابُنَا: لَا تُسَنُّ الْفَرَعَةُ وَلَا الْعَتِيرَةُ. وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَذْبَحُ الْعَتِيرَةَ فِي رَجَبٍ، وَيَرْوِي فِيهَا شَيْئًا. ثم قال: وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْأَمْرِ بِهَا، فَيَكُونُ نَاسِخًا، وَدَلِيلُ تَأَخُّرِهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ إسْلَامَهُ فِي سَنَةِ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَهِيَ السَّنَةُ السَّابِعَةُ مِنْ الْهِجْرَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَرَعَ وَالْعَتِيرَةَ كَانَ فِعْلُهُمَا أَمْرًا مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُمْ عَلَيْهِ إلَى حِينِ نَسْخِهِ، وَاسْتِمْرَارُ النَّسْخِ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ لَهُ، وَلَوْ قَدَّرْنَا تَقَدُّمَ النَّهْيِ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا، لَكَانَتْ قَدْ نُسِخَتْ ثُمَّ نُسِخَ نَاسِخُهَا، وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ. وقال ابن رجب: و العتيرة اختلف العلماء في حكمها في الإسلام، فالأكثرون على أن الإسلام أبطلها، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (لا فرع ولا عتيرة).

стр. 1967

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سلسلة دروس فقهية كتاب البيوع شروط البيع - موانع البيع - البيوع المحرمة الشروط في البيع - باب الخيار - باب الربا - باب بيع الاصول والثمار باب السلم - باب القرض - باب الرهن - باب الضمان والكفالة - باب الحوالة - باب الصلح - باب أحكام الجوار باب الحجر - باب الوكالة - باب الشركة - باب المساقاة والمزارعة - باب الإجارة - باب السبق - باب العارية باب الغصب - باب الشفعة - باب الوديعة - باب احياء الموات - باب الجعالة - باب اللقطة - كتاب الوقف - باب الهبة والعطية- كتاب الوصايا - كتاب النكاح بقلم سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء الموقع/ رياض المتقين www.almotaqeen.net

стр. 1968

كتاب البيوع تعريفه: لغة: أخذ شيء وإعطاء شيء، وسمي بيعاً من الباع، لأن كلاً من الآخذ والمعطي يمد يده. واصطلاحاً: هو مبادلة مال بمال على التأبيد غير ربا وقرض. فقوله (على التأبيد) احترازاً من الإجارة، فالإجارة مبادلة مال بمال ولكن ليس على سبيل التأبيد. مثال: كأن أشتري منك هذا البيت لمدة سنة، هذا ليس بيعاً لكن إجارة. وقوله (غير ربا) فإنه ليس من البيع لقوله تعالى (وحرم الربا)، مع أنه مبادلة. مثال: كأن أعطيك ريال بريالين. وقوله (وقرض) فالقرض لا يسمى بيعاً، وإن كان فيه مبادلة، لأن القصد من القرض الإرفاق والإحسان، والبيع القصد منه المعاوضة. • والأصل في البيع الحل. أي: أن الأصل في البيع الحل، فكل صورة من صور البيع يدعى أنها حرام فعلى المدعي البينة أي الدليل، فإذا شككنا في بيع هل هو حلال أو حرام، فالأصل أنه حلال. (وهذا ضابط مهم). لقوله تعالى (وأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا). فائدة: جاء في الحديث (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا). البيع المبرور ما جمع الصدق والبيان. الصدق: في الوصف. والبيان: في العيب.

стр. 1969

قال الشيخ السعدي في شرح حديث ( … فإن صدقا وبينا بورك .. ). هذا الحديث أصل في بيان المعاملات النافعة، والمعاملات الضارة، وأن الفاصل بين النوعين: الصدق والبيان. فمن صدق في معاملته، وبيّن جميع ما تتوقف عليه المعاملة من الأوصاف المقصودة، ومن العيوب والنقص، فهذه معاملة نافعة في العاجل: بامتثال أمر الله ورسوله، والسلامة من الإثم، ونزول البركة في معاملته، وفي الآجلة: بحصول الثواب، والسلامة من العقاب. ومن كذب وكتم العيوب، وما في المعقود عليه من الصفات، فهو - مع إثمه - معاملته ممحوقة البركة. ومتى نزعت البركة من المعاملة خسر صاحبها دنياه وأخراه. (البيعُ جائزٌ بالكتابِ والسنة والإجماع والقياس). أ-قال تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ). ب- وقال تعالى (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) فهذا دليل على مشروعيته، لأن الله لا يأمر بالإشهاد إلا على أمر مباح. ج- وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فمنع سبحانه من البيع قبل الصلاة بعد الأذان للجمعة وفي أثنائها، ثم أذِنَ فيه بعد الصلاة، والأمر إذا جاء بعد نهي فهو إباحة. د-وقال ﷺ (البيعان بالخيار) متفق عليه. هـ-وقال ﷺ (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) رواه البخاري. و-عن رفاعة. (أن النبي ﷺ سئل أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور) رواه البزار. ز-وعن حكيم بن حزام (أنه قال للنبي ﷺ : إنه يأتيني الرجل يريد البيع ليس عندي فأذهب إلى السوق فأشتريه، فقال له النبي ﷺ : (لا تبع ما ليس عند) رواه الترمذي، فدل بمفهومه على جواز بيع ما عنده.

стр. 1970

وأجمع المسلمون على جوازه. قال ابن قدامة: وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة. والحكمة تقتضيه: وذلك لأن مصالح الناس تحتاج إلى البيع، فقد يكون عند رجل دراهم وليس عنده لباس أو طعام، أو صاحب طعام ونحوه في حاجة إلى دراهم، فيتوصل كل منهم إلى مقصوده بواسطة البيع، وهذا من رحمة الله بعباده. فائدة: اختلف العلماء أي المكاسب أفضل، مع اتفاقهم على أن العمل كله فاضل إذا كان مشروعاً. فمنهم من ذهب إلى أن أفضل المكاسب الزراعة. ومنهم من رأى أن أفضلها كسب اليد أي الصناعة. وذهب آخرون إلى تفضيل التجارة على غيرها. وفريق آخر رأى أن أفضل المكاسب على الإطلاق ما يكتسب من أموال الكفار المحاربين عن طريق الجهاد في سبيل الله. وقال الحافظ: أفضل ما يكسب من الأموال من الجهاد (أي الغنيمة) فهو مكسب النبي ﷺ ولما فيه من إعلاء كلمة الله. ورجحه ابن القيم، وقال: والراجح أن أحلها الكسب الذي جعل منه رزق رسول الله ﷺ وهو كسب الغانمين وما أبيح لهم على لسان الشارع، وهذا الكسب قد جاء في القرآن مدحه أكثر من غيره، وأثني على أهله ما لم يثن على غيرهم، ولهذا اختاره الله لخير خلقه وخاتم أنبيائه ورسله، حيث يقول: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) وهو الرزق المأخوذ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله وجعل أحب شيء إلى الله فلا يقاومه كسب غيره. (زاد المعاد: ٥/ ٧٩٣). وقال النووي: والصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، فإن كان زراعة فهو أطيب الكسب لما يشمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي والدواب، ولأنه لا بد فيه في العادة أن يؤكل منه بغير عوض. وقد ورد في فضل العمل في التجارة حديث لكنه لم يثبت، وهو ما روي عنه ﷺ أنه قال (تسعة أعشار الرزق في التجارة) وأما ورد في تفضيل العمل من كسب اليد (الصنائع) والتجارة: فهو ما رواه رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: (عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ).

стр. 1971

وعَنْ الْمِقْدَامِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) رواه البخاري. (وينعقد بالقول الدال على البيع والشراء، وبالمعاطاة). هذا ما ينعقد به البيع. فالبيع له صيغتان: صيغة قولية _ وصيغة فعلية. الصيغة القولية (وهي الإيجاب والقبول). الإيجاب: اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه كالوكيل. والقبول: اللفظ الصادر من المشتري. مثال: يقول البائع بعتك هذه السيارة ﴿هذا إيجاب﴾، فيقول المشتري قبلت ﴿هذا قبول﴾. • الصيغة الفعلية (وتسمى المعاطاة). وهي أن يدفع المشتري الثمن ويدفع البائع السلعة بدون لفظ بينهما. (كما يحصل في الأسواق الحديثة حيث تأتي وتأخذ السلعة وتعطيه الثمن). وقد اختلف العلماء في صحة البيع بهذه الصيغة على أقوال: والراجح أنه يصح البيع بهذه الصيغة. وهذا مذهب المالكية، والحنابلة، واختاره النووي. أ-لأن الله قال (وأحل الله البيع) فأطلق الله، ولم يقل أحل البيع بصورة كذا، أو بصورة كذا. ب- ولأن الشرع ورد بالبيع، وعلق عليه أحكاماً، ولم يبين كيفيته، فيجب الرجوع فيه إلى العرف. وهناك أقوال أخرى في المسألة: فقيل: لا يصح البيع بهذه الصيغة. وهذا مذهب الشافعي.

стр. 1972

وقيل: يصح في الأشياء اليسيرة دون الأشياء النفيسة. قال الزحيلي في حكم بيع المعاطاة: فقال الحنفية، والمالكية، والحنابلة في الأرجح عندهم: يصح بيع المعاطاة متى كان هذا معتاداً دالاً على الرضا. وقال الشافعية: يشترط أن يقع العقد بالألفاظ الصريحة أو الكنائية، بالإيجاب والقبول، فلا يصح بيع المعاطاة، سواء أكان المبيع نفيساً أم حقيراً. وقد اختار جماعة من الشافعية منهم النووي، والبغوي، والمتولي صحة انعقاد بيع المعاطاة في كل ما يعده الناس بها بيعاً، لأنه لم يثبت اشتراط لفظ، فيرجع للعرف كسائر الألفاظ المطلقة. قال النووي: وهذا هو المختار للفتوى، وبعض الشافعية كابن سريج، والروياني خصص جواز بيع المعاطاة بالمحقرات، أي: غير النفيسة، وهي ما جرت العادة فيها بالمعاطاة كرطل خبز وحزمة بقل. (الفقه الإسلامي وأدلته). (وشروطه سبعة). أي: شروط البيع سبعة، عرفت بالتتبع والاستقراء. (أحدها: التراضي). والمعنى: أن يأتيا بالبيع اختياراً. أ-قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ). ب- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنه) رواه مسلم. ج- وعن أبي سعيد. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما البيع عن تراض) رواه ابن حبان. ج-وعَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ (أَلَا وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْءٌ، إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) رواه أحمد. ومن المعلوم أنه إذا لم يحصل رضا لم يحصل طيب نفس د-ومن النظر: لأنه لو قلنا لا يشترط الرضا لأدى ذلك إلى العدوان والفوضى، فكل من أراد مال غيره يأخذه قهراً ويعطيه ثمنه، وهذا فتح لباب الفوضى والعدوان.

стр. 1973

فائدة: ١ فإن أكره البائع أو المشتري على البيع لم يصح، لعموم الأدلة الدالة على أن المكره لا يؤاخذ ولا يترتب على عقوده شيء كما قال تعالى (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ). مثال: لو أن سلطاناً أرغم شخصاً على أن يبيع هذه السلعة لفلان فباعها فإن البيع لا يصح لأنها صدرت عن غير تراض. فائدة: ٢ لو كان الإكراه بحق فإنه يجوز، مثال: كمن كان مديناً وطالبه الغرماء بالسداد وعنده سلع، فيجبره القاضي على البيع لسداد ديونه، فإن أبى أن يبيع باع الحاكم أمواله وسدد. مثال آخر: أن يضطر رجل إلى طعام وهو عند هذا الشخص ولا يريد بيعه فإنه يجبر على أن يبيعه. فائدة: ٣ بيع الهازل. وهو الذي يتكلم بكلام البيع لا على إرادة حقيقته. هذا البيع: ذهب بعض العلماء إلى عدم صحته. لعدم الرضا بالبيع. (فهو لم يقصد البيع). (الثاني: أن يكون العاقد جائز التصرف) وجائز التصرف هو: الحر، البالغ، العاقل، الرشيد. الحر: فالمملوك لا يجوز بيعه ولا شراؤه (أي أنه لا يبيع ولا يشتري) إلا بإذن سيده، لأن العبد لا يملك، فما في يد العبد ملك لسيده. البالغ: فالصغير دون التمييز لا يصح بيعه بالإجماع لأنه لا يتأتى منه القصد. وأما المميز دون البلوغ فمحل خلاف بين العلماء على قولين: قيل: يصح تصرفه، وقيل: لا يصح، لكن لوليه أن يأذن له بالتصرف في الأشياء اليسيرة ليتدرب وهذا القول هو الصحيح.

стр. 1974

العاقل: فالمجنون لا يصح بيعه لعدم العقل الذي يحصل به التراضي والقصد. الرشيد: وهو الذي يحسن التصرف في ماله، وضده السفيه فلا يصح تصرفه. والدليل على هذا الشرط قوله تعالى (وابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). (وابْتَلُوا الْيَتَامَى) أي اختبروهم، كأن يعطيه مال وينظر كيف يتصرف فيه (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) هذا الشرط الأول وهو البلوغ (فَإِنْ آنَسْتُمْ) علمتم (مِنْهُمْ رُشْداً) هذا الشرط الثاني، والرشد حسن التصرف (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) وأما قبل البلوغ وقبل الرشد لا يدفع إليهم أموالهم، ولا يدفع إليهم أموالهم لأنه غير نافذ التصرف. (الثالث: أن تكون العين مباحة النفع). أي: أن تكون العين التي وقع العقد عليها بالشراء مباحة النفع. فأولاً: أن يكون فيها نفع. ثانياً: أن يكون النفع مباحاً. كبيع النحل، ودودة القز والجراد. - فقوله (نفع) خرج ما لا نفع فيه كالحشرات، فإنه لا يجوز بيعها. أ- لأن بذل المال فيما لا نفع فيه يعتبر سفه. ب- ولأن في ذلك إضاعة للمال. فلو أن شخصاً جمع صراصير في إناء، وقال لإنسان: أبيع عليك هذه الصراصر فلا يجوز بيعها، لأنها ليس فيها نفع، لكن لو جمع جراداً في إناء، وقال: أبيع عليك هذا الجراد فهنا يجوز البيع؛ لأن فيها نفعاً مباحاً؛ إذاً الحشرات لا يجوز بيعها، لأنها ليس فيها نفع. (الشرح الممتع)

стр. 1975

- وقوله (مباحة) خرج به محرمة النفع، مثل: آلات اللهو، فإنه لا يجوز بيعها وكذلك الخمر لأن منفعته محرمة. عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) متفق عليه. الميتة: كل ما لم يمت بذكاة شرعية. الخمر: كل ما أسكر، كما قال ﷺ (كل مسكر خمر). والأصنام: جمع صنم وهو كل ما عبد من دون الله من أشجار أو أحجار أو نحو ذلك، ومثل ذلك الوثن. فائدة: ١ بيع الخمر حرام، وهذا بالإجماع، وكذلك شربها واقتنائها. وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على تحريم بيعها كابن المنذر، والنووي. عن أنس قال (لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له) رواه أبو داود. • والحكمة من تحريم بيعها، لأن بها تزول عن الإنسان نعمة العقل التي كرَّمهْ الله بها، ويأتي في حال سكره ولهوه بأنواع المنكرات والعظائم، وإشاعة العداوة والبغضاء بين المسلمين، والصد عن الخير وعن ذكر الله. فائدة: ٢ بيع الميتة حرام، وهذا بالإجماع. قال النووي: وأما الميتة والخمر والخنزير: فأجمع المسلمون على تحريم بيع كل واحد منها. - الحكمة من تحريم بيع الميتة، لأن فيها مضرة كبيرة على البدن، وهدم للصحة، ومع هذا فهي جيفة خبيثة نتنة نجسة، تعافها النفوس، ولو أكلت مع إكراهها والتقزز منها، لصارت مرضاً على مرض، وبلاء مع بلاء.

стр. 1976

• يستثنى من بيع الميتة: السمك والجراد. أ - لحديث (أحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد). ب - إنما حرم بيع الميتة لأنه لا ينتفع بها، والميتة الحلال ينتفع بها. فائدة: ٣ بيع الخنزير حرام. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الخنزير وشراؤه محرم. وقال ابن القيم: وأما تحريم بيع الخنزير، فيتناول جملته، وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة. وقال: والخنزير أشد تحريماً من الميتة. • الحكمة من تحريم بيع الخنزير، لضرره على البدن والعقل عظيم؛ لأنه يسمم الجسد بأمراضه، ويورث آكله من طباعه الخبيثة، وهو مشاهد في الأمم التي تأكله، فقد عرفوا بالبرودة. فائدة: ٤ بيع الأصنام حرام. قال ابن القيم: تحريم بيع الأصنام أعظم تحريماً وإثماً وأشد منافاة للإسلام من بيع الميتة والخنزير. • الحكمة من تحريم بيع الأصنام، لأنه ذريعة للشرك ومفسدة للأديان. (إلا الكلب فإنه لا يجوزُ بيعُه). أي: أن الكلب يباح نفعه في بعض الأمور (كالحرث والصيد والزراعة) لكن لا يصح بيعه. ولذلك ذهب جماهير العلماء إلى تحريم بيع الكلب مطلقاً المعلم أو غير المعلّم.

стр. 1977

قال النووي: وبهذا قال جماهير العلماء منهم: أبو هريرة، والحسن، والبصري، وربيعة، والأوزاعي، والحكم، وحماد والشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر، وغيرهم. وقال الحافظ: ظَاهِر النَّهْي تَحْرِيم بَيْعه، وَهُوَ عَامّ فِي كُلّ كَلْب مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْره مِمَّا يَجُوز اِقْتِنَاؤُهُ أَوْ لا يَجُوز، وَمِنْ لازِم ذَلِكَ أَنْ لا قِيمَة عَلَى مُتْلِفه، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور " انتهى. الأدلة على تحريم بيعه: أ-عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ اَلْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ اَلْكَاهِنِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ب- ولحديث رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ). متفق عليه ج- ولحديث أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْب) رواه البخاري. د- ولحديث ابن عباس مرفوعاً (نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كَفَّهُ تراباً) رواه أبو داود وإسناده صحيح كما قال الحافظ ابن حجر. هـ- ولحديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ، وَلا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ، وَلا مَهْرُ الْبَغِيِّ) رواه أبو داود، قال الحافظ: إسناده حسن. وذهب بعض العلماء: إلى جواز بيع كلب الصيد لرواية (إلا كلب صيد) لكن هذا القول ضعيف وهذه الزيادة غير ثابتة. قالَ النسائي بعد روايته للحديث: هَذَا مُنْكَرٌ.

стр. 1978

وقال السندي في (حاشية النسائي) ضعيف باتفاق المحدثين. وقال النووي: وَأَمَّا الأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَنْ ثَمَن الْكَلْب إِلا كَلْب صَيْد، وَأَنَّ عُثْمَان غَرَّمَ إِنْسَانًا ثَمَن كَلْب قَتَلَهُ عِشْرِينَ بَعِيرًا، وَعَنْ اِبْن عَمْرو بْن الْعَاصِ التَّغْرِيم فِي إِتْلافه فَكُلّهَا ضَعِيفَة بِاتِّفَاقِ أَئِمَّة الْحَدِيث. (شرح مسلم). فائدة: اختلف العلماء في حكم بيع السّنور على قولين: القول الأول: تحريم بيعه. وهو قول الظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد ﵀. وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة ﵁ ومجاهد وجابر بن زيد. وجزم ابن القيم بتحريم بيعه في (زاد المعاد) وقال: وكذلك أفتى أبو هريرة ﵁ وهو مذهب طاووس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وجميع أهل الظاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب لصحة الحديث بذلك، وعدم ما يعارضه فوجب القول به. قال الشوكاني: وهو يتكلم عن فقه الحديث: وفيه دليل على تحريم بيع الهر، وبه قال أبو هريرة، ومجاهد، وجابر وابن زيد حكى ذلك عنهم ابن المنذر وحكاه المنذري عن طاووس. أ-عَنْ أَبِي اَلزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ اَلسِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ? فَقَالَ (زَجَرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ ب- وروى أبو داود والترمذي عَنْ جَابِرٍ بن عبد الله قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ).

стр. 1979

القول الثاني: جوزا بيعه. وهو قول جمهور العلماء. (كما حكاه النووي عنهم). قال النووي: هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة. وأجاب هؤلاء عن حديث النهي بأجوبة: الجواب الأول: أنه ضعيف. وأشار إلى هذا الإمام الخطابي، وعزاه النووي لابن المنذر. والرد عليهم: قال النووي: وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيّ وَأَبُو عَمْرو بْن عَبْد الْبَرّ مِنْ أَنَّ الْحَدِيث فِي النَّهْي عَنْهُ ضَعِيف فَلَيْسَ كَمَا قَالَا، بَلْ الْحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسْلِم وَغَيْره. (شرح مسلم). وقال ﵀: أما ما ذكره الخطابي وابن المنذر أن الحديث ضعيف فغلط منهما، لأن الحديث في صحيح مسلم بإسناد صحيح. (المجموع) الجواب الثاني: أنه محمول على كراهة التنزيه. والرد عليهم: قال الشوكاني في (نيل الأوطار) ولا يخفى أن هذا إخراج للنهي عن معناه الحقيقي بلا مقتضٍ. الجواب الثالث: أن المراد بالنهي: الهرة الوحشية التي لا يملك قيادها فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها. قال النووي: وأما النهي عن ثمن السنور فهو محمول على أنه لا ينفع، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْفَع وَبَاعَهُ صَحَّ الْبَيْع. الجواب الرابع: أن ذلك كان في ابتداء الإسلام.

стр. 1980

والرد عليهم: قال البيهقي في السنن رداً على الجمهور أيضاً: وقد حمله بعض أهل العلم على الهر إذا توحش فلم يقدر على تسليمه، ومنهم من زعم أن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين كان محكوماً بنجاسته، ثم حين صار محكوماً بطهارة سؤره حل ثمنه، وليس على واحد من هذين القولين دلالة بينة. (الرابع: أن يكون مقدوراً على تسليمهِ). أي: يشترط أن يكون المبيع أو الثمن مقدوراً على تسليمه، فلا يجوز بيع معجوز عن تسليمه. أ-لحديث أبي هريرة (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم. وجه الدلالة: أن ما لا يقدر على تسليمه هو بيع مجهول العاقبة، وما كان مجهول العاقبة فهو غرر. (لأنه لا يدرى هل يتمكن من إمساكه أم لا). ب- قبض المبيع واستيلاء العاقد عليه هو المقصود من البيع، وعلى هذا لا يجوز بيع غير المقدور على تسليمه لفوات الغرض المقصود، ولأنه غرر، فالمشتري قد يحصل عليه فيكون غانماً، وقد لا يحصل عليه فيكون غارماً. (فلا يصح بيعُ عبد آبق). أي: فلا يجوز بيع عبد هارب من سيده، لأنه غير مقدور على تسليمه. أ- لأنه غرر، لأنه لا يدرى هل يتمكن من إمساكه أم لا. ب- وأيضاً هو داخل في الميسر أيضاً [لأنه دائر بين المغنم والمغرم]، لأن البائع لن يبيعه بسعر مثله، لأنه آبق، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يباع الآبق بمثل سعر غير الآبق، وكذلك المشتري إذا حصل على العبد فهو غانم، وان لم يحصل فهو غارم، وهذا هو الميسر.

стр. 1981

قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ؛ أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ الْآبِقِ لَا يَصِحُّ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَكَانَهُ، أَوْ جَهِلَهُ، وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجَمَلِ الشَّارِدِ، وَالْفَرَسِ الْعَائِرِ، وَشِبْهِهِمَا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ بَعِيرًا شَارِدًا. وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْآبِقِ، إذَا كَانَ عِلْمُهُمَا فِيهِ وَاحِدًا. وَعَنْ شُرَيْحٍ مِثْلُهُ. أ-وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا بَيْعُ غَرَرٍ. ب-وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، فَإِنْ حَصَلَ فِي يَدِ إنْسَانٍ، جَازَ بَيْعُهُ؛ لِإِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ. (وجمل شارد). أي: ولا يجوز بيع البعير الشارد. لأنه غرر كما تقدم في العلة السابقة. (وطيرٍ في هواء). أي: وكذلك لا يجوز بيع الطير في الهواء. لأنه غير مقدور على تسليمه.

стр. 1982

فائدة: لكن إذا كان يألف المكان والرجوع إليه فهل يجوز بيعه؟ قولان: القول الأول: المنع مطلقاً. وهذا المذهب. والقول الثاني: الجواز، واختاره ابن عقيل، وهو الأظهر، فإن رجع إلى مكانه فذاك، وإلا فللمشتري الفسخ. (والسمك في الماء). أي: لا يجوز بيع السمك في الماء، لأنه لا يقدر على تسليمه. قال ابن قدامة: وَلَا السَّمَكِ فِي الْآجَامِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ، قَالَ: إنَّهُ غَرَرٌ. وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ. وَالْمَعْنَى لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الْمَاءِ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ رَقِيقًا، لَا يَمْنَعُ مُشَاهَدَتَهُ وَمَعْرِفَتَهُ. الثَّالِثُ: أَنْ يُمْكِنَ اصْطِيَادُهُ وَإِمْسَاكُهُ. فَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ، جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مَعْلُومٌ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ فَجَازَ بَيْعُهُ، كَالْمَوْضُوعِ فِي الطَّسْتِ. وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْنَا، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِذَلِكَ. (المغني).

стр. 1983

(ولا بيع المغصوب). أي: ولا يجوز بيع المغصوب. المغصوب: هو ما أخذ من مالكه قهراً، فهذا لا يجوز بيعه. أ-لأنه غير مقدور على تسليمه. ب- ولأن الإنسان غالباً لا يبيع المغصوب إلا بدون ثمنه، فان حصله المشتري فهو غانم، وإن لم يحصله فهو غارم، وهذا هو الميسر. (إلا لغاصبه أو من يقدر على أخذه منه). أي: لا يجوز بيع المغصوب إلا لواحد من اثنين: الأول: الغاصب. لكن بشرط الرضا من قبل صاحبه، فيقول المالك للغاصب اشتري مني ما غصبتني، فاشتراه، فهذا يصح. الثاني: من يقدر على أخذه منه. كأن يبيع المالك المغصوب إلى أحد أقارب الغاصب، كأبيه أو عمه، فهذا البيع يجوز، لإمكان القدرة على التسليم. فائدة: تعريف الغرر: قال ابن تيمية: هو ما تردد بين السلامة والعطب، ومعنى هذا: ما كان متردداً بين أن يسلم للمشتري فيحصل المقصود بالعقد، وبين أن يعطب فلا يحصل المقصود بالعقد. وقال ابن القيم: الغرر ما تردد بين الحصول والفوات. (الذي لا يدري حصوله، هل يحصل أم لا) كبيع جمل شارد. - الجهالة: هو ما علم حصوله وجهلت صفته. مثال: قال المشتري: أشتري منك هذا الكتاب بالمال الذي في جيبي (هذا يسمى جهالة لأننا علمنا حصوله لكننا لا ندري مقدار الدراهم).

стр. 1984

- والنهي عن بيع الغرر أصل عظيم في باب البيع يدخل تحته مسائل كثيرة. قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه. • قاعدة مهمة: كل معاملة محرمة إنما تحرم لواحد من أمور أربعة: إما لوجود الربا فيها، وإما لما فيها من الميسر [إما غانماً أو غارماً] وإما لما فيها من الظلم والتغرير والخداع، وإما هذا العقد يتضمن ترك واجب أو فعل محرم [مثل البيع بعد نداء الجمعة الثاني، أو باع سلاحاً في فتنة، أو باع عنباً لمن يتخذه خمراً]. (الخامس: وأن يكون العاقد [البائع والمشتري] مالكاً للشيء أو مأذوناً فيه). فلا يجوز للإنسان أن يبيع ملك غيره، فلو باع إنسان سيارة غيره، فإن البيع لا يصح. أ-لحديث حكيم بن حزام. (أنه جاء إلى النبي ﷺ يسأله فقال: إنه يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي فأبيعه منه ثم أبتاعه من السوق. فقال: لا تبع ما ليس عندك) رواه أحمد، أي لا تبع ما ليس في ملكك أو تحت تصرفك. ب-ولأن بيع ما لا يملك تصرف في مال الغير، والتصرف في مال الغير حرام وظلم ومن أكل المال بالباطل وقد قال ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه). ج-ولأننا إذا قلنا بجواز بيع الإنسان لملكِ غيره أدى ذلك إلى أن يستحل المال فيأكل المال المدفوع في مقابل ذلك المملوك بدون وجه حق. • إذا كان المبيع ليس عنده وقت العقد فإن البيع لا يصح (كما يفعله بعض التجار يبيع السلعة قبل أن يملكها، فهذا لا يجوز، وكذلك يفعله كثير من البنوك).

стр. 1985

(فإن باعَ ملكَ غيره لم يصح). لأنه ليس بمالك لهذا الشيء. (ولا يصح بيع الفضولي ولو أجيز بعد). الفضولي عند الفقهاء: هو من يتصرف في حق الغير بغير إذن شرعي أو ولاية. فتصرف الفضولي وبيعه لا يصح ولو أجازه المالك. وهذا مذهب الشافعي في الجديد، ومذهب الحنابلة، وبه قال الظاهرية. أ- لحديث حكيم بن حزام مرفوعاً (لا تبع ما ليس عندك) رواه الترمذي. وجه الدلالة: أن الفضولي ليس بمالك، فكان ممنوعاً من البيع والشراء لعدم الملك. ب-ولحديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً (لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك) رواه أبو داود. وجه الدلالة: أن فيه النهي عن بيع ما لا يملك، وهذا الفضولي لا يملك، والنهي يقتضي الفساد فيبطل. ج- ولحديث أبي بكرة مرفوعاً (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) متفق عليه. وجه الدلالة: أن تصرف الفضولي في مال الغير حرام، لأنه تصرف في مال أخيه المسلم بلا إذن فيحرم. د- ولأنه تمليك مالا يملك، وبيع مالا يقدر على تسيلمه، فأشبه بيع الطير في الهواء. وذهب بعض العلماء: أن تصرف الفضولي موقوف على الإجازة، فإن أجازه المالك صح وإلا فلا. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم. أ-لحديث عُرْوَة الْبَارِقِيِّ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوْ اِشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ.

стр. 1986

وَقَدْ أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ ضِمْنَ حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَه. وجه الدلالة: أن عروة قد أذن له الرسول ﷺ بشراء شاة واحدة، ولم يأذن له في البيع، فاشترى شاة أخرى، وباع، وكل ذلك كان من قبيل تصرف الفضولي، فأجازه الرسول ودعا له بالبركة. ب-أن عقد الفضولي إذا أجازه المالك جاز قياساً على الوصية بأكثر من الثلث، فإنها تصح وتكون موقوفة على إجازة الورثة. وهذا القول هو الصحيح. فائدة: إذا لم يجز المالك تصرف الفضولي فلا ينفذ تصرفه بلا خلاف. (السادس: أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة). أي: أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة، أي: عند البائع والمشتري، فلا يكفي علم أحدهما. لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، وإذا لم يكن معلوماً كان فيه غرر وجهالة. فالرؤية فيما يعلم بالرؤية، والشم فيما يعلم بالشم. (فلا يُباعُ حملٌ في بطْنٍ). أي: لا يجوز بيع الحمل في البطن. مثال: قال بعتك ما بطني هذه الشاة. لا يجوز لأنه غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، فإنه لا يدرى هل هو ذكر أو أنثى، وهل هو حي أو ميت، وقد يكون واحداً أو أكثر. - وكذلك لا يجوز بيع ما في بطن أَمَته. فلو كان عنده أمَة يطأها فقال بعتك حمل هذه الأَمَة، هذا لا يجوز لأنه بيع معدوم، لو قدرنا أنه سيوجد فهو مجهول العاقبة: لا ندري هل متعدد أولا، وهل هو ذكر أم أنثى.

стр. 1987

(ولبن في ضرع). أي: لا يجوز بيع اللبن في الضرع منفرداً. لأنه مجهول. فائدة: ١ لا يجوز بيع عبد من عبيده، مثال: عندي عشرة عبيد، فقلت: بعت عليك واحداً منهم بمائة، فلا يصح، لأن فيه غرر، لأن العبيد يختلفون، ومثل ذلك الغنم. - لكن لو قال: خذ ما تشاء من هؤلاء العبيد أو من هذه الغنم بمائة، فالمذهب لا يجوز، والصحيح أن هذه الصورة جائزة، فإن أخذ المشتري شيئاً غالياً فنقول: إن البائع هو الذي فرط. فائدة: ٢ كل بيع يتضمن الغرر أو الجهالة فهو حرام لأمرين: الأمر الأول: إبعاد الناس عن أكل الأموال بالباطل، والثاني: إبعاد الناس عن الشقاق والنزاع. فائدة: ٣ يستثنى من ذلك: حمل الشاة وهي حامل، فإنه هذا يجوز، لأن الحمل ثبت تبعاً (ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً). - الجهالة مفضية إلى النزاع، والشريعة راعت سد مفسدة النزاع.

стр. 1988

(السابع: أن يكون الثمن معلوماً قدره وصفته للطرفين). أي: يشترط أن يكون الثمن (وهو المال) معلوماً قدره، وهل هو حال أو مؤجل. لأن الرسول ﷺ نهى عن بيع الغرر، وإذا كان الثمن مجهولاً حصل الغرر والخداع، والثمن أحد العوضين، فالجهل به غرر كالجهل بالمبيع. مثال: لو قال اشتريت منك هذه السلعة بما في جيبي من الدراهم، فهذا لا يجوز. فائدة: اختلف العلماء: في بيع بما ينقطع به السعر، وهو ما تقف عليه المساومة: فقيل: لا يصح. لأنه مجهول، فقد يقف السعر على ثمن كثير أو قليل فيحصل الغرر. وقيل: يصح البيع بما ينقطع به السعر. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، لأن الإنسان يطمئن ويقول: لي أسوة بالناس آخذه بما يأخذ به غيري. موانع البيع المانع: هو ما يلزم من وجوده العدم. والأشياء لا تتم إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها وهذا في كل شيء. مثال: قد يدعو الإنسان ربه ويأتي بأسباب الإجابة لكن لا يستجاب له؟ لأنه قد يكون هناك مانع من الإجابة من أكل للحرام أو غيره.

стр. 1989

(يحرمُ بيع وشراء في المسجد). أ- لحديث أبي هريرة. أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قال (إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي اَلْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اَللَّهُ تِجَارَتَكَ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. ب- ولحديث عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ) رواه الترمذي. قالوا: إن النبي ﷺ دعا على البائع والمشتري في المسجد بعدم الربح، وهذا عقوبة لهم. وذهب بعض العلماء: إلى كراهة ذلك. وهذا قول جماهير العلماء. للأحاديث السابقة. وجه الدلالة: أن هذا الدعاء عليه يدل على كراهة البيع، ولو كان محرماً لبين النبي ﷺ بطلانه، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهذا الراجح. قال ابن رجب: وحكى الترمذي في جامعه قولين لأهل العلم من التابعين في كراهة البيع في المسجد، والكراهة قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وهو عند أصحابنا كراهة تحريم، وعند كثير من الفقهاء كراهة تنزيه. (الفتح). فائدة: واختلف العلماء: هل إذا وقع البيع يصح أم لا؟ والذي عليه جمهور العلماء: أن العقد صحيح مع الكراهة. قال ابن هبيرة: وَاخْتلفُوا فِي البيع وَالشِّرَاء فِي الْمَسْجِد: فَمنع صِحَّته وجوازه: أَحْمد، … وَأَجَازَهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ مَعَ الْكَرَاهَة. (اختلاف الأئمة العلماء)

стр. 1990

وقال البهوتي: فَإِنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فِي الْمَسْجِدِ: فَبَاطِلٌ، قَالَ أَحْمَدُ: وَإِنَّمَا هَذِهِ بُيُوتُ اللَّهِ لَا يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الْبَيْعَ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ مَعَ الْكَرَاهَة. … (كشاف القناع). وهذا الأقرب وهو صحة البيع. لأن النهي يرجع إلى سبب خارج عن ماهية البيع وشروطه. وقد رجح هذا القول: ابن قدامة من الحنابلة، وشيخ الإسلام ابن تيمية. قال الجصاص: وَلَوْ بَاعَ فِيهِ: جَازَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ تَعَلَّقَ بِمَعْنًى فِي غَيْرِ العقد. (أحكام القرآن). وقال ابن قدامة: فَإِنْ بَاعَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ، وَشُرُوطِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ وُجُودُ مُفْسِدٍ لَهُ، وَكَرَاهَةُ ذَلِكَ لَا تُوجِبُ الْفَسَادَ، كَالْغِشِّ فِي الْبَيْعِ وَالتَّدْلِيسِ وَالتَّصْرِيَةِ. وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (قُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ)، مِنْ غَيْرِ إخْبَارٍ بِفَسَادِ الْبَيْعِ: دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِه. (المغني). وقال ابن خزيمة: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْبَيْعُ يَنْعَقِدُ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ ﷺ : (لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ) مَعْنى. وقال المرداوي: وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَة. بل قال ابن بطال: وقد أجمع العلماء أن ما عُقد من البيع في المسجد: أنه لا يجوز نقضه، إلا أن المسجد ينبغي أن يُجنب جميع أمور الدنيا. (ولا ممن تلزمه الجمعة بعد النداء الثاني). أي: لا يصح البيع ولا الشراء بعد النداء الثاني للجمعة لأي واحد تجب عليه الجمعة. فالبيع عند نداء الجمعة الثاني: حرام. وهذا قول عامة الفقهاء.

стр. 1991

لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ). قال القرطبي: قوله تعالى (وَذَرُوا الْبَيْعَ) منع الله منه عند صلاة الجمعة وحرَّمه في وقتها على من كان مخاطباً بفرضها، والبيع لا يخلو من شراء فاكتفى بذكر أحدهما … وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. … (تفسير القرطبي). • قوله (ولا يصح البيع … ) هذا القول الأول في المسألة: أن البيع - حرام كما تقدم - ولا يصح بل هو باطل. قال الشيخ ابن عثيمين: إن البيع بعد نداء الجمعة الثاني حرام وباطل أيضاً، وعليه فلا يترتب عليه آثار البيع، فلا يجوز للمشتري التصرف في المبيع؛ لأنه لم يملكه، ولا للبائع أن يتصرف في الثمن المعين؛ لأنه لم يملكه، وهذه مسألة خطيرة؛ لأن بعض الناس ربما يتبايعون بعد نداء الجمعة الثاني ثم يأخذونه على أنه ملك لهم " انتهى. وذهب بعض العلماء: إلى أن البيع حرام لكنه إذا وقع فهو صحيح. قالوا: لأن النهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة ليس لعين البيع، وإنما لأمر خارج مقارن له، وهو تفويت الجمعة، وتعطيل السعي إليها. وهذا قول قوي. فائدة: ١ المراد بالنداء هو النداء الثاني الذي يكون بعد جلوس الخطيب على المنبر، فلو باع بعد النداء الأول واشترى لكان صحيحاً.

стр. 1992

فمذهب الجمهور: أن التحريم متعلق بالأذان الثاني - الذي يكون عقب جلوس الإمام على المنبر - لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ إلا أذان واحد للجمعة - بعد أن يجلس الإمام على المنبر -، فيتعين أن يكون هذا الأذان هو المراد في الآية (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) حين نزلت، ولأن البيع عند هذا الأذان يشغل عن الصلاة، ويكون ذريعة إلى فواتها، أو فوات بعضها. قال ابن قدامة: والنداء الذي كان على عهد رسول الله ﷺ هو النداء عَقِيْب جلوس الإمام على المنبر، فتعلق الحكم به دون غيره. ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل الزوال أو بعده. فائدة: ٢ قوله (ممن تلزمه الجمعة) فمن لا تلزمه الجمعة: كالمرأة - والمسافر - والصبي - والمريض، لهم البيع والشراء. لأن النهي معلل بوجوب السعي لذكر الله، والعلة اذا نص عليها الدليل فان الحكم يدور معها وجوداً وعدماً، فكل من لم يخاطب بالسعي لا يخاطب بالنهي. قال ابن قدامة: وَتَحْرِيمُ الْبَيْعِ، وَوُجُوبُ السَّعْيِ، يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِينَ بِالْجُمُعَةِ، فَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمُسَافِرِينَ، فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا نَهَى عَنْ الْبَيْعِ مَنْ أَمَرَهُ بِالسَّعْيِ، فَغَيْرُ الْمُخَاطَبِ بِالسَّعْيِ لَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْبَيْعِ مُعَلَّلٌ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ. (المغني).

стр. 1993

فائدة: ٣ إذا كان الأذان يقع في أوقات مختلفة لاختلاف المساجد التي تقام فيها الجمعة، فهل يعتبر في وجوب ترك البيع الأذان الذي يكون في أول مسجد، أو يعتبر الأذان في المسجد الذي تراد الصلاة فيه؟ في هذا خلاف بين العلماء. فقيل: الانكفاف عن البيع يكون من أذان أول هذه الجوامع المختلفة. لعموم الآية. وقيل: إن ترك البيع إنما يلزم بأذان المسجد الذي يريد الصلاة فيه، فإذا لم يكن يريد الصلاة في أول مسجد أذن في لم يلزمه ترك البيع. قال الشيخ ابن عثيمين: إنه لا يحل لرجل تلزمه الجمعة إذا سمع النداء الثاني من المسجد الذي يريد أن يصلي فيه الجمعة لا يحل له أن يتلهى عن الحضور بل يجب عليه المبادرة فوراً إلى المسجد، ويجب عليه أيضاً أن يدع البيع والشراء فمن باع أو اشترى بعد أذان يوم الجمعة الثاني من المسجد الذي يريد الصلاة فيه فإن بيعه محرم وهو آثم به. انتهى. فائدة: ٤ جاء في (الموسوعة الفقهية) أما لو وجبت على أحدهما دون الآخر: فمذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، أنهما يأثمان جميعاً، لأن الأول الذي وجبت عليه ارتكب النهي، والآخر الذي لم تجب عليه أعانه عليه.

стр. 1994

(ويصحُ النكاحُ وسائرُ العقود). أي: يصح النكاح - وكذا سائر العقود كالضمان والإجارة ونحوها - بعد نداء الجمعة الثاني. لأن النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْبَيْعِ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ فِي الشَّغْلِ عَنْ السَّعْيِ؛ لِقِلَّةِ وُجُودِهِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْبَيْعِ. (المغني) وذهب بعض العلماء: إلى النهي عام لجميع العقود النكاح وسائر العقود. وهذا قول الجمهور. جاء في الموسوعة الفقهية: النَّهْيُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ شَامِلٌ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَسَائِرَ الْعُقُودِ. وروى الإمام البخاري عن عطاء أحد أئمة التابعين أنه قال: تحرم الصناعات كلها - أي وقت النداء للجمعة. وذكر الحافظ ابن حجر رواية أخرى عن عطاء بلفظ آخر: إذا نودي بالأذان حرم اللهو والبيع والصناعات كلها والرقاد وأن يأتي الرجل أهله وأن يكتب كتاباً. وقال الحافظ: وبهذا قال الجمهور أيضاً. . . . (فتح الباري). (ولا يصح بيعُ عصيرٍ على من يتخذُه خمراً). أي: لا يجوز بيع عصير لرجل يُعلم أنه يتخذه خمراً. وهذا قول الجمهور. أ- لقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان). ب- لأنه إعانة على الإثم والعدوان.

стр. 1995

قال ابن قدامة: لقَوْل اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَعَنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً. فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وَشَارِبَهَا وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَسَاقِيَهَا) وَأَشَارَ إلَى كُلِّ مُعَاوِنٍ عَلَيْهَا، وَمُسَاعِدٍ فِيهَا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَنَس. وَلِأَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَيْهَا لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِلْمَعْصِيَةِ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ أَمَتِهِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُهَا لِيَزْنِيَ بِهَا. فائدة: ١ وهذا التحريم مقيد بعلم البائع قصد المشتري. فالجمهور اشترطوا للمنع من هذا البيع: أن يعلم البائع بقصد المشتري اتخاذ الخمر من العصير، فلو لم يعلم لم يكره بلا خلاف. قال ابن قدامة: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ، إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ قَصْدَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ، إمَّا بِقَوْلِهِ، وَإِمَّا بِقَرَائِنَ مُخْتَصَّةٍ بِهِ، تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. فَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَمْرُ مُحْتَمِلًا، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مَنْ لَا يَعْلَمُ، أَوْ مَنْ يَعْمَلُ الْخَلَّ وَالْخَمْرَ مَعًا، وَلَمْ يَلْفِظْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْخَمْرِ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ. (المغني). فائدة: ٢ ومثله بيع السلاح لمن يقتل مسلماً، فكل ما يتوصل به إلى محرم فهو حرام. قال ابن قدامة: وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْحَرَامُ، كَبَيْعِ السِّلَاحِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الْفِتْنَةِ، وَبَيْعِ الْأَمَةِ لِلْغِنَاءِ، أَوْ إجَارَتِهَا كَذَلِكَ، أَوْ إجَارَةِ دَارِهِ لِبَيْعِ الْخَمْرِ فِيهَا، أَوْ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً، أَوْ بَيْتَ نَارٍ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ فَهَذَا حَرَامٌ.

стр. 1996

(ولا يصح بيع عبد مسلم لكافر). لأن فيه إذلالاً للعبد المسلم. يستثنى من ذلك مسألتين: الأولى: إذا كان هذا العبد ابناً لهذا الكافر، أو أباً له، فإنه يعتق بمجرد الشراء. الثانية: أن يقول الكافر: إذا اشتريت هذا العبد فهو حر. ووجه استثناء هذه المسائل: لأن فيها مصلحة للعبد. البيوع المحرمة (بيع المسلم على أخيه المسلم). يحرم أن يبيع المسلم على بيع أخيه. أ- عَنْ أبي هريرة. قال قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ اَلرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) متفق عليه. ب- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) رواه مسلم. ج- وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعِ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَاد) متفق عليه. د- وعن عقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ. قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَر) رواه مسلم.

стр. 1997

- مثاله: أن يشتري شخص من إنسان سلعة بـ (١٠) ثم يأتيه آخر ويقول: أعطيك مثلها بـ (٩) أو يقول أعطيك أحسن منها بـ (١٠). - ومثله: الشراء على شراء الرجل، فإنه حرام. قال ابن قدامة: كَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَجِيءَ إلَى الْبَائِعِ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ، فَيَدْفَعَ فِي الْمَبِيعِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اُشْتُرِيَ بِهِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا. أ- لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. ب-وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ يُسَمَّى بَيْعًا، فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ. ج-وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْخَاطِبِ. (المغني). مثال ذلك: علمتُ أن زيداً باع على عمر بيته بـ ١٠٠، فذهبت إلى زيد وقلت له: يا فلان، أنت بعت بيتك على عمر بـ ١٠٠، أنا سأعطيك ١٢٠. • الحكمة من النهي: قطع العدوان على الغير، واجتناب ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء. قال ابن قدامة: فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ، وَالْإِفْسَادِ عَلَيْهِ. • اختلف العلماء في حكم هذا البيع على قولين: القول الأول: أنه صحيح مع الإثم. وهذا مذهب الجمهور كما ذكر ذلك الشوكاني. القول الثاني: أنه باطل. وهذا مذهب المالكية، والحنابلة ورجحه ابن حزم وابن تيمية. لأن النهي عائد إلى العقد نفسه.

стр. 1998

- اختلف العلماء: هل يجوز البيع على بيع الكافر على قولين: القول الأول: يجوز. لقوله ﷺ (ولا يبع الرجل على بيع أخيه) والكافر ليس أخاً. القول الثاني: لا يجوز. وهذا مذهب جماهير العلماء. قالوا: وأما قوله (لا يبع الرجل على بيع أخيه) فهذا قيد أغلبي لا مفهوم له. - مثال ذلك: اشترى مسلم من كافر سلعة، فلا يجوز أن يذهب البائع المسلم ويقول له: أنا أعطيك السلعة بأقل - يجوز بيع الرجل على بيع الرجل إذا أذِن له البائع. لحديث ابْن عُمَرَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ (لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ) متفق عليه. قال الحافظ: قوله (إلا أن يأذن له) يحتمل أن يكون استثناء من الحكمين كما هو قاعدة الشافعي. ويحتمل أن يختص بالأخير. ويؤيد الثاني رواية المصنف في النكاح من طريق بن جريج عن نافع بلفظ (نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب). ومن ثم نشا خلاف للشافعية هل يختص ذلك بالنكاح أو يلتحق به البيع في ذلك والصحيح عدم الفرق، وقد أخرجه النسائي من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ (لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر).

стр. 1999

(بيع الملامسة والمنابذة والحصاة). وهذه بيوع محرمة. أ-عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُنَابَذَةِ - وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ، أَوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ - وَنَهَى عَنْ الْمُلامَسَةِ. وَالْمُلامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ وَلا يُنْظَرُ إلَيْهِ) متفق عليه. ب- عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. • تفسير الملامسة: أن يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا. • تفسير المنابذة: أن يقول البائع للمشتري: أي ثوب نبذته فهو لك بعشرة. قد يكون هذا الثوب الذي نبذه إليه لا يساوي عشرة، وقد يساوي أكثر، وقد يساوي أقل. فالمشتري و البائع أحدهما غانم والآخر غارم. هذه البيوع كانت موجودة في الجاهلية ونهى عنها الإسلام لما فيها من الغرر والجهالة • الحكمة من النهي: اشتمالها على الغرر والجهالة، ولدخولهم تحت الميسر فيكون: أحدهما إما غانماً أو غارماً. - البيع لا يصح. وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو أن البيع لا يصح، لأن النهي منصب على نفس الفعل. إذاً بيع المنابذة والملامسة والحصاة يترتب عليه أمران: إثم العاقدان - فساد العقد.

стр. 2000

(بيع الغَرر). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اَلْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ اَلْغَرَرِ) رَوَاهُ مُسْلِم. تعريفه: قال ابن تيمية: هو مجهول العاقبة. وقال: هو ما تردد بين السلامة والعطب، ومعنى هذا: ما كان متردداً بين أن يسلم للمشتري فيحصل المقصود بالعقد، وبين أن يعطب فلا يحصل المقصود بالعقد. وقال ابن القيم: الغرر ما تردد بين الحصول والفوات. (الذي لا يدري حصوله، هل يحصل ام لا) كبيع جمل شارد. - وبيع الغرر يدخل تحته مسائل كثيرة. قال النووي: أَمَّا النَّهْي عَنْ بَيْع الْغَرَر فَهُوَ أَصْل عَظِيم مِنْ أُصُول كِتَاب الْبُيُوع، وَلِهَذَا قَدَّمَهُ مُسْلِم وَيَدْخُل فِيهِ مَسَائِل كَثِيرَة غَيْر مُنْحَصِرَة كَبَيْعِ الْآبِق وَالْمَعْدُوم وَالْمَجْهُول وَمَا لَا يَقْدِر عَلَى تَسْلِيمه وَمَا لَمْ يَتِمّ مِلْك الْبَائِع عَلَيْهِ وَبَيْع السَّمَك فِي الْمَاء الْكَثِير وَاللَّبَن فِي الضَّرْع وَبَيْع الْحَمْل فِي الْبَطْن وَبَيْع بَعْض الصُّبْرَة مُبْهَمًا وَبَيْع ثَوْب مِنْ أَثْوَاب وَشَاة مِنْ شِيَاه وَنَظَائِر ذَلِكَ، وَكُلّ هَذَا بَيْعه بَاطِل لِأَنَّهُ غَرَر مِنْ غَيْر حَاجَة. • يعفى عن اليسير من الغرر الذي لابد منه. قال القرطبي: كل بيع لابد فيه من نوع من الغرر، لكنه لما كان يسيراً غير مقصود لم يلتفت الشرع إليه. وقال النووي: .... وَقَدْ يَحْتَمِل بَعْض الْغَرَر بَيْعًا إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَة كَالْجَهْلِ بِأَسَاسِ الدَّار وَكَمَا إِذَا بَاعَ الشَّاة الْحَامِل وَاَلَّتِي فِي ضَرْعهَا لَبَن فَإِنَّهُ يَصِحّ لِلْبَيْعِ، لِأَنَّ الْأَسَاس تَابِع لِلظَّاهِرِ مِنْ الدَّار، وَلِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِن رُؤْيَته. وَكَذَا الْقَوْل فِي حَمْل الشَّاة وَلَبَنهَا. وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز أَشْيَاء فِيهَا غَرَر حَقِير، مِنْهَا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّة بَيْع الْجُبَّة الْمَحْشُوَّة وَإِنْ لَمْ يُرَ حَشْوهَا، وَلَوْ بِيعَ حَشْوهَا بِانْفِرَادِهِ لَمْ يَجُزْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز إِجَارَة الدَّار وَالدَّابَّة وَالثَّوْب وَنَحْو ذَلِكَ شَهْرًا مَعَ أَنَّ الشَّهْر قَدْ يَكُون ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَقَدْ يَكُون تِسْعَة وَعِشْرِينَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز دُخُول الْحَمَّام بِالْأُجْرَةِ مَعَ اِخْتِلَاف النَّاس فِي اِسْتِعْمَالهمْ الْمَاء وَفِي قَدْر مُكْثهمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز الشُّرْب مِنْ السِّقَاء بِالْعِوَضِ مَعَ جَهَالَة قَدْر الْمَشْرُوب وَاخْتِلَاف عَادَة الشَّارِبِينَ وَعَكْس هَذَا.
следующие страницы →