Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
القول الثاني: أنه يبطل الشرط ويصح البيع.
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
لحديث بريرة حيث دل على صحة العقد وبطلان الشرط، فالشرط إذا نافى مقتضى العقد بطل في نفسه، ولا يلزم منه بطلان العقد.
القول الثالث: يصح العقد والشرط.
وبهذا قال جماعة من السلف، منهم الحسن البصري، والنخعي، وابن أبي ليلى، وابن المنذر، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم.
أ- لحديث (المسلمون على شروطهم)
ب- أن الأصل في العقود والشروط الصحة، والخروج عن هذا الأصل يحتاج إلى دليل.
والراجح - والله أعلم - القول الثاني، أنه يبطل الشرط ويصح البيع.
فائدة
اختلف العلماء في مسألة: إذا باعة واشترط البائع البراءة من كل عيب مجهول.
والصحيح في هذه المسألة التفصيل:
أنه إذا أبرأه من العيوب المجهولة:
فإما أن يكون عالماً بها ولكنه كتمها، فهذا لا يبرأ، لأنه خدعه وغشّه.
قال النبي ﷺ (من غشنا فليس منا).
وقال ﷺ في المتبايعين (إن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).
وإما أن يكون جاهلاً بالعيوب - فهذا يبرأ - لأن هذا هو الذي يقدر عليه، وهو أن يريد أن يسلم.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
قال شيخ الإسلام مرجحاً هذا التفصيل:
(والصحيح في مسألة البيع بشرط البراءة من كل عيب والذي قضى به الصحابة وعليه أكثر أهل العلم، أن البائع إذا لم يكن علم بذلك العيب فلا رد للمشتري).
وقال ابن القيم: هذا الذي جاء عن الصحابة.
стр. 2032
باب الخيار
تعريفه:
الخيار: هو طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ.
(وهو أقسام).
أي: أقسام سبعة، وحصرت الأقسام بسبعة بناءً على التتبع والاستقراء.
(منها: خيار المجلس، ويثبت للمتعاقدين ما لم يتفرقا).
هذا النوع الأول من أنواع الخيار، وهو خيار المجلس.
وهو الخيار الذي يثبت للمتعاقدين ما داما في المجلس.
والمراد بالمجلس هنا مكان الجلوس، وإن لم يكن متخذاً للجلوس بل موضع التبايع كائناً ما كان.
- ودليل ثبوت هذا الخيار.
عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا تَبَايَعَ اَلرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا اَلْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا اَلْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدَ وَجَبَ اَلْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اَلْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ اَلْبَيْعُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
مثاله: إذا بعت على إنسان سيارة، فما دمنا بالمجلس فلكل واحد منا الخيار.
- وإلى ثبوت خيار المجلس ذهب جماهير العلماء، كالشافعي وأحمد.
قال ابن قدامة: وهو مذهب أكثر أهل العلم.
وقال النووي: وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وهو مروي عن ابن عمر، وأبي برزة الأسلمي من الصحابة ﵃.
стр. 2033
وقال ابن رشد: ولا مخالف لهما من الصحابة.
وقال البخاري: به قال ابن عمر، وشريح، والشعبي، وطاوس، وعطاء، وابن أبي مليكة.
أ-لحديث ابن عمر السابق.
ب- ولحديث حكيم بن حزام. قال: قال ﷺ (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) متفق عليه.
وجه الدلالة: هذان الحديثان، وما في معناها ـ يدلان دلالة صريحة على ثبوت خيار المجلس، بما يعطي الحق للمتبايعين ـ ومن في معناهما في كل عقد فيه معارضة في إمضاء البيع أو فسخه مدة المجلس.
فائدة:
الحكمة من خيار المجلس:
هي أن الإنسان قد يتعجل في بيع الشيء أو شرائه ويقع ذلك منه من غير تروٍّ، فيحتاج إلى أن يعطى هذه الفسحة، وإنما أعطي هذه الفسحة لأنه إذا وقع الشيء في ملك الإنسان فإن الرغبة التي كانت عنده قبل أن يتملكه تقل فجعل الشارع له الخيار، وهذا من حكمة الشارع، ولم يكن طويلاً لانتفاء الضرر. (الشرح الممتع).
(يَنْتهي خيارَ المجلس بالتفرق).
أي: يثبت البيع في خيار بالمجلس إذا تفرقا.
لقوله ﷺ (ما لم يتفرقا)، فإذا تفرقا بأبدانهما ثبت البيع.
ففي حديث ابن عمر ( … وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اَلْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ اَلْبَيْعُ).
والمقصود بالتفرق هو التفرق بالأبدان، فإذا تفرقا بأبدانهما بعد التبايع فقد ثبت البيع.
وقال بعض العلماء: المراد بالتفرق، تفرق الأقوال، وهذا ضعيف.
والصحيح أن المراد التفرق بالأبدان.
أ- لرواية البيهقي (حتى يتفرقا من مكانهما).
ب- أن راوي الحديث ابن عمر فسره بذلك.
ففي رواية البخاري (وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه).
ج- أن ذلك خلاف الظاهر.
стр. 2034
وقال صاحب المغنى حمل التفرق على الأقوال باطل لوجوه:
أولاً: أنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُ مَا قَالُوهُ؛ إذْ لَيْسَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بِلَفْظٍ وَلَا اعْتِقَادٍ، إنَّمَا بَيْنَهُمَا اتِّفَاقٌ عَلَى الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا يُبْطِلُ فَائِدَةَ الْحَدِيثِ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ قَبْلَ الْعَقْدِ فِي إنْشَائِهِ وَإِتْمَامِهِ، أَوْ تَرْكِهِ.
الثَّالِث: أَنَّهُ يَرُدُّهُ تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ لِلْحَدِيثِ بِفِعْلِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ إذَا بَايَعَ رَجُلًا مَشَى خُطُوَاتٍ؛ لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ، وَتَفْسِيرُ أَبِي بَرْزَةَ لَهُ، بِقَوْلِهِ عَلَى مِثْلِ قَوْلِنَا، وَهُمَا رَاوِيَا الْحَدِيثِ، وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ.
فائدة:
ضابط التفرق:
اختلف العلماء في حد هذا التفرق.
قيل: التفرق أن يغيب عن صاحبه.
وقيل: بأن يمشي أحدهما مستديراً لصاحبه خطوات.
وقيل: هو أن يبعد منه بحيث لا يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة.
والراجح من أقوال العلماء هو عرف الناس وعاداتهم فيما يعدونه تفرقاً، فما عده العرف تفرقاً فهو كذلك وإلا فلا، والقاعدة: كل ما ورد مطلقاً في لسان الشارع، ولم يحدد، فإنه يرجع إلى تحديده إلى العرف.
ولأن التفرق في الشرع مطلق فوجب أن يحمل على التفرق المعهود.
ولأن الشارع علق عليه حكماً ولم يبينه، فدل ذلك على أنه أراد ما يعرفه الناس كالقبض والاحراز.
فمتى تفرقا بأبدانهما تفرقاً يعتد به العرف انقطع خيارهما ولزم العقد، ولو أقاما في مجلسهما مدة متطاولة أو قاما وتماشيا مراحل أو حجز بينهما حاجز من جدار أو غيره فهما على خيارهما وبه قطع جمهور القائلين بالخيار.
стр. 2035
أمثلة:
إذا كانا في بيت، فبخروج أحدهما منه.
إذا كانا في غرفة، فبخروج أحدهما منها.
(ما لمْ يَتَبايَعَا على أن لا خيار).
فيلزم البيع بمجرد العقد.
مثال: بعتك هذا الشيء على أنه لا خيار بيننا.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ) رواه أبو داود.
والصفقة لغة: اسم المرة من الصفق، وهو الضرب باليد على يد أخرى.
والمعنى: أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا، إلا إذا قال أحدهما للآخر: اختر إمضاء البيع أو فسخه، فاختار الإمضاء، تم البيع وإن لم يتفرقا.
قال الشوكاني: إلا أن تكون صفقة خيار: المراد أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه اختر إمضاء البيع أو فسخه فاختار أحدهما تم البيع وإن لم يتفرقا. اهـ
(أو يسقطاهُ بعدَ العقد).
فيسقط، لأن الخيار حق للعاقد، فسقط بإسقاطه.
مثال: بعد أن تم البيع، ألغيا الخيار فلا بأس لأن الحق لهما.
(وإن أسقطه أحدهما بقي خيار الآخر).
فإن قال: أسقطت خياري، فإنه يبقى خيار الآخر.
لأنه لم يحصل منه إسقاط لخياره بخلاف صاحبه.
وفي حديث ابن عمر السابق (إِذَا تَبَايَعَ اَلرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا اَلْآخَرَ).
стр. 2036
(وإذا تفرقا لزم البيع).
أي: إذا تفرقا بأبدانهما فقد لزم وثبت البيع - كما تقدم - وهذا بالإجماع.
لحديث ابن عمر السابق ( … وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اَلْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ اَلْبَيْعُ).
(وينقطع الخيار بموت أحدِهما).
لأن الموت أعظم الفرقتين.
وذهب بعض العلماء - وهو مذهب الشافعي - إلى أنه لا ينقطع بالموت، وينتقل للورثة.
(وتحرم الفرقة من المجلس خشية الاستقالة).
يعني: لا يجوز للإنسان مفارقة صاحبه لإسقاط خياره، لأن هذا من التحيل لإسقاط حق الغير.
لحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (اَلْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ) رَوَاه أبو داود.
والمعني: لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع، وعلى هذا حمله الترمذي، وغيره من العلماء.
• فإن قيل: ما الجواب عن فعل ابن عمر: أنه كان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيّة ثم رجع إليه؟
الجواب:
أولاً: هذا اجتهاد منه، مدفوع بالحديث المتقدم الذي ينهى عن ذلك.
ثانياً: أو يحمل على أنه لم يبلغه الخبر.
قال ابن قدامة: لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ يُقَدَّمُ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا، وَلَوْ عَلِمَهُ لَمَا خَالَفَهُ.
стр. 2037
فائدة:
يثبت خيار المجلس بالإجارة مثال: إذا اتفقت أنا وأنت على أن أؤجرك بيتي لمدة، فما دمنا في المجلس فلكل واحد منا الخيار).
(ومنها: خيار الشرط، وهو أن يشرطا، أو أحدهما الخيار إلى مدة معلومة ولو طويلة).
هذا النوع الثاني من أنواع الخيار: وهو خيار الشرط.
وهو أن يشترطا المتبايعان في العقد مدة معلومة ولو طويلة.
مثاله: بعتك هذه السيارة على أن الخيار بيننا عشرة أيام.
قال النووي: يصح شرط الخيار في البيع بالإجماع إذا كانت مدته معلومة.
- وهذا الشرط دل عليه:
عموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود).
وحديث: (المسلمون على شروطهم).
مثاله: بعتك هذا الشيء على أن لنا الخيار لمدة (٥) أيام.
فائدة: ١
قوله (إلى مدة معلومة) أي: لا بد أن تكون المدة معلومة، كإلى شهر صفر مثلاً.
فلو كانت مجهولة لم تصح.
مثال: بعتك بيتي على أن لي الخيار حتى أشتري بيتاً.
هذا فيه جهالة ويحصل فيه نزاع.
فائدة: ٢
قوله (ولو طويلة) فيه دليل على أن المدة تصح ولو كانت طويلة إذا كانت محددة.
وهذا قول الحنابلة.
لحديث (المسلمون على شروطهم).
ولأنه حَقٌّ يَعْتَمِدُ الشَّرْطَ، فَرُجِعَ فِي تَقْدِيرِهِ إلَى مُشْتَرِطِهِ، كَالْأَجَلِ، أَوْ نَقُولُ: مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَكَانَتْ إلَى تَقْدِيرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَالْأَجَلِ.
وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ خِلَافُهُ.
стр. 2038
وذهب بعض العلماء: إن المدة التي تحدد ثلاثة أيام.
وهذا قول الحنفية، والشافعية.
لحديث ابن عمر. قال: (سمعت رجلاً من الأنصار وكانت بلسانه لوْثة يشكو إلى رسول الله ﷺ : أنه لا يزال يغبن في البيع، فقال له رسول الله ﷺ : إذا بايعت فقل لا خلابة، ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال) رواه البيهقي
قال ابن قدامة: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثٍ.
لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَجِدُ لَكُمْ أَوْسَعَ مِمَّا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحِبَّانَ، جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ سَخِطَ تَرَكَ.
وَلِأَنَّ الْخِيَارَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمِلْكَ وَاللُّزُومَ وَإِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ، وَإِنَّمَا جَازَ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ، فَجَازَ الْقَلِيلُ مِنْهُ، وَآخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ ثَلَاثٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ (فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾.
وقيل: أن المدة ثلاثة أيام ولا بأس بالزيادة اليسيرة مدة يوم أو يومين للحاجة إذا كانت البلد بعيدة.
والراجح مذهب الحنابلة.
(لكن يحرم تصرفهما في الثمن والمثمن مدة الخيار).
لأن تصرف أحدهما في المبيع يستلزم سقوط حق الآخر لكن يستثنى من ذلك:
أ- إذا أذن صاحب الحق.
ب- أن يكون الخيار للمشتري وحده فينفذ تصرفه، ويبطل خياره كالمعيب.
стр. 2039
(وإذا مضت مدته، أو أسقطاه لزم البيع).
أي: يلزم البيع في خيار الشرط بأمرين:
الأول: إذا مضت مدته.
الثاني: إذا أسقطاه:
مثال: إذا قدر أنهما تبايعا على أن يكون الخيار لمدة (١٠) أيام، وبعد مضي (٥) أيام اتفقا على إلغاء الشرط، فإن هذا يجوز ويسقط الشرط لأن الحق لهما.
(وإن شَرَطاهُ لأحدِهِما دون صاحبهِ صح).
قوله (صح) أي: صح الشرط.
أي: وسقط خيار الآخر، وثبت له الخيار وحده.
أ- لأن الحق لهما فكيفما تراضيا به جاز.
ب- وفي حديث ابن عمر السابق (إِذَا تَبَايَعَ اَلرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا اَلْآخَرَ).
(ولمنْ له الخيارُ الفسخُ ولو مع غَيْبةِ الآخرِ وسَخطهِ).
أي: أن الذي له الخيار سواء كان البائع أو المشتري أو كليهما، فله الفسخ، سواء كان بحضور الآخر أو غيبته، أو رضاه أو كراهته.
لأن القاعدة: أن من لا يشترط رضاه لا يشترط علمه.
ولذلك يجوز للرجل أن يطلق زوجته وإن لم تعلم، لأنه لا يشترط رضاها. (الشرح الممتع).
стр. 2040
(وتَصرف المشتري فسخٌ لخيارهِ).
أي: وتصرف المشتري في المبيع - الذي اشترط فيه الخيار له وحده - فسخ لخياره.
لأنه دليل الرضى به، فكأنه يقول: أسقطت خياري: وأمضيت البيع.
(وللمشتري النماء المنفصل زمن الخيار).
النماء المنفصل (أي من المبيع) للمشتري.
مثال: باع إنسان شاة واشترط هذا المشتري الخيار (٧) أيام، اللبن نماء منفصل، فهو للمشتري.
- وأما النماء المتصل: (وهو ما لا يمكن انفكاكه عن الأصل، مثل السِمَن، وتعلم الصنعة، والصحة بعد المرض).
فقيل: للبائع زمن الخيار.
مثل: اشترى شاة، هذه الشاة سمنت وصارت ذات لحم وشحم، فهذا الشحم واللحم للبائع، لأنه نماء متصل، لا يمكن تخليصه من الأصل، فيكون تبعاً له.
وقيل: النماء المتصل للمشتري أيضاً.
لأنه حصل بسببه.
مثال: اشتريت عبداً واشترطت الخيار لمدة ﴿٦﴾ أشهر، فعلمته الكتابة والقراءة في هذه المدة، فقال البائع رجعت عن بيع العبد ﴿العبد الآن يكتب وقد زادت قيمته والكتابة نماء متصل﴾ فيأخذ البائع العبد وتقدر قيمته وهو لا يعرف القراءة والكتابة، وقيمته وهو متصف بهذه الزيادة، والفرق بين القيمتين للمشتري.
стр. 2041
(وإذا مات أحدهما زمن الخيار فإنه يبطل خياره).
أي: إذا مات أحد المتبايعين زمن خيار الشرط بطل خياره، ولا ينتقل للورثة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يبطل خيار من مات منهما وينتقل إلى ورثته
لأن الوارث قائم مقام المورث.
(ومنها: خيار الغبن، هو أن يغبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة).
هذا النوع الثالث من أنواع الخيار: وهو خيار الغبن.
وهو أن يغبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة، فإذا غبن فله الخيار.
- لا بد أن يكون الغبن يخرج عن العادة.
- قيده بعضهم بالخمس وبعضهم بالثلث والصحيح أنه راجع للعرف.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَالْمُرَادُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الرَّاجِحِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي قَوْلٍ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي تَقْدِيرِ الْغَبْنِ عَلَى عَادَةِ التُّجَّارِ. وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فَإِنَّهَا كُلَّهَا تُؤَدِّي إِلَى هَذَا الْمَعْنَى.
وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعِبْرَةُ بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي الْعُيُوبِ وَنَحْوِهَا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَقْتَضِي الْخِبْرَةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي لِكُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْغَبْنِ الثُّلُثُ، وَالْقَوْل الثَّالِثُ لِلْمَالِكِيَّةِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُث.
فائدة: ١
قوله (يخرج عن العادة) أما الغبن اليسير فلا يضر، وهو واقع لا محالة في البيوع، ولا أثر له في صحة العقد باتفاق الفقهاء.
стр. 2042
فائدة: ٢
يثبت الخيار بالغبن في ثلاثة مواضع:
الأولى: الغبن بزيادة الناجش.
(وقد تقدم مباحث النجش).
مثال: رجل اشترى سلعة وزاد ثمنها بسبب النجش هي تساوي ﴿١٠﴾ ووصلت ﴿١٥﴾ بسبب النجش.
فللمشتري الخيار، لأنه زيد عليه على وجه محرم.
الثانية: تلقي الركبان.
(وقد تقدم مبحث تلقي الركبان).
وأنه لا يجوز أن يتلقاهم ويشتري منهم.
هؤلاء إن غبنوا فلهم الخيار.
الثالث: بيع المسترسل.
وهو لغة: من الاسترسال، وهو الاطمئنان.
والمراد به: الجاهل بقيمة السلعة الذي لا يحسن المبايعة ولا يُماكس، فينقاد للبائع ويأخذ السلعة بأكثر من قيمتها، فيغبن غبناً فاحشاً، ففي هذه الحالة يثبت له الخيار.
قال ابن قدامة: الْمُسْتَرْسِلُ إذَا غُبِنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
لأَنَّهُ غَبْنٌ حَصَلَ لِجَهْلِهِ بِالْمَبِيعِ، فَأَثْبَتِ الْخِيَارَ، كَالْغَبْنِ فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَرْسِلِ، فَإِنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِالْغَبْنِ، فَهُوَ كَالْعَالِمِ بِالْعَيْبِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَعْجَلَ، فَجَهِلَ مَا لَوْ تَثَبَّتَ لَعَلِمَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ انْبَنَى عَلَى تَقْصِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ.
وَالْمُسْتَرْسِلُ هُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ، وَلَا يُحْسِنُ الْمُبَايَعَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْمُسْتَرْسِلُ، الَّذِي لَا يُحْسِنُ أَنْ يُمَاكِسَ.
وَفِي لَفْظٍ، الَّذِي لَا يُمَاكِسُ.
فَكَأَنَّهُ اسْتَرْسَلَ إلَى الْبَائِعِ، فَأَخَذَ مَا أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ مُمَاكَسَةٍ، وَلَا مَعْرِفَةٍ بِغَبْنِهِ.
فَأَمَّا الْعَالِمُ بِذَلِكَ، وَاَلَّذِي لَوْ تَوَقَّفَ لَعَرَفَ، إذَا اسْتَعْجَلَ فِي الْحَالِ فَغُبِنَ، فَلَا خِيَارَ لَهُمَا. (المغني).
стр. 2043
(ومنها: خيار التدليس).
هذا النوع الرابع من أنواع الخيار: وهو خيار الغبن.
تعريفه: هو عدم إخراج الشيء على حقيقته.
وله صورتان:
أ- أن يظهر الشيء على وجه أكمل مما كان عليه.
ب- أو أن يظهر الشيء على وجه كامل وفيه عيب.
وهذا النوع من التدليس حرام.
قال ﷺ (لا تُصَرُّوا اَلْإِبِلَ وَالْغَنَمَ) متفق عليه.
وقال ﷺ (من غشنا فليس منا) متفق عليه.
أمثلة:
كتسويد شعر الجارية ليظن من رآها أنها شابة (فهنا للمشتري الخيار بين الرد أو الإمساك).
وتصرية اللبن في ضرع بهيمة الأنعام.
فائدة: ١
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا تُصَرُّوا اَلْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ اِبْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ اَلنَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ (فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّام).
ففي هذا الحديث تحريم تصرية الإبل والغنم، وكانوا يجمعون لبنها في ضرعها ليظن من رآها أنها كثيرة اللبن، فيشتريها بزيادة، فنهاهم النبي ﷺ .
قال النووي: مَعْنَاهُ لَا تَجْمَعُوا اللَّبَن فِي ضَرْعهَا عِنْد إِرَادَة بَيْعهَا حَتَّى يَعْظُم ضَرْعهَا فَيَظُنّ الْمُشْتَرِي أَنَّ كَثْرَة لَبَنهَا عَادَة لَهَا مُسْتَمِرَّة، وَمِنْهُ قَوْل الْعَرَب: صَرَيْت الْمَاء فِي الْحَوْض أَيْ جَمَعْته وَصَرَّى الْمَاء فِي ظَهْره أَيْ حَبَسَهُ فَلَمْ يَتَزَوَّج.
стр. 2044
فائدة: ٢
الحكمة من التحريم:
أولاً: لأن ذلك غش وخداع وتدليس وإيذاء للحيوان، وقد قال ﷺ : (من غشنا فليس منّا).
ثانياً: أن في ذلك ضرراً على الحيوان.
فائدة: ٣
وهل مثل الإبل والغنم البقر وغيرها؟
نعم.
قال ابن قدامة: جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّصْرِيَةِ بَيْنَ الشَّاةِ وَالنَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ، وَشَذَّ دَاوُد، فَقَالَ: لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِتَصْرِيَةِ الْبَقَرَةِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ (لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُمَا بِخِلَافِهِمَا، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِيهِمَا بِالنَّصِّ، وَالْقِيَاسُ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ (مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (مَنْ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً).
وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَلِأَنَّهُ تَصْرِيَةٌ بِلَبَنٍ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، أَشْبَهَ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، وَالْخَبَرُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَصْرِيَةِ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّ لَبَنَهَا أَغْزَرُ وَأَكْثَرُ نَفْعًا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ. (المغني).
وقال ابن حجر: لكن لم يذكر البقر لغلبتهما عندهم، وإلا فحكمهما سواء خلافاً لداود الظاهري (قاله في الفتح).
وقال ولي الدين: الظاهر أن ذكر الإبل والغنم دون غيرهما، خرج مخرج الغالب فيما كانت العرب تصريه، وتبيعه، تدليساً وغشاً، فإن البقر قليل ببلادهم، وغير الأنعام لا يقصد لبنها غالباً، فلم يكونوا يصرون غير الإبل والغنم، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له.
стр. 2045
فائدة: ٤
فمن اشتراها ووجدها مصراة: هو بالخيار ثلاثة أيام إذا علم بالتصرية بين أمرين:
إما أن يمسكها بلا أرش. (لأن هذا ليس عيباً ولكنه فوات صفة).
وإن شاء ردها إلى البائع وصاعاً من تمر.
وقد ذهب إلى ذلك عامة أهل العلم.
قال في الفتح: وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود، وأبو هريرة، ولا مخالف لهما من الصحابة، وقال
به من التابعين، ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتُلب قليلاً أو كثيراً، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا.
فائدة: ٥
إن ردها يرد معها صاعاً من تمر.
وهذا مذهب الشافعي وأحمد.
لوروده في الحديث: (وصاعاً من تمر).
قال النووي: ثُمَّ إِذَا اِخْتَارَ رَدّ الْمُصَرَّاة بَعْد أَنْ حَلَبَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْر سَوَاء كَانَ اللَّبَن قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، سَوَاء كَانَتْ نَاقَة أَوْ شَاة أَوْ بَقَرَة، هَذَا مَذْهَبنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَابْن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُف وَأَبُو ثَوْر وَفُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ الصَّحِيح الْمُوَافِق لِلسُّنَّةِ.
وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: يَرُدّ صَاعًا مِنْ قُوت الْبَلَد وَلَا يَخْتَصّ بِالتَّمْرِ.
стр. 2046
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَطَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِرَاق وَبَعْض الْمَالِكِيَّة وَمَالِك فِي رِوَايَة غَرِيبَة عَنْهُ: يَرُدّهَا وَلَا يَرُدّ صَاعًا مِنْ تَمْر لِأَنَّ الْأَصْل أَنَّهُ إِذَا أَتْلَفَ شَيْئًا لِغَيْرِهِ رَدّ مِثْله إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا فَقِيمَته. وَأَمَّا جِنْس آخَر مِنْ الْعُرُوض فَخِلَاف الْأُصُول، وَأَجَابَ الْجُمْهُور عَنْ هَذَا بِأَنَّ السُّنَّة إِذَا وَرَدَتْ لَا يُعْتَرَض عَلَيْهَا بِالْمَعْقُولِ.
فائدة: ٧
الحكمة من تقييده بالتمر:
أ- قال النووي: وَأَمَّا الْحِكْمَة فِي تَقْيِيده بِصَاعِ التَّمْر، لِأَنَّهُ كَانَ غَالِب قُوتهمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت فَاسْتَمَرَّ حُكْم الشَّرْع عَلَى ذَلِكَ. (نووي)
ب- ولأن التمر أشبه باللبن أو الحليب من غيره، لكونه غذاء وقوتاً، ولا يحتاج إلى كلفة ومؤنة حين الانتفاع به.
فائدة: ٨
هذا التمر عوض عن اللبن الذي كان في ضرعها.
فائدة: ٩
لماذا قدره النبي ﷺ بصاع؟
قدر النبي ﷺ بالصاع، مع أن اللبن قد يكون كثيراً، وقد يكون قليلاً قطعاً للنزاع.
قال النووي: وَإِنَّمَا لَمْ يَجِب مِثْله وَلَا قِيمَته بَلْ وَجَبَ صَاع فِي الْقَلِيل وَالْكَثِير لِيَكُونَ ذَلِكَ حَدًّا يَرْجِع إِلَيْهِ وَيَزُول بِهِ التَّخَاصُم. وَكَانَ ﷺ حَرِيصًا عَلَى رَفْع الْخِصَام وَالْمَنْع مِنْ كُلّ مَا هُوَ سَبَب لَهُ.
فائدة: ١٠
ما صحة البيع؟
البيع صحيح لقوله (إن رضيها أمسكها)، وهو مجمع عليه.
وأنه يثبت للمشتري الخيار إذا علم بالتصرية، وبه قال الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة فقال: لا يردها، بل يرجع بنقصان العيب.
стр. 2047
فائدة: ١١
إن علم بالتصرية قبل حلبها؟
قال ابن قدامة: وَإِنْ عَلِمَ بِالتَّصْرِيَةِ قَبْلَ حَلْبِهَا، مِثْلُ أَنْ أَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ، أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَلَهُ رَدُّهَا، وَلَا شَيْءَ مَعَهَا؛ لِأَنَّ التَّمْرَ إنَّمَا وَجَبَ بَدَلًا لِلَّبَنِ الْمُحْتَلَبِ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا، فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ) وَلَمْ يَأْخُذْ لَهَا لَبَنًا هَاهُنَا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ شَيْءٍ مَعَهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
فائدة: ١٢
ما الحكم لو احتلبها وترك اللبن بحاله، هل يرد اللبن أم صاعاً من تمر؟
قال ابن قدامة: وَأَمَّا لَوْ احْتَلَبَهَا وَتَرَك اللَّبَنَ بِحَالِهِ ثُمَّ رَدَّهَا، رَدَّ لَبَنهَا، وَلَا يُلْزِمُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ.
لِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فَرَدَّهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ.
فَإِنْ أَبَى الْبَائِعُ قَبُولَهُ، وَطَلَبَ التَّمْرَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، إذَا كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ.
لِظَاهِرِ الْخَبَرِ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ نَقَصَ بِالْحَلْبِ، وَكَوْنُهُ فِي الضَّرْعِ أَحْفَظَ لَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى رَدِّ الْمُبْدَلِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْبَدَلُ، كَسَائِرِ الْمُبْدَلَاتِ مَعَ أَبْدَالِهَا.
وَالْحَدِيثُ الْمُرَادُ بِهِ رَدُّ التَّمْرِ حَالَةَ عَدَمِ اللَّبَنِ؛ لِقَوْلِهِ (فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ).
وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُمْ إنَّ الضَّرْعَ أَحْفَظُ لَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ إبْقَاؤُهُ فِي الضَّرْعِ عَلَى الدَّوَامِ، وَبَقَاؤُهُ يَضُرُّ بِالْحَيَوَانِ.
стр. 2048
(فيثبت للمشتري الخيار).
أي: بين الرد أو الإمساك.
(ومنها: خيار العيب).
هذا النوع الخامس من أنواع الخيار، وهو خيار العيب.
فإن وجد أحدهما بما اشترى عيباً لم يكن علمه، فله الرد، أو أخذ أرش العيب.
أمثلة: الدابة مريضة، الثوب مخرقاً، الكتاب فيه بياض أو صفحات ساقطة.
اتفق أهل العلم على أن المشتري إذا اطّلع في المبيع على عيب سابق للعقد ولم يكن عالما به أن له الخيار بين الرد وبين الأرش.
وقد استدل العلماء على ثبوت خيار العيب بأدلة:
قَوْله تَعَالى (إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم).
وَالْوَجْهُ فِي الاِسْتِدْلَال أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ مُنَافٍ لِلرِّضَا الْمَشْرُوطِ فِي الْعُقُودِ، فَالْعَقْدُ الْمُلْتَبِسُ بِالْعَيْبِ تِجَارَةٌ عَنْ غَيْرِ تَرَاض
ب-أَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي وَصْفَ السَّلَامَةِ: أَيْ سَلَامَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَنْ الْعَيْب.
ج-لأن مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب فكانت السلامة كالمشروطة في العقد صريحاً لكونها مطلوبة عادة فعند فواتها يتخير كي لا يتضرر بإلزام ما لا يرضى به كما إذا فات الوصف المرغوب فيه المشروط في العقد كمن اشترى عبداً على أنه خباز أو نحوه فوجده بخلاف ذلك.
د-الإجماع على خيار العيب.
قال الإمام مالك ﵀: الأمر المجتمع عليه عندنا، في الرجل يشتري العبد ثم يظهر منه على عيب يرده منه.
стр. 2049
- خيار العيب: هو ما ينقص قيمة المبيع.
جاء في (الموسوعة الفقهية) ضابط العيب في المبيع عند الحنفية، والحنابلة أنه ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجارة، لأن التضرر بنقصان المالية.
- يشترط للرد بالعيب ألا يعلم به المشتري حال العقد، فإن كان عالماً به وقت العقد فلا خيار له، لأن علمه به دليل على رضاه.
(فإذا علِمَ بالعيب بعد البيع فالمشتري يخيّر بين الرد والإمساك مع الأرش).
أي: أن المشتري إذا وجد السلعة معيبة فإنه يخير بين أمرين:
الأمر الأول: رد المبيع وأخذ الثمن.
الأمر الثاني: أو إمساك السلعة ويدفع البائع أرش العيب
والأرش: هو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب.
فيقوم هذا الشيء صحيحاً ثم يقوم معيباً، وتؤخذ النسبة التي بين قيمته صحيحاً وقيمته معيباً، وتكون هي الأرش، فيسقط نظيرها من الثمن، ويكون التقويم وقت العقد، ولا وقت العلم بالعيب، لأن القيمة قد تختلف فيما بين وقت العقد والعلم بالعيب.
- قوله (فإذا علِمَ بالعيب بعد البيع … ) أي: فإن كان عالماً بالعيب وقت العقد فلا خيار له.
стр. 2050
(وإنْ تعذرَ الرد فله الأرش).
أي: إذا تعذر رد المبيع، كأن يشتري ناقة فيجد فيها عيباً، ثم تموت قبل أن يردها، فيتعين الأرش على البائع.
مثاله: رجل اشترى ناقة فوجد فيها عيباً، ولكن الناقة ماتت قبل أن يردها، فهنا يتعين الأرش.
(وخيار عيب متراخٍ ما لم يوجد دليل الرضا).
فلا يلزمه أن يطالب به فوراً، ولا يسقط إلا بما يدل على إسقاطه.
إلا إن تأخر تأخراً يضر البائع.
(وإن اختلفا عند من حدث العيب، فقول مشترٍ مع يمينه).
أي: وإن وقع خلاف بين البائع والمشتري فيمن حدث عنده العيب - وليس هناك بينة -، فالقول قول المشتري مع يمينه.
مثال: لو اشترى سيارة، وبعدما ذهب بها رجع وقال: السيارة فيها عيب، فقال البائع: العيب حدث عندك؟ وقال المشتري بل العيب من عندك؟
مثاله: باعه عبداً ثم ادعى المشتري أن به عيباً (وهو عرج).
فالمذهب القول قول المشتري مع يمينه.
قالوا: لأن الأصل عدم قبض الجزء الفائت بالعيب.
وذهب بعض العلماء: إلى أن القول قول البائع. (بيمينه).
وهذا قول الجمهور.
أ- لحديث اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا اِخْتَلَفَ اَلْمُتَبَايِعَانِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ اَلسِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ) رَوَاه أبو داود.
ب- ولأن الأصل السلامة وعدم وجود العيب.
стр. 2051
ج-ولأن النبي ﷺ قال (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (فالمدعي هنا المشتري فليأت ببينة)
د-أن دعوى المشتري وجود العيب تستلزم استحقاق الفسخ والأصل عدم الفسخ.
وهذا القول هو اختيار ابن تيمية وهو الراجح.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: قَدْ اِسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ إِذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي فِي أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَقْدِ. وَلَكِنْ مَعَ يَمِينِهِ كَمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْآخِرَةِ. وَهَذَا إِذَا لَمْ يَقَعْ التَّرَاضِي بَيْنَهُمَا عَلَى التَّرَادِّ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ جَازَ بِلَا خِلَاف.
إذاً القول قول البائع مع يمينه (لأن كل من قلنا: إن القول قوله، فالقول قوله بيمينه).
стр. 2052
فائدة:
ما الحكم لو اختلف البائع والمشتري في قدر ثمن المبيع؟
مثال: اشتريت هذه الساعة منك، فلما جئت لأنقده الثمن، أعطيته (١٠٠) ريال، فقال البائع: أنا بعتها عليك بـ (١٢٠) ريال، فالمشتري يقول اشتريتها بـ (١٠٠) والبائع يقول بعتها بـ (١٢٠) اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنهما يتحالفان.
وهذا هو المشهور من المذهب.
أ-واستدلوا بما روي عن النبي ﷺ (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا) هذا الحديث بهذا اللفظ لا أصل له.
ب- وقالوا: لأن كلاً منهما مدعٍ ومنكر، والقاعدة أن اليمين على المنكر، البائع يدعي أن القيمة ١٢٠ وينكر أن القيمة ١٠٠، والمشتري يدعي أن القيمة ١٠٠ وينكر أن القيمة ١٢٠، فهنا يتحالفا ويفسخ العقد.
وكيفية الحلف: نص الفقهاء أنه يبدأ بيمين البائع لأن القاعدة في الأيمان أنه يبدأ بيمين أقوى المتداعيين، وأقواهما البائع لأن المبيع يرد عليه.
يحلف البائع بالنفي والإثبات، يبدأ بالنفي لأن الأصل في اليمين أنها للنفي، يحلف فيقول والله ما بعت الكتاب بـ (١٠٠) والله لقد بعته بـ (١٢٠)، ثم يقول المشتري والله ما اشتريت الكتاب بـ (١٢٠) والله لقد اشتريته بـ (١٠٠) ثم يفسخ العقد إذا لم يرض بقول صاحبه، فترد السيارة للبائع والثمن للمشتري.
القول الثاني: أن القول قول البائع، أو يترادان البيع (يعني إذا رضي المشتري بقول البائع فذاك وإلا فسخ البيع من غير بينة ولا شيء).
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
أ-لحديث الباب (إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة، فالقول قول البائع، أو يترادان) رواه أبوداود وأحمد.
ب-ولأن البائع لم يرض بإخراج هذا المبيع عن ملكه إلا بهذا الثمن، فكيف نجبره على قبول ما هو أقل.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 2053
• حالات مستثناة:
الحالة الأولى: إذا كان يمتنع صدق أحدهما- البائع أو المشتري -، فهنا القول قول من لا يحتمل قوله الكذب.
مثال ذلك: الإصبع الزائدة، فإذا اشترى عبداً فوجد فيه إصبعاً زائدة، فأراد رده، فقال البائع: حدث هذا العيب عندك، وقال المشتري: أبداً، فالقول قول المشتري؛ إذ لا يمكن أن يحدث له إصبع زائدة، ولو أمكن أن يحدث لكان كل إنسان يتوقع أن يحدث له ذلك، وإذا قبلنا قول المشتري فلا يشترط أن يحلف؛ لأنه لا حاجة للحلف.
الحالة الثانية: إذا كان لا يحتمل أن يكون قول المشتري.
مثاله: اشترى بهيمة ثم ردها، والعيبُ الذي فيها جُرْحٌ، ادعاه المشتري فنظرنا إلى الجرح وإذا هو يثعب دماً، جرح طري والبيع له مدة أسبوع، فالقول قول البائع بلا يمين؛ لأنه لا يحتمل أن يكون هذا الجرح قبل العقد.
فصل
الإقالة تعريفها: هي أن يرضى أحد المتبايعين بفسخ العقد إذا طلبه صاحبه.
(الإقالة مستحبة).
أ- لقوله تعالى (وافعلوا الخير).
ولا شك أن إقالة النادم من فعل الخير.
ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً بَيْعَتَهُ، أَقَالَهُ اَللَّهُ عَثْرَتَهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَه.
وعند ابن ماجه ( .. أقال الله عثرته يوم القيامة). ﴿عثرته﴾ أي غفر الله زلته وخطيئته.
ج- وهي من رحمة الخلق والإحسان إليهم.
стр. 2054
قال ﷺ (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) رواه البخاري.
وقال ﷺ (من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) رواه البخاري.
قال الشيخ ابن عثيمين: ولكن هي سنة في حق المقيل، ومباحة في حق المستقيل، أي: لا بأس أن تطلب من صاحبك أن يقيلك، سواء كنت البائع أو المشتري، أما في حق المقيل فهي سنة لما فيها من الإحسان إلى الغير، وقد قال الله تعالى (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، وقد قال النبي ﷺ من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة)، ولأن فيها إدخال سرور على المُقال وتفريجاً لكربته، لا سيما إذا كان الشيء كثيراً وكبيراً، فتكون داخلة في قول الرسول ﷺ (من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، وقال النبي ﷺ (رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى)، فتكون سبباً للدخول في دعاء النبي ﷺ بالرحمة.
- وينبغي أن يعلم أن عقد البيع إذا تم بصدور الإيجاب والقبول من المتعاقدين فهو عقد لازم، والعقود اللازمة عند الفقهاء لا يملك أحد المتعاقدين فسخها إلا برضى الآخر إذا لم يكن بينهما خيار لقوله ﷺ (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا)، ومع ذلك فقد اتفق أهل العلم على أن من آداب البيع والشراء الإقالة.
(وهي فسخ).
أي: لا عقد جديد.
أي: أن الإقالة فسخ وإلغاء للعقد الأول وليست بيعاً.
وهذا قول الشافعية، والحنابلة.
ووجه هذا الرأي: بأن الإقالة في اللغة عبارة عن الرفع، يقال في الدعاء (اللهم أقل عثراتي) أي: ارفعها، والأصل أن معنى التصرف شرعاً ينبيء عنه اللفظ لغة، ورفع العقد فسخه، ولأن البيع والإقالة اختلفا اسماً فتخالفا حكماً، فإذا كانت رفعاً فلا تكون بيعاً، لأن البيع إثبات والرفع نفي وبينهما تناف، فكانت الإقالة على هذا التقدير فسخاً محضاً.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها بيع.
стр. 2055
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ مرجحاً القول الأول: الصواب أنها فسخ لعقد مضى، ولهذا تجوز قبل قبض المبيع، وتجوز بعد نداء الجمعة الثاني، وتجوز بعد إقامة الصلاة إذا لم تمنع من الصلاة، لأنها ليست بيعاً، وتجوز في المسجد.
فائدة:
اختلف العلماء: هل تجوز الإقالة بأقل أو أكثر من الثمن على قولين:
قيل: لا تجوز إلا بالثمن.
لأن مقتضى الإقالة رد الأمر على ما كان عليه، ورجوع كل واحد منهما إلى ماله، فلم تجز بأكثر من الثمن.
وقيل: يجوز.
ورجح ذلك ابن رجب، والشيخ ابن عثيمين.
قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع: … وكذلك ـ أيضاً ـ لو أن البائع طلب من المشتري الإقالة فقال: أقيلك على أن تعطيني كذا وكذا زيادة على الثمن فإنه لا يجوز؛ لأنها تشبه العينة حيث زيد على الثمن.
ولكن القول الراجح أنها تجوز بأقل وأكثر إذا كان من جنس الثمن؛ لأن محذور الربا في هذا بعيد فليست كمسألة العينة، لأن مسألة العينة محذور الربا فيها قريب، أما هذه فبعيد، وقد قال ابن رجب ﵀ في (القواعد) إن للإمام أحمد رواية تدل على جواز ذلك، حيث استدل ببيع العربون الوارد عن عمر ﵁ ـ، وقال: الإقالة بعوض مثله، وعليه فيكون هناك رواية أومأ إليها الإمام أحمد بجواز الزيادة على الثمن والنقص منه، وهذا هو القول الراجح، وهو الذي عليه عمل الناس، وهو من مصلحة الجميع؛ وذلك لأن البائع إذا أقال المشتري، فإن الناس سوف يتكلمون ويقولون: لولا أن السلعة فيها عيب ما ردها المشتري، فيأخذ البائع عوضاً زائداً على الثمن من أجل جبر هذا النقص.
وقال في شرح البلوغ: الصحيح الجواز، ومحذور الربا فيها بعيد، فمثلاً: إذا بعت عليك سيارة بعشرين ألفاً، ثم جئت إليّ وقلت: أقلني، أنا لا أريد السيارة، فقلت: لا أقيلك إلا إذا أعطيتني ألفين من الثمن، فقال: أعطيك.
стр. 2056
باب الربا
الربا لغة: الزيادة.
وشرعاً: الزيادة الحاصلة بمبادلة الربوي بجنسه، أو تأخير القبض فيما يلزم فيه التقابض من الربويات.
وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
وقال (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).
وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).
قال ابن عباس ﵄ (هذه آخر آية نزلت على النبي ﷺ .
وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَأْكُلُواْ الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال في شأن اليهود حينما نهاهم عن الربا وحرمه عليهم، فسلكوا طريق الحيل لإبطال ما أمرهم به قال سبحانه في ذلك (وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً).
وقال (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُواْ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ).
وعَنْ جَابِر. قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ آكِلَ اَلرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ) رواه مسلم.
стр. 2057
(آكل الربا) آخذه، (وَمُوكِلَهُ) بضم الميم، معطي الربا، لأنه ما حصل الربا إلا منه، فيكون داخلاً في الإثم.
وعن سمرة. قال: قال ﷺ (. . . ولَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ،. . . الحديث وفيه:. . . فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ، وَرَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قال: وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا) رواه البخاري.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي
حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَات) متفق عليه.
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) رواه أحمد.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمِن الحلال أم مِنَ الحرام) رواه البخاري.
وعن أبي جحيفة (أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ) رواه البخاري.
قال ابن قدامة: أجمعت الأمة على أن الربا محرم.
стр. 2058
وقال ابن تيمية: ولم يأت بعد الشرك وعيد كما جاء في الربا.
• وهو ينقسم إلى قسمين:
ربا الفضل: بيع الشيء بجنسه مع التفاضل.
كما لو باع صاعاً من البر بصاعين.
أو كيلو من الذهب بكيلوين.
وربا النسيئة: بيع الشيء بجنسه أو بغير جنسه مما يساويه في العلة بدون قبض.
صاع من البر بصاع من البر من تأخر القبض
باع صاع من البر بصاع من الشعير مع تأخر القبض.
وهنا قسم ثالث وهو: ربا الجاهلية:
وهو قلب الدين على المعسر.
وأصله أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال فيتضاعف المال والأصل واحد.
وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين، قال الله تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة).
فإذا حل الدين وكان الغريم معسراً لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب الدين عليه بل يجب إنظاره.
فائدة: ١
حرم الربا لأسباب:
انتهاك حرمة مال المسلم بأخذ الزائد من غير عوض.
الإضرار بالفقير، لأن الغالب غنى المقرض وفقر المستقرض فلو مكن الغني من أخذ أكثر من المثل أضر بالفقير.
انقطاع المعروف والإحسان الذي في القرض.
стр. 2059
فائدة: ٢
الأموال الربوية (أي التي يجري فيها الربا).
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ اَلصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ اَلْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) رَوَاهُ مُسْلِم.
الحديث دليل على أن الأموال الربوية ستة، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.
قوله (الذهب بالذهب) أي بيع الذهب بالذهب، (مِثلاً بمثل) أي في الوزن ليس في الصفة، أي لا يزيد أحدهما على الآخر، صاع بر بصاع بر، ١٠٠ جرام ذهب بـ ١٠٠ جرام ذهب، (سواء سواء) السواء: هو المثل والنظير، أي مثلاً بمثل، وجمعَ مع ما قبله للتوكيد والمبالغة في الإيضاح (يداً بيد) أي: متقابضين في مكان التبايع قبل أن يتفرقا (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم) أي من حيث الكمية متساوياً ومتفاضلاً، لا من حيث التقابض [كصاع بر بصاعين شعير، أو ١٠٠ جرام من الفضة ب ٢٠ جرام من الذهب] وهذا الإطلاق مقيد بما بعده، وهو قوله (إذا كان يداً بيد).
(إذا بيع الربوي بجنسهِ مشاركاً له في العلة فلا بد من شرطين: المماثلة، والتقابض).
كذهب بذهب - بر ببر - شعير بشعير - فضة بفضة.
أ- لحديث أبي سعيد السابق (اَلذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ).
ب- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تَبِيعُوا اَلذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا اَلْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِباً بِنَاجِزٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 2060
(إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ) أي: متساويين، (وَلَا تُشِفُّوا) أي: لا تفضلوا ولا تزيدوا بعضها على بعض، (يَدًا بِيَدٍ) أي: متقابضين في مكان التبايع قبل أن يفترقا.
مثال:
ذهب بذهب (لا بد من شرطين: تقابض - مماثلة).
فضة بفضة (لا بد من شرطين: تقابض - مماثلة).
بر ببر (لا بد من شرطين: تقابض - مماثلة).
ولذلك: جاء في جَابِر بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اَلصُّبْرَةِ مِنَ اَلتَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ اَلْمُسَمَّى مِنَ اَلتَّمْرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(عَنْ بَيْعِ اَلصُّبْرَةِ) بضم الصاد المهملة، وسكون الموحدة، وهي الطعام المجتمع، كالكومة. (لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا) أي: لا يعلم مقدار تلك الصبرة.
فهذا الحديث دليل على النهي عن بيع الصبرة من التمر - وهي الكومة - التي يعلم كيلها، بتمر آخر علم كيله.
قال الشوكاني: والحديث فيه دليل على أنه لا يجوز أن يباع جنس بجنسه وأحدهما مجهول المقدار. (نيل الأوطار)
لأن الصبرة يُجهل كيلها ومقدارها، فالتساوي غير معلوم، فيكون ربا، لأن بيع التمر بالتمر لابد من شرطين: التساوي، والتقابض كما تقدم، وهذا لا يتم إلا يتم إلا بمعرفة كل من العوضين.
وقال ابن قدامة: وَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا أَوْ كَانَ جُزَافًا مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، لَمْ يَجُزْ.
وقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ).
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ) إلَى تَمَامِ الْحَدِيثِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ التَّمَاثُلَ شَرْطٌ، وَالْجَهْلُ بِهِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ، كَحَقِيقَةِ التَّفَاضُلِ. (المغني).
стр. 2061
وقال النووي: هذا تصريح بتحريم بيع التمر بالتمر حتى يعلم المماثلة، قال العلماء: لأن الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة، لقوله ﷺ (إلا سواءً يسواء) ولم يحصل تحقق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، وسائر الربويات إذا بيع
بعضها ببعض حكم التمر بالتمر. (شرح مسلم)
(وإذا بيع الربوي بغير جنسه لكنه مشارك له في العلة فيشترط شرط واحد وهو: القبض).
كذهب بفضة، بر بشعير.
لقوله ﷺ (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).
مثال: ذهب بفضة يشترط شرط واحد التقابض. (لأن الذهب غير جنس الفضة لكنه مشارك له في العلة كما سيأتي).
مثال: باع ١٠ آصع من البر بـ ١٠٠ صاع من الشعير يجوز بشرط واحد وهو التقابض. [لأن التمر غير جنس الشعير لكنه مشارك له في العلة].
ومثل: بيع الريالات بالدولارات، فكلاهما اتحدا في العلة (وهي الثمنية) لكن اختلفت في الجنس (هذه ريالات وهذه دولارات) فإنه يجوز بشرط التقابض.
стр. 2062
(وإذا بيع الربوي بغير جنسه ولم يكن مشاركاً له في العلة فإنه لا يشترط شيء، يجوز التفاضل والتفرق).
مثال: ذهب بشعير، يجوز مطلقاً من غير شروط.
مثال: فضة ببر يجوز مطلقاً من غير شروط.
(وجودة أحد الجنسين لا تبرر زيادة أحدهما على الآخر).
فلا أثر لاختلاف النوع والجودة إذا كان الجنس واحداً والعلة واحدة، فلا بد من شرطين: التساوي والتقابض.
فتمر جيد بتمر رديء لابد من شرطين.
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا». فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلَا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا) متفق عليه.
(الجنيب) التمر الطيب، (الجمْع) الرديء.
فالحديث دليل على تحريم التفاضل بين نوعي الجنس الواحد من الأشياء الربوية.
فاختلاف الجنس في الجودة والرداءة لا يؤثر في منع الربا.
قال الشوكاني: الحديث يدل على أنه لا يجوز بيع رديء الجنس بجيده متفاضلاً، وهذا أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه.
وأما سكوت الرواة عن فسخ البيع المذكور فلا يدل على عدم الوقوع إما ذهولاً وإما اكتفاء بأن ذلك معلوم، وقد ورد في بعض طرق الحديث أن النبي ﷺ قال هذا هو الربا فرده كما بنه على ذلك في الفتح. (نيل الأوطار).
стр. 2063
مثال: لا يجوز أن تبيع (١٠٠) قمح جيد بـ (١١٠) رديء، لأنه ربا.
وقد جاء في حديث أبي سَعِيد قال (جَاءَ بِلَالٌ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مِنْ أَيْنَ هَذَا». فَقَالَ بِلَالٌ تَمْرٌ كَانَ عِنْدَنَا رَدِيءٌ فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ «أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا لَا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِىَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ) متفق عليه.
ففي هذا الحديث جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني جيد، فتعجب النبي ﷺ من جودته، فقال: من أين هذا، فقال بلال: كان عندنا تمر، فبعت الصاعين من الرديء بصاع من هذا الجيد، ليكون مطعم النبي ﷺ ، فعظم ذلك على النبي ﷺ وأخبر بلال بأن عمله هذا هو عين الربا، فلا تفعل ثم أرشده للطريقة الصحيحة، وهي إذا أراد استبدال رديء بجيد، أن يبيع الرديء بدراهم ثم اشتر بالدراهم تمراً جيداً.
قال النووي ﵀: قَوْله ﷺ (أَوَّهْ عَيْن الرِّبَا) قَالَ أَهْل اللُّغَة: هِيَ كَلِمَة تَوَجُّع وَتَحَزُّن، وَمَعْنَى عَيْن الرِّبَا: أَنَّهُ حَقِيقَة الرِّبَا الْمُحَرَّم.
- أرشد النبي ﷺ في هذا الحديث إلى الطريقة السليمة البعيدة عن الربا، التي يسلكها من أراد أن يستبدل التمر الجيد بالتمر الرديء، وذلك بأن يبيع التمر الرديء بدراهم ويشتري بالدراهم تمراً جيداً، وهذه الطريقة تتبع في كل ربوي يراد استبداله بربوي أحسن منه، لأن الجودة في أحد الجنسين لا تبرر الزيادة إذا بيع أحدهما بالآخر.
стр. 2064
فائدة: ١
اختلف العلماء: هل يجري الربا في غير هذه الأصناف الستة مما هو مثلها أم لا على قولين:
القول الأول: أن تحريم الربا محصور في هذه الأشياء الستة لا يتجاوزها إلى غيرها.
يروى هذا القول عن قتادة وهو قول أهل الظاهر.
وقال به أيضا طاوس، وعثمان البتي، وأبو سليمان.
وممن اختار هذا القول الإمام الصنعاني.
قال الصنعاني: ولكن لما لم يجدوا - أي الجمهور - علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافاً كثيراً يقوي للناظر العارف أن الحق ما ذهبت إليه الظاهرية من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها، وقد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميتها: (القول المجتبى).
واختاره من الحنابلة ابن عقيل.
القول الثاني: أنه يلحق بها ما شاركها في العلة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لحديث مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵁ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (اَلطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ولفظ (الطعام) أعم من الأصناف الأربعة المذكورة في حديث عبادة.
ب-واستدلوا أيضاً بالمعنى، وذلك أن ما وافقها في العلة يجب أن يأخذ حكمها، مراعاة لمقصود الشارع في التحريم، فما دام أن العلة واضحة وموجودة في غير هذه الأصناف فليحكم بالإلحاق، لأن الشرع لا يفرق بين متماثلين، كما لا يجمع بين مختلفين، قالوا: وقد اقتصر الحديث على الأصناف الستة من باب الاكتفاء بالأشياء التي لا يستغني عنها الناس عادة.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 2065
فائدة: ٢
علة التحريم في النقدين:
أرجح الأقوال: أن العلة فيهما مطلق الثمنية، أي أنهما أثمان للأشياء.
وهذا قول المالكية، واختاره ابن تيمية، وابن القيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأظهر أن العلة في ذلك هي الثمنية لا الوزن.
جاء في مجلة البحوث الإسلامية: فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في
الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية:
أولا: جريان الربا بنوعيه فيها كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرها من الأثمان كالفلوس وهذا يقتضي ما يلي:
ثانياً: لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقاً، فلا يجوز مثلا بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة.
ثالثاً: لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلاً سواء كان ذلك نسيئة أو يداً بيد، فلا يجوز مثلا بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالاً سعودياً ورقاً.
رابعاً: يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقاً إذا كان ذلك يداً بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي ورقاً كان أو فضة أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يداً بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة. (أبحاث هيئة كبار العلماء).
стр. 2066
وعلى هذا: فيجري الربا في كل ما اتخذه الناس عملة وراج رواج النقدين، مثل الأوراق النقدية الآن، وعلى هذا فلا يجوز بيع (١٥) ريالاً سعودياً ورقاً بـ (١٦) ريالاً سعودياً ورقاً، ويجوز بيع بعضها ببعض من غير جنسها إذا كان يداً بيد، كما لو باع ورق نقد سعودي بليرة سورية أو لبنانية أو كويتية، لأن العملات الورقية أجناس متعددة بتعدد جهات إصدارها.
فائدة: ٣
علة التحريم في الأربعة الباقية. (التمر والشعير والملح والبر).
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: أن العلة هي الطعم مع الكيل. (إذا يلحق بها كل مكيل ومطعوم).
ورجح هذا القول ابن قدامة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
وعلى هذا القول: الأرز يجري فيه الربا، لأنه مطعوم ومكيل، وكذلك: الذرة والدهن والعدس واللحم ونحوها، ولا يجري في مطعوم لا يكال كالرمان والسفرجل والبيض والأترج والتفاح، والأشنان مكيل لكنه غير مطعوم فلا يجري فيه الربا.
واستدل هؤلاء بأن الأصناف الأربعة المذكورة في حديث عبادة مطعومة مكيلة، فيلحق بها كل ما كان كذلك.
القول الثاني: أن العلة هي الاقتيات والادخار.
أي كون الطعام قوتاً يقتات به الناس غالباً، ويدخره مدة من الزمن فلا يفسد، وعلى هذا القول فيجري الربا في الأرز والقمح والذرة ونحوها.
وهذا مذهب مالك، واختاره ابن القيم.
واستدل هؤلاء بحديث عبادة، قالوا: إن الأصناف المذكورة في حديث عبادة يجمعها وصف الاقتيات والادخار.
стр. 2067
القول الثالث: أن العلة في هذه الأربعة هي الطعمية - أي كونها مطعومة -.
وهذا قول الشافعي.
القول الرابع: أن العلة في الأربعة المذكورة هي الكيل ولو كانت غير مطعومة.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد.
قال العلامة الشنقيطي: وهذا القول أظهر دليلاً.
والله أعلم.
أمثلة:
مبادلة تفاحة بتفاحتين، هل يجري الربا؟
عند الحنفية والحنابلة: لا يجري؛ لأنها ليست مكيلة ولا موزونة، بل معدودة.
وعند الشافعية: يجري؛ لأنها مطعومة.
وعند الإمام مالك: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، وليست مقتاتة تدّخر.
صاع برّ بصاعين:
عند الحنابلة والحنفية: يجري؛ لأنها مكيلة.
وعند الشافعية: يجري؛ لأنها مطعومة.
وعند المالكية: يجري؛ لأنها مدّخرة ومقتاتة.
وعند شيخ الإسلام: يجري، لأنها مطعومة ومكيلة.
стр. 2068
كيلو حديد بكيلوين حديد:
عند الحنفية والحنابلة: يجري؛ لأنها موزونة.
وعند الشافعية: لا يجري فيها الربا؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، ولا مطعومة.
وعند الإمام مالك: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، ولا يقتات ولا يدّخر.
وعند شيخ الإسلام: لا يجري؛ لأن العلة عنده الثمنية، أو الطعم مع الكيل أو الطعم مع الوزن.
قلم بقلمين:
عند الحنفية والحنابلة: لا يجري؛ لأنها ليست مكيلة ولا موزونة، بل معدودة.
وعند الشافعية: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، وليست طعماً؛ لأن العلة عندهم غلبة الطعم أو غلبة الثمنية - الاقتصار على الذهب والفضة -.
وعند المالكية: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، وليست مقتاتة ولا مدّخرة.
وعند شيخ الإسلام: لا يجري؛ لأنه يرى أن العلة الثمنية، والطعم مع الوزن أو الطعم مع الكيل.
فائدة: ٤
قال ابن قدامة: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَالطَّعْمُ، مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَفِيهِ الرِّبَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، كَالْأُرْزِ، وَالدُّخْنِ، وَالذُّرَةِ، وَالْقُطْنِيَّاتِ، وَالدُّهْنِ، وَالْخَلِّ، وَاللَّبَنِ، وَاللَّحْمِ، وَنَحْوِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا قَوْلُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، سِوَى قَتَادَةَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ شَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ النَّاسِ، فَقَصَرَ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ عَلَى السِّتَّةِ الْأَشْيَاءِ. (المغني).
ثم قال ﵀: وَمَا انْعَدَمَ فِيهِ الْكَيْلُ، وَالْوَزْنُ، وَالطَّعْمُ، وَاخْتَلَفَ جِنْسُهُ، فَلَا رِبَا فِيهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَالتِّينِ، وَالنَّوَى، وَالْقَتِّ، وَالْمَاءِ، وَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ دَوَاءً، فَيَكُونُ مَوْزُونًا مَأْكُولًا، فَهُوَ إذًا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. (المغني).
стр. 2069
فائدة: ٥
كل شيءٍ جمعهما اسم خاص فهما جنس واحد.
الجنس هو الذي يشمل أشياء مختلفة بأنواعها.
فالبر: يشمل الحنطة، والجريباء، واللقيمي وغير ذلك.
والتمر: جنس يشمل: البرحي، والسكري، والخضري ونحوه.
فلا يجوز أن يباع سكري ببرحي إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، لأنهما نوعان من جنس واحد.
فائدة: ٦
ذهب بعض الصحابة كابن عباس وجماعة إلى جواز ربا الفضل.
واستدلوا بحديث أسامة بن زيد. قال: قال ﷺ (لا ربا إلا في النسيئة) متفق عليه.
قال ابن قدامة: وَالرِّبَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِهِمَا.
وَقَدْ كَانَ فِي رِبَا الْفَضْلِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ؛ فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ).
والراجح تحريمه وهو قول جماهير العلماء للأحاديث الصحيحة في ذلك، وقد تقدم ذكرها.
стр. 2070
وأجاب جمهور العلماء عن حديث أسامة بأجوبة:
الجواب الأول: أنه منسوخ.
قال النووي: وأما حديث أسامة (لا ربا إلا في النسيئة) فقال قائلون: بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره وهذا يدل على نسخه.
وقال الحافظ ابن حجر: اتفق العلماء على صحة حديث أسامة واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد.
فقيل: منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
وقال الشوكاني: لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
الجواب الثاني: أنه حديث مجمل والأحاديث التي تمنع ربا الفضل مبينة، فيجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه.
الجواب الثالث: أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ رووها صريحة عنه ﷺ ناطقة بمنع ربا الفضل، ورواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد عن الخطأ من رواية الواحد
الجواب الرابع: أن المعنى في قوله: لا ربا إلا في النسيئة، أي الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل. (قاله النووي).
قال النووي: كان معتمد ابن عباس وابن عمر حديث أسامة ابن زيد (إنما الربا في النسيئة) ثم رجع ابن عمر وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض، متفاضلاً حين بلغهما حديث أبي سعيد كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحاً، وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدلّ على أن ابن عمر وابن عباس لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه.
следующие страницы →