← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وعلى هذا: فيجري الربا في كل ما اتخذه الناس عملة وراج رواج النقدين، مثل الأوراق النقدية الآن، وعلى هذا فلا يجوز بيع (١٥) ريالاً سعودياً ورقاً بـ (١٦) ريالاً سعودياً ورقاً، ويجوز بيع بعضها ببعض من غير جنسها إذا كان يداً بيد، كما لو باع ورق نقد سعودي بليرة سورية أو لبنانية أو كويتية، لأن العملات الورقية أجناس متعددة بتعدد جهات إصدارها. فائدة: ٣ علة التحريم في الأربعة الباقية. (التمر والشعير والملح والبر). اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أن العلة هي الطعم مع الكيل. (إذا يلحق بها كل مكيل ومطعوم). ورجح هذا القول ابن قدامة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. وعلى هذا القول: الأرز يجري فيه الربا، لأنه مطعوم ومكيل، وكذلك: الذرة والدهن والعدس واللحم ونحوها، ولا يجري في مطعوم لا يكال كالرمان والسفرجل والبيض والأترج والتفاح، والأشنان مكيل لكنه غير مطعوم فلا يجري فيه الربا. واستدل هؤلاء بأن الأصناف الأربعة المذكورة في حديث عبادة مطعومة مكيلة، فيلحق بها كل ما كان كذلك. القول الثاني: أن العلة هي الاقتيات والادخار. أي كون الطعام قوتاً يقتات به الناس غالباً، ويدخره مدة من الزمن فلا يفسد، وعلى هذا القول فيجري الربا في الأرز والقمح والذرة ونحوها. وهذا مذهب مالك، واختاره ابن القيم. واستدل هؤلاء بحديث عبادة، قالوا: إن الأصناف المذكورة في حديث عبادة يجمعها وصف الاقتيات والادخار.

стр. 2067

القول الثالث: أن العلة في هذه الأربعة هي الطعمية - أي كونها مطعومة -. وهذا قول الشافعي. القول الرابع: أن العلة في الأربعة المذكورة هي الكيل ولو كانت غير مطعومة. وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد. قال العلامة الشنقيطي: وهذا القول أظهر دليلاً. والله أعلم. أمثلة: مبادلة تفاحة بتفاحتين، هل يجري الربا؟ عند الحنفية والحنابلة: لا يجري؛ لأنها ليست مكيلة ولا موزونة، بل معدودة. وعند الشافعية: يجري؛ لأنها مطعومة. وعند الإمام مالك: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، وليست مقتاتة تدّخر. صاع برّ بصاعين: عند الحنابلة والحنفية: يجري؛ لأنها مكيلة. وعند الشافعية: يجري؛ لأنها مطعومة. وعند المالكية: يجري؛ لأنها مدّخرة ومقتاتة. وعند شيخ الإسلام: يجري، لأنها مطعومة ومكيلة.

стр. 2068

كيلو حديد بكيلوين حديد: عند الحنفية والحنابلة: يجري؛ لأنها موزونة. وعند الشافعية: لا يجري فيها الربا؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، ولا مطعومة. وعند الإمام مالك: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، ولا يقتات ولا يدّخر. وعند شيخ الإسلام: لا يجري؛ لأن العلة عنده الثمنية، أو الطعم مع الكيل أو الطعم مع الوزن. قلم بقلمين: عند الحنفية والحنابلة: لا يجري؛ لأنها ليست مكيلة ولا موزونة، بل معدودة. وعند الشافعية: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، وليست طعماً؛ لأن العلة عندهم غلبة الطعم أو غلبة الثمنية - الاقتصار على الذهب والفضة -. وعند المالكية: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، وليست مقتاتة ولا مدّخرة. وعند شيخ الإسلام: لا يجري؛ لأنه يرى أن العلة الثمنية، والطعم مع الوزن أو الطعم مع الكيل. فائدة: ٤ قال ابن قدامة: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَالطَّعْمُ، مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَفِيهِ الرِّبَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، كَالْأُرْزِ، وَالدُّخْنِ، وَالذُّرَةِ، وَالْقُطْنِيَّاتِ، وَالدُّهْنِ، وَالْخَلِّ، وَاللَّبَنِ، وَاللَّحْمِ، وَنَحْوِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا قَوْلُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، سِوَى قَتَادَةَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ شَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ النَّاسِ، فَقَصَرَ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ عَلَى السِّتَّةِ الْأَشْيَاءِ. (المغني). ثم قال ﵀: وَمَا انْعَدَمَ فِيهِ الْكَيْلُ، وَالْوَزْنُ، وَالطَّعْمُ، وَاخْتَلَفَ جِنْسُهُ، فَلَا رِبَا فِيهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَالتِّينِ، وَالنَّوَى، وَالْقَتِّ، وَالْمَاءِ، وَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ دَوَاءً، فَيَكُونُ مَوْزُونًا مَأْكُولًا، فَهُوَ إذًا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. (المغني).

стр. 2069

فائدة: ٥ كل شيءٍ جمعهما اسم خاص فهما جنس واحد. الجنس هو الذي يشمل أشياء مختلفة بأنواعها. فالبر: يشمل الحنطة، والجريباء، واللقيمي وغير ذلك. والتمر: جنس يشمل: البرحي، والسكري، والخضري ونحوه. فلا يجوز أن يباع سكري ببرحي إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، لأنهما نوعان من جنس واحد. فائدة: ٦ ذهب بعض الصحابة كابن عباس وجماعة إلى جواز ربا الفضل. واستدلوا بحديث أسامة بن زيد. قال: قال ﷺ (لا ربا إلا في النسيئة) متفق عليه. قال ابن قدامة: وَالرِّبَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِهِمَا. وَقَدْ كَانَ فِي رِبَا الْفَضْلِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ؛ فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ). والراجح تحريمه وهو قول جماهير العلماء للأحاديث الصحيحة في ذلك، وقد تقدم ذكرها.

стр. 2070

وأجاب جمهور العلماء عن حديث أسامة بأجوبة: الجواب الأول: أنه منسوخ. قال النووي: وأما حديث أسامة (لا ربا إلا في النسيئة) فقال قائلون: بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره وهذا يدل على نسخه. وقال الحافظ ابن حجر: اتفق العلماء على صحة حديث أسامة واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد. فقيل: منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقال الشوكاني: لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. الجواب الثاني: أنه حديث مجمل والأحاديث التي تمنع ربا الفضل مبينة، فيجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه. الجواب الثالث: أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ رووها صريحة عنه ﷺ ناطقة بمنع ربا الفضل، ورواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد عن الخطأ من رواية الواحد الجواب الرابع: أن المعنى في قوله: لا ربا إلا في النسيئة، أي الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل. (قاله النووي). قال النووي: كان معتمد ابن عباس وابن عمر حديث أسامة ابن زيد (إنما الربا في النسيئة) ثم رجع ابن عمر وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض، متفاضلاً حين بلغهما حديث أبي سعيد كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحاً، وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدلّ على أن ابن عمر وابن عباس لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه.

стр. 2071

وأيضاً نفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما تقدّم. والله أعلم. فائدة: ٧ لا يجوز لمسلم أن يعمل في بنك تعاملُه بالربا، ولو كان العمل الذي يتولاه ذلك المسلم في البنك غير ربوي؛ لتوفيره لموظفيه الذين يعملون في الربويات ما يحتاجونه، ويستعينون به على أعمالهم الربوية، وقد قال تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). (فتاوى اللجنة الدائمة) وفي فتوى للجنة أخرى: أولا: العمل في البنوك التي تتعامل بالربا حرام، سواء كانت في دولة إسلامية أو دولة كافرة؛ لما فيه من التعاون معها على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه بقوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ). ثانيا: ليس في أقسام البنك الربوي شيء مستثنى فيما يظهر لنا من الشرع المطهر؛ لأن التعاون على الإثم والعدوان حاصل من جميع موظفي البنك. (فتاوى اللجنة).

стр. 2072

وجاء في فتوى للجنة الدائمة أيضاً: البنوك التي تتعامل بالربا لا يجوز للمسلم أن يشتغل فيها، لما فيه من إعانة لها على التعامل بالمعاملات الربوية، بأي وجه من وجوه التعاون من كتابة وشهادة وحراسة وغير ذلك من وجوه التعاون، فإن التعاون معها في ذلك تعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عنه بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). - وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز العمل في مؤسسة ربوية كسائق أو حارس؟ فأجاب: لا يجوز العمل بالمؤسسات الربوية ولو كان الإنسان سائقاً أو حارساً، وذلك لأن دخوله في وظيفة عند مؤسسات ربوية يستلزم الرضى بها، لأن من ينكر الشيء لا يمكن أن يعمل لمصلحته، فإذا عمل لمصلحته فإنه يكون راضيا به، والراضي بالشيء المحرم يناله من إثمه. أما من كان يباشر القيد والكتابة والإرسال والإيداع وما أشبه ذلك فهو لا شك أنه مباشر للحرام. وقد ثبت من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال: هم سواء). (من موقع الإسلام س ج) فائدة: ٨ سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: عن بيع العملة القديمة بأكثر من قيمتها؟ فأجاب: ليس فيه بأس؛ لأن العملة القديمة أصبحت غير نقد، فإذا كان مثلاً عنده من فئة الريال الأولى الحمراء أو من فئة خمسة أو عشرة التي بطل التعامل بها وأراد أن يبيع ذات العشرة بمائة فلا حرج؛ لكونها أصبحت سلعة ليست بنقد، فلا حرج. (لقاء الباب المفتوح)

стр. 2073

فائدة: ٩ ذهب بعض العلماء إلى جواز الربا بين المسلم والكافر الحربي في دار الحرب. وقد جاء في ذلك حديث عن مكحول عن رسول الله ﷺ أنه قال (لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب). والصحيح - وهو ما ذهب إليه أكثر العلماء، ومنهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد -: أن الربا محرَّم بين مسلم ومسلم، وبين مسلم وكافر في ديار الإسلام، أو ديار الكفر، أو ديار الحرب. قال ابن قدامة: وَيَحْرُمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَتَحْرِيمِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَعَنْهُ فِي مُسْلِمَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَا رِبَا بَيْنَهُمَا. لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْب). وَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةُ، وَإِنَّمَا حَظَرَهَا الْأَمَانُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَحَرَّمَ الرِّبَا). وَقَوْلُهُ (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَس). وَقَالَ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا). وَعُمُومُ الْأَخْبَارِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ. وَقَوْلُه (مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى). عَامٌّ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ. وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَالرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَبَرُهُمْ مُرْسَلٌ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ. (المغني).

стр. 2074

وقال النووي: الربا يجري في دار الحرب جريانه في دار الإسلام، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف. ودليلنا: عموم الأدلة المحرمة للربا، فلأن كل ما كان حراماً في دار الإسلام: كان حراماً في دار الشرك، كسائر الفواحش والمعاصي - ولأنه عقد فاسد فلا يستباح به المعقود عليه كالنكاح. انتهى. وأما حديث (لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب) فحديث ضعيف. فهو حديث مرسل لأن "مكحول" من التابعين، والمرسل من أقسام الضعيف. وقد ضعفه الإمام الشافعي، وابن حجر، والنووي، وآخرون. قال الإمام الشافعي: وما احتج به أبو يوسف لأبي حنيفة ليس بثابت، فلا حجة فيه " انتهى. فائدة: ١٠ قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: (وقد استحسن بعض الناس بعقولهم استحساناً مخالف لشرع الله، فقالوا: إن الإنسان إذا أودع بل إذا جعل أمواله عند أهل الربا فإنه يجوز أن يأخذ الربا ثم يتصدق به تخلصاً منه، وهذا القول مخالف للقرآن الكريم: _ لأن الله يقول (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون). يقولون: إننا لو تركناه للبنوك لكانوا يستعينون به على بناء الكنائس وإعانة الكفار على قتال المسلمين وما أشبه ذلك من الأقوال، ونقول لهم: أولاً: إن هذا الربا ليس داخلاً في ملكه حتى نقول إنه تبرع للبنك به، فهو من الأصل لم يدخل في ملكه. ثانياً: من يقول إنهم يستعينون بها ويجعلونها في الكنائس والأسلحة ضد المسلمين. ثالثاً: هل إذا أخذتها منهم سوف يمسكون عن قتال المسلمين وعن إضلالهم عن دينهم.

стр. 2075

رابعاً: إذا قلنا بذلك ثم قلنا خذها وتصدق بها، فمعنى ذلك أننا قلنا له تلطخ بالنجاسة ثم حاول أن تغسل يدك منها، إذاً ما الفائدة من أن تأخذها ثم تتصدق بها، لا فائدة، اتركها من الأصل تسلم منها. خامساً: ثم إذا قلنا خذها وتصدق بها، فهل يضمن نفسه أن يقوى على التصدق بها ولا سيما إذا كانت كثيرة، قد يأخذها بهذه النية ثم تغلبه نفسه فلا يتصدق بها ويأكلها. سادساً: وأيضاً إذا قلنا خذها وتصدق بها، فأخذها أمام الناس، فمن الذي يعلم الناس أنه تصدق بها، الناس لا يدرون، وربما اتخذوه من فعله هذا قدوة. (ولا يصحُ بيعُ لحمٍ بحيوانٍ من جنسه، ويصح بغير جنسهِ). بيع اللحم بالحيوان قسمان: الأول: بيع لحم بحيوان من جنسه: فلا يجوز. كلحم إبل بإبل، أو لحم بقر ببقر. الثاني: بيع اللحم بحيوان من غير جنسه: فيجوز. كلحم بقر بشاة. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز بيع اللحم بالحيوان، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه. وهذا مذهب الشافعية، وهو قول الفقهاء السبعة. أ- لما روى سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ (أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان) رواه مالك والبيهقي، وهو مرسل. ب- ولحديث سهل بن سعد. أن النبي ﷺ (نهى عن بيع اللحم بالحيوان) أخرجه الدارقطني وضعفه وأقره الحافظ ابن حجر والبيهقي بالغلط في إسناده، قال ابن عبد البر: إنه حديث موضوع. وذهب بعضهم: أنه إذا كان المقصود اللحم، فيحرم سواء بيع بجنسه أو بغير جنسه، أما إذا لم يقصد اللحم (كركوب أو تأجير أو حرث) فيجوز.

стр. 2076

وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم. وسبب التحريم إذا أريد بالحيوان اللحم، لأنه باع لحماً بلحم من غير تماثل. وأما بيع اللحم باللحم، فإن اللحم أجناس، فلحم الإبل جنس، ولحم البقر جنس، ولحم الضأن جنس، فلا يجوز بيع اللحم بلحم من جنسه إلا بالتساوي، فلا يباع كيلو من لحم الضأن بكيلوين منه، ويجوز كيلو من البقر بكيلوين من لحم الضأن لاختلاف الجنس. (وقد نهى النبي ﷺ عن المزابنة). كما في حديث اِبْن عُمَر ﵄ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ; أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلاً بِتَمْرٍ كَيْلاً، وَإِنْ كَانَ كَرْماً أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، وَإِنْ كَانَ زَرْعاً أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فالمزابنة: هي بيع التمر على النخل بتمر مجذوذ. مثال: أن يبيع رطباً على رؤوس النخل، بثمر في الزنبيل، فهذا لا يجوز. مثال آخر: رجل عنده شجر من الأعناب، وآخر عنده أكياس من الزبيب، فقال أحدهما للآخر: نتبايع هذه الأشجار من الأعناب بهذه الأكياس من الزبيب، فهذا لا يجوز. • الحكمة من النهي: أ- مظنة الربا لعدم التساوي. لأن بيع تمر بتمر يشترط فيه التساوي، والتساوي هنا معدوم. لأنه لو فرضنا أن أكياس الزبيب معلومة المقدار، لكن أشجار العنب غير معلومة المقدار. أ- حصول الغرر به، وكل ما حصل به غرر فهو غير صحيح.

стр. 2077

(وأرخص في العرايا). تقدم: أن بيع الرطب بالتمر (وهو المزابنة) لا يجوز، لأن الرطب ينقص إذا جف، وبيع التمر بالتمر يشترط فيه شرطان: التساوي - والتقابض، والتساوي هنا معدوم. يستثنى من ذلك: العرايا، وهي: بيع رطب في روؤس نخله بتمر كيلاً. أن يخرص الخارص نخلات فيقول: هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يجيء منه ثلاثة أوسق من التمر مثلاً، ويتقابضان في المجلس، فيسلم المشتري التمر، ويسلم بائع الرطب الرطب بالنخلة. وهو مستثنى من بيع المزابنة، وهذا مذهب أكثر العلماء. عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي اَلْعَرَايَا: أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ (رَخَّصَ فِي اَلْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ اَلْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ اَلْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 2078

• شروط حل العرايا؟ الشرط الأول: أن تباع النخلة بخرصها، ولا بد أن يكون من عالم به. لقوله (أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً). فلا يجوز أن يأتي أي أحد من الناس، لا بد أن يكون الخارص خبيراً. قال النووي: وَأَمَّا الْعَرَايَا فَهِيَ أَنْ يَخْرُص الْخَارِص نَخَلَات فَيَقُول: هَذَا الرُّطَب الَّذِي عَلَيْهَا إِذَا يَبِسَ تَجِيء مِنْهُ ثَلَاثَة أَوْسُق مِنْ التَّمْرَة مَثَلًا، فَيَبِيعهُ صَاحِبه لِإِنْسَانٍ بِثَلَاثَةِ أَوْسُق تَمْر، وَيَتَقَابَضَانِ فِي الْمَجْلِس، فَيُسَلِّم الْمُشْتَرِي التَّمْر وَيُسَلِّم بَائِع الرُّطَب الرُّطَب بِالتَّخْلِيَةِ. الشرط الثاني: أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وهذه لها أحوال: أولاً: الزيادة على خمسة أوسق، لا يجوز بلا خلاف. ثانياً: أقل من خمسة أوسق، يجوز. ثالثاً: في خمسة أوسق، هذه فيها خلاف: قيل: لا يجوز. وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، ورجحه ابن المنذر. قالوا: الأصل أن بيع التمر بالرطب حرام، وتبقى الخمسة مشكوكاً فيها، والأصل المنع. وقيل: يجوز. عملاً برواية الشك (خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق). والراجح الأول.

стр. 2079

قال النووي: وَهَذَا جَائِز فِيمَا دُون خَمْسَة أَوْسُق، وَلَا يَجُوز فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَة أَوْسُق، وَفِي جَوَازه فِي خَمْسَة أَوْسُق قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحّهمَا لَا يَجُوز لِأَنَّ الْأَصْل تَحْرِيم بَيْع التَّمْر بِالرُّطَبِ وَجَاءَتْ الْعَرَايَا رُخْصَة، وَشَكَّ الرَّاوِي فِي خَمْسَة أَوْسُق أَوْ دُونهَا فَوَجَبَ الْأَخْذ بِالْيَقِينِ وَهُوَ دُون خَمْسَة أَوْسُق وَبَقِيَتْ الْخَمْسَة عَلَى التَّحْرِيم. (شرح مسلم). الشرط الثالث: أن يكون المشتري محتاجاً إلى الرطب، فإن لم يكن محتاجاً فإنها لا تجوز. لأن بيع العرايا رخص فيه للحاجة. الشرط الرابع: التقابض بين الطرفين. لأن الأصل في بيع التمر بالتمر أنه لا بد من شرطين: التساوي والتقابض. فالتساوي عرفنا أنه رخص فيه، ويبقى التقابض على الأصل لم يرخص فيه. (والتقابض يكون في النخل: بالتخلية، وفي التمر بالكيل لأخذ). فائدة: اختلف العلماء: هل العرايا خاصة بالتمر، أم يجوز في جميع الثمار على قولين: القول الأول: أن العرايا خاصة بالتمر، فيقتصر الجواز على النخل فقط دون غيرها من الثمار. وهذا المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال الليث بن سعد، والظاهرية. أ-واستدلوا بالأحاديث السابقة، حيث إنها صريحة في حصر الجواز بالتمر دون غيره. ب-أن الأصل يقتضي تحريم العرية، وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة، ولا يصح قياس غيرها عليها لوجهين: الأول: أن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات بها، وسهولة خرصها. الثاني: أن القياس لا يعمل به إذا خالف نصاً.

стр. 2080

القول الثاني: أنه عام في جميع الثمار. فلو أن شخصاً عنده زبيب جاز أن يشتري به عنباً يتفكه به. وهذا مذهب مالك، واختاره من الحنابلة أبو يعلى، وهو مذهب الأوزاعي، واختاره ابن تيمية. واستدلوا بالقياس على النخل بجامع الحاجة في كلٍ والاقتيات، وهذا المعنى موجود في غير النخل، وعليه فلا يصح قصر الحكم على النخل. القول الثالث: أنه يجوز في العنب وحده، فيباع العنب في الشجر بزبيب. … وهو قول الشافعي، واختاره النووي. قالوا: قياساً على التمر، بجامع أنه يخرص مثله وييبس ويقتات ويوسق ويحتاج لأكله كالتمر، أما غير العنب فليس كذلك. والراجح: الله أعلم.

стр. 2081

باب بيع الأصول والثمار الأصول: جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره، والمراد بها الأرض أو الدار أو الشجر. (والفقهاء يقصدون ما الذي يتبع البائع وما الذي يتبع المشتري منها). والثمار: جمع ثَمَر وهو حمْل الشجر. (إذا باع داراً شمل البيع أرضَها، وبناءها، وسقفها، وباباً منصوباً، ومتصلاً بها لمصلحتها كالسلالم، والأبواب المنصوبة، لا كنزاً وحجراً مدفونين، ولا منفصل كحبل ودلو وفرش). إن كان هناك شرط وجب العمل به - إن شرط البائع أو المشتري - أن هذا يتبعه وجب العمل به لحديث (المسلمون على شروطهم). إن لم يكن هناك شرط: فالبيع يشمل الأشياء المتصلة دون المنفصلة إلا بشرط. فبيع الدار: يشمل الجدران والأبواب والنوافذ. ولا يشمل المنفصلة: كأواني الطبخ والرفوف والمكيفات. • يستثنى المفاتيح لأنها منفصلة ويشملها البيع. والثمار: المراد بها ثمر النخل أو التين أو العنب أو غيرها. (وإن كان المباع أرضاً شمل غرسها وبناءها لا ما فيها من زرع لا يحصد إلا مرة). أي: إن باع أرضاً فإنه يشمل البيع الغرس والبناء. وأما ما يتعلق بالزرع: فإن كان لا يحصد إلا مرة واحدة (كبر وشعير وبصل) فإنه للبائع، ما لم يشترطه المشتري. وإن كان يجز مرة بعد أخرى (كالبرسيم، والكراث) فالأصول للمشتري، والجزة الظاهرة واللقطة الأولى للبائع. وكذا ما يلقط مراراً، كالباذنجان، والطماطم، فالأصول للمشتري تبعاً للأرض، واللقطة الموجودة تكون للبائع مبقاة إلى أوان أخذها.

стр. 2082

(وإن اشترط المشتري ذلك صح). المشار إليه: اللقطة الظاهرة، والجزة الظاهرة. فإذا قال المشتري: أنا أشترط أن تكون لي، فقبل البائع، فإنه يصح. (مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُتهَا لِلْبَائِعِ، إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ). هذا نص حديث عن النبي ﷺ . عنِ اِبْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنِ اِبْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ اَلَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ اَلْمُبْتَاعُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مَنِ اِبْتَاعَ) أي: اشترى. (نَخْلًا) أي: باع أصل النخل. (بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ) التأبير هو التلقيح، وهو وضع طلع الفحل من النخل بين طلع الإناث. (اَلْمُبْتَاعُ) أي: المشتري. فهذا الحديث دليل على أن من اشترى نخلاً بعد التأبير فثمرتها للبائع. وأنه لو باعها قبل التأبير فثمرتها للمشتري لمفهوم الحديث. وهذا مذهب جماهير العلماء. لهذا الحديث، فهو صريح بذلك، فهو يدل على أن ثمرة النخل المبيع يكون للبائع بعد التأبير ما لم يشترطه المبتاع. قال ابن حجر: وقد استدل بمنطوقه على أن من باع نخلاً وعليها ثمرة مؤبرة لم تدخل الثمرة في البيع بل تستمر على ملك البائع، وبمفهومه على أنها إذا كانت غير مؤبرة أنها تدخل في البيع وتكون للمشتري وبذلك قال جمهور العلماء. وقال القرطبي: وإذا تقرَّر هذا، فظاهر هذا الحديث يقتضي بلفظه: أن الثمرة المأبورة لا تدخل مع أصولها إذا بيعت الأصول إلا بالشرط، ويقتضي دليل خطابه: أن غير المأبورة داخلة في البيع، وهو مذهب مالك، والشافعي، والليث.

стр. 2083

فائدة: ١ الحكمة من ذلك: الحكمة: لأن البائع عمل في هذه الثمرة عملاً يصلحها، لأن التأبير يصلح الثمرة، فلما عمل فيها عملاً يصلحها، تعلقت بها وصار له تأثير فيها، وبذلك جعلها الشارع له. فائدة: ٢ الحديث دليل على أنه لو اشترط المشتري أن تكون له الثمرة بعد التأبير، فإنه يصح لك. لقوله (إلا أن يشترط المبتاع). فائدة: ٣ هل يجوز للبائع إبقاء الثمرة على رؤوس الشجر إلى وقت الجذاذ؟ قيل: للبائع إبقاؤها إلى الجذاذ. وهذا مذهب جمهور العلماء. وقيل: يجب على البائع قطع ثمرته من أصل المبيع في الحال. وإليه ذهب الحنفية. فائدة: ٤ يلحق بالتمر ما عداه كالعنب، والتين، والبرتقال. فائدة: ٥ هذا الحكم في هذا الحديث إنما هو لعام واحد، وأما السنوات القادمة فهي للمشتري.

стр. 2084

(ولا يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها). لحديث اِبْنِ عُمَرَ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اَلثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى اَلْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا? قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُه. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلثِّمَارِ حَتَّى تُزْهَى. قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا? قَالَ: (تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ وعنه. ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ اَلْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ ففي هذه الأحاديث تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.

стр. 2085

فائدة: ١ الحكمة من النهي. قال ابن حجر: قوله (نهى البائع والمبتاع) أمّا البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأمّا المشتري فلئلا يضيّع ماله ويساعد البائع على الباطل. وفيه أيضاً قطع النّزاع والتّخاصم. (الفتح). وقال بعض العلماء: الحكمة في النهي قبل بدو صلاحها: أنه في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها غرراً وخطراً ظاهراً يفضي إلى المفاسد الكثيرة بين المسلمين من إيقاع التشاحن والتشاجر وأكل مال الغير بغير حق. فالبائع إذا باع قبل بدو الصلاح وتعجل البيع فإنه ستقل قيمتها عما لو أخر البيع إلى ما بعد الصلاح والنضج فيكون في ذلك خسارة عليه. وأما المشتري: ففي ذلك حفظ لماله من الضياع والمخاطر والتغرير، لأن الثمرة قد تتلف وتنالها الآفات قبل الانتفاع بها فيذهب ماله، فنهي عن ذلك تحصيناً للأموال من الضياع وحفظاً للحقوق، وقطعاً للمخاصمات والمنازعات بين المتبايعين. فالخلاصة أن حكمة النهي ترجع إلى ثلاثة أمور: أولاً: لما فيه من الغرر. ثانياً: أنه سبب في تنازع الناس. ثالثاً: أنه طريق إلى أكل أموالهم بالباطل. فائدة: يجوز بيع الثمر بعد بدو صلاحه، وبدو صلاحه جاء بيانه في بعض الأحاديث: فقد جاء في حديث (حتى يزهو)، وفي رواية (حتى يبدو صلاحها). وأجمع هذه الألفاظ حديث جابر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن بَيعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَطعَمَ)، وفي رواية (حَتَّى تَطِيبَ).

стр. 2086

فالضابط أن يطيب أكله ويطهر نضجه. قال النووي: بدو الصلاح يرجع إلى تغير صفة في الثمرة، وذلك يختلف باختلاف الأجناس، وهو على اختلافه راجع إلى شيء واحد مشترك بينها، وهو طيب الأكل. (المجموع). وقال الشيخ ابن عثيمين: الضابط يدور على إمكان أكلها واستساغته؛ لأنه إذا وصل إلى هذا الحد أمكن الانتفاع به، وقبل ذلك لا يمكن الانتفاع به إلا على كره، وهو أيضاً إذا وصل هذه الحال من النضج قَلَّت فيه الآفات والعاهات. (الشرح الممتع). (إلا بشرط قطعٍ إن كان منتفعاً به). أي: أنه يجوز بيع الثمر قبل بدو صلاحها في هذه الحالة: بشرط القطع في الحال إذا كان يريد أن ينتفع به. لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمَرَةِ، وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْلَ أَخْذِهَا، وهذا منتفٍ هنا. وقد قسم ابن قدامة بيع الثمر قبل بدو صلاحه إلى أقسام، فقال ﵀: لا يخلوا بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إجْمَاعًا. (لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. والنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ.

стр. 2087

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ، فَيَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ. لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمَرَةِ، وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْلَ أَخْذِهَا؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَنَسٌ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهُوَ. قَالَ: أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا يُقْطَعُ، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُهُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَبِيعَهَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعًا وَلَا تَبْقِيَةً، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. ثم قال مرجحاً رأي الجمهور: وَلَنَا: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَطْلَقَ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ النزاع. فائدة: ١ متى يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها؟ أولاً: إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع في الحال. قال ابن قدامة: أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإجماع … كما تقدم. ثانياً: إذا بيعت الثمرة مع أصلها، أو بيع الزرع مع الأرض، فلا يشترط بدو الصلاح في الثمر والزرع. قال ابن قدامة ﵀: أَنْ يَبِيعَهَا مَعَ الْأَصْلِ، فَيَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ). وَلِأَنَّهُ إذَا بَاعَهَا مَعَ الْأَصْلِ حَصَلَتْ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَضُرَّ احْتِمَالُ الْغَرَرِ فِيهَا، كَمَا احْتَمَلَتْ الْجَهَالَةُ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ بَيْعِ الشَّاةِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ مَعَ التَّمْرِ، وَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ فِي بَيْعِ الدَّارِ. (المغني).

стр. 2088

فائدة: ٢ ما الحكم لو وقع العقد على هذا البيع؟ لو وقع العقد على هذا البيع لكان البيع باطلاً، لأن النهي عائد إلى ذات المنهي عنه. لكن استثنى العلماء: إذا باعه بشرط القطع، لأن عاهته مضمونة، لأنه سيقطع الآن قبل أن يتعرض للعاهات، وهذا ليس من إضاعة المال، لأنه يمكن أن يجعله علفاً لبهائمه، لكن لو علمنا أنه سيأخذه ليرميه في الأرض، فهذا يمنع. فائدة: ٣ ما الحكم لو باع البستان جميعاً؟ تحرير محل النزاع: أولاً: لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز بيع جنس، ببدو الصلاح في جنس آخر. ثانياً: لا خلاف بين العلماء في أن الشجرة إذا بدا صلاحها يجوز بيعها. ثالثاً: اختلف العلماء في جواز بيع النوع الواحد والجنس الواحد، بصلاح بعض أشجاره: القول الأول: أنه إذا بدا الصلاح في الشجرة جاز سائر أنواعها من الجنس الواحد، فإذا بدا في السكري - مثلاً - جاز بيع جميع النخيل في البستان مهما كانت أنواعه. وهذا مشهور مذهب الشافعية، ومذهب المالكية. أ- قالوا: إن أنواع الجنس الواحد يتلاحق طيبها عادة. ب- لو لم نقل بجواز بيع الجنس الواحد ببدو الصلاح في بعضه، لأدى ذلك إلى المشقة والضرر بسوء المشاركة، والمشقة والضرر مرفوعان في الشريعة الإسلامية.

стр. 2089

القول الثاني: إذا بدا في شجرة جاز بيع سائر أنواعها في البستان، دون الأنواع الأخرى. فلو بدأ الصلاح في النخل السكري جاز بيعه، لكن لو بدأ في السكري لم يجز بيع غيره لم يبدو صلاحه. وهذا قول عند الشافعية، ومشهور مذهب الحنابلة. أ-القياس على الشجرة الواحدة. ب- اعتبار بدو الصلاح في الجميع يشق، ويؤدي إلى الاشتراك واختلاف الأيدي، فوجب أن يتبع مالم يبد صلاحه من نوعه ما بدا. القول الثالث: يشترط لجواز بيع الثمرة أن يبدو الصلاح في كل شجرة من شجر الثمرة المبيعة. وهذا قول عند الحنابلة. أ- لدخول ما لم يبدو صلاحه في عموم النهي ب- مالم يبدو صلاحه لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع كالجنس الآخر. والراجح القول الأول … (الجوائح وأحكامها). (وما تلف بآفة سماوية فعلى بائع). هذه المسألة تسمى: وضح الجوائح. تعريف الجائحة؟ قال ابن قدامة: الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها. وقال ابن تيمية: الجائحة هي الآفات السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد. وقال القرطبي: الجائحة ما اجتاحت المال، وأتلفته إتلافاً ظاهراً، كالسيل والمطر والحرق والسرق وغلبة العدو، وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهراً.

стр. 2090

فالجائحة إذاً: هي كل آفة لا صنع للآدمي فيها، فيدخل في ذلك المطر الشديد، والحر والبرد، والريح، والجراد، والغبار المفسد ونحو ذلك من الآفات السماوية. مثالها: انسان باع على أخيه ثمر عنب فقدر انه جاء حر شديد فتلفت هذه العنب أو مطر مصحوباً ببرد فأتلفه. أ- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا. بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ?) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ب-وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ اَلْجَوَائِحِ). (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ) (من) بمعنى (على) (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي: أصابت ذلك الثمر آفة (فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا) أي: من أخيك، وهذا صريح في التحريم. (بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ) أي: في مقابلة الثمر الذي أصابته الجائحة. ففي هذا الحديث: الأمر بوضع الجوائح، (أي أن تلف الثمار المبيعة بجائحة يكون من مال البائع)، وهذا قول أكثر العلماء. قال ابن قدامة: ما تهلكه الجائحة من الثمار من ضمان البائع، وبهذا قال أكثر أهل المدينة، منهم: يحيي بن سعيد الأنصاري، ومالك، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث، وبه قال الشافعي في القديم. قال الحافظ في الفتح: استُدل بهذا الحديث على وضع الجوائح في الثمر يُشترَى بعد بدو صلاحه، ثم تصيبه جائحة. فهذا مذهب المالكية والحنابلة والشافعية في القديم. أ- لقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل … ).

стр. 2091

وجه الدلالة: أن الله نهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وأخْذ البائع الثمن من المشتري بعد أن تلفت الثمرة بجائحة قبل تمام نضجها نوع مما نهى الله عنه، لأنه أخذه بدون مقابل، حيث لم يحصل للمشتري مقصوده من العقد، وهو أخذ الثمرة بعد تمام نضجها. ب- لحديث الباب (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا. بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ?). ج- وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ اَلْجَوَائِحِ). أي: أمر بإسقاطها، وعدم المطالبة بها، يعني أن من اشترى ثماراً فأصابتها آفة سماوية كالبَرَد - بفتحتين - والحر الشديدين والجراد ونحو ذلك من الآفات التي تعرض للثمار، فإنه لا يحل للبائع أن يُطالب بثمنها. وجه الدلالة من الحديثين: دل الحديثان على وجوب وضع الجوائح بالنص الصريح، أما الأول فقد جاءت دلالته على وجوب وضع الجوائح بصريح التحريم، حيث نفى النبي ﷺ حل أخذ شيء من مشتري الثمرة إذا أجيحت، ثم أكد حرمته بصيغة الاستفهام الإنكاري، ووصفه بأنه غير حق. ودل عليه الحديث الثاني بالأمر الصريح، والأمر يقتضي الوجوب مالم يصرفه صارف، ولم يوجد، فدل الحديثان على وجوب وضع الجوائح. قال الشيخ عبد الله الفوزان: وجه الاستدلال: أولاً: أن النبي ﷺ نفى حل أخذ شيء من مشتري الثمرة إذا أصابتها جائحة. ثانياً: أن النبي ﷺ أكّد حرمة أخذ مال المشتري بصيغة الاستفهام الإنكاري، ووصفه بأنه غير حق. ثالثاً: أنه أمر أمراً صريحاً بوضع الجوائح، والأمر يقتضي الوجوب.

стр. 2092

فائدة: ١ هل هناك فرق بين قليل الجائحة وكثيرها؟ اختلف العلماء بذلك على قولين: القول الأول: يوضع قليل الجائحة وكثيرها. وإليه ذهب الإمام أحمد في أشهر الروايتين عنه وأبو عبيد وغيره من فقهاء الحديث. أ- عموم الأحاديث الواردة في الأمر بوضع الجوائح، فإن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح، وما دون الثلث داخل فيه فيجب وضعه. ب- ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها، فكان ما تلف منها من مال البائع وإن كان قليلاً. القول الثاني: لا توضع الجائحة إلا إذا بلغت الثلث. وهو قول مالك في جوائح الثمار. أ-قالوا: لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْكُلَ الطَّيْرُ مِنْهَا، وَتَنْثُرَ الرِّيحُ، وَيَسْقُطَ مِنْهَا، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ضَابِطٍ وَاحِدٍ فَاصِلٍ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْجَائِحَةِ، وَالثُّلُثُ قَدْ رَأَيْنَا الشَّرْعَ اعْتَبَرَهُ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا؛ الْوَصِيَّةُ، وَعَطَايَا الْمَرِيضِ، وَتَسَاوِي جِرَاحِ الْمَرْأَةِ جِرَاحَ الرَّجُلِ إلَى الثُّلُثِ. ب-وَلِأَنَّ الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَمَا دُونَهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوَصِيَّةِ (الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ آخِرُ حَدِّ الْكَثْرَةِ، فَلِهَذَا قُدِّرَ بِهِ. والراجح الأول، لعموم أحاديث وضع الجوائح. تنبيه: قال ابن قدامة: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا تَلِفَ شَيْءٌ لَهُ قَدْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَادَةِ، وَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ، فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.

стр. 2093

فائدة: ٢ ما الحكم لو فرط المشتري وتأخر في جذاذ النخل مثلاً؟ لو فرط المشتري وتأخر في جذاذ النخل - مثلاً - عن وقته المعتاد فأصابته جائحة بمطر - مثلاً - فهو من ضمانه لا من ضمان البائع، لتفريطه بترك نقل الثمرة في وقت نقلها مع قدرته. فائدة: ٣ ما حكم الجائحة إذا كانت بفعل آدمي؟ إذا كانت الآفة بفعل الآدمي فيطالب به الجاني. فائدة: ٤ هل السرقة تعتبر جائحة؟ السرقة لا تعتبر جائحة على القول الراجح.

стр. 2094

باب السلم مقدمة: قال ابن قدامة: بَابُ السَّلَمِ: وَهُوَ أَنْ يُسْلِمَ عِوَضًا حَاضِرًا، فِي عِوَضٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ، وَيُسَمَّى سَلَمًا، وَسَلَفًا. يُقَالُ: أَسْلَمَ، وَأَسْلَفَ، وَسَلَّفَ. وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ، يَنْعَقِدُ بِمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَبِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ. وَهُوَ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ). وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَأَذِنَ فِيهِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِلسَّلَمِ، وَيَشْمَلُهُ بِعُمُومِهِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: مَنْ أَسَلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ، وَلِأَنَّ الْمُثَمَّنَ فِي الْبَيْعِ أَحَدُ عِوَضَيْ الْعَقْدِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ، كَالثَّمَنِ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَرْبَابَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالتِّجَارَاتِ يَحْتَاجُونَ إلَى النَّفَقَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَيْهَا؛ لِتَكْمُلَ، وَقَدْ تُعْوِزُهُمْ النَّفَقَةُ، فَجَوَّزَ لَهُمْ السَّلَمَ؛ لِيَرْتَفِقُوا، وَيَرْتَفِقُ الْمُسْلِمُ بِالِاسْتِرْخَاصِ.

стр. 2095

(وَهُوَ عَقْدٌ عَلَى مَوْصوفٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ بِثَمَنٍ مَقْبُوضٍ بِمَجْلِسِ العَقْدِ). هذا تعريف السلم. قوله (عقد على موصوف) خرج به العقد على معين، فليس بسلم. قوله (مؤجل) لا بد أن يكون هناك تأجيل. قوله (بثمن مقبوض في مجلس العقد) أي: لا بد أن يقبض الثمن كاملاً في مجلس العقد. - وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوه). وأما السنة: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ: السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ. فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ). (قَدِمَ اَلنَّبِيُّ ﷺ اَلْمَدِينَةَ) أي: جاء إليها مهاجراً. (وَهُمْ يُسْلِفُونَ) الواو فيه للحال، أي وأهل المدينة من الأوس والخزرج وغيرهم يتعاملون بالسلف، أي بالسلم، (وسيأتي تعريفه إن شاء الله). (اَلسَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ) أي: مدة سنة أو مدة سنتين، يعني يدفعون المال إلى من يتعاملون معه بالسلم، ويكون تسليم الثمار مؤجلاً إلى سنة أو إلى سنتين بعد تسليم الثمن. (من أسلف) وعد في عقد صفقة سلم (كيل معلوم) مقدار محدد من الكيل مع ضبط نوع الكيل. (ووزن معلوم) أي فيما يوزن. (إلى أجل معلوم) وقت محدد. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز. وقال الحافظ في الفتح: واتفقوا على مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب.

стр. 2096

مثاله: أن أعطي رجل ١٠٠ ريال، على أن يعطيني بعد سنة ١٠٠ كيلو من الأرز. • الحكمة منه: من أجل التوسعة، لأن الإنسان يحتاج إلى نقود وعنده تمر أو صنعة تتأخر، فيحتاج إلى شراء أدوات لصنعته أو ثمرته. فالزارع يبدأ زرعه في شهر ربيع الثاني مثلاً، ولا يحصده إلا في شهر شعبان أو بعده، ففي هذه المدة هو بحاجة إلى دراهم لشراء البذور أو نفقة عماله أو عياله، أو آلاته، وأنت عندك دراهم لست بحاجة إليها، فتقول له: أنا أشتري منك براً بأنقص من قيمته [مثلاً يساوي الصاع ريالين، وأنت تقول: أشتريه الآن بريال] فكل منكما انتفع، فالأول احتاج المال وأخذه، والثاني اشتراه رخيصاً. (يصح بشروط، أحدُها: انضباط صفاته بمكيل وموزون ومذروع). هذا الشرط الأول من شروط صحة السلم: أن يمكن ضبط صفاته، ففي المكيل بمقدار المكيل وفي الموزون بمقدار الوزن، وفيما عدا ذلك بالأوصاف. بمكيل: كالبر. وموزون: كاللحم، والسكر. ومذروع: كالأقمشة، والفرش، والحبال. والسبب: لأن ما لا يمكن ضبطه بالصفة يؤدي إلى التنازع والخصام بين المُسلِم والمُسلَم إليه. فقد يقول التاجر: أنا ما أردت هذا، ويقول المسلم (المزارع) هذا الموجود، فيحصل نزاع.

стр. 2097

مثال: لو قال المزارع للتاجر: أنا بحاجة إلى نقود للقيام على مزرعتي وأنا أريد أن اتفق معك على عقد سلم، فأعطيك ١٠٠ كيلو من السكري الذي صفته كذا وكذا مقابل عشرة آلاف ريال، فيسلم المبلغ الآن والتمر إذا جاء وقته سلمه إليه، (يحدد موعد معين أو إلى موسم التمر). مثلا: أريد ألف إبريق مثل هذا الإبريق، أو ١٠٠ سطل مثل هذا السطل. - فما لا يمكن ضبطه بالصفة فلا يصح السلم فيه، مثل الفواكه والبرتقال، لأنها تختلف بالكبر والصغر فلا يمكن ضبطها بالصفة، وكذا البطيخ. (الثاني: ذكر الجنس والنوع، وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً). هذا الشرط الثاني من شروط صحة السلم، وهو أن يصف الشيء المسلم فيه. بذكر جنسه ونوعه. مثال: أن يقول أسلمت لك في تمر من نوع السكري. وفي الرز يبين أنه من النوع الهندي مثلاً. وأيضاً يذكر كل وصف يختلف بسببه الثمن اختلافاً ظاهراً، مثل ذكر اللون في الثياب، أو أنه قديم أو جديد، فالقديم مثلاً في القمح يفضل على الجديد الذي حُصد هذا العام. أ- لترتفع الجهالة. ب- وتسد الأبواب التي تفضي إلى المنازعة عند التسليم. قال ابن قدامة: الشرط الثَّانِي، أَنْ يَضْبِطَهُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهَا ظَاهِرًا. فَإِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالْوَصْفِ كَالثَّمَنِ.

стр. 2098

وَلِأَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي الْمَبِيعِ، وَطَرِيقُهُ إمَّا الرُّؤْيَةُ وَإِمَّا الْوَصْفُ، وَالرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةٌ هَاهُنَا، فَتَعَيَّنَ الْوَصْفُ. وَالْأَوْصَافُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُتَّفَقٌ عَلَى اشْتِرَاطِهَا، وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ؛ الْجِنْسُ، وَالنَّوْعُ، وَالْجَوْدَةُ وَالرَّدَاءَةُ فَهَذِهِ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلّ مُسْلَمٍ فِيهِ. وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي اشْتِرَاطِهَا. (المغني). (الثالث: أن يكون الأجل معلوماً). هذا الشرط الثالث من شروط صحة السلم، وهو أن يكون الأجل معلوماً. لقوله ﷺ في الحديث السابق (إلى أجل معلوم) كشهر أو شهرين أو أكثر أو أقل بحسب الاتفاق. فلا يصح أن يكون مجهولاً. لو قال: أسلمت إليك مائة درهم بمائة صاع من البر إلى مقدم زيد، فهذا لا يجوز، لأن مقدم زيد غير معلوم. فائدة: ١ اختلف العلماء في مقدار الأجل في السلم على أقوال: فقيل: لا فرق بين الأجل القريب والبعيد، فلو قدره بنصف يوم جاز. وقيل: أقله ثلاثة أيام. والصحيح أنه لا بد من أجل له وقع في الثمن، يعني أن الثمن ينقص به، أما ما لا يتأخر به الثمن فهذا غير مؤجل، وبناء على ذلك يمكن أن تختلف المدة باعتبار المواسم.

стр. 2099

فائدة: ٢ اختلف العلماء لو قال: إلى الجذاذ أو إلى الحصاد على قولين: القول الأول: لا يصح. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي. قالوا: لأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد فلا يجوز. القول الثاني: أنه يصح. وهذا مذهب مالك واختيار ابن تيمية. قالوا: إنه أجل يتعلق بوقت من الزمن يعرف في العادة، لا يتفاوت فيه تفاوتاً كثيراً، فأشبه إذا قال: إلى رأس السنة. والله أعلم. فائدة: ٣ ما الحكم إذا أسلم في جنس إلى أجلين وبالعكس؟ يجوز، لكن لابد أن يبين قسط كل أجل. مثال: أن يقول أسلمت إليك مائة درهم بمائة صاع من البر حنطة، لكن إلى أجلين، يحل بعضها في رجب وبعضها في شوال، فهذا يصح، لكن لابد أن يبين قسط كل أجل، فيقول: يحل منه خمسون في رجب، وخمسون في شوال، حتى لا يكون فيه جهالة. فائدة: ٤ ما الحكم إذا أسلم في جنسين إلى أجل واحد؟ يجوز. مثال: أسلمت إليك مائة درهم في تمر سكري، وبرحي، يحل في شوال، فهذا يصح، لكن لابد أن يبين كل جنس وثمنه، فيقول مثلاً: أسلمت إليك في البر والتمر، خمسين صاعاً من البر، وخمسين صاعاً من التمر.

стр. 2100

(الرابع: أن يكون المسلم فيه عام الوجود). هذا هو الشرط الرابع من شروط صحة السلم، وهو أن يكون المسلم فيه عام الوجود. قال ابن قدامة: … وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ، أَمْكَنَ تَسْلِيمُهُ عِنْدَ وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ. وإِذَا لَمْ يَكُنْ عَامَ الْوُجُودِ، لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحِلِّ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، فَلَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، كَبَيْعِ الْآبِقِ، بَلْ أَوْلَى؛ فَإِنَّ السَّلَمَ اُحْتُمِلَ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْغَرَرِ لِلْحَاجَةِ، فَلَا يَحْتَمِلُ فِيهِ غَرَرٌ آخَرُ، لِئَلَّا يَكْثُرَ الْغَرَرُ فِيهِ. (المغني). (لأن القدرة على التسليم شرط، ولا يتحقق إلا إذا كان عام الوجود). مثال: لو أسلم إليه (١٠٠) ريال بمائة كيلو عنب يحل في وسط الشتاء، لم يجز، لأن المسلَم فيه لا يوجد وقت حلول الأجل، إلا إذا أريد عنب يحفظ في برادات صح، لوجوده في زماننا هذا، ومثله السلم في الرطب إلى وسط الشتاء. فائدة: هل يشترط كون المسلَم فيه موجوداً حال السلم أم لا؟ الصحيح - وهو قول أكثر العلماء - أنه لا يشترط. أ- لأن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون السنة والسنتين، فقال (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ........ ) ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطاً لذكره، ولنهاهم عن السلف سنتين. ب-ولأنه ليس وقت وجوب التسليم.

стр. 2101

(الخامس: قبض الثمن قبل التفرق). هذا الشرط الخامس من شروط صحة السلم، وهو قبض الثمن قبل التفرق. وهذا موضع إجماع بين العلماء. أ- لقوله ﷺ (من أسلف في شيء فليسلف … ) والإسلاف التقديم، سمي سلفاً لما فيه من تقديم رأس المال. ب- ولأنه يصير من بيع الديْن بالديْن. فإذا تفرقا قبل قبضه بطل. (السادس: أن يكون معلوم القدر). هذا الشرط السادس من شروط صحة السلم، وهو أن يكون المسلَم فيه معلوم القدر. مثال: أسلمت إليك ألف ريال بمائة صاع برٍ. قال ابن قدامة: … وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِالْكَيْلِ إنْ كَانَ مَكِيلًا، وَبِالْوَزْنِ إنْ كَانَ مَوْزُونًا، وَبِالْعَدَدِ إنْ كَانَ مَعْدُودًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ). وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ غَيْرُ مُشَاهَدٍ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، كَالثَّمَنِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي اعْتِبَارِ مَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ خِلَافًا. … (المغني).

стр. 2102

(ويُعيّن موضع الوفاء إن لم يصلح موضعه العقد له). أي: إذا كان موضع عقد السلم لا يصلح موضعاً للوفاء، كأن يعقداه في بَر، أو في سفينة، أو طائرة، فلا بد من تعيين الوفاء وإلا فسد السلم، لتعذر الوفاء موضع العقد، فيكون محل التسليم مجهولاً، فاشترط تعيينه بالقول كالأجل. الخلاصة: (موضع الوفاء) أولاً: إن شرطاه أو شرطه أحدهما موضعاً فعلى ما شرطاه. ثانياً: إن لم يكن هناك شرط نظرنا، إن كان موضع العقد مما يمكن الوفاء به، فالتسليم يكون في مكان العقد. وإن كان موضع العقد مما لا يمكن الوفاء به (كسفينة أو طائرة) وجب عليهما أن يشترطا. فائدة: ١ بيع المسلَم فيه قبل قبضه: قال ابن قدامة: أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافاً.

стр. 2103

فائدة: ٢ حكم الإسلام في الحيوانات: اختلف العلماء في حكم الإسلام في الحيوانات على قولين: القول الأول: لا يصح السلم في الحيوانات. وهذا مذهب أبي حنيفة. أ- لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ نهى عن السلم في الحيوان) رواه الحاكم وهو ضعيف. ب-ولأن الحيوانات تختلف اختلافاً متبايناً فلا يمكن ضبطه. القول الثاني: أنه يصح السلم في الحيوان. قال ابن المنذر: ومما روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوانات، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، والزهري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ومالك، وأحمد. قالوا: قياساً على جواز القرض فيه، فقد روى مسلم أنه ﷺ اقترض بكراً. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 2104

باب القرض تعريفه: لغة: هو القطع، ومنه المقراض الذي يقطع به. واصطلاحاً: هو تمليك مال لمن ينتفع به ويرد بدله. قول (ويرد بدله) خرج بذلك العارية، لأن العارية لا يرد بدلها وإنما يرد عينها. - وسمي قرضاً: لأن المقرض يقطع جزءاً من ماله للمقترض. - وَهُوَ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. أَمَّا السُّنَّةُ. فَرَوَى أَبُو رَافِعٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إبِلُ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَجِدْ فِيهَا إلَّا خِيَارًا رُبَاعِيًّا فَقَالَ: أَعْطِهِ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْقَرْضِ. (المغني). - والقرض من عقود التبرعات: والعقود تنقسم إلى (٣) أقسام: الأول: عقود تبرعات (كالقرض، والهبة، والوصية). الثاني: عقود معاوضات (كالبيع، والإجارة). الثالث: عقود توثيقات (كالرهن، والضمان).

стр. 2105

(وهو سنة). هذا حكم القرض بالنسبة للمقرِض أنه سنة. أ- قال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). والقرض إحسان. وقال تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة). وجه الدلالة: أن هذه الآية عامة في الصدقة والإنفاق في سبيل الله، ويدخل في ذلك القرض، ولهذا قالوا: إن الله ﵎ شبه الأعمال الصالحة والإنفاق في سبيل الله بالمال المقرض، وشبه الجزاء المضاعف على ذلك ببدل القرض وهذا يدل على فضيلة القرض. ب- عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) رواه مسلم. عن الْبَرَاء بْن عَازِب قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ هَدَى زُقَاقًا كَانَ لَهُ مِثْلُ عِتْقِ رَقَبَةٍ) رواه الترمذي. [الزقاق: الطريق والمراد من دل الضال على طريقه]. قال الترمذي: وَمَعْنَى قَوْلِهِ «مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ وَرِقٍ». إِنَّمَا يَعْنِى بِهِ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ قَوْلُهُ «أَوْ هَدَى زُقَاقًا». يَعْنِى بِهِ هِدَايَةَ الطَّرِيقِ. قال الحافظ في الفتح: المنيحة بالنون والمهملة وزن عظيمة هي في الأصل العطية، قال أبو عبيدة: المنيحة عند العرب على وجهين: أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، والآخر: أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنا ثم يردها، وقال القزاز: قيل لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة والأول أعرف.
следующие страницы →