← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

(الخامس: قبض الثمن قبل التفرق). هذا الشرط الخامس من شروط صحة السلم، وهو قبض الثمن قبل التفرق. وهذا موضع إجماع بين العلماء. أ- لقوله ﷺ (من أسلف في شيء فليسلف … ) والإسلاف التقديم، سمي سلفاً لما فيه من تقديم رأس المال. ب- ولأنه يصير من بيع الديْن بالديْن. فإذا تفرقا قبل قبضه بطل. (السادس: أن يكون معلوم القدر). هذا الشرط السادس من شروط صحة السلم، وهو أن يكون المسلَم فيه معلوم القدر. مثال: أسلمت إليك ألف ريال بمائة صاع برٍ. قال ابن قدامة: … وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِالْكَيْلِ إنْ كَانَ مَكِيلًا، وَبِالْوَزْنِ إنْ كَانَ مَوْزُونًا، وَبِالْعَدَدِ إنْ كَانَ مَعْدُودًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ). وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ غَيْرُ مُشَاهَدٍ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، كَالثَّمَنِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي اعْتِبَارِ مَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ خِلَافًا. … (المغني).

стр. 2102

(ويُعيّن موضع الوفاء إن لم يصلح موضعه العقد له). أي: إذا كان موضع عقد السلم لا يصلح موضعاً للوفاء، كأن يعقداه في بَر، أو في سفينة، أو طائرة، فلا بد من تعيين الوفاء وإلا فسد السلم، لتعذر الوفاء موضع العقد، فيكون محل التسليم مجهولاً، فاشترط تعيينه بالقول كالأجل. الخلاصة: (موضع الوفاء) أولاً: إن شرطاه أو شرطه أحدهما موضعاً فعلى ما شرطاه. ثانياً: إن لم يكن هناك شرط نظرنا، إن كان موضع العقد مما يمكن الوفاء به، فالتسليم يكون في مكان العقد. وإن كان موضع العقد مما لا يمكن الوفاء به (كسفينة أو طائرة) وجب عليهما أن يشترطا. فائدة: ١ بيع المسلَم فيه قبل قبضه: قال ابن قدامة: أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافاً.

стр. 2103

فائدة: ٢ حكم الإسلام في الحيوانات: اختلف العلماء في حكم الإسلام في الحيوانات على قولين: القول الأول: لا يصح السلم في الحيوانات. وهذا مذهب أبي حنيفة. أ- لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ نهى عن السلم في الحيوان) رواه الحاكم وهو ضعيف. ب-ولأن الحيوانات تختلف اختلافاً متبايناً فلا يمكن ضبطه. القول الثاني: أنه يصح السلم في الحيوان. قال ابن المنذر: ومما روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوانات، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، والزهري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ومالك، وأحمد. قالوا: قياساً على جواز القرض فيه، فقد روى مسلم أنه ﷺ اقترض بكراً. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 2104

باب القرض تعريفه: لغة: هو القطع، ومنه المقراض الذي يقطع به. واصطلاحاً: هو تمليك مال لمن ينتفع به ويرد بدله. قول (ويرد بدله) خرج بذلك العارية، لأن العارية لا يرد بدلها وإنما يرد عينها. - وسمي قرضاً: لأن المقرض يقطع جزءاً من ماله للمقترض. - وَهُوَ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. أَمَّا السُّنَّةُ. فَرَوَى أَبُو رَافِعٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إبِلُ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَجِدْ فِيهَا إلَّا خِيَارًا رُبَاعِيًّا فَقَالَ: أَعْطِهِ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْقَرْضِ. (المغني). - والقرض من عقود التبرعات: والعقود تنقسم إلى (٣) أقسام: الأول: عقود تبرعات (كالقرض، والهبة، والوصية). الثاني: عقود معاوضات (كالبيع، والإجارة). الثالث: عقود توثيقات (كالرهن، والضمان).

стр. 2105

(وهو سنة). هذا حكم القرض بالنسبة للمقرِض أنه سنة. أ- قال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). والقرض إحسان. وقال تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة). وجه الدلالة: أن هذه الآية عامة في الصدقة والإنفاق في سبيل الله، ويدخل في ذلك القرض، ولهذا قالوا: إن الله ﵎ شبه الأعمال الصالحة والإنفاق في سبيل الله بالمال المقرض، وشبه الجزاء المضاعف على ذلك ببدل القرض وهذا يدل على فضيلة القرض. ب- عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) رواه مسلم. عن الْبَرَاء بْن عَازِب قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ هَدَى زُقَاقًا كَانَ لَهُ مِثْلُ عِتْقِ رَقَبَةٍ) رواه الترمذي. [الزقاق: الطريق والمراد من دل الضال على طريقه]. قال الترمذي: وَمَعْنَى قَوْلِهِ «مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ وَرِقٍ». إِنَّمَا يَعْنِى بِهِ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ قَوْلُهُ «أَوْ هَدَى زُقَاقًا». يَعْنِى بِهِ هِدَايَةَ الطَّرِيقِ. قال الحافظ في الفتح: المنيحة بالنون والمهملة وزن عظيمة هي في الأصل العطية، قال أبو عبيدة: المنيحة عند العرب على وجهين: أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، والآخر: أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنا ثم يردها، وقال القزاز: قيل لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة والأول أعرف.

стр. 2106

وقال المباركفوري: قوله: (من منح) أي: أعطى (منيحة لبن أو ورق) بكسر الراء وسكونها أي فضة، قال الجزري في النهاية منحة الورق القرض، ومنحة اللبن أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانا ثم يردها، ومنه الحديث (المنحة مردودة). ج- وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ ثُمَّ يُرَدَّانِ، ثُمَّ أُقْرِضَهُمَا، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنَّ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا. قال ابن قدامة: وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيجًا عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَقَضَاءً لِحَاجَتِهِ، وَعَوْنًا لَهُ، فَكَانَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ، كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ. قال الشوكاني: وفي فضيلة القرض أحاديث وعموميات الأدلة القرآنية والحديثية القاضية بفضل المعاونة وقضاء حاجة المسلم وتفريج كربته وسد فاقته شاملة له، ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته. - وأما بالنسبة للمقترض فمباح. قال ابن قدامة: لَيْسَ بِمَكْرُوهِ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَقْرِضُ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِعِوَضِهِ، فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ بِدَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ. (المغني). - يجب القرض إذا كان المقترض مضطراً لا تندفع ضرورته إلا بقرض لكن لا يجب إلا على من كان قادراً عليه، ومن غير ضرر عليه.

стр. 2107

(ومَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ اَلنَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اَللَّهُ عَنْهُ). هذا جزء من حديث للنبي ﷺ ولفظه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ اَلنَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اَللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اَللَّهُ). رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ اَلنَّاسِ) هذا عام في أخذ الأموال عن طريق القرض، أو البيع إلى أجل، أو الشركة، أو العارية، أو أي معاملة من وجوه المعاملات الأخرى. (يُرِيدُ أَدَاءَهَا) أي: عند أخذه لها كانت نيته الوفاء والأداء مما يرزقه الله تعالى. (أَدَّى اَللَّهُ عَنْهُ) تأدية الله عنه يشمل تيسيره تعالى لقضائها في الدنيا بأن يعينه الله يوسع رزقه، ويسوق له من المال ما يقضي به دينَه لحسن نيته، ويشمل أداءها عنه في الآخرة بإرضائه غريمه بما شاء الله، فإن فاته الأول في دار الدنيا لم يفته الثاني -إن شاء الله- في الدار الآخرة لحسن نيته. (وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا) أي: عند أخذه لها لم تكن نيته الوفاء، بل يريد إتلاف ما أخذ على صاحبه، وهو يشمل ما إذا إدّان وليس عنده نية الوفاء، أو أخذها بلا حاجة وإنما يريد إتلافها على صاحبها. (أَتْلَفَهُ اَللَّهُ) في الدنيا بإتلاف الشخص نفسه وإهلاكه، ويدخل فيه إتلاف ماله وجاهه وطيب عيشه وتضييق أموره وتعسيره مطالبه. فهذا الحديث فيه الترغيب في حسن النية عند الاستدانة من الناس، وأن من استدان ونيته الوفاء أعانه الله.

стр. 2108

فقد روى النسائي: عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ (أَنَّ مَيْمُونَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَدَانَتْ فَقِيلَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، تَسْتَدِينِينَ وَلَيْسَ عِنْدَكِ وَفَاءٌ، قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَخَذَ دَيْنًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ، أَعَانَهُ اللَّهُ . - وفي الحديث التحذير الشديد من أن يبيّت الإنسان نية عدم السداد لقوله (أتلفه الله). قال الحافظ ابن حجر: قوله: (أتلفه الله) ظاهره أن الإتلاف يقع له في الدنيا وذلك في معاشه أو في نفسه، وهو علم من أعلام النبوة لما نراه بالمشاهدة ممن يتعاطى شيئاً من الأمرين، وقيل المراد بالإتلاف عذاب الآخرة. قال ابن بطال: فيه الحض على ترك استئكال أموال الناس والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة وأن الجزاء قد يكون من جنس العمل، وفيه: الترغيب في تحسين النية والترهيب من ضد ذلك وأن مدار الأعمال عليها (الفتح). عَن صُهَيْب الْخَيْرِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أَيُّمَا رَجُلٍ يَدِينُ دَيْنًا وَهُوَ مُجْمِعٌ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ لَقِيَ اللَّهَ سَارِقاً) رواه ابن ماجة. وقد امتنع النبي ﷺ من صلاة الجنازة على رجل مات وعليه ديناران. رواه أحمد. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي هذا الحديث إشعار بصعوبة أمرِ الدَّين، وأنه لا ينبغي تحمله إلا من ضرورة. • فالمدين له حالات: الحالة الأولى: إذا أخذ الدين بنية عدم الوفاء. فإنه آثم سواء مات ولم يوفه أو أعسر في حياته، فإنه يؤاخذ يوم القيامة. لأنه غير معذور بالاستدانة، ولأنه قصد استهلاك مال المسلم بغير وجه حق، وهذا من أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال الله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ … ). ومما يدل على ذلك أيضاً: أ-حديث أَبي هُرِيْرَةَ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قال (مَنْ كَانتْ عِنْدَه مَظْلمَةٌ لأَخِيهِ، مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ، فَلْيتَحَلَّلْه مِنْه الْيوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يكُونَ دِينَارٌ ولا دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ لَهُ عَملٌ صَالحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقدْرِ مظْلمتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سيِّئَاتِ صاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) رواه البخاري

стр. 2109

ب-وعنه. قال: قال ﷺ (أتدْرُون من الْمُفْلِسُ؟ قالُوا: الْمُفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ. فقال: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقيامةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وزَكَاةٍ، ويأْتِي وقَدْ شَتَمَ هذا، وقذَف هذَا وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسفَكَ دَم هذَا، وَضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذَا مِنْ حسَنَاتِهِ، وهَذا مِن حسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حسناته قَبْلَ أَنْ يقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرحَتْ علَيْه، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ). رواه مسلم ج-وعن أَبِي هريرة ﵁ أَن رسولَ اللَّه ﷺ قال (لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقيامَةِ حَتَّى يُقَادَ للشَّاةِ الْجَلْحَاء مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاء). رواه مسلم فهذه الأحاديث تبين عظمة حقوق الغير، سواء كانت في النفس، أو في العرض، أو في المال، وأن من ظلم مسلماً في شيء منها فإنه مؤاخذ به يوم القيامة، وأن الله يقتص منه لخصمه، وأن هذا الأمر سبب عظيم لدخول النار كما نصت عليه الأحاديث. الحالة الثانية: إذا الدين في مباح وبنيته الوفاء. فإن مات قبل الوفاء من غير تقصير منه، فإن الله يقضي عنه دينه يوم القيامة، فيعوض دائنيه فضلاً منه وتكرماً، وأما المدين فلا مؤاخذة عليه لعدم تقصيره أو تفريطه. قال ابن حجر: من مات قبل الوفاء بغير تقصير منه كأن يُعسر مثلاً … وكانت بنيته وفاء دينه، ولم يوفَ عنه في الدنيا، .... الظاهر أنه لا تبِعة عليه والحالة هذه في الآخرة، بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين، كما دل عليه حديث الباب.

стр. 2110

- وينبغي على الإنسان أن يحذر من التساهل بالدين من غير حاجة. أ- عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول (لا تُخيفوا أنفسكم بعد أمنه) قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: الديْن). رواه أحمد ب- وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟! فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ [أي: استدان] حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) رواه البخاري ومسلم. ج- وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ ﵁ قَالَ: (كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا نُزِّلَ مِنَ التَّشْدِيدِ؟ فَسَكَتْنَا وَفَزِعْنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ سَأَلْتُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نُزِّلَ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَنَّ رَجُلا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ) حسنه الألباني. د- وعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ: الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) رواه الترمذي. هـ- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) رواه الترمذي. (كل شيء يصح بيعه يصح قرضه إلا بني آدم). فيصح قرض الحيوانات، والأواني، والكتب، والطاولات. والكلب لا يصح قرضه، لأنه لا يصح بيعه. - قوله (إلا بني آدم) أي الأرقاء، قالوا: لئلا يؤدي إلى أن يستقرض أمَة فيجامعها.

стр. 2111

فائدة: اختلف العلماء في حكم قرض المنافع؟ مثال: كأن يقول: احصد عندي هذا اليوم وأحصد عندك غداً، أو أن ينسخ له كتاباً على أن ينسخ له كتاباً آخر مثله. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجوز قرض المنافع. وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة. أ- قالوا: إن من صحة القرض أن يكون معلوم القدر حتى يمكن رد بدله، والمنافع يصعب تقديرها، فلا تتحقق المماثلة الواجبة. ب- لأنه يكون من قبيل القرض الذي جر نفعاَ، وهو محرم. ج- أنه غير معهود في العادة والعرف. القول الثاني: أنه يجوز. وهو مذهب المالكية، واختاره ابن تيمية. أ- أن القرض عقد إرفاق وقربة، ويتسامح فيه ما لا يتسامح في غيره من عقود المعاوضات. ب- أن الأصل في المعاملات الإباحة، وإذا قيل هذا في باب المعاوضات فباب الإرفاق والتبرع أولى بذلك وأحرى. والله أعلم بالراجح.

стр. 2112

(ويملك ويلزم بالقبض، فلا يملك المقرِض استرجاعه). أي: المقرَض. فإذا قبضه المستقرض ملكه، يجوز بيعه، ويجوز أن يؤجره، ويتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم. فلا يجوز للمقرض حق الرجوع، لأنه دخل في ملك المقترض. (وإن أجّله لم يتأجل). أي: إن بدل القرض يثبت حالاً في ذمة المقترض، وله مطالبته به في الحال مطلقاً، فلا يتأجل ولو أجله المقرض. وهذا قول جمهور العلماء، من الحنفية، والشافعية، والحنابلة. أ- لقوله تعالى (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ). قالوا: نفي السبيل عنهم على وجه نصوصية الاستغراق، فلو لزم تحقق سبيل عليه. ب- أن القرض من عقود التبرعات، فهو صلة في الابتداء، فلو لزم لكان سبباً في الخروج عن باب الإرفاق. ج- القياس على العارية في عدم لزومها. وذهب بعض العلماء: إلى صحة التأجيل ولزومه. وهذا قول مالك، والليث بن سعد، وهو قول بعض الصحابة والتابعين وأتباعهم، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم. أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وبقية النصوص الواردة في وجوب الوفاء بالعهد والوعد ب- ولقوله ﷺ (المسلمون على شروطهم) رواه الترمذي. ج-ولأن المطالبة به وهو مؤجل إخلاف للوعد، وقد قال ﷺ (آية المنافق ثلاث: .. وإذا وعد أخلف). متفق عليه، فالوعد يجب الوفاء به.

стр. 2113

د- القياس على سائر الدين، حيث لا يحق لصاحب الحق تعجيلها قبل أجلها، كثمن المبيع المؤجل (باتفاق) والأجرة المؤجلة. هـ-ما ثبت عن ابن عمر (أنه سئل عن القرض إلى أجل، فقال: لا بأس به، قال: وإن أعطى أفضل من دراهمه ما لم يشترط) أخرجه البخاري تعليقاً. و- أن الأصل في الديون جواز التأجيل، لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ) وإخراج القرض من ذلك يحتاج إلى دليل، لأنه ديْن من الديون. وهذا القول هو الراجح، وقد نصره الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين. - والجواب عن قول أصحاب القول الأول: أن القرض من عقود التبرعات؟ أن تأجيل القرض لا ينافي موضوع التبرعات، إذ القرض إحسان، وتأجيله إحسان آخر، وكون المقرِض ملزماً بالكف عن المطالبة حتى ينتهي الأجل، لا ينافي كونه متبرعاً، إذ هو ألزم نفسه برضاه مع علمه بأن النفع للمقترض. (ويُرد المثل في المثليات والقيمة في غيرهها). أي: إذا أراد المستقرض الوفاء، فالواجب أن يرد المثل في المثليات، والقيمة في غير المثليات. - الراجح أن المثلي: كل ما كان له مثيل مقارب. (ويحرم كل شرط يجرُّ نفعاً). أي: إذا شرط المقرض زيادة أو منفعة فإنه حرام. قال ابن عبد البر: وكل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلّف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك.

стр. 2114

وقال ابن قدامة: وكل قرض شرط فيه أن يزيده، فهو حرام بغير خلاف. وقال القرطبي: أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف. وقال ابن تيمية: وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراماً. وقال الشوكاني: وأما إذا كانت الزيادة مشروطة فتحرم اتفاقاً. لأن القرض عقد إرفاق وهو قربة، فإذا أخذ عليه الزيادة لم يكن إرفاقاً ولا قربة، بل يكون بيعاً ورباً صريحاً. - والمنفعة قد تكون بدنية، أو مالية، أو عين. مثال البدنية: أن يقول أقرضتك ألف ريال بشرط أن تشتغل عندي يوماً واحداً. مثال المالية: أقرضتك ألف ريال بشرط أن تعطيني ساعتك مثال عين: أقرضتك ألف ريال بشرط أن أسكن بيتك يوم واحد. - وقد ورد في ذلك حديث لكنه لا يصح (كل قرض جر منفعة فهو ربا). وقد ورد هذا مرفوعاً إلى النبي ﷺ رواه الحارث بن أبي أسامة، لكنه لا يصح، قال ابن حجر: وإسناده ساقط.

стр. 2115

(وإذا كانت الزيادة غير مشروطة فلا بأس). ويدل لذلك: عَنْ أَبِي رَافِعٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنَ اَلصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ اَلرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَالَ: لَا أَجِدُ إِلَّا خَيَارًا، قَالَ: " أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خِيَارَ اَلنَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (خياراً رباعياً) الرباعي ما دخل في السنة السابعة، لأنها زمن ظهور رباعيته. فالحديث دليل على جواز الزيادة بالوفاء بما هو أفضل من الشيء المقترض، وأن ذلك من حسن القضاء. قال النووي: وَفِيهَ: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْن مِنْ قَرْض وَغَيْره أَنْ يَرُدّ أَجْوَد مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ السُّنَّة وَمَكَارِم الْأَخْلَاق، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَرْض جَرَّ مَنْفَعَة فَإِنَّهُ مَنْهِيّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ مَا كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْد الْقَرْض، وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الزِّيَادَة فِي الْأَدَاء عَمَّا عَلَيْهِ. وَيَجُوز لِلْمُقْرِضِ أَخْذهَا سَوَاء زَادَ فِي الصِّفَة أَوْ فِي الْعَدَد بِأَنْ أَقْرَضَهُ عَشَرَة فَأَعْطَاهُ أَحَد عَشَر، وَمَذْهَب مَالِك: أَنَّ الزِّيَادَة فِي الْعَدَد مَنْهِيّ عَنْهَا، وَحُجَّة أَصْحَابنَا عُمُوم قَوْله ﷺ (خَيْركُمْ أَحْسَنكُمْ قَضَاء). (نووي). فالزيادة في القرض على نوعين: الأول: أن تكون مشترطة في أصل العقد، وهذا ربا بالإجماع. الثاني: أن تكون الزيادة غير مشروطة في أصل العقد، وإنما بذلها المقترض من باب حسن الأداء، فهذا مستحب ومن مكارم الأخلاق، كما في حديث أبي رافع.

стр. 2116

فائدة: ١ وتجوز الزيادة مطلقاً سواء كانت الزيادة في القدر، أو كانت الزيادة في الصفة. وهذا قول جماهير العلماء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة. أ- لحديث أبي رافع السابق (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنَ اَلصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ اَلرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَالَ: لَا أَجِدُ إِلَّا خَيَارًا، قَالَ: " أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خِيَارَ اَلنَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً). ب- ب-عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: (صَلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي) متفق عليه. وجه الدلالة من الحديثين: أن حديث أبي رافع دل على جواز الزيادة في الصفة، وحديث جابر دل على جواز الزيادة في العدد، وكلاهما تطبيق عملي لقوله ﷺ : إن خيار الناس أحسنهم قضاء. فائدة: ٢ اختلف العلماء: ما الحكم لو اشترط الوفاء بالأقل على قولين: القول الأول: لا يجوز اشتراط الوفاء بالأقل. وهذا مذهب الحنابلة، واختاره ابن حزم. أ- أن مقتضى القرض رد المثل، فإذا شرط النقصان عما أقرضه فقد شرط ما ينافي مقتضاه فلم يجز. ب- القياس على اشتراط الزيادة. القول الثاني: يجوز اشتراط الوفاء بالأقل. لأن القرض شرع رفقاً بالمقترض، واشتراط الوفاء بالأقل منفعة للمقترض، ونفع المقترض لا يمنع منه. وهذا الصحيح.

стр. 2117

فائدة: ٣ اختلف العلماء: في حكم القرض إذا كان من المعلوم عن المقترض أنه يزيد في الوفاء؟ كره بعض الفقهاء ذلك. وهذا قول الحنفية. قالوا: إن المقرض إذا أقرض للمعروف بحسن القضاء، فإنه إنما فعل ذلك لأنه يطمع في حسن عادته. والصحيح عدم الكراهة، ورجحه ابن قدامة. قال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْقَضَاءِ، لَمْ يُكْرَهْ إقْرَاضُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَطْمَعُ فِي حُسْنِ عَادَتِهِ. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْقَضَاءِ، فَهَلْ يَسُوغُ لَأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ إقْرَاضَهُ مَكْرُوهٌ، وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِحُسْنِ الْقَضَاءِ خَيْرُ النَّاسِ وَأَفْضَلُهُمْ، وَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهِ، وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمَشْرُوطَةِ. (المغني). فائدة: ٤ حكم إذا أقرضه واشترط عليه الوفاء في بلد آخر؟ هذه المسألة لها صور: الصورة الأولى: تمحض المنفعة للمقرض، حيث يكون غاية المقرض من اشتراط الوفاء في بلد غير بلد القرض نفع نفسه فقط، ليستفيد به سقوط خطر الطريق، الذي قد يتعرض له ماله، كما ينتفع المقرض - أيضاً - بإسقاء كراء الحمل فيما يحتاج حمله إلى مؤنة لنقله من بلد إلى آخر.

стр. 2118

ففي هذه الحالة لا يجوز اشتراط الوفا في غير بلد القرض، وهذا بالإجماع. لأن كل قرض جر نفعاً فهو ربا. الصورة الثانية: تمحض المنفعة للمقترض، حيث يكون غاية المقرض من اشتراط الوفاء في غير بلد القرض نفع المقترض فقط. وفي هذه الحالة: يجوز اشتراط الوفاء في غير بلد القرض، لأن هذا إرفاق مع إرفاق. الصورة الثالثة: أن يكون اشتراط الوفاء في غير بلد القرض لمنفعة المقرض والمقترض معاً. وهذه محل خلاف بين العلماء: فقيل: يكره. وقيل: يحرم. وقيل: يجوز، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم. وقيل: لا يجوز اشتراط الوفاء في غير بلد القرض إذا كان لحمل مال الوفاء مؤنة، ويجوز اشتراط الوفاء في غير بلد القرض إذا لم يكن لحمل الوفاء مؤنة. واختاره ابن قدامة. فائدة: ٥ ما حكم قرض الحيوان؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: وجمهور العلماء على جواز ذلك، لحديث أبي رافع السابق. قال الشوكاني: وفي الحديث جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور.

стр. 2119

(وإن أعطاه هدية بعد القرض جاز). أي: إن أهدى المقترض هدية للمقرض فإن كانت بعد الوفاء فجائز. وإن كانت قبل الوفاء فلا يجوز إلا أن تكون قد جرت العادة بينهما بمثل هذا، فكان بينهما تهاد قبل الاستقراض، لأن جريان العادة بذلك بينهما قرينة ظاهرة على أنه لم يرد مجازاته على قرضه. وعلى هذا، فلا يجوز للمقترض أن يعد المقرض بأن يعطيه هدية عند الوفاء، وله أن يعطيه ذلك إذا كان بدون اتفاق سابق. أما إذا كان هذا الشخص لم تجر العادة بأن يهدي لك فلا يجوز لك قبولها لأنها قد تكون بسبب القرض، فإذا قبلتها تكون قد وقعت في الربا لأن القاعدة في القرض أن "كل قرض جَرَّ نفعاً فهو ربا" وهذا القرض قد جر لك نفعاً. وأيضاً: لأنه قد يكون دفعها إليك حتى تؤجل مطالبته بالدَّيْن، وهذا أيضاً من الربا. وقد دل على ذلك ما رواه ابن ماجه عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأَهْدَى لَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلا يَرْكَبْهَا وَلا يَقْبَلْهُ، إِلا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ). حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ورد هذا المعنى عن جماعة من الصحابة، قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٣/ ١٣٦): "وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ (يعني الصحابة) كَأُبَيّ بن كعب وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ نَهَوْا الْمُقْرِضَ عَنْ قَبُولِ هَدِيَّةِ الْمُقْتَرِضِ، وَجَعَلُوا قَبُولَهَا رِباً.

стр. 2120

فائدة: ١ جمعية الموظفين: صورتها: أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال مساوياً لما يدفعه الآخرون وذلك عند نهاية كل شهر أو عند نهاية كل ستة أشهر أو نحو ذلك، ثم يدفع المبلغ كله في الشهر الأول لواحد منهم، وفي الشهر الثاني يدفع المبلغ لآخر، وهكذا حتى يستلم كل واحد منهم مثل ما تسلمه من قبله سواء بسواء. حكمها: اختلف العلماء في حكم هذه الجمعية على قولين: فذهب غالب هيئة كبار العلماء إلى جوازها وفي مقدمتهم الشيخ ابن باز ﵀ والشيخ ابن عثيمين ﵀. لأن الأصل في العقود الحل، فكل عقد لم يرد دليل شرعي يدل على تحريمه فهو جائز. أن في هذه المعاملة تعاوناً على البر والتقوى، فهي طريق لسد حاجة المحتاجين، وإعانة لهم على البعد عن المعاملات المحرمة كالربا أو التحايل عليه ببيع العينة. وذهب بعض العلماء المعاصرين إلى تحريمها.

стр. 2121

فائدة: ٢ ما يسن للمدين تجاه المقرض؟ أولاً: حسن القضاء. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً - فَقَالَ لَهُمُ - اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ». فَقَالُوا إِنَّا لَا نَجِدُ إِلاَّ سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ. قَالَ «فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ - أَوْ خَيْرَكُمْ - أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) متفق عليه. عَنْ أَبِى رَافِعٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْراً فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِىَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَاراً رَبَاعِياً. فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً) متفق عليه. ثانياً: أخذ الدين بنية الوفاء. لحديث أبي هريرة -وفد تقدم- (من أخذ أموال الناس يريد أداها أدى الله عنه). ولحديث ميمونة -وقد تقدم- (من أخذ ديْناً وهو يريد أن يؤديَه أعانه الله رواه النسائي. ثالثاً: الدعاء للدائن والثناء عليه. أ-عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْهُ حِينَ غَزَا حُنَيْنًا ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا قَدِمَ قَضَاهَا إِيَّاهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ) رواه النسائي وابن ماجه. ب-عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسُولُ اللهِ ﷺ (مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ، فَأعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللهِ، فأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ، فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تُكَافِئُونَهُ بِهِ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَد كَافَأْتُمُوه). حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي

стр. 2122

فائدة: ٣ ماذا يستحب للدائن؟ أولاً: يستحب له السماحة في طلب الدين. لحديث جابر. قال: قال ﷺ (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) رواه البخاري. ولفظ الترمذي (غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى) زاد أحمد (سهلاً إذا قضى). قوله (سمحاً) قال ابن حجر: أي سهلاً، وهي صفة مشبهة تدل على الثبوت، فلذلك كرر أحوال البيع والشراء والتقاضي، والسمح الجواد، يقال: سمح بكذا أي: إذا أجاد، والمراد هنا المساهلة. (وإذا اقتضى) أي: طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف. ثانياً: إنظاره إذا كان معسراً. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً فَتَجَاوَزْ عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا. فَلَقِىَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْه) متفق عليه. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيماً لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ فَقَالَ إِنِّى مُعْسِرٌ. فَقَالَ آللَّهِ قَالَ آللَّهِ. قَالَ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ) رواه مسلم. وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أظَلَّهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَومَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ) رواه الترمذي. وعن أبي اليسر. قال: قال ﷺ (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ) رواه مسلم. ثالثاً: الوضع عنه. للحديث السابق (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ). ولحديث أبي قتادة السابق (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ). (أنظر معسراً) أي: أمهله في قضاء الدين. (وضع عنه) أي تجاوز عن الدين أو بعضه.

стр. 2123

باب الرهن تعريفه: لعة: يطلق على معان منها الحبس، كما في قوله تعالى (كل نفس بما كسبت رهينة) أي: محبوسة بعمله. ويطلق على الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن، أي: دائم. • أركان الرهن: الراهن: وهو الذي أعطى الرهن (الذي عليه الدين). المرتهن: وهو الذي أخذ الرهن توثقة لدينه. الرهن: وهي العين المرهونة بينهما. (وهو توثقةُ دينٍ بعين). هذا تعريف الرهن اصطلاحاً: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها. مثال: في ذمتي لزيد (١٠٠) درهم فأرهنته مسجل. فإذا كان الرهن أكثر من الدين فإنه يمكن استيفاء الدين من بعضها. وإذا الدين أكثر من العين المرهونة فإنه يمكن استيفاء بعضه منها. وإذا كان الدين بقدر العين فإنه يمكن استيفاؤه كله منها. الحكمة منه: توثقة الدين، فكما أن الدين يوثق بالشهود طمأنينة لقلب الدائن حفاظاً لحقه فكذلك يوثق بالرهن.

стр. 2124

(وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع). أي: أن الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة). وعن عائشة. (أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعاً من حديد) متفق عليه. وقال ابن قدامة: أجمع المسلمون على جواز الرهن. فائدة: جماهير العلماء على جواز الرهن في الحضر كما يشرع في السفر. لفعل الرسول ﷺ له وهو مقيم بالمدينة، وأما تقيده بالسفر في الآية فإنه خرج مخرج الغالب، لأن الرهن غالباً يكون في السفر. قال ابن حجر ﵀ في قول البخاري في التبويب للحديث (في الحضر). فيه إشارة إلى أن التقييد بالسفر في الآية خرج للغالب، فلا مفهوم له، لدلالة الحديث على مشروعيته في الحضر، وهو قول الجمهور. واحتجوا له من حيث المعنى بأن الرهن شرع توثقة على الدين لقوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) فإنه يشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق، وإنما قيده بالسفر لأنه مظنة فقد الكاتب فأخرجه مخرج الغالب. وخالف في ذلك مجاهد والضحاك فيما نقله الطبري عنهما فقالا: لا يشرع إلا في السفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر.

стр. 2125

(وكل ما جاز بيعه جاز رهنه). أي: يصح الرهن في كل ما يجوز بيعه، كالكتب، والسيارات، والدور، والعقارات، والثياب وغيرها. فإن كان لا يجوز بيعه - كالكلب، والوقف، والخمر، والمجهول - فإنه لا يصح رهنه. العلة: لأن الرهن إذا كان مما لا يصح بيعه - كالخمر، والكلب والوقف - فإنه لا يمكن الاستيفاء منه إذا تعذر السداد. فلو قال له: أقرضك على أن ترهنني كلبك، فهذا لا يصح، لأن الكلب لا يجوز بيعه. فائدة: لا يصح رهن المجهول، وكذلك لا يصح رهن الوثائق الرسمية كبطاقة الأحوال، وجواز السفر ونحوهما، لأن هذه الوثائق الرسمية لا يمكن بيعها عند تعذر استيفاء الديْن. (ويلزم في حق الراهن فقط). أي: أن الرهن عقد لازم من وجه، وجائز من وجه آخر. فهو لازم في حق الراهن، جائز في حق المرتهن. فليس للراهن الفسخ إلا برضى المرتهن. (ولا يَلزم الرهن إلا بالقبض). أي: أن الرهن لا يكون لازماً في حق الراهن إلا إذا حصل من المرتهن قبض الرهن، أما قبل القبض فلا يكون لازماً بمجرد العقد. وهذا مذهب جماهير العلماء: أن الرهن لا يلزم إلا القبض، فلا يلزم بمجرد العقد.

стр. 2126

مثال قلت لشخص: بعتك سيارتي بشرط أن ترهنني هذه الساعة، قال: قبلت (ولم يقبض المرتهن الساعة). وعلى هذا القول: فإن للراهن أن يتصرف بالرهن (وهو الساعة كما في المثال السابق) بيعاً أو هبة لأنه لم يقبضه. واستدلوا: أ- بقوله تعالى (فرهان مقبوضة). وعلى هذا الرهان التي لم تقبض لا أثر لها ولا تنفع. ب- وبحديث (الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً … ) فالحديث ظاهر في صورة ما إذا قبض المرتهن الرهن. وقالوا: إن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي أقبضه إياه، فالرسول ﷺ أقبض اليهودي الدرع، ولو لم يكن القبض شرطاً لما أقبضه إياه. وذهب بعض العلماء: إلى أن القبض ليس شرطاً للزوم، بل يلزم الرهن بمجرد عقد الرهن. وعلى هذا القول فلا يجوز للراهن أن يتصرف فيه، ولو تصرف فيه فإن تصرفه غير صحيح. وهذا مذهب المالكية، وهو اختيار ابن تيمية ﵀. أ-لعموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وعقد الرهن تام بالاتفاق فيجب الوفاء به. ب-ولقوله تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً). والعقد عهد وقد تعاقدا على الرهن فيجب الوفاء به. ج- ولحديث (المسلمون على شروطهم) وجه الاستدلال: أنه لما شرط عليه الرهن وقَبِل هذا الرهن فإنه يجب العمل بمقتضاه، ومقتضاه عدم التصرف فيه بغير إذن المرتهن. د- ولقوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) وهذا دليل على أنه إذا حصل الائتمان لم يلزم القبض اكتفاء بالائتمان عليه، ولهذا أكد الله تعالى على المؤتمن أن يؤدي أمانته حيث أمره بالأداء وبتقوى الله. فهذا المرتهن الذي شرط الرهن وتركه عند الراهن قد ائتمنه عليه وتركه عنده، وإذا كان قد ائتمنه عليه فإنه يجب الوفاء بما يقتضيه الرهن وهو أن يبقى عنده أمانة.

стр. 2127

وقالوا: إن القول باشتراط القبض يؤدي إلى الخصومة والنزاع وفتح باب التحايل، لأن هذا الشخص إذا عقد العقد وعلم أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض فإنه سيعقد هذا العقد ويتحايل في تأخير قبض الرهن ثم بعد ذلك يتصرف فيه ببيع أو غيره، فينشأ عن ذلك النزاع والخصومة. وهذا القول هو الراجح. وأما الجواب عن الآية (فرهان مقبوضة .. ): فقالوا: إن الله لم يذكر في الآية القبض على وجه الإطلاق، وإنما ذكره في حال معين وهو السفر، فهنا لا يمكن التوثقة إلا برهن مقبوضة، لأنك إذا لم تقبض الرهن وليس بينكما مكاتبة صار ذلك عرضة بأن يجحدك الراهن، ومما يدل على ذلك بقية الآية (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أؤتمن أمانته) فهذا يدل على أنه إذا حصل الإئتمان بيننا فإننا يجب أن نعتمد على أداء الأمانة سواء حصل القبض أم لم يحصل، وإلا لكانت هذه الجملة لا معنى لها. (ولا ينفذ تصرف واحد منهما فيه بغير إذن الآخر). هذا حكم التصرف في العين المرهونة حال الرهن، سواء ببيع أو بهبة أو بغيرها. فلا يجوز للمرتهن وللراهن التصرف في الرهن. أما المرتهن: فلأنه ليس بمالك ولا قائماً مقام المالك. مثال: أخذت منك مائة درهم وأعطيتك هذا المسجل رهن، المسجل الآن بيد المرتهن، المرتهن لا يملك أن يبيع المسجل لأنه ليس ملكاً له ولا قائماً مقام الملك. وأما الراهن: لتعلق حق المرتهن به، فتصرفه فيه يستلزم إبطال حق المرتهن.

стр. 2128

(إلا عتق الراهن فإنه يصح مع الإثم وتؤخذ قيمتُه رهناً مكانه). أي: إلا عتق الراهن، فإنه يجوز، وتؤخذ قيمته رهناً مكانه. فإذا كان العبد الذي أرهنه قيمته عشرة آلاف وأعتقه، فإنه يلزمه أن يجعل عشرة آلاف رهناً مكان هذا العبد. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز ولا ينفذ تصرفه. لأن في تنفيذه إسقاطاً لحق المرتهن. ولأن هذا عمل غير مأذون به شرعاً. قال ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). وهذا القول هو الصحيح. (وهو أمانةٌ في يدِ المرتهن). أي: الرهن أمانة في يد المرتهن، لأنه حصل في يده بإذن مالكه. وقد تقدم تعريف الأمين (وهو كل من قبض المال بإذن من الشارع أو بأذن مالكه) وإذا كان كذلك، فإن المرتهن لا يضمنه إذا تلف إلا إذا تعدى أو فرط. • التعدي: أن يفعل ما لا يجوز، والتفريط: أن يترك ما يجب. مثال: إنسان أخذ السيارة رهناً، لكن قدر أنها سرقت، فلا يضمنها لأنه لم يتعد ولم يفرط. مثال آخر: إنسان أخذ كتاباً رهناً، ووضع الكتاب في مكان آمن مع كتبه، لكن هذا الكتاب سرق، فإنه لا يضمن لأنه لم يتعد ولم يفرط. - فإن فرط أو تعدى فإنه يضمن. مثال: أخذ كتاباً رهناً ووضعه في الحوض، فجاء المطر فأتلفه، فهنا يضمن الكتاب لأنه مفرط. مثال آخر: أخذ السيارة رهناً، فاستعملها ففعل حادثاً فيها، فإنه يضمن، لأنه تعدى، لأن هذه السيارة أمانة عنده، والأمانة صفتها لا تستعملها ولا تقصر في حفظها. • قاعدة (كل من قبض مال غيره بإذن من الغير أو من الشارع فهو أمانة عنده فلا يضمن إلا بتعد أو تفريط)

стр. 2129

(وإن شرط إن جاءه بحقه في وقت كذا، وإلا فالرهن له، لم يصح الشرط). اختلف العلماء: لو قال صاحب الرهن للمرتهن إذا حل الأجل ولم أوفك فالرهن لك ووافق على ذلك المرتهن، فهل يجوز أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يجوز. وهذا قول جماهير العلماء. قال ابن قدامة: وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ مَتَى حَلَّ الْحَقُّ وَلَمْ يُوَفِّنِي فَالرَّهْنُ لِي بِالدَّيْنِ أَوْ: فَهُوَ مَبِيعٌ لِي بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك، فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ. (المغني) لحديث أبي هريرة. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَغْلَقُ اَلرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ اَلَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ). رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ القول الثاني: أنه يجوز. وهذا اختيار ابن القيم. أ-لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). ب- ولحديث (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حل حراماً أو حرم حلالاً). ويرى ابن القيم ﵀ أن الحديث جاء لإبطال عادة كانت في الجاهلية، وهي أن المرتهن يأخذ الرهن إذا حل الأجل ولم يؤد الراهن الدين من غير رضا الرهن ولا اشتراط ذلك عليه في عقد الرهن. قال ﵀ في أعلام الموقعين: إذا رهنه رهناً بدين وقال: إن وفيتك الدين إلى كذا وكذا وإلا فالرهن لك بما عليه صح ذلك، وفعله الامام أحمد، وقال أصحابنا: لا يصح، وهو المشهور من مذاهب الائمة الثلاثة، واحتجوا بقوله (لا يغلق الرهن).

стр. 2130

ولا حجة لهم فيه، فإن هذا كان موجبه في الجاهلية، أن المرتهن يتملك الرهن بغير إذن المالك إذا لم يوفه، فهذا هو غلق الرهن الذي أبطله النبي ﷺ ، وأما بيعه للمرتهن بما عليه عند الحلول فلم يبطله كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، ولا مفسدة ظاهرة، وغاية ما فيه أنه بيع علق على شرط، ونعم فكان ماذا؟ وقد تدعو الحاجة والمصلحة إلى هذا من المرتهنين، ولا يحرم عليهما ما لم يحرمه الله ورسوله، ولا ريب أن هذا خير للراهن والمرتهن من تكليفه الرفع إلى الحاكم وإثباته الرهن، واستئذانه في بيعه والتعب الطويل الذي لا مصلحة فيه سوى الخسارة والمشقة، فإذا اتفقا على أنه بالدين عند الحلول كان أصلح لهما وأنفع وأبعد من الضرر والمشقة والخسارة. (ولا ينتفع بشيء منه، إلا ما كان مركوباً أو محلوباً، فيركب ويحلب بقدر العلف). أي: إذا كان الرهن حيواناً يحتاج إلى مؤنة فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر علفه ولو لم يأذن له المالك، لأنه مأذون فيه شرعاً. كأن يكون الرهن دابة (بعيراً) واحتاج المرتهن إلى الركوب، فإنه يركبه ولو لم يستأذن من الراهن. لأن الشارع هو الذي أذن له، لأن الشارع جعل الانتفاع مقابل النفقة. لحديث أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ اَلدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى اَلَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ اَلنَّفَقَةُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. (اَلظَّهْرُ) المراد به الحيوان المعد للركوب. (بِنَفَقَتِهِ) أي: مقابل نفقته. وجه الدلالة: أن الحديث جعل المنفعة بدلاً وعوضاً عن النفقة، ومعلوم أن الراهن يستحق المنافع بملك الرقبة، لا بالنفقة، مما يدل على أن المراد المرتهن. وهذا مذهب الحنابلة.

стр. 2131

وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمركوب، أو المحلوب إذا لم يأذن له الراهن. وإلى هذا ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية. أ- لحديث أبي هريرةَ. قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَغْلَقُ اَلرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ اَلَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِم. وجه الدلالة: أن الحديث جعل الغنم للراهن، ولا شك أن منافع الرهن من غنمه، والحديث لم يفرق بين مركوب أو محلوب. ب-إن الرهن لم يخرج المرهون من ملك الراهن، والراهن لم يأذن للمرتهن بالانتفاع، فالمرتهن كالأجنبي، والرهن كالوديعة. فائدة: ١ أجاب الجمهور عن حديث أبي هريرة (الظهر يركب … ) بأجوبة: أولاً: أن هذا الحديث ورد على خلاف القياس من وجهين: أ- التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. ب- تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر (لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه). ثانياً: أن المراد بالحديث: أن الرهن مركوب ومحلوب للمرتهن بإذن الراهن. ثالثاً: إن الحديث مجمل، لم يبيّن من الذي يركب ويشرب، هل هو الراهن أم المرتهن؟

стр. 2132

فائدة: ٢ أجاب أصحاب القول الأول عن هذه الاعتراضات: أما قولهم: إنه على خلاف القياس. فالجواب: بأن السنة الصحيحة من جملة الأدلة والأصول، فلا يجوز ردها بدعوى المخالفة للأصول، وهي لا ترد إلا بمعارض أرجح. وأما قولهم: إن المراد بإذن المالك. فالجواب: أن الحديث مطلق، إذ ليس فيه تعليق بالإذن. وأما قولهم: إن الحديث مجمل لم يبين هل هو الراهن أم المرتهن. فالجواب: إن الذي يركب ويشرب هو المرتهن لأمرين: الأول: أن الحديث يجعل الركب واللبن بدل النفقة، فإذا أنفق المرتهن ركب وشرب. الثاني: أنه قد ورد في رواية هشيم عن زكريا بلفظ (إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها … ). والقول الأول هو الراجح. • الخلاصة: نقول: إن أحوال انتفاع المرتهِن بالرهن له أحوال: الأولى: ما لا يحتاج إلى مؤنة كالدار والمتاع ونحوه، فهذا لا يجوز الانتفاع به بغير إذن الراهن. قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافاً. الثانية: إذا كان مركوباً أو محلوباً، فإنه يجوز للمرتهن الانتفاع إذا قام بنفقته ولو لم يأذن المالك، ويكون الانتفاع بقدر النفقة. وهذا مذهب الحنابلة كما تقدم.

стр. 2133

(فإذا حل الدينُ فامتنع الراهن من الوفاء أجبرَه الحاكم). أي: إذا حلّ الديْن ألْزِم الراهن بالإيفاء، فإذا وفىّ دينه انفسخ الرهن وعاد إلى صاحبه. فإن امتنع من الوفاء والسداد فلا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن يكون الراهن قد أذن للمرتهن بالبيع، فإنه يبيعها. الحالة الثانية: أن لا يأذن للمرتهن بالبيع، ولا يبيع هو بنفسه العين المرهونة، فهنا يجبره الحاكم على السداد، أو البيع للعين المرهونة والسداد منها. الحالة الثالثة: أن يمتنع بعد كل هذا، فإن الحاكم يتدخل ويبيع الرهن ويوفي الدين من قيمته.

стр. 2134

باب الضمان تعريف الضمان: لغة: مشتق من الضمن، ضمن الشيء ضمناً. وشرعاً: التزام الإنسان نفسه ما وجب أو ما قد يجب على غيره. مثال ما وجب: أن ترى شخصاً ممسكاً بشخص يريد أن يحاكمه ويدفعه إلى ولاة الأمور لأنه يطلبه مال، فتأتي أنت وتقول لهذا الطالب أنا ضامن فلان. مثال ما يجب: أن يقول لك شخص إني أريد أن أشتري من فلان سيارة وهو لا يعرفني، فأريدك أن تضمنني في قيمتها. فائدة: ١ أركانه ثلاثة: ضامن، ومضمون عنه، ومضمون له. الضامن: هو المتحمل. (وهو من تبرع بالتزام حق مالي على غيره). المضمون عنه: هو المتحمل عنه. (وهو المدين). المضمون له: المالك له. (وهو البائع). فائدة: ٢ الحكمة من الضمان: مساعدة ومعاونة المحتاج. ولذلك هي بالنسبة للضامن مستحبة، لأنها إحسان، وقد الله تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).

стр. 2135

(وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع). وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الْكَفِيلُ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (الزَّعِيمُ غَارِمٌ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، دِينَارَانِ. قَالَ: هَلْ تَرَكَ لَهُمَا وَفَاءً؟ قَالُوا: لَا، فَتَأَخَّرَ، فَقِيلَ: لَمْ لَا تُصَلِّ عَلَيْهِ؟: فَقَالَ: مَا تَنْفَعُهُ صَلَاتِي وَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ؟ أَلَا إنْ قَامَ أَحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ. فَقَامَ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الضَّمَانِ فِي الْجُمْلَةِ. … (المغني). (لا يصحُّ إلا من جائز التصرف). جائز التصرف: هو البالغ العاقل الحر الرشيد. أي: لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف. لأن الضمان تبرع بالتزام حق مالي فلا يصح إلا ممن يجوز تصرفه في ماله. فقولنا (البالغ) يخرج الصبي، فالصبي لا يصح ضمانه إلا في الأمور اليسيرة عرفاً. وقولنا (العاقل) يخرج المجنون، فالمجنون لا يصح ضمانه. وقولنا (الحر) يخرج الرقيق، فالرقيق لا يصح ضمانه إلا بإذن سيده. وقولنا (الرشيد) يخرج السفيه، فالسفيه لا يصح ضمانه إلا في الأمور اليسيرة، لأن السفيه حكمه حكم الصبي المميز، أما الصبي غير المميز لا يصح ضمانه لا في قليل ولا في كثير.

стр. 2136

(ولربِ الحقِ مُطالبةُ من شاء منهما). رب الحق: الدائن. أي: إذا حل الأجل، فإن لصاحب الحق أن يطالب من شاء منهما، الضامن أو المضمون عنه. وهذا قول الجمهور. أ-قالوا: لأن الحق ثابت في ذمتهما فله مطالبة من شاء منهما. ب-وقد قال النبي ﷺ (الزعيم غارم) والزعيم هو الضمين، والغُرم: أداء شيء يلزمه. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز لصاحب الحق أن يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه. وقوى هذا القول ابن القيم، واختاره الشيخ السعدي ﵀. أ-لأن الضامن محسن وقد قال الله تعالى (ما على المحسنين من سبيل) فليس لنا عليه من سبيل وهو محسن إلا أن يتعذر الحق. ب-ولأن المضمون أصل والضامن فرع، وإذا أمكن الرجوع إلى الأصل فإنه يُستغنى به عن الفرع. ج- ولأنه من المستقبح أن يطالب الضامن بالحق الذي هو على غيره مع القدرة على استيفاء الحق ممن هو عليه. وهذا الراجح

стр. 2137

(ويشترط رضا الضامن). أي: يشترط رضا الضامن. لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضا والرضا شرط في جميع العقود، كما تقدم في شروط البيع. فائدة: ١ أما المضمون عنه (المستقرض)، فلا يشترط رضاه قال ابن قدامة: وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. لِأَنَّهُ لَوْ قُضِيَ الدَّيْنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَرِضَاهُ صَحَّ، فَكَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ عَنْهُ. (المغني). فائدة: ٢ وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ لَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ مَالٍ لِآدَمِي، فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِرِضَاهُ أَوْ رِضَى مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَلَنَا، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ. ﵁ وَلِأَنَّهُمَا وَثِيقَةٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا قَبْضٌ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ، وَلِأَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ، فَأَشْبَهَ ضَمَانَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ دَيْنٍ الْمَيِّتِ لِلْغَائِبِ، وَقَدْ سَلَّمُوهُ. (المغني).

стр. 2138

(فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا عكسه). أي: إذا برئت ذمة المضمون عنه (المدين) بالإيفاء، أو أبراه صاحب الحق، فإن الضامن يبراً. لأنه تبع له، فإذا برأ الأصل برأ الفرع. قال ابن قدامة: إِنْ أَبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ زَالَتْ الْوَثِيقَةُ، كَالرَّهْنِ. (المغني). - قوله (لا عكسه) أي: لا يبرأ المضمون عنه (المدين) ببراءة ضامن. لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع. قال ابن قدامة: وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِإِبْرَاءِ التَّبَعِ؛ وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا، فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْأَصِيلِ، كَالرَّهْنِ إذَا انْفَسَخَ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَائِهِ. … (المغني). فائدة: ١ فإن قيل: متى يبرأ الضامن؟ أولاً: إن قام المضمون عنه بما التزمَ به من حق. (فهنا يبرأ الضامن). ثانياً: بإبراء المضمون له (صاحب الحق) له. كأن يقول التاجر: أبرأتك يا ضامن، واكتفي بصاحب الحق. لأنه أبرأه من الضمان فقط (يعني من الوثيقة) أما الدين فهو متعلق بصاحب الحق. ثالثاً: إذا برئ الأصيل. أي: إذا أبرأ التاجر المضمون عنه (وهو من عليه الحق) فإنه ذمة الضامن تبرأ. لأنه إذا برئت ذمة المضمون عنه لم يبق هناك شيء يضمن، ولأنه إذا برئ الأصل برأ الفرع.

стр. 2139

فائدة: ٢ لا يبرأ الضامن بموت المضمون: لأن الضامن إنما ضمن الحق، والحق لا يموت بموت من عليه الحق. (ويرجع بما أدّى ناوياً للرجوع). أي: إذا استوفى المضمون له (صاحب الحق) من الضامن فإن الضامن يرجع على المضمون عنه إذا نوى. - وقوله (ناوياً) نستفيد أنه إذا لم ينو الضامن حال القضاء لم يرجع. - إذا قضى الضامن الديْن عن المضمون، ففي رجوعه عليه لا يخلو من حالات: الأولى: أن يقضي عنه الدين وهو ينوي التبرع به، فلا يرجع عليه. قال في الإنصاف: بلا نزاع، لأنه متطوع بذلك، أشبه الصدقة. الثانية: أن يقضي عنه الدين بإذنه وينوي الرجوع عليه، فيرجع عليه فيما دفعه. الثالثة: أن يقضي ما عليه بغير إذنه وينوي الرجوع، ففيه خلاف، والراجح أنه يرجع إليه. فائدة: هل يجوز أخذ أجرة على الضمان؟ مثال: ذهبت إلى زيد وقلت له: أريدك أن تضمنني عند فلان؟ فقال زيد: لا مانع عندي، لكن أضمنك بألف ريال. الجواب: لا يجوز أخذ الأجر على الضمان لأمرين: الأمر الأول: أن الضمان من باب الإحسان والمعروف الذي يُبذل ابتغاء وجه الله. الأمر الثاني: أن أخْذ العوض يستلزم أن يربح فيما إذا وفىّ عن المضمون عنه ثم أخذ الحق منه، فيصير كالقرض الذي جر نفعاً.

стр. 2140

باب الكفالة تعريفها: لغة: المراعاة والعناية ومنه قوله تعالى (وكفلها زكريا). وشرعاً: هي التزام جائز التصرف إحضار بدن من عليه الحق. - وعلى هذا فالفرق بين الضمان والكفالة: أن الضمان يتعلق بالأموال، والكفالة تتعلق بالأبدان. مثال: رجل أقرض شخصاً مائة ريال، فجاء رجل فكفل الرجل، فلما حل الأجل جاء الغريم إلى الكفيل وقال: أعطني حقي، فقال الكفيل: خذ هذا المكفول. فائدة: ٢ أركان الكفالة: الكفيل: هو الملتزم بإحضار البدن المكفول: من يُطلب حضور بدنه. المكفول له: صاحب الحق. فائدة: ٢ الفرق بين الضمان والكفالة: أولاً: أن الضمان يتعلق بالدين والكفالة تتعلق بالبدن. ثانياً: أن الكفيل يبرأ بموت المكفول أو تلف العين المكفول بها، والضامن لا يبرأ بموت المضمون. ثالثاً: أن الكفالة تصح مؤقتة ولا يصح الضمان مؤقتاً. رابعاً: أنه يصح ضمان دين الميت دون كفالته.
следующие страницы →