Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
(ولربِ الحقِ مُطالبةُ من شاء منهما).
رب الحق: الدائن.
أي: إذا حل الأجل، فإن لصاحب الحق أن يطالب من شاء منهما، الضامن أو المضمون عنه.
وهذا قول الجمهور.
أ-قالوا: لأن الحق ثابت في ذمتهما فله مطالبة من شاء منهما.
ب-وقد قال النبي ﷺ (الزعيم غارم) والزعيم هو الضمين، والغُرم: أداء شيء يلزمه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز لصاحب الحق أن يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه.
وقوى هذا القول ابن القيم، واختاره الشيخ السعدي ﵀.
أ-لأن الضامن محسن وقد قال الله تعالى (ما على المحسنين من سبيل) فليس لنا عليه من سبيل وهو محسن إلا أن يتعذر الحق.
ب-ولأن المضمون أصل والضامن فرع، وإذا أمكن الرجوع إلى الأصل فإنه يُستغنى به عن الفرع.
ج- ولأنه من المستقبح أن يطالب الضامن بالحق الذي هو على غيره مع القدرة على استيفاء الحق ممن هو عليه.
وهذا الراجح
стр. 2137
(ويشترط رضا الضامن).
أي: يشترط رضا الضامن.
لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضا
والرضا شرط في جميع العقود، كما تقدم في شروط البيع.
فائدة: ١
أما المضمون عنه (المستقرض)، فلا يشترط رضاه
قال ابن قدامة: وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
لِأَنَّهُ لَوْ قُضِيَ الدَّيْنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَرِضَاهُ صَحَّ، فَكَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ عَنْهُ. (المغني).
فائدة: ٢
وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ مَالٍ لِآدَمِي، فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِرِضَاهُ أَوْ رِضَى مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
وَلَنَا، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ.
﵁ وَلِأَنَّهُمَا وَثِيقَةٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا قَبْضٌ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ، وَلِأَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ، فَأَشْبَهَ ضَمَانَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ دَيْنٍ الْمَيِّتِ لِلْغَائِبِ، وَقَدْ سَلَّمُوهُ. (المغني).
стр. 2138
(فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا عكسه).
أي: إذا برئت ذمة المضمون عنه (المدين) بالإيفاء، أو أبراه صاحب الحق، فإن الضامن يبراً.
لأنه تبع له، فإذا برأ الأصل برأ الفرع.
قال ابن قدامة: إِنْ أَبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ زَالَتْ الْوَثِيقَةُ، كَالرَّهْنِ. (المغني).
- قوله (لا عكسه) أي: لا يبرأ المضمون عنه (المدين) ببراءة ضامن.
لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع.
قال ابن قدامة: وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِإِبْرَاءِ التَّبَعِ؛ وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا، فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْأَصِيلِ، كَالرَّهْنِ إذَا انْفَسَخَ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَائِهِ. … (المغني).
فائدة: ١
فإن قيل: متى يبرأ الضامن؟
أولاً: إن قام المضمون عنه بما التزمَ به من حق. (فهنا يبرأ الضامن).
ثانياً: بإبراء المضمون له (صاحب الحق) له.
كأن يقول التاجر: أبرأتك يا ضامن، واكتفي بصاحب الحق.
لأنه أبرأه من الضمان فقط (يعني من الوثيقة) أما الدين فهو متعلق بصاحب الحق.
ثالثاً: إذا برئ الأصيل.
أي: إذا أبرأ التاجر المضمون عنه (وهو من عليه الحق) فإنه ذمة الضامن تبرأ.
لأنه إذا برئت ذمة المضمون عنه لم يبق هناك شيء يضمن، ولأنه إذا برئ الأصل برأ الفرع.
стр. 2139
فائدة: ٢
لا يبرأ الضامن بموت المضمون:
لأن الضامن إنما ضمن الحق، والحق لا يموت بموت من عليه الحق.
(ويرجع بما أدّى ناوياً للرجوع).
أي: إذا استوفى المضمون له (صاحب الحق) من الضامن فإن الضامن يرجع على المضمون عنه إذا نوى.
- وقوله (ناوياً) نستفيد أنه إذا لم ينو الضامن حال القضاء لم يرجع.
- إذا قضى الضامن الديْن عن المضمون، ففي رجوعه عليه لا يخلو من حالات:
الأولى: أن يقضي عنه الدين وهو ينوي التبرع به، فلا يرجع عليه.
قال في الإنصاف: بلا نزاع، لأنه متطوع بذلك، أشبه الصدقة.
الثانية: أن يقضي عنه الدين بإذنه وينوي الرجوع عليه، فيرجع عليه فيما دفعه.
الثالثة: أن يقضي ما عليه بغير إذنه وينوي الرجوع، ففيه خلاف، والراجح أنه يرجع إليه.
فائدة:
هل يجوز أخذ أجرة على الضمان؟
مثال: ذهبت إلى زيد وقلت له: أريدك أن تضمنني عند فلان؟ فقال زيد: لا مانع عندي، لكن أضمنك بألف ريال.
الجواب: لا يجوز أخذ الأجر على الضمان لأمرين:
الأمر الأول: أن الضمان من باب الإحسان والمعروف الذي يُبذل ابتغاء وجه الله.
الأمر الثاني: أن أخْذ العوض يستلزم أن يربح فيما إذا وفىّ عن المضمون عنه ثم أخذ الحق منه، فيصير كالقرض الذي جر نفعاً.
стр. 2140
باب الكفالة
تعريفها:
لغة: المراعاة والعناية ومنه قوله تعالى (وكفلها زكريا).
وشرعاً: هي التزام جائز التصرف إحضار بدن من عليه الحق.
- وعلى هذا فالفرق بين الضمان والكفالة: أن الضمان يتعلق بالأموال، والكفالة تتعلق بالأبدان.
مثال: رجل أقرض شخصاً مائة ريال، فجاء رجل فكفل الرجل، فلما حل الأجل جاء الغريم إلى الكفيل وقال: أعطني حقي، فقال الكفيل: خذ هذا المكفول.
فائدة: ٢
أركان الكفالة:
الكفيل: هو الملتزم بإحضار البدن
المكفول: من يُطلب حضور بدنه.
المكفول له: صاحب الحق.
فائدة: ٢
الفرق بين الضمان والكفالة:
أولاً: أن الضمان يتعلق بالدين والكفالة تتعلق بالبدن.
ثانياً: أن الكفيل يبرأ بموت المكفول أو تلف العين المكفول بها، والضامن لا يبرأ بموت المضمون.
ثالثاً: أن الكفالة تصح مؤقتة ولا يصح الضمان مؤقتاً.
رابعاً: أنه يصح ضمان دين الميت دون كفالته.
стр. 2141
(وهي جائزة بالكتاب والسنة).
قال تعالى عن يعقوب (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ).
وقال ﷺ (الزعيم غارم) والزعيم لفظ عام يطلق على الكفيل وعلى الضمين، ومعنى (غارم) أي ملزم نفسه بما ضمن.
(تصح ببدنِ من عليه حق مالي).
أي: أن الكفالة تتعلق بالبدن لا بالعين.
(فلا كفالة في حدٍ).
أي: لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد، سواء كان لله تعالى أو لآدمي.
صورة ذلك (أن يجب حد على شخص فيكفله آخر بإحضاره عند إقامة الحد أو القصاص).
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة.
أ- لحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ) رَوَاهُ اَلْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
ب- ولأنه حد لا يمكن استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول له.
والقول الثاني في المسألة: لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد لحق الله، دون من وجب عليه حق لآدمي.
وهذا مذهب الشافعية.
стр. 2142
قالوا: إن حقوق الآدميين من القصاص ونحوه مبنية على المشاحة، وهي حق مالي لازم فأشبه الكفالة بالمال، فتجوز الكفالة فيها لتوثيق الحق، بخلاف حدود الله فهي مبنية على المسامحة.
والقول الثالث: تصح الكفالة في الحدود والقصاص، سواء كان حقاً لله أو لآدمي.
وهذا اختيار ابن تيمية.
لحديث بريدة في قصة الغامدية التي اعترفت بالزنا، وفيه قال: فقال لها: (حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت). رواه مسلم
والصحيح الأول، لأن الكفالة في البدن في الحقوق المالية إذا تعذرت انتقلت إلى الضمان المالي، بخلاف هذه المسألة، فلا عوض للبدن إذا تعذر حضوره، إذ لا يمكن الاستيفاء من الكفيل في الحد والقصاص.
(وشُرِط رضا كفيلٍ فقط).
لأنه لا يلزمه الحق ابتداءً إلا برضاه.
فإن أكره على الكفالة فلا يصح.
وتقدم أن كل العقود يشترط فيها الرضا.
- وقوله (فقط) نستفيد أنه لا يشترط رضا المكفول، ولا المكفول له كالضمان.
(فإن مات أو تلفت العين بفعل الله أو سلّم نفسه برئ الكفيل).
الأمور التي يبرأ بها الكفيل:
стр. 2143
أولاً: إذا مات المكفول.
لأن الكفالة تتعلق بالبدن، وهذا البدن تعذر إحضاره.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: هل إذا مات المكفول يبرأ الكفيل أم لا على قولين:
القول الأول: أن الكفيل يبرأ بموت المكفول.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لأنه ثبت عجزه عن إحضاره بسبب موته فبطلت الكفالة.
ب-أن الحضور سقط عن الأصيل فسقط عن الفرع وهو الكفيل.
القول الثاني: أنه لا يبرأ، بل يلزمه الضمان المالي، ويرجع به هو على ورثته.
وهذا قول الليث، واختيار ابن تيمية.
أ- أن العقود مبنية على التراضي، والبائع لم يرض بالعقد إلا في حال توثيقه بكفالة تحفظ حقه، فإذا برئ الكفيل كان ذلك منافياً لمفهوم الرضى في العقد، منافياً لمقصود الشارع من مشروعية الكفالة.
ب- القياس على ما لو عجز الكفيل في الحياة عن إحضار بدن المكفول، فإنه يلزمه الضمان المالي.
وقول الجمهور أرجح.
ثانياً: إذا تلفت العين.
إنسان استعار سيارة من شخص، ثم ان الله قدر ع هذه السيارة التلف، فالكفيل يبرأ، لأن الكفيل التزم بإحضار بدن من عليه هذه العين، وإذا تلفت العين فلا حق للمكفول له على المكفول.
ثالثاً: أن يسلّم المكفول نفسه.
لأنه أتى بما يلزم الكفيل لأجله، وهو إحضار نفسه، فبرئت ذمته.
رابعاً: إذا أبرأه صاحب الحق.
стр. 2144
(إذا برئ المكفول برئ الكفيل لا عكس).
كما تقدم في الضمان.
(وإن تعذر على الكفيل إحضار المكفول ضمن جميع ما عليه).
أي: فإن حان وقت إحضار المكفول وهو حي، فلم يأت به الكفيل، فالكفيل يضمن ما في ذمة المكفول من حق، ويُلزم بدفعه.
لقوله ﷺ (الزعيم غارم).
ولأنها أحد نوعي الكفالة، فوجب بها الغرم، كالكفالة بالمال.
وقال أكثرهم لا يغرم. … (المغني).
стр. 2145
باب الحوالة
تعريفها:
هي نقل الحق من ذمة إلى ذمة.
مثال: زيد يطلب عمر مائة ريال، وعمر يطلب خالد مائة ريال، فجاء زيد إلى عمر وقال أعطني حقي فقال عمر: إن لي حقاً عند خالد هو مائة درهم وقد أحلتك عليه.
إذاً تحول الحق من ذمة عمر إلى ذمة خالد.
فائدة: ١
وهو من عقود الإرفاق، فيها إرفاق للطالب والمطلوب، أما الطالب فوجه الإرفاق في حقه أنه ربما يكون المطلوب ذا صلة بالطالب بقرابة أو غيره فيشق عليه أن يطالبه، فيحيل المطلوب على الثالث فيكون إرفاقاً بالمحيل (الطالب).
أما بالنسبة للمطلوب فلأن الطالب قد يكون سيء المعاملة بالنسبة للمطلوب يضايقه ويكثر الترداد عليه فيتخلص منه بالتحويل إلى ذمة الآخر فيكون إرفاقاً بالمطلوب.
فائدة: ٢
أركانها:
محيل: وهو من عليه الحق.
محال: وهو من له الحق.
محال عليه: وهو المطلوب للمحيل.
стр. 2146
(وهي جائزة بالسنة والإجماع).
الحوالة ثابتة بالسنة والإجماع.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَطْلُ اَلْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعُ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ (فَلْيَحْتَلْ).
(مَطْلُ) المطل: المنع، يعني منع ما يجب على الإنسان دفعه من دين. (اَلْغَنِيِّ) القادر على السداد.
(ظُلْمٌ) الظلم شرعاً: نقص كل حق حقه. (وَإِذَا أُتْبِعُ أَحَدُكُمْ) أي: أحِيل. (عَلَى مَلِيٍّ) أي: قادر على الوفاء (فَلْيَتْبَعْ) أي: فليتحول، كما في رواية أحمد (فليحتل).
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة.
وقال النووي: أصلها مجمع عليه.
(ويشترط رضا المحيل).
المحيل: من عليه الحق.
فهذا يشترط رضاه.
لأن الديْن عليه فلا يلزمه أن يسدد عن طريق الحوالة.
قال ابن قدامة: وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا رِضَى الْمُحِيلِ، بِلَا خِلَافٍ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جِهَةُ قَضَائِهِ.
وقال ابن حجر: ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف.
وقال الشوكاني: ويشترط في صحة الحوالة رضا المحيل بلا خلاف.
стр. 2147
(لا المحال عليه).
أي: أنه لا يشترط رضا المحال عليه.
لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه أو بوكيله، وقد أقام المحال مقام نفسه بالقبض فلزم المحال عليه الدفع إليه كالوكيل.
(ولا المحال على مليء قادر على الوفاء).
أي: أن المحال (وهو صاحب الحق) في رضاه تفصيل:
إن كان على مليء لم يعتبر رضاه، وإن كان على غير مليء اعتبر رضاه.
للحديث السابق (وَإِذَا أُتْبِعُ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) وفي رواية (فليحتل).
وهذا مذهب الحنابلة. أنه يجب أن يتحول إذا كان على مليء.
لأمر النبي ﷺ بذلك (فليحتل .. ) وهذا أمر والأمر للوجوب.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب بل يستحب.
ونسبه ابن عبد البر لأكثر الفقهاء.
وقال ابن حجر: وهو قول الجمهور.
والقول الأول هو الصحيح لظاهر الحديث.
فائدة: ١
وأجاب الجمهور عن الحديث السابق ( … فليتبع).
أ- قالوا: الأمر محمول على الاستحباب.
قال ابن الملقن: مذهب الشافعي وغيره أنه إذا أحيل على مليء استحب له قبول الحوالة، وحملوا الحديث على الندب، لأنه من باب التيسير على المعسر.
وقال القرطبي: وهذا الأمر عند الجمهور محمول على الندب، لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر.
стр. 2148
فائدة: ٢
المليء: هو القادر على الوفاء بماله وبقوله وببدنه.
بماله: يكون عنده القدرة على الوفاء، أي: أن يكون عنده مال.
بقوله: ألا يكون مماطلاً.
ببدنه: معناه أن يمكنَ محاكمته شرعاً وعادة (يمكن إحضاره لمجلس الحكم)، فإن لم يمكن إحضاره لمجلس الحكم، فإن المحال لا يلزمه قبول الحوالة.
مثال: كأن يقول أحلتك على أبيك، فإنه هنا لا يلزمه قبول الحوالة، لأنه لا يمكن شرعاً إحضار الأب لمجلس لقضاء، وقد قال
النبي ﷺ (أنت ومالك لأبيك).
وكذلك لو أحاله على أمير البلد، فإنه لا يلزمه قبول الحوالة، لأن أمير البلد لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم عادة.
فائدة: ٣
لو أحيل على غير مليء (كمماطل) لا يلزمه أن يتحول لأمرين:
الأمر الأول: لمفهوم الحديث ( … على مليء) فمفهومه أنه لو أحيل على غير مليء فلا يلزمه القبول.
الأمر الثاني: لأن في ذلك ضرراً عليه، وقد قال النبي ﷺ (لا ضرر ولا ضرار).
стр. 2149
(وإذا تمت الحوالة نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المُحيل).
أي: إذا تمت الحوالة بشروطها وانتفاء موانعها نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل بمجرد الحوالة.
قال في المغني: وهذا قول عامة الفقهاء.
وعلى هذا فلو قدر أن المحال عليه افتقر بعد تمام الحوالة، فإن المحال لا يرجع على المحيل، لأن الحق انتقل انتقالة كاملة من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
فائدة:
- لا يجوز أن يحيل ناقص على زائد:
مثال: لو أحلتك بمائة على مائة وعشرين.
لأن هذا يشبه البيع، والبيع مع التفاضل لا يصح.
فائدة: ٢
يجوز أن يحيله بمؤجل على حال:
مثال: أنت تطلبني مائة درهم تحل بعد شهرين، أحلتك على رجل عنده لي مائة درهم حالة.
стр. 2150
باب الصلح
تعريفه:
لغة: قطع المنازعة.
واصطلاحاً: هو معاقدة يرتفع بها النزاع بين الخصوم، ويُتوصل بها إلى الموافقة بين المختلفين.
والصلح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ).
وقال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ).
وقال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ).
وقال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).
وقال ﷺ (كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَة) رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِم.
وقال ﷺ (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى؟ قال: إصلاح ذات البين) رواه أحمد
وعن سهل بن سعد (أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: اذهبوا بنا نصلح بينهم). رواه البخاري
قال أنس: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة.
وقال أبو أمامة: امش ميلاً وعد مريضاً، وامش ميلين وزر أخاً في الله، وامش ثلاثة أميال وأصلح بين اثنين.
وقال بعض العلماء: من أراد فضل العابدين فليصلح بين الناس، ولا يوقع بينهم العداوة والبغضاء.
- فالصلح عقد وُضعَ لرفع المنازعة بعد وقوعها بالتراضي، كالإصلاح بين قبيلتين، أو بين زوجين، أو بين مسلمين وأهل حرب، أو بين متخاصمين في مال، وهذا هو المراد بهذا الباب دون ما تقدم.
стр. 2151
(يصح ممن يصح تبرعُه).
والذي يصح تبرعه: هو البالغ العاقل الحر الرشيد المالك.
فإذا كان لا يملك التصرف كناظر وقف، وولي صغير، ومجنون لم يصح منه الصلح.
لأنه تبرع بإسقاط بعض الحق، وهؤلاء لا يملكونه.
(مع الإقرار والإنكار).
أي: أن الصلح ينقسم إلى قسمين:
النوع الأول: الصلح مع الإقرار.
وهو: أن يقر الطرفان بالحق ثم يتصالحا عليه، فهذا حكمه حكم البيع.
النوع الثاني: الصلح على الإنكار.
وهو: أن يدعي شخص على آخر ديناً أو عيناً فينكر المدعَى عليه ثم يتصالحان على شيء معين.
(فإذا أقر له بدينٍ أو عينٍ فأسقطَ أو وهبَ البعض وأخذ الباقي صح بلا شرط).
هذا النوع الأول من أنواع الصلح على الإقرار: وهو الصلح على جنس الحق.
فقوله (فإذا أقر له بدين … ) أي: أن يقر له ثم يصالحه في نفس العين فيجوز.
مثلاً: قال له هذه الأرض التي عندك لي، فقال له: نعم أنا أقر أن الأرض لك، لكن خذ النصف وأنا النصف.
هنا مصالحة على نفس العين.
стр. 2152
مثال آخر: قال رجل لرجل: هذه الدراهم (ألف درهم) التي بيدك لي، فقال المدعى عليه: نعم أقر بذلك، فقال المدعي: أعطني ٦٠٠، فهنا أسقط عنه.
أو يهب: يأخذ الألف، ثم يعطيه: ١٠٠.
فهذا يصح، لأن الإنسان لا يُمنع من إسقاط حقه كما لا يمنع من استيفائه.
- قوله (بلا شرط) أي: لا يكون الإسقاط أو الهبة شرطاً.
أي: لا يشترط المدعى عليه ذلك.
أي: أن هذا النوع من الإقرار يشترط لصحته ألا تكون الهبة أو الوضع شرطاً للإقرار.
مثال: قال له: هذه الدراهم التي بيدك لي، فقال: لا أقر لك بها حتى تهب لي نصفها، أو تضع عني نصفها.
فإذا قال ذلك نقول: هذا شرط باطل ولا يسقط شيء، لأنه مادام أنه يقر يجب أن يخرج الحق لأهله.
وهذا الشرط من أكل أموال الناس بالباطل، وقال الله (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل).
стр. 2153
(وإنْ صالحهُ على عينٍ غير المدعاة فهو بيع).
هذا النوع الثاني من أنواع الإقرار مع الحق، وهو الصلح على غير العين المدعاة، أو على غير الدين الذي يدعيه.
أن يقر المدعى عليه بالحق ثم يصالحه على عين غير المدعاة.
مثال: أن يقر له بألف ريال، لكن قال: سأعطيك بدلها شاة، فرضي، فإنه يجوز.
أو يقول: نعم هذه الأرض لك وليست لي، لكن سأعطيك بدلها كتباً.
فهذا حكمه حكم البيع، لأنه مبادلة مال بمال، وهذا هو البيع.
وعلى هذا تثبت فيه أحكام البيع يثبت فيه خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب وغير ذلك من الأحكام.
فمثلاً: لو أنه أقر له بهذه الأرض ثم صالحه على أرض أخرى قال أُعطيك بدلاً عنها الأرض الفلانية فاتفقا على ذلك، ثم بدا له أن يفسخ المدعي، أو المدعى عليه، يصح ذلك لأن هذا بيع يثبت فيه خيار المجلس.
أو قال أعطيك بدل هذه الأرض التي تدعيها سيارة، فقال لي الخيار لمدة ثلاثة أيام أو يوم أو يومين، حكم ذلك: صحيح، لأن هذا في حكم البيع فتثبت له أحكام البيع.
مثال آخر: أن يعترف له بأن هذه الريالات له، فيصالحه على نقد آخر، فيصح، ولكنه يأخذ أحكام الصرف، فيشترط فيه التقابض قبل التفرق وإلا لم يصح.
стр. 2154
(وإن أنكرَ دعوى المدعِي أو سكت وهو يجهله، ثم صالحه، صح الصلح، وكان إبراء في حقه، وبيعاً في حق المدعي).
هذا النوع الثاني من أنواع الصلح: وهو الصلح على إنكار.
وهو: أن يدعي شخص على آخر عيناً أو ديناً أو منفعة، فينكر ما ادعاه ثم يتصالحان.
وهو جائز عند جماهير العلماء.
مثاله: أن يدّعي (زيد) على (عمرو) عشرة آلاف ريال، أو يدعي عليه سيارة بيده، أو داراً، فأنكر المدعى عليه (عمرو) هذا الديْن، وبدلاً من الذهاب إلى المحكمة والقضاء، أراد المدعى عليه قطع النزاع وافتداءً اليمين، فصالح المدعى عليه المدعي على سبعة آلاف ريال مثلاً، فأخذها زيد وانتهى ما بينهما.
(وإن كَذَبَ أحدهما لم يصحَّ في حقه باطناً وما أخذه حرام).
قوله (أحدهما) أي: المدعى عليه أو المدعي.
وقوله (لم يصح في حقه باطناً) أي: فيما بينه وبين الله.
أما ظاهراً فإنهما لو ترافعا إلى القاضي في المحكمة حكم بالصلح، لكن باطناً فيما بينه وبين الله، فالكاذب لا يصح الصلح في حقه، وعلى هذا فلا يصح أن يتصرف في العين التي أخذها وهو يعتقد أنها ليست له في الواقع؛ لأنه ادعاها كذباً، وما أخذه من العوض ـ
سواء كان المدعي أو المدعى عليه ـ حرام لا يحل له؛ لأنه أخذه بغير حق.
مثال ذلك: رجل ادعى على رجل أن قطعة الأرض هذه له، وهي أرض مشتركة، فأنكر من بيده الأرض ثم اتفقا على الصلح، فأعطى المدعى عليه للمدعي مائة درهم، عوضاً عن الأرض.
إن كان المدعي صادقاً، والمنكر ـ المدعى عليه ـ كاذباً، فالأرض حرام على المدعى عليه كالأرض المغصوبة تماماً.
وإن كان بالعكس، المدعى عليه هو المحق والمدعي هو المبطل، فالعوض الذي أخذه عن الأرض وهو الدراهم تكون حراماً عليه، وهذا واضح ويتمشى مع القواعد الشرعية؛ لأن كلَّ من أخذ شيئاً بغير حق فهو حرام عليه.
ولهذا قال النبي ﷺ (إنكم تختصمون إليَّ ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن اقتطعت له شيئاً من مال أخيه فإنما أقتطع له جمرة من النار فليستقل أو ليستكثر).
стр. 2155
فجعل النبي ﷺ هذا الحكم له جهتان، جهة الظاهر يحكم بحسب الظاهر، وجهة الباطن يعذب على حسب الباطل، لو كان الحكم الظاهر يقضي على الحكم الباطن، لكان إذا حكم لأخيه بشيء حسب الدعوى لا تكون قطعة من النار، لكنها إذا كانت دعوى باطلة كانت قطعة من النار. (الشرح الممتع).
فليزم المدعي إن كان كاذباً رد المال الذي أخذه، لأنه لم يأخذه بحقه.
ويلزم المدعى عليه إن كان هو الكاذب أن يبرأ ذمته، وأن يقر بالحق الذي عليه، ولا تبرأ ذمته إلا بذلك.
(أو كان له عليه دين لا يعلمان قدرَه فصالحه على شيء. صح ذلك).
مثال: زيد وعمرو بينهما دين، ولكن كل منهما لا يعلم مقدار الدين، فتصالحا على شيء معين، فزيد يقول أذكر أني أخذت منك دراهم لكن لا أذكر كم، وعمرو يقول أذكر أني أعطيتك دراهم، لكن لا أذكر كم هي؟ فتصالحا على ألف ريال وينتهي الأمر بذلك.
فقوله (لا يعلمان قدرَهُ) مفهومه أنه إذا كان أحدهما يعلم قدر الدين ولكنه أخفى وجحد فإنه لا يصح في حقه باطناً.
فائدة:
وإن صالح عن الديْن المؤجل ببعضِه حالاً جاز على القول الراجح.
هذه تسمى عند العلماء مسألة (ضع وتعجل).
وقد تقدمت المسألة والخلاف فيها:
مثالها: أنا أطلب شخصاً ألف ريال تحل بعد ستة أشهر، بعد مضي ثلاثة أشهر، قلت له: أعطني الآن: ٥٠٠ وأسقط الباقي عنك، فتصالحا على ذلك.
стр. 2156
فقيل: بحرمتها.
وقيل: بجوازها.
وهو اختيار ابن تيمية، أنها جائزة.
لحديث ابن عباس. (أن النبي ﷺ حين أمر بإخراج بني النضير من المدينة، جاءه أناس منهم فقالوا: إن لنا ديوناً لم تحل؟ فقال:
ضعوا وتعجلوا) رواه الدارقطني.
حيث أذن النبي ﷺ فيه لأصحاب الحقوق أن يضعوا من ديونهم مقابل التعجيل بالوفاء فدل ذلك على جوازه.
стр. 2157
باب أحكام الجوار
(والجار له حق عظيم في الإسلام).
أي: أن الجار لح حق عظيم وكبير في الإسلام، وقد حث الإسلام ورغّب في الإحسان إليه، وفي تحريم إيذائه.
عن ابن عُمَرَ. قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) متفق عليه.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) متفق عليه.
وفي رواية (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِى جَارَهُ).
وفي رواية عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ … ) رواه مسلم.
وعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ) رواه مسلم.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) رواه مسلم.
قال ﷺ : (حسن الأخلاق وحسن الجوار يزيدان في الأعمار) رواه أحمد.
عن أبي هريرة قال (قال رجل: يا رسول الله! إن فلانة تكثر من صلاتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها؟ قال: هي في النار) رواه أحمد
стр. 2158
فائدة: ١
أقسام الجيران:
قسم الفقهاء ﵏ الجيران إلى ثلاثة أقسام:
أ- جار له حق واحد، وهو الذمي الأجنبي.
ب- جار له حقان، وهو المسلم الأجنبي، له حق الجوار، وحق الإسلام.
ج- جار له ثلاثة حقوق، وهو المسلم القريب، له حق الإسلام، وحق الجوار، وحق القرابة.
فائدة: ٢
حدود الجوار:
اختلفت عبارات أهل العلم اختلفت في حد الجوار المعتبر شرعًا، على أقوال:
القول الأول: إن حد الجوار المعتبر شرعًا: أربعون دارًا من كل جانب.
وقد جاء ذلك عن عائشة ﵂ كما جاء ذلك عن الزهري والأوزاعي.
لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (حق الجار أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا … ) رواه أبو يعلى وهو ضعيف.
القول الثاني: الجار هو الملاصق فقط.
وبه قال أبو حنيفة وزفر.
قالوا: لأن الجار من المجاورة وهي الملاصقة حقيقة، والاتصال بين الملكين بلا حائل بينهما، فأما مع الحائل فلا يكون مجاوراً حقيقة.
القول الثالث: أن الجار هو الملاصق وغيره ممن يجمعهم المسجد إذا كانوا أهل محلة واحدة.
وبه قال القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني.
القول الرابع: الجار هو من قاربت داره دار جاره، ويرجع في ذلك إلى العرف.
وهذا اختيار ابن قدامة، وصوبه في الإنصاف.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 2159
قال الألباني: وقد اختلف العلماء في حد الجوار على أقوال ذكرها في "الفتح" (١٠/ ٣٦٧)، وكل ما جاء تحديده عنه ﷺ بأربعين ضعيف لا يصح، فالظاهر أن الصواب تحديده بالعرف.
(يحرم على الشخص أن يُجري ماءً في أرض غيره أو سطحه بلا إذنه).
لأن فيه تصرفاً في أرض غيره بغير إذنه، فلم يجز، كالزرع فيها، وخاصة إذا كان فيه ضرر على صاحب الأرض، كأن يفسد عليه زرعه، أو حرثه.
- واختلف العلماء إذا لم يكن هناك ضرر على صاحب الأرض، والجار محتاجاً لذلك على قولين:
فقيل: لا يجوز إلا بإذنه.
لحديث ابْن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ إِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِه) متفق عليه.
وقيل: يجوز بلا إذنه، لكن بشرطين:
أولاً: أن يكون محتاجاً.
ثانياً: ولم يكن هناك ضرر على صاحب الأرض.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 2160
(وحرُم على الجار أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، كحمام، أو كنيف، وله منعه من ذلك)
أي: يحرم على الجار أن يتصرف في ملكه تصرفاً يضر بجاره ضرراً معتبراً، وأن لجاره منعه من ذلك.
كأن يجعل بيته مكاناً للحيوانات، فتؤذي الجيران بروائحها وأصواتها.
أن يجعل الكنيف إلى جهة جاره.
أو يرفع بيته رفعاً يكشف من خلاله عورات جيرانه.
وقد تقدم حديث (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِى جَارَهُ).
وحديث (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ).
(ولا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة إذا كان محتاجاً ولا ضرر عليه).
أي: لا يمنع الجار جاره إن أراد أن يضع خشبة على جداره بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون الجار محتاجاً لذلك.
والشرط الثاني: وأن لا يكون هناك ضرر على صاحب الجدار.
ويدل لذلك:
حديث أبي أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ: أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاَللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِها بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ) متفق عليه.
[جار] الجار المراد به هنا الملاصق [خشبة] أي من خشب سقفه الذي يسقف به داره. [في جداره] الضمير يعود على الجار [عنها] الضمير يعود إلى السنة المذكورة في كلامه [معرضين] أي غير مسارعين للعمل بها وتضييعها.
стр. 2161
في هذا الحديث نهى الجار أن يمنع جاره أن يضع خشبة على جدار جاره.
وهذا مذهب الحنابلة، وبه قال أبو ثور، وإسحاق، وابن حزم.
للحديث السابق (لا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ: أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً … ).
وجه الدلالة: أنه نهي صريح عن منع الجار من الانتفاع بجدار جاره، وظاهر النهي يقتضي التحريم، وبالتالي فلا يجوز للجار منع جاره من الانتفاع بجداره عند الحاجة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز وضع الخشب على حائط الجدار إلا بإذنه، وإن لم يأذن فلا يجز، لكن يستحب له بذله.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، والقول الجديد عند الشافعية.
واستدلوا بعموم الآيات التي تنهى عن الظلم والتعدي على أموال الآخرين وحقوقهم.
كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً).
وبالأحاديث التي تنهى عن أخذ أموال الآخرين ظلماً وعدواناً.
كقوله ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
وقوله ﷺ (إن دماؤكم وأموالكم عليكم حرام).
والقول الأول هو الصحيح.
وأما الجواب عن أدلة أصحاب القول الثاني:
أنها نصوص عامة، وحديث: (لا يمنع … ) خاص، والخاص يقضي على العام.
стр. 2162
قال البيهقي: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن نخصها وقد حمله الراوي على ظاهره وهو أعلم بالمراد.
فائدة:
أولاً: لا يدخل في هذا النزاع الانتفاع الذي ينتج عنه إلحاق ضرر بجدار الجار كتهديمه أو وهنه، فذلك غير جائز، لحديث: (لا ضرر ولا ضرار).
ثانياً: كذلك لا يدخل في هذا النزاع الانتفاع الذي ليس له به حاجة، فليس للجار أن يضع خشبة على جدار جاره إن كان به غنية عن ذلك، لأنه انتفاع بملك غيره بغير إذنه من غير حاجة، فلم يجز.
الخلاف وقع: في الانتفاع غير المضر بالجار، وهو الذي يحتاج إليه المنتفع لتسقيف بيته أو قيام بنائه.
стр. 2163
باب الحجر
تعريفه:
لغة: المنع.
وشرعاً: منع الإنسان من التصرف في ماله إما لمصلحته أو لمصلحة الغير.
وينقسم إلى قسمين:
الأول: حجر لمصلحة الغير:
فيمنع الإنسان من التصرف في ماله فقط، فإذا كان الإنسان مدين، وديْنه أكثر من ماله، حُجر عليه لمصلحة الغرماء، ويمنع من التصرف في ماله فقط، فلا يبيع ولا يشتري ولا يرهن ولا يهب، أما في الذمة فلا بأس، فلو استدان من غيره شيء فإن له ذلك.
الثاني: وحجر لمصلحة المحجور عليه:
(كالحجر على السفيه والمجنون والصغير).
(وهو منع الإنسان من التصرف في ماله).
هذا تعريف الحجر، فيمنع الإنسان من التصرف في ماله، فلا يصح بيعه وشراؤه وصدقته وهبته.
- فإذا إذا كان الإنسان عليه دين فإنه لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون معسراً ليس عنده مال، فهذا يحرم مطالبته كما سيأتي.
الثانية: أن يكون ماله أكثر من دينه، فهذا يلزم بالسداد والوفاء كما سيأتي.
الثالثة: أن يكون دينه أكثر من ماله، فهذا يحجر عليه بطلب الغرماء، (وهو المفلس عند الفقهاء).
стр. 2164
وهذه تفصيلة هذه الحالات:
(من كان قادراً يجب عليه الوفاء بطلب ربه ولم يحجر عليه، فإنْ أبىَ حُبِس).
هذه الحالة الأولى: أن يكون عنده مال:
أ-فهذا يؤمر بالوفاء ولا يحجر عليه لعدم الحاجة إلى الحجر عليه.
لقوله ﷺ (مطل الغني ظلم) متفق عليه.
فإذا كان ظلم وجب أن يزال.
ب-فإن أبى حبس بطلب صاحب الدين لأن الحق له.
لقوله ﷺ (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) رواه أبوداود.
(لي) يعني مطل. (الواجد) القادر على الوفاء. (وعقوبته) أي: حبسه.
ج- فإن أبى باع الحاكم ماله.
لأن إيصال الحق إلى صاحبه واجب، دفعاً للظلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قال ابن قدامة: إذَا امْتَنَعَ الْمُوسِرُ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَلِغَرِيمِهِ مُلَازَمَتُهُ، وَمُطَالَبَتُهُ، وَالْإِغْلَاظُ لَهُ بِالْقَوْلِ، فَيَقُولُ: يَا ظَالِمُ، يَا مُعْتَدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لَيُّ الْوَاجِدِ، يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ) فَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ، وَعِرْضُهُ أَيْ يُحِلُّ الْقَوْلَ فِي عِرْضِهِ بِالْإِغْلَاظِ لَهُ.
وَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ).
وَقَال (إنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً). … (المغني).
стр. 2165
(ولا يُطالب مدين بمؤجل).
أي: من كان دينه مؤجلاً، فلا يملك غريمه مطالبته بالدين قبل حلوله، ولا يحجر عليه.
لأنه لا يلزمه أداؤه قبل حلوله.
(فإن كان ذو عسرة وجبت تخليته، وحرمت مطالبته وحبسه والحجر عليه ما دام معسراً).
هذه الحالة الثانية: أن لا يكون عنده مال، فهذا لا يجوز مطالبته ولا حبسه ولا الحجر عليه.
لقوله تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة).
ب- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ اِبْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ " فَتَصَدَّقَ اَلنَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: " خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الحديث دليل على أن المعسر لا تحل مطالبته، ولا ملازمته، ولا سجنه، وبهذا قال الشافعي ومالك وجمهور العلماء.
كما قال تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
ولقوله (وليس لكم إلا ذلك).
стр. 2166
فائدة: ١
قوله (خذوا ما وجدتم)
فيه: أن المفلس يؤخذ منه كل ما يوجد له، ويستثنى من ذلك ما كان من ضرورته.
وفيه أيضاً: أنه لا حق للغرماء في ما زاد على ما عنده.
- لكن هل هذا يعني سقوط بقية الدين؟
الجواب: لا، ولكن المراد سقوط الطلب ببقية الديْن، وليس المراد سقوط بقية الدين.
فائدة: ٢
فضل إنظار المعسر والوضع عنه.
عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا. فَلَقِىَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ) متفق عليه.
عن أبي قتادة قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ). رواه مسلم
عن أبي الْيَسَرِ عن رَسُول اللَّهِ ﷺ قال (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّه) رواه مسلم.
عن أبي هُريرة ﵁ عَن رسول الله ﷺ قال (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِنٍ كُرْبةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيامَةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسِرٍ، يَسَّرَ الله عَليهِ في الدُّنيا والآخرَةِ … ) رواه مسلم.
قال ابن رجب: والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين:
إمّا بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجبٌ، كما قال تعالى (وَإنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ).
وتارةً بالوضع عنه إن كان غريماً، وإلاّ فبإعطائه ما يزولُ به إعسارُه، وكلاهما له فضل عظيم.
стр. 2167
(ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم).
هذا الحالة الثالثة: أن يكون دينه أكثر من ماله.
مثال: دينه عشرة وماله خمسة.
فهذا لا يحبس ولكن يحجر عليه بالدين الحال لا المؤجل، فيمنعه القاضي من التصرف من ماله، بطلب غرمائه أو بعضهم، فالحجر لا يكون إلا بطلب من الغرماء.
- ومعنى الحجر: منع الإنسان من التصرف في جميع ماله، ويمنع من التصرف في ماله فقط، فلا يبيع ولا يشتري ولا يرهن ولا يهب، أما في الذمة فلا بأس، فلو استدان من غيره شيء فإن له ذلك.
أ-عَنِ اِبْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ، وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيّ.
ب- ولأن في الحجر عليه حماية لحق الدائن، وحماية لذمة المدين، لئلا تبقى ذمته مشغولة بالدين.
стр. 2168
(ويستحب إظهاره).
أي: ويستحب إظهار الحجر وإعلانه، وذلك لفائدتين:
الأولى: ليظهر من لديه دين عند هذا الرجل.
الثانية: حتى لا يتصرف أحد معه في هذا المال الذي عنده الآن، لأن تصرفه بعد الحجر باطل.
قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ إظْهَارُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ، كَيْ لَا يَسْتَضِرَّ النَّاسُ بِضَيَاعِ أَمْوَالِهِمْ عَلَيْهِ، وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ، لِيَنْتَشِرَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَرُبَّمَا عُزِلَ الْحَاكِمُ أَوْ مَاتَ، فَيَثْبُتُ الْحَجْرُ عِنْدَ الْآخَرِ، فَيُمْضِيه، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ابْتِدَاءِ حَجْرٍ ثَانٍ. (المغني).
(ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر).
أي: أنه بعد الحجر عليه، لا ينفذ تصرفه في ماله، لا ببيع، ولا بشراء، ولا هبة، ولا وقف
فإن باع بيته فالبيع غير صحيح وغير نافذ.
- وقوله (في ماله) يؤخذ منه أنه يصح تصرفه في ذمته، بأن يشتري شيئاً بثمن مؤجل، وهو كذلك، فلو اشترى المحجور عليه في ذمته لم نمنعه؛ لأن المال الذي حجر عليه لا يتضرر بذلك، ولكن البائع لا يدخل مع الغرماء فيما حجر عليه فيه هذا الشخص، فإذا اشترى من شخص سيارة فنقول: الشراء صحيح، لكن لا ينقد ثمنها من المال الذي عنده، وتكون السيارة للمحجور عليه، وصاحب السيارة لا يدخل مع الغرماء في ماله السابق؛ وذلك لأنه حجر عليه قبل هذا التصرف. (الشرح الممتع).
- وأما تصرفه في ماله قبل الحجر عليه فصحيح، لأنه رشيد غير محجور عليه، لكن يحرم عليه الإضرار بغريمه.
(ولا إقراره عليه).
أي: لا يصح بعد الحجر أن يقر على شيء من ماله الذي بيده.
مثال: لما حُجر عليه، قال هذه السيارة التي عندي ليست لي، هذه لفلان، فإنه لا يقبل.
стр. 2169
(ومَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ).
هذا لفظ حديث عن النبي ﷺ ولفظه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قوله ( … عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَس … ) المفلس: هو من دينه أكثر من ماله.
قال ابن حجر: المفلس شرعاً: من تزيد ديونه على موجوده، سمي مفلساً لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال وهي الفلوس، أو سمي بذلك لأنه يمنع التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس، لأنهم ما كانوا يتعاملون
بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلساً.
وقال ابن قدامة: وَالْمُفْلِسُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: مَنْ دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ، وَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ مِنْ دَخْلِهِ.
وَسَمَّوْهُ مُفْلِسًا وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فِي جِهَةِ دَيْنِهِ، فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ عَدَمِ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاءِ دَيْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، إلَّا الشَّيْءَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ، كَالْفُلُوسِ وَنَحْوِهَا. (المغني).
стр. 2170
فائدة: ١
الحديث دليل على أن من باع متاعه [كسيارة، أو ثوباً، أو غيره] لأحد مؤجلاً، أو ودعه، فأفلس المشتري، بأن كان ماله لا يفي بديونه، فللبائع أخذ متاعه إذا وجد عينه، بأن كان بحالة لم تتغير صفاته بما يخرجه عن اسمه، ولم يقبض من ثمنه شيئاً، فحينئذٍ يكون أحق به من الغرماء.
وهذا مذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة.
قال ابن عبد البر: وممن قال بهذا الحديث، واستعمله وأفتى به، فقهاء المدينة، وفقهاء الشام، وفقهاء البصرة، وجماعة من أهل الحديث.
وقد جاء في رواية: (إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها دون الغرماء) رواه ابن حبان.
فائدة: ٢
نستفيد من قوله (بعينه) أن تقديم صاحب السلعة على غيره يكون بشرط: أن يجد ماله بعينه، أي لم يتغير ولم يتبدل، فإن تغير فهو أسوة الغرماء.
مثال: باع رجل على رجل بعيراً، ثم أفلس هذا الرجل، لكن البعير سمنت أكثر، فهنا لا يستحق هذا المال، بل يكون أسوة الغرماء.
كذلك إذا قبض من ثمنه شيئاً، فإنه في هذه الحالة لا حق له، ويكون أسوة الغرماء.
فقد جاء في رواية: (أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئاً فوجده بعينه فهو أحق به) فمفهومه أنه إذا قبض من ثمنه شيئاً كان أسوة الغرماء.
إذاً يشترط:
أولاً: أن تكون عين المتاع موجودة عند المشتري المفلس لم تتغير لقوله (بعينه).
الثاني: أن يكون الثمن غير مقبوض من المشتري، فإن قبض البائع شيئاً من الثمن فلا رجوع له على المفلس بعين ماله، لرواية أبي داود (ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً).
الثالث: أن يكون المشتري حياً، فإن مات فلا رجوع للبائع بل هو أسوة الغرماء. (وهذا المذهب كما سيأتي).
стр. 2171
فائدة: ٣
ما الحكم إذا مات المفلس، هل يكون الرجل أحق بماله أو يكون أسوة الغرماء؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
فقيل: هو أحق بماله.
وهذا مذهب الشافعي.
قال الحافظ ابن حجر: واحتج الشافعي بحديث أبي هريرة قال (قضى رسول الله ﷺ أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه) وهو حديث حسن يحتج بمثله، أخرجه أحمد وأبو داود.
وقيل: بل يكون أسوة الغرماء.
وهذا مذهب مالك وأحمد.
لقوله (من أدرك ماله بعينه عند رجل) وبعد موته لا يكون أدركه عند هذا الرجل، وإنما أدركه عند الورثة.
وهذا الراجح.
فائدة: ٤
ما الحكم إذا مات صاحب المتاع؟ فهل تسقط حق ورثته، أو أن الورثة ينزلون منزلة المورث؟
قولان للعلماء، والراجح فيها أنه يورث فيكون الورثة أحق به من بقية الغرماء.
стр. 2172
(ويبيعُ الحاكم مال المفلس ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه).
أي: يقسم الحاكم المال بقدر الديون ويكون التوزيع بالتقسيط.
مثال: إذا كان رجل عليه دين، ومحمد يطلبه ﴿٢٠٠٠﴾ وخالد ﴿٣٠٠٠﴾ وأحمد ﴿٥٠٠٠﴾ المجموع: ١٠٠٠٠، ولم نجد عنده إلا ﴿٥٠٠٠﴾ فيكون التوزيع كالتالي.
(ننسب الموجود إلى المطلوب ونعطي كل واحد من الغرماء بقدر نسبته).
ننسب ﴿٥٠٠٠﴾ إلى ﴿١٠٠٠﴾، يخرج النصف فيصير محمد له: ١٠٠٠، وخالد: ١٥٠٠ وأحمد: ٢٥٠٠.
- إذا كان الدين من جنس الدين فلا يبيعه.
مثال: مطلوب بر، وعنده بر، فهنا لا يبيعه بل يسلمه الغرماء.
فائدة: ١
ويجب على الحاكم أن يقسم المال فوراً.
ولا يفرق بين صاحب السابق واللاحق.
فائدة: ٢
ولا يفك حجر المفلس إلا حاكم، لأنه ثبت بحكم الحاكم فلا يرتفع إلا بحكمه.
قال ابن قدامة: لا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِهِ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ.
وَفَارَقَ الْجُنُونَ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، فَزَالَ بِزَوَالِهِ.
وَلِأَنَّ فَرَاغَ مَالِهِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ وَبِحَثِّ، فَوَقْفُ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ. (المغني).
стр. 2173
(ولا تُباعُ دارُه التي لا غنى له عن سُكناها).
أي: أن الحاكم يترك للمفلس من ماله: ما يحتاج إليه ولا يستغني عنه مثل: الثياب، والكتب، والبيت الذي يسكنه، وآلات الصنعة، والقوت الضروري، ورأس مال التجارة … إلخ
ويؤخذ الزائد عن حاجته من هذه الأشياء، ويترك له ما يكفيه بلا زيادة.
قال ابن قدامة: ولَا تُبَاعُ دَارُهُ الَّتِي لَا غِنَى لَهُ عَنْ سُكْنَاهَا.
لأنَّ هَذَا مِمَّا لَا غِنَى لِلْمُفْلِسِ عَنْهُ، فَلَمْ يُصْرَفْ فِي دَيْنِهِ، كَثِيَابِهِ وَقُوتِهِ. … (المغني).
فائدة: ١
قال ابن قدامة: وَجُمْلَته أَنَّ الْمُفْلِسَ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ، بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ الْمُفْلِسُ الْبَيْعَ، لَمَعَانٍ أَرْبَعَةٍ:
أَحَدُهَا: لِيُحْصِيَ ثَمَنَهُ، وَيَضْبِطَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ أَعْرَفُ بِثَمَنِ مَتَاعِهِ، وَجَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ، فَإِذَا حَضَرَ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَرَفَ الْغَبْنَ مِنْ غَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكْثُرَ الرَّغْبَةُ فِيهِ، فَإِنَّ شِرَاءَهُ مِنْ صَاحِبِهِ أَحَبُّ إلَى الْمُشْتَرِي.
الرَّابِعُ: أَنَّ ذَلِكَ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ، وَأَسْكَنُ لِقَلْبِهِ.
стр. 2174
فائدة: ٢
قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ إحْضَارُ الْغُرَمَاءِ أَيْضًا، لَأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُبَاعُ لَهُمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ رُبَّمَا رَغِبُوا فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ، فَزَادُوا فِي ثَمَنِهِ، فَيَكُونُ أَصْلَحَ لَهُمْ وَلِلْمُفْلِسِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَطْيَبُ لِقُلُوبِهِمْ، وَأَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَجِدُ عَيْنَ مَالِهِ، فَيَأْخُذُهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِمْ كُلِّهِمْ، جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَيْهِ، وَمُفَوَّضٌ إلَى اجْتِهَادِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَبَانَتْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ فِي الْمُبَادَرَةِ إلَى الْبَيْعِ قَبْلَ إحْضَارِهِمْ. (المغني).
(ولا يحِلٌّ مُوجَّلُ بِفَلَسٍ).
أي: إذا كان الديْن مؤجلاً، فأفلس من هو عليه، لا يصير الدين حالاً.
لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه. (الروض المربع).
فلو أن رجلاً أفلس وحجرنا عليه، ولشخص آخر عليه دين مؤجل لا يحل إلا بعد سنة، فلا يحل هذا الديْن المؤجل لتفليس المدين.
قال ابن قدامة: … ولنا: أَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَلَسِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
وَلِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ حُلُولَ مَالِهِ، فَلَا يُوجِبُ حُلُولَ مَا عَلَيْهِ، كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ.
وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ عَلَى حَيٍّ، فَلَمْ يَحِلَّ قَبْلَ أَجَلِهِ، كَغَيْرِ الْمُفْلِسِ … إذَا ثَبَتَ هَذَا:
فَإِنَّهُ إذَا حُجِرَ عَلَى الْمُفْلِسِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا يُشَارِكُ أَصْحَابُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ غُرَمَاءَ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ، بَلْ يُقْسَمُ الْمَالُ الْمَوْجُودُ بَيْنَ أَصْحَابِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ، وَيَبْقَى الْمُؤَجَّلُ فِي الذِّمَّةِ إلَى وَقْتِ حُلُولِهِ. (المغني).
стр. 2175
(ولا بموت إن وثّقَ الورثة برهنٍ محرِز أو كفيل مليءٍ).
أي: كذلك لا يحل المؤجل بموت المدين بشرطين:
الأولى: إن وثق الورثة من الديْن برهن يكفي.
الثانية: أو أتوا بكفيل مليء.
لأنه لا ضرر على صاحب الحق.
فإن لم يوثقوا حل لغلبة الضرر. (الروض المربع).
قال ابن قدامة: فَأَمَّا إنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ، فَهَلْ تَحِلُّ بِالْمَوْتِ؟
فيهِ رِوَايَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَا تَحِلُّ إذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَعَبْدِاللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: أَنَّهُ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَوَّارٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، أَوْ الْوَرَثَةِ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ، لَا يَجُوزُ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ لِخَرَابِهَا، وَتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِهِ بِهَا، وَلَا ذِمَّةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوهَا، وَلَا رَضِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهِمْ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ وَتَأْجِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِالْمَيِّتِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ، وَلَا نَفْعَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ.
أَمَّا الْمَيِّتُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الْمَيِّتُ مُرْتَهَنٌ بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) وَأَمَّا صَاحِبُهُ فَيَتَأَخَّرُ حَقُّهُ، وَقَدْ تَتْلَفُ الْعَيْنُ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ وَأَمَّا الْوَرَثَةُ، فَإِنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِالْأَعْيَانِ، وَلَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُمْ مَنْفَعَةٌ، فَلَا يَسْقُطُ حَظُّ الْمَيِّتِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ لِمَنْفَعَةِ لَهُمْ. … (المغني)
وقال ابن رشد: وجمهور العلماء على أن الديون تحلُّ بالموت.
следующие страницы →