← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

فائدة: ٣ ما الحكم إذا مات المفلس، هل يكون الرجل أحق بماله أو يكون أسوة الغرماء؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: فقيل: هو أحق بماله. وهذا مذهب الشافعي. قال الحافظ ابن حجر: واحتج الشافعي بحديث أبي هريرة قال (قضى رسول الله ﷺ أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه) وهو حديث حسن يحتج بمثله، أخرجه أحمد وأبو داود. وقيل: بل يكون أسوة الغرماء. وهذا مذهب مالك وأحمد. لقوله (من أدرك ماله بعينه عند رجل) وبعد موته لا يكون أدركه عند هذا الرجل، وإنما أدركه عند الورثة. وهذا الراجح. فائدة: ٤ ما الحكم إذا مات صاحب المتاع؟ فهل تسقط حق ورثته، أو أن الورثة ينزلون منزلة المورث؟ قولان للعلماء، والراجح فيها أنه يورث فيكون الورثة أحق به من بقية الغرماء.

стр. 2172

(ويبيعُ الحاكم مال المفلس ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه). أي: يقسم الحاكم المال بقدر الديون ويكون التوزيع بالتقسيط. مثال: إذا كان رجل عليه دين، ومحمد يطلبه ﴿٢٠٠٠﴾ وخالد ﴿٣٠٠٠﴾ وأحمد ﴿٥٠٠٠﴾ المجموع: ١٠٠٠٠، ولم نجد عنده إلا ﴿٥٠٠٠﴾ فيكون التوزيع كالتالي. (ننسب الموجود إلى المطلوب ونعطي كل واحد من الغرماء بقدر نسبته). ننسب ﴿٥٠٠٠﴾ إلى ﴿١٠٠٠﴾، يخرج النصف فيصير محمد له: ١٠٠٠، وخالد: ١٥٠٠ وأحمد: ٢٥٠٠. - إذا كان الدين من جنس الدين فلا يبيعه. مثال: مطلوب بر، وعنده بر، فهنا لا يبيعه بل يسلمه الغرماء. فائدة: ١ ويجب على الحاكم أن يقسم المال فوراً. ولا يفرق بين صاحب السابق واللاحق. فائدة: ٢ ولا يفك حجر المفلس إلا حاكم، لأنه ثبت بحكم الحاكم فلا يرتفع إلا بحكمه. قال ابن قدامة: لا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِهِ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ. وَفَارَقَ الْجُنُونَ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، فَزَالَ بِزَوَالِهِ. وَلِأَنَّ فَرَاغَ مَالِهِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ وَبِحَثِّ، فَوَقْفُ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ. (المغني).

стр. 2173

(ولا تُباعُ دارُه التي لا غنى له عن سُكناها). أي: أن الحاكم يترك للمفلس من ماله: ما يحتاج إليه ولا يستغني عنه مثل: الثياب، والكتب، والبيت الذي يسكنه، وآلات الصنعة، والقوت الضروري، ورأس مال التجارة … إلخ ويؤخذ الزائد عن حاجته من هذه الأشياء، ويترك له ما يكفيه بلا زيادة. قال ابن قدامة: ولَا تُبَاعُ دَارُهُ الَّتِي لَا غِنَى لَهُ عَنْ سُكْنَاهَا. لأنَّ هَذَا مِمَّا لَا غِنَى لِلْمُفْلِسِ عَنْهُ، فَلَمْ يُصْرَفْ فِي دَيْنِهِ، كَثِيَابِهِ وَقُوتِهِ. … (المغني). فائدة: ١ قال ابن قدامة: وَجُمْلَته أَنَّ الْمُفْلِسَ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ، بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ الْمُفْلِسُ الْبَيْعَ، لَمَعَانٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا: لِيُحْصِيَ ثَمَنَهُ، وَيَضْبِطَهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ أَعْرَفُ بِثَمَنِ مَتَاعِهِ، وَجَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ، فَإِذَا حَضَرَ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَرَفَ الْغَبْنَ مِنْ غَيْرِهِ. الثَّالِثُ: أَنْ تَكْثُرَ الرَّغْبَةُ فِيهِ، فَإِنَّ شِرَاءَهُ مِنْ صَاحِبِهِ أَحَبُّ إلَى الْمُشْتَرِي. الرَّابِعُ: أَنَّ ذَلِكَ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ، وَأَسْكَنُ لِقَلْبِهِ.

стр. 2174

فائدة: ٢ قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ إحْضَارُ الْغُرَمَاءِ أَيْضًا، لَأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُبَاعُ لَهُمْ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ رُبَّمَا رَغِبُوا فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ، فَزَادُوا فِي ثَمَنِهِ، فَيَكُونُ أَصْلَحَ لَهُمْ وَلِلْمُفْلِسِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَطْيَبُ لِقُلُوبِهِمْ، وَأَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَجِدُ عَيْنَ مَالِهِ، فَيَأْخُذُهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِمْ كُلِّهِمْ، جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَيْهِ، وَمُفَوَّضٌ إلَى اجْتِهَادِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَبَانَتْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ فِي الْمُبَادَرَةِ إلَى الْبَيْعِ قَبْلَ إحْضَارِهِمْ. (المغني). (ولا يحِلٌّ مُوجَّلُ بِفَلَسٍ). أي: إذا كان الديْن مؤجلاً، فأفلس من هو عليه، لا يصير الدين حالاً. لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه. (الروض المربع). فلو أن رجلاً أفلس وحجرنا عليه، ولشخص آخر عليه دين مؤجل لا يحل إلا بعد سنة، فلا يحل هذا الديْن المؤجل لتفليس المدين. قال ابن قدامة: … ولنا: أَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَلَسِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ. وَلِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ حُلُولَ مَالِهِ، فَلَا يُوجِبُ حُلُولَ مَا عَلَيْهِ، كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ. وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ عَلَى حَيٍّ، فَلَمْ يَحِلَّ قَبْلَ أَجَلِهِ، كَغَيْرِ الْمُفْلِسِ … إذَا ثَبَتَ هَذَا: فَإِنَّهُ إذَا حُجِرَ عَلَى الْمُفْلِسِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا يُشَارِكُ أَصْحَابُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ غُرَمَاءَ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ، بَلْ يُقْسَمُ الْمَالُ الْمَوْجُودُ بَيْنَ أَصْحَابِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ، وَيَبْقَى الْمُؤَجَّلُ فِي الذِّمَّةِ إلَى وَقْتِ حُلُولِهِ. (المغني).

стр. 2175

(ولا بموت إن وثّقَ الورثة برهنٍ محرِز أو كفيل مليءٍ). أي: كذلك لا يحل المؤجل بموت المدين بشرطين: الأولى: إن وثق الورثة من الديْن برهن يكفي. الثانية: أو أتوا بكفيل مليء. لأنه لا ضرر على صاحب الحق. فإن لم يوثقوا حل لغلبة الضرر. (الروض المربع). قال ابن قدامة: فَأَمَّا إنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ، فَهَلْ تَحِلُّ بِالْمَوْتِ؟ فيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا تَحِلُّ إذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَعَبْدِاللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: أَنَّهُ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ. وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَوَّارٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، أَوْ الْوَرَثَةِ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ، لَا يَجُوزُ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ لِخَرَابِهَا، وَتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِهِ بِهَا، وَلَا ذِمَّةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوهَا، وَلَا رَضِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهِمْ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ وَتَأْجِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِالْمَيِّتِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ، وَلَا نَفْعَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ. أَمَّا الْمَيِّتُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الْمَيِّتُ مُرْتَهَنٌ بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) وَأَمَّا صَاحِبُهُ فَيَتَأَخَّرُ حَقُّهُ، وَقَدْ تَتْلَفُ الْعَيْنُ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ وَأَمَّا الْوَرَثَةُ، فَإِنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِالْأَعْيَانِ، وَلَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُمْ مَنْفَعَةٌ، فَلَا يَسْقُطُ حَظُّ الْمَيِّتِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ لِمَنْفَعَةِ لَهُمْ. … (المغني) وقال ابن رشد: وجمهور العلماء على أن الديون تحلُّ بالموت.

стр. 2176

(وإن ظهر غريمٌ بعد القسمة رجع على الغرماءِ بقسطهِ). لأنه لو كان حاضراً شاركهم، فكذا إذا ظهر. قال ابن قدامة: وَلَوْ قَسَمَ الْحَاكِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ، رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ: لَا يَحَاصُّهُمْ؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَلَنَا، أَنَّهُ غَرِيمٌ لَوْ كَانَ حَاضِرًا قَاسَمَهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَاسَمَهُمْ، كَغَرِيمِ الْمَيِّتِ يَظْهَرُ بَعْدَ قَسَمَ مَالِهِ، وَلَيْسَ قَسْمُ الْحَاكِمِ مَالَهُ حُكْمًا، إنَّمَا هُوَ قِسْمَةٌ بَانَ الْخَطَأُ فِيهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَسَّمَ مَالَ الْمَيِّتِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ. أَوْ قَسَمَ أَرْضًا بَيْنَ شُرَكَاءَ، ثُمَّ ظَهَرَ شَرِيكٌ آخَرُ. أَوْ قَسَمَ الْمِيرَاثَ بَيْنَ وَرَثَةٍ، ثُمَّ ظَهَرَ وَارِثٌ سِوَاهُ، أَوْ وَصِيَّةٌ، ثُمَّ ظَهَرَ مُوصَى لَهُ آخَرُ. … (المغني). فصل (ويُحجر على الصغير والمجنون والسفيه لحظهم). هذا القسم الثاني من أنواع الحجر (المحجور عليه لمصلحة نفسه)، وهم السفيه والصغير والمجنون. فهؤلاء يمنعون من التصرف في المال والذمة. السفيه: الذي لا يحسن التصرف في ماله بأن يبذل ماله في حرام، أو في غير فائدة، أو يغبن كثيراً. الصغير: هو من لم يبلغ. المجنون: من لا عقل له.

стр. 2177

(ومن أعطاهم ماله بيعاً أو قرضاً بما بقي لا ما تلِفَ). أي: من أعطى ماله (ببيع أو قرض أو غيرهما) لصبي أو لسفيه أو لمجنون فإنه يرجع بما بقي منه. لأنه ماله. (لا ما تلف). أي: أن ما أتلفوه فإنهم لا يضمنونه. لأن البيع غير صحيح، لأنه هو الذي سلطهم على ماله، فلا شيء له إذا تلف. (وإن تمّ لصغيرٍ خمس عشرة سنة، أو نبت حول قُبلهِ شعر خشن أو أنزل، أو عقل مجنون ورشد، أو رشد سفيه زال حجرهم). في هذه القطعة ذكر متى يزول حجر هؤلاء: أولاً: الصبي: ويزول حجره بأمور: أ- بلوغ خمس عشـ ١٥ ـرة سنة. قال ابن حجر: وقال الشافعي وأحمد وابن وهب والجمهور: حده فيها استكمال خمس عشرة سنة. وقال النووي: وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن وهب وأحمد وغيرهم، قالوا: باستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفاً وإن لم يحتلم. لحديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ (عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي) متفق عليه. وفي رواية البيهقي (فلم يجزني ولم يرني بلغت) وصححها ابن خزيمة.

стр. 2178

(لكن لا بد أن ينظم إلى هذا الشرط الرشد). لقوله تعالى (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). (وابْتَلُوا الْيَتَامَى) أي اختبروهم، كأن يعطيه مال وينظر كيف يتصرف فيه (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) هذا الشرط الأول وهو البلوغ (فَإِنْ آنَسْتُمْ) علمتم (مِنْهُمْ رُشْداً) هذا الشرط الثاني، والرشد حسن التصرف (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) وأما قبل البلوغ وقبل الرشد لا يدفع إليهم أموالهم. - لكن لا يدفع إليه مال حتى يختبر ليعلم رشده. ب- الإنبات: (أن ينبت الشعر الخشن حول ذكر الرجل أو فرج المرأة). قال ابن حجر: فاعتبر مالك والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور الإنبات. وقال ابن حزم: والإنبات بلوغ صحيح. عن عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ، قَالَ (كُنْتُ مِنْ سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ، فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِت) رواه أبوداود. ج- الإنزال: (وهذا بالإجماع حكاه ابن قدامة). قال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام. قال تعالى (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا). وقال ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة:. . . وعن الصبي حتى يحتلم) رواه أبو داود. (وهذه الثلاثة للذكر والأنثى وتزيد الأنثى الحيض). قال ابن قدامة: وأما الحيض فهو علم على البلوغ، لا نعلم فيه خلافاً. وقال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ في حق النساء. عن عائشة. عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَقْبَلُ اَللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيُّ - (حائض) أي بالغ. وقال ابن الأثير: أي التي بلغت سن المحيض وجرى عليها القلم، ولم يرد في أيام حيضها، لأن الحائض لا صلاة عليها.

стр. 2179

ثانياً: المجنون: يزول حجره بأمرين: ١ - زوال الجنون بأن يعقل، وذلك بالتمييز في تصرفاته. ٢ - الرشد. ثالثاً: السفيه: ويزول حجره بشرط واحد وهو الرشد: لأنه بالغ عاقل. الرشد: هو الصلاح في المال كما تقدم. (بلا حكم حاكم). أي: هؤلاء يزول حجرهم بلا قضاء حاكم. لأنه ثبت بغير حكمه فزال بغير حكمه. (ولا ينفك الحجر قبل شروطه). أي: لا ينفك الحجر عن هؤلاء الثلاثة قبل شروطه السابقة بحال، ولو صار شيخاً. وقد تقدم: يشترط في الصغير: البلوغ والرشد. وفي المجنون: العقل والرشد. وفي السفيه: الرشد، فلا بد إذن من تمام الشروط، فإذا تمت الشروط انفك، ولا حاجة للحاكم. (والرشد هنا الصلاح في المال). أي: الرشد هنا في باب المال. وتقدم من هو الرشيد: وهو من يتصرف مراراً فلا يغبن غالباً. ويكون السفيه: من لا يحسن التصرف بالمال، بأن يغبن كثيراً ويخدع.

стр. 2180

(ووليهُم حال الحجرِ الأب، ثم وصيه ثم الحاكم). أي: وولي السفيه الذي بلغ سفيهاً واستمر، والصغير، والمجنون حال الحجر أبوهم. لأنه أكمل شفقة ونصحاً من غيره. - يشترط في هذا الأب أن يكون رشيداً، فإن كان سفيهاً، أو مجنوناً، فلا يكون ولياً لهم. لأنه هو بحاجة لولي، فكيف يكون ولياً على غيره. (ثم وصيهُ). بأن قال: يتولى أمر أولادي بعد موتي فلان، فإن الولاية تكون له. (ثم الحاكم). لأن الحاكم ولي من لا ولي له. (ولا يتصرف لأحدهم وليهُ إلا بالأحظ). لقوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن). ولأن هذا الولي يتصرف لغيره، فوجب عليه أن يأخذ بالأحظ. - فإذا أراد أن يبيع له عقاراً فلا يتعجل في بيعه بل يتريث حتى يكون ذلك أحظ له. - وأيضاً لا يحل له أن يهب من ماله أو يعتق ولا أن يهدي، ولا أن يحابي كأن تكون الأرض تساوي مائة ألف فيشتريها من صديقه بمائة وعشرة آلاف لليتيم، وإن تصرف بمثل هذه التصرفات فهم ضامن لأنه متعد).

стр. 2181

باب الوكالة تعريفها: لغة: التفويض. الوكالة: هي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة. وهذا التعريف يدل على أن الموكِل لابد أن يكون جائز التصرف فلا تصح الوكالة من صبي أو مجنون. ولابد أن يكون أن الوكيل جائز التصرف. فائدة: أركان الوكالة: الموكِّل: وهو الذي يستعين بغيره، ليقوم ببعض التصرفات نيابة عنه. الوكيل: وهو الذي يقوم بالتصرف نيابة عن غيره، بإذن منه وتوكيل. المُوكَّل فيه: وهو التصرف الذي يقوم به الوكيل نيابة عن الموكِّل. (وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع). قال تعالى (واخلفني في قومي وأصلح). وقال تعالى _ عن سليمان أنه قال للهدهد _ (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - فِي قِصَّةِ اَلْعَسِيف- قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى اِمْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اِعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا … ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (بَعَثَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى اَلصَّدَقَةِ … ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 2182

وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَذْبَحَ اَلْبَاقِيَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي البخاري (أن النبي ﷺ وكّل عروة بن الجعد في شراء شاة). ووكل أبا بكر أن يصلي بالناس في مرض موته ﷺ : ففي الصحيحين عن عائشة (أن النبي ﷺ قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس). متفق عليه ووكل أبا هريرة في حفظ الصدقة: ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ … ). قال ابن قدامة: وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ كُلَّ وَاحِدٍ فِعْلُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا. (المغني). (تصح بكل قول أو فعل يدل على الإذن). أي: تصح الوكالة بكل قول أو فعل يدل على الإذن في التصرف، ولا يتعين لفظ الوكالة. كأن يقول الموكّل للوكيل: وكلتك في بيع داري، أو أذنت لك في بيع سيارتي، أو أقمتك مقامي في بيع سيارتي. فهي أوسع العقود، ويصح القبول على الفور أو التراخي بكل قول أو فعل.

стр. 2183

(وتَصِح ومنجزة ومعلقة ومؤقتة). منجزة: كأن يقول أنت وكيلي الآن. معلقة: إذا جاء رمضان فأنت وكيلي. مؤقتة: أنت وكيلي لمدة شهر. قال المرداوي: بلا نزاع نعلمه. (يصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود، والفسوخ، والطلاق، والرجعة) تنقسم الوكالة في حقوق الآدميين من حيث التوكيل إلى قسمين: الأول: قسم يصح التوكيل فيه: مثل العقود: البيع، والشراء، والإجارة، والقرض والنكاح. كأن أقول لشخص: وكلتك تبيع سيارتي. الشراء: كأن أقول لشخص: وكلتك تشتري لي سيارة. الإجارة: كأن أقول لشخص: وكلتك تستأجر لي بيتاً. والفسوخ: كالطلاق، والخلع، والعتق، والإقالة. الطلاق: كأن أقول لشخص: يا فلان وكلتك أن تطلق زوجتي (وتكون الفائدة - أنه يثبت طلاقها عند المحكمة). الخلع: كأن أقول لشخص: وكلتك مخالعة زوجتي (الخلع مفارقة الزوجة على عوض). العتق: كأن أقول لشخص: وكلتك تعتق عبدي فلان. الإقالة: اشتريت من فلان سيارة ثم لم تعجبني السيارة، فرجعت إليه وقلت: أريد أن تقيلني البيع، فقال: نعم، فلو وكلت إنساناً في الإقالة يجوز سواء من البائع أو من المشتري. فهذه الأمور يصح التوكيل فيها لأن المقصود إيجاده بقطع النظر عن الفاعل. قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَى السُّوقِ.

стр. 2184

وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ وَلَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ، وَقَدْ يُحْسِنُ وَلَا يَتَفَرَّغُ، وَقَدْ لَا تَلِيقُ بِهِ التِّجَارَةُ لِكَوْنِهِ امْرَأَةً، أَوْ مِمَّنْ يَتَعَيَّرُ بِهَا، وَيَحُطُّ ذَلِكَ مِنْ مَنْزِلَتِهِ، فَأَبَاحَهَا الشَّرْعُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، وَتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْآدَمِيِّ الْمَخْلُوقِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْحَوَالَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالضَّمَانِ، وَالْكَفَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ، الْوَدِيعَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْقَرْضِ، وَالصُّلْحِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْفَسْخِ، وَالْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فِي الْحَاجَةِ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهَا، فَيَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُهُ، وَلَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافًا. وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ، وَأَبَا رَافِعٍ، فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى التَّزَوُّجِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ، لَا يُمْكِنُهُ السَّفَرُ إلَيْهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، كَدُعَائِهَا إلَى التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ. (لا ظهار ولعانٍ وأيْمان). هذا القسم الثاني: وهو ما لا يصح التوكيل فيه وهو: الظهار، واللعان، والأيمان. أ-لأنها تتعلق بنفس الشخص، فالوكيل لا يستطيع أن يفعلها. ب- ولأنه تفوت الحكمة في التوكيل فيه. قال ابن قدامة: وَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي الشَّهَادَةِ. لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّاهِدِ لِكَوْنِهَا خَبَرًا عَمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَائِبِهِ. وَلَا يَصِحُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ: لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْحَالِفِ وَالنَّاذِرِ، فَأَشْبَهَتْ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ وَالْحُدُودَ.

стр. 2185

وَلَا يَصِحُّ فِي الْإِيلَاءِ وَالْقَسَامَةِ وَاللِّعَانِ: لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ. وَلَا فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ: لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ الزَّوْجِ لَأَمْرٍ لَا يُوجَدُ مِنْ غَيْرِهِ. (المغني). الظهار: فلو وكل شخصاً في الظهار من امرأته، فذهب الرجل إلى المرأة، وقال لها: أنتِ على زوجك كظهر أمه عليه، فهذا لا يجوز ولا يثبت الظهر. اللعان: وهو ما يكون بين الزوج وزوجته - إذا رماها بالونا - ولم تعترف، فإنه يقام بينهما لعان (وهو أيمان مؤكدة بشهادات، فيقسم الرجل ثم الزوجة، فهنا لا يجوز للزوج أن يوكل أحداً غيره لإقامة اللعان، لأنها تتعلق بالشخص نفسه. - أن الوكيل لا يصح أن يضيف اللعنة إلى نفسه. الأيْمان: أي لا يجوز أن يوكل شخصاً يذهب عنه إلى القاضي ليؤدي اليمين عنه، لأنها تتعلق بالشخص نفسه. - فلا يصح التوكيل في الظهار لأمور ثلاثة: أولاً: لأنه يتعلق بنفس الشخص كما سبق. ثانياً: أن الموكل لا يملك ذلك، بل هو حرام عليه، فكيف يصح ذلك من الوكيل. ثالثاً: أن في قبول الوكيل هذا العمل الموكل فيها من باب التعاون على الإثم والعدوان وقد نهى الله عن ذلك. (وفي كل حقٍّ تدخلُه النيابة من العبادات). العبادات من حيث الوكالة وعدمها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: قسم يصح التوكيل فيه مطلقاً: كالعبادات المالية. كتفريق صدقة، أو زكاة، أو نذر، أو كفارة. قال في الإنصاف: بلا نزاع أعلمه. لأنه ﷺ كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها. الزكاة: كأن أعطي شخص ألف ريال زكاة كمالي، وأقول له وزعها على الفقراء. ويصح أن يوكل من يكفر عنه كفارة مالية ونحو ذلك من العبادات المالية.

стр. 2186

الثاني: قسم لا يصح التوكيل فيها مطلقاً، وهي العبادات البدنية المحضة. (أي الخالصة التي لا تتعلق بالمال). مثل: الصلاة، والصوم، والوضوء. لأنها تتعلق بنفس الفاعل، فلا يصح أن يوكل بها غيره. الصلاة: كأن أقول لشخص: اذهب وصلِ عني صلاة الظهر، فهذا لا يجوز. الصوم: كأن أقول لشخص: علي يوم قضاء من رمضان، أريدك أن تصومه عني، فهذا لا يجوز. الوضوء: كأن أقول لشخص: الجو بارد وأريدك أن تتوضأ عني، فهذا لا يجوز. الثالث: قسم فيه تفصيل: وهو الحج في الفرض: فالذي لا يستطيع أن يحج عجزاً مستمراً فإنه يجوز له أن يوكل وإلا فلا يجوز. لحديث ابن عباس. قال (جاءت امرأة من خثعم فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع) متفق عليه. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الحج كغيره من العبادات، والأصل فيه عدم جواز التوكيل، لأنه عبادة، والأصل في العبادة أنها مطلوبة من العابد، ولا يقوم غيره مقامه فيها، وحينئذ نقول: الحج وردت النيابة فيه عن صنفين من الناس: الأول: من مات قبل الفريضة، فإنه يحج عنه، لأنه ثبت ذلك بالسنة. الثاني: من كان عاجزاً عن الفريضة عجزاً لا يرجى زواله، فهذا جاءت به السنة، وسبق دليلها.

стр. 2187

(وهي عقد جائز). أي: من الطرفين. وقد تقدم، أن العقد الجائز هو الذي يملك كل واحد من المتعاقدين فسخه بدون رضا الآخر، ولا إذنه أيضاً. فالوكالة عقد جائز. لأنها من جهة المُوَكِّل إذْنٌ، ومن جهة الوكيل بذل نفع وكلاهما غير لازم. - لكن يلزمه في حالتين: الحالة الأولى: إذا كان هناك ضرر في فسخ الوكالة، كأن يكون فسخ الوكالة بشيء يتضرر به الموكِل. الحالة الثانية: إذا كانت الوكالة بجعل (أي بمقابل)، فهذه حكمها حكم الإجارة، فلا يجوز لأحد فسخها. (وَليْسَ لِلْوَكِيلِ أنْ يُوكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ إِلَيْهِ). كأن أوكل شخصاً ليشتري لي سيارة، فيذهب هو ويوكل آخر، هذا لا يجوز. أ- لأن النبي ﷺ قال (إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام) والتوكيل بغير إذن تعد على مال الغير. ب- ولأن تصرف الوكيل مستفاد بالإذن، فوجب أن يقتصر في تصرفه على ما أُذِن فيه، فإذا وكّل غيره فمعناه أنه وكل غيره أن يتصرف في ملك الغير. ج- وأيضاً: يقال: إن الموكِّل قد يرضى أن يتصرف في ملكه فلان، ولا يرضى أن يتصرف في ملكه فلان.

стр. 2188

(إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ إِلَيْهِ). أي: أن يأذن له، فيجوز، ولهذا قال (إلا أن يجعل إليه). مثال: أقول وكلتك أن تبيع سيارتي ولك أن توكل من شئت، أو من تثق به. قال ابن قدامة: إذا أَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ أَذِنَ لَهُ فِيهِ، فَكَانَ لَهُ فِعْلُهُ، كَالتَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَيْنِ خِلَافًا. فائدة: فإن أطلق الوكالة فلا يخلو من أقسام ثلاثة: أحدها: أن يكون دنيئاً لا يقوم به مثله. قال ابن قدامة: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِمَّا يَرْتَفِعُ الْوَكِيلُ عَنْ مِثْلِهِ، كَالْأَعْمَالِ الدَّنِيَّةِ فِي حَقِّ أَشْرَافِ النَّاسِ الْمُرْتَفِعِينَ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْعَادَةِ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْ عَمَلِهِ لِكَوْنِهِ لَا يُحْسِنُهُ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَعْمَلُهُ الْوَكِيلُ عَادَةً، انْصَرَفَ الْإِذْنُ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ. القسم الثاني: إذا كان يعجز عن القيام بمثله عادة. قال ابن قدامة: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَعْمَلُهُ بِنَفْسِهِ، إلَّا أَنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ؛ لِكَثْرَتِهِ وَانْتِشَارِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي عَمَلِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ جَوَازَ التَّوْكِيلِ، فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِي فِعْلِ جَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي التَّوْكِيلِ بِلَفْظِهِ. (المغني). مثال: وكلت رجلاً أن يصعد بحجر كبير إلى السطح، لأنك تريد أن تبني به السطح، وهو رجل ضعيف لا يقوى على ذلك، فهل له أن يوكل من يحمل الحجر إلى فوق؟ الجواب نعم، لأن مثله يعجز عنه.

стр. 2189

القسم الثالث: مَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُهُ عَمَلُهُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَتَرَفَّعُ عَنْهُ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ؟ فقيل: لَا يَجُوزُ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيِّ. لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ، وَلَا تَضَمَّنَهُ إذْنُهُ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ نَهَاهُ، وَلِأَنَّهُ اسْتِئْمَانٌ فِيمَا يُمْكِنُهُ النُّهُوضُ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ لِمَنْ لَمْ يَأْمَنْهُ عَلَيْهِ، كَالْوَدِيعَةِ. وقيل: يجوز. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. (المغني). (وَمَنْ وُكِّلَ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ لَم يَبِعْ وَلَمْ يَشْتَرِ مِنْ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ). أي: إذا وُكّل في بيع أو شراء فليس له أن يبيع أو يشتري لنفسه ولا لأصوله ولا لفروعه. مثال ذلك: وكلت إنساناً أن يبيع البيت، قلت: وكلتك في بيع بيتي، باعه على ابنه، فإنه لا يصح البيع. العلة: لأنه متهم في حقهم، فربما أرخص لهم، وحاباهم على حساب من وكّله. فائدة: يستثنى من ذلك: الأولى: إذا كان البيع في المزايدة وانتهى الثمن على ولده أو نفسه فإن البيع يصح؛ لأنه ليس فيه تهمة. الثانية: إذا حدد الموكل الثمن للوكيل وقال: بعها، قال: بكم أبيعها؟ قال: بعها بعشرة آلاف، وباعها على ولده بعشرة آلاف، فهذا يجوز؛ لأن الموكل حدد الثمن، فهو لا يريد أكثر من ذلك، فيصح أن يبيعها على ولده لانتفاء التهمة حينئذ.

стр. 2190

(وإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ أَوْ دُونِ ما قَدَّرَهُ لَهُ صَحَّ وَضَمِنَ النَّقْصَ). هذه عدة مسائل يصح فيها تصرف الوكيل، ويضمن مع ذلك النقص والزيادة. أولاً: إذا باع الوكيل السلعة بدون ثمن المثل، ولم يحدّد الموكل ثمناً يبيع به. فالبيع صحيح، ويضمن الوكيل النقص. مثال: وكّل في بيع سيارة تساوي (٥٠) ألفاً، فباعها بـ (٤٠) ألفاً. فالبيع صحيح ويضمن الوكيل النقص. فائدة: إذا كان النقص مما جرى العرف التغابن فيه، فالبيع صحيح ولا يضمن. وكل في بيع سيارة تساوي (٥٠) ألفاً فباعها بـ (٤٩٥٠٠) فهنا لا يضمن. لأن الناس يتغابنون في الأمور اليسيرة، ويشق التحرز منه. ثانياً: إذا باع دون ما قدّر له. مثال: قال الموكل: بع الأرض بمائة، فباعها بتسعين. فالبيع صحيح ويضمن الوكيل الباقي، ولو كان مما يتغابن به عادة، لأنه ليس له أن يبيع دون ما قدر له.

стр. 2191

(وإن اشترى ما لم يأذن له فيه وقِفَ على الإجازة وإلا لزمه). أي: وإن اشترى الوكيل شيئاً لم يأذن له فيه الموكل، فإن الشراء صحيح، ويكون موقوفاً على إجازة الموكل، فإن أجازه صح ولزم الموكل، وإن لم يجزه لزم الوكيل، لأن الشراء صدر منه، ولا يلزم الموكل، لأنه لم يأذن في شرائه. وقيل: أن الشراء باطل. وهو قول الشافعية. وقيل: أن الشراء صحيح، ويكون للوكيل لا للموكل. وهذا قول الحنفية، والمالكية. (ولو قال: بع هذا بعشرة فما زاد فلك صح). أي: يصح وله (للوكيل) الزيادة. قال ابن قدامة: إذَا قَالَ: بِعْ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشْرَةٍ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ لَك، صَحَّ، وَاسْتَحَقَّ الزِّيَادَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ. وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ بِإِذْنِهِ، فَصَحَّ شَرْطُ الرِّبْحِ لَهُ فِي الثَّانِي، كَالْمُضَارِبِ وَالْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ. (المغني) لكن هل يلزم أن يخبر الموكل بثمن المبيع؟ لا يلزم. وهل يلزم أن يخبر المشتري بسعرها الذي حدده الموكل؟ قولان: قيل: يلزم، وقيل: لا يلزم، وهو الصحيح.

стр. 2192

(والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده إلا بتفريط أو تعدٍ). الوكيل أمين، فلا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط. والأمين هو: كل من كان المال بيده بإذن من الشارع أو بإذن من المالك فهو أمين، ومن كان في يده بغير إذن من الشارع أو من المالك فليس بأمين. والوكيل أمين؛ لأن العين حصلت بيده بإذن من الموكِّل، ومتى ترتفع الأمانة؟ ترتفع الأمانة إذا تعدى أو فرط، وصارت يده غير أمينة. التعدي: أن يفعل ما لا يجوز. التفريط: أن يترك ما يجب. مثال آخر: الوكيل وكله في شراء ساعة، واشترى الساعة، ثم وضعها في بيته على رف يتناوله الصبيان، فأخذ الصبيان الساعة وخرَّبوها، فإنه يضمن؛ لأنه فرَّط. مثال آخر: وكلته أن يشتري لي ساعة فاشتراها، ثم إنه نسي ساعته في البيت فوضع الساعة التي اشتراها لي في يده ـ يعني استعملها ـ فجاءها شيء وكسرها، فإنه يضمن؛ لأن هذا من التعدي.

стр. 2193

مثال آخر: اشترى الساعة ووضعها في رف عال لا يتناوله الصبيان، ولكن أحد الصبيان كان بذيّاً، أتى بسلم، وصعد على الرف وأخذ الساعة وكسرها، فهنا لا يضمن؛ لأن هذا ليس تعدياً ولا تفريطاً، إذ إنه جرت العادة أن الناس يحفظون مثل الساعة وشبهها في الرفوف العالية عن الصبيان، وهذا الصبي خرج عن العادة. فعلى كل حال، إذا تلف الشيء الذي تحت يده بتعدٍّ أو تفريط فهو ضامن، وبلا تعدٍّ ولا تفريط فهو غير ضامن. (الشرح الممتع). (وتبطل بموت أحدهما). هذه مبطلات الوكالة: موت أحدهما. أي: إذا مات الوكيل أو الموكّل بطلت الوكالة. لأنها تعتمد على الحياة، فإذا انتفت انتفت صحتها، لانتفاء ما تعتمد عليه وهو أهلية التصرف. لأنه إذا مات الموكل انتقل المال إلى ورثته، فلابد من تجديد الوكالة إذا شاؤوا أن يستمروا مع الوكيل، أما الوكيل فتبطل بموته، لأن الموكل إنما رضيه بعينه، فإذا مات فإن المعقود عليه قد زال وفات، فتبطل بذلك الوكالة. (وجنونه). أي: وتبطل بجنون أحدهما. لأن المجنون ليس أهلاً للتصرف. (وبفسخ أحدهما). أي: بفسخ الوكيل أو الموكل لها. وقد تقدم أن هذا مقيد بما إذا لم يكن يتضمن الفسخ ضرراً.

стр. 2194

فائدة: اختلف العلماء: لو تصرف الوكيل قبل أن يعلم بفسخه. مثاله: وكلت هذا الرجل على أن يبيع بيتي، ثم في اليوم الثاني أشهدت رجلين أني فسخت وكالته، ثم باع البيت في اليوم الثالث ولم يعلم بالفسخ. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا ينفذ تصرفه، والبيع باطل. وهذا مذهب الشافعي، والحنابلة، واختاره ابن تيمية. وعلى هذا القول فالبيع غير صحيح، لأنه فسخ الوكالة قبل البيع. القول الثاني: أن تصرفه نافذ. وهذا مذهب أبي حنيفة. قالوا: لأن تصرفه مستند إلى إذن سابق لم يعلم بإزالته فكان تصرفاً صحيحاً. (لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان) فالأصل بقاء الوكالة. ب- أنه لم يصدر منه تفريط، وإنما التفريط من الموكل الذي لم يبلغه. ج- أن الوكيل يتصرف بأمر الموكل ولمصلحته، وعزله قبل علمه حل للعقد، فلا يثبت في حقه قبل علمه كالنسخ، لا يثبت في ذمة المكلف إلا بعد العلم. د- أن في القول بعزله إضراراً به، لأنه قد يتصرف بعد عزله بما يوجب الضمان، والضرر يزال. هـ- أن الوكيل محسن، ولا يكون جزا المحسن الإساءة بتحميله الضمان. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 2195

باب الشركة تعريفها: اجتماع في تصرف. يعني أن يتعاقد شخصان في شيء يشتركان فيه. (وتسمى هذه شركة عقود). (وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع). قال تعالى (وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض .. ). وقال سبحانه (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء). وقال ﷺ (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خان خرجت من بينهما) رواه أبوداود. (وهي خمسة أنواع) أي: أن الشركة خمسة أنواع، ودليل ذلك التتبع والاستقراء. (أحدها: شركة العِنان، وهي أن يشترك اثنان فأكثر في مال يتجران فيه، ويكون الربح بينهما بحسب ما يتفقان عليه). هذه النوع الأول من أنواع الشركات: شركة العنان. وهي أن يشتركان اثنان فأكثر في مال يتجران فيه ويكون الربح بينهما بحسب ما يتفقان عليه. مثال ذلك: اثنان اشتركا في فتح محل تجاري لبيع المواد الغذائية هذا أحضر مالاً وهذا أحضر مالاً، وشرعا يعملان فيه بالبيع والشراء .. إلخ، فهذه نقول بأنها شركة عنان. فائدة: ١ وهذا النوع من الشركات جائز باتفاق الفقهاء. وقد ورد في جوازها أدلة تقريرية عن الرسول ﷺ ، والتقرير أحد وجوه السنة. فقد ورد عن سليمان بن أبي مسلم قال (سألت أبا المنهال عن الصرف يداً بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئاً يداً بيد، ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه، فقال: فعلتُ أنا وشريكي زيد بن أرقم، وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: ما كان يداً بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه) رواه البخاري.

стр. 2196

مثال: رجل عنده (١٠٠) ريال، وآخر عنده (١٠٠)، فاتفقا على أن يفتحا محلاً لهذا المال، وصار كل واحد منهما يعمل بهذا المحل فائدة: ٢ - سميت بذلك: إما من عَنَّ يعِن بكسر العين وضمها: إذا ظهر أمامك، وذلك لظهور مال كل من الشريكين لصاحبه. وإما من العِنان: وهو سير اللجام الذي تمسك به الدابة، والفارسان إذا تساويا في السير، فإن عنانيهما يكونان سواء. أو أخْذاً من عنان الدابة المانع لها من السير، لمنع كل من الشريكين من التصرف بغير مصلحة. فائدة: ٣ هذا النوع هو السائد بين الناس: لأنه لا يشترط فيها المساواة لا في المال ولا في التصرف، فيجوز أن يكون أحد الشريكين أكثر من الآخر. فائدة: ٤ ويكون الربح بينهما بحسب ما يتفقان عليه. لأنه يرجع إلى العمل، والخبرة، والثقة، والسمعة ونحو ذلك، وهذا يختلف باختلاف الناس، قد يكون هذا الرجل ممن يثق به الناس لخبرته وجودته ونحو ذلك، فيشترط أن له ثلاثة أرباع الربح. فلو قال أحدهما، لي ثلاثة أرباع الربح ولك الربع، جاز. فائدة: ٥ يشترط أن يكون المال معلوماً ولو متفاوتاً. أي: المال الذي يدفعه كل واحد من الشريكين لابد أن يكون معلوماً، قدره ووصفه. لأن المجهول لا يمكن الرجوع إليه عند الفسخ.

стр. 2197

- قوله (ولو متفاوتاً) يعني بعضه أكثر من بعض. مثال ذلك: إنسان شارك بألف، وإنسان بخمسمائة ريال. فائدة: ٦ وأن يشترطا لكل منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً. (المشاع: كالربع، والثلث). كأن يقول: لي ربع الربح ولك ثلاث أرباع يصح. أو قال: الربح بيننا فإنه يصح، أو قال: لي ثلث الربح ولك الثلثان. فإن قال أحدهما لك من الربح (١٠٠) درهم، فإنه لا يصح، لأنه ربما لا تربح إلا هذا الربح فيبقى الثاني لا ربح له. (معلوماً) احترازاً من المجهول، كما لو قال: ولك شيء من ربحه، فلا يصح. فائدة: ٧ إن لم يذكرا الربح فإنه لا يصح، لأمرين: الأمر الأول: أن الربح هو المقصود في الشركة فلا يجوز الإخلال به. الأمر الثاني: أن عدم ذكر الربح يبقى مجهولاً، وهذا يؤدي إلى النزاع. فائدة: ٨ ينفذ تصرف كل واحد منهما بالمالين: بحكم الملك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب شريكه. فائدة: ٩ والخسارة على قدر المال. بخلاف الربح، فعلى ما شرطاه. مثال: جاء أحدهما بـ ﴿٢٠٠﴾ والآخر ﴿١٠٠﴾ وخسرا، وعند التصفية أصبح المال ﴿١٥٠﴾، فيكون على صاحب ﴿٢٠٠﴾ خسارة ﴿١٠٠﴾ وعلى صاحب ﴿١٠٠﴾ خسارة ﴿٥٠﴾.

стр. 2198

(والثاني: المضاربة، وهي أن يدفع أحدهما إلى الآخر مالاً يتجر فيه ويشتركان في ربحهِ). فشركة المضاربة: دفع مال معلوم لمن يتجر به بجزء معلوم من ربحه. مثال: أعطى عمر زيداً ﴿١٠٠﴾ ريال ليتجر بها على أن يكون الربح بينهما. فائدة: ١ حكمها: جائزة بالإجماع. قال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة. وقال ابن رشد: ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض. وقال ابن القيم: وقد أقر النبي ﷺ المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام، فضارب أصحابه في حياته وبعد موته، وأجمعت الأمة عليها. والناس بحاجة إلى هذه الشركة، حيث أن الأموال لا تنمو إلا بالتنقيب والتجارة وليس كل من يملكها يحسن العمل بها، وكذلك هناك من يحسن العمل لكن لا مال له فكانت الحاجة لصالح الطرفين. فائدة: ٢ ولا يضارب العامل بمال لآخر إلا بشرطين: الأول: إن رضي الأول. الثاني: إن لم يضر بالأول. مثال: أعطيتك مبلغاً من المال على أن تتجر به بالكتب، فأخذتها وضاربت، ثم عقد هذا الرجل عقد مضاربة مع رجل آخر في نفس السلعة، فهذا العقد يضر بالأول، لأن السلعة إذا كثرت رخصت. لكن إن رضي الأول جاز.

стр. 2199

فائدة: ٣ من شروط المضاربة معرفة الربح. (معرفة نصيب كل واحد منهما)، وأن يكون مشاعاً. قال ابن قدامة: وَمَنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْمُضَارَبَةِ تَقْدِيرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْطِ، فَلَمْ يُقَدَّرْ إلَّا بِهِ. (المغني). إن قال رب المال اتجر به والربح بيننا فنصفان. وإن قال اتجر به ولي ثلاثة أرباع أو الثلث صح، لأنه متى علم نصيب أحدهما أخذه والباقي للآخر. قال ابن قدامة: ويشترط تقدير نصيب العامل، ونصيب كل واحد من الشريكين في الشركة بجزء مشاع؛ لأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، والمضاربة في معناها. فإن قال: خذه مضاربة والربح بيننا؟ صح وهو بينهما نصفين؛ لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة من غير ترجيح لأحدهما، فاقتضى التسوية، كقوله: هذه الدار بيني وبينك، وإن قال: على أن لك ثلث الربح، صح، والباقي لرب المال؛ لأنه يستحقه، لكونه نماء. (الكافي). وقال في المغني: وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً، وَلَك جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ، أَوْ شَرِكَةٌ فِي الرِّبْحِ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ الرِّبْحِ، أَوْ نَصِيبٌ أَوْ حَظٌّ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ إلَّا عَلَى قَدْرٍ مَعْلُومٍ. وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ، وَلَك مِثْلُ مَا شَرَطَ لِفُلَانٍ. وَهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ. صَحَّ؛ لِأَنَّهُمَا أَشَارَا إلَى مَعْلُومٍ عِنْدَهُمَا. وَإِنْ كَانَا لَا يَعْلَمَانِهِ، أَوْ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدُهُمَا، فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ. … (المغني). وقال ابن حزم: ولا يجوز القراض إلا بأن يسميا السهم الذي يتقارضان عليه من الربح، كسدس، أو ربع، أو ثلث، أو نصف، ويبينا ما لكل واحد منهما من الربح.

стр. 2200

فائدة: ٤ تصح المضاربة مؤقتة: بأن يقول رب المال: ضاربتك على هذه الدراهم أو الدنانير سنة، فإذا مضت السنة فلا تبع ولا تشتر. فائدة: ٥ المضاربة بالدين: وهو ما إذا كان لرجل على آخر دين، فيقول له: ضارب بالدين الذي عليك، لم يصح. قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه خلافاً. … (المغني). وذلك لعدم حضور المال، ولأن المال الذي في يد المدين له، وإنما يصير لغريمه بقبضه، ولم يقبضه. فائدة: ٦ إن فسدت شركة المضاربة: فقيل: المال كله لرب المال، وللعامل أجرة المثل، وقيل: أن للعامل سهم المثل، فيقال: لو اتجر الإنسان بهذا المال كم يعطى في العادة؟ فقالوا - مثلاً - يعطى نصف الربح، فيكون له نصف الربح، وهكذا، وهذا القول هو الصحيح، لأن العامل إنما عمل على أنه شريك لا على أنه أجير. فائدة: ٧ من شرطها أن يكون رأس المال معلوماً للعاقدين. قال ابن قدامة: وَمَنْ شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا وَلَا جُزَافًا.

стр. 2201

فائدة: ٨ هل يجوز أن يكون رأس مال المضاربة من العروض؟ قيل: لا يجوز. قال الماوردي: لا يصح القراض إلا بالدراهم والدنانير دون العروض والسلع، وبه قال جمهور الفقهاء. وقيل: يجوز. وهو قول طاووس والحسن والأوزاعي. لعدم الدليل المانع. فائدة: ٩ قال ابن قدامة: ويصح أن يشرط على العامل أن لا يسافر بالمال، ولا يتجر به إلا في بلد بعينه، أو نوع بعينه أو لا يعامل إلا رجلاً بعينه؛ لأنه إذن في التصرف فجاز ذلك فيه كالوكالة. … (الكافي). وقال في المغني: وَالشُّرُوطُ فِي الْمُضَارَبَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ، فَالصَّحِيحُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ، أَوْ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ، أَوْ لَا يَتَّجِرَ إلَّا فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ نَوْعٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ. فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ كَانَ النَّوْعُ مِمَّا يَعُمُّ وُجُودُهُ، أَوْ لَا يَعُمُّ، وَالرَّجُلُ مِمَّنْ يَكْثُرُ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ أَوْ يَقِلُّ. (المغني). فائدة: ١٠ العامل في المضاربة أمين. قال ابن قدامة: وَالْعَامِلُ أَمِينٌ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، لَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ، فَكَانَ أَمِينًا، كَالْوَكِيلِ. فائدة: ١١ مبطلات المضاربة: جاء في كشاف القناع: وإذا مات أحد المتقارضين أو جن جنوناً مطبقاً أو توسوس بحيث لا يحسن التصرف … انفسخ القراض. فائدة: ١٢ قال ابن قدامة: إذَا تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ الشِّرَاءِ انْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ ؛ لِزَوَالِ الْمَالِ الَّذِي تَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِه.

стр. 2202

(الثالث: شركة الوجوه، أن يشتريا في ذِمَّتَيْهِما بجاهِهما فما ربحا فبينهما). وهي شركة تقوم على اشتراك رجلين أو أكثر ولا مال لهم على أن يشتروا بوجوههم. فائدة: ١ سميت بذلك: لبنائها على وجاهة كل منهما ومكانته عند الناس. فائدة: ٢ حكمها: جائزة. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة. وذهب بعض العلماء: إلى عدم صحتها. فائدة: ٣ تبطل بموت أحد الشريكين. فائدة: ٤ ويكون الربح بينهما على ما اشترطاه من تساو أو تفاضل، لأن أحدهما قد يكون أوثق عند التجار. فائدة: ٥ والوضيعة على قدر المال، وهذا في جميع الشركات كما تقدم. قال ابن قدامة: وحكمها في جواز ما يجوز لكل واحد منهما، أو يمنع منه حكم شركة العنان.

стр. 2203

(الرابع: شركة الأبدان، وهي أن يشتركا فيما يكتَسِبان بأبدانِهِما). وهذه الشركة عادة تكون بين الحدادين والنجارين وأمثالهم ممن يعملون بالبدن. فائدة: ١ تصح مع اختلاف الصنائع. كحداد ونجار مثلاً. فائدة: ٢ إن مرض أحدهما فالكسب الذي عمله أحدهما بينهما. لأن الأصل الشركة. وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه. لأنهما دخلا على أن يعملا، فإذا تعذر عليه العمل بنفسه لزمه أن يقيم مقامه. فائدة: ٣ يشترط في شركة الأبدان أن يكون نصيب كل واحد ومقداره معلوماً لهما، وهذا الشرط لا بد منه في جميع الشركات، فليس مختصاً في شركة الأبدان. ويشترط أن يكون نصيب كل واحد منهما شائعاً كالنصف أو الثلث أو الربع. فائدة: ٤ قال ابن قدامة: وَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ دَابَّتَهُ إلَى آخَرَ لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا، وَمَا يَرْزُقُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ أَثْلَاثًا أَوْ كَيْفَمَا شَرَطَا، صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْبٍ وَأَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ. وَنُقِلَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا. (المغني).

стр. 2204

باب المساقاة وسيأتي تعريفها إن شاء الله. (وهي جائزة بالسنة) عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: فَسَأَلُوا أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ اَلثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا "، فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ -. وَلِمُسْلِمٍ: (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ شَطْرُ ثَمَرِهَا). فقوله (من ثمر) هذه مساقاة، وقوله (أو زرع) هذه مزارعة. فجمهور العلماء على جوازها. قال ابن رشد: أما جوازها - يعني المساقاة - فعليه جمهور العلماء مالك، والشافعي، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، وأحمد، وداود. … (بداية المجتهد). وقال الماوردي: والمساقاة حكمها جائزة، لا يعرف خلاف بين الصحابة والتابعين في جوازها، وهو قول الفقهاء إلا أبا حنيفة دون أصحابة، فإنه تفرد بإبطالها. للحديث السابق، وجاء في بعض الروايات (أنه ﷺ ساقاهم على نصف ما تخرجه الأرض من الثمرة). وفي رواية للبخاري (أعطى النبي ﷺ خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها).

стр. 2205

فقوله (أن عملوها) يراد به المساقاة، حيث يطلق أهل المدينة على المساقاة المعاملة. وقوله (أن يزرعوها) يراد بها المزارعة، فالحديث جمع بين عقدي المساقاة والمزارعة. (وهي دفع شجر لمن يقوم بمصالحه بجزء من ثمره). هذا تعريف المساقاة. فالمساقاة: لغة مشتقة من السقي لأن السقي هو أهم الأعمال الذي يستفيد منها التمر. وتعريفها: أن يدفع الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم من ثمره مشاع. مثال: إنسان عنده أرض وعليها أشجار من نخيل وأعناب ورمان وغيرها، فأعطاها شخصاً ينميها بجزء من الثمرة. والمزارعة: مأخوذة من الزرع، وهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها. مثالها: إنسان عنده أرض بيضاء وليس فيها زرع، فأعطاها فلاحاً يزرعها وله نصف الزرع - مثلاً - فهذا يجوز. فائدة: ١ جاء في (كشاف القناع) وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ بِلَفْظِ مُسَاقَاة لِأَنَّهُ لَفْظُهَا الْمَوْضُوعُ لَهَا، و بِلَفْظِ مُعَامَلَةٍ وَمُفَالَجَةٍ، وَاعْمَلْ بُسْتَانِي هَذَا حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ وَبِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهَا، لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى، فَإِذَا دَلَّ عَلَيْهِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ صَحَّ كَالْبَيْعِ. فائدة: ٢ جاء في (كشاف القناع) وَتَصِحُّ هِيَ، أَيْ الْمُسَاقَاةُ بِلَفْظِ إجَارَةٍ، فَلَوْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَعْمَلَ لِي فِي هَذَا الْحَائِطِ بِنِصْفِ ثَمَرَتِهِ أَوْ زَرْعِهِ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى وَقَدْ وَجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ.

стр. 2206

وقال ابن قدامة: وَإِنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُك لِتَعْمَلَ لِي فِي هَذَا الْحَائِطِ، حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ، بِنِصْفِ ثَمَرَتِهِ. فَفِيهِ وَجْهَانِ: وَالثَّانِي يَصِحُّ. وَهُوَ أَقِيسُ؛ لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ لِلْمَعْنَى، فَصَحَّ بِهِ الْعَقْدُ، كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا. (المغني). (ويشترط أن يكون على ثمر يؤكل). هذا الشرط الأول: أن يكون الشجر له ثمر يؤكل وينتفع به، كالنخل، والعنب، والرمان ونحوها. فإن لم يكن له ثمر كالأثل، لم يصح، وللعامل أجرة المثل، لأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمرة، وهذا لا ثمرة له. وكذا لو كان له ثمر غير مأكول، كالصنوبر والقرظ. قال ابن قدامة: وَأَمَّا مَا لَا ثَمَرَ لَهُ مِنْ الشَّجَرِ، كَالصَّفْصَافِ وَالْجَوْزِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَهُ ثَمَرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ، كَالصَّنَوْبَرِ وَالْأَرْزِ، فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ. وَلِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَهَذَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ. … (المغني). وقيل: يصح على شجر ليس له ثمر. وحينئذ يقدر للعامل أجرة المثل. ويصح أيضاً أن يكون ليس بمأكول.

стр. 2207

(بجزء مشاع معلوم منها). هذا الشرط الثاني: أن تكون المساقاة بجزء من الثمر مشاع معلوم، كالربع، والثلث، والنصف. لحديث ابن عمر السابق (أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع). والمراد بالشطر هنا: النصف. لو قال: لي ثمرة هذا العام، ولك ثمرة العام القادم، لا يصح. لو قال: لي ثمرة الجانب الشرقي، ولك ثمرة الجانب الغربي، لا يصح. لو قال: للعامل ١٠٠ صاع، لا يصح. إن قال: ساقيتك على أن لك الثلث، فإنه يجوز، ويكون لصاحب الأرض الثلثان. فإذا عين حق أحدهما فالباقي للآخر. قال ابن قدامة: الْمُسَاقَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الثَّمَرَةِ مُشَاعٍ، كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: عَامَلَ أَهْلَ، خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ قَلَّ الْجُزْءُ أَوْ كَثُرَ، … وَإِنْ شَرَطَ لَهُ ثَمَرَ نَخَلَاتٍ بِعَيْنِهَا، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا قَدْ لَا تَحْمِلُ، فَتَكُونُ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِرَبِّ الْمَالِ، وَقَدْ لَا تَحْمِلُ غَيْرُهَا، فَتَكُونُ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ. … (المغني).

стр. 2208

(وهي عقد جائز). وهذا مذهب الحنابلة. أ- لحديث ابن عمر السابق ( … فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا). وجه الدلالة: أنه لو كان لازماً لم يجز بغيره تقدير مدة، ولا يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم. ب- ولأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه قدر لهم ذلك بمدة، ولو قدر مدة لم يترك نقله، لأن هذا مما يحتاج إليه، وعمر أجلاهم من الأرض وأخرجهم من خيبر، ولو كانت لهم مدة مقدرة لم يجز إخراجهم منها. وذهب بعض العلماء: إلى أنها عقد لازم. وهذا قول جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، واختيار ابن تيمية. أ- لأنه عقد معاوضة فكان لازماً كالإجارة. ب-أنه لو كان جائزاً لجاز لرب المال فسخهما إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل فيستضر. ج-أن الوفاء بالوعد واجب وإخلافه محرم، فإذا عقد معه على سنة لزمه الوفاء به من باب الوفاء بالشروط وهو واجب. وهذا القول هو الراجح. وعلى هذا القول: لا يمكن لأحدهما الفسخ، فإن يقدر على العامل العمل لمرض أو نحوه، فإنه يقسم، ويقوم مقامه على حسابه.

стр. 2209

(وعلى كلٍ منهما ما جرت العادة به). أي: وعلى كل من العامل وصاحب الأرض ما جرت العادة به، لأنه لم يرد فيه نص (بأن على العامل كذا وعلى صاحب الأرض كذا) فيكون المرجع فيه إلى العرف، فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. فائدة: ١ العرف يدل على أن على العامل الحرث والسقي والتسميد وقطع الأغصان الرديئة، وإصلاح طرق الماء ونحو ذلك. وعلى رب المال ما يحفظ الأصل كبناء حائط، أو بناء ما انهدم منه، وحفر البئر، وإحضار آلة رفع الماء. فما يلزم العامل ورب الأرض مما ليس فيه نص، فيرجع فيه إلى العرف، فما تعارف عليه الناس أنه من اختصاص العامل لزمه، أو من اختصاص رب الأرض لزمه، فإن لم يكن هناك عرف معلوم فعلى ما تشارطاه. فائدة: ٢ أقل مدة للمساقاة. قال ابن قدامة: فَأَمَّا أَقَلُّ الْمُدَّةِ، فَيَتَقَدَّرُ بِمُدَّةٍ تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ فِيهَا، فَلَا يَجُوزُ عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الثَّمَرَةِ، وَلَا يُوجَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَكْمُلُ فِيهَا الثَّمَرَةُ، فَالْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةٌ.

стр. 2210

(وكذا المزارعة بجزء من الزرع معلوم). تقدم أن المزارعة مأخوذة من الزرع. وتعريفها: دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها. مثالها: إنسان عنده أرض بيضاء وليس فيها زرع، فأعطاها فلاحاً يزرعها وله نصف الزرع - مثلاً - فهذا يجوز. فقوله (بجزء) هذا شرط خرج به ما لو دفع الأرض لمن يزرعها مجاناً، فهذه لا تسمى مزارعة؛ لأن الزرع كله للعامل. مثال ذلك: رجل عنده أرض، وله صديق عاطل، فقال له: يا فلان خذ أرضي، وازرعها واسترزق الله بها، بدون أي سهم لصاحب الأرض، فهذه لا تسمى مزارعة، وإنما هي منحة منحها صاحب الأرض لمن يعمل فيها فلا تصح مزارعة؛ لأن المزارعة نوع من المشاركة، لكنها تبرع. وقوله (من الزرع) أي: مما يخرج من الأرض، فإن أعطاه إياها بجزء أو بشيء معلوم مما لا يخرج من الأرض، فليست مزارعة بل هي إجارة، مثل أن يقول: خذ هذه الأرض ازرعها بمائة صاع من البر فهذا يصح، لكن يكون إجارة. لأنني لم أقل: بمائة صاع مما يخرج منها، بل مائة صاع من البر، فالعوض الآن ثابت في الذمة، ليس ناتجاً من عمل هذا المزارع، بل هو ثابت في الذمة حتى وإن لم يزرعها يلزمه مائة صاع. وقوله (معلوم) خرج به المجهول، فلو قال: خذ هذه الأرض مزارعة ببعض الزرع، فهذا لا يجوز؛ لأن البعض مجهول، فلا بد أن يُحَدِّد. وأيضاً لا بد أن يكون معلومَ النسبة يعني أن علمه نسبي، وليس بالتعيين، فالنسبة أن يقول: ربع، ثلث، عُشر، وما أشبه ذلك، احترازاً من المعلوم بالتعيين، والمعلوم بالتعيين لا تصح معه المزارعة، مثل أن يقول: لك الجانب الشرقي من الأرض، ولي الجانب الغربي، فهذا لا يجوز؛ لأنه قد يسلم هذا ويهلك هذا أو بالعكس. (الشرح الممتع).
следующие страницы →