Полный текст (3 390 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وشرط ذلك: أن لا يبقى أثر للنجاسة، لا طعمها، ولا لونها، ولا ريحها.
أ-القياسُ على ما أجمَعوا عليه من أنَّ الخَمرةَ إذا استحالتْ بنفْسِها وصارتْ خلًّا، كانت طاهرةً؛ فكذلك سائِرُ النَّجاساتِ إذا انقلَبَت إلى عينٍ طاهرةٍ، صار لها حُكمُ الطَّاهرات.
ب- أنَّ المعنى الذي لأجْله كانت تلك العَينُ نَجسةً، معدومٌ في العَينِ التي استحالَت إليها؛ فلا معنى لبقاءِ الاسمِ عليه، فالشَّرعُ رتَّبَ وَصفَ النَّجاسةِ على تلك الحقيقةِ، فينتفي بانتفائِها.
قال ابن القيم في أعلام الموقعين: ومن الممتنع بقاء حكم الخبيث وقد زال اسمه ووصفه والحكم تابع للاسم والوصف دائر معه وجوداً أو عدما، فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر لا يتناول الزروع والثمار والرماد والملح والخل لا لفظاً ولا معنى ولا نصا ولا قياساً.
(وتطهر خمرة انقلبت بنفسها خلاً).
أي: أن الخمر إذا تخللت بنفسها - بدون فعل أحد - فإنها تكون طاهرة.
قال النووي: وأجمعوا على أنها إذا انقلبت بنفسها خلاً طهرت، وقد حكي عن سحنون أنها لا تطهر، فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله.
وإما إذا تخللت بفعل آدمي كما لو تخللت بأن أضاف إليها إنسان شيئاً، أو نقلها من الشمس إلى الظل أو العكس، فإنه لا يجوز ولا تطهر.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ- لحديث أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا? قَالَ: لَا) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
(تُتَّخَذُ خَلًّا) المراد باتخاذها خلاً هو علاجها حتى تصير خلاً بعدما تشتد وتقذف الزبد، وذلك بوضع شيء فيها، كبصل أو خبز أو خميرة ونحو ذلك، أو ينقلها من الظل إلى الشمس أو بالعكس.
ب- وعند أبي داود: عَنْ أَنَس (أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، قَالَ: أَهْرِقْهَا قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: لَا).
стр. 247
وجه الدلالة: أنه لو كان هناك طريق للانتفاع لتطهير الخمر لأرشد إليه النبي ﷺ حفظاً للأموال، وأيضاً كما في الرواية الأخرى: (كانت لأيتام) والأيتام أولى بحفظ أموالهم، فلو كان تخليلها جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ .
وكذلك قوله (أهرقها) دليل على أنه لا يجوز تخليلها، لأنه يجب إراقتها ولا يجوز اقتناؤها.
• في قوله (وتطهر خمرة) دليل على أن مذهب الحنابلة يرون نجاسة الخمر.
وهذا قول جماهير العلماء: أن الخمر نجسة.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، ورجحه ابن تيمية، والشنقيطي، وابن باز رحم الله الجميع.
أ- لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس).
فقد سمى الله الخمر رجساً، والرجس النجس، قالوا: ولا يضر قرن الميسر والأنصاب والأزلام معها، وذلك أن ثلاثتها قد خرجت بالإجماع.
قال الشنقيطي: يُفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمرَ نجسة العين، لأن الله تعالى قال (إنها رجس) والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس.
ب- ولقوله تعالى (وسقاهم ربهم شراباً طهوراً).
قال الشنقيطي: لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور، يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح الله بها خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا كقوله (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) وكقوله (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ) بخلاف خمر الدنيا ففيها غوْل يغتال العقول وأهلها، يُصدعون، أي: يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس.
ج- حديث أبي ثعلبة الخشني السابق، حيث في رواية أبي داود (إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر … ).
стр. 248
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمر أبا ثعلبة الخشني وقومه بغسل أواني أهل الكتاب التي يطبخون فيها الخنزير، ويشربون فيها الخمر، وأن لا يستعملوها إلا إذا لم يجدوا غيرها بعد أن يغسلوها، والأمر بغسلها دليل نجاستها.
واستدلوا من العقل من ثلاثة أوجه:
أولها: أن الخمر شيء حرم تناوله من غير ضرر، فكان نجساً كالدم.
والثاني: القياس على الكلب تغليظاً وزجراً.
والثالث: أن من تمام تحريمها، وكمال الردع عنها الحكم بنجاستها حتى يتقذرها العبد، فيكف عنها قربناً، بالنجاسة وشرباً بالتحريم، فالحكم بتحريمها يوجب نجاستها. (المجموع شرح المهذب).
وذهب بعض العلماء: إلى أنها طاهرة ليست بنجسة.
وهذا قال به ربيعة الرأي، والليث بن سعد، والمزني صاحب الشافعي، ورجحه الألباني، والشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
أ-لحديث أنس بن مالك قال: (كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة … فإذا مناد ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فأهرقتها) متفق
عليه.
قال الشيخ ابن عثيمين: وطرقات المسلمين لا يجوز أن تكون مكاناً لإراقة النجاسة، ولهذا يحرم على الإنسان أن يبول في الطريق، أو يصيب فيه النجاسة.
ب-وعن ابن عباس قال: (إن رجلاً أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : هل علمت أن الله قد حرمها؟ قال: لا، فسارَّ إنساناً، فقال له رسول الله ﷺ : بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها، فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها). رواه مسلم
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وهذا بحضرة النبي ﷺ ، ولم يقل له: اغسلها، وهذا بعد التحريم بلا ريب.
ج-ولأن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم دليل على النجاسة.
قالوا: وأما الجواب عن الآية: بأن يقال بأن المراد بالنجاسة النجاسة المعنوية لا الحسية، بدليل أنها قرنت بالأنصاب والأزلام والميسر، ونجاسة هذه معنوية.
والراجح قول الجمهور والله أعلم.
стр. 249
وأما الجواب عن إراقة الصحابة لها بالشوارع:
قال القرطبي: … والجواب أن الصحابة فعلت ذلك لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم، … ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور.
وأيضاً فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة واسعة ولم يكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطرق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز منها، هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك. (الجامع لأحكام القرآن).
(وإن خفيَ موضعُ نجاسةٍ غَسل حتى يجزمَ بزوالهِ).
أي: وإن خفي موضع من الثوب أو غيره غسل الموضع حتى يجزم بزواله.
والنجاسة إما أن تكون في الثوب أو في البدن أو في البقعة.
فإذا وقعت النجاسة في أحد هذه الثلاثة أشياء فإما أن يعلم مكانها أو يجهل.
فإن علم فالأمر ظاهر أنه يغسل.
وإن جهل فإنه يغسل حتى يجزم بزوال النجاسة.
ويستثنى من هذا الحكم إذا وقعت النجاسة في بقعة كبيرة كما إذا وقعت في فضاء واسع فإنها إذا كانت وقعت في فضاء واسع فإنه لا يشترط أن يغسل ولا أن يتحرى للمشقة.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن النجاسة إذا وقعت في البدن أو الثوب أو البقعة المحدودة وأمكن التحري - وهذا شرط مهم - فإنه يتحرى لأنه إذا جاء الشرع بالتحري في عدد الركعات فمن باب أولى أن يتحرى في تحديد البقعة النجسة.
والأحوط في الحقيقة مذهب الحنابلة أنه إذا اشتبهت النجاسة في البقعة أو البدن أو الثوب المحدود فإنه يغسل حتى يجزم بزوال النجاسة لأن النجاسة وجدت قطعاً فإذا كانت النجاسة موجودة يقيناً فإنه يسعى إلى إزالتها باليقين أيضاً وذلك بأن يغسل إلى أن يجزم بزوال النجاسة.
وهذا القول كما قلت أحوط وأقرب إلى القواعد الشرعية.
стр. 250
(ويطهر بولُ غلامٍ لم يأكل الطعام بنضحه).
أي: وكيفية تطهير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام - إذا بال على ثوب أو فراش أو غيرهما - يكون بالنضح تخفيفاً.
والنضح: هو أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره، ورجحه النووي.
وقال الشيخ ابن عثيمين: والنَّضح: أن تُتْبِعَهُ الماء دون فَرْكٍ، أو عَصْرٍ حتى يشمله كلَّه.
وأما الغَسْل: فهو أن يغسله ويغمره بالماء.
أ- حديث أم قيس بنت محصن (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه عليه ولم يغسله) متفق عليه.
ب- وحديث عائشة قالت (أتي رسول الله ﷺ بصبي يحنكه، فبال عليه فأتبعه الماء) متفق عليه.
ولمسلم (فبال عليه فدعا بماء، فأتبعه بوله ولم يغسله).
ج- ولحديث أَبِي اَلسَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ اَلْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ اَلْغُلَامِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ
د- ولحديث أم الفضل لبابة بنت الحارث قالت (بال الحسين بن علي في حجر النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أعطني ثوبك والبس ثوباً غيره حتى أغسله، فقال: إنما ينضح من بول الذكر، ويغسل من بول الأنثى). واه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وابن خزيمة وابن حبان.
стр. 251
ففي هذه الأحاديث أن بول الغلام يكفي فيه النضح، وبول الجارية يغسل.
وهذا مذهب الشافعي وأحمد.
قال الشوكاني: وهو قول علي وعطاء والحسن والزهري وإسحاق.
فهذه الأحاديث فيها التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، فالأحاديث السابقة بعضها يفعل النبي ﷺ بالنضح في بول الغلام، وبعضها فرق بصريح القول بين بول الغلام وبول الجارية.
فثبت بهذه الأحاديث أن حكمهما مختلف، فحكم بول الغلام النضح، وحكم بول الجارية الغسل.
وذهب بعض العلماء: إلى أنهما سواء في وجوب الغسل.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
استدلوا بالعمومات التي جاءت في غسل البول.
أ-كحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ مرّ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من
بوله … ).
ب-وحديث الأعرابي الذي بال في المسجد وقد سبق.
والراجح القول الأول وهو التفريق لصحة الأحاديث بذلك.
• وأما الجواب عن أدلة القول الثاني، فالجواب أن هذه الأدلة عامة، وأحاديث الباب خاصة، والخاص يقضي على العام.
قال الشوكاني: وأما الحنفية والمالكية فاستدلوا لما ذهبوا إليه بالقياس، فقالوا المراد بقوله (ولم يغسله) أي غسلاً مبالغاً فيه، وهو خلاف الظاهر، ويبعده ما ورد من الأحاديث في التفرقة بين بول الغلام والجارية.
قوله (بول) خرج به الغائط فلا بد من غسله.
وقوله (غلام) خرج به الجارية.
• وقوله (لم يأكل الطعام) اختلف العلماء في المراد بالطعام الذي لم يأكله:
فقيل: ما عدا اللبن فقط.
وقيل: لم يأكل شيئاً.
وقيل: المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة، ورجحه الحافظ ابن حجر. (الفتح).
قال ابن القيم ﵀: إنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده واشتهاه تغذياً به. (تحفة المودود).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: ليس المراد امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه، بل إذا كان يريد الطعام ويتناوله ويشرئب إليه (أي: يتطلع إليه ويطلبه)، أو يصيح أو يشير إليه، فهذا هو الذي يطلق عليه أنه يأكل الطعام.
стр. 252
• الحكمة من التفريق بين بول الغلام وبول الجارية؟
قيل: أن بول الأنثى أنتن وأثقل من بول الغلام.
وقيل: أن بول الغلام يجتمع فيكتفى برشه، وأما بول الجارية فينتشر فلا بد من غسله.
وقيل: كثرة حمل الرجال والنساء للذكور، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليه غسله.
ورجحه الحافظ ابن حجر وقال: وأقوى ما قيل في ذلك: أن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، يعني فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة.
• إذا أكل الصبي الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف. [قاله النووي].
• البول نجس، لا فرق بين بول الكبير والصغير.
قال النووي: واعلم أن هذا الخلاف في كيفية الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري، قال الخطابي وغيره: وليس تجويز من جوز النضح في الصبي من أجل أن بوله ليس بنجس، ولكنه من أجل التخفيف في إزالته فهذا هو الصواب.
(وكذلك المذي).
أي: أن المذي يأخذ حكم بول الغلام في تطهيره، وذلك بنضح ما أصابه.
والمذي: ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند الشهوة وبلا دفق ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه.
والمذي نجس بالإجماع.
لحديث عَلِي بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ قَالَ (كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ اَلْمِقْدَادَ بْنَ اَلْأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ? فَقَالَ: "فِيهِ اَلْوُضُوءُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وفي رواية (يغسل ذكره ويتوضأ).
قال النووي ﵀: أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي. (المجموع).
لأنه أمره بغسل ذكره، وأمره بالوضوء، فدل هذا على أن حكم المذي كحكم البول في النجاسة.
стр. 253
• وخروج المذي يوجب الوضوء.
وقد نقل ابن قدامة ﵀ في " المغني " إجماع العلماء على أن خروج المذي ناقض للوضوء.
لقوله كما في الرواية الأخرى (اغسل ذكرك وتوضأ).
وكما في حديث علي السابق (فقال: فيه الوضوء).
• وأما تطهيره فيكون بنضحه.
وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ- لحديث سهل بن حنيف قال (كنت ألقى من المذي شدة … فقلت: يا رسول الله، كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه). رواه أبو داود
قال المبارك فوري ﵀: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ يَكْفِي نَضْحُهُ وَرَشُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُه.
ب-ولأن الغسل ورد في الفرج لا في الثوب، ورواية نضح الثوب لا معارض لها.
ج- ولأن هذه نجاسة يشق الاحتراز منها، لكثرة ما يصيب ثياب الشاب العزب، فهو أولى بالتخفيف من بول الغلام.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: المذي يكفي فيه النضح، وهو أن يعم المحل الذي أصابه الماء بدون عصر وبدون فرك، وكذلك
يجب فيه غسل الذكر كله والأنثيين وإن لم يصبهما.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجزئ فيه إلا الغَسل. وهذا قول جماهير العلماء.
لحديث علي وفيه (توضأ واغسل ذكرك).
فأمر ﷺ بغسل الذكر منه، والأصل في الأمر الوجوب، وإذا أمر بغسل الذكر منه فكذلك سائر المحال.
• قوله (اغسل ذكرك … ) هل يجب غسل الذكر كله أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه يكتفَى بغسل رأس الذكر أو الموضع الذي أصابته النجاسة منه. وهذا مذهب الجمهور.
إلحاقاً له بسائر النجاسات، فهو حدث من الأحداث فلا يغسل منه إلا المخرج.
القول الثاني: أنه يجب غسل الذكر كله. وهذا مذهب الحنابلة.
لقوله ﷺ (يغسل ذكره ويتوضأ).
القول الثالث: يغسل جميع الذكر والأنثيين. وهذا المشهور من مذهب الحنابلة.
فقد جاء عند أبي عوانة (يغسل ذكره وأنثييه)، قال الحافظ: إسناده لا مطعن فيه.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 254
• الحكمة من الأمر بغسل الذكر والأنثيين:
قيل: إن المذي فيه لزوجة، فربما انتشر على الذكر والأنثيين ولم يشعر به الإنسان، قاله الخطابي.
وقيل: إن ذلك يخفف المذي أو يقطعه، ولا سيما إذا كان غسله بالماء البارد، فإنه من أسباب قطعه وعدم استمرار خروجه.
(ومني الآدمي طاهر).
تقدم تعريف المني، وهو الماء الدافق الذي يخرج من الإنسان بشهوة ويعقبه فتور وارتخاء.
فالمني حكمه طاهر. (فلو صلى الإنسان وعلى ثوبه مني فصلاته صحيحة).
وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وداود الظاهري.
ونسبه النووي إلى الكثيرين وأهل الحديث، قال: وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة، قال: وغلط من أوهم أن الشافعي منفرد بطهارته.
أ- لحديث عائشة قالت - فِي الْمَنِيِّ - (كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رواه مسلم.
وفي لفظ (وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا فَيُصَلِّى فِيهِ).
وجه الدلالة: لو كان نجساً ما اكتفت بفركه.
ب-ولحديث ابن عباس قال: (سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب، فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بأذخرة). رواه الدار قطني والبيهقي.
قال ابن القيم: إسناده صحيح، وقال البيهقي: الصحيح الموقوف.
وجه الدلالة: أن الرسول قرنه بالمخاط والبصاق، وهذه الأشياء طاهرة بالإجماع.
ت - أن الأصل الطهارة، فلا ننتقل عنها إلا بدليل.
وذهب بعض العلماء: إلى نجاسته.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
стр. 255
قال ابن حزم: وروينا غسله عن عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وأنس، وسعيد بن المسيب.
أ- لحديث عائشة قالت (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ اَلْمَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اَلصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ اَلثَّوْبِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ اَلْغُسْلِ فِيهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وجه الدلالة: أن الغسل لا يكون إلا للشيء النجس.
ب-لحديث عمار مرفوعاً: (إنما يغسل الثوب من الغائط والبول والمذي والمني والدم والقيء). أخرجه البزار وأبو يعلى وابن عدي في الكامل والدار قطني والبيهقي، وهو حديث لا يصح، قال البيهقي: هذا حديث باطل.
أ- مجموعة من الآثار عن بعض الصحابة أنهم كانوا يغسلون المني.
والصحيح الأول وأنه طاهر، وعليه فلو صلى الشخص وعلى ثوبه مني فصلاته صحيحة.
وأما الجواب عن رواية (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ اَلْمَنِيَّ .... )؟
أنه لا معارضة بين حديث الغسل والفرك، لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني، بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظف لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. [الفتح].
فائدة: هناك أربعة أشياء تخرج من قُبُل الإنسان:
أ- المذي: وهو ماء رقيق لزج يخرج عند الشهوة والانتشار كما يحصل عند الملاعبة وتذكر الجماع، وهو نجس إجماعاً.
ب- البول: وهو نجس إجماعاً.
ج- الودي: وهو ماء أبيض كدِر ثخين، يخرج عقب البول، وهو نجس إجماعاً.
د- المني، وسبق تعريفه، وهو طاهر على القول الراجح.
فائدة: الخارج من الإنسان ثلاثة أشياء:
أ- طاهر بلا نزاع، وهو الدمع والريق والمخاط والبصاق والعرق.
ب- نجس بلا نزاع، وهو البول والغائط والمذي والودي.
ج- مختلف فيه، وهو المني.
стр. 256
(وبول ما يؤكل لحمه طاهر).
كالإبل، والبقر، والغنم، والأرانب ونحوها، فهذه بولها وروثها طاهر.
وهذا مذهب الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ-لحديث أنس (أن أناساً من عكل وعرينة قدموا المدينة فاجتووها فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ … ). متفق عليه
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر العرنيين بشرب أبوال الإبل، ولم يأمرهم بغسل أفواههم منها، وهم حديثوا عهدٍ بالإسلام، وبحاجة البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ب-لحديث جابر بن سمرة: (أن النبي ﷺ سئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا فيها فإنها خلقت من الشياطين) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: أنها لو كانت نجسة كأرواث الادميين لكانت الصلاة فيها إما محرمة كالحشوش والكنف، وإما مكروهة كراهة شديدة لأنها مظنة الأخباث والأنجاس، فأما أن يستحب الصلاة فيها ويسميها بركة، ويكون شأنها شأن الحشوش أو قريباً من ذلك فهو جمع بين المتناقضين المتضادين، وحاشا الرسول ﷺ من ذلك.
ج-ما ثبت أنه ﷺ طاف على راحلته في المسجد الحرام وبركها حتى طاف أسبوعاً.
د-وكذلك أذنه لأم سلمة أن تطوف راكبة.
وجه الدلالة: معلوم أن الدابة لا تعقل بحيث تمتنع عن البول في المسجد الحرام، فلو كان بولها نجساً لما أدخلها ﵇ وأذن في إدخالها المسجد الحرام، إذ في ذلك تلويث له وتنجيس.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه نجس.
стр. 257
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.
أ-لعموم الأدلة التي فيها أن البول نجس.
ب-ولقوله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث).
ج-ولحديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ مرّ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان … أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله).
وجه الدلالة: قوله (بوله) هذا عام، فيدخل فيه كل الأبوال.
د-ولحديث (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه).
وجه الدلالة: أنه عام، فيدخل فيه كل بول.
هـ-حديث الأعرابي (أنه بال في طائفة المسجد فدعا بذنوب من ماء).
والقول الأول هو الراجح.
وأما أدلة القول الثاني فهي عامة، وأدلة بول ما يؤكل لحمه خاصة والخاص يقضي على العام.
(وبول الآدمي نجس).
وهذا بالإجماع.
أ- لحديث ابن عباس قَالَ: (مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: ((إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ فَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا) متفق عليه.
ب- ولحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ) متفق عليه.
قال النووي: فِيهِ إِثْبَات نَجَاسَة بَوْل الْآدَمِيّ وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ، وَلَا فَرْق بَيْن الْكَبِير وَالصَّغِير بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ، لَكِنَّ بَوْل الصَّغِير يَكْفِي فِيهِ النَّضْح.
ج- ولحديث (استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه) رواه الدارقطني.
• حديث ابن عباس دليل على وجوب التنزه من البول، وأن عدم التنزه من البول من أسباب عذاب القبر.
ولذلك استحب الفقهاء لمن أراد أن يبول أن يطلب مكاناً رخواً لأنه أسلم من الرشاش.
قال ابن القيم: وكان ﷺ يرتاد لبوله الموضع الدمث، وهو اللين الرخو من الأرض.
• مباحث تتعلق بحديث ابن عباس: مر النبي ﷺ بقبرين.
أ- قوله (وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير) اختلف العلماء في المراد بقوله (وما يعذبان في كبير):
فقيل: ليس بكبير في زعمهما.
وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز منه، أي كان لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك.
стр. 258
ورجحه البغوي وابن دقيق العيد وجماعة، وهذا هو الراجح.
وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيراً بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق، فإنه وصف كلاً منهما بما يدل على تجدد ذلك منه واستمراره عليه.
ب - قال النووي: سبب كونهما كبيرين، أن عدم التنزه من البول، يلزم منه بطلان الصلاة، فتركه كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح.
ج-لم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، والظاهر أن ذلك كان على عمد من الرواة لقصد الستر عليهما.
قال الحافظ: وما حكاه القرطبي في التذكرة وضعفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ فهو قول باطل لا ينبغي ذكره إلا مقروناً ببيانه،
ومما يدل على بطلان الحكاية المذكورة، أن النبي ﷺ حضر دفن سعد بن معاذ، كما ثبت في الحديث الصحيح، وأما قصة المقبورين ففي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه ﷺ قال لهم: من دفنتم اليوم ههنا؟ فدل على أنه لم يحضرهما. [قاله الحافظ]
د-اختلف في المقبورين:
فقيل: كانا كافرين.
وقيل: كانا مسلمين وهذا هو الصحيح، ويدل لذلك:
أنه جاء عند أحمد (أن الرسول ﷺ مر بالبقيع فقال: من دفنتم هنا؟) فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين لأن البقيع مقبرة المسلمين.
هـ-عظم أمر النميمة وأنها من كبائر الذنوب.
وقد قال ﷺ (لا يدخل الجنة نمام) متفق عليه.
و- اختلف العلماء يسن وضع جريدة رطبة على القبر؟
ذهب بعض العلماء إلى أنه يسن ذلك وقد أوصى بذلك بريدة بن الحصيب ﵁.
والصحيح أنه لا يجوز ذلك.
ورجح ذلك الخطابي والقاضي عياض وقال: لأنه علل غرزهما على القبر بأمر مغيب وهو قوله (ليعذبان).
ومما يدل على أنه لا يجوز ذلك أمور:
أ-حديث جابر الطويل في صحيح مسلم وفيه (إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يبرد عليهما مادام الغصنان رطبين).
ب-أنه لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي ﷺ .
ج-أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا الظن بالميت، لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب وما يدرينا فلعله ينعم
د-أن هذا لم يفعله السلف الصالح.
стр. 259
(وسؤر الهرة طاهر).
السؤر: بقية الطعام والشراب، ومنه كلمة سائر أي: باقي.
فسؤر الهرة طاهر.
لحديث أَبِي قَتَادَة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ -فِي اَلْهِرَّةِ-: (إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ اَلطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ) رواه أبو داود.
(إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ) بفتح الجيم، أي: ليست نجسة الذات، وأما النجِس بكسر الجيم فهو الشيء المتنجس. (إنها من الطوافين) جملة تعليلية لعدم نجاسة الهرة، قال الشوكاني: تشبيه للهرة بخدم البيت الذين يطوفون للخدمة.
فالحديث دليل على طهارة سؤر الهرة.
وهذا قول جماهير العلماء.
قوله (إنَّمَا هِيَ مِنْ اَلطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ) هذه لعلة في طهارة سؤر الهرة، أنها من الطوافين، وهم الخدم الذين يقومون بخدمة المخدوم، فهي مع الناس في منازلهم وعند أوانيهم وأمتعتهم، فلا يمكن التحرز منها، والقاعدة (المشقة تجلب التيسير).
• بول الهرة وروثها ودمها نجس.
قال الشيخ ابن عثيمين: لأن هذه الأشياء كلها من محرّم الأكل نجسة.
وقوله (إِنَّمَا هِيَ مِنْ اَلطَّوَّافِينَ .. ) هذه هي العلة التي علل بها النبي ﷺ ، وهي أنها من الطوافين علينا.
وعلى هذا: كل ما يكثر التطواف على الناس، مما يشق التحرز منه فحكمه كالهرة.
ولذلك فالراجح: طهارة سؤر الحمار والبغل.
وهذا قول مالك والشافعي، واختاره ابن قدامة، وابن تيمية، وابن القيم، والسعدي، وابن باز.
لأنه يكثر طوافه على الناس، فيشق الاحتراز.
ولحاجة الناس إليهما في الركوب والحمل.
стр. 260
قال ابن قدامة: والصحيح عندي طهارة سؤر البغل والحمار، لأن النبي ﷺ كان يركبها وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجساً لبين النبي ﷺ ذلك، ولأنهما مما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبها السنور.
وقال السعدي: والصحيح الذي لا ريب فيه أن البغل والحمار طاهران في الحياة كالهر، فيكون ريقهما وعرقهُمَا طاهران، وذلك أن النبي ﷺ كان يركبهما كثيراً، ويركيان في زمنه، ولا يمكن المستعمل لهما التحرز من ذلك … ثم قال: وقد قال ﷺ في الهرة (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم) فعلل بكثرة طوافانها ومشقة التحرز منها، ومن المعلوم أن المشقة في الحمار والبغل أشد من ذلك.
• فقول بعض العلماء: أن الحكم منوط بالصِغَر، وأن الهرة وما دونها في الخِلقة طاهر، فلا وجه له، لعدم الدليل عليه.
• فائدة: قرن الحكم بالعلة ثلاثة:
أولاً: بيان أن الشريعة سامية عالية، فما تحكم بشيء إلا وله حكمه.
ثانياً: اقتناع النفوس بالحكم، لأن النفس إذا علمت علة الحكم اطمأنت، وإن كان المؤمن سيطمئن على كل حال لكن هذه زيادة طمأنينة.
ثالثاً: شمول الحكم بشمول هذه العلة، بمعنى أن ما ثبت فيه هذه العلة ثبت له هذا الحكم المعلل. [قاله الشيخ ابن عثيمين].
• بعض الأحكام الشرعية التي جاءت معللة:
نهي النبي ﷺ عن لحوم الأهلية وقال (إنها رجس) متفق عليه.
ونهى النبي ﷺ أن يتناجى اثنان دون الثالث وقال (من أجل أن ذلك يحزنه) متفق عليه.
باب الحيض
الحيص لغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال.
وشرعاً: سيلان دم طبيعي يأتي المرأة في أوقات معلومة عند بلوغها.
وهو شيء كتبه الله على بنات آدم، كما قال ﷺ (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم).
خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته.
стр. 261
(لا حيض دون تسع، ولا بعد خمسين).
أي: أن المرأة إذا رأت الدم قبل تسع سنين، وبعد الخمسين فإنه لا يعتبر حيضاً.
أ- لأن العادة أن المرأة لا تحيض قبل تسع ولا بعد خمسين سنة.
قال ابن قدامة: وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَحِضْنَ عَادَةً فِيمَا دُونَ هَذَا السِّنِّ.
ب- ولقول عائشة (إذا بغت الجارية تسع سنين فهي امرأة).
قال ابن قدامة: وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين فإن رأت قبل ذلك دماً فليس بحيض ولا يتعلق به أحكامه لأنه لم يثبت في الوجود لامرأة حيض قبل ذلك وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. (الكافي).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة.
وهو اختيار ابن المنذر، وابن تيمية، وجماعة من أهل العلم.
بل متى رأت المرأة الدم المعروف فهو حيض تثبت له أحكامه، وإن كانت دون تسع سنين أو فوق الخمسين أو الستين.
والدليل:
قوله تعالى (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ).
فعلق أحكام الحيض على وجوده، ولم يحدد لذلك سناً معيناً، فوجب إطلاق ما أطلقه الله من دون تقييد بسن محدد.
وهذا القول هو الراجح.
(ولا مع حمل).
أي: لا حيض حال الحمل.
قال الإمام أحمد: إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض.
أ- لقوله تعالى (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ).
وجه الدلالة: أن الله تعالى جعل عدة الحامل بالوضع، ولم يجعلها بالحيض، وجعل عدة غير الحامل بالحيض، فلو كانت الحامل تحيض لوجب اعتدادها بثلاث حيض.
ب- ولحديث أبي سعيد. قال: قال ﷺ (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) رواه أبو داود.
стр. 262
فجُعل عَلماً على براءة الرحم، فدل على أنه لا يجتمع معه.
قال ابن قدامة: وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ فَيَكُونُ دَمَ نِفَاسٍ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵀ أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَمَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ؛ مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَالصَّحِيحُ عَنْهَا أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ لَا تُصَلِّي.
أ- وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ) فَجَعَلَ وُجُودَ الْحَيْضِ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ.
ب- وَاحْتَجَّ إمَامُنَا بِحَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا) فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ، كَمَا جَعَلَ الطُّهْرَ عَلَمًا عَلَيْهِ.
ج- وَلِأَنَّهُ زَمَنٌ لَا يَعْتَادُهَا الْحَيْضُ فِيهِ غَالِبًا، فَلَمْ يَكُنْ مَا تَرَاهُ فِيهِ حَيْضًا كَالْآيِسَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا يَعْرِفُ النِّسَاءُ الْحَمْلَ بِانْقِطَاعِ الدَّم. … (المغني).
(وأقله يومٌ وليلة، وأكثره خمسةَ عشر يوماً).
لأن الشرع علق على الحيض أحكاماً ولم يبين قدره، فعلم أنه رده إلى العادة كالقبض والحرز، وقد وجد حيض معتاد يوماً ولم يوجد أقل منه. (المغني).
والدليل على أن أكثر: ١٥ يوماً:
أ- حديث ابن عمر. في قوله ﷺ في النساء (ما رأيت من ناقصات عقل ودين … أما نقصان دينها، فتمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي).
وجه الدلالة: أن معنى الشطر النصف.
وهذا الحديث بهذا اللفظ - ذكر العلماء - أنه لا أصل له.
قال البيهقي: لم أجده في كتب الحديث.
ب- أن الحيض اسم لم ترد أكثر مدته في الشرع ولا في اللغة، فوجب الرجوع في ذلك إلى العرف والعادة، وقد ثبت مستفيضاً عن السلف من التابعين فمن بعدهم أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، وأنه كثر وجوده هذه المدة في النساء، حتى صار ذلك أمراً معروفاً معتاداً في النساء.
стр. 263
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره.
أ- لأن الله قال (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) فجعل غاية المنع هي الطهر، ولم يجعل الغاية مضي يوم وليلة ولا خمسة عشر يوماً.
ب- وقال ﷺ لعائشة لما حاضت (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي حتى تطهري) فجعل غاية المنع الطهر، ولم يجعل
الغاية زمناً معيناً، فدل هذا على أن الحكم يتعلق بالحيض وجوداً وعدماً.
قال ابن تيمية: ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لأقله ولا لأكثره ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه.
(وغالبه ستٌ أو سبع).
أي: غالب الحيض ست ليال أو سبع.
لحديث حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: (كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ اَلشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اِغْتَسِلِي … ). رواه أبو داود
(فَتَحَيَّضِي) قال الشوكاني: بفتح التاء الفوقية والحاء المهملة والياء المشددة: أي اجعلي نفسك حائضاً.
قال الشيخ ابن عثيمين: قوله (ستة أيام أو سبعة) ليس للتخيير، وإنما هو للاجتهاد، فتنظر بما هو أقرب إلى حالها ممن يشابهها خِلْقَةً ويقاربها سناً ورحماً، وبما هو أقرب إلى الحيض من دمها.
(ويمنع الحيض عشرة أشياء: فعل الصلاة ولا يصح منها، والصوم).
أي: يحرم على الحائض فعل الصلاة، فرضها ونفلها، ولو صلت لم يصح منها، وكذلك يحرم عليها الصوم وعليها قضاؤه.
أ- عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقَلتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا نُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ) متفق عليه.
(أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَضَمّ الرَّاء الْأُولَى وَهِيَ نِسْبَة إِلَى حَرُورَاء، وَهِيَ قَرْيَة بِقُرْبِ الْكُوفَة قَالَ السَّمْعَانِيّ: هُوَ مَوْضِع عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْكُوفَة، كَانَ أَوَّل اِجْتِمَاع الْخَوَارِج بِهِ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: تَعَاقَدُوا فِي هَذِهِ الْقَرْيَة فَنَسَبُوا إِلَيْهَا. فَمَعْنَى قَوْل عَائِشَة ﵂ إِنَّ طَائِفَة مِنْ الْخَوَارِج يُوجِبُونَ عَلَى الْحَائِض قَضَاء الصَّلَاة الْفَائِتَة فِي زَمَن الْحَيْض، وَهُوَ خِلَاف إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الِاسْتِفْهَام الَّذِي اِسْتَفْهَمَتْهُ عَائِشَة هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار أَيْ هَذِهِ طَرِيقَة الْحَرُورِيَّة، وَبِئْسَ الطَّرِيقَة. (نووي).
ب- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَضْحًى، أَوْ فِطْرٍ - إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ..... مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) رواه البخاري.
стр. 264
ج- وعَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي) متفق عليه.
قال النووي: هَذَا الْحُكْم مُتَّفَق عَلَيْهِ أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء لَا تَجِب عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَلَا الصَّوْم فِي الْحَال، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّلَاة، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّوْم.
وقال ابن رجب: وقد أجمع العلماء على أن الحائض لا يجوز لها الصلاة في حال حيضها.
• الحكمة من قضاء الصوم دون الصلاة.
قيل: قَالَ الْعُلَمَاء وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الصَّلَاة كَثِيرَة مُتَكَرِّرَة فَيَشُقّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْم، فَإِنَّهُ يَجِب فِي السَّنَة مَرَّة وَاحِدَة. (قاله النووي).
وقيل: الحكمة تعبدية، وهي أمر الرسول ﷺ ولا يعلم ما الحكمة ولذلك قالت عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
• اختلف العلماء هل تثاب الحائض على تركها الصلاة أثناء الحيض، كما يثاب المريض على ترك النوافل التي كان يعملها في صحته
وشغل بالمرض عنها؟
قيل: لا تثاب على الترك.
لأن وصفه لها ﷺ بنقصان الدين بترك الصلاة زمن الحيض يقتضي ذلك.
وقيل: تثاب، إذا قصدت امتثال قول الشارع في تركه، وهذا القول أقرب.
• ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجب على الحائض وضوء وتسبيح في أوقات الصلاة بدلاً عنها، لكن هذا قول ضعيف، ولذلك ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب على الحائض الوضوء، ولا التسبيح والتهليل والذكر في أوقات الصلوات بدلاً عن الصلاة.
قال النووي: مذهبنا ومذهب جمهور العلماء من السلف والخلف أنه ليس علي الحائض وضوء ولا تسبيح ولا ذكر في أوقات الصلوات ولا في غيرها وممن قال بهذا الاوزاعي ومالك والثوري وأبو حنيفة.
стр. 265
(والوطء في الفرج).
أي: ويحرم وطء الحائض في فرجها.
أ-لقوله تعالى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ).
ب- ولحديث أنس. قال: قال ﷺ (اِصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا اَلنِّكَاحَ) رواه مسلم، أي: الجماع.
ج-وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . رواه الترمذي
قال الشوكاني: ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض، وهو معلوم من ضرورة الدين.
• أما المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة فهذا جائز.
قال النووي: وهو حلال باتفاق المسلمين.
• وأما المباشرة فيما بين السرة والركبة ما عدا القبل والدبر، فالراجح جوازه.
وهو المذهب، وقال به عكرمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري، وابن المنذر.
قال النووي: هو الأقوى دليلاً وَهُوَ الْمُخْتَار.
أ- لقوله تعالى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ).
قال ابن قدامة في (المغني) فتخصيصه موضع الدم بالاعتزال دليل على إباحته فيما عداه.
ب-لقوله ﷺ (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، فهذا يدل على إباحة جميع جسد الحائض إلا موضع الأذى.
فالحديث فيه دليل على أنه لا يجتنب من الحائض إلا الموضع الذي فيه الحيضة وحده وهو الفرج.
ب- قالوا: إن تحريم وطء الحائض منع للأذى، فاختص بمحله كالدبر.
• الأولى للرجل إذا أراد أن يستمتع بامرأته وهي حائض أن يأمرها أن تلبس ثوباً تستر به ما بين السرة والركبة، ثم يباشرها فيما سوى ذلك.
لحديث عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ
يُبَاشِرُها).
ولحديث عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ).
(فِي فَوْر حَيْضَتهَا) أي: أَوَّله وَمُعْظَمه. قَالَه الْخَطَّابِيُّ.
стр. 266
• لا يجوز جماع الحائض بعد طهرها وقبل أن تغتسل، فلا بد من اغتسالها.
لقوله تعالى (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ).
قال ابن كثير ﵀: وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم، إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا يحيى بن بكير من المالكية وهو أحد شيوخ البخاري، فإنه ذهب إلى إباحة وطء المرأة بمجرد انقطاع دم الحيض، ومنهم من ينقله
عن ابن عبد الحكم أيضاً، وقد حكاه القرطبي عن مجاهد وعكرمة وعن طاوس كما تقدم، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده: إنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل ولا يصح لأقل من ذلك.
قال القرطبي في تفسيره: قوله تعالى (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يَعْنِي بِالْمَاءِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِك وَجُمْهُور الْعُلَمَاء، وَأَنَّ الطُّهْر الَّذِي يَحِلّ بِهِ جِمَاع الْحَائِض الَّذِي يَذْهَب عَنْهَا الدَّم هُوَ تَطَهُّرهَا بِالْمَاءِ كَطُهْرِ الْجُنُب، وَلَا يُجْزِئ مِنْ ذَلِكَ تَيَمُّم وَلَا غَيْره، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالطَّبَرِيّ وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة وَأَهْل الْمَدِينَة وَغَيْرهم.
وقال ابن قدامة في المغني: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ قَبْلَ الْغُسْلِ حَرَامٌ، وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّوذِيُّ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
إلى أن قال: … وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ) يَعْنِي إذَا اغْتَسَلْنَ، هَكَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَةِ (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).
فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مِنْهُمْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِهِ، وَفِعْلُهُمْ هُوَ الِاغْتِسَالُ دُونَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَشَرَطَ لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالِاغْتِسَالَ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِهِمَا.
وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ لِحَدَثِ الْحَيْضِ، فَلَمْ يُبَحْ وَطْؤُهَا كَمَا لَوْ انْقَطَعَ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ.
стр. 267
(والطواف).
أي: ويحرم على الحائض أن تطوف بالبيت.
أ-لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : اِفْعَلِي مَا يَفْعَلُ اَلْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
ب- وعنها. ﵂ قَالَتْ (حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ. فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ. فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: اُخْرُجُوا).
فقوله ﷺ (أحابستنا؟) فإن النبي ﷺ قصد بذلك، أن صفية إذا كانت حائض ولم تطف يوم النحر طواف الإفاضة فإنه يلزمها البقاء حتى تطوف بعد الطهر، فتحبس النبي ﷺ ، ثم إذا حبس النبي ﷺ حبس أصحابه معه، ففي هذا دليل على أن المرأة الحائض لا يجوز لها أن تطوف.
• ولذلك يسقط طواف الوداع عن الحائض:
عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (أُمِرَ اَلنَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْحَائِضِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
جاء في (الموسوعة الفقهية) لا خلاف بين الفقهاء في أن الحيض لا يمنع شيئا من أعمال الحج إلا الطواف؛ لقول النبي ﷺ لعائشة حين حاضت: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت).
• العلة في منع الحائض من الطواف:
قيل: لأن من شروط الطواف الطهارة.
وقيل: لكونها ممنوعة من دخول المسجد.
• حكم المرأة إذا حاضت قبل طوافها، ولا تستطيع البقاء بمكة ويتعذر عليها الرجوع:
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: امرأة حاضت ولم تطف طواف الإفاضة وتسكن خارج المملكة وحان وقت مغادرتها المملكة ولا تستطيع التأخر ويستحيل عودتها للمملكة مرة أخرى؛ فما الحكم؟
стр. 268
فأجاب: إذا كان الأمر كما ذكر امرأة لم تطف طواف الإفاضة وحاضت ويتعذر أن تبقى في مكة أو أن ترجع إليها لو سافرت قبل أن تطوف، ففي هذه الحالة يجوز لها أن تستعمل واحداً من أمرين: فإما أن تستعمل إبراً توقف هذا الدم وتطوف، وإما أن تتلجم بلجام
يمنع من سيلان الدم إلى المسجد وتطوف للضرورة، وهذا القول الذي ذكرناه هو القول الراجح والذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وخلاف ذلك واحد من أمرين: إما أن تبقى على ما بقي من إحرامها بحيث لا تحل لزوجها ولا أن يعقد عليها إن كانت غير متزوجة، وإما أن تعتبر محصرة تذبح هدياً وتحل من إحرامها، وفي هذه الحال لا تعتبر هذه الحجة لها، وكلا الأمرين أمر صعب، فكان القول الراجح هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀ في مثل هذه الحال للضرورة، وقد قال الله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج). وقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). أما إذا كانت المرأة يمكنها أن تسافر ثم ترجع إذا طهرت فلا حرج عليها أن تسافر فإذا طهرت رجعت فطافت طواف الحج وفي هذه المدة لا تحل للأزواج لأنها لم تحل التحلل الثاني.
(واللبث في المسجد).
أي: ويحرم على الحائض دخول المسجد واللبث فيه.
أ- لحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ (إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) رواه أبو داود.
وهذا الحديث مختلف فيه:
صححه ابن خزيمة، وابن القطان، والزيلعي، والشوكاني، والشيخ ابن باز.
وضعفه آخرون: البيهقي، وابن المنذر، وابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي، والنووي، والبوصيري.
ب- عن عروة قال: أخبرتني عَائِشَة (أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ - تَعْنِي - رَأْسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا فَتُرَجِّلُهُ وَهْيَ حَائِض) متفق عليه.
ووجه الدلالة من الحديث أن عائشة ﵂ لم تدخل المسجد لأنها حائض، فكانت ترجل النبي ﷺ وهي خارج المسجد، وهو يدني لها رأسه، مما يدل على عدم جواز دخول الحائض المسجد.
قال ابن بطال في الحديث: وفيه أن الحائض لا تدخل المسجد تنزيها له وتعظيماً.
وقال ابن حجر في فوائد الحديث: … وأن الحائض لا تدخل المسجد.
стр. 269
وقال العيني: وفيه أن الحائض لا تدخل المسجد تنزيهاً له وتعظيماً.
ب- ولأن النبي ﷺ أمر النساء بالخروج لصلاة العيد، وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى. (هذا على القول بأن مصلى العيد مسجد وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين).
ج- ولحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال لها: (ناوليني الخمْرة من المسجد، فقلت: إني حائض. فقال ﷺ : إن حيضتك ليست في يدك) رواه مسلم.
وجه الدلالة من وجهين:
أولاً: قولها (إني حائض) هذا دليل على أنه كان معروفاً أن الحائض لا تمكث في المسجد، وأقرها النبي ﷺ على كلامها.
ثانياً: في قوله ﷺ لها (إن حيضتك ليست في يدك) يعني إن يدك فقط التي ستدخل المسجد وليس كلك، ويدك ليس فيها حيض بخلاف كلك.
د-ولقوله تعالى (ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا).
قيل في معنى الآية: لا تقربوا الصلاة وأنتم مجنبون، يعني: لا تصلي وأنت جنب حتى تغتسل إلا أن تكون عابر سبيل.
وقيل: لا تقربوا مواضع الصلاة نفسها مجنبون، والمعنى: لا تقربوا المساجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل، وهذا الثاني رجحه ابن جرير والشوكاني.
وذهب بعض العلماء: إلى جواز ذلك.
وهو قول المزني.
стр. 270
حيث أشار الشوكاني إلى رأي المزني بقوله: والحديثان يدلان على عدم حل اللبث في المسجد للجنب والحائض وهو مذهب الأكثر …
وقال داود والمزني وغيرهما: إنه يجوز مطلقاً.
أ- لحديث عَائِشَةَ (أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَىٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْماً فَخَطَفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ - زَعَمْتُمْ - وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِساً إِلاَّ قَالَتْ: وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَداً إِلاَّ قُلْتِ هَذَا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الْحَدِيث) رواه البخاري.
وجه الدلالة من الحديث أن هذه المرأة ساكنة في مسجد النبي ﷺ على عهد رسول الله ﷺ والمعهود من النساء الحيض، ولم يرد أنه ﷺ منعها من سكنى المسجد، ولا أنه أمرها وقت حيضها أن تعتزل المسجد، فدل على جواز دخول الحائض في المسجد، ومكثها فيه.
ولذلك استدل شراح الحديث بهذا الحديث على جواز مبيت المرأة في المسجد.
قال ابن حجر: وفي الحديث إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن لا سكن له من المسلمين، رجلا كان أو امرأة عند أمن الفتنة.
ب- لعدم الدليل.
والراجح الأول.
وأما قصة هذه المرأة فهي قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزاً قد يئست من الحيض.
• المصلى في المدارس ليس في حكم المسجد، بل هو مصلى، وليس كل مكان تقام فيه الصلاة يعتبر مسجداً، فالمسجد هو: ما أعد للصلاة على سبيل العموم وهيئ وبني.
وأما مجرد أن يتخذ مكاناً يصلى فيه فهذا لا يجعله مسجداً.
وعلى هذا؛ فيجوز للمرأة الحائض أن تدخل مصلى المدرسة وتمكث فيه. (لقاء الباب المفتوح).
стр. 271
(وقراءة القرآن).
أي: ويحرم على الحائض تلاوة القرآن غيباً.
وهذا قول جمهور العلماء.
أ-لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) رواه الترمذي، وهو ضعيف.
ب-قياس الحائض على الجنب، فإذا منع الجنب من قراءة القرآن فالحائض أولى، لأن حدث الحائض أغلظ وأشد.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز لها ذلك.
وهذا مذهب مالك، واختاره ابن تيمية والشيخ ابن باز.
أ- لعدم الدليل الذي يمنع من ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس في منع الحائض من القراءة نصوص صريحة صحيحة، وقال: ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن، كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء.
ب- إن الحيض قد يمتد ويطول فيخاف نسيانها.
ج- قوله ﷺ لعائشة لما حاضت وهي محرمة (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) متفق عليه.
ومعلوم أن المحرم يقرأ القرآن ولم يمنعها النبي ﷺ منه.
وهذا القول هو الصحيح.
قال الشيخ ابن باز ﵀: فقد سبق أن تكلمت في هذا الموضوع غير مرة وبينت أنه لا بأس ولا حرج أن تقرأ المرأة وهي حائض أو
نفساء ما تيسر من القرآن عن ظهر قلب؛ لأن الأدلة الشرعية دلت على ذلك وقد اختلف العلماء رحمة الله عليهم في هذا:
فمن أهل العلم من قال: إنها لا تقرأ كالجنب واحتجوا بحديث ضعيف رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن) وهذا الحديث ضعيف عند أهل العلم، لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة.
وبعض أهل العلم قاسها على الجنب قال: كما أن الجنب لا يقرأ فهي كذلك. لأن عليها حدثاً أكبر يوجب الغسل، فهي مثل الجنب.
والجواب عن هذا أن هذا قياس غير صحيح، لأن حالة الحائض والنفساء غير حالة الجنب، الحائض والنفساء مدتهما تطول وربما شق عليهما ذلك وربما نسيتا الكثير من حفظهما للقرآن الكريم، أما الجنب فمدته يسيرة متى فرغ من حاجته اغتسل وقرأ، فلا يجوز قياس الحائض والنفساء عليه، والصواب من قولي العلماء أنه لا حرج على الحائض والنفساء أن تقرأ ما تحفظان من القرآن، ولا حرج أن تقرأ الحائض والنفساء آية الكرسي عند النوم، ولا حرج أن تقرأ ما تيسر من القرآن في جميع الأوقات عن ظهر قلب، هذا هو الصواب، وهذا هو الأصل، ولهذا أمر النبي ﷺ عائشة لما حاضت في حجة الوداع قال لها (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) ولم ينهها عن قراءة القرآن.
стр. 272
ومعلوم أن المحرم يقرأ القرآن. فيدل ذلك على أنه لا حرج عليها في قراءته؛ لأنه ﷺ إنما منعها من الطواف؛ لأن الطواف كالصلاة وهي لا تصلي وسكت عن القراءة، فدل ذلك على أنها غير ممنوعة من القراءة ولو كانت القراءة ممنوعة لبينها لعائشة ولغيرها من النساء في حجة الوداع وفي غير حجة الوداع.
ومعلوم أن كل بيت في الغالب لا يخلو من الحائض والنفساء، فلو كانت لا تقرأ القرآن لبينه ﷺ للناس بياناً عاماً واضحاً حتى لا يخفى على أحد، أما الجنب فإنه لا يقرأ القرآن بالنص ومدته يسيرة متى فرغ تطهر وقرأ.
(ومس المصحف).
أي: ويحرم على الحائض أن تمس المصحف.
لحديث (لا يمس القرآن إلا طاهر).
وقد تقدم أدلة ذلك عند الكلام على أنه لا يجوز للمحدث مس المصحف.
(وسنة الطلاق).
أي: إذا طلق زوجته في الحيض فليس طلاقاً سنياً بل هو طلاق بدعي، وطلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.
• والدليل على تحريم طلاق الحائض.
حديث ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ [فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) متفق عليه.
الحديث دليل على تحريم الطلاق حال الحيض وفاعله عاصٍ لله إذا كان عالماً بالنهي، ويؤخذ هذا الحكم من وجهين:
أولاً: من قوله (فتغيظ رسول الله) ومعلوم أن النبي ﷺ لا يتغيظ إلا على أمرٍ محرم.
ثانياً: أن النبي ﷺ أمر ابن عمر بإمساكها بعد المراجعة ثم تطليقها في الطهر - فدل على أن تطليقها في الحيض محرما، إذ لو لم يكن محرما لأقر النبي التطليق في الحيض - ويغني عن الطلقة التي تأتي في الطهر.
نقل جماعة من العلماء: الإجماع على أن الطلاق حال الحيض محرم: ابن المنذر - ابن قدامة - النووي.
وهذا التحريم خاص بالمدخول بها، أما غير المدخول بها فيجوز تطليقها مطلقاً حائضاً أو طاهراً، لأن غير المدخول بها ليس عليها عدة. [وهذا مذهب الأئمة الأربعة].
стр. 273
(والاعتداد بالأشهر).
أي: أن المرأة التي تحيض يمنعها الحيض من الاعتداد بالأشهر، وإنما تعتد بالحيض، ثلاث حيض.
لقوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء).
وأما إن كانت لا تحيض فتعتد بالأشهر.
(ويوجب الغسل).
أي: أن الحيض يوجب الغسل إذا انقطع عنها، فإذا حاضت المرأة وانقطع حيضها، وجب عليها الغسل، وهذا بالإجماع.
أ- لقوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ).
ب-وقال ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبيش: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) متفق عليه.
وأجمع المسلمون على وجوب الغسل، وممن نقل الإجماع: النووي عن ابن المنذر، وابن حجر.
(والبلوغ).
أي: إذا حاضت المرأة حكِم ببلوغها.
لحديث عائشة. عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَقْبَلُ اَللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيُّ.
(لَا يَقْبَلُ اَللَّهُ) المراد بالنفي هنا نفي الصحة، فمن صلت بغير خمار لم تقبل صلاتها.
(صَلَاةَ حَائِضٍ) أي بالغ، قال ابن الأثير: أي التي بلغت سن المحيض، وجرى عليها القلم، ولم يرد في أيام حيضها، لأن الحائض لا تصلي.
قال ابن قدامة: وأما الحيض فهو علم على البلوغ، لا نعلم فيه خلافاً.
وقال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ في حق النساء.
стр. 274
(فإذا انقطع الدم أبيح فعل الصوم، والطلاق، ولم يُبَح سائرها حتى تغتسل).
أي: إذا انقطع دم الحيض عن المرأة ولم تغتسل لم يبح مما هو محرم عنها إلا الصوم والطلاق.
فالحائض إذا انقطع دمها قبل الفجر فإنها تصوم. قياساً على الجنب.
عن عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ).
ولفظ مسلم (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْبِحُ جُنُباً مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ).
فالحائض والنفساء مثل الجنب إذا طهرتا قبل الفجر، ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما، فإنه يصح صومهما ويجب عليهما إتمامه، سواء تركت الغسل عمداً أو سهواً، بعذر أو بغير عذر كالجنب.
قال النووي: وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكي عن بعض السلف مما لا نعلم صح عنه أم لا.
وأما الطلاق: فيجوز للزوج أن يطلق زوجته إذا انقطع دمها من الحيض، لأن الحرام أن يطلقها وهي حائض.
(ولم يبح سائرها حتى تغتسل) أي فلابد من الاغتسال، كالصلاة، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والوطء في الفرج.
(وإذا أَطْبَقَ اَلدَّمُ عَلَى اَلْمَرْأَةِ، أَوْ صَارَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا إِلَّا يَسِيرًا، فَإِنَّهَا تَصِيرُ مُسْتَحَاضَةً).
أي: إذا استمر الدم مع المرأة وأصبح لا ينقطع عنها أو لا ينقطع عنها إلا يسيراً فإنها تصير مستحاضة.
فالاستحاضة: استمرار الدم على المرأة بحيث لا ينقطع عنها أبداً، أو ينقطع عنها مدة يسيرة.
وهو دم طبيعي كما في الحديث: (إن ذلك عرق) فهو يختلف عن دم الحيض في طبيعته وفي أحكامه.
• ذكر العلماء بعض صفات دم الحيض:
أولاً: أنه دم أسود يعرف، بينما دم الاستحاضة دم أحمر.
ثانياً: أنه دم منتن، أي له رائحة كريهة، وأما دم الاستحاضة فهو دم عادي ليس له رائحة.
ثالثاً: أن دم الحيض ثخين غليظ، ودم الاستحاضة رقيق ليس ثخيناً.
стр. 275
(تجلس عادتها).
لأمر النبي ﷺ بذلك، فتجلس فيها ويثبت لها أحكام الحيض وما عداها استحاضة.
ففي حديث عائشة ﵂ (أِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّمَ فَقَالَ لَهَا: امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي». فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) رواه مسلم.
وقال ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ( … ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي).
مثال: امرأة كان يأتيها الحيض ستة أيام من أول كل شهر، ثم طرأت عليها الاستحاضة، فصار الدم يأتيها باستمرار، فيكون حيضها ستة أيام من أول كل شهر وما عداها استحاضة.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ، فَإِلَى تَمْيِيزِهَا).
أي: فإذا كانت المستحاضة ليس لها عادة كأن تكون مبتدئة، فإنها ترجع للتمييز، فيكون حيضها ما تميز بسواد أو غلظة.
لحديث عائشة. (أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي) رواه أبو داود.
(يُعْرَفُ) بضم الياء وفتح الراء، أي: تعرفه النساء بلونه وثخانته، ويجوز ضم الياء وكسر الراء مأخوذ من الإعراف، أي: له عَرْف، والعَرْف: الرائحة.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ، فَإِلَى عَادَةِ اَلنِّسَاءِ اَلْغَالِبَةِ: سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ).
أي: إذا كانت المستحاضة ليس لها حيض معلوم ولا تمييز صالح بأن تكون الاستحاضة مستمرة من أول ما رأت الدم، فهذه تعمل بعادة غالب النساء فيكون حيضها ستة أيام أو سبعة.
لحديث حمنة بنت جحش قالت (يا رسول الله! إني استحاض حيضة كبيرة شديدة، فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم، فقال ﷺ (إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله تعالى، ثم اغتسلي) رواه أبو داود.
стр. 276
مسألة: لكن لو افترض أنه وجد عند المرأة صفتان (عادة وتمييز):
أ- فإذا كانت العادة موافقة للتمييز فهذه لا إشكال فيها.
ب- أن يكون عندها تمييز لكنه مختلف عن عادتها [عادتها ستة أيام من أول الشهر، والتمييز مختلف]:
اختلف العلماء أيهما تقدم:
القول الأول: تعمل بالتمييز.
قال في المعني: وهو ظاهر مذهب الشافعي.
لحديث عائشة: ( … فإنه دم أسود يعرف … ).
لأن صفة الدم أمارة قائمة به.
القول الثاني: أنها تعمل بالعادة.
وهذا المذهب.
لحديث أم حبيبة: ( … امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي).
وجه الدلالة: فردها إلى العادة بدون استفصال، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
ولأنه أسهل على المرأة، وأبعد عن الاضطراب، لأن الدم الأسود ربما يضطرب ويتغير وينتقل أخر الشهر أو أوله أو يتقطع فيكون يوماً أسود ويوم أحمر، فجلوسها أيام عادتها أسهل عليها وأضبط لها، لأن العادة لا تبطل دلالتها أبداً.
- الانقطاع أثناء الدورة يوماً أو يومين ثم تعود الدورة، فهل فترة الانقطاع تعتبر حيض أم طهر؟
قال الشيخ ابن عثيمين: يقول بعض العلماء ﵏ أن الانقطاع ولو يوماً واحداً يعتبر طُهراً فعليها أن تغتسل وتصلى وتصوم إن كان ذلك في رمضان ولو عاد الحيض بعد يوم أو يومين وبعض العلماء يقول إن هذا ليس طُهراً في الحقيقة وإنما هو جفاف فلا تعتبر طاهراً حتى ينقطع الحيض بالكلية وهذا والله اعلم أقرب إلى الصواب لأنه جرت العادة أن المرأة في أثناء حيضها ترى الجفاف واليبوسة ولا يعتبر هذا طُهراً.
стр. 277
(والمستحاضة حكمها حكم الطاهرات).
وهذا بالاتفاق، أن حكمها حكم الطاهرات، فلا فرق بين بين المستحاضة وبين الطاهرات إلا فيما يأتي:
(لكنها تتوضأ لكل صلاة).
هذا الأمر الأول التي تخالف فيه المستحاضة الطاهرات، وهي أنها تتوضأ لكل صلاة.
لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي اِمْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ اَلصَّلَاةَ? قَالَ: "لَا. إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي اَلصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ اَلدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ: (ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ).
وهذا قول جمهور العلماء.
قال ابن رجب: وقد روي الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة عن جماعة من الصحابة، منهم علي، ومعاذ، وابن عباس، وعائشة.
لقوله في هذا الحديث (ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة).
• معنى (لكل صلاة) أي: لوقت كل صلاة.
لأنه جاء إطلاق الصلاة على الوقت، كما في قوله ﷺ في حديث جابر (فأينما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) أي: أدركه وقت الصلاة.
فإن كانت الصلاة مؤقتة [كالصلوات الخمس] فإنها لا تتوضأ إلا إذا دخل وقت الصلاة ثم تصلي.
أما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة [كصلاة الضحى مثلاً] فإنها تتوضأ عند إرادة فعلها.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة.
وهذا قول المالكية، واختاره ابن تيمية، والشيخ ابن عثيمين أخيراً.
قال ابن عبد البر: إن صاحب الحدث الدائم كالاستحاضة وسلس البول لا يرتفع حدثه بالوضوء، فيكون في حقه مستحباً لا واجباً.
وأفتى الشيخ ابن عثيمين أنه لا يلزمها الوضوء لكل صلاة، ما لم ينتقض وضوءها، وأما حديث (ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة) فهي غير محفوظة، ومثلها من عنده استطلاق ريح وقال: ليس عليه دليل ولا يفيدهما شيئاً.
وقد حكم بشذوذ هذه الرواية (ثم توضئي لكل صلاة). مسلم والنسائي والبيهقي وابن رجب.
(ويكره وطؤها إلا أن يخاف العنت).
هذا الفرق الثاني بينها وبين الطاهرات، أنه يكره لزوجها أن يطأها إلا أن يخاف العنت.
وهذا مذهب الحنابلة.
أ-لقول عائشة (المستحاضة لا يغشاها زوجها).
ب-ولأن بها أذى فيحرم وطؤها كالحائض.
стр. 278
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز وطؤها مطلقاً.
وهذا قول أكثر الفقهاء.
أ-لما روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش (أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها) قال النووي: إسناده حسن.
ب-وقال عكرمة: كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها.
ج- أن هذا الدم ليس دم حيض قطعاً لقول النبي ﷺ (إنما ذلك عرق وليس بالحيضة) وعلى ذلك فلا يأخذ شيئاً من أحكام الحيض.
د- أن العبادات أعظم حرمة من الجماع، فالمستحاضة في لزوم العبادة كالطاهرة فكذلك في مسألة الجماع.
هـ- ولأن النبي ﷺ لم يمنع عبد الرحمن بن عوف وغيره من وطء زوجاتهم المستحاضات، ولأن الاستحاضة دم عرق فلا يمنع الوطء، ولأن حكمها حكم الطاهرات في كل شيء فكذلك في حل الوطء. (قاله السعدي).
وهذا القول هو الراجح.
قال النووي: مرجحاً مذهب الجمهور: … وقال أحمد لا يجوز الموطئ إلا أن يخاف زوجها العنت، واحتج للمانعين بأن دمها يجرى فأشبهت الحائض.
واحتج أصحابنا بما احتج به الشافعي في الأم، وهو قول الله تعالى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) وهذه قد تطهرت من الحيض.
واحتجوا أيضا بما رواه عكرمة عن حمنة بنت جحش رضى الله عنها (أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها) رواه أبو داود وغيره بهذا اللفظ بإسناد حسن.
وفى صحيح البخاري قال: قال ابن عباس (المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم).
ولأن المستحاضة كالطاهرة في الصلاة والصوم والاعتكاف والقراءة وغيرها، فكذا في الموطأ.
ولأنه دم عرق فلم يمنع الوطء كالناسور.
ولأن التحريم بالشرع ولم يرد بالتحريم، بل ورد بإباحة الصلاة التي هي أعظم كما قال ابن عباس.
والجواب عن قياسهم على الحائض، أنه قياس يخالف ما سبق من دلالة الكتاب والسنة فلم يقبل.
ولأن المستحاضة لها حكم الطاهرات في غير محل النزاع، فوجب إلحاقه بنظائره لا بالحيض الذي لا يشاركه في شيء (المجموع).
стр. 279
(وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض، وتغسل فرجها وتعصبه).
هذا الفرق الثالث بينها وبين الطاهرات، أنها تغسل فرجها وتعصبه
أما غسل فرجها فلحديث عائشة السابق ( … فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي اَلصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ اَلدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي) مُتَّفَقٌ عَلَيه.
وأما دليل عصب الفرج: فلحديث أم سلمة في قوله ﷺ في المستحاضة ( … فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل فيه).
ومعنى الاستثفار: هو شدة الفرج بخرقة عريضة او قطنة تحتشي بها المرأة.
• قوله (وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض) لا خلاف بين أهل العلم في وجوب الغسل على المستحاضة عند انقضاء زمن الحيض، وإن كان الدم جارياً، وهذا أمر مجمع عليه.
لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، حيث قال لها النبي ﷺ ( … دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) متفق عليه.
قال النووي: فيه دليل على وجوب الغسل على المستحاضة إذا انقضى زمن الحيض، وإن كان الدم جارياً، وهذا مجمع عليه.
أما غسلها لكل صلاة: فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
والصحيح أنه لا يجب عليها الغسل لكل صلاة، (فقط تغتسل غسلاً واحداً عند انقضاء حيضها) وهذا مذهب جمهور العلماء.
قال النووي: وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف.
أ-البراءة الأصلية.
ب-أن النبي ﷺ لم يأمر المستحاضات بذلك.
ج-أن هذا هو المتناسب مع يسر الشريعة الإسلامية وتخفيفها على العباد.
وذهب بعض العلماء إلى أنها يجب عليها الغسل لكل صلاة.
لحديث عائشة قالت: (استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي ﷺ : اغتسلي لكل صلاة) رواه أبو داود.
وهو حديث ضعيف، ضعفه النووي والشوكاني.
стр. 280
قال النووي: ولم يصح عن النبي ﷺ أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله ﷺ : (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي (وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل) وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أن النبي ﷺ أمرها بالغسل فليس فيها شيء ثابت، وقد بين البيهقي ومن قبله ضعفها.
قال الشافعي: إنما أمرها أن تغتسل وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولا شك أن غسلها كان تطوعاً غير ما أمرت به وذلك واسع لها.
وكذا قال شيخه سفيان بن عيينة والليث بن سعد وغيرهما.
(والصُفْرةُ والكدرةُ في زمن العادة حيض).
(الْكُدْرَةَ) بضم الكاف وسكون الدال، هي اللون الأحمر الذي يضرب إلى السواد، والمراد أن الدم يكون متكدراً بين الصفرة والسواد.
(وَالصُّفْرَةَ) بضم الصاد وسكون الفاء، هي اللون الأحمر الذي يميل إلى البياض، والمراد: أن ترى الدم أصفر كماء الجروح.
فالصفرة والكدرة بعد الطهر من الحيض ليست بحيض فلا يلتفت إليها، وأما إذا كان ذلك في أثناء الحيض أو متصلاً به قبل الطهر فهو حيض، تثبت له أحكام الحيض.
لحديث أُم عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ (كُنَّا لَا نَعُدُّ اَلْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ اَلطُّهْرِ شَيْئًا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَه.
وهذا القول: هو مذهب جمهور العلماء.
قال في المغني: من رأت الدم في أيام عادتها صفرة أو كدرة، فهو حيض، وإن رأته بعد أيام حيضها لم تعتد به، نص عليه أحمد، وهو مذهب الثوري ومالك والشافعي.
وقال ابن رجب: ودل قول عائشة ﵂ هذا، على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض: حيض، وأن من لها أيام معتادة تحيض فيها، فرأت فيها صفرة أو كدرة: فإن ذلك يكون حيضاً معتبراً
وهذا قول جمهور العلماء، حتى إن منهم من نقله إجماعاً، منهم: عبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه.
ومرةً خص إسحاق حكاية الإجماع بالصفرة دون الكدرة.
ولكن ذهب طائفة قليلة، منهم: الأوزاعي، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وبعض الشافعية إلى أنه لا يكون ذلك حيضاً حتى يتقدمه في مدة العادة دم. (فتح الباري).
ويقصد ﵀ بقول عائشة: أن النساء كُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: " لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ "، تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ. ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم في " صحيحه "، " فتح الباري "
ووصله الإمام مالك في " الموطأ، وصححه الألباني في " إرواء الغليل ".
قال الشيخ ابن باز: لو جاءت هذه الكدرة أو الصفرة بعد الطهر من الحيض فإنها لا تعتبر حيضاً، بل حكمها حكم الاستحاضة، وعليك أن تستنجي منها كل وقت، وتتوضئي وتصلي وتصومي، ولا تحتسب حيضاً، وتحلين لزوجك؛ لقول أم عطية ﵂: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً) أخرجه البخاري في صحيحه.
стр. 281
• تعرف المرأة الطهر بإحدى علامتين:
الأولى: نزول القصة البيضاء.
والثانية: حصول الجفاف التام، بحيث لو احتشت بقطنة خرجت نظيفة، ليس عليها أثر من دم أو صفرة أو كدرة.
وقال الباجي في (المنتقى): وَالْمُعْتَادُ فِي الطُّهْرِ أَمْرَانِ: الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ، وَهِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ.
وَالْأَمْرُ الثَّانِي: الْجُفُوفُ، وَهُوَ أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةُ الْقُطْنَ أَوْ الْخِرْقَةَ فِي قُبُلِهَا فَيَخْرُجَ ذَلِكَ جَافًّا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، وَعَادَةُ النِّسَاءِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُنَّ مَنْ عَادَتُهَا أَنْ تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ عَادَتُهَا أَنْ تَرَى الْجَفَافَ.
وقد كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدّرجة فيها الكرسف فيه الصفرة فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. رواه البخاري معلقاً (كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره).
والدُّرْجة: هو الوعاء التي تضع المرأة طيبها ومتاعها.
والكرسف: القطن.
والقَصَّة: ماء أبيض يخرج عند انتهاء الحيض.
ومعنى الصفرة: أي ماء أصفر.
فعائشة اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضاً وقالت (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) أي: علامة الطهر.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: فما بعد الطهر من كدرة، أو صفرة، أو نقطة، أو رطوبة، فهذا كله ليس بحيض، فلا يمنع من الصلاة، ولا يمنع من الصيام، ولا يمنع من جماع الرجل لزوجته؛ لأنه ليس بحيض.
قالت أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً) أخرجه البخاري، وزاد أبو داود: (بعد الطهر) وسنده صحيح، وعلى هذا نقول: كل ما حدث بعد الطهر المتيقن من هذه الأشياء فإنها لا تضر المرأة ولا تمنعها من صلاتها وصيامها ومباشرة زوجها إياها، ولكن يجب أن لا تتعجل حتى ترى الطهر؛ لأن بعض النساء إذا جف الدم عنها بادرت واغتسلت قبل أن ترى الطهر، ولهذا كان نساء الصحابة يبعثن إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ بالكرسف - يعني: القطن - فيه الدم فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. (٦٠ سؤالاً عن أحكام الحيض).
стр. 282
فوائد:
فائدة ١:
الدم الذي يكون في باطن الفرج [مكان إدخال القطنة] ولا ينتقل ويبرز إلى الظاهر: يعد حيضاً، ولا يشترط في الدم حتى يأخذ حكم الحيض أن يخرج إلى ظاهر الفرج، بل إذا بقي في باطن الفرج يلوث القطن الداخل فهو حيض أيضا.
وهو مذهب الشافعية والحنابلة، ورواية عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني.
أ-ويدل عليه ظاهر قول الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين).
فقوله (قل هو أذى) إشارة إلى أن العبرة بوقوع الأذى، وهو حاصل حتى لو لم يبرز الدم إلى ظاهر الفرج، فهذا الأذى يظهر بالآلام المرافقة، وبأعراض الطمث الأخرى.
ب- ويدل عليه أيضا ما رواه مالك في " الموطأ " بسنده عن أم علقمة قالت: (كَانَ النِّسِاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ، فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ) تُرِيدُ بِذلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَة.
وفيه دلالة على أن النساء كن يعددن الصفرة التي تكون على (الكرسف) علامة على الحيض، وأكدت ذلك عائشة ﵂، والمراد بالكرسف هنا القطن الذي كانت النساء تدخله لتتبع الحيضة.
وروى ابن أبي شيبة في " المصنف " بإسناده أنه كانت عمرة بنت عبدالرحمن المدنية - من فقهاء التابعين- تقول للنساء: إذا إحداكن أدخلت الكرسفة فخرجت متغيرة، فلا تصلين حتى لا ترى شيئا
وذهب بعض العلماء إلى أنه ليس بحيض حتى يبرز الدم إلى ظاهر الفرج.
وهو مذهب الحنفية.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "يرى بعض العلماء أن الحيض إذا انتقل -ليس إذا أوجع البطن- ولكن ما خرج وبقي داخل الفرج، يرى أنه مثل الخارج، وهذا القول ضعيف.
والصحيح: أنه لا تفطر المرأة أو لا يفسد صومها إلا بخروج الحيض بارزاً، أما ما دام مجرد أوجاع، أو أنها أحست بأنه انتقل، لكن ما خرج فهذا لا يؤثر شيئاً.
وقال: " إذا أحست بانتقال الحيض قبل الغروب لكن لم يخرج إلا بعد الغروب فإن صومها تام ولا يبطل على القول الصحيح، لأن الدم في باطن الجوف لا حكم له، ولأن النبي ﷺ لما سُئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ قال: (نعم إذا هي رأت الماء) فعلق الحكم برؤية المني لا بانتقاله، فكذلك الحيض لا تثبت أحكامه إلا برؤيته خارجاً لا بانتقاله.
стр. 283
فائدة ٢:
• إذا طهرت الحائض العشاء تقضيها وتقضي المغرب معها.
قال ابن قدامة:. . . وَطَهُرَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، صَلَّوْا الْمَغْرِبَ وَعِشَاءَ الْآخِرَةِ،
وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَامَّةُ التَّابِعِينَ يَقُولُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ، إلَّا الْحَسَنَ وَحْدَهُ قَالَ: لَا تَجِبُ إلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا وَحْدَهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
لِأَنَّ وَقْتَ الْأُولَى خَرَجَ فِي حَالِ عُذْرِهَا، فَلَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ قَدْرَ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَجَبَتْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ قَدْرَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْخَمْسِ وَقْتٌ لِلصَّلَاةِ الْأُولَى فِي حَالِ الْعُذْرِ، فَوَجَبَتْ بِإِدْرَاكِهِ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْرَكَ دُونَ ذَلِكَ.
وَلَنَا: مَا رَوَى الْأَثْرَمُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمَا، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ: تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا.
وَلِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُهَا، كَمَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ. (المغني).
فائدة ٣:
قال ابن قدامه ﵀: "إذا انقطع حيض المرأة في المرة الثالثة، ولما تغتسل، فهل تنقضي عدتها بطهرها؟ فيه روايتان ذكرهما ابن حامد:
إحداهما: لا تنقضي عدتها حتى تغتسل، ولزوجها رجعتها في ذلك. . .، وهذا قول كثير من أصحابنا، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود. . .، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، فيكون إجماعا، ولأن أكثر أحكام الحيض لا تزول إلا بالغسل، وكذلك هذا.
والرواية الثانية: أن العدة تنقضي بمجرد الطهر قبل الغسل. . .؛ لقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، والقرء: الحيض، وقد زالت، فيزول التربص. (المغني).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ شارحاً لعبارة الزاد -: قوله: (فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فله رجعتها)، وهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم، وهي من المسائل الكبيرة التي تكاد الأدلة فيها أن تكون متكافئة.
ثم نقل ﵀ القولين في المسألة، ومال إلى القول: بصحة الرجعة مادام أن المرأة لم تغتسل من حيضها؛ استدلالاً بالآثار الواردة عن الصحابة
стр. 284
باب النفاس
النفاس: هو دم يخرج من المرأة عند الولادة أو معها أو قبلها بيومين أو ثلاثة مع الطلق.
وأحكامه هي أحكام الحيض فيما يجب ويحرم.
(وأكثره أربعون يوماً).
هذا الصحيح من أقوال العلماء، أن أكثر النفساء ٤٠ يوماً.
وهذا المذهب، وبه قال أكثر أهل العلم.
قال أبو عيسى الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك.
قال الشوكاني: والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوماً متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار، فالمصير إليها متعين.
أ- لحديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَتِ اَلنُّفَسَاءُ تَقْعُدُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ: (وَلم يَأْمُرْهَا اَلنَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ اَلنِّفَاسِ) وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
ب-وثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: النفساء تنتظر نحواً من أربعين يوماً. رواه ابن الجارود في المنتقى.
قال ابن عبد البر ﵀ في الاستذكار: ليس في مسألة أكثر النفاس موضع للاتباع والتقليد إلا من قال بالأربعين، فإنهم أصحاب رسول الله ﷺ ولا مخالف لهم منهم، وسائر الأقوال جاءَت عن غيرهم ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم، لأن إجماع الصحابة حجة على من بعدهم والنفس تسكن إليهم فأين المهرب عنهم دون سنة ولا أصل.
وقال ابن قدامة: ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم فكان إجماعاً.
قال الشيخ ابن باز: ومتى أكملت - أي النفساء - الأربعين وجب عليها الغسل وإن لم تر الطهر، لأن الأربعين هي نهاية النفاس في أصح قولي العلماء.
стр. 285
وهذا القول هو الصواب وذلك لأمور:
الأول: أنه قول الصحابة ولا مخالف لهم.
الثاني: أنه لا بد في المسألة من تحديد أيام تجلس فيها النفساء ولا يمكن تجاوز قول الصحابة إلى غيرهم.
الثالث: أنه قول الأطباء وهم من أهل الاختصاص في معرفة الدم فاتفق قولهم مع رأي ابن عباس وقول أكثر أهل العلم.
وأما أقل النفاس فلا حدَّ له في قول أكثر أهل العلم فإذا رأت النفساء الطهر وهو انقطاع الدم وجب عليها أن تغتسل وتصلي. (الإسلام سؤال وجواب).
(ولا حّد لأقلهِ).
وهذا المذهب وبه قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وجمهور العلماء.
لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلاً وكثيراً.
وهذا القول هو الصحيح.
فمتى طهرت المرأة من نفاسها وجب عليها الاغتسال والصلاة، ولو كان ذلك قبل مرور أربعين يوماً.
قال الترمذي ﵀: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: متى طهرت المرأة ولو بعد وضع الحمل بيوم أو أيام قليلة، فإنها تكون طاهراً، وتجب عليها الصلاة، ويصح منها الصوم، ويجوز لزوجها أن يجامعها.
(ومتى رأت الطهر، اغتسلت وهي طاهرة).
أي: متى رأت النفساء الطهر أثناء الأربعين، فيجب عليها الاغتسال، وتأخذ حكم المرأة الطاهرة، لأن النفاس كما تقدم لا حد لأقله
следующие страницы →