Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
وقال ابن قدامة: وَإِنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُك لِتَعْمَلَ لِي فِي هَذَا الْحَائِطِ، حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ، بِنِصْفِ ثَمَرَتِهِ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ: وَالثَّانِي يَصِحُّ.
وَهُوَ أَقِيسُ؛ لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ لِلْمَعْنَى، فَصَحَّ بِهِ الْعَقْدُ، كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا. (المغني).
(ويشترط أن يكون على ثمر يؤكل).
هذا الشرط الأول: أن يكون الشجر له ثمر يؤكل وينتفع به، كالنخل، والعنب، والرمان ونحوها.
فإن لم يكن له ثمر كالأثل، لم يصح، وللعامل أجرة المثل، لأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمرة، وهذا لا ثمرة له.
وكذا لو كان له ثمر غير مأكول، كالصنوبر والقرظ.
قال ابن قدامة: وَأَمَّا مَا لَا ثَمَرَ لَهُ مِنْ الشَّجَرِ، كَالصَّفْصَافِ وَالْجَوْزِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَهُ ثَمَرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ، كَالصَّنَوْبَرِ وَالْأَرْزِ، فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
وَلِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَهَذَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ. … (المغني).
وقيل: يصح على شجر ليس له ثمر. وحينئذ يقدر للعامل أجرة المثل.
ويصح أيضاً أن يكون ليس بمأكول.
стр. 2207
(بجزء مشاع معلوم منها).
هذا الشرط الثاني: أن تكون المساقاة بجزء من الثمر مشاع معلوم، كالربع، والثلث، والنصف.
لحديث ابن عمر السابق (أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع).
والمراد بالشطر هنا: النصف.
لو قال: لي ثمرة هذا العام، ولك ثمرة العام القادم، لا يصح.
لو قال: لي ثمرة الجانب الشرقي، ولك ثمرة الجانب الغربي، لا يصح.
لو قال: للعامل ١٠٠ صاع، لا يصح.
إن قال: ساقيتك على أن لك الثلث، فإنه يجوز، ويكون لصاحب الأرض الثلثان.
فإذا عين حق أحدهما فالباقي للآخر.
قال ابن قدامة: الْمُسَاقَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الثَّمَرَةِ مُشَاعٍ، كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: عَامَلَ أَهْلَ، خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ قَلَّ الْجُزْءُ أَوْ كَثُرَ، … وَإِنْ شَرَطَ لَهُ ثَمَرَ نَخَلَاتٍ بِعَيْنِهَا، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا قَدْ لَا تَحْمِلُ، فَتَكُونُ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِرَبِّ الْمَالِ، وَقَدْ لَا تَحْمِلُ غَيْرُهَا، فَتَكُونُ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ. … (المغني).
стр. 2208
(وهي عقد جائز).
وهذا مذهب الحنابلة.
أ- لحديث ابن عمر السابق ( … فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا).
وجه الدلالة: أنه لو كان لازماً لم يجز بغيره تقدير مدة، ولا يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم.
ب- ولأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه قدر لهم ذلك بمدة، ولو قدر مدة لم يترك نقله، لأن هذا مما يحتاج إليه، وعمر أجلاهم من الأرض وأخرجهم من خيبر، ولو كانت لهم مدة مقدرة لم يجز إخراجهم منها.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها عقد لازم.
وهذا قول جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، واختيار ابن تيمية.
أ- لأنه عقد معاوضة فكان لازماً كالإجارة.
ب-أنه لو كان جائزاً لجاز لرب المال فسخهما إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل فيستضر.
ج-أن الوفاء بالوعد واجب وإخلافه محرم، فإذا عقد معه على سنة لزمه الوفاء به من باب الوفاء بالشروط وهو واجب.
وهذا القول هو الراجح.
وعلى هذا القول:
لا يمكن لأحدهما الفسخ، فإن يقدر على العامل العمل لمرض أو نحوه، فإنه يقسم، ويقوم مقامه على حسابه.
стр. 2209
(وعلى كلٍ منهما ما جرت العادة به).
أي: وعلى كل من العامل وصاحب الأرض ما جرت العادة به، لأنه لم يرد فيه نص (بأن على العامل كذا وعلى صاحب الأرض كذا) فيكون المرجع فيه إلى العرف، فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
فائدة: ١
العرف يدل على أن على العامل الحرث والسقي والتسميد وقطع الأغصان الرديئة، وإصلاح طرق الماء ونحو ذلك.
وعلى رب المال ما يحفظ الأصل كبناء حائط، أو بناء ما انهدم منه، وحفر البئر، وإحضار آلة رفع الماء.
فما يلزم العامل ورب الأرض مما ليس فيه نص، فيرجع فيه إلى العرف، فما تعارف عليه الناس أنه من اختصاص العامل لزمه، أو من اختصاص رب الأرض لزمه، فإن لم يكن هناك عرف معلوم فعلى ما تشارطاه.
فائدة: ٢
أقل مدة للمساقاة.
قال ابن قدامة: فَأَمَّا أَقَلُّ الْمُدَّةِ، فَيَتَقَدَّرُ بِمُدَّةٍ تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ فِيهَا، فَلَا يَجُوزُ عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الثَّمَرَةِ، وَلَا يُوجَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَكْمُلُ فِيهَا الثَّمَرَةُ، فَالْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةٌ.
стр. 2210
(وكذا المزارعة بجزء من الزرع معلوم).
تقدم أن المزارعة مأخوذة من الزرع.
وتعريفها: دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها.
مثالها: إنسان عنده أرض بيضاء وليس فيها زرع، فأعطاها فلاحاً يزرعها وله نصف الزرع - مثلاً - فهذا يجوز.
فقوله (بجزء) هذا شرط خرج به ما لو دفع الأرض لمن يزرعها مجاناً، فهذه لا تسمى مزارعة؛ لأن الزرع كله للعامل.
مثال ذلك: رجل عنده أرض، وله صديق عاطل، فقال له: يا فلان خذ أرضي، وازرعها واسترزق الله بها، بدون أي سهم لصاحب الأرض، فهذه لا تسمى مزارعة، وإنما هي منحة منحها صاحب الأرض لمن يعمل فيها فلا تصح مزارعة؛ لأن المزارعة نوع من المشاركة، لكنها تبرع.
وقوله (من الزرع) أي: مما يخرج من الأرض، فإن أعطاه إياها بجزء أو بشيء معلوم مما لا يخرج من الأرض، فليست مزارعة بل هي إجارة، مثل أن يقول: خذ هذه الأرض ازرعها بمائة صاع من البر فهذا يصح، لكن يكون إجارة.
لأنني لم أقل: بمائة صاع مما يخرج منها، بل مائة صاع من البر، فالعوض الآن ثابت في الذمة، ليس ناتجاً من عمل هذا المزارع، بل هو ثابت في الذمة حتى وإن لم يزرعها يلزمه مائة صاع.
وقوله (معلوم) خرج به المجهول، فلو قال: خذ هذه الأرض مزارعة ببعض الزرع، فهذا لا يجوز؛ لأن البعض مجهول، فلا بد أن يُحَدِّد.
وأيضاً لا بد أن يكون معلومَ النسبة يعني أن علمه نسبي، وليس بالتعيين، فالنسبة أن يقول: ربع، ثلث، عُشر، وما أشبه ذلك، احترازاً من المعلوم بالتعيين، والمعلوم بالتعيين لا تصح معه المزارعة، مثل أن يقول: لك الجانب الشرقي من الأرض، ولي الجانب الغربي، فهذا لا يجوز؛ لأنه قد يسلم هذا ويهلك هذا أو بالعكس. (الشرح الممتع).
стр. 2211
عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ (سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ عَنْ كِرَاءِ اَلْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ? فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ اَلنَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ اَلْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنْ اَلزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قال ابن قدامة: وَإِنْ زَارَعَهُ عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ زَرْعًا بِعَيْنِهِ، وَلِلْعَامِلِ زَرْعًا بِعَيْنِهِ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ لِأَحَدِهِمَا زَرْعَ نَاحِيَةٍ، وَلِلْآخَرِ زَرْعَ أُخْرَى، أَوْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا مَا عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِلِ، إمَّا مُنْفَرِدًا، أَوْ مَعَ نَصِيبِهِ، فَهُوَ فَاسِدٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ صَحِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، غَيْرُ مُعَارَضٍ وَلَا مَنْسُوخٍ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَلَفِ مَا عُيِّنَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْغَلَّةِ دُونَ صَاحِبِهِ. (المغني)
(ولا يشترط كون البذر من رب الأرض).
اختلف العلماء في هذه المسألة: هل يشترط أن يكون البذر من رب الأرض أم لا على قولين:
القول الأول: أنه يشترط.
وهذا المذهب، وهو مذهب الشافعية.
قالوا: قياساً على المضاربة، فكما أنه في المضاربة يكون العمل من شخص، والمال من شخص، فكذلك المزارعة.
стр. 2212
القول الثاني: أنه لا يشترط، فيجوز من رب الأرض ويجوز من العامل.
ورجح هذا القول ابن قدامة، وابن القيم.
لحديث ابن عمر السابق (أنه ﷺ عامل أهل خيبر … ) ولم يذكر النبي ﷺ البذر على المسلمين.
قال ابن تيمية: فإن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، على أن يعمروها من أموالهم، فكان البذر من عندهم.
وقد ذكر ابن القيم أن الحديث دليل على عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض، وإنما يجوز أن يكون من العامل، فإن النبي ﷺ ما كان ينقل البذر إليهم من المدينة قطعاً.
قال ابن القيم: والذين اشترطوا البذر من ربّ الأرض قاسوها على المضاربة، وهذا القياس مع أنه مخالف للسنة الصحيحة وأقوال الصحابة، فهو من أفسد القياس، فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة، وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه، بل يذهب نفع الأرض، فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي …
وحديث ابن عمر: (أن النبي عامل أهل خيبر … ) ولم يذكر البذر على النبي ﷺ .
وهذا القول هو الراجح.
стр. 2213
باب الإجارة
تعريفها:
لغة: مشتقة من الأجر وهو العوض. قال تعالى (لو شئت لاتخذت عليه أجراً).
وشرعاً: عقد على منفعة مباحة من عين معينة أو موصوفة في الذمة مدة معلومة، أو على عمل معلوم بعوض معلوم.
(وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع).
أي: أن الإجارة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ).
وقال تعالى (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (قَالَ اَللَّهُ ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا، فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اِسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ) رَوَاهُ البخاري.
وقد استأجر النبي ﷺ رجلاً يدله الطريق في سفره للهجرة.
عن عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ ( … وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّيلِ، هَادِياً خِرِّيتاً وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) رواه البخاري.
стр. 2214
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) رواه البخاري.
- قال في المغني: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَكُلِّ مِصْرٍ عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ، إلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، يَعْنِي أَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَى مَنَافِعَ لَمْ تُخْلَقْ وَهَذَا غَلَطٌ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي سَبَقَ فِي الْأَعْصَارِ، وَسَارَ فِي الْأَمْصَار.
(وهي عقد على المنافع).
أي: أن الإجارة عقد على المنفعة لا على العين، فالمستأجر يملك المنفعة.
- الإجارة ضربان:
الأول: الإجارة على العين يستوفي منافعها.
كأجرتك هذه الدار سنة.
الثاني: الإجارة على عمل، وهي عقد على عمل معلوم يقوم به العامل.
كحمل هذا المتاع إلى مكان كذا، أو بناء هذا الجدار ونحو ذلك.
(وتصح بأي لفظ دل عليها).
جاء في (الموسوعة الفقهية) جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الإْجَارَةَ تَنْعَقِدُ بِأَيِّ لَفْظٍ دَالٍّ عَلَيْهَا، كَالاِسْتِئْجَارِ وَالاِكْتِرَاءِ وَالإْكْرَاءِ. وَتَنْعَقِدُ بِأَعَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا بِكَذَا؛ لأِنَّ الْعَارِيَّةَ بِعِوَضٍ إِجَارَةٌ. كَمَا تَنْعَقِدُ بِوَهَبْتُكَ مَنَافِعَهَا شَهْرًا بِكَذَا، وَصَالَحْتُكَ عَلَى أَنْ تَسْكُنَ الدَّارَ لِمُدَّةِ شَهْرٍ بِكَذَا، أَوْ مَلَّكْتُكَ مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ سَنَةً بِكَذَا، أَوْ عَوَّضْتُكَ مَنْفَعَةَ هَذِهِ الدَّارِ سَنَةً بِمَنْفَعَةِ دَارِكَ، أَوْ سَلَّمْتُ إِلَيْكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فِي خِيَاطَةِ هَذَا، أَوْ فِي دَابَّةٍ صِفَتُهَا كَذَا، أَوْ فِي حَمْلِي إِلَى مَكَّةَ، فَيَقُول: قَبِلْتُ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الأْلْفَاظَ لَمْ تُوضَعْ فِي اللُّغَةِ لِذَلِكَ، لَكِنَّهَا أَفَادَتْ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ. … (الموسوعة).
стр. 2215
(تصح بثلاثة شروط: معرفة المنفعة).
هذا الشرط الأول: أن تكون المنفعة المعقود عليها معلومة للطرفين.
أ-لأنها المعقود عليها فاشترط العلم كالمبيع.
ب- ولأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر.
ج - ولأن المستأجر والمؤجر بين غانم وغارم.
مثال: استأجرت منك هذا البيت للسكنى، يصح.
مثال: استأجرتك أن تدلني على طريق مكة، يصح.
(وأن تكون مباحة).
هذا الشرط الثاني: أن تكون هذه المنفعة مباحة.
فلا تصح على نفع محرم كالزنا، والغناء، وجعل داره كنيسة، أو لبيع الخمر، أو استأجر رجلاً للغناء، أو تأجير المحلات لأشياء محرمة، مثل بيع آلات اللهو، أو بيع الأشرطة الفاسدة.
أ- لقوله تعالى (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
ب- ولأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه.
ج- ولأن المنفعة المحرمة مطلوب إزالتها، والإجارة تنافيها، فلم تصح.
стр. 2216
(ومعرفة أجرة).
هذا الشرط الثالث: أن تكون الأجرة معلومة.
وهو العوض المأخوذ على المنافع.
جاء في (الموسوعة الفقهية) الأْجْرَةُ هِيَ مَا يَلْتَزِمُ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ عِوَضًا عَنِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يَتَمَلَّكُهَا. وَكُل مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً فِي الإْجَارَةِ. (الموسوعة).
قال في المغني: لا نعلم فيه خلافاً.
وذلك لأنه عوض في عقد معاوضة فوجب أن يكون معلوماً كالبيع.
وقد جاء في حديث: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنِ اِسْتَأْجَرَ أَجِيراً، فليُعْلمْه أجره) رَوَاهُ عَبْدُ اَلرَّزَّاقِ.
فلو استأجرت منك هذا البيت ببعض ما في يدي من الدراهم لم يصح.
لو استأجرت منك هذا البيت بما تلده هذه الفرس لم يصح.
فائدة: ١
الإجارة الواردة على منفعة يشترط أن تكون المدة معلومة؟
قال في الإنصاف: ويشترط كون المدة معلومة بلا نزاع في الجملة.
وقال في المغني: الْإِجَارَةِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى مُدَّةٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ الْمُدَّةَ هِيَ الضَّابِطَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، الْمُعَرِّفَةُ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً، كَعَدَدِ الْمَكِيلَاتِ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيْلِ.
لأن عدم تحديد المدة يؤدي إلى الغرر والجهالة المفضية إلى المنازعة.
وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر.
ولأن الأجرة تختلف باختلاف المدة فوجب العلم بها.
стр. 2217
فائدة: ٢
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا لِلاِنْعِقَادِ الْعَقْل، فَلَا تَنْعَقِدُ الإْجَارَةُ مِنَ الْمَجْنُونِ وَلَا مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، فَلَا
خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إِلاَّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال.
(وتصح في الأجيرِ والظِّئْرِ بطعامِهِما وكِسوتِهِما).
أي: ويصح أن يستأجر شخصاً ليعمل عنده بأكله وشرابه.
(والظئر المرضعة) أي: ويصح أن يستأجر امرأة لترضع ولده بطعامها وكسوتها.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والمالكية، والحنابلة.
أ- لقوله تعالى (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ).
ب- ولقوله تعالى (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز.
وهذا مذهب الشافعية.
стр. 2218
قالوا: إن العلم بالأجرة شرط في صحة عقد الإجارة، وإطلاق الطعام والكسوة دون وصفهما يجعل الطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة
والراجح الجواز.
فائدة: ١
يجوز أيضاً استئجار الأجير بطعامه وشرابه.
وهذا مذهب المالكية، واختاره ابن تيمية.
قياساً على الظئر.
قال في الشرح: روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى ﵃ أنهم استأجروا الأُجراء بطعامهم وكسوتهم.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز.
وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن حزم.
قالوا: إن العلم بالأجرة شرط في صحة عقد الإجارة، وإطلاق الطعام والكسوة دون وصفهما يجعل الطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة
والراجح الجواز، ويكون الطعام والكسوة بالعرف.
فائدة: ٢
اختلف العلماء: هل يجوز استئجار حيواناً بطعامه وشرابه؟
مثاله: أن يستأجر شخص دابة لينتفع بها، وتكون الأجرة علفها وصيانتها وحفظها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: عدم الجواز.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أ- قالوا: لأن العوض مجهول معدوم، ولا يدرى أيوجد أم لا؟ والأصل عدمه، ولا يصح أن يكون ثمناً.
ب- استدلوا بدليل الإجماع على ذلك، حيث ابن قدامة أنه لا يعلم مخالفاً في ذلك.
стр. 2219
القول الثاني: الجواز.
وهو مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية.
أ- القياس على استئجار الأجير بطعامه.
ب-أن علف الدابة معروف بالعادة، وهذا يرفع عنه صفة الجهالة فيكون معلوماً.
وهذا القول هو الراجح.
(وإن دخل حماماً، أو سفينة، أو أعطى ثوبه قصاراً، أو خياطاً بلا عقد صح بأجرة العادة).
(القصار: الغسال).
لأن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول.
والقاعدة (أن كل من أعدّ نفسه لعمل معين فإنه يستحق الأجرة ولو لم يكن هناك عقد).
فهؤلاء (صاحب الحمام، وصاحب السفينة، والخياط، والغسال) استحقوا الأجرة - مع أنه ليس هناك عقد - لأنهم أعدوا أنفسهم لهذا العمل.
قال ابن القيم: لو دفع ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل أو يخيط بالأجرة أو عجينة لمن يخبزه أو لحماً لمن يطبخه، أو حباً لمن يطحنه، أو متاعاً لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة على ذلك، وجب له أجرة مثله وإن لم يشترط معه ذلك لفظاً عند جمهور أهل العلم
(ويشترط في العين المؤجرة معرفتها).
هذا الشرط الأول من شروط العين المؤجرة، وهو معرفتها برؤية أو صفة.
لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر. ولأن عدم معرفتها يفضي إلى النزاع.
стр. 2220
(والقدرة على التسليم).
هذا الشرط الثاني من شروط العين المؤجرة، وهو القدر على التسليم.
أي: أن يكون المُؤجِر متمكناً من تسليم العين للمستأجر لاستيفاء المنافع، لأن الإجارة بيع المنافع أشبهت بيع الأعيان.
أ-لقوله ﷺ (لا تبع ما ليس عندك) والإجارة نوع من البيع.
ب- ولأن غير المقدور عليه، إجارته غرر، والنبي ﷺ نهى عن بيع الغرر.
فلا تصح إجارة العبد الآبق، أو الجمل الشارد.
مثال: إنسان له عبد آبق، فقال له آخر: أجرني عبدك فلان، فقال له: إن عبدي هرب، قال: أجرني وأنا أبحث عنه. قال:
أجرتك، فهذا لا يصح.
(واشتمالُ العينِ على المنفعةِ).
هذا الشرط الثالث من شروط العين المؤجرة، وهو اشتمال العين المعقود عليها على النفع.
أ- لأن الإجارة عقد على منفعة، ولا يمكن استيفاء هذه المنفعة من هذه العين.
ب- كما أن أخذ أموال الناس في مقابل ما لا نفع فيه يعتبر من أكل أموال الناس بالباطل.
مثال: لا يجوز إجارة بهيمة زمنة لحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع.
стр. 2221
قال النووي: أن يكون منتفعاً به، فما لا نفع فيه ليس بمال.
وقال ابن قدامة: لا يجوز بيع ما لا نفع فيه.
(وأن تكون المنفعة للمُؤْجِر أو مأذوناً له فيها).
هذا الشرط الرابع من شروط العين المؤجرة، وهو أن تكون العين المؤجرة للمؤجر، أو مأذوناً له فيها.
وهذا شرط في جميع العقود، فكل العقود لا بد أن يكون العاقد مالكاً للمعقود عليه، إما بملك أو بنيابة عن المالك.
- فلو أجر وتصرف فيما لا يملكه بغير إذن مالكه لم يصح كبيعه.
(وإجارة العين قسمان: إلى أمد معلوم يغلب على الظن بقاؤها فيه، والثاني: لعمل معلوم، كإجارة دابة لركوب أو حمل إلى موضع معين).
إجارة العين إما أن تكون إلى أمد.
مثال: أجرة بيتي سنة، أو شهراً، فهنا يشترط أن تكون المدة معلومة.
قال في الإنصاف: ويشترط كون المدة معلومة بلا نزاع في الجملة.
وقال في المغني: الْإِجَارَةِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى مُدَّةٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ الْمُدَّةَ هِيَ الضَّابِطَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، الْمُعَرِّفَةُ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً، كَعَدَدِ الْمَكِيلَاتِ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيْلِ. (المغني).
стр. 2222
لأن عدم تحديد المدة يؤدي إلى الغرر والجهالة المفضية إلى المنازعة.
وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر.
ولأن الأجرة تختلف باختلاف المدة فوجب العلم بها.
- وقوله (يغلب على الظن بقاؤها فيه).
أي: أنه ليس في عقد الإجارة حد أقصى لتأجير العين، فتصح الإجارة مهما طالت المدة، ولكن بشرط أن يغلب على الظن بقاء العين المؤجرة.
قال ابن قدامة: وَلَا تَتَقَدَّرُ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، بَلْ تَجُوزُ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُدَّةَ الَّتِي تَبْقَى فِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ.
وَهَذَا قَوْلُ كَافَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ اخْتَلَفُوا فِي مَذْهَبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، كَقَوْلِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
الثَّانِي لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى أَكْثَرَ مِنْهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَبْقَى أَكْثَرَ مِنْهَا، وَتَتَغَيَّرُ الْأَسْعَارُ وَالْأَجْرُ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ ﵇ أَنَّهُ قَالَ (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِك)، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى نَسْخِهِ دَلِيلٌ.
стр. 2223
وَلِأَنَّ مَا جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ سَنَةً، جَازَ أَكْثَرَ مِنْهَا، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْمُسَاقَاةِ، وَالتَّقْدِيرُ بِسَنَةٍ وَثَلَاثِينَ، تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ التَّقْدِيرِ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ أَوْ نُقْصَانٍ مِنْهُ. (المغني).
قال الشيخ ابن عثيمين: لو أجرها مدة طويلة يغلب على الظن أنها لا تبقى فيها، فظاهر كلام المؤلف أن الإجارة لا تصح … لو أجره البعير لمدة خمسين سنة فإنه لا يصح؛ لأن البعير لا يبقى إلى خمسين سنة، أو أجره سيارة لمدة مائة سنة فلا يصح؛ لأن الغالب أنها لا تبقى إلا أن توقف ولا تستعمل فهذا شيء آخر، لكن إذا استعملت فلا تبقى إلى هذه المدة.
فاشترط المؤلف في تأجير العين مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، فإن لم يغلب على الظن بقاء العين فيها فإنه لا يصح؛ لأنه لا يتم استيفاء المنفعة، ومن شرط الإجارة أن يمكن استيفاء المنفعة، فإذا استأجرها لمدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، ولكنها لم تبق؛ فإن الإجارة تنفسخ ويسقط عن المستأجر بقسطه من الأجرة. (الشرح الممتع).
- قوله (والثاني: لعمل معلوم … ).
هذا النوع الثاني من أنواع إجارة العين، وهو لعمل معين، فهذا يشترط أن يكون معلوماً. (تحديد الموضع المعين).
مثال: استأجرت سيارتك لأسافر بها إلى مكة وأرجع، فهذا يصح.
فلو قال: استأجرت منك هذه الدابة لأطلب عليها ضالتي التي ضاعت مني، فإنه لا يصح.
لأنها مجهولة، لأننا لا ندري أيجدها قريباً أم بعيداً.
ويجوز أن استأجر رجلاً ليدلني على الطريق، لكن لابد من تحديد ومعرفة هذا الطريق.
стр. 2224
عن عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ ( … وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِى الدِّيلِ، هَادِياً خِرِّيتاً وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) رواه البخاري.
(وهي عقدٌ لازم).
وهذا مذهب عامة العلماء.
فلا يملك أحد المتعاقدين الانفراد بفسخ العقد إلا برضا الطرف الآخر أو وجود ما يقتضي الفسخ.
أ-لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ويدخل في ذلك عقد الإجارة، لأنه عقد من العقود.
ب-ولقوله ﷺ (المسلمون على شروطهم).
ج-ولأنها نوع من البيع. (بيع منافع).
د- أن القول بعد لزوم عقد الإجارة فيه ضرر للمتعاقدين أو لأحدهما.
стр. 2225
(فإن تحول مستأجرٌ في أثناء المدة بلا عذر فعليه كل الأجرة، وإن حولَه مالك فلا شيء له).
إذا حصل فسخ للعقد فلا يخلو من حالين:
الأولى: إن كان الفسخ بلا عذر شرعي:
فإن كان من المستأجر فعليه الأجرة كاملاً.
وإن كان من المؤجر فلا شيء له.
مثال: إنسان استأجر بيتاً من شخص لمدة سنة بألف ريال، وفي أثناء السنة فسخ المستأجر، فيلزمه الأجرة كاملة.
وكذلك بالنسبة للمؤجر، فلو منع المستأجر بعض المدة أو كلها، فلا أجرة له.
والثانية: وأما إن كان الفسخ بعذر شرعي:
فإن كان من قبل المؤجر: له من الأجرة بالقسط.
وكذلك إذا كان الفسخ من المستأجر.
مثال: استأجر منه بيتاً، وفي أثناء المدة انهدم، فيتعذر استيفاء المنفعة، فعليه من الأجرة بالقسط.
فائدة: ١
حكم إن تلفت العين المؤجرة بغير تفريط من المستأجر؟
قال ابن قدامة: وَالْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، لَمْ يَضْمَنْهَا، .... وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةٍ يَسْتَحِقُّهَا مِنْهَا، فَكَانَتْ أَمَانَةً.
فائدة: ٢
قال الشيخ ابن عثيمين: الأمين كل من حصل في يده مال بإذن من الشارع، أو إذن من المالك.
стр. 2226
فائدة: ٣
حكم إذا تلفت العين المستأجرة بفعل من المستأجر؟
إذا تعدى المستأجر (بأن فعل ما ليس له فعله) أو فرط (بأن ترك ما يجب عليه فعله) فإنه في هذه الحالة يجب عليه الضمان.
قال السعدي في القواعد الجامعة: التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد ولم يفرط، وفي يد الظالم مضمون مطلقاً.
فائدة: ٣
حكم إذا تلفت العين المستأجرة بعد الانتهاء من الإجارة:
فهذا له حالتان:
الأولى: أن يترك الرد لعذر: ففي هذه الحالة لا ضمان عليه. كأن يكون المالك غائباً.
الثانية: أن يمسك العين المستأجرة بغير عذر، ويطلبه المالك فيمتنع المستأجر.
ففي هذه الحالة يعتبر غاصباً، فعليه أجرة المدة التي بقيت فيها العين في يده، وإن تلفت العين فعليه ضمانها.
(وتنفسخ بتلف العين المُؤجَرَة).
كدار انهدمت، أو عبد مات. لتعذر الاستيفاء، ويكون للمؤجر من الإجارة بالقسط.
(وبموتِ مرتضع).
مثال: استأجر امرأة على أن ترضع هذا الولد لمدة سنتين، فمات الولد بعد سنة، فليس لها من الأجرة إلا مقدار سنة واحدة.
стр. 2227
(وانقلاعُ ضرسٍ).
مثال: رجل استأجر شخصاً أن يقلع ضرسه، فواعده على أن يأتيه في الصباح، فلما كان في الليل انقلع الضرس، فهنا تنفسخ الإجارة، لأن المعقود عليه معين وتلف.
(وبموت الراكب إن لم يخلف بدلاً).
مثال: جاء رجل إلى شخص واستأجر منه جملاً إلى الرياض، ومات المستأجر، فهنا هل تنفسخ الإجارة أم لا؟
نقول فيه تفصيل:
إن خلف بدلاً فإنها لا تنفسخ، وإن لم يخلف بدلاً فإنها تنفسخ.
والبدل هو الوارث أو رجل أوصى له بها.
مثال: هذا الرجل الذي مات، كان معه ولده، فقال الولد: أنا أركب الناقة بدلاً من أبي.
وهذا القول هو الصحيح.
وقال بعض العلماء: لا تنفسخ الإجارة بموت الراكب مطلقاً، وهذا المذهب كما في الإنصاف.
فائدة:
جاء في (الموسوعة الفقهية) انْقِضَاءُ الإْجَارَةِ بِالإْقَالَةِ: كَمَا أَنَّ الإْقَالَةَ جَائِزَةٌ فِي الْبَيْعِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ أَقَال نَادِمًا بَيْعَتَهُ أَقَال اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ كَذَلِكَ جَائِزَةٌ فِي الإْجَارَةِ؛ لأِنَّ الإْجَارَةَ بَيْعُ مَنَافِعَ.
(لا بموتِ المُتعاقدين أو أحدِهِما).
أي: لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقدين أو أحدهما.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لأن المعقود عليه في الإجارة هي منفعة العين، وليس المعقود عليه ذات المؤجر أو المستأجر.
قال البخاري في صحيح: باب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضاً فَمَاتَ أَحَدُهُمَا.
стр. 2228
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَيْسَ لأَهْلِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ.
وَقَالَ الْحَكَمُ وَالْحَسَنُ وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ تُمْضَى الإِجَارَةُ إِلَى أَجَلِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَصَدْراً مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الإِجَارَةَ بَعْدَ مَا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ .
مثال: رجل استأجر من آخر بيتاً، وفي أثناء المدة مات، فهنا لا تنفسخ الإجارة، ويكون حق الاستيفاء لورثته، وكذلك بالعكس، لو أن المؤجر مات، فإنها لا تنفسخ، ويكون بقية الأجرة للورثة.
فائدة:
- ما الحكم إذا طلب من المستأجر الخروج قبل انتهاء المدة وطلب عوضاً مقابل لك؟
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: إذا كان هذا المستأجر له مدة معينة، وجاءه صاحب الدكان يطلب منه الخروج قبل انتهاء هذه المدة: فلا حرج عليه أن يطلب عوضاً عن إسقاط حقه فيما بقي من المدة.
مثال ذلك: أن يكون قد استأجر هذا الدكان عشر سنين، ثم يأتيه صاحب الدكان بعد مضي خمس سنين، ويطلب منه أن يُفرِّغ الدكان له، فلا حرج على المستأجر حينئذٍ أن يقول: أنا لا أخرج وأدع بقية مدتي إلا بكذا وكذا؛ لأن هذا معاوضة على حق له ثابت بمقتضى العقد الذي أمر الله بالوفاء به في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
стр. 2229
(وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه، لا بأكثر منه ضرراً).
لأنها مملوكة له، فجاز أن يستوفيها بنفسه أو نائبه.
مثال: استأجرت منك بيتاً لمدة (٥) سنوات وسكنت فيه لمدة سنة وانتهى غرضي منه، فإنه يجوز أن أؤجر هذا البيت لشخص لمدة (٤) سنوات.
فائدة: ١
بخلاف العارية، فالعارية إباحة نفع، يعني لو أن شخصاً أعارك هذا الدكان تبيع وتشتري فيه، فهل لك أن تؤجره أو تعيره؟
نقول: لا تملك أن تؤجره ولا أن تعيره؛ لأن العارية إباحة نفع، بخلاف الإجارة فإن المستأجر يملك المنفعة، وما دام أنه يملك المنفعة فله أن يستوفيها كما سلف بنفسه أو بنائبه عن طريق الإجارة أو عن طريق الإعارة.
- وقوله (لا بأكثر منه ضرراً) يعني: لا يجوز للمستأجر أن يؤجرها لمن أكثر منه ضرراً.
لأن العقد الذي أبرم بين المؤجر والمستأجر اقتضى منفعة مقدرة، فلا يجوز بأكثر منه.
مثال: لو استأجر داراً للسكنى، جاز أن يؤجرها لغيره للسكنى أو دونها، ولا يجوز أن يؤجرها لمن يجعل فيها مصنعاً أو معملاً.
فائدة: ٢
يجوز للمستأجر أن يؤجر العين أكثر من أجرة الأصل، هذه المسألة لها أحوال:
أولاً: أن يؤجرها بأقل، فهذا يصح.
ثانياً: أن يؤجرها بمثل الأصل، فهذا يصح.
ثالثاً: أن يؤجرها بأكثر، فيه خلاف والصحيح أنه يصح.
стр. 2230
قال ابن تيمية: للمستأجر أن يؤجرها بمثل الأجرة، وإنما تنازعوا في إيجارها بأكثر من الأجرة، لئلا يكون ذلك ربحاً فيما لا يضمن،
والصحيح جواز ذلك، لأنها مضمونة على المستأجر.
(وَلَا يَضْمَنُ حجام، وطبيب إنْ كان حاذقاً، ولم تَجنِ يده).
الحجام: من يقوم بإخراج الدم، سواء من الرأس أو من غيره.
الطبيب: من يتولى علاج البشر.
فهؤلاء لا يضمنون إذا أتلفوا بشرطين:
لا يضمن لكن بشروط:
أ-أن لا تجنِ أيديهم، بأن لا يتجاوز ما له فعله في العلاج.
ب-أن يعرف حذقهم. (أي إجادتهم للصنعة ومعرفتهم بها).
العلة:
لأنه فعل فعلاً مباحاً، فلم يضمن سرايته.
فهو كالإمام يقطع يد سارق فتسري الجراحة حتى يموت فلا يضمن.
والقاعدة: ما ترتب على المأذون غير مضمون.
стр. 2231
فإن تخلف أحد الشرطين، إما بأن تجني يده ويقطع ما ليس له قطعه، أو لا يكون حاذقاً عارفاً بالطب فيتطبب، فإنه يضمن.
وقد جاء في الحديث (من تطَبّبَ ولا يُعلم منه طب فهو ضامن) رواه أبو داود.
(لا يجوز للمرأة أن تؤجر نفسها بغير إذن زوجها).
أ-لقوله ﷺ (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) متفق عليه.
ب- ولما فيه من فوات الاستمتاع بها، وهي مملوكة المنافع للزوج إلا إذا اشترطت عليه عند العقد.
(ويجب إعطاء الأجير أجره).
لحديث اِبْنِ عُمَر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَعْطُوا اَلْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ.
وللحديث السابق (ثلاثة أنا خصمهم: … وَرَجُلٌ اِسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ).
ويحرم المماطلة في حق العامل:
قال ﷺ (مطل غني ظلم) متفق عليه.
فائدة: ١
متى تستقر الأجرة؟ تستقر الأجرة بفراغ العمل.
فإن لم يتم العمل نظرنا: فإن كان لغير عذر فلا حق له في شيء من الأجرة، وإن كان بعذر فله من الأجرة بقدر ما عمل.
مثال: رجل استأجر شخصاً أن يعمل له يوماً كاملاً، فلما انتصف النهار ترك العمل بدون عذر، فحينئذ لا حق له فيما عمل، أما لو اصيب بمنتصف النهار بمرض لا يستطيع معه إكمال العمل، ففي هذه الحالة يستحق من الأجرة بقدر ما عمل.
стр. 2232
فائدة: ٢
ما الحكم إن كان ترك الإتمام من المستأجر لا من الأجير؟
الحكم: أن يستحق جميع الأجرة، إلا إذا كان لعذر فله من الأجرة بقدر ما عمل.
مثال: استأجر شخص رجلاً ليبني له جداراً، فلما كان في أثناء العمل أتى السيل فهدم الجدار، وليس عند المستأجر شيء يبني به الجدار من جديد، فهنا لا يستحق العامل إلا مقدار ما عمل. (ابن عثيمين).
فائدة: ٣
ما الحكم إذا استأجر شخصاً لعمل محرّم، فهل يعطيه أجرته أم لا؟ كأن يستأجره للعزف والزمر مثلاً، أو ليشهد له زوراً، أو ليضرب له بريئاً، أو كمن يستأجر امرأة للزنا ونحو ذلك من الأعمال المحرمة.
الحكم: أنه لا يجوز أن يدفع له الأجرة على العمل المحرم، ويلزمه أن يتصدق بهذا المال، لئلا يجمع بين العوضين: المنفعة المحرمة، والمال.
جاء في (الموسوعة الفقهية) الإجارة على المنافع المحرمة كالزنى، والنوح والغناء، والملاهي محرمة وعقدها باطل، لا يستحق به أجرة.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن رجل حلق ذقنه عند الحلاق وقال: سوف أعطيك المال فيما بعد دينا عليّ، ثم هداه الله والتزم بأحكام الإسلام فهل يعطيه المال أم لا؟
فأجاب: يقول له: أنا لن أعطيك إياه لأن هذا مقابل عمل محرم، ويتصدق به.
فائدة: ٤
ما الحكم إن تاب من عمل محرم وقد اكتسب مالاً محرماً كأجرة الغناء أو شهادة الزور والأجرة على كتابة الربا؟
من تاب إلى الله تعالى من عمل محرم، وقد اكتسب منه مالاً، كأجرة الغناء، والرشوة، والكهانة وشهادة الزور، والأجرة على كتابة الربا، ونحو ذلك من الأعمال المحرمة، فإن كان قد أنفق المال، فلا شيء عليه، وإن كان المال في يده، فيلزمه التخلص منه بإنفاقه في وجه الخير، إلا إذا كان محتاجاً فإنه يأخذ منه قدر الحاجة، ويتخلص من الباقي.
стр. 2233
قال ابن القيم ﵀: إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض، كالزانية، والمغنى، وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ثم تاب والعوض بيده.
فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لصاحبه في مقابلته نفع مباح.
وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أصوب القولين. (مدارج السالكين)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن أخذ عوضاً عن عين محرمة أو نفع استوفاه، مثل أجرة حَمَّال الخمر، وأجرة صانع الصليب، وأجرة البغيّ ونحو ذلك فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله، فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث، ولا يعاد إلى صاحبه؛ لأنه قد استوفى العوض، ويتصدق به كما نص على ذلك من نص من العلماء، كما نص عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر، ونص عليه أصحاب مالك وغيرهم. (مجموع الفتاوى).
فائدة: ٥
إذا تسلم عيناً بإجارة فاسدة فهذه لها أحوال:
إن لم تبدأ المدة لم يلزمه شيء ويردها إلى صاحبها.
إن انتهت المدة يسلم أجرة المثل كاملة.
في أثناء المدة يسلم القسط من أجرة المثل.
- تفسد الإجارة إما بفوات شرط أو وجود مانع.
مثال: رجل استأجر بيتاً من غير مالكه ولا قائم مقام مالكه. ﴿الإجارة هنا فاسدة﴾
إذا انتهت المدة، يثبت لصاحب البيت أجرة المثل سواء كان مثل ما اتفق عليه أو أكثر أو أقل.
هذا المستأجر قد استأجر بـ ﴿١٠٠﴾ وأجرة المثل بـ ﴿٢٠٠﴾ فيلزم المستأجر ﴿٢٠٠﴾ ويرجع بالمائة الزائدة على الذي غره وخدعه، وهو الذي أجر بيت غيره بغير إذنه.
стр. 2234
فائدة: ٦
حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: الجواز.
وهذا مذهب الشافعي، وبه قال ابن حزم.
أ- عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ حَقًّا كِتَابُ اَللَّهِ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
ب- عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِى. فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئاً جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَال «فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ». فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً». فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «انْظُرْ وَلَوْ خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ». فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ. فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ. وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ». فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّياً فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا - عَدَّدَهَا. فَقَالَ «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) رواه مسلم.
وفي رواية (انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).
ج- أنه يجوز أخذ الرزق على ذلك، فجاز أخذ الأجرة، ولا فرق.
وقال الشيخ ابن عثيمين: وأما أخذ الأجرة على إقراء القرآن أي على تعليم القرآن فهذا مختلف فيه، والراجح أنه جائز لأن الإنسان يأخذه على تعبه وعمله لا على قراءته القرآن وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال إن أفضل ما أخذتم عليه أجراً أو قال أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله. وثبت عنه ﷺ أنه قال للرجل الذي لم يجد مهراً، قال: زوجتكها بما معك من القرآن أي يعلمها ما معه من القرآن فتبين بهذا أن الاستئجار لقراءة القرآن محرم وفيه إثم وليس فيه أجر ولا ينتفع به الميت وأما الأجرة على تعليم القرآن فالصحيح أنها جائزة ولا بأس بها. انتهى.
стр. 2235
القول الثاني: التحريم.
وهذا مذهب الحنفية، وهو مذهب الحنابلة في تعليم القرآن.
أ- لقوله تعالى (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً).
وجه الدلالة: أنها دلت على تحريم تعاطي الأجر على آيات الله كالقرآن، وما في معناه من العلوم الشرعية.
ب- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ (عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْكِتَابَ، وَالْقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ ، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَلأَسْأَلَنَّهُ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا) رواه أبو داود.
ج- وعن أبي الدرداء. أن رسول الله ﷺ قال (من أخذ قوساً على تعليم القرآن، قلده الله قوساً من النار) رواه البيهقي.
د- وعن أبي بن كعب قال (علمت رجلاً القرآن، فأهدى إليّ قوساً، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: إن أخذتها أخذت قوساً من نار، فرددتها) رواه ابن ماجه.
فالحديث دل على تحريم الهدية، فمن باب أولى الأجرة المشروطة.
(الحديث حكم عليه ابن عبد البر والبيهقي بالانقطاع، وأعله ابن القطان بجهالة أحد رواته، وله طرق عن أبيّ، قال ابن القطان: لا يثبت منها شيء).
هـ- وعن سهل. قال: قال ﷺ ( … اقرؤه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم، يتعجل أجره ولا يتأجله) رواه أبو داود.
стр. 2236
القول الثالث: الجواز للحاجة.
وهذا اختيار ابن تيمية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: تنازع العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه وفيه ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد وغيره أعدلها أنه يباح للمحتاج.
أ- استدلوا بأدلة الفريقين وجمعوا بينهما، فقيدوا الجواز بالحاجة ومنعوه في غير الحاجة.
ب- واستدلوا بأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، والحاجة للتعليم حاجة عامة للصغار والكبار.
ج-القياس على ولي اليتيم.
قال ابن تيمية: كما أذن الله لولي اليتيم أن يأكل مع الفقر ويستغني مع الغنى.
د- أن الإنفاق على الأهل واجب، فمن عجز عن التكسب في حال تعليمه فيجوز له أخذ الأجرة لوجوب النفقة عليه إن لم نقل بالوجوب.
قال ابن تيمية: وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ - وَهُوَ أَقْرَبُ - قَالَ: الْمُحْتَاجُ إذَا اكْتَسَبَ بِهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَنْوِيَ عَمَلَهَا لِلَّهِ وَيَأْخُذُ الْأُجْرَةَ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ؛ فَإِنَّ الْكَسْبَ عَلَى الْعِيَالِ وَاجِبٌ أَيْضًا فَيُؤَدِّي الْوَاجِبَاتِ بِهَذَا؛ بِخِلَافِ الْغَنِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكَسْبِ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُوهُ أَنْ يَعْمَلَهَا لِغَيْرِ اللَّهِ؛ بَلْ إذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَغْنَاهُ وَهَذَا فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ: كَانَ هُوَ مُخَاطَبًا بِهِ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ إلَّا بِهِ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَيْنًا.
وهذا القول هو الراجح.
قال الشنقيطي في أضواء البيان بعد أن ذكر الخلاف: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم -: أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية: فالأولى له ألا يأخذ عوضاً على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال والحرام؛ للأدلة الماضية، وإن دعته الحاجة: أخذ بقدر الضرورة، من بيت مال المسلمين؛ لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم، لا من قبيل الأجرة.
والأولى لمن أغناه الله: أن يتعفف عن أخذ شيءٍ في مقابل التعليم للقرآن، والعقائد، والحلال والحرام.
- بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن أدلة القول الثاني (المانعين)؟
أولاً: أن حديث عبادة في سنده المغيرة بن زياد، وقد تكلم فيه أحمد والبخاري وأبو حاتم.
ثانياً: أنه يحتمل أنه بدأ العمل مخلصاً محتسباً لله فلم يرد أن يغير نيته.
стр. 2237
قال الصنعاني: فذهب الجمهور، ومالك، والشافعي إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن سواء كان المتعلم صغيراً أو كبيراً ولو تعين تعليمه على المعلم عملاً بحديث ابن عباس ويؤيده ما يأتي في النكاح من جعله ﷺ تعليم الرجل لامرأته القرآن مهراً لها، قالوا: وحديث عبادة لا يعارض حديث ابن عباس إذ حديث ابن عباس صحيح وحديث عبادة في رواية مغيرة بن زياد مختلف فيه واستنكر أحمد حديثه، وفيه الأسود بن ثعلبة فيه مقال فلا يعارض الحديث الثابت.
قالوا: ولو صح فإنه محمول على أن عبادة كان متبرعاً بالإحسان وبالتعليم غير قاصد لأخذ الأجرة فحذره ﷺ من إبطال أجره وتوعده، وفي أخذ الأجرة من أهل الصفة بخصوصهم كراهة ودناءة لأنهم ناس فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه.
وقال صاحب عون المعبود في شرح حديث عبادة: قال الخطابي اختلف قوم من العلماء في معنى هذا الحديث وتأويله:
فذهب بعضهم إلى ظاهره فرأوا أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن غير مباح وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه.
وقال طائفة لا بأس به ما لم يشترط وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي.
وأباح ذلك آخرون وهو مذهب عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور واحتجوا بحديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهراً زوجتكما على ما معك من القرآن.
وتأولوا حديث عبادة على أنه كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع، فحذره النبي ﷺ إبطال أجره وتوعده عليه، وكان سبيل عبادة في هذا سبيل من رد ضالة لرجل أو استخرج له متاعاً قد غرق في بحر تبرعاً وحسبة فليس له أن يأخذ عليه عوضاً ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزاً، وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب، وقال بعض العلماء أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه، لأن فرض ذلك لا يتعين عليه، وإذا كان في حال أو في موضع لا يقوم به غيره لم تحل له الأجرة. وعلى هذا يؤول اختلاف الأخبار فيه. انتهى.
стр. 2238
وقال النووي: وأجاب المجوزون عن حديث عبادة بجوابين:
أحدهما: أن في إسناده مقالاً.
والثاني: أنه كان تبرع بتعليمه فلم يستحق شيئاً ثم أهدي إليه على سبيل العوض فلم يجز له الأخذ بخلاف من يعقد معه إجارة قبل التعليم. والله أعلم
- بماذا أجاب أصحاب القول الثاني عن أدلة القول الأول (الجواز).
أما حديث ابن عباس:
أ-فقالوا: إن المراد بالأجر هنا الثواب.
ب- أن الحديث منسوخ بما ورد من نصوص الوعيد في أخذ الأجرة.
ج- أن الرقية نوع من التداوي، فهي من الأمور المباحة، وليست مثل التعليم إذ هو عبادة، فالقياس عليها قياس مع الفارق.
الأكمل والافضل أن الإنسان لا يأخذ على تعليمه أجراً.
قال الشنقيطي: قَوْلُهُ تَعَالَى (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ).
ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنَّهُ أَخْبَرَ قَوْمَهُ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُهُمْ مَالًا فِي مُقَابَلَةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالْهُدَى، بَلْ يَبْذُلُ لَهُمْ ذَلِكَ الْخَيْرَ الْعَظِيمَ مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ أَخْذِ أُجْرَةٍ فِي مُقَابِلِهِ.
وَبَيَّنَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ شَأْنُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، كَقَوْلِهِ فِي «سَبَإٍ» عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ).
وَقَوْلِهِ فِيهِ أَيْضًا فِي آخِرِ «سُورَةِ ص» (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ).
стр. 2239
وَقَوْلِهِ فِي «الطُّورِ»، وَ «الْقَلَمِ» (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ).
وَقَوْلِهِ فِي «الْفُرْقَانِ» (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا).
وَقَوْلِهِ فِي «الْأَنْعَامِ» (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ).
وَقَوْلِهِ عَنْ هُودٍ فِي «سُورَةِ هُودٍ» (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي).
وَقَوْلِهِ فِي «الشُّعَرَاءِ» عَنْ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ عَلَيْهِمْ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ).
وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ رُسُلِ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي «يس» (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا).
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى أَتْبَاعِ الرُّسُلِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَبْذُلُوا مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ أَخْذِ عِوَضٍ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عَلَى تَعْلِيمِ الْعَقَائِدِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
تنبيه:
أخذ الأجرة على مجرد القراءة.
قال ابن تيمية: الاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة.
стр. 2240
باب السبق
السبْق - بسكون الباء - بمعنى واحد وهو: المسابقة وبلوغ الغاية قبل غيره.
والسبَق - بفتح الباء - العوض والجعل، وهو ما يتراهن عليه المتسابقون، فمن سبق أخذه.
وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ).
فأمر بإعداد القوة ورباط الخيل، ومن طرق ووسائل إعدادها المسابقة، فدل على مشروعيتها.
قال الجصاص: وهذا يدل على أن جميع ما يقوي على العدو فهو مأمور بإعداده.
وقال تعالى حكاية عن إخوة يوسف (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا … ).
قال السعدي: نستبق إما على الأقدام أو بالرمي والنضال.
وعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (سَابَقَ اَلنَّبِيَّ ﷺ بِالْخَيْلِ اَلَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ، مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةِ اَلْوَدَاعِ. وَسَابَقَ بَيْنَ اَلْخَيْلِ اَلَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ اَلثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ اِبْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
(قَدْ أُضْمِرَتْ) الإضمار: المراد به أن تُعلف الخيل حتى تسمن، وتقوى، ثم يقلّل علفها بقدر القوت، وتدخل بيتاً، وتغشى بالجلال، حتى تحمى فتعرق، فإذا جف عرقها خف لحمها، وقويت على الجري، وأما الخيل التي لم تضمر فهي ضدها، التي لم يعمل بها هذا العمل. (مِنَ الْحَفْيَاءِ) موضع بظاهر المدينة. (وَأَمَدُهَا) أي: غايتها. (ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ) الثنية لغة: الطريقة إلى العقبة، وثنية الوداع: موضع بالمدينة، سمي بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودّعون إليها.
стр. 2241
ففيه تشجيع من النبي ﷺ للسباق بالخيل، وفيه دلالة أكيدة على مشروعية السباق.
قال ابن حجر: وفي الحديث مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة.
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ- قَالَ حُمَيْدٌ، أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ - فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ فَقَالَ حَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ وَضَعَهُ) رواه البخاري.
قال ابن حجر: وفي الحديث اتخاذ الإبل للركوب والمسابقة عليها.
وعَنْ عَائِشَةَ، ﵂ (أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي
فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ) رواه أبو داود.
وعن سَلَمَة بْن الأَكْوَع ﵁ قَالَ (مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ قَالُوا كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ) رواه البخاري.
وعن رُكانة (أنه صَارَعَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رواه أبو داود.
وحكى الإجماع، ابن قدامة، وابن القيم وغيرهما على جواز المسابقة في الجملة.
стр. 2242
(وهي ثلاثة أنواع).
أي: أن المسابقات والمغالبات بالنسبة إلى أخذ العوض ثلاثة أنواع.
(نوع يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض وهي: جميع المغالبات بغير الثلاثة المذكورة).
هذا النوع الأول من المسابقات: وهو ما يجوز بلا عوض ويحرم بعوض.
وهو ما لا مضرة فيه شرعية، وليس فيه منفعة تربو على مفسدة المراهنة فيه.
وهذا هو الأصل، وهو الأغلب، ويدخل في هذا:
المسابقة على الأقدام - وسائر الحيوانات - والسفن - والمزاريق -، وقد تقدمت أدلة ذلك.
فائدة: ١
وهذا النوع لا يجوز بعوض من الطرفين.
لأن في بذل السبق من المسابقين قمار، لأن كل واحد من المتسابقين يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه.
فائدة: ٢
لو كان الجعل من الإمام فإنه يجوز من غير خلاف.
قال النووي: فأما المسابقة بعوض فجائزة بالإجماع لكن بشرط أن يكون العوض من غير المتسابقين.
وقال الصنعاني: فإذا كان الجعل من غير المتسابقين كالإمام يجعله للسابق حل ذلك بلا خلاف.
ويدل ذلك حديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل وأعطى السابق) رواه أحمد.
стр. 2243
فائدة: ٣
إذا كان الجعل من أحد المتسابقين وصورته: أن يقول أحد المتسابقين للآخر: سابقني فإن سبقتني فأعطيك سبقاً وجعْلاً مقداره كذا، ولا يُخرج الآخر شيئاً من ماله البتة.
وهذه الصورة جمهور العلماء على جوازها لانتفاء شبهة القمار.
فائدة: ٤
الشروط المتعلقة بأداة السباق:
الشرط الأول: أن تكون الأداة المسابق بها أو عليها يجوز فيها المسابقة، نحو خيل وأقدام وإبل.
الشرط الثاني: تعيين الآلتين - من مركوبين ونحو ذلك - برؤية أو صفة.
الشرط الثالث: أن يكون المركوبان من جنس واحد.
وهذا مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية.
فلا تجوز المسابقة بين جنسين مختلفين كفرس وبعير.
لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس، فلا يحصل الغرض.
وقال بعض الشافعية وجمهور المالكية، بالتقارب في السبق، فإن تقارب جنسان كالبغل والحمار جاز.
الشرط الرابع: إمكان سبق كل من المتسابقين عادة.
وهذا اشترطه الحنفية، وبعض المالكية، وأكثر الشافعية.
стр. 2244
لأن النبي ﷺ لم يسابق بين المضمرات وغيرها، بل جعل كل صنف منها مع ملائمه، لأن غير المضمرة لا تساوي المضمرة.
ولأن عقد السبق يراد به التنافس وعلم السابق، فإذا علم أن أحدهم لا يستطيع السبق لم يتوصل حينئذ إلى جديد في سباقهما. ولأن موضوع المسابقة: توقع كل منهما سبق نفسه ليسعى، فيعلم أو يتعلم.
• نستفيد من قوله ( … مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةِ اَلْوَدَاعِ)؟
نستفيد أنه يشترط في المسابقة تحديد المسافة، وتعيين المبتدأ والغاية.
لأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل بتحديد المسافة.
وفي حديث الباب حدد النبي ﷺ المبتدأ والمنتهى.
لأنه مع عدم تعيينهما تحصل المنازعة، ولا يتحقق غرض المسابقة.
(ونوع يجوز بعوض وغيره: وهي مسابقة الخيل والإبل والسهام).
هذا النوع الثاني من المسابقات: وهو ما يجوز بعوض وبغير عوض وهي المسابقة على الخيل والإبل والسهام، فهي يجوز فيها العوض ومن غير عوض.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
(لَا سَبَقَ) بفتح الباء، وهو العوض ما يجعل من الجوائز للسابق.
(إِلَّا فِي خُفٍّ) هذا كناية عن الإبل لأنها هي ذات الخف.
(أَوْ نَصْلٍ) هي حديدة السهم والرمح.
(أَوْ حَافِرٍ) كناية عن الخيل لأنها هي ذات الحافر.
стр. 2245
ومعنى الحديث:
أي لا أخذ عوض إلا في هذه الثلاثة، وأنه اذا حصل سباق في غير هذه الثلاثة فإنه يجوز لكن بدون عوض، ويكون أكل المال بهذه الثلاثة مستثنى من جميع أنواع المغالبات.
قال الخطّابي (السبق) بفتح الباء: هو ما يُجعل للسابق على سَبْقه من جُعْل، ونوال، فأما السبْقُ بسكون الباء، فهو مصدر سبقت الرجل أسبُقه سَبْقًا، والرواية الصحيحة في هذا الحديث السّبَقُ مفتوحة الباء، يريد أن الجعل والعطاء لا يُستحقّ إلا في سباق الخيل، والإبل، وما في معناهما، وفي النصل، وهو الرمي،
فائدة: ١
الحكمة من إباحة أخذ العوض في هذه الثلاثة:
لأن في بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد وتحريض عليه.
قال الخطابي: وذلك لأن هذه الأمور عُدّة في قتال العدوّ، وفي بذل الْجُعْل عليها ترغيبٌ في الجهاد، وتحريض عليه.
وقال ابن قدامة: وأما المسابقة بعوض، فلا تجوز إلا بين الخيل، والإبل، والرمي، قال: وبهذا قال الزهريّ، ومالك.
لحديث (لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر) فنفى السبق في غير هذه الثلاثة.
ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إليها، فلم تجز المسابقة عليها بعوض. (المغني).
следующие страницы →