← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

ففيه تشجيع من النبي ﷺ للسباق بالخيل، وفيه دلالة أكيدة على مشروعية السباق. قال ابن حجر: وفي الحديث مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة. وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ- قَالَ حُمَيْدٌ، أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ - فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ فَقَالَ حَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ وَضَعَهُ) رواه البخاري. قال ابن حجر: وفي الحديث اتخاذ الإبل للركوب والمسابقة عليها. وعَنْ عَائِشَةَ، ﵂ (أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ) رواه أبو داود. وعن سَلَمَة بْن الأَكْوَع ﵁ قَالَ (مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ قَالُوا كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ) رواه البخاري. وعن رُكانة (أنه صَارَعَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رواه أبو داود. وحكى الإجماع، ابن قدامة، وابن القيم وغيرهما على جواز المسابقة في الجملة.

стр. 2242

(وهي ثلاثة أنواع). أي: أن المسابقات والمغالبات بالنسبة إلى أخذ العوض ثلاثة أنواع. (نوع يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض وهي: جميع المغالبات بغير الثلاثة المذكورة). هذا النوع الأول من المسابقات: وهو ما يجوز بلا عوض ويحرم بعوض. وهو ما لا مضرة فيه شرعية، وليس فيه منفعة تربو على مفسدة المراهنة فيه. وهذا هو الأصل، وهو الأغلب، ويدخل في هذا: المسابقة على الأقدام - وسائر الحيوانات - والسفن - والمزاريق -، وقد تقدمت أدلة ذلك. فائدة: ١ وهذا النوع لا يجوز بعوض من الطرفين. لأن في بذل السبق من المسابقين قمار، لأن كل واحد من المتسابقين يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه. فائدة: ٢ لو كان الجعل من الإمام فإنه يجوز من غير خلاف. قال النووي: فأما المسابقة بعوض فجائزة بالإجماع لكن بشرط أن يكون العوض من غير المتسابقين. وقال الصنعاني: فإذا كان الجعل من غير المتسابقين كالإمام يجعله للسابق حل ذلك بلا خلاف. ويدل ذلك حديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل وأعطى السابق) رواه أحمد.

стр. 2243

فائدة: ٣ إذا كان الجعل من أحد المتسابقين وصورته: أن يقول أحد المتسابقين للآخر: سابقني فإن سبقتني فأعطيك سبقاً وجعْلاً مقداره كذا، ولا يُخرج الآخر شيئاً من ماله البتة. وهذه الصورة جمهور العلماء على جوازها لانتفاء شبهة القمار. فائدة: ٤ الشروط المتعلقة بأداة السباق: الشرط الأول: أن تكون الأداة المسابق بها أو عليها يجوز فيها المسابقة، نحو خيل وأقدام وإبل. الشرط الثاني: تعيين الآلتين - من مركوبين ونحو ذلك - برؤية أو صفة. الشرط الثالث: أن يكون المركوبان من جنس واحد. وهذا مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية. فلا تجوز المسابقة بين جنسين مختلفين كفرس وبعير. لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس، فلا يحصل الغرض. وقال بعض الشافعية وجمهور المالكية، بالتقارب في السبق، فإن تقارب جنسان كالبغل والحمار جاز. الشرط الرابع: إمكان سبق كل من المتسابقين عادة. وهذا اشترطه الحنفية، وبعض المالكية، وأكثر الشافعية.

стр. 2244

لأن النبي ﷺ لم يسابق بين المضمرات وغيرها، بل جعل كل صنف منها مع ملائمه، لأن غير المضمرة لا تساوي المضمرة. ولأن عقد السبق يراد به التنافس وعلم السابق، فإذا علم أن أحدهم لا يستطيع السبق لم يتوصل حينئذ إلى جديد في سباقهما. ولأن موضوع المسابقة: توقع كل منهما سبق نفسه ليسعى، فيعلم أو يتعلم. • نستفيد من قوله ( … مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةِ اَلْوَدَاعِ)؟ نستفيد أنه يشترط في المسابقة تحديد المسافة، وتعيين المبتدأ والغاية. لأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل بتحديد المسافة. وفي حديث الباب حدد النبي ﷺ المبتدأ والمنتهى. لأنه مع عدم تعيينهما تحصل المنازعة، ولا يتحقق غرض المسابقة. (ونوع يجوز بعوض وغيره: وهي مسابقة الخيل والإبل والسهام). هذا النوع الثاني من المسابقات: وهو ما يجوز بعوض وبغير عوض وهي المسابقة على الخيل والإبل والسهام، فهي يجوز فيها العوض ومن غير عوض. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان. (لَا سَبَقَ) بفتح الباء، وهو العوض ما يجعل من الجوائز للسابق. (إِلَّا فِي خُفٍّ) هذا كناية عن الإبل لأنها هي ذات الخف. (أَوْ نَصْلٍ) هي حديدة السهم والرمح. (أَوْ حَافِرٍ) كناية عن الخيل لأنها هي ذات الحافر.

стр. 2245

ومعنى الحديث: أي لا أخذ عوض إلا في هذه الثلاثة، وأنه اذا حصل سباق في غير هذه الثلاثة فإنه يجوز لكن بدون عوض، ويكون أكل المال بهذه الثلاثة مستثنى من جميع أنواع المغالبات. قال الخطّابي (السبق) بفتح الباء: هو ما يُجعل للسابق على سَبْقه من جُعْل، ونوال، فأما السبْقُ بسكون الباء، فهو مصدر سبقت الرجل أسبُقه سَبْقًا، والرواية الصحيحة في هذا الحديث السّبَقُ مفتوحة الباء، يريد أن الجعل والعطاء لا يُستحقّ إلا في سباق الخيل، والإبل، وما في معناهما، وفي النصل، وهو الرمي، فائدة: ١ الحكمة من إباحة أخذ العوض في هذه الثلاثة: لأن في بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد وتحريض عليه. قال الخطابي: وذلك لأن هذه الأمور عُدّة في قتال العدوّ، وفي بذل الْجُعْل عليها ترغيبٌ في الجهاد، وتحريض عليه. وقال ابن قدامة: وأما المسابقة بعوض، فلا تجوز إلا بين الخيل، والإبل، والرمي، قال: وبهذا قال الزهريّ، ومالك. لحديث (لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر) فنفى السبق في غير هذه الثلاثة. ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إليها، فلم تجز المسابقة عليها بعوض. (المغني).

стр. 2246

فائدة: ٢ اختلف العلماء في حكم أخذ العوض في المسابقة على غير هذه الثلاثة (كالبغال والحمير) على قولين: القول الأول: المنع. وهذا مذهب المالكية، والحنابلة، وقول ابن حزم وكثير من السلف والخلف. أ- لان غير هذه الثلاثة لا يساويها فيما تضمنته من الفروسية، وتعلم أسباب الجهاد. ب- ولأن هذه الثلاثة هي التي عهدت عليها المسابقة في عهد النبي ﷺ ، ولم يسابق قط على بغل ولا على حمار مع وجودها عندهم. القول الثاني: الجواز في كل ذات حافر من البغال والحمير. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية. لأنها ذوات حوافر، وقد يحتاج إلى سرعة سيرها ونجائها، لأنها تحمل أثقال العساكر، وتكون معها في المغازي. والقول الأول أرجح. فائدة: ٣ اختلف العلماء: هل يجوز أخذ العوض في المسابقات العلمية على قولين: القول الأول: المنع. وهذا قول جمهور العلماء. فهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية. أ- للحديث (لا سبق … ) فالحديث فيه الحصر. ب- أن الرهان في العلم لا يحتاج إليه في الجهاد.

стр. 2247

القول الثاني: الجواز. وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن تيمية، وابن القيم. أ- استدلوا بقصة مراهنة أبي بكر للمشركين بفوز الروم، وهذه مراهنة في العلم. ب- القياس على ما ورد به النص في الأمور الثلاثة، بجامع أن العلة نصرة الدين وقيامه، فكما يقوم بالجهاد فهو كذلك يقوم بالعلم. قال ابن القيم: فإذا جازت المراهنة على آلات الجهاد، فهي في العلم أولى بالجواز. والله أعلم. تنبيه: القمار: قيل: كل لعب على مال يأخذه الغالب من المغلوب، أو هو الذي لا يخلو أن يكون الداخل فيه غانماً إن أخذ أو غارماً إن أعطى. فائدة: ٤ اشترط جمهور العلماء وجود محلل إذا كان الجعل من الطرفين، لإخراج العقد من صورة القمار. وهذا مذهب أكثر الحنابلة، وجميع الحنفية، والشافعية. قالوا: لا يجوز أن يكون بذل العوض من جميع المتسابقين إلا أن يُدخل في السباق محلل. والمحلل: اسم فاعل من حلل: جعله حلالاً، لأنه حلل الجعل بدخوله، والمقصود به هنا: الفرس الثالث من خيل الرهان، وذلك بأن يضع الرجلان رهنين بينهما، ثم يأتي رجل سواهما فيرسل معهما فرسه، ولا يضع رهناً.

стр. 2248

واستدلوا: أ- بحديث أبي هريرة. عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَدْخُلُ فَرَساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ - وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبِقَ - فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيف. ب- قالوا: بدون محلل قمار، وبالمحلل ينتفي القمار، لأن الثالث (المحلل) لا يغرم قطعاً ويقيناً، وإنما يحتمل أن يأخذ أو لا يأخذ، فخرج بذلك من أن يكون قماراً. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشترط وجود محلل. هذا اختيار ابن تيمية، وابن القيم. للحديث السابق (لا سبق إلا في خف … ) ولم يشترط محللاً. و لو كان المحلل شرطاً لصرح به. وعلى هذا فإخراج الجعل من الطرفين قمار في الأصل، ولكنه في هذه المسألة ليس قماراً محرماً، بل هو مستثنى منه، لأن فيه مصلحة، وهي التمرن على آلات القتال، وهي مصلحة عظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر. قال السعدي: الصحيح جواز المسابقة على الخيل، والإبل، والسهام بعوض، ولو كان المتسابقان كل منهما مخرجًا العوض، ولأنَّه لا يشترط المحلل، وتعليلهم لأجل أن يخرج عن شبه القمار تعليل فيه نظر، فإنَّه لا يشترط أن يخرج عن شبه القمار، بل هو قمار جائز.

стр. 2249

وقال رحمه الله تعالى: المغالبات بالنسبة لأخذ العوض ثلاثة أقسام: الأول: يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض، وهذا هو الأصل والأغلب، فدخل في هذه المسابقة على الأقدام، والسفن، والمصارعة، ومعرفة الأشد في غير ما فيه تهلكة. الثاني: لا يجوز بعوض، ولا بغير عوض؛ وذلك كالشطرنج، والنرد، وكل مغالبة ألهت عن واجب، أو دخلت في محرم، والحكمة منها ظاهرة. الثالث: تجوز بعوض، وهي المسابقة، والمغالبة بين السهام، والإبل، والخيل، لصريح الحديث المبيح. تنبيه: الخلاصة: الجعل في المسابقات ينقسم إلى أقسام: أولاً: إما أن يكون من المتسابقين جميعاً: فهنا لا يجوز لأنه قمار، إلا في الثلاثة المنصوص عليها. (الخيل والإبل والسهام). ثانياً: وإما أن يكون من أحدهما: فهذا جائر. ثالثاً: وإما أن يكون من أجنبي: فهذا جائز في كل مسابقة مباح.

стр. 2250

فائدة: (ونوع يحرم مطلقاً). هذا النوع الثالث من أنواع المسابقات: التي لا تجوز مطلقاً لا بعوض ولا بغير عوض. ومن أمثلتها: - النرد. فإذا كان اللعب بها على مال للغالب فهي حرام بالاتفاق، وإذا كان بغير مال فحرام عند جماهير العلماء. أ-لحديث بريدة. أن النبي ﷺ قال (من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه) رواه مسلم. قال النووي: هذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد. ب- ولحديث أبي موسى. قال: قال ﷺ (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) رواه أبوداود. قال بعض العلماء: أخبر أن من لعب بها عاص لله، وذلك يقتضي النهي عن اللعب، وهذا عام في اللعب بها على أي وجه كان من قمار أو غيره. واللعب بها يجر إلى مفاسد: منها: المقامرة بها. ومنها: أن لعبها ولو بغير مال يفضي إلى إِلف النفوس لها والمداومة عليها. ومنها: أن النفوس مجبولة على حب الغلبة والرفعة، وكثرة المغالبة تؤدي إلى التحاسد والتباغض والتظالم. ومنها: قالت طائفة من العلماء بأن أصل وضعه كان مبنياً على نفي القدر وإحياء سنة المجوس. يقول ابن تيمية: قيل: الشطرنج مبني على مذهب القدر، والنرد مبني على مذهب الجبر، فإن صاحب النرد يرمي ويحسب بعد ذلك، وأما صاحب الشطرنج فإنه يقدر ويفكر ويحسب حساب النقلات قبل النقل.

стр. 2251

- الشطرنج: إذا كان على مال فمحرم بالإجماع، وأما بغير مال فجماهير العلماء على تحريمها. وقد جاءت أحاديث في تحريمها لا يصح منها شيء. لكن صح عن علي أنه مر بقوم يلعبون الشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون. وعن مالك قال (بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فأحرقها). قال الذهبي: ولو كان اللعب بها حلالاً لما جاز له أن يحرقها لكونها مال اليتيم، ولكن لما كان اللعب بها حراماً أحرقها، فتكون من جنس الخمر إذا وجد في مال اليتيم وجبت إراقته. وقياساً على النرد. فائدة: تعريف القمار. قال ابن قدامة: القمار ألا يخلو كل واحد منهما - أي المتسابقين - من أن يغنم أو يغرم. وقال الخطابي: معنى القمار الذي إنما هو: مواضعة بين اثنين على مال يدور بينهما في الشقين، فيكون كل واحد منهما إما غانماً أو غارماً. وقال الشوكاني: كل ما لا يخلو اللاعب فيه من غنم أو غرم فهو ميسر.

стр. 2252

• أدلة تحريمه. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ). ب- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ) متفق عليه. ودلالة الحديث على الحرمة واضحة، فإن النبي ﷺ جعل مجرد الدعوة إلى القمار موجباً للكفارة بالصدقة. قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ تَكْفِيرًا لِخَطِيئَةٍ فِي كَلَامه بِهَذِهِ الْمَعْصِيَة، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ: فَلْيَتَصَدَّقْ بِمِقْدَارِ مَا أَمَرَ أَنْ يُقَامِر بِهِ، وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِذَلِكَ الْمِقْدَار؛ بَلْ يَتَصَدَّق بِمَا تَيَسَّرَ مِمَّا يَنْطَلِق عَلَيْهِ اِسْم الصَّدَقَة، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مَعْمَر الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم (فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ). وقال ابن حجر: القمار من جملة اللهو، ومن دعا إليه دعا إلى المعصية، فلذلك أمر بالتصدق ليكفر عنه تلك المعصية، لأن من دعا إلى معصية وقع بدعائه إليها في معصية.

стр. 2253

باب العارية تعريفها: العارية بتخفيف الياء وتشديدها، من العُري، وهو التجرد، سميت عارية لتجردها عن العوض. أو أنها مأخوذة من عار الشيء يعير، إذا ذهب وجاء، لأنها تذهب إلى المستعير ثم تعود إلى المعير. واصطلاحاً: هي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه ليردها إلى مالكها. (تبقى) خرج به الأطعمة والأشربة فإنها لا تبقى بعد الاستيفاء. والعلة: أن الإعارة تستلزم رد العين بعد الانتفاع، وما يستهلك بالانتفاع به كالطعام لا يمكن رده فيكون قرضاً. (ليردها إلى مالكها) فيه إشارة إلى أن العارية إنما تكون حال حياة المعير، فيخرج بذلك الوصية بالمنفعة، لأنها تمليك بعد الوفاة. من أمثلة العارية: أن يعيره كتاباً ليقرأ فيه، أو شيئاً من متاع البيت ليستخدمه، أو سيارة يركبها. (وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع). قال ابن قدامة: وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ). رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا: الْعَوَارِيُّ. وَفَسَّرَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: الْقِدْرُ وَالْمِيزَانُ وَالدَّلْوُ. وَأُمًّا السُّنَّةُ، فَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَةِ عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ (الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

стр. 2254

وعن أَنَس. قال (كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ فَرَكِبَ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا) رواه البخاري. وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرُعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْعَارِيَّةِ وَاسْتِحْبَابِهَا. فائدة: والعارية سنة. لأنها حسان والله يحب المحسنين. أ-لقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى). ب- وقال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). ج- ولأن فيها عوناً للمسلم، وقضاء حاجته، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. - وقد اختلف العلماء في وجوبها من عدمه على قولين: القول الأول: أنها واجبة على الغني. وهذا اختيار ابن تيمية. أ-لقوله تعالى (ويمنعون الماعون).

стр. 2255

وجه الاستدلال: أن الله تعالى ذم منع الماعون، وقد فُسر ببذل المنافع. قال ابن مسعود وابن عباس: هو إعارة القدر، والدلو والفأس ونحوها. ب- عن أبي هريرة. عن النبي ﷺ وقد ذكر الخيل- قال ( … الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ … ). رواه مسلم وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل من حق الخيل ما يكون في رقابها وظهورها من الحمل ونحو ذلك، لأن الخيل لا زكاة فيها كما هو معلوم، فكذلك سائر المنافع التي يحتاجها إليها. ج- وعن جابر. عن النبي ﷺ (أنه سئل عن حق الإبل؟ فقال: إطراق فحلها وإعارة دلوها) متفق عليه. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل بذل هذه المنافع من حق الإبل، فدل ذلك على أن بذل المنافع حق على المستغني. القول الثاني: عدم الوجوب. وهذا قول جماهير العلماء. قال ابن قدامة: وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْم. أ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -في قصة الذي سأل النبي ﷺ عن أركان الإسلام- وفيه: … قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا. قَالَ «صَدَقَ». قَالَ فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمْرَكَ بِهَذَا قَالَ «نَعَمْ» … قَالَ ثُمَّ وَلَّى. قَالَ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ) متفق عليه. ب-وعن أبي هريرة. عن النبي ﷺ قال (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك) رواه الترمذي. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ اقتصر فيهما على إيجاب الزكاة، وأن أداءها يتم به الفرض، ولم يزد على ذلك، فإيجاب العارية زائد. ج- وعن فاطمة بنت قيس. عن النبي ﷺ قال (ليس في المال حق سوى الزكاة) رواه ابن ماجه. وجه الاستدلال: أن ما سوى الزكاة ليس بواجب بذله، والعارية تدخل في هذا العموم فلا تجب.

стр. 2256

(تنعقد العارية بكل قول أو فعل يدل عليها). مِثْلُ قَوْلِهِ: أَعَرْتُك هَذَا، أَوْ يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا، وَيَقُولُ: أَبَحْتُك الِانْتِفَاعَ بِهِ، أَوْ خُذْ هَذَا فَانْتَفِعْ بِهِ، أَوْ يَقُولُ: أَعِرْنِي هَذَا، أَوْ أَعْطِنِيهِ أَرْكَبْهُ أَوْ أَحْمِلْ عَلَيْهِ. وَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ، وَأَشْبَاهُ هَذَا. لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لِلتَّصَرُّفِ، فَصَحَّ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ بِقَوْلِهِ وَتَقْدِيمِهِ إلَى الضَّيْفِ. (المغني). (تجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة). هذه شروط صحة العارية: الشرط الأول: كون العين منتفعاً بها مع بقائها. كالدار، والعبيد، والجواري، والثياب، والحلي للبس، فلا يجوز إعارة ما لا نفع فيه. الشرط الثاني: كون النفع مباحاً. فلا يجوز إعارة المحرم مثل آلات اللهو. (ويشترط كون المعير جائز التصرف). أي: يشترط للعارية: كون المعير جائز التصرف. قال ابن قدامة: وَلَا تَصِحُّ الْعَارِيَّةِ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ. لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، فَأَشْبَهَ التَّصَرُّفَ بِالْبَيْعِ. (المغني) وجاء في (كشاف القناع): وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا كَوْنُ الْمُعِيرِ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ شَرْعًا، لِأَنَّ الْإِعَارَةَ نَوْعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ لِأَنَّهَا إبَاحَةُ مَنْفَعَةٍ. - وتقدم أن جائز التصرف هو: العاقل، البالغ، الحر، الرشيد.

стр. 2257

(وتُضمن مطلقاً). أي: أن العارية مضمونة مطلقاً فرط أم لم يفرط. وهذا المذهب. قال ابن قدامة: العارية مضمونة، وإن لم يتعد فيها المستعير. أ- لحديث سَمُرَة بْنِ جُنْدُب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (عَلَى اَلْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم وجه الدلالة: أن الحديث أفاد إطلاق الضمان على ما يأخذه الشخص حتى يؤديه، وهذا يتناول العارية. ب- وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعاً يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ? قَالَ: بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِي وجه الدلالة: أن النبي ﷺ وصف العارية بأنها مضمونة، فدل ذلك على ضمانها مطلقاً. وذهب بعض العلماء: أنها لا تضمن إلا إذا فرط أو تعدى. كأن أعطيه كتاباً ليقرأ فيه، فوضعه في حوش البيت فسرق فإنه يضمن، لأنه فرط فلم يحفظه في حرزه. وهذا القول هو الراجح من أقوال العلماء: أنها لا تضمن إلا بالتعدي والتفريط. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية. لأن قبض المستعير للعارية إنما وقع بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة. - وأما حديث صفوان (بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ) فمعناه -والله أعلم- أضمن لك ردها لأمرين: الأمر الأول: في اللفظ الآخر (بل عارية مؤداة) فهذا يبين أن المراد ضمان الأداء لا ضمان التلف.

стр. 2258

الثاني: أنه لم يسأله عن تلفها، وإنما سأله: هل تأخذها غصباً، تحول بيني وبينها؟ فقال: لا، بل أخذ عارية أؤديها لك. وأما حديث (على اليد ما أخذت … ) معناه: عليها رد ما قبضت لمالكه لا ضمانه، لأن الضمان شيء والأداء شيء آخر. (وتضمن العارية ببدلها). المثل في المثلية، والقيمة إن لم تكن مثلية. مثال: فناجيل القهوة تضمن بمثلها لأنها مثلية. (وللمعير الرجوع في عاريته أي وقت شاء ما لم يضر بالمستعير). لأن المنافع المستقبلة لم تحصل في يد المستعير، فجاز الرجوع فيه، كالهبة قبل القبض. فإن أضر به لم يرجع، لحديث (لا ضرر ولا ضرار). إذاً: رجوع المعير في عاريته ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون مطلقة ليست مقيدة بزمن أو عمل، فيجوز للمعير أن يرجع في عاريته متى شاء. لأن العارية إباحة منافع، وهذه المنافع تقبض شيئاً فشيئاً، فما لم يقبض من هذه المنافع لم يملكه المستعير. القسم الثاني: أن تكون العارية مقيدة بزمن أو عمل، هذا موضع خلاف، والأقرب: رأي الإمام مالك: أن العارية إذا كانت مقيدة بزمن أو عمل، فإنه لا يجوز للمعير أن يرجع فيها حتى ينتهي ذلك الزمن أو العمل. (المختصر في المعاملات). فائدة: قال ابن قدامة: وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَعِيرِ الرَّدُّ مَتَى شَاءَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ، فَكَانَ لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ تَرْكُهُ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ.

стр. 2259

(ومؤنة رد العارية على المستعير). أ-لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا). ب-وقال ﷺ (أد الأمانة إلى من ائتمنك) رواه أبوداود. ج- أن هذا المستعير قبض العين لمصلحته الخاصة. د-لأن المعير محسن. هـ- أننا لو ألزمنا المعير بمؤؤنة الرد فيه سد باب العارية. (ولا يجوز للمستعير أن يعير العارية لغيره بغير إذن مالكه ولا يؤجرها). أي: لا يملك المستعير إعارة ما استعاره. لأن الإعارة ليست تمليكاً للمنفعة كالإجارة، وإنما هي إباحة انتفاع. جاء في (كشاف القناع) أنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْإِعَارَةَ وَلَا الْإِجَارَةَ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ بَلْ الِانْتِفَاعَ. لو أذِن المعير للمستعير بإعارة ما استعارة منه، جاز ذلك. فائدة: ١ إعارة العبد المسلم لكافر. قيل: لا يجوز. قال ابن قدامة: لَا تَجُوزُ إعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْ اسْتِخْدَامِهِ، فَلَمْ تَجُزْ إعَارَتُهُ لِذَلِكَ. وقيل: يكره. والصواب في هذه المسألة: ما يتعلق في خدمة المسلم للكافر قسمان: القسم الأول: الخدمة المباشرة الذاتية فهذا لا يجوز. كأن يغسل ثوب الكافر وماعونه ويكنس بيته ونحو ذلك، وعلى هذا لا يصح أن يعير رقيقه المسلم لكافر لمثل هذا النوع من الخدمة.

стр. 2260

القسم الثاني: أن تكون الخدمة غير المباشرة الذاتية. كما لو اشتغل عنده كاتباً، فإن الأصل فيه جائز ولا بأس به، وعلي ﵁ آجر نفسه من نصراني. فائدة: ٢ ولا تعار أمَة شابة لغير محرم أو امرأة. قال ابن قدامة:. . . وَلَا إعَارَةُ الْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ لِرَجُلٍ غَيْرِ مَحْرَمِهَا، إنْ كَانَ يَخْلُو بِهَا، أَوْ يَنْظُرُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا. وَتَجُوزُ إعَارَتُهَا لِامْرَأَةِ وَلِذِي مَحْرَمِهَا. (المغني). مثال: هذا رجل عنده أمة شابة فهل يعيرها لرجل؟ لا يجوز لأنه يترتب على ذلك الفتنة من خلوة ونحو ذلك من المحاذير، فإذا أعارها لذي محرم لأخيها أو لعمها جائز ولا بأس به، كذلك لو أعارها لامرأة جائز ولا بأس به. فائدة: ٣ الفرق بين الإجارة والعارية: أولاً: أن نفقة رد العين المستعارة على المستعير، وفي باب الإجارة مؤونة رد العين المؤجرة على المؤجر، فالمستأجر يرفع يده عنها. ثانياً: أن المستعير لا يملك أن يعير العارية، وأما المستأجر يملك إعارتها. ثالثاً: أن المستعير لا يملك أن يؤجر (استعرت السيارة لمدة أسبوع لا تملك أن تؤجر على زيد أو بكر؛ لأنك لست مالكاً للمنافع)، لكن المستأجر يملك أن يؤجر. رابعاً: أن عقد الإجارة من عقود المعاوضات، وأما عقد العارية من عقود التبرعات. خامساً: أن العارية إباحة للمنافع، وإما الإجارة فهي تمليك للمنافع.

стр. 2261

باب الغصب تعريفه: لغة: أخذ الشيء ظلماً. اصطلاحاً: هو الاستيلاء على حق الغير قهراً بغير حق. قوله: (الاستيلاء) أي: إن الغصب تصرف فعلي، يقوم على الاستيلاء الذي ينبني على القهر والغلبة. وقوله: (قهراً) خرج به لو استولى عليه خلسة أو سرقة، فإن هذا لا يعد غصباً اصطلاحاً، فالسارق: هو من يأخذ المال خفية، والمختلس: هو من يأخذ الشيء جهاراً بحضرة صاحبه في غفلة منه. وقوله: (بغير حق) خرج به الاستيلاء بحق، كاستيلاء الحاكم على مال المفلس ليوفي الغرماء. (وهو حرام). أي: أن الغصب محرم. أ-قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ). ب-وقال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا). ج- وعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ اِقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ اَلْأَرْضِ ظُلْماً طَوَّقَهُ اَللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وأجمع العلماء على تحريم الغصب في الجملة. (قاله ابن قدامة)

стр. 2262

فائدة: وقد اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ (مَنْ اِقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ اَلْأَرْضِ ظُلْماً طَوَّقَهُ اَللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ): فقيل: أن يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر ويكون كالطوق في عنقه. وقيل: يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، أي فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقاً في عنقه، ويؤيد هذا حديث ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (من أخذ من الأرض شبراً بغير حق خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين). وقيل: أنه يطوق إثم ذلك ويلزمه كلزوم الطوق بعنقه. (يلزم الغاصب رد المغصوب بزيادتهِ). أي: يجب على الغاصب رد المغصوب إذا كان بحاله. قال ابن قدامة: فمن غصب شيئاً لزمه رده إن كان باقياً بغير خلاف نعلمه. أ- لقوله ﷺ (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أبو داود. ب- ولقوله ﷺ (من أخذ عصا أخيه فليردها) رواه أبو داود. - قوله (بزيادته) أي: يلزم الغاصب رد المغصوب بزيادته سواء كانت متصلة أو منفصلة. لأنها من نماء المغصوب، وهو لمالكه، فلزمه ردها كالأصل.

стр. 2263

مثال الزيادة المتصلة: غصب عناقاً صغيرة ثم كبرت وسمنت، فيجب عليه أن يردها بزيادتها، وكتعلم العبد صنعة. مثال الزيادة المنفصلة: غصب شاة حائلاً، فولدت عنده، فيجب عليه أن يردها بزيادتها. (ولو غرم أضعافه). أي: يجب رده ولو غرم أضعاف، فلو لم يتمكن من رده إلا أن يخسر الغاصب قيمته عشر مرات، فإنه يجب رده ولو غرم. لقوله ﷺ (ليس لعرق ظالم حق) رواه أحمد. والقاعدة: أن الغاصب ظالم معتدي، فيعامل بأضيق الأمرين. (يلزم الغاصب ضمان نقص المغصوب ولو كان بغير فعله). مثاله: غصب أمة شابة، وبقيت عنده لمدة شهرين، وأتاها ما يوحشها، فابيض شعرها، فكانت بالأول تساوي [١٠٠] درهم، والآن تساوي [٥٠] درهم، فيلزم الغاصب [٥٠] درهم، لأنها نقصت تحت استيلائه، فوجب عليه الضمان. وأيضاً: لو أن هذه البهيمة هزلت وقل لحمها وجب عليه أرشها فيضمن النقص. ومثل ذلك: ثوب تخرق، وبناء تهدم، وإناء تكسّر. لأنه نقْص حصل في يد الغاصب فوجب ضمانه. فائدة: ١ وإن غضب شيئاً له أجرة، كالعقار، والدواب ونحوها فعليه أجرة مثله، سواء استوفى المنافع أو تركها حتى ذهبت. لأنها تلفت في يده العادية، فكان عليه عوضها. فلو غصب أرضاً فعليه أجرتها منذ غصبها إلى وقت تسليمها. فائدة: ٢ اختلف العلماء: هل يضمن ما نقص بسعر؟ مثال: غصب شاة تساوي ٢٠٠ ريال، وبقيت عنده ولم يلحقها نقص في ذاتها ولا عيب، ولكن القيمة نقصت فصارت تساوي: ١٠٠، فردها الغاصب على صاحبها، فهل يضمن المائة؟

стр. 2264

قيل: لا يضمن. لأنه رد العين بذاتها لم تتغير. وقيل: يضمن، واختاره ابن تيمية. وهذا القول هو الصحيح. (وأجرتُه مدة بقائه بيده). أي: وإن غصب شيئاً له أجرة، كالعقار، والدواب ونحوها فعليه أجرة مثله، سواء استوفى المنافع أو تركها حتى ذهبت. لأنها تلفت في يده العادية، فكان عليه عوضها. فلو غصب أرضاً فعليه أجرتها منذ غصبها إلى وقت تسليمها. لأنه فوّت منفعته على صاحبه. (وضمانه إذا تلف مطلقاً). أي: ويجب ضمانه إذا تلف مطلقاً، سواء تعدى أو فرط أو لم يتعدى ولم يفرط، لأن يده يد ظالم. فإن كان مثلياً وجب ضمانه بمثله، وإن لم يكن له مثل ففي قيمته. فائدة: المثلي: ما له نظير أو مقارب من معدود أو مكيل أو موزون أو مصنوع أو غير ذلك (وهذا قول ابن تيمية). بدليل حديث أَنَس ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ «كُلُوا». وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ) رواه البخاري.

стр. 2265

ولأن الضمان بالشبيه والمقارب يجمع الأمرين وحصول مقصود صاحبه. مثال: فناجين القهوة يضمنها بفناجين قهوة مثلها. فإذا لم يكن ضمانه بالمثلي ضمنه بقيمته. (وإنْ غصبَ عبداً فزاد في بدنهِ أو بتعليمهِ، ثم ذهبت الزيادة، ردّه وقيمة الزيادة). يعني أن العبد زادت قيمته الغاصب، كأن يتعلم صنعة عنده، فيزيد في قيمته، ثم ذهبت الزيادة الحاصلة، كأن ينسى الصنعة بعد أن تعلمها عند الغاصب، فهنا يلزم الغاصب رد العبد مع قيمة الزيادة التي حصلت عنده. وذهب بعض العلماء: بل يرد العبد فقط ولا يضمن الزيادة. لأنه ردّ العين كما أخذها. (وإن كانت أرضاً فغرس أو بنى فيها فلربه قلعُه). أي: من غصب أرضاً فبنى فيها أو غرس زرعاً ألزِم قلع البناء والغرس. لحديث عروة بن الزبير قال (قال رجل من أصحاب النبي ﷺ : إن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض غرَسَ أحدهما فيها نخلاً، والأرض لآخر، فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل أن يُخرج نخلَه منها، وقال: ليس لعرقٍ ظالم حق) رواه أبوداود وحسنه الحافظ ابن حجر.

стр. 2266

قال أبو عبيد: فهذا الحديث مفسر للعرق الظالم، وإنما صار ظالماً لأنه غرس في الأرض وهو يعلم أنها ملك لغيره، فصار بهذا الفعل ظالماً غاصباً، فكان حكمه أن يقلع ما غرس. • أما إذا زرع فيها الغاصب: خُيِّرَ مالكها بين أخذ الزرع ويدفع نفقته للغاصب، وبين تركه إلى الحصاد بأجرة مثله، لأن الغاصب شغلها بماله، فملَك صاحبها أخذ الأجرة. والقول بالتفريق بين الغرس فيقلع، والزرع فيبقى هو الأظهر من قولي أهل العلم، لأن الغرس مدته تطول ولا يعلم متى ينقلع من الأرض، بخلاف الزرع. (ومن انتقلتْ إليه العين من الغاصب وهو عالم فحكمه حكم الغاصب). أي: لو اشترى شخص بيتاً وهو يعلم أنه مغصوب، فهو شريك للغاصب، لأنه يعتبر شاركه في الغصب، لأن هذه العين ليس ملكاً له وإنما هي مغصوبة. (ويَضمن رب بهيمةٍ ما أتلفتْ من زرعٍ وغيرهِ ليلاً لا نهاراً إن لم تُرسل بقربه). وقد اختلف العلماء ﵏ إذا أتلفت البهائم شيئاً من الزروع. فأكثر العلماء على أن ما أفسدته البهائم ليلاً يضمنه أرباب الماشية بقيمته. لحديث (أن النبي ﷺ قضى أن على أهل الحوائط حفظها في النهار وما أفسدته المواشي بالليل ضامن على أهلها) رواه أبو داود والحائط: هو البستان إذا كان عليه جدار. قال الشافعي عن الحديث: أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله. (التلخيص الحبير).

стр. 2267

ومن أهل العلم من يحتج في هذه المسألة بقصة داود وسليمان ﵉ في الغنم التي نفشت في الحرث قال تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ). قال الشوكاني: فإن قلت فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان في هذه الشريعة المحمدية والملة الإسلامية، قلت قد ثبت عن النبي ﷺ من حديث البراء أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها بالليل وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عيناً أو قيمة، وقد ذهب جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث. … (تفسير فتح القدير). وقال الإمام البغوي: ذهب إلى هذا بعض أهل العلم: أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان على ربها وما أفسدت بالليل يضمنه ربها لأن في عرف الناس أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار وأصحاب المواشي يسرحونها بالنهار ويردونها بالليل إلى المراح فمن خالف هذه العادة كان خارجاً عن رسوم الحفظ إلى حد التضييع هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها فإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفته سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها أو كانت واقفة وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو فمها وإلى هذا ذهب مالك والشافعي. (شرح السنة). وقال الحافظ ابن عبد البر: وإنما وجب - والله أعلم - الضمان على أرباب المواشي فيما أفسدت من الزرع وشبهه بالليل دون النهار لأن الليل وقت رجوع الماشية إلى مواضع مبيتها من دور أصحابها ورحالهم ليحفظوها ويمسكوها عن الخروج إلى حرث الناس وحوائطهم لأنها لا يمكن أربابها من حفظها بالليل لأنه وقت سكون وراحة لهم مع علمهم أن المواشي قد آواها أربابها إلى أماكن قرارها ومبيتها وأما النهار فيمكن فيه حفظ الحوائط وحرزها وتعاهدها ودفع المواشي عنها. ولا غنى لأصحاب المواشي عن مشيتها لترعى فهو عيشها فألزم أهل الحوائط حفظها نهاراً لذلك والله أعلم وألزم أرباب الماشية ضمان ما أفسدت ليلاً لتفريطهم في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل. ولما كان على أرباب الحوائط حفظ حوائطهم في النار فلم يفعلوا كانت المصيبة منهم لتفريطهم أيضاً وتضييعهم ما كان يلزمهم من حراسة أموالهم. … (الاستذكار).

стр. 2268

فيؤخذ من كلام أهل العلم أن تفريق النبي ﷺ بين إفساد المواشي بالنهار وإفسادها بالليل لأنه بالنهار يمكن التحفظ من الماشية دون الليل فإذا أتلفت بالنهار فالتقصير من أصحاب المزارع في حفظ زروعهم فلا يكون الإتلاف بالنهار موجباً للضمان بخلاف الإتلاف بالليل فإن التقصير يكون من صاحب المواشي فيكون الإتلاف بالليل موجباً للضمان. تنبيه: قال الإمام النووي: إذا كان مع البهيمة شخص ضمن ما أتلفته من نفس ومال سواء أتلفت ليلاً أو نهاراً وسواء كان سائقها أو راكبها أو قائدها وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو عضها أو ذنبها لأنها تحت يده وعليه تعهدها وحفظها وسواء كان الذي مع البهيمة مالكها أو أجيره أو مستأجراً أو مستعيراً أو غاصباً لشمول اليد وسواء البهيمة الواحدة والعدد. روضة الطالبين ٧/ ٤٠٠. فائدة: ١ إذا غصب جارحاً أو كلباً فحصل بذلك صيداً، فإن الصيد يكون لمالكه، لأن الكلب لمالكه. وكذلك إذا غصب عبداً وصاد هذا العبد طيوراً، فإن الصيد لمالكه. فائدة: ٢ وأما إذا غصب فرساً: فصاد به، فإن الصيد للغاصب، لأن الفرس ليس هو الذي يصيد، بل يصاد عليه، والصائد هو الغاصب، لأن الغاصب صاد بسهمه، لكن على الغاصب أجرة الفرس.

стр. 2269

باب الشفعة تعريفها: الشفعة شرعاً: هي انتزاع الشريك حصة شريكه ممن اشتراها منه بالثمن الذي استقر عليه العقد. قال ابن قدامة: وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الْمُنْتَقِلَةِ عَنْهُ مِنْ يَدِ مَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ. وقال في الفتح: وفي عُرف الشرع: انتقال حصة شريك إلى شريك، كانت انتقلت إلى أجنبي، بمثل العِوض المسمّى. مثال الشفعة: زيد وعمرو شريكان في أرض، فباع عمرو نصيبه على خالد، فنقول لزيد أن ينتزع نصيب عمرو من خالد بالثمن الذي استقر عليه العقد. (وهي ثابتة بالسنة والإجماع). قال ابن قدامة: وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ: (قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ اَلْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ اَلطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (اَلشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ). قال ابن قدامة: أَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ، فِيمَا بِيعَ مِنْ أَرْضِ أَوْ دَارٍ أَوْ حَائِطٍ.

стр. 2270

وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ، وَتَمَكَّنَ مِنْ بَيْعِهِ لِشَرِيكِهِ، وَتَخْلِيصِهِ مِمَّا كَانَ بِصَدَدِهِ مِنْ تَوَقُّعِ الْخَلَاصِ وَالِاسْتِخْلَاصِ، فَاَلَّذِي يَقْتَضِيه حُسْنُ الْعِشْرَةِ، أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ، لِيَصِلَ إلَى غَرَضِهِ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ، وَتَخْلِيصِ شَرِيكِهِ مِنْ الضَّرَرِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَبَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، سَلَّطَ الشَّرْعُ الشَّرِيكَ عَلَى صَرْفِ ذَلِكَ إلَى نَفْسِه. وقال في الفتح: ولم يختلف العلماء في مشروعيتها، إلا ما نُقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها. فائدة: وقد اختلف العلماء في ثبوت الشفعة للكافر على المسلم على قولين: (لو باع شريك الذمي شقصاً على مسلم، فهل للذمي الشفعة على المسلم أم لا). القول الأول: أنه لا شفعة لكافر على مسلم. وهذا المذهب، واختيار ابن القيم. أ- لما روي عن النبي ﷺ أنه قال (لا شفعة للنصراني) رواه البيهقي ولا يصح. ب- أننا لو مكناه من الشفعة لجعلنا له سلطاناً على المسلم. القول الثاني: أن له الشفعة. وهذا قول جماهير العلماء. لعموم الأدلة. وهو الصحيح.

стр. 2271

(ولا تثبت إلا بشروط منها: كونه مبيعاً). وهذا بالإجماع في أن الشفعة تثبت بالبيع. أي: يشترط لحصول الشفعة أن تكون حصة الشريك انتقلت إلى المشتري الأجنبي بالبيع. قال ابن قدامة: مَا عِوَضُهُ الْمَالُ، كَالْبَيْعِ، فَهَذَا فِيهِ الشُّفْعَةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. - واختلف العلماء فيما لو انتقلت بغير عوض مالي كالهبة، هل للشريك الشفعة أم لا: مثال: شريكان في أرض، وهب أحدهما نصيبه لشخص ثالث، فهل لشريكه أن يأخذ بالشفعة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا تثبت بالهبة وهذا مذهب جمهور العلماء. لأنها انتقلت بغير عوض مالي. القول الثاني: أن الشفعة تثبت في الهبة. وهذا قول ابن أبي ليلى وجماعة. قالوا: لأن الضرر حاصل بالشريك الجديد. قال الشيخ ابن عثيمين: أن يكون انتقال الملك فيه بالاختيار كالهبة، فالمذهب أنه لا شفعة، والصحيح أن الشفعة ثابتة؛ لأن الحكمة من الشفعة موجودة في الهبة، إذ إن الحكمة من الشفعة إزالة ضرر الشريك الجديد عن الشريك الأول. فائدة: لا تثبت الشفعة إذا انتقل النصيب بالإرث.

стр. 2272

مثال: زيد وعمرو شريكان في أرض، فمات عمرو، فانتقل نصيبه إلى ورثته، فهل لزيد أن يشفع؟ الجواب: لا، لأنه انتقل بغير عوض، ولأنه انتقال غير اختياري. (ومنها: أن يكون عقاراً). أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في العقارات. فائدة: ١ اختلفوا في غير العقارات كالمنقولات (كالسيارات ونحوها) على قولين: القول الأول: عدم ثبوت الشفعة في المنقول. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. أ- لحديث جابر السابق ( … فَإِذَا وَقَعَتِ اَلْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ اَلطُّرُقُ فَلَا شُفْعَة). قالوا: إن وقوع الحدود وتصريف الطرق لا يتصور في المنقول. ب- ولحديث (اَلشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ). قالوا: جعل الشفعة في الربع والحائط، ولم يذكر المنقول. القول الثاني: ثبوت الشفعة في المنقول. وهذا اختيار ابن تيمية. أ- للحديث (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء). قالوا: إن هذا الحديث عام، فيدخل فيه المنقول. ب- أن الشفعة شرعت لإزالة الضرر، والضرر الثابت في العقار هو بعينه ثابت في المنقول. وهذا القول هو الصحيح. مثال: زيد وعمرو شريكان في سيارة، فباع عمرو نصيبه على بكر، فإنه - على القول الراجح - لزيد أن يشفع.

стр. 2273

فائدة: ٢ اختلف العلماء: هل تثبت الشفعة فيما لا يقبل القسمة من العقار؟ لأن العقار المبيع إما أن يكون مما يقبل القسمة كالعقار الكبير من أرض أو دار أو مزرعة، وإما أن يكون مما لا يقبل القسمة بحيث لو قسم لم يعد كل قسم صالحاً للبيع وحده أو الانتفاع به، كالعقار الصغير من طريق ضيقة أو بئر أو نحو ذلك، فأما ما يقبل القسمة فلم يختلف أهل العلم في ثبوت الشفعة فيه، وأما ما لا يقبل القسمة فقد اختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول: ثبوت الشفعة. وبه قال الحنفية، والظاهرية، واختار ذلك ابن تيمية. أ- لعموم للحديث (قضى النبي ﷺ في الشفعة في كل ما لم يقسم). ب- أن الشفعة تثبت لإزالة الضرر بدخول شريك، والضرر متحقق في هذا النوع من العقار. القول الثاني: عدم ثبوت الشفعة. وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة. أ- للحديث ( … في كل مالم يقسم). قالوا: إن تعليقه ثبوت الشفعة في الشيء بما إذا لم يقسم دليل على أن ما لا يقبل القسمة لا تجري فيه الشفعة أصلاً. ب- أن إثبات الشفعة هنا يلحق الضرر بالشريك البائع، لأنه لا يمكن أن يستقل بنصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع، وفي كل هذا ضرر على البائع. (ومنها: أن يكون شقصاً مشاعاً). (شقصًا) يعني جزءًا (مشاعًا) المشاع: هو الشيء المشترك غير المقسوم. فالعقار إذا كان فيه شركة ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون العقار كعقار واحد كما هو للشخص الواحد، فهذا النوع من العقار تثبت فيه الشفعة بالسنة والإجماع كما تقدم. والثاني: أن يقسم العقار ويحدد لكل شريك نصيبه، فحينئذ هو عقار مقسوم، فهذا اختلف العلماء فيه، وجماهير العلماء على عدم الشفعة.

стр. 2274

فائدة: اختلف العلماء في الشفعة للجار على أقوال: القول الأول: عدم ثبوت الشفعة للجار مطلقاً. وهذا قول جماهير العلماء. قال الشوكاني: وقد حكي هذا القول عن: علي، وعمر، وعثمان، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق. أ- لحديث جابر السابق ( … فَإِذَا وَقَعَتِ اَلْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ اَلطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ). فهذا الحديث دليل على أن ما قسِم لا شفعة فيه، وأن الحدود إذا وجدت بين الأملاك فلا شفعة. ب- أن الضرر الذي شرعت من أجل رفعه الشفعة لا يتحقق بسبب الجوار، لتميز كل ملك عن الآخر، لصاحبه حرية التصرف فيه، بخلاف الملك المشترك. القول الثاني: أن للجار الشفعة مطلقاً. وهذا مذهب الحنفية. أ- لحديث أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِي. ب- ولحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (جَارُ اَلدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.

стр. 2275

القول الثالث: ثبوت الشفعة للجار عند الاشتراك في حق من حقوق الارتفاق. وهذا اختيار ابن تيمية، وابن القيم. أ-لحديث جابر قال: قال ﷺ (اَلْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا -وَإِنْ كَانَ غَائِبًا- إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ فهذا الحديث أثبت الشفعة للجار إذا كان الطريق مشتركاً بينهما. ب- أن المشاركة في الحقوق كالمشاركة في الملك، من حيث كثرة المخالطة ووجود الضرر بين الشركاء، والشفعة إنما شرعت لرفع الضرر. وهذا القول هو الصحيح. وأما الجواب عن حديث جابر (فَإِذَا وَقَعَتِ اَلْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ اَلطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ): أولاً: أن قوله (فإذا وقعت … ) مدرجة من قول جابر. ورد ذلك بأن الأصل، أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج. ثانياً: قالوا: إن ذكر الحكم لبعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص، بمعنى: إذا جاء عموم ثم فرع عليه بذكر حكم يختص ببعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص. (ومنها: أن يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه). أي: أن تكون الشفعة في شيء يمكن قسمته كأرض، ودار واسعة. لحديث جابر السابق ( .. في كل ما لم يقسم). فأما ما لا ينقسم كبئر، ودار صغيرة، ودكان صغير، فلا شفعة فيه. واختار ابن تيمية أن الشفعة تثبت فيما لا ينقسم، لعموم الدليل، فإنه صريح في عموم الشفعة في كل عقار لم يقسم، سواء أمكنت قسمته أم لا، ولأن الشفعة شرعت لدفع الضرر، والضرر في هذا النوع أكثر.

стр. 2276

(ومنها: طلب الشفعة ساعة يعلم). فإن أخر الطلب لغير عذر بطلت. فالشفعة على الفور. (أي: من حين أن يعلم يجب أن يطالب). وها مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. قال ابن قدامة: الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ، إنْ طَالَبَ بِهَا سَاعَةَ يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ. أ- لحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اَلشُّفْعَةُ كَحَلِّ اَلْعِقَالِ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَه، وهو ضعيف. ب- ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (الشفعة لمن واثبها). ج- ولأن الشفعة لدفع الضرر عن الشريك فكانت على الفور. وذهب بعض العلماء إلى أن الشفعة تثبت للشريك على التراخي. وهذا مذهب المالكية. أ- أن الشفعة حق من جملة الحقوق التي لا تسقط إلا بالرضا بإسقاطها بما يدل على الرضا من قول أو فعل. فالشفعة لا تسقط إلا بما يدل على سقوطها، إما بقول صريح، أو قرينة ظاهرة. القول الصريح: أن يقول: لما علم أن شريكه قد باع، أنا لست بمطالب. القرينة الظاهرة: أن يسكت ويرى أن المشتري قد تصرف وعمل وهو ساكت، فهذه قرينة ظاهرة تدل على رضاه. ب- أن إلجاء الشفيع إلى الفورية وعدم إعطائه الفرصة للنظر غير مناسب لما شرعت له الشفعة. فائدة: إن ترك الشفعة لغَيْبة، أو حبس أو صغَرٍ فهو على شفعته متى قدر عليها.

стр. 2277

(ومنها: أخذ جميع المبيع). دفعاً لضرر المشتري بتبعيض الصفقة في حقه بأخذ بعض المبيع، مع أن الشفعة على خلاف الأصل دفعاً لضرر الشركة، والضرر لا يزال بالضرر. (ومنها: إمكان الثمن، فإن عجز عنه، أو عن بعضه بطلت شفعته). لتعذر حصول المشتري على الثمن، والشفعة إنما شرعت لدفع الضرر فلا تثبت معه. فائدة: تسقط الشفعة بأمور: أولاً: ترك طلب الشفعة. ثانياً: إذا طلب الشفيع بعض العقار المبيع. ثالثاً: الإبراء والتنازل عن الشفعة. رابعاً: التنازل عن الشفعة مقابل تعويض أو صلح. (ويحرم التحيل لإسقاط الشفعة). لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) رواه ابن بطة. - من صور التحيل: أولاً: أن يظهر الشريك والمشتري أن البيع بثمن كبير. مثال: أن يبيعه بعشرة آلاف، ويقول أنني بعتها بخمسين ألف، فإن الشريك الآن لن يطالب بالشفعة، لأنه إذا طالب سوف يأخذها بالثمن الذي استقر عليه العقد. ثانياً: أن يظهر الشريك والمشتري أن الانتقال بغير عوض، فيقول الشريك لشريكه: إنني قد وهبت فلان نصيبي من الأرض، وإذا قال: وهبت فلا شفعة على مذهب الجمهور. ثالثاً: أن يوقف المشتري النصيب فوراً.

стр. 2278

باب الوديعة تعريفها: لغة: من ودع الشيء إذا تركه، سميت بذلك لأنها متروكة عند المودع. وشرعاً: اسم للمال المودَع عند من يحفظه بلا عوض. وعلى هذا فالشرط في الوديعة أن تكون على سبيل التبرع، فخرج بذلك الأجير على حفظ المال. (وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع). قال ابن قدامة: وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا). وقَوْله تَعَالَى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ). وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك). وَرُوِيَ عَنْهُ ﵇ (أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدَائِعُ فَلَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى أَهْلِهَا). وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى جَوَازِ الْإِيدَاعِ وَالِاسْتِيدَاعِ. وَالْعِبْرَةُ تَقْتَضِيهَا، فَإِنَّ بِالنَّاسِ إلَيْهَا حَاجَةً، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَى جَمِيعِهِمْ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يَحْفَظُ لَهُمْ. (المغني)

стр. 2279

(يسن للمودَع قبولها إذا علم من نفسه أنه ثقة على حفظها). أي: يسن للمودَع يستحب أن يقبل الوديعة إذا علم من نفسه أنه ثقة على حفظها. أ-لأن في ذلك ثواباً جزيلاً. ب- وقال تعالى (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). ج-قال رسول الله ﷺ ( … والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. د- ولأن ذلك من باب إعانة المسلم. قال ابن قدامة: قبول الوديعة مستحب لمن علم من نفسه الأمانة، لما فيه من قضاء حاجة أخيه ومعونته، وقد أمر الله تعالى ورسوله بهما. وإن كان عاجزًا عن حفظها، أو خائفًا من نفسه عليها، لم يجز له قبولها؛ لأنه يغرر بها إلا أن يخبر ربها بذلك فيرضاه، فإن الحق له، فيجوز بذله. … (الكافي). (ويشترط لصحتها كونها من جائز التصرف لمثله). وجائز التصرف هو: العاقل، البالغ، الحر، الرشيد. فلو أودَع ماله لصغير، أو مجنون، أو سفيه فأتلفه فلا ضمان، لتفريطه بدفعه إلى أحدهم. وإن أودعه أحدهم صار ضامناً. فالحالات أربع: من جائز التصرف لمثله: فهذه جائزة صحيحة. من جائز التصرف لغير جائز التصرف: فلا ضمان على المودَع، لأنه هو الذي فرّط بإعطاء ماله لهؤلاء. من سفيه لمثله: فهذه لا تنعقد، ولا تصح.

стр. 2280

من سفيه لجائز التصرف: وهذا لا يصح، فإن أخذ المال منه وتلف المال عند المودَع ضمنه، لأنه أخذ المال بغير إذن وليه. (ويجب على المودَع حفظ الوديعة في حرز مثلها كما يحفظ ماله). أي: أنه يجب على المودع أن يحفظ الوديعة، وأن يكون ذلك الحفظ في حرز مثلها. إذاً: يجب أولاً حفظها، وثانياً: في حرز مثلها. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن على المودع إحراز الوديعة وحفظها. وقال ابن حزم: فرض على من أودعت عنده وديعة حفظها. أ- لأن الله تعالى أمر بأدائها، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ولا يمكن أداؤها إلا بحفظها. ب- ولأن المقصود من الإيداع الحفظ، والاستيداع التزام ذلك، فإذا لم يحفظها لم يفعل ما التزمه. (حرز مثلها) المكان الذي تحفظ فيه عادة. فالغنم مثلاً تحفظ في الأحواش، الذهب في الصناديق. قال ابن قدامة: إذَا لَمْ يَحْفَظْهَا كَمَا يَحْفَظُ مَالَهُ، وَهُوَ أَنْ يُحْرِزَهَا بِحِرْزِ مِثْلِهَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، وَحِرْزُ مِثْلهَا يُذْكَرُ فِي بَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ. (وردها إذا طلبها صاحبها). أي: يجب على المودَع رد الوديعة إلى صاحبها إذا طلبها المودِع. قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا). وقال ﷺ (أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك). وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لِمَالِكِهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ غَيْرِهِ، فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا إلَيْهِ، كَالْمَغْصُوبِ وَالدَّيْنِ الْحَالِ.
следующие страницы →