← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

(ومنها: طلب الشفعة ساعة يعلم). فإن أخر الطلب لغير عذر بطلت. فالشفعة على الفور. (أي: من حين أن يعلم يجب أن يطالب). وها مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. قال ابن قدامة: الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ، إنْ طَالَبَ بِهَا سَاعَةَ يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ. أ- لحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اَلشُّفْعَةُ كَحَلِّ اَلْعِقَالِ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَه، وهو ضعيف. ب- ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (الشفعة لمن واثبها). ج- ولأن الشفعة لدفع الضرر عن الشريك فكانت على الفور. وذهب بعض العلماء إلى أن الشفعة تثبت للشريك على التراخي. وهذا مذهب المالكية. أ- أن الشفعة حق من جملة الحقوق التي لا تسقط إلا بالرضا بإسقاطها بما يدل على الرضا من قول أو فعل. فالشفعة لا تسقط إلا بما يدل على سقوطها، إما بقول صريح، أو قرينة ظاهرة. القول الصريح: أن يقول: لما علم أن شريكه قد باع، أنا لست بمطالب. القرينة الظاهرة: أن يسكت ويرى أن المشتري قد تصرف وعمل وهو ساكت، فهذه قرينة ظاهرة تدل على رضاه. ب- أن إلجاء الشفيع إلى الفورية وعدم إعطائه الفرصة للنظر غير مناسب لما شرعت له الشفعة. فائدة: إن ترك الشفعة لغَيْبة، أو حبس أو صغَرٍ فهو على شفعته متى قدر عليها.

стр. 2277

(ومنها: أخذ جميع المبيع). دفعاً لضرر المشتري بتبعيض الصفقة في حقه بأخذ بعض المبيع، مع أن الشفعة على خلاف الأصل دفعاً لضرر الشركة، والضرر لا يزال بالضرر. (ومنها: إمكان الثمن، فإن عجز عنه، أو عن بعضه بطلت شفعته). لتعذر حصول المشتري على الثمن، والشفعة إنما شرعت لدفع الضرر فلا تثبت معه. فائدة: تسقط الشفعة بأمور: أولاً: ترك طلب الشفعة. ثانياً: إذا طلب الشفيع بعض العقار المبيع. ثالثاً: الإبراء والتنازل عن الشفعة. رابعاً: التنازل عن الشفعة مقابل تعويض أو صلح. (ويحرم التحيل لإسقاط الشفعة). لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) رواه ابن بطة. - من صور التحيل: أولاً: أن يظهر الشريك والمشتري أن البيع بثمن كبير. مثال: أن يبيعه بعشرة آلاف، ويقول أنني بعتها بخمسين ألف، فإن الشريك الآن لن يطالب بالشفعة، لأنه إذا طالب سوف يأخذها بالثمن الذي استقر عليه العقد. ثانياً: أن يظهر الشريك والمشتري أن الانتقال بغير عوض، فيقول الشريك لشريكه: إنني قد وهبت فلان نصيبي من الأرض، وإذا قال: وهبت فلا شفعة على مذهب الجمهور. ثالثاً: أن يوقف المشتري النصيب فوراً.

стр. 2278

باب الوديعة تعريفها: لغة: من ودع الشيء إذا تركه، سميت بذلك لأنها متروكة عند المودع. وشرعاً: اسم للمال المودَع عند من يحفظه بلا عوض. وعلى هذا فالشرط في الوديعة أن تكون على سبيل التبرع، فخرج بذلك الأجير على حفظ المال. (وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع). قال ابن قدامة: وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا). وقَوْله تَعَالَى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ). وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك). وَرُوِيَ عَنْهُ ﵇ (أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدَائِعُ فَلَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى أَهْلِهَا). وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى جَوَازِ الْإِيدَاعِ وَالِاسْتِيدَاعِ. وَالْعِبْرَةُ تَقْتَضِيهَا، فَإِنَّ بِالنَّاسِ إلَيْهَا حَاجَةً، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَى جَمِيعِهِمْ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يَحْفَظُ لَهُمْ. (المغني)

стр. 2279

(يسن للمودَع قبولها إذا علم من نفسه أنه ثقة على حفظها). أي: يسن للمودَع يستحب أن يقبل الوديعة إذا علم من نفسه أنه ثقة على حفظها. أ-لأن في ذلك ثواباً جزيلاً. ب- وقال تعالى (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). ج-قال رسول الله ﷺ ( … والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. د- ولأن ذلك من باب إعانة المسلم. قال ابن قدامة: قبول الوديعة مستحب لمن علم من نفسه الأمانة، لما فيه من قضاء حاجة أخيه ومعونته، وقد أمر الله تعالى ورسوله بهما. وإن كان عاجزًا عن حفظها، أو خائفًا من نفسه عليها، لم يجز له قبولها؛ لأنه يغرر بها إلا أن يخبر ربها بذلك فيرضاه، فإن الحق له، فيجوز بذله. … (الكافي). (ويشترط لصحتها كونها من جائز التصرف لمثله). وجائز التصرف هو: العاقل، البالغ، الحر، الرشيد. فلو أودَع ماله لصغير، أو مجنون، أو سفيه فأتلفه فلا ضمان، لتفريطه بدفعه إلى أحدهم. وإن أودعه أحدهم صار ضامناً. فالحالات أربع: من جائز التصرف لمثله: فهذه جائزة صحيحة. من جائز التصرف لغير جائز التصرف: فلا ضمان على المودَع، لأنه هو الذي فرّط بإعطاء ماله لهؤلاء. من سفيه لمثله: فهذه لا تنعقد، ولا تصح.

стр. 2280

من سفيه لجائز التصرف: وهذا لا يصح، فإن أخذ المال منه وتلف المال عند المودَع ضمنه، لأنه أخذ المال بغير إذن وليه. (ويجب على المودَع حفظ الوديعة في حرز مثلها كما يحفظ ماله). أي: أنه يجب على المودع أن يحفظ الوديعة، وأن يكون ذلك الحفظ في حرز مثلها. إذاً: يجب أولاً حفظها، وثانياً: في حرز مثلها. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن على المودع إحراز الوديعة وحفظها. وقال ابن حزم: فرض على من أودعت عنده وديعة حفظها. أ- لأن الله تعالى أمر بأدائها، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ولا يمكن أداؤها إلا بحفظها. ب- ولأن المقصود من الإيداع الحفظ، والاستيداع التزام ذلك، فإذا لم يحفظها لم يفعل ما التزمه. (حرز مثلها) المكان الذي تحفظ فيه عادة. فالغنم مثلاً تحفظ في الأحواش، الذهب في الصناديق. قال ابن قدامة: إذَا لَمْ يَحْفَظْهَا كَمَا يَحْفَظُ مَالَهُ، وَهُوَ أَنْ يُحْرِزَهَا بِحِرْزِ مِثْلِهَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، وَحِرْزُ مِثْلهَا يُذْكَرُ فِي بَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ. (وردها إذا طلبها صاحبها). أي: يجب على المودَع رد الوديعة إلى صاحبها إذا طلبها المودِع. قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا). وقال ﷺ (أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك). وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لِمَالِكِهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ غَيْرِهِ، فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا إلَيْهِ، كَالْمَغْصُوبِ وَالدَّيْنِ الْحَالِ.

стр. 2281

قال ابن قدامة: لا خِلَافَ فِي وُجُوبِ رَدِّ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَالِكِهَا، إذَا طَلَبِهَا. وقال ابن حزم: فرض على من أودعت عنده وديعة حفظها، وردها إلى صاحبها إذا طلبها منه. (والوديعة أمانة، فلا تُضمن إلا بالتعدي والتفريط). قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ، فَإِذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ الْمُودَعِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، سَوَاءٌ ذَهَبَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمُودِعِ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (المغني). أ-لأنها أمانة، والأمين لا يضمن إذا لم يتعد. ب- ولأن المودَع يحفظها تبرعاً، فلو ضمن لامتنع الناس من قبول الودائع فيترتب على ذلك الضرر بالناس وتعطل المصلحة. ج- وقد جاء في حديث (من أودع وديعة فلا ضمان عليه). فائدة: ١ الأمين: من قبض المال بإذن من الشارع أو من المالك. فائدة: ٢ فإن فرط أو تعدى فإنه يضمن. قال ابن قدامة: فَأَمَّا إنْ تَعَدَّى الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا، أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، فَتَلِفَتْ، ضَمِنَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ لِمَالِ غَيْرِهِ، فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيدَاعٍ. (المغني).

стр. 2282

فائدة: ٣ التعدي: أن يفعل ما لا يجوز، والتفريط: أن يترك ما يجب (في الحفظ). أمثلة للتعدي والتفريط: أ-أن يحفظها بدون حرزها، كأن يحفظ الدراهم في السيارة بدلاً من الصندوق. ب- أن يستعملها بغير إذن صاحبها، كأن يستعمل السيارة أو الدابة أو يقرأ الكتاب. ج-أن يتصرف في الوديعة بإجارة أو إعارة أو رهن أو إقراض ونحو ذلك. (وإذا دفع المودَع الوديعة لأجنبي - لغير عذر - فتلفت فإنه يضمن). لأنه خالف المودِع، فإنه أمره أن يحفظها بنفسه ولم يرض لها غيره، فالمودِع إما رضي المودَع ولم يرض غيره. فدفع الوديعة إلى أجنبي ليقوم بحفظها لها حالتان: الأولى: أن يكون ذلك لغير عذر. فهذا لا يجوز، ويضمن إذا تلفت. الثانية: أن يكون ذلك لعذر. كأن يحترق البيت، فيسلم الأمانة التي فيه لأجنبي ليحفظها حتى يتمكن من تهيئة مكان، أو يمرض لا يقدر على متابعتها، فإن أمكنه أن يردها إلى مالكها ردها، فإن لم يقدر فله أن يعطيها لأجنبي ويتحرى الأمين. فائدة: ١ إذا حدث للمودَع سفر فإنه: يردها إلى صاحبها أو وكيله في قبضها. فإن تعذر ﴿أي صاحب الوديعة غائب﴾ فإنه يسافر بها إن كان أحرز. فإن لم يكن السفر أحفظ دفعها إلى الحاكم، لأن الحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته. فإن لم يمكن إيداعها عند الحاكم أودعها عند ثقة.

стр. 2283

فائدة: ٢ هل له أن يسافر بالوديعة؟ له أن يسافر بها إلا في حالتين: الأولى: إذا نهاه ربها قال لا تسافر بها. الثانية: إن كان عدم السفر بها أحفظ لها. فائدة: ٣ إذا أودع الرجل وديعة، وطلب من المودَع أن يحفظها في مكان معين، فإن حفظها فيه فلا ضمان عليه. قال ابن قدامة: … فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ -يعني ما يحفظها فيه- لَزِمَهُ حِفْظُهَا فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ حِرْزَ مِثْلِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ. وقال ﵀: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ إذَا أَمَرَ الْمُسْتَوْدَعَ بِحِفْظِهَا فِي مَكَان عَيَّنَهُ، فَحَفِظَهَا فِيهِ، وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ لِأَمْرِهِ، غَيْرُ مُفَرِّطٍ فِي مَالِهِ. وَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا سَيْلًا وَتَوًى، يَعْنِي هَلَاكًا، فَأَخْرَجَهَا مِنْهُ إلَى حِرْزِهَا، فَتَلِفَتْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نَقْلَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ تَعَيَّنَ حِفْظًا لَهَا، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا. وَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْخَوْفِ فَتَلِفَتْ، ضَمِنَهَا سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِالْأَمْرِ الْمَخُوفِ أَوْ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، لِأَنَّ حِفْظَهَا نَقْلُهَا، وَتَرْكَهَا تَضْيِيعٌ لَهَا. … (المغني)

стр. 2284

فائدة: ما الحكم إذا قال ربها: خذ الوديعة فاحفظها في مكان كذا وكذا، فخالف؟ إذا خالف المودَع فلا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يخالف إلى أعلى. (يحفظها في مكان أحرز منه). مثال: قال احفظها في صندوق الخشب، فحفظها في صندوق الحديد. فلا ضمان عليه. لأن من رضي حرزاً رصي بما هو أحرز منه، ولأنه بفعله هذا قد زاده ولم ينقصه. قال ابن قدامة: وإن أحرزها في حرز مثلها أو فوقه لم يضمن؛ لأن من رضي بحرز مثلها رضي بما فوقه. (الكافي). الحالة الثانية: أن يخالف إلى مساوٍ. مثال: قال احفظها في صندوق الخشب الأول فحفظها في صندوق الخشب الثاني. فإنه في هذه الحالة يضمن. الحالة الثالثة: أن يخالف إلى أدنى. قال احفظها في صندوق الحديد، فحفظها في صندوق الخشب ونحو ذلك. فإنه يضمن، إلا أن يخاف عليه من حرق أو غرق كما تقدم عن ابن قدامة. (وإذا قطع العلف عن الدابة حتى ماتت فإنه يضمن). لأنه مفرط. لأن العرف يقتضي علفها وسقيها، فكأنه مأمور به عرفاً. وقيل: لا يلزمه. لأنه استحفظه إياها ولم يأمره بعلفها.

стр. 2285

قال ابن قدامة: وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِعَلْفِهَا، لَزِمَهُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. لِأَنَّهُ اسْتَحْفَظَهُ إيَّاهَا، وَلَمْ يَأْمُرْ بِعَلْفِهَا، وَالْعَلْفُ عَلَى مَالِكِهَا، فَإِذَا لَمْ يَعْلِفْهَا كَانَ هُوَ الْمُفَرِّطَ فِي مَالِهِ. قال ابن قدامة مرجحاً القول الأول: وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إتْلَافُهَا، وَلَا التَّفْرِيطُ فِيهَا، فَإِذَا أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ عَلْفَهَا وَسَقْيَهَا. (المغني). فائدة: وقد اختلف العلماء في حكم: إن قال صاحبها لا تعلفها فماتت؟ فهل يضمن المودَع أم لا على قولين: قيل: لا يضمن. وهذا مذهب الحنابلة، وهو أكثر أصحاب الشافعي. لأنه متمثل لقول صاحبها. وقيل: بل يضمن. وهو قول ابن المنذر. لأنها نفس محترمة تتألم، وحبس الطعام عنها إيذاء لها، فيجب الضمان. وقول صاحبها في هذه الحال معصية لله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين.

стр. 2286

(ويقبل قول المودَع في ردِّها إلى ربِها). أ-لأنه أمين. ب- ولأن الله تعالى قال (ما على المحسنين من سبيل). ج- ولأن الأصل براءة الذمة. فائدة: ١ الأموال التي عند البنوك هل هي وديعة؟ الصواب أنها قروض، ويترتب على ذلك مسألة التلف والزيادة وغيرها، فإذا تلفت في البنك صار ضامناً بخلاف لو قلنا: بأنه وديعة، وكذلك الزيادة يكون قرضاً جر نفعاً فهو ربا. فائدة: ٢ لو شرط الضمان على المودع فهل يضمن؟ قولان لأهل العلم: أصحهما أنه لا يضمن إذا لم يتعد أو يفرط. قال ابن المنذر: وإذا شرط المودع على المودَع أنه ضامن للوديعة فلا ضمان عليه، كذلك قال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ويشبه ذلك مذهب مالك. … (الإشراف). لأن يد الوديع يد أمانة، واشتراط الضمان على الأمين باطل، لأنه شرط ينافي مقتضى العقد. فائدة: ٣ قال ابن مفلح: وتنفسخ - أي الوديعة - بموت وجنون وعزل مع علمه.

стр. 2287

بَابُ إِحْيَاءِ اَلْمَوَاتِ هي الأرض البائرة التي لا يعلم لها مالك. والمَوَات بفتح الميم والواو الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد. التي لا يعرف لها مالك: هذا شرط الموات، أن تكون الأرض التي يراد إحياؤها لا يعلم لها مالك معين. تعريف الموات عند الفقهاء: هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم. المنفكة عن الاختصاصات: أي التي لا يختص بها واحد بعينه، كالأرض الخراب الدارسة التي لا يملكها أحد ولا يتعلق بها مصلحة عامة. فالأرض التي فيها مصلحة لأهل البلد فلا يجوز إحياؤها، كأن تكون الأرض مدفن الأموات لأهل البلد، أو كانت هذه الأرض يستنبطون منها الملح أو يأخذون منها الحجارة أو غير ذلك فلا يجوز إحياؤها. وملك معصوم: أي: ما جرى عليه ملك معصوم بشراء أو عطية أو غيرها، فلا يملك بالإحياء لأنه ملك لصاحبه. (ومن أحيا أرضاً منفكةً عن الاختصاصات، وملك معصوم ملكها). أي: من أحيا أرضاً لا مالك لها، ومنفكة عن الاختصاصات فإنه يملكها. هذه شروط إحياء الأرض الموات: الأول: أن تكون الأرض لا مالك لها. فإن كان لها مالك فلا يجوز يصح إحياؤها إجماعاً. قال ابن قدامة: فَهَذَا لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا عُرِفَ بِمِلْكِ مَالِكٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ لِأَحَدٍ غَيْرِ أَرْبَابِهِ.

стр. 2288

الثاني: ألا تكون الأرض من اختصاصات البلد. فالأرض التي فيها مصلحة لأهل البلد فلا يجوز إحياؤها، كأن تكون الأرض مدفن الأموات لأهل البلد، أو كانت هذه الأرض يستنبطون منها الملح أو يأخذون منها الحجارة أو غير ذلك فلا يجوز إحياؤها. ولذلك جاء في الحديث (الناس شركاء في ثلاثة: الماء، والنار، والحطب). ودليل تملكها: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَال (مَنْ عَمَّرَ أَرْضاً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) قَالَ عُرْوَةُ: وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ). رَوَاهُ اَلثَّلَاثَةُ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ (مَنْ عَمَّرَ أَرْضاً) لفظ البخاري (أعمر)، وهذا مفسر لحديث (من أحيا). (لَيْسَتْ لِأَحَدٍ) هذا شرط من شروط إحياء الأرض، كما في الحديث الثاني (أرضاً ميتة). (فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) أي: من غيره. (وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ) أي: قضى بأن الإحياء ملك شرعي. قال ابن قدامة: وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمَوَاتَ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ.

стр. 2289

فائدة: ١ هل يشترط أن يكون المحيي مسلماً؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يشترط. قال ابن قدامة: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. قال ابن قدامة: وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ). وَلِأَنَّ هَذِهِ جِهَةً مِنْ جِهَاتِ التَّمْلِيكِ، فَاشْتَرَكَ فِيهَا الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ، كَسَائِرِ جِهَاتِهِ. … (المغني). القول الثاني: أنه يشترط أن يكون مسلماً. واستدلوا بحديث (موتان الأرض لله ولرسوله ثم لكم) لكنه ضعيف. والراجح الأول. فائدة: ٢ هل يشترط إذن الإمام لإحياء الموات؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: أنه لا يشترط. وهذا مذهب الجمهور. قال ابن قدامة: ولنا عُمُومُ قَوْلِهِ ﵇ (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ). وَلِأَنَّ هَذَا عَيْنٌ مُبَاحَةٌ، فَلَا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ، كَأَخْذِ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ، وَنَظَرُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ إذْنِهِ.

стр. 2290

القول الثاني: أنه يشترط إذن الأمام. وهذا مذهب أبي حنيفة. وذلك لأمرين: الأول: أن الأرض الموات في سلطان الإمام ويعتبر بولايته على البلدان واضع اليد عليها، فلا يُستولى على ما تحت يده إلا بإذنه. الثاني: أن الإحياء من غير إذن الإمام قد يدفع إلى التزاحم والنزاع. والصحيح الأول أنه لا يشترط. لكن في هذا الزمان ينبغي أن يكون بإذن الإمام لما يترتب من عدم الإذن المفاسد والنزاعات والخصومات. فائدة: ٣ هل تملك أرض الحرم بالإحياء كأرض عرفات ومنى؟ لا، لا تملك بالإحياء. لأنها عامة مشتركة بين جميع المسلمين فهي كمختصات البلد وبقعها كبقع المساجد يشترك فيها كافة الناس فلا تملك بالإحياء، ولو قلنا أنها تملك بالإحياء لأدى ذلك إلى التضييق على الحجاج ونحوهم. (ومن أحاط موَاتاً، أو حفر بئراً فوصل إلى الماء، أو أجراهُ إليه من عينٍ ونحوِها، أو منع ما لا تزرع معه فقد أحياه).

стр. 2291

هذا بيان لما يحصل به الإحياء: أولاً: ببناء حائط. أي يبني جداراً منيعاً يحيط بها ويحميها، ويكون كما جرت به عادة أهل البلد، ومعنى منيع: ألا يدخل إلى ما وراءه إلا بباب. ثانياً: أو حفر بئراً فوصل إلى الماء. هذا الأمر الثاني مما يحصل به الإحياء، وهو حفر بئر في الأرض الموات ووصل إلى الماء. ثالثاً: أو أجراهُ إليه من عينٍ ونحوِها. هذا الأمر الثالث مما يكون به الإحياء، وهو سوق الماء وإجراؤه إلى الأرض الموات من عين أو نهر ونحوهما. رابعاً: أو منع ما لا تزرع معه. هذا الأمر الرابع ما يحصل به الإحياء، وهو قلع الأشجار والأحجار المانعة من زرعها وسقيها، ويزيل عنها ما لا يمكن زرعها معه. مثال: فيها أشجار وحشائش لا يمكن زرعها معها فجاء بجرافه وقلعها فهذا احياء. فإذا فعل بها ما مضى من الإحياء فقد ملك الأرض ومنافعها ومعادنها الباطنة ملكاً له شرعاً. للحديث السابق (من أعمرَ أرضاً ليست لأحد فهو أحق) رواه البخاري.

стр. 2292

باب الجعالة (هي أن يجعل جائز التصرف شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو عملاً مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة) هذا تعريف الجعالة. قوله (هي أن يجعل جائز التصرف) وقد تقدم ما المراد بجائز التصرف. وقوله (شيئاً معلوماً) لا بد أن يكون الجعل معلوماً. مثال: من رد ضالتي فله ﴿١٠٠﴾ ريال. فلو قال: من رد ضالتي فله مال فإنه لا يصح. فالذي يشترط في الجعالة أن يكون الجعل معلوماً. وقوله (لمن يعمل له عملاً معلوماً أو عملاً مجهولاً … ) فلا يشترط في الجعالة تعيين المجعول له. فقد يقول هذا القول، ويذهب واحد من الناس ويأتي بها. وكذلك العمل الذي يعمله المجعول له لا يشترط أن يكون معلوماً. مثال: من رد ضالتي فله ﴿١٠٠﴾ ريال.

стр. 2293

هنا العوض: معلوم، والمجعول عليه مجهول، لأن رد اللقطة قد يكون يسيراً وقد يكون صعباً وقد لا يردها. وهي جائزة: عن أبي سعيد الخدري (أن قوماً لدغ رجل منهم، فأتوا أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: هل منكم من راق؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ بفاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى برأ، فأخذوا الغنم .. ) رواه البخاري ومسلم. وجه الدلالة: أن العمل مجهول، فقد يبرأ وقد لا يبرأ. مثال: إنسان قال من خاط لي هذا الثوب فله ١٠٠ ريال، الـ ١٠٠ هذا مال معلوم، والثوب عمل معلوم. مثال: إنسان قال من رد سيارتي المسروقة فله ألف ريال. المال معلوم وهو ألف ريال، العمل مجهول (فهذا الشخص الذي ذهب يبحث عن السيارة قد يجدها وقد لا يجدها). • فالعمل في الجعالة لا يشترط أن يكون معلوماً (يجوز يكون معلوماً ويجوز أن يكون مجهولاً). • فالذي يشترط في الجعالة: أن يكون الجعل (وهو المال) معلوماً. مثال: من رد ضالتي فله ﴿١٠٠﴾ ريال، فلو قال: من رد ضالتي فله مال فإنه لا يصح كما تقدم. والسبب: لأن عقد الجعالة عقد جائز، بإمكان الإنسان أن يفسخ العقد بعكس الإجارة فهي عقد لازم. • إذا شروط الجعالة: أن يكون العِوض معلوماً. أن يكون العمل مباحاً. أن يكون الجاعل جائز التصرف.

стр. 2294

(وهي عقد جائز). لكلٍ فسخها. فلو فرض أن الرجل قال: من رد بعيري فله مائة ريال، وبعد يومين رجع وقال: يا أيها الناس إني قد فسخت الجعالة، فله ذلك، ومن عمل بعد أن علم بفسخها فلا حق له؛ لأن الجعالة عقد جائز. وكل عقد جائز من الطرفين فإن لكل منهما فسخه إلا إذا قصد الإضرار بالآخر. (فَمنَ العاملِ لا يستحق شيئاً). أي: متى كان الفسخ من قِبل العامل قبل تمام العمل فإنه لا يستحق شيئاً، لأنه أسقط حق نفسه، حيث لم يأتِ بما شرط عليه. (ومن الجاعلِ بعد الشروع للعامل أجرة عملهِ). أي: وإن كان الفسخ من الجاعل بعد الشروع فللعامل أجرة عمله، فإذا قدرنا أنه بنى نصف الجدار، وفسخ الجاعل، فللعامل أجرة عمله. - إن فسخ الجاعل قبل العمل فلا شيء للعامل. (فمن فعل ما جُعِل عليه بعد علمه بقوله استحقه). أي: من فعل ما جُعل له الجعل، فإن كان ذلك بعد علمه بقول صاحب العمل (من فعل كذا فله كذا وكذا) فهذا يستحق الجعل كاملاً. كرجل سمع آخر يقول: من رد بعيري فله مائة ريال، فبادر، وخرج، وطلبه فجاء به، فإنه يستحق العوض؛ لأنه عمل بعد أن علم. لأن العقد استقر بتمام العمل.

стр. 2295

(وإن بلغه في أثناء العمل استحق حصة تمامه). مثال: إذا قال أنا كنت أطلبها منذ يومين، فسمعت بالإعلان، وبعد سماعي بالإعلان طلبتها يومين آخرين فهنا يستحق نصف الجعل. مثال آخر: بدأ في بناء حائط على الأرض، فلما أتم نصفه، قال المالك: من بنى حائطاً على أرضي فله كذا. فهنا يأخذ قسط تمامه، أي: مقابل ما عمله بعد بلوغه. لأن ما فعله قبل بلوغ الخبر غير مأذون فيه، فلم يستحق به عوضاً، لأنه يكون متبرعاً، لأن عمله السابق بغير أجرة، وبغير إذن المالك. (وبعد فراغ العمل لم يستحق شيئاً). فإن أعطاه الجاعل شيئاً تطييباً لخاطره، وترغيباً وتشجيعاً له. وقد قال ﷺ (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه). فائدة: إذا وجدها جماعة فإنهم يستحقون الجعل كلا بقسطه. مثال: قال من وجد ضالتي فله ﴿١٠٠﴾ ريال، فذهب عشرة يطلبونها ووجدوها جميعاً، فإنه يقسط الجعل بينهم. (من عمل لغيره عملاً لغيره بغير جعل ولا إذن من صاحب العمل لم يستحق شيئاً). لأنه متبرع، وقد بذل منفعته بغير مقابل. ولئلا يُلزم الإنسان ما لم يلتزمه. - لكن يستثنى: من قام بتخليص متاع غيره من هلكة.

стр. 2296

(كإخراجه من البحر أو الحرق أو وجده في مهلكة يذهب لو تركه). فله أجرة المثل، وإن لم يأذن له ربه. لأن في دفع الأجرة ترغيباً في مثل هذا العمل، وهو إنقاذ الأموال من الهلكة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من استنقذ مال غيره من الهلكة ورده، استحق أجرة المثل ولو بغير شرط في أصح القولين. فائدة: الفرق بين الجعالة والإجارة في أمور: أولاً: أن الجعالة تجوز على أعمال القرب بخلاف الإجارة. القرب جمع قُربة: وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى كالأذان وتعليم القرآن والحج ونحوها. لو قال شخص من حج عن ميتي فله ألف (هذه جعالة). أما الإجارة فلا تجوز على أعمال القرب، لأن الأصل أن أعمال القرب لا تقع إلا قربة لله تعالى وأخذ الأجرة عليها ينافيها. فلو أجرة شخصاً يؤذن بالمسجد بمائة ريال، فإن هذا لا يجوز. ثانياً: أن العمل في الجعالة قد يكون معلوماً وقد يكون مجهولاً، وفي الإجارة لابد أن يكون معلوماً.

стр. 2297

مثال في الجعالة: من رد بعيري فله ألف ريال (هنا العمل - وهو رد البعير - مجهول) مثال آخر: من يبني لي هذا الجدار فله ألف ريال (هنا العمل - وهو بناء الجدار - معلوم). أما في الإجارة فلابد أن يكون العمل معلوماً. ثالثاً: أن الجعالة عقد جائز بخلاف الإجارة فإنها عقد لازم. فالإجارة عقد لازم من الطرفين، لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقال ﷺ (المسلمون على شروطهم)، وأما الجعالة فهي عقد جائز، لا يلزم بالشروع فيه. رابعاً: من الفروق أن المدة في الجعالة لا يشترط العلم بها، أما بالنسبة للإجارة فلا بد أن تكون المدة معينة فلا يقول: استأجرت منك هذه الدار بألف ويسكت، لابد من تحديد مدة تنتهي بها الإجارة باب اللقطة تعريفها: وشرعاً: مال ضل عن صاحبه. والأصل فيها: حديث زَيْد بْنِ خَالِدٍ اَلْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ? فَقَالَ: اِعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا. قَالَ: فَضَالَّةُ اَلْغَنَمِ? قَالَ: هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ اَلْإِبِلِ? قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا? مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ اَلْمَاءَ، وَتَأْكُلُ اَلشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا). متفق عليه

стр. 2298

فائدة: قال الخطابي: اسم الضالة لا يقع على الدرهم والدنانير والمتاع ونحوها، وإنما الضالة اسم للحيوان. وقال ابن حجر: قال العلماء الضالة لا تقع إلا على الحيوان وما سواه يقال له لقطة. (واللقطة ثلاثة أقسام). أي: إن اللقطة باعتبار الشيء الملقوط هل يملك أو لا؟ وهل يُعرّف أو لا؟ ثلاثة أقسام. (ما لا تتبعه همة أوساط الناس، فيُملك بلا تعريف). هذا القسم الأول: ما لا تتبعه همة أوساط الناس، وتقل قيمته، ولا يهتم به الناس، كالعصا، والحبل، والرغيف، والتمرة، والقرش. فهذا يجوز أخذه ولا يجب تعريفه. (بشرط أن لا يكون عالماً بصاحبه). أي يملكه واجده بمجرد التقاطه، ويباح له الانتفاع به، ولا يحتاج إلى تعريف. لحديث أنس. (أن النبي ﷺ مر بتمرةٍ في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) متفق عليه. فهذا دليل على أن التمرة ونحوها مما لا تتبعه همة أوساط الناس، إذا وجدها الإنسان ملقاة في الطريق يأخذها ويأكلها إن شاء، لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً، خشية أن تكون من الصدقة التي حرمت، لا لكونها مرمية في الطريق فقط، مما يدل على أنه ليس لها حكم اللقطة.

стр. 2299

قال الحافظ ابن حجر: قوله (لأكلتها) ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقى في الطرقات، لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً لخشية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه، لا لكونها مرمية في الطريق فقط، فلو لم يخش ذلك لأكلها، ولم يذكر تعريفاً، فدل على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف. وقال النووي: وَفِيهِ: أَنَّ التَّمْرَة وَنَحْوهَا مِنْ مُحَقَّرَات الْأَمْوَال لَا يَجِب تَعْرِيفهَا بَلْ يُبَاح أَكْلهَا وَالتَّصَرُّف فِيهَا فِي الْحَال؛ لِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا تَرَكَهَا خَشْيَة أَنْ تَكُون مِنْ الصَّدَقَة لَا لِكَوْنِهَا لُقَطَةً، وَهَذَا الْحُكْم مُتَّفَق عَلَيْهِ، وَعَلَّلَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرهمْ بِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الْعَادَة لَا يَطْلُبُهَا وَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَطْمَعٌ. وقال الصنعاني: دل الحديث على جواز أخذ الشيء الحقير الذي يتسامح به، ولا يجب التعريف به، وأن الآخذ يملكه بمجرد الأخذ له. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في إباحة اليسير والانتفاع به. • لكن يشترط في هذا القسم أن لا يكون عالماً بصاحبه. (والثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كخيل، وإبل، وبقر، فيحرم التقاطها، ولا تُملك بالتعريف). صغار السباع: كالذئب والثعلب وولد الأسد ونحوها. هذا القسم الثاني: أي: أن ما يمتنع من صغار السباع لا يملك بالتقاطه، لأنه يحرم أخذه، ولو عرّفه لم يملكه، لأنه متعدٍ بأخذه. كالخيل، والإبل، والبقر. والذي يمتنع من صغار السباع: إما لضخامته (كالإبل، والخيل، والبقر، والبغال). وإما لطيرانه (كالطيور). وإما لسرعة عدوها (كالظباء). وإما لدفعها عن نفسها بنابها (كالفهد).

стр. 2300

والدليل على تحريم أخذه: عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ. قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا». قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ «لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) متفق عليه. (قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ) أي ما حكمها؟ (قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا) هذا استفهام إنكاري، والمعنى: مالك ولها، لماذا تأخذها والحال أنها مستقلة بأسباب تمنعها من الهلاك، بدليل قوله (معها سقاؤها وحذاؤها … ). ويدل على أن هذا الاستفهام إنكاري ما جاء في رواية ( … فغضب النبي ﷺ حتى احمر وجنتاه أو احمر وجهه فقال: مالك ولها)، وفي رواية للبخاري (فتمعر وجه النبي ﷺ . (مَعَهَا سِقَاؤُهَا) السقاء هو جوفها الذي يحمل الماء. (وَحِذَاؤُهَا) الحذاء هو خفها. قال العلماء: وفي هذا تنبيه من النبي ﷺ إلى أن الإبل غير محتاجة إلى الحفظ بما ركب الله في طباعها من الجلادة على العطش وتناول الماء بغير تعب لطول عنقها وقوتها على المشيء (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) أي صاحبها الذي أضلها.

стр. 2301

(ولا يبرأُ من أخذه إلا أن يدفعهُ إلى الإمام). أي: من أخذ الحيوان الممتنع بنفسه من صغار السباع لم يبرأ بأخذه، وعليه ضمانه، لأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا إذن الشارع، فهو كالغاصب، إلا أن يدفعها إلى الإمام، فيزول عنه الضمان، لأن الإمام له نظر في ضوال الناس، فكان نائباً عن أصحابها، وعُلم منه أن للإمام ونائبه أخذها للحفظ. فائدة: يستثنى من ذلك ما إذا وجد الضالة في مهلكة لا ماء فيها ولا مرعى أو أرض مسبعة، أو قريباً من دار الحرب يخاف عليها من أهلها، فإنه يردها أو يأخذها بقصد الإنقاذ لا الالتقاط، ولا ضمان عليه، لأن فيه إنقاذها من الهلاك، أشبه تخليصها من حريق ونحوه. (والثالث: ما تكثر قيمته من الأثمان، والحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع فهذا له التقاطه إن أمِن نفسه على ذلك). هذا القسم الثالث: ما تكثر قيمته من الأثمان، كذهب، وفضة، ومتاع، وغنم. لحديث زيد بن خالد السابق (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا». قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ: لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ).

стр. 2302

قال النووي: قَوْله: (فَضَالَّة الْغَنَم، قَالَ: لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ) مَعْنَاهُ الْإِذْن فِي أَخْذهَا، بِخِلَافِ الْإِبِل. وَفَرَّقَ ﷺ بَيْنهمَا، وَبَيَّنَ الْفَرْق بِأَنَّ الْإِبِل مُسْتَغْنِيَة عَنْ مَنْ يَحْفَظهَا لِاسْتِقْلَالِهَا بِحِذَائِهَا وَسِقَائِهَا وَوُرُودهَا الْمَاء وَالشَّجَر، وَامْتِنَاعهَا مِنْ الذِّئَاب وَغَيْرهَا مِنْ صِغَار السِّبَاع، وَالْغَنَم بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلَك أَنْ تَأْخُذهَا أَنْتَ أَوْ صَاحِبهَا، أَوْ أَخُوك الْمُسْلِم الَّذِي يَمُرّ بِهَا أَوْ الذِّئْب فَلِهَذَا جَازَ أَخْذهَا دُون الْإِبِل. وقال في الفتح: قوله (لَك أَوْ لِأَخِيك … ) فيه إشارة إلى جواز أخذها كأنه قال هي ضعيفة لعدم الاستقلال معرضة للهلاك مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك، والمراد به ما هو أعم من صاحبها أو من ملتقط آخر، والمراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع، وفيه حث له على أخذها، لأنه إذا علم أنه إن لم يأخذها بقيت للذئب كان ذلك أدعى له إلى أخذها، ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر عن ربيعة كما سيأتي بعد أبواب (فقال خذها فإنما هي لك الخ) وهو صريح في الأمر بالأخذ. • فهذا النوع يجوز التقاطه لكن بشرطين: الأول: إن أمِن نفسه على ذلك. الثاني: القدرة على التعريف. - وقوله (فهذا له التقاطها .. ) دليل على إباحة الأخْذ.

стр. 2303

لكن هل الأفضل الالتقاط أم عدمه؟ اختلف العلماء في ذلك. القول الأول: الأفضل الالتقاط. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي. أ-واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( … وقد جاء في هذا الحديث أسئلة عن الضالة، وفيه قال ﷺ : وسئل عن الضالة فقال: لك أو لأخيك أو للذئب، اجمعها إليك حتى يأتيَ باغيها) رواه أحمد. فقالوا: فقوله (اجمعها .. ) دليل على استحباب التقاط القطة. ب-وقالوا: إن الواجب على المسلم حفظ مال أخيه، وفي التقاط اللقطة حفظ لمال أخيك. القول الثاني: الترك الأفضل. وهذا قول الإمام أحمد وجماعة من السلف. قالوا: لأنه إذا التقط اللقطة يكون قد عرضه للحرام، لأنه قد يقصر في حقها وفي تعريفها. القول الثالث: أنه مخير. وهذا مذهب المالكية. لحديث زيد بن خالد، فإن ظاهره أن الملتقط مخير. والراجح التفصيل: إن أمِنَ من نفسه الخيانة، ووثق بأنه سيحفظها ويعرفها التعريف الشرعي، فالأفضل الالتقاط، لأن في ذلك حفظ مال الغير. وإن عرف من نفسه الخيانة، أو سيعجز عن تعريفها أو سيفرط فيها فالأولى هنا الترك، لما في ذلك من تضييع مال غيره وتعريض نفسه للوقوع في الحرام.

стр. 2304

• وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون ما التقطه حيوان، وهذه تحتاج إلى نفقة وكلفة. فهنا يخير بين أمور ثلاثة: أ- أكله بقيمته. ودليل جواز أكلها: قوله ﷺ في ضالة الغنم (هي لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ) فسوى بينه وبين الذئب، وهو لا يتأنّى بأكلها، ولأن فيه إغناء عن الإنفاق عليها وحراستها، وهذا يؤدي إلى أن يغرم أضعاف قيمتها. ب- أو بيعه وحفظ ثمنه. ج- أو حفظه وينفق عليه من ماله، وله الرجوع إذا نوى. الثاني: إن كانت اللقطة مما يخشى فساده إذا بقي؛ فهنا يخير: أ- إما بيعه وحفظ ثمنه. ب- أو أكله بقيمته. مثال: التقط طعاماً (كراتين فواكه أو خضار) وهذه لا يمكن أن تحفظ مدة طويلة، فهنا هو بالخيار كما سبق. الثالث: باقي الأموال، كالذهب، والفضة، والثياب، والساعات، والدراهم، والمتاع. فهذه يلزمه تعريفها وحفظها كما سيأتي.

стр. 2305

(ويجب حِفظُها). أي: يجب حفظ اللقطة. لأنه بأخذه لها صارت في يده أمانة، والأمانة يجب حفظها. لأن الله أمر بأدائها، ولا يمكن الأداء إلا بالحفظ. - وحفظها يكون في حرز مثلها. (وتعريفها في مجامع الناس غير المساجد حوْلاً كاملاً). أي: ويجب تعريفها في مجامع الناس، فيجب أن يعرفها وينشدها سنة كاملة. والتعريف فيه مباحث: أولاً: التعريف: هو أن ينادي في الموضع الذي وجدها فيه، وفي مجامع الناس. وهو واجب. لقوله ﷺ ( … ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا). قال ابن قدامة: أَمَّا وُجُوبُهُ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُلْتَقِطٍ، سَوَاءٌ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا أَوْ حِفْظَهَا لِصَاحِبِهَا. وقال القرطبي: والتعريف واجبٌ؛ لأنَّه مأمورٌ به. ثمَّ يختص الوجوب بسنة في المال الكثير؛ الذى لا يفسد، ولا ينقص منها. وهو قول فقهاء الأمصار. ثانياً: ويجب تعريفها فوراً. لأن تعريفها أول وقت التقاطها أدعى إلى وجود مالكها، لأن صاحبها يطلبها عقب ضياعها.

стр. 2306

ثالثاً: مدة التعريف: سنة. للحديث السابق (ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً). قال ابن قدامة - بعد أن ذكر بعض الأقوال في المسألة -: ولَنَا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الصَّحِيحُ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِعَامٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ السَّنَةَ لَا تَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْقَوَافِلُ، وَيَمْضِي فِيهَا الزَّمَانُ الَّذِي تُقْصَدُ فِيهِ الْبِلَادُ، مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالِاعْتِدَالِ، فَصَلُحَتْ قَدْرًا كَمُدَّةِ أَجَلِ الْعَيْنِ. رابعاً: إذا أخّر التعريف أثم. قال ابن قدامة: إذَا أَخَّرَ التَّعْرِيفَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، مَعَ إمْكَانِهِ أَثِمَ. أولاً: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ فِيهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَقَالَ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ (لَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ). ثانياً: وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى أَنْ لَا يَعْرِفَهَا صَاحِبُهَا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْحَوْلِ يَيْأَسُ مِنْهَا، وَيَسْلُو عَنْهَا، وَيَتْرُكُ طَلَبِهَا. خامساً: يجب أن تكون هذه السنة تلي الالتقاط. قال ابن قدامة: … فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ السَّنَةُ تَلِي الِالْتِقَاطَ، وَتَكُونَ مُتَوَالِيَةً فِي نَفْسِهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا حِينَ سُئِلَ عَنْهَا، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّعْرِيفِ وُصُولُ الْخَبَرِ إلَى صَاحِبِهَا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّعْرِيفِ عَقِيبَ ضَيَاعِهَا مُتَوَالِيًا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَتَوَقَّعُهَا وَيَطْلُبُهَا عَقِيبَ ضَيَاعِهَا، فَيَجِبُ تَخْصِيصُ التَّعْرِيفِ بِهِ. … (المغني).

стр. 2307

سادساً: مكان التعريف: مجامع الناس، وأبواب المساجد. (والمكان الذي وجدت فيه). أما تعريفها في المكان الذي وجدت فيه: فلأن صاحبها يطلبها في ذلك الموضع غالباً. وأما في مجامع الناس: فقد قال ابن قدامة: فِي مَكَانِهِ، وَهُوَ الْأَسْوَاقُ، وَأَبْوَابُ الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، كَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَكَذَلِكَ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِهَا، وَإِظْهَارُهَا، لِيَظْهَرَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا، فَيَجِبُ تَحَرِّي مَجَامِعِ النَّاسِ. وقال النووي: قالَ أَصْحَابنَا: وَالتَّعْرِيف أَنْ يَنْشُدهَا فِي الْمَوْضِع الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ، وَفِي الْأَسْوَاق، وَأَبْوَاب الْمَسَاجِد، وَمَوَاضِع اِجْتِمَاع النَّاس. (نووي). سابعاً: لا يجوز تعريفها في المساجد. لحديث أَبَي هُرَيْرَةَ. قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا) رواه مسلم. قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا من باب التعزير، كما أمر النبي ﷺ بعدم تشميت العاطس إذا لم يحمد.

стр. 2308

ثامناً: كيفية التعريف. في الأسبوع الأول من التقاطها ينادي كل يوم، لأن مجيء صاحبها في ذلك الأسبوع أحرى، ثم بعد الأسبوع ينادي عليها على حسب عادة الناس في ذلك. قال ابن قدامة: فِي زَمَانِهِ، وَهُوَ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ مَجْمَعُ النَّاسِ وَمُلْتَقَاهُمْ دُونَ اللَّيْلِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَجَدَهَا، وَالْأُسْبُوعُ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ فِيهِ أَكْثَرُ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مُتَوَالِيًا. وقال ﵀: … وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ جِنْسَهَا لَا غَيْرُ، فَيَقُولَ: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ ثِيَابٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ … لِأَنَّهُ لَوْ وَصَفَهَا لَعَلِمَ صِفَتَهَا مَنْ يَسْمَعُهَا، فَلَا تَبْقَى صِفَتُهَا دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهَا. (المغني). وجاء في (كشاف القناع) اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِفُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدَّعِيَهَا بَعْضُ مَنْ سَمِعَ صِفَتَهَا فَتَضِيعَ عَلَى مَالِكِهَا. (وأجرة المنادي على الملتقط). لقوله ﷺ (ثم عرفها سنة) فجعل ﷺ التعريف على الملتقط، والمنادي ينوب منابه، فتكون أجرته عليه. ولأنه متطوع بحفظها، فلا يرجع بشيء من ذلك على صاحب اللقطة. وقيل: إن الأجرة على مالك اللقطة. وهذا أقرب. (وتُملكُ بعدَه حُكماً). أي: بعد الحول والتعريف، حكماً: أي قهراً. أي: فإذا عرفها سنة كاملة فإنه يمتكلها قهراً بدون أن يختار، كما يملك الوارث مال مورثه. سواء كان الملتقط غنياً أو فقيراً، لكنه ملك مقيد بما إذا جاء صاحبها. قال ابن قدامة: إذَا عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا، فَلَمْ تُعْرَفْ، مَلَكَهَا مُلْتَقِطُهَا، وَصَارَتْ مِنْ مَالِهِ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، غَنِيًّا كَانَ الْمُلْتَقِطُ أَوْ فَقِيرًا.

стр. 2309

وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ ﵃. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. لقوله ﷺ في حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ (فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا). وَفِي لَفْظٍ (وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ). وَفِي لَفْظٍ (ثُمَّ كُلْهَا) وَفِي لَفْظٍ (فَانْتَفِعْ بِهَا) وَفِي لَفْظٍ (فَشَأْنَك بِهَا) وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (فَاسْتَنْفِقْهَا) وَفِي لَفْظٍ (فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (المغني). (فيتصرف فيها بما شاء بشرط ضمانها). أي: فله أن يفعل بها ما يفعله بماله من هبة، أو بيع، أو أكل، لكن يضمنها لمالكها، بحيث إذا جاء مالكها بعد الحول يضمنها له. وهذا قول جماهير العلماء. فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت. لقوله ﷺ في رواية (ولتكن وديعة عندك). وجاء عند مسلم: (فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه).

стр. 2310

قال ابن حجر: فإن ظاهر قوله: (فإن جاء صاحبها … ) بعد قوله: (كلها) يقتضي وجوب ردها بعد أكلها، فيحمل على رد البدل. وقال: وأصرح من ذلك رواية أبي داود (فإذا جاء باغيها فأدها إليه، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء باغيها فأدها إليه) فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور. (ويحرم تصرفه فيها حتى يعرف صفاتها). أي: يحرم على واجد اللقطة أن يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها بحيث لو جاء صاحبها في أي وقت ووصفها ردها عليه إن كانت موجودة أو ردّ بدلها إن لم تكن موجودة، لأن ملكه لها مراعى يزول بمجيء صاحبها. لحديث زيد بن خالد السابق (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً … ). (عِفَاصَهَا) بكسر العين، والعفاص الوعاء الذي تكون فيه النفقة. (وَوِكَاءَهَا) الوِكاء هو الخيط الذي يشد به العفاص. وأمر النبي ﷺ بمعرفة ذلك لأمرين: الأمر الأول: لأجل أن يميزها من بين ماله، فلا تلتبس بماله. الأمر الثاني: لأجل أن يعرف صدق واصفها من كذبه. - واختلف العلماء هل يجب الإشهاد على وجدانها أم لا على قولين: قيل: يجب. لحديث عِيَاض بْن حِمَار، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوِي عَدْلٍ، وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) رواه أبو داود. قالوا: هذا أمر، والأمر للوجوب. وقيل: مستحب. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة. قالوا: لأنه لم يذكر في الأحاديث الصحيحة، فيحمل على الندب. ولأن في الإشهاد عليها صيانة لنفسه عن الطمع فيها وكتمها، وحفظها من ورثته إن مات، ومن غرمائه إن أفلس.

стр. 2311

(ومتى وصفها طالبها دفعها إليه). أي: متى جاء طالب الشيء الملتقط ولو بعد الحول فوصفه بأن عرف العفاص والوكاء والعدد ونحو ذلك مما يتعلق به دفعه إليه. للحديث السابق ( … فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ). (بلا بيّنَة). أي: تدفع إليه بلا بينة من شهود أو يمين. أ- لأن النبي ﷺ أطلق وقال (فإذا جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها، فادفعها إليه). ب- وفي حديث زيد بن خالد السابق ( … فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ). ج- ولأن وصفها يكفي. د- ولأن الرسول ﷺ لم يأمر بذلك. قال ابن المنذر: هذا الثابت عن رسول الله ﷺ وبه أقول. قال ابن قدامة: … فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَوَصَفَهَا لَهُ، دُفِعَتْ إلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ، يَعْنِي إذَا وَصَفَهَا بِصِفَاتِهَا الْمَذْكُورَةِ، دَفَعَهَا إلَيْهِ، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ أَوْ لَمْ يَغْلِبْ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَدَاوُد، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. … (المغني). (وإن تلفت أو نقصت في حول التعريف ولم يفرط لم يضمن، وبعد الحول يضمن مطلقاً). ذكر إذا هلكت اللقطة: إذا كان في أثناء الحول: فلا ضمان عليه إذا لم يتعدى ولم يفرط، لأن اللقطة أمانة بيده.

стр. 2312

قال ابن رشد: الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنِ الْتَقَطَهَا وَأَشْهَدَ عَلَى الْتِقَاطِهَا فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يُشْهِدْ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يُضَيِّعْ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ: يَضْمَنُهَا إِنْ هَلَكَتْ وَلَمْ يُشْهِدْ. واسْتَدَلَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِأَنَّ اللُّقَطَةَ وَدِيعَةٌ فَلَا يَنْقُلُهَا تَرْكُ الْإِشْهَادِ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَى الضَّمَانِ. (بداية المجتهد). وقال ابن قدامة: واللقطة مع الملتقط قبل تملكها أمانة، عليه حفظها بما يحفظ به الوديعة، وإن ردها إلى موضعها، ضمنها؛ لأنه ضيعها، وإن تلفت بغير تفريط، لم يضمنا؛ لقول رسول الله ﷺ : ولتكن الوديعة وديعة عندك، ولأنه يحفظها لصاحبها بإذن الشرع، أشبه الوديعة. (الكافي) وأما بعد الحول: يضمن مطلقاً وإن لم يفرط، لأنها بمضي الحول تدخل إلى ملكه قهراً، ويثبت بدلها لمالكها إذا جاء بعد. قال ابن قدامة: وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهَا أَوْ قِيمَتُهَا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلِكِهِ، وَتَلِفَتْ مِنْ مَالِهِ، وَسَوَاءٌ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ. فائدة: قال ابن قدامة: إذَا الْتَقَطَ لُقَطَةً، عَازِمًا عَلَى تَمَلُّكِهَا بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ، فَإِذَا أَخَذَهَا لَزِمَهُ ضَمَانُهَا، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ. … (المغني).

стр. 2313

(ومن أُخِذ نعلُه ونحوهُ ووجد غيره فلُقطة). أي: من أخذ نعله ووجد مكان غيره، فإن هذا الموجود يكون لقطة. وهذه المسالة لها صورتان: الأولى: أن تدل القرينة على أن هذا الآخذ أخذها غلطاً، والقرينة هنا، أن تكون النعل الموضوعة في محل نعله مشابهة لنعله. فهنا لا تكون لقطة، بل يأخذه، ثم إن كان نعله مساوياً أو خيراً من هذا النعل الذي وجده، فواضح. وإن كان نعله دون نعل الآخذ فإنه يخرج الفرق بينهما. الثانية: أن لا تدل القرينة على أن الأخذ وقع خطأ، حيث وجد في مكان نعله نعلاً آخر عير مشابه لنعله. فهنا يكون هذا النعل الذي وجده لقطة. فائدة: ١ لا يجوز للملتقط أن ينتفع بهذه اللقطة ونحوها، مما لا يحتاج إلى نفقة، قبل مضي سنة؛ لأنها أمانة عنده، وليست ملكا له. قال الإمام الشافعي ﵀: " لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ اللُّقَطَةُ بِشَيْءٍ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ. وجاء في (الموسوعة الفقهية) يدَ الْمُلْتَقِطِ أَثْنَاءَ الْحَوْل: يَدُ أَمَانَةٍ، وَإِنْ تَلَفَتْ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ أَثْنَاءَ الْحَوْل بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، أَوْ نَقَصَتْ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَالْوَدِيعَةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ: ضَمِن.

стр. 2314

فائدة: ٢ لقطة الحرم يحرم التقاطها إلا لمنشد. وقد اختلف العلماء في لقطة الحرم على قولين: القول الأول: لا يجوز التقاطها إلا لمن أراد ينشدها ويعرفها دائماً وأبداً. وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن القيم وقال: هذا هو الصحيح. قال ابن دقيق العيد: ذهب الشافعي إلى أن لقطة الحرم لا تؤخذ للتملك، وإنما تؤخذ للتعريف لا غير. وقال النووي: في لقطة مكة وحرمها وجهان: الصحيح أنه لا يجوز أخذها للتملك، وإنما تؤخذ للحفظ أبداً. أ-عن ابن عباس قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ. وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، وَقَالَ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ .... وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا … ) متفق عليه. ب- ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ) متفق عليه. قال الحافظ ابن حجر: والمعنى: لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها فقط، فأما من أراد أن يعرفها ثم يتملكها فلا. قال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث لَا تَحِلّ لُقَطَتهَا لِمَنْ يُرِيد أَنْ يُعَرِّفهَا سَنَة ثُمَّ يَتَمَلَّكهَا كَمَا فِي بَاقِي الْبِلَاد، بَلْ لَا تَحِلّ إِلَّا لِمَنْ يُعَرِّفهَا أَبَدًا. وَلَا يَتَمَلَّكهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَأَبُو عُبَيْد وَغَيْرهمْ، وَقَالَ مَالِك: يَجُوز تَمَلُّكهَا بَعْد تَعَرُّفهَا سَنَة، كَمَا فِي سَائِر الْبِلَاد، وَبِهِ قَالَ بَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ، وَيَتَأَوَّلُونَ الْحَدِيث تَأْوِيلَات ضَعِيفَة. ج- وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ) رواه مسلم.

стр. 2315

القول الثاني: أن لقطة الحرم والحل سواء. وهذا مذهب الجمهور. جاء في (الموسوعة الفقهية) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُقَطَةِ الْحَرَمِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا كَلُقَطَةِ الْحِل، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً مِنَ الْحَرَمِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا أَبَدًا حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا). أ-لحديث زيد بن خالد. قال (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ، أَوْ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا). فلم يفرق رسول الله ﷺ بين لقطة الحرم وغيرها. ب- وأنه أحد الحرمين، فأشبه حرم المدينة. ج- ولأنها أمانة فلم يختلف حكمها بالحل والحرم، كالوديعة. (المغني). والراجح القول الأول. والجواب عن حديث زيد بن خالد: أنه عام، مخصوص بلقطة مكة لحديث الباب (لا تحل ساقطتها إلا لمنشد). فلقطة الحرم لها ثلاثة أحوال: أ-أن يأخذها للتملك من الآن، فهذا حرام. ب-أن يأخذها للتملك بعد الإنشاد، فهذا حرام. ج-أن يأخذها للإنشاد، فهذا حلال. أما لقطة غير الحرم فيجوز أن يتملكها بعد الإنشاد الشرعي. فائدة: ٣ قال ابن قدامة: فإن التقطها صبي أو مجنون أو سفيه، صح التقاطه؛ لأنه كسب بفعل، فصح منه كالصيد، فإن تلفت في يده بغير تفريط لم يضمنها؛ لأنه أخذ ماله، وإن تلفت بتفريط ضمنها، ومتى علم وليه بها، لزمه نزعها منه وتعريفها؛ لأنها أمانة. (الكافي).
следующие страницы →