Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
(ومتى وصفها طالبها دفعها إليه).
أي: متى جاء طالب الشيء الملتقط ولو بعد الحول فوصفه بأن عرف العفاص والوكاء والعدد ونحو ذلك مما يتعلق به دفعه إليه.
للحديث السابق ( … فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ).
(بلا بيّنَة).
أي: تدفع إليه بلا بينة من شهود أو يمين.
أ- لأن النبي ﷺ أطلق وقال (فإذا جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها، فادفعها إليه).
ب- وفي حديث زيد بن خالد السابق ( … فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ).
ج- ولأن وصفها يكفي.
د- ولأن الرسول ﷺ لم يأمر بذلك.
قال ابن المنذر: هذا الثابت عن رسول الله ﷺ وبه أقول.
قال ابن قدامة: … فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَوَصَفَهَا لَهُ، دُفِعَتْ إلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ، يَعْنِي إذَا وَصَفَهَا بِصِفَاتِهَا الْمَذْكُورَةِ، دَفَعَهَا إلَيْهِ، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ أَوْ لَمْ يَغْلِبْ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَدَاوُد، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. … (المغني).
(وإن تلفت أو نقصت في حول التعريف ولم يفرط لم يضمن، وبعد الحول يضمن مطلقاً).
ذكر إذا هلكت اللقطة:
إذا كان في أثناء الحول:
فلا ضمان عليه إذا لم يتعدى ولم يفرط، لأن اللقطة أمانة بيده.
стр. 2312
قال ابن رشد: الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنِ الْتَقَطَهَا وَأَشْهَدَ عَلَى الْتِقَاطِهَا فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يُشْهِدْ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يُضَيِّعْ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ: يَضْمَنُهَا إِنْ هَلَكَتْ وَلَمْ يُشْهِدْ.
واسْتَدَلَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِأَنَّ اللُّقَطَةَ وَدِيعَةٌ فَلَا يَنْقُلُهَا تَرْكُ الْإِشْهَادِ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَى الضَّمَانِ. (بداية المجتهد).
وقال ابن قدامة: واللقطة مع الملتقط قبل تملكها أمانة، عليه حفظها بما يحفظ به الوديعة، وإن ردها إلى موضعها، ضمنها؛ لأنه ضيعها، وإن تلفت بغير تفريط، لم يضمنا؛ لقول رسول الله ﷺ : ولتكن الوديعة وديعة عندك، ولأنه يحفظها لصاحبها بإذن الشرع، أشبه الوديعة. (الكافي)
وأما بعد الحول:
يضمن مطلقاً وإن لم يفرط، لأنها بمضي الحول تدخل إلى ملكه قهراً، ويثبت بدلها لمالكها إذا جاء بعد.
قال ابن قدامة: وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهَا أَوْ قِيمَتُهَا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلِكِهِ، وَتَلِفَتْ مِنْ مَالِهِ، وَسَوَاءٌ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ.
فائدة:
قال ابن قدامة: إذَا الْتَقَطَ لُقَطَةً، عَازِمًا عَلَى تَمَلُّكِهَا بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ، فَإِذَا أَخَذَهَا لَزِمَهُ ضَمَانُهَا، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ. … (المغني).
стр. 2313
(ومن أُخِذ نعلُه ونحوهُ ووجد غيره فلُقطة).
أي: من أخذ نعله ووجد مكان غيره، فإن هذا الموجود يكون لقطة.
وهذه المسالة لها صورتان:
الأولى: أن تدل القرينة على أن هذا الآخذ أخذها غلطاً، والقرينة هنا، أن تكون النعل الموضوعة في محل نعله مشابهة لنعله.
فهنا لا تكون لقطة، بل يأخذه، ثم إن كان نعله مساوياً أو خيراً من هذا النعل الذي وجده، فواضح.
وإن كان نعله دون نعل الآخذ فإنه يخرج الفرق بينهما.
الثانية: أن لا تدل القرينة على أن الأخذ وقع خطأ، حيث وجد في مكان نعله نعلاً آخر عير مشابه لنعله.
فهنا يكون هذا النعل الذي وجده لقطة.
فائدة: ١
لا يجوز للملتقط أن ينتفع بهذه اللقطة ونحوها، مما لا يحتاج إلى نفقة، قبل مضي سنة؛ لأنها أمانة عنده، وليست ملكا له.
قال الإمام الشافعي ﵀: " لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ اللُّقَطَةُ بِشَيْءٍ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) يدَ الْمُلْتَقِطِ أَثْنَاءَ الْحَوْل: يَدُ أَمَانَةٍ، وَإِنْ تَلَفَتْ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ أَثْنَاءَ الْحَوْل بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، أَوْ نَقَصَتْ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَالْوَدِيعَةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ: ضَمِن.
стр. 2314
فائدة: ٢
لقطة الحرم يحرم التقاطها إلا لمنشد.
وقد اختلف العلماء في لقطة الحرم على قولين:
القول الأول: لا يجوز التقاطها إلا لمن أراد ينشدها ويعرفها دائماً وأبداً.
وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن القيم وقال: هذا هو الصحيح.
قال ابن دقيق العيد: ذهب الشافعي إلى أن لقطة الحرم لا تؤخذ للتملك، وإنما تؤخذ للتعريف لا غير.
وقال النووي: في لقطة مكة وحرمها وجهان: الصحيح أنه لا يجوز أخذها للتملك، وإنما تؤخذ للحفظ أبداً.
أ-عن ابن عباس قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ. وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، وَقَالَ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ .... وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا … ) متفق عليه.
ب- ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ) متفق عليه.
قال الحافظ ابن حجر: والمعنى: لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها فقط، فأما من أراد أن يعرفها ثم يتملكها فلا.
قال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث لَا تَحِلّ لُقَطَتهَا لِمَنْ يُرِيد أَنْ يُعَرِّفهَا سَنَة ثُمَّ يَتَمَلَّكهَا كَمَا فِي بَاقِي الْبِلَاد، بَلْ لَا تَحِلّ إِلَّا لِمَنْ يُعَرِّفهَا أَبَدًا. وَلَا يَتَمَلَّكهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَأَبُو عُبَيْد وَغَيْرهمْ، وَقَالَ مَالِك: يَجُوز تَمَلُّكهَا بَعْد تَعَرُّفهَا سَنَة، كَمَا فِي سَائِر الْبِلَاد، وَبِهِ قَالَ بَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ، وَيَتَأَوَّلُونَ الْحَدِيث تَأْوِيلَات ضَعِيفَة.
ج- وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ) رواه مسلم.
стр. 2315
القول الثاني: أن لقطة الحرم والحل سواء.
وهذا مذهب الجمهور.
جاء في (الموسوعة الفقهية) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُقَطَةِ الْحَرَمِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا كَلُقَطَةِ الْحِل، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً مِنَ الْحَرَمِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا أَبَدًا حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا).
أ-لحديث زيد بن خالد. قال (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ، أَوْ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا).
فلم يفرق رسول الله ﷺ بين لقطة الحرم وغيرها.
ب- وأنه أحد الحرمين، فأشبه حرم المدينة.
ج- ولأنها أمانة فلم يختلف حكمها بالحل والحرم، كالوديعة. (المغني).
والراجح القول الأول.
والجواب عن حديث زيد بن خالد: أنه عام، مخصوص بلقطة مكة لحديث الباب (لا تحل ساقطتها إلا لمنشد).
فلقطة الحرم لها ثلاثة أحوال:
أ-أن يأخذها للتملك من الآن، فهذا حرام.
ب-أن يأخذها للتملك بعد الإنشاد، فهذا حرام.
ج-أن يأخذها للإنشاد، فهذا حلال.
أما لقطة غير الحرم فيجوز أن يتملكها بعد الإنشاد الشرعي.
فائدة: ٣
قال ابن قدامة: فإن التقطها صبي أو مجنون أو سفيه، صح التقاطه؛ لأنه كسب بفعل، فصح منه كالصيد، فإن تلفت في يده بغير تفريط لم يضمنها؛ لأنه أخذ ماله، وإن تلفت بتفريط ضمنها، ومتى علم وليه بها، لزمه نزعها منه وتعريفها؛ لأنها أمانة. (الكافي).
стр. 2316
فائدة: ٤
قال ابن قدامة: وَإِنْ الْتَقَطَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ طِفْلًا مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ، فَالْمُسْلِمُ أَحَقُّ، … لأَنَّ دَفْعَهُ إلَى الْمُسْلِمِ أَحْظُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا، فَيَسْعَدُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَنْجُو مِنْ النَّارِ، وَيَتَخَلَّصُ مِنْ الْجِزْيَةِ وَالصَّغَار.
فائدة: ٥
قال ابن قدامة: إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ، ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، ضَمِنَهَا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طاووس. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
لأَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ فِي يَدِهِ، فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا، فَإِذَا ضَيَّعَهَا لَزِمَهُ ضَمَانُهَا كَمَا لَوْ ضَيَّعَ الْوَدِيعَةَ.
وَلِأَنَّهَا لَمَّا حَصَلَتْ فِي يَدِهِ، لَزِمَهُ حِفْظُهَا، وَتَرْكُهَا تَضْيِيعُهَا. (المغني).
فصل: اللقيط
تعريفه:
(هو طفل ضل لا يعرف نسبه ولا رقه).
(لا يعرف نسبه) لأنه لو عرف نسبه ليس بلقيط.
(ولا رقه) لأنه إذا علمنا رقه فليس بلقيط، لأنه مال فيكون لبيت مال المسلمين.
(وأخْذه واجب)
هذا الحكم الأول: أن أخذ اللقيط واجب.
لأنه آدمي محترم.
قال ابن قدامة: وَالْتِقَاطُهُ وَاجِبٌ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى).
стр. 2317
وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا، كَإِطْعَامِهِ إذَا اُضْطُرَّ، وَإِنْجَائِهِ مِنْ الْغَرَقِ.
وَوُجُوبُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ، إذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْجَمَاعَةُ، أَثِمُوا كُلُّهُمْ، إذَا عَلِمُوا فَتَرَكُوهُ مَعَ إمْكَانِ أَخْذِهِ وَرُوِيَ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: وَجَدْت مَلْفُوفًا، فَأَتَيْت بِهِ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ عَرِيفِي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَاذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَك وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
(وهو حر).
هذا الحكم الثاني: أن اللقيط حر، ولا يجوز جعله رقيقاً.
لأن الأصل في الآدميين الحرية.
قال ابن قدامة: وجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا النَّخَعِيّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ.
رُوِينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄.
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ.
فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْآدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ الْعَارِضُ، فَلَهُ حُكْمُ الْأَصْلِ. … (المغني).
(مسلم).
هذا الحكم الثالث: أنه محكوم بإسلامه، وهذا إذا كان في دار إسلام خالصة أو بالأكثرية.
لقوله ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة .. ).
стр. 2318
(واختلف إن وجد في دار كافرة: فقيل: يعتبر كافر تبعاً للدار، وقيل: يعتبر مسلم، والله أعلم).
(وما وُجِدَ عندَه من المال فهو له).
هذا الحكم الرابع: إن وجد معه شيء صرف عليه منه، وكذلك ما وجد منه قريباً أو متصلاً به.
فإن لم يكن معه شيء من ذلك فإنه ينفق عليه من بيت المال.
لأن ميراثه لبيت المال فتكون نفقته عليه.
قال في الإنصاف: وينفق عليه من بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه بلا نزاع.
(وتكون حضانته لواجده).
هذا الحكم الخامس: أن حضانته تكون لواجده.
بشرط أن يكون أميناً.
لأن عمر أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين علم أنه رجل صالح.
فائدة: ١
قال ابن قدامة: وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ الْتِقَاطُ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَفْتِنَهُ وَيُعَلِّمَهُ الْكُفْرَ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَبِّيه عَلَى دِينِهِ، وَيَنْشَأُ عَلَى ذَلِكَ، كَوَلَدِهِ، فَإِنْ الْتَقَطَهُ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ.
فائدة: ٢
لا يشترط في الملتقط أن يكون غنياً.
قال ابن رشد: وليس من شرط الملتقط الغنى.
وقال النووي: لا يشترط في الملتقط الذكورة قطعاً، ولا الغنى.
стр. 2319
(وميراثه لبيت المال).
هذا الحكم السادس: أن ميراثه يكون لبيت مال المسلمين.
وهذا قول أكثر العلماء.
قال في الإنصاف: وميراث اللقيط وديته إن قتل لبيت المال.
أ-لأن الالتقاط ليس من أسباب الميراث الشرعي.
ب-ولأن نفقته على بيت مال المسلمين، فكذلك ميراثه له.
وذهب بعض العلماء: إلى أن ميراث اللقيط لملتقطه.
واختار ذلك ابن تيمية.
لحديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ (المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عليه). رواه أبو داود
(وإن أقر رجل أنه ولده فإنه يلحق به).
هذا الحكم السابع: أنه إذا ادعاه أحد فإنه يلحق به وينسب إليه.
لأن في ذلك مصلحة له باتصال نسبه ولا مضرة على غيره
قال النووي: ونسب اللقيط … فإذا استلحقه حر مسلم لحقه … ولا فرق في ذلك بين الملتقط وغيره.
وقال في الإنصاف: وإن أقر إنسان أنه ولده ألحق به، مسلماً كان أو كافراً، رجلاً كان أو امرأة، حياً كان اللقيط أو ميتاً.
- لكن بشرطين:
أن ينفرد بادعائه _ أن يمكن كونه منه.
مثال: اللقيط عمره (٤) سنوات وجاء رجل عمره (١٢) سنة فقال هذا ولدي: فإننا لا نصدقه.
قال ابن قدامة: أَنْ يَدَّعِيَهُ وَاحِدٌ يَنْفَرِدُ بِدَعْوَاهُ، فَيُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا مُسْلِمًا حُرًّا، لَحِقَ نَسَبُهُ بِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مَحْضُ نَفْعٍ لِلطِّفْلِ لِاتِّصَالِ نَسَبِهِ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ. (المغني)
стр. 2320
فائدة: ١
وإن ادعته امرأة: فالراجح أنه يلحق بها إلا أن تكون ذات زوج فلا يلحق بها إلا أن يقر زوجها.
فائدة: ٢
وإن ادعاه جماعة: قدم ذو البينة.
فائدة: ٣
فإن لم تكن بينة أو كانت لهم بينات متعارضة فمن ألحقته القافة.
والقافة: قوم يعرفون الأنساب بالشبه.
قال ابن قدامة: أنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ، أَوْ تَعَارَضَتْ بِهِ بَيِّنَتَانِ، وَسَقَطَتَا، فَإِنَّا نُرِيهِ الْقَافَةَ مَعَهُمَا، أَوْ مَعَ عَصَبَتِهِمَا عِنْدَ فَقْدِهِمَا، فَنُلْحِقُهُ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ مِنْهُمَا.
هَذَا قَوْلُ أَنَسٍ، وَعَطَاءٍ، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا حُكْمَ لِلْقَافَةِ، وَيُلْحَقُ بِالْمُدَّعِيَيْنِ جَمِيعًا. … (المغني).
عن عائشة. قالت (دخل عليّ رسول الله ﷺ تبرق أسارير وجهه. فقال: أي عائشة ألم تريْ إلى مجززاً المدلجي دخل فرأى أسامة وزيداً وعليهما قطيفة غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض) رواه البخاري ومسلم.
стр. 2321
فَلَوْلَا جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَافَةِ لَمَا سُرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى بِهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا
ويشترط في القائف أن يكون: حراً، مكلفاً، ذكراً، مجرب في الإصابة.
قال ابن قدامة: وَالْقَافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الْإِنْسَانَ بِالشَّبَهِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ، وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْإِصَابَةُ، فَهُوَ قَائِفٌ.
وَقِيلَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِي الَّذِي رَأَى أُسَامَةَ وَأَبَاهُ زَيْدًا قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ:
إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.
وَكَانَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيّ قَائِفًا، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي شُرَيْحٍ.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، عَدْلًا، مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ، حُرًّا.
لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ، وَالْحَكَمُ تُعْتَبَرُ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ. … (المغني).
стр. 2322
كتاب الوقف
تعريفه:
لغة: هو الحبس والمنع.
وشرعاً: هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
والتحبيس: مدر حبّس الشيء، أي: جعله محبوساً لا يباع ولا يوهب.
والأصل: أي: العين الموقوفة، كالعقار، والحيوان، والأثاث ونحوها مما ينتفع به مع بقاء عينه.
(وتسبيل المنفعة) أي: منفعة العين الموقوفة، وهي غلّتها وثمرتها، وذلك بإطلاق فوائد العين الموقوفة وريعها للجهات التي حُدّد صرفها فيه.
مثال: أن يقول هذا بيتي وقف على الفقراء، فأصل البيت محبوس، لا يمكن أن يتصرف فيه ببيع ولا هبة ولا غير ذلك، ومنفعته مطلقة للفقراء، فكل من كان فقيراً استحق هذا الوقف.
فائدة:
يرى بعض العلماء أن الوقف نظام إسلامي صرف، لم يعرف قبل الإسلام.
قال الشافعي: ولم يحبس أهل الجاهلية علمته داراً ولا أرضاً تبرراً بحبسها، وإنما حبس أهل الإسلام.
(وهو مستحب).
أي: الوقف مستحب ومشروع، وهو من أفضل القرب إلى الله وأجل الطاعات التي حث الله عليها ووعد بالثواب الجزيل، لأنه صدقة ثابتة دائمة في وجوه البر والخير، ولأنه إحسان إلى الموقوف عليه.
أ-قال تعالى (لَن تَنَالُواْ البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيء فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم).
والوقف داخل في الإنفاق.
ب- قال تعالى (وافعلوا الخير).
ج- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا مَاتَ اَلْإِنْسَانُ اِنْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالَحٍ يَدْعُو لَهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
والصدقة الجارية هي الوقف.
стр. 2323
قال النووي في شرح هذا الحديث: الصدقة الجارية هي الوقف، وقال: وَفِيهِ دَلِيل لِصِحَّةِ أَصْل الْوَقْف، وَعَظِيم ثَوَابه.
قال ابن حزم في المحلى (٨/ ١٥١): الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ، الْبَاقِي أَجْرُهَا بَعْدَ الْمَوْت.
وقال السرخسي في "المبسوط" (١٢/ ٣٢): مَقْصُودُ الْوَاقِفِ أَنْ تَكُونَ الصَّدَقَةُ جَارِيَةً لَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وقال في أسنى المطالب (٢/ ٤٤٥٧): وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْوَقْفِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيّ.
وقال الشيخ ابن عثيمين: الصدقة الجارية: كل عمل صالح يستمر للإنسان بعد موته، والذي يتصدق به الإنسان من ماله، هو ماله الحقيقي الباقي له، الذي ينتفع به.
- والصدقة الجارية هي التي يستمر ثوابها بعد موت الإنسان، وأما الصدقة التي لا يستمر ثوابها ـ كالصدقة على الفقير بالطعام ـ فليست صدقة جارية.
منها: بناء المساجد، وغرس الأشجار، وحفر الآبار، وطباعة المصحف وتوزيعه، ونشر العلم النافع بطباعة الكتب والأشرطة وتوزيعها.
стр. 2324
د- وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: (أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ قَالَ: "إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا". قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، [غَيْرَ] أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي اَلْفُقَرَاءِ، وَفِي اَلْقُرْبَى، وَفِي اَلرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اَللَّهِ، وَابْنِ اَلسَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقاً - غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالاً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: (تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ).
وفي رواية (احْبِس أصلها وسبِّل ثمرَها).
قال ابن حجر: وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف.
هـ- قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ عنده مقدرة إلا وقف.
قال النووي في شرح حديث (إذا مات الإنسان … ) قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ عَمَل الْمَيِّت يَنْقَطِع بِمَوْتِهِ، وَيَنْقَطِع تَجَدُّد الْثوَاب لَهُ، إِلا فِي هَذِهِ الأَشْيَاء الثَّلاثَة; لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبهَا; فَإِنَّ الْوَلَد مِنْ كَسْبه، وَكَذَلِكَ الْعِلْم الَّذِي خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيم أَوْ تَصْنِيف، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة الْجَارِيَة، وَهِيَ الْوَقْف.
- المقصود من الوقف أمران:
الأمر الأول: الأجر الحاصل للواقف.
الأمر الثاني: نفع الموقوف عليه في عين الوقف أو غلته.
مثال: قلت هذا البيت وقف على زيد من الناس - لو أراد أن يسكنه فهنا انتفع بعين الوقف، ولو أجر الناظر البيت وأعطاه الغلة فهنا انتفع بغلته.
стр. 2325
(ويصح بالقول، وهو صريح، وكناية، وبالفعل الدال عليه، كمن جعل أرضه مسجداً وأذِن للناس في الصلاة فيه).
أي: أن الوقف ينعقد بالصيغة القولية، والصيغة الفعلية.
أولاً: الصيغة القولية.
قال في المغني: وَأَلْفَاظُ الْوَقْفِ سِتَّةٌ، ثَلَاثَةٌ صَرِيحَةٌ، وَثَلَاثَةٌ كِنَايَةٌ.
فَالصَّرِيحَةُ: وَقّفْت، وَحَبَّستُ، وَسَبَّلْت.
مَتَى أَتَى بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ، صَارَ وَقْفًا مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ أَمْرٍ زَائِدٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ثَبَتَ لَهَا عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ النَّاسِ، وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ عُرْفُ الشَّرْعِ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعُمَرَ (إنْ شِئْت حَبَسْت أَصْلَهَا، وَسَبَّلْت ثَمَرَتَهَا).
فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي الْوَقْفِ كَلَفْظِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ. (المغني).
قال في الإنصاف: وقفت، وحبست، صريح في الوقف بلا نزاع.
وأما الكناية:
وهي ما يحتمل الوقف وغيره، فلا يكفي فيه اللفظ، بل يشترط انضمام أمر زائد إليه.
تصدقت، حرّمتُ، أبدت.
فهذه لا يحصل بها الوقف إلا بشروط:
أولاً: النية، فيكون على ما نوى.
مثال: قال تصدقت بداري، وينوي أنها وقف، فإنها تصير وقفاً، لأنه نوى بذلك.
لأن قوله [تصدقت بداري] لفظ مشترك، فيحتمل أن تكون الصدقة التي ليست هي بوقف، ويحتمل أنه يريد وقفاً، فلما كان لفظاً مشتركاً اشتُرِط فيه النية.
стр. 2326
ثانياً: أن يقترن بها أحد الألفاظ الصريحة أو الباقي من ألفاظ الكناية.
فإذا تلفظ بلفظ من ألفاظ الكناية، وضم إليها لفظاً من الألفاظ الباقية، فحينئذ يزول الإشكال ويكون وقفاً.
مثال: إذا قال تصدقت بداري صدقة موقوفة [تصير وقفاً].
مثال: قال تصدقت بهذه الدار صدقة محبسة [تصير وقفاً].
مثال: قال حرمت داري تحريماً مؤبداً أو تحريماً موقوفاً [تصير وقفاً].
ثالثاً: أن ينضم إلى هذا اللفظ [الذي هو الكناية] ما يدل على الوقف.
كأن يقول: تصدقت بداري صدقة لا تباع فقوله [لا تباع] يدل على أن قوله تصدقت يريد بذلك الوقف، لأن الذي لا يباع هو الوقف.
أو قال: تصدقت بداري هذه صدقةً لا تورث [فإنه يصير وقفاً] لأن الذي لا يُورث هو الوقف.
ثانياً: الصيغة الفعلية.
أن يبني مسجداً ويأذن للناس في الصلاة فيه، فهذا يكون وقفاً، لأن هذا الفعل منه يدل على ذلك، ولا يشترط أن يقول هذا وقف، لأن فعله يدل على ذلك.
(وهو عقد لازم).
أي: أن الوقف عقد لازم بمجرد القول، فلا يملك الواقف الرجوع فيه.
وهذا قول الجمهور من العلماء.
أ- لحديث عمر السابق (إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا … أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ … ).
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن النبي ﷺ أمر عمر أن يحبّس الأصل، والحبس هو المنع، والقول أن الوقف عقد جائز ينافي التحبيس.
стр. 2327
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ ذكر أحكام الوقف فقال (تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ … ).
ب- حديث أبي هريرة السابق ( … أو صدقة جارية)، فالوقف إذا لم يرد به الدوام لم يكن صدقة جارية.
ج- إذا كان الرجوع في الصدقة بعد إخراجها من يده لا يجوز، لأن العطية لا يجوز الرجوع فيها بعد إخراجها من يده، فكذلك الوقف لا يجوز الرجوع فيه بعد أن يتصدق به.
فائدة:
وهل يثبت فيه خيار المجلس؟
يعني لو أنه وقف وفي أثناء المجلس قال هذه الأرض وقف _ مسجد لله … ثم بعد أن تلفظ بكونه مسجدا _ قال رجعت عن الوقف .. فهل يملك الرجوع؟
لا يملك الرجوع: لأن خيار المجلس كما سبق لنا لا يكون إلا في البيع وما كان في معني البيع.
(ويشترط فيه أن يكون عيناً يجوز بيعها).
أي من شروط الوقف: أن يكون في عين يجوز بيعها، كالعقار، والكتب ونحوها.
قوله (أن يكون عيناً) فلا يجوز وقف المنفعة، مثل: سكنى البيت.
وهذا قول الجمهور.
مثال: هذا رجل استأجر بيتاً لمدة سنة الآن يملك سكنى البيت لمدة سنة، فلا يصح أن يقول: سكنى البيت هذه على الفقراء والمساكين.
لأن الوقف صدقة مقيدة، يعني ينظر فيها إلى الدوام والاستمرار وهذا لا يوجد في المنفعة.
ولأن تحبيس المنفعة وحدها يعني توقيت الوقف، ولو جاز التوقيت لجاز بيع الوقف، وهبته، وتوريثه.
стр. 2328
وذهب بعض العلماء: إلى صحة وقف المنفعة.
واختار ذلك ابن تيمية.
وقوله (يجوز بيعها) يخرج العين التي لا يجوز بيعها - كالمرهون، والكلب -.
وذهب بعض العلماء: إلى صحة وقف الكلب المعلّم.
واختار ذلك ابن تيمية.
(ويشترط فيه المنفعة مع بقاء عينها).
أي: ومن شروط الوقف: أن تكون العين ينتفع بها دائماً مع بقائها: كعقار، وحيوان، وأثاث، وسلاح.
فلا يصح وقف ما لا نفع فيه: كما لو أوقف حماراً مقطع الأرجل، فإنه لا يصح، لأنه لا ينتفع به.
ولا يصح وقف ما لا ينتفع به إلا بذهاب عينه: كما أوقف طعاماً على فقراء، فإنه لا ينتفع به إلا بتلف عينه.
فلو قلت: هذه الخبز وقف لله تعالى على الجائعين، فهذا لا يصح وقفاً، وتكون صدقة.
لو قال: هذه مائة كيس من الأرز وقف على الفقراء والمساكين لا يصح؛ لأنها تفنى باستهلاكها.
أو قال: هذه مائة لتر من البنزين على طلبة العلم لا يصح، لأنها تفنى باستهلاكها.
لأنه الوقف يرد للدوام ليكون صدقة جارية، ولا يوجد ذلك فيما لا تبقى عينه.
(من مُعيّن معلوم).
فلا يصح وقف المبهم، ولا يصح وقف المجهول.
كأن يقول وقفت بيتاً، أو يقول وقفت عبداً، فلا يصح، لأنه مجهول.
أو يقول: وقفت أحد هذين البيتين، فهذا لا يصح، لأنه مبهم.
الفرق بين المجهول والمبهم، أن المجهول ما لا يعلم، والمبهم ما يحتاج إلى تمييز.
стр. 2329
وقيل: يصح وقف المجهول أو المبهم.
قال الشيخ ابن عثيمين: فلو وقف أحد عقاراته بدون أن يعلمه فإنه يصح وقفه؛ لأن هذا معين، والمذهب أنه لا يصح؛ لأنه مجهول، وإذا كان مجهولاً فإنه قد يكون أكثر مما قد يتصوره الواقف، والراجح صحة هذا؛ لأنه لم يجبر على الوقف؛ وليس الوقف مغالبة حتى يقول: خدعت أو غلبت؛ بل الوقف تبرع أخرجه الإنسان لله تعالى، كما لو تصدّق بدراهم بلا عدٍّ فتصح وتنفذ ولا يصح الرجوع فيها؛ لأنه تصدَّق وتبرَّع؛ فلهذا كان الراجح أنه يصح وقف المعيّن وإن كان مجهولاً؛ لأنه تبرّع محض إذا أمضاه الإنسان نفذ.
(وأن يكون على بِرٍّ وطاعة، كالمساجد، والفقراء، واليتامى ونحوها).
أي ومن شروط الوقف: أن يكون على جهة من جهات البر.
لأن المقصود به التقرب إلى الله، كبناء مسجد أو مدرسة علمية، أو داراً ريعها للفقراء، فإذا لم يكن على بر لم يحصل مقصوده الذي شرع من أجله.
قال ابن مفلح: أن يكون على بر ومعروف إذا كان الواقف على جهة عامة.
وقال ابن قدامة: الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى مَنْ يُعْرَفُ، كَوَلَدِهِ، وَأَقَارِبِهِ، وَرَجُلٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ عَلَى بِرٍّ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَكُتُبِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ، وَالْمَقَابِرِ، وَالسِّقَايَاتِ وَسَبِيلِ اللَّهِ
- فلا يصح على الكنائس، ولا على اليهود والنصارى، ولا على الأغنياء والفساق، وقطاع الطريق، لأن ذلك إعانة على المعصية.
لو قال: هذا وقف على الأغنياء، فإنه لا يصح، لأنهم ليسوا محلاً للقربة.
стр. 2330
فائدة:
أما إذا كان على معين فإنه لا يشترط أن يكون على بر [لكن يشترط ألا يكون إثم].
مثال: وقفت هذا البيت على فلان الغني، فإنه يصح، لأنه ليس على جهة.
وقد روي (أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ وقفت على أخ لها يهودي).
فائدة:
الوقف على نفسه.
قيل: لا يجوز.
وهذا قول الجمهور.
فهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة.
لحديث ابن عمر في قصة وقف عمر قال ﷺ (حبس الأصل وسبّل الثمرة).
وجه الدلالة: أن تسبيل الثمرة تمليكها للغير، ولا يتصور أن يملك الشخص من نفسه لنفسه.
وقيل: يجوز.
وهذا اختيار ابن تيمية.
تنبيه:
لم يختلف العلماء في الرجل يقف وقفاً عاماً على المسلمين، أن له أن ينتفع معهم، كأن يقف مسجداً فيصلي فيه، أو بئراً للمسلمين فيشرب منه.
стр. 2331
(وكونه في غيرِ مسجد ونحوه على معين يملك).
أي: يشترط أن يكون الوقف إذا كان على معين، أن يكون على معين يملك.
لأن الوقف تمليك، فلا يصح على مجهول.
فلا يصح الوقف على حمْل، ولا على بهيمة.
لو قال: هذا وقف على ما بطن فلانة، فلا يصح.
أو قال هذا وقف على بقرة زيد، فلا يصح.
أو قال: على فرس عمرو، فلا يصح.
فائدة:
ولا يصح على نفسه.
وهذا قول الجمهور.
لحديث عمر السابق، وفيه قال النبي ﷺ (حبّس الأصل وسبّل الثمرة) رواه أحمد.
قالوا: إن تسبيل الثمرة تمليكها للغير، ولا يتصور أن يملك الشخص من نفسه لنفسه.
واختار ابن تيمية صحة ذلك.
أ- لحديث جابر. قال: قال ﷺ لرجل (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك … ) رواه مسلم.
قالوا: أن النبي ﷺ جعل الصدقة على النفس هي المقدمة، والوقف نوع من الصدقة.
ب- أن المقصود من الوقف القربة، وهي حاصلة بالوقف على النفس.
(وكون واقف نافذ التصرف).
فلا يصح الوقف
стр. 2332
(وأن يكون الوقف ناجزاً).
فلا يصح الوقف أن يكون معلقاً.
وهذا قول الجمهور.
كأن يقول: إذا جاء رمضان فبيتي وقف.
لأن الأصل في العقود التنجيز، والتعليق ينافي التنجيز.
وذهب بعض العلماء: إلى جواز الوقف معلقاً.
وهذا مذهب المالكية، واختاره ابن تيمية.
لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز، ولا يبطل منها شيء إلا بدليل، ولا دليل على بطلان تعليق الوقف بالشرط.
(ويجبُ العملُ بشرط الواقف في قسمة، وجمعٍ، وتقديمٍ وضد ذلك).
لأنه خرج من ملك الواقف على شرط معين.
ولأن عمر وقف وقفاً وشرط فيه شروطاً ( … فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي اَلْفُقَرَاءِ، وَفِي اَلْقُرْبَى، وَفِي اَلرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اَللَّهِ، وَابْنِ اَلسَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ … ) ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن فيه فائدة.
- قوله (في قسمة).
مثال: قال هذا البيت وقف، نصف ريعه للفقراء، ونصف ريعه لطلاب العلم.
أو قال: نصفه للإمام المسجد والنصف الآخر للمؤذن، أو نصفه لأولادي ونصفه للفقراء، ونحو ذلك.
فإنه يجب أن يعمل بشرط الواقف.
فلا يجب عليه أن يسوي بين الموقوف عليهم، إلا في أولاده، فلو قال هذا وقف على أولادي الذكور دون الإناث.
فقيل: يجوز.
стр. 2333
وقيل: لا يجوز أن يوقف على أولاده الذكور دون الإناث.
لقوله ﷺ (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) متفق عليه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فإنه يكون بهذا العمل غير متق لله، وسمى النبي ﷺ تخصيص بعض الأبناء جوْراً، فقال: لا أشهد على جوْر، ولا شك أن من وقّف على بنيه دون بناته أنه جوْر
فائدة:
لو قال: هذا وقف على أولاد زيد الذكور دون الإناث، فإنه يصح، لأنه لا يجب العدل، لأنهم ليسوا أبنائه.
فائدة:
إذا وقف على قبيلة فإنه يشمل الجميع - الذكور والإناث - إلا أولاد النساء من غيرهم.
- وقوله (وجمع).
مثال: لو قال: أوقفت داري على أولادي وأولاد أولادي، فهنا جمع بين أولاده وأولاد أولاده، فيكون ريع الوقف لهم جميعاً، لأن هذر شرْطه.
- وقوله (وتقديم).
مثال: لو قال: هذا وقف على زيد وعمرو والمقدم زيد، فيعمل بشرطه، فإنه قد شرط التقديم لزيد، فيعطى زيد من الريع وما يكفيه، فإن فضل شيء فهو لعمرو، وإن لم يفضل شيء فلا شيء له.
مثال: هذا وقف على أولاد فلان، والناظر عليه فلان، فيجب العمل بشرطه.
(فإن أطلق سوي بين الموقوف عليهم).
أي: إذا أطلق الواقف، و لم يشترط شيئاً: استوى في الاستحقاق الغني والفقير والذكر والأنثى من الموقوف عليهم.
فكل من اتصف بالوصف الذي علق الواقف الوقف عليه فإنه يدخل في ذلك.
فلو لو قال: هذا وقف على طلاب العلم - ولم يقدم أحد ولا أخر أحد ولا جعل ترتيباً ونحو ذلك - فإنه يقسم على الجميع،
стр. 2334
(والنظر عند عدم الشرط لموقوف عليه إن كان محصوراً وإلا فلحالكم).
الناظر: هو القائم بشؤون الوقف.
أي: النظر على الوقف له أحوال:
أ- إن كان الواقف عين ناظراً فإنه يكون هو الناظر.
ب- إن لم يعين: فالناظر هو الموقوف عليهم إذا كانوا معينين.
ج- إذا كان الوقف على جهة كالمساجد، أو لا يمكن حصرهم كالمساكين، فالنظر على الوقف للحاكم.
أمثلة:
قال: هذه داري وقف على الفقراء، والناظر عليه فلان، فإنه يصير ناظراً عليها.
قال: هذه داري وقف على أولاد زيد، ولم يعين ناظراً، فالنظر يكون للموقوف عليهم، ويكون بقدر حصصهم، لأن المنفعة لهم
قال: هذه داري وقف على زيد، ولم يعين ناظراً، فزيد هو الناظر.
(لا يباع إلا أن تتعطل منافعه).
أي: أن الوقف لا يجوز بيعه.
لقوله ﷺ لعمر (تصدق بأصلها لا يباع، ولا يُوهب، ولكن ينفق ثمره) هذا لفظ البخاري.
وقوله (إلا أن تتعطل منافعه) كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتاً ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه.
قال الشيخ ابن عثيمين: فإذا كان هذا الوقف وقفاً على الفقراء، وتعطلت منافعه، وبعْناه بالثمن؟ هل نتصدق به على الفقراء، أو نشتري به وقفاً يكون للفقراء؟ يتعين الثاني، فلا يجوز أن نقول: إن هذا وقف على الفقراء، والآن بعناه لتعطل منافعه، فنصرف دراهمه إلى الفقراء، فهذا لا يجوز، لأن هذه الدراهم عوض عن أصل الوقف، وأصل الوقف لا ينقل ملكه لا ببيع ولا بغيره.
стр. 2335
(وإن وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتسوية بينهم، وإلا جاز التفضيل والاقتصار على واحد).
إذا وقف الإنسان شيئاً فلا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون يمكن حصرهم، فهنا يجب التعميم والتساوي.
مثال: هذا وقف على أولاد فلان، وأولاد فلان عددهم عشرة، فهنا يمكن حصرهم، فيجب أن يعمموا كل واحد، ويجب أن يساوي بينهم [الذكور والإناث، والغني والفقير، والضعيف والقوي، والكبير والصغير].
الحالة الثانية: إن كان لا يمكن حصرهم، فهنا لا يجب التعميم ولا التساوي.
لأنه لا يمكن حصرهم، ولا الإحاطة بهم.
مثال: لو قال: هذا وقف على قبيلة بني تميم، فهنا لا يجب التعميم ولا التساوي، فيجوز أن يعطي بعضهم دون بعض، وأن يفضل بعضهم على بعض.
(وإن وقف على ولده أو ولد غيره فهو لذكر وأنثى بالسوية).
لأن لفظ (الولد) يشمل الذكر والأنثى.
كما قال تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين).
وبالإجماع أن المراد بالأولاد هنا الذكور والإناث.
واللغة دلت على ذلك فإن الولد _ يشمل الذكور والإناث.
قال العيني: الإجماع قائم على أن اسم الولد يقع على البنين والبنات.
стр. 2336
فائدة: ١
الراجح لا يجوز أن يوقف على أولاده الذكور دون الإناث.
لقوله ﷺ (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) متفق عليه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فإنه يكون بهذا العمل غير متق لله، وسمى النبي ﷺ تخصيص بعض الأبناء جوْراً، فقال: لا أشهد على جوْر، ولا شك أن من وقّف على بنيه دون بناته أنه جوْر
فائدة: ٢
لو قال: هذا وقف على أولاد زيد الذكور دون الإناث، فإنه يصح، لأنه لا يجب العدل، لأنهم ليسوا أبنائه.
فائدة: ٣
إذا وقف على قبيلة فإنه يشمل الجميع - الذكور والإناث - إلا أولاد النساء من غيرهم.
فائدة: ٤
قال الشيخ ابن عثيمين: وإذا قال: على ذريته، وذرية فعيلة بمعنى مفعولة، أي: من ذرأهم الله منه، والذين ذرأهم الله منه هم أولاد الصلب، فإذا قال: هذا وقف على ذريتي دخل الأولاد من بنين وبنات، ودخل بعد ذلك أولاد البنين، دون أولاد البنات؛ لأنهم ليسوا من ذريته.
فائدة: ٥
لا خلاف بين العلماء أن الوقف إذا كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع فإنه صحيح.
قال ابن قدامة: أَنَّ الْوَقْفَ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِي صِحَّتِهِ، مَا كَانَ مَعْلُومَ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، مِثْلَ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْمَسَاكِينِ، أَوْ طَائِفَةٍ لَا يَجُوزُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ انْقِرَاضُهُمْ.
وأما إذا كان الوقف على جهة يجوز انقطاعها بحكم العادة كما لو وقف على أولاده، أو على فلان من الناس، ولم يجعله بعد ذلك على الفقراء والمساكين، فإن ذلك يؤول إلى الانقطاع، فهل يصح؟
قيل: لا يصح
وبه قال أبو حنيفة.
لأن الوقف إذا كان منقطعاً صار وقفاً على مجهول فلم يصح.
стр. 2337
ولحديث (إذا مات الإنسان انقطع … ) والوقف إذا لم يرد به التأبيد لم يكن صدقة جارية.
وقيل: يصح الوقف المنقطع.
وهذا المذهب.
قال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الِانْتِهَاءِ، مِثْلَ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَوْمٍ يَجُوزُ انْقِرَاضُهُمْ بِحُكْمِ الْعَادَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ آخِرَهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَلَا لِجِهَةٍ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ، فَإِنَّ الْوَقْفَ يَصِحُّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْه.
لَأنه تَصَرُّفٌ مَعْلُومُ الْمَصْرِفِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِمَصْرِفِهِ الْمُتَّصِلِ، وَلِأَنَّ الْإِطْلَاقَ إذَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ، حُمِلَ عَلَيْهِ، كَنَقْدِ الْبَلَدِ وَعُرْفِ
الْمَصْرِفِ، وَهَاهُنَا هُمْ أَوْلَى الْجِهَاتِ بِهِ، فَكَأَنَّهُ عَيَّنَهُمْ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ عِنْدَ انْقِرَاضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ إلَى أَقَارِبِ الْوَاقِفِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَسَاكِينِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ، فَأَشْبَهَ مَالَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ.
فائدة: ٦
من الشروط الباطلة في الوقف.
قال ابن قدامة: وإِنْ شَرَطَ فِي الْوَقْفِ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَيُدْخِلَ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ، فَأَفْسَدَهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِه.
стр. 2338
باب الهبة
تعريفها:
قال ابن قدامة: تمليك في الحياة بلا عوض.
قولنا (تمليك) يخرج العارية، لأن العارية إباحة العين لا تمليكها، لأنه ينتفع بها ويردها.
وقولنا (في الحياة) هذا يخرج الوصية، لأن الوصية بعد الموت.
وقولنا (بلا عوض) وهذا يخرج البيع، لأنه تمليك بعوض معلوم.
قال ابن قدامة: وجملة ذلك أن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بلا عوض، واسم العطية شامل لجميعها وكذلك الهبة.
وقال ابن حجر: والهبة بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحدة تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء، وهو هبة الدين ممن هو عليه، والصدقة هي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية هي ما يكرم به الموهوب له ومن خصها بالحياة أخرج الوصية، وهي أيضا تكون بالأنواع الثلاثة، وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض.
فائدة: ١
والهبة من عقود التبرعات.
وهي العقود التي يقوم التمليك فيها على التبرع من غير مقابل؛ إذ إن أحد طرفي العقد فيها لا يطلب عوضا عما يدفعه إلى الطرف الآخر، ويقابلها عقود المعاوضات، وهذا من حيث الغرض من العقد.
стр. 2339
فائدة: ٢
واعلم أن تبرع الإنسان ماله لغيره يقع على أوجه:
أن يكون صدقة: وهي ما أريد بها ثواب الآخرة.
أن يكون هدية: وهي ما قصد بها التودد والتحبب للغير.
أن يكون هبة: وهي ما قصد بها مجرد النفع المحض. (والغالب تكون من الأعلى إلى الأدني).
أن يكون عطية: وهي كالهبة، لكنها هي تكون في مرض الموت المخوف.
أن يكون وصية: هي التبرع بالمال بعد الموت.
أن يكون رشوة: وهي بذل المال للتوصل لأمر محرّم.
فائدة: ٣
الفرق بين الهدية والصدقة:
الفرق: أن من أعطى شيئاً ينوي به التقرب إلى الله تعالى للمحتاج فهو صدقة، وإن حملت إلى المهدى إليه إكراماً وتودداً فهو هدية.
ويدل على هذا حديث أبي هريرة ﵁ قال (كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه أهدية، أو صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده فأكل معهم).
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على الفرق بين الصدقة، والهدية، وأنهما متغايران، فمن أعطى للمحتاج شيئاً لوجه الله فهو صدقة، وإن حمل إلى الملك إكراماً وتودداً فهو هدية.
стр. 2340
فائدة: ٤
أيهما أفضل الصدقة أم الهدية؟
قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى: الصَّدَقَةُ" مَا يُعْطَى لِوَجْهِ اللَّهِ عِبَادَةً مَحْضَةً مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَلا طَلَبِ غَرَضٍ مِنْ جِهَتِهِ; لَكِنْ يُوضَعُ فِي مَوَاضِعِ الصَّدَقَةِ كَأَهْلِ الْحَاجَاتِ. وَأَمَّا " الْهَدِيَّةُ " فَيَقْصِدُ بِهَا إكْرَامَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ; إمَّا لِمَحَبَّةِ وَإِمَّا لِصَدَاقَةِ; وَإِمَّا لِطَلَبِ حَاجَةٍ; وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا فَلا يَكُونُ لأَحَدِ عَلَيْهِ مِنَّةٌ وَلا يَأْكُلُ أَوْسَاخَ النَّاسِ الَّتِي يَتَطَهَّرُونَ بِهَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَهِيَ الصَّدَقَاتُ وَلَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ لِذَلِكَ وَغَيْرِهِ. وَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ فَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ; إلا أَنْ يَكُونَ فِي الْهَدِيَّةِ مَعْنًى تَكُونُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ: مِثْلَ الإِهْدَاءِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ مَحَبَّةً لَهُ. وَمِثْلَ الإِهْدَاءِ لِقَرِيبِ يَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ، وَأَخٍ لَهُ فِي اللَّهِ: فَهَذَا قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَة.
(وهي مستحبة).
أي: أن حكم الهبة بالنسبة للواهب مستحبة، لما فيها من المصالح العظيمة، من التوسعة على الغير، ونفي الشح وغير ذلك.
لقوله تعالى (إن الله يحب المحسنين).
وقال ﷺ (تهادوا تحابوا) رواه البخاري في الأدب المفرد.
وقال ﷺ (لو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت) متفق عليه.
وأما بالنسبة للموهوب: فالسنة أن يقبل الهدية ولا يردها، لأن هذا هديه.
عن عائشة. قالت (كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها) رواه البخار ي.
(لا تصح في مجهول).
أي: أن الهبة يشترط فيها أن تكون معلومة، فلا تصح أن تكون مجهولة.
مثال: لو وهبت لشخص حمل في بطن، أو طيراً في هواء، أو ما في جيبي.
وهذا قول جمهور العلماء.
لأن الهبة عقد، ويشترط في العقود العلم، فكما أن المجهول لا يصح بيعه، فكذا هبته.
стр. 2341
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصح هبة المجهول.
لأن عقد الهبة من عقود التبرعات وعقود التبرعات يتوسع فيها مالا يتوسع في عقود المعاوضات، فعقود المعاوضات كالبيع ونحوه يشترط فيها العلم والتحرير والضبط لأنها مبنية على المشاحة، أما هنا فالموهوب له لا ضرر عليه فهو يدخل إما غانم أو سالم.
(ولا معدوم).
قال ابن قدامة: ولا تصح هبة المعدوم، كالذي تثمر شجرته، أو تحمل أمته، لأن الهبة عقد تمليك لم تصح في هذا كله كالبيع.
وذهب بعض العلماء: إلى جواز ذلك.
واختاره ابن تيمية.
لأن الهبة من عقود التبرعات لا من عقود المعاوضات، فيتوسع فيها ما لا يتوسع في عقود المعاوضات.
فائدة: ١
ذهب بعض العلماء: إلى أنه يشترط لصحة الهبة، أن يكون الموهوب مقدوراً على تسليمه.
وعلى هذا إذا كان غير مقدور على تسليمه كالآبق والشارد والعين المسروقة، فإنه لا يصح، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المجهول.
والصحيح في هذا: أن هذا صحيح كما سلف لنا فهبة الذي لا يقدر على تسليمه جائز ولا بأس به إن شاء الله.
стр. 2342
فائدة: ٢
قال بعض العلماء: كل ما جاز بيعه جاز هبته.
وقال بعض العلماء: لا يشترط ذلك، بل يشترط أن يكون مما يباح نفعه، سواء أبيح بيعه أو لا.
(وتنعقد بإيجاب وقبول وبمعاطاة).
أي: أن الهبة تنعقد بأمرين: الصيغة القولية - الصيغة الفعلية.
الصيغة الأولى: صيغة قولية.
وهي الإيجاب والقبول، فالإيجاب اللفظ الصادر من الواهب أو من يقوم مقامه، والقبول اللفظ الصادر من الموهوب له أو من يقوم مقامه
كأن يقول: وهبتك، فيقول: قبلت، أو يقول: أعطيتك ويقول: قبلت، أو أهديتك فيقول: قبلت ونحو ذلك.
الصيغة الثانية: بالمعاطاة.
فأكثر العلماء أنها تنعقد بالمعاطاة.
لأن النبي ﷺ كان يهدي ويُهدى إليه، ويعطي ويُعطى، ويفرق الصدقات ويأمر سعاته بأخذها وتفريقها، وكان الصحابة يفعلون ذلك ولم ينقل عن النبي ﷺ إيجاب ولا قبول.
(ويستحب قبول الهدية).
أي: يستحب للإنسان أن يقبل الهدية، لأن ذلك هدي النبي ﷺ .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ اَلْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيّ.
وقد أهدت أم الفضل للنبي ﷺ شربة لبن فقبلها. كما في البخاري ومسلم.
وأهدى له أبو طلحة ورك أرنب فقبله. رواه البخاري ومسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ! لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) متفق عليه. …
стр. 2343
[فرسن الشاة: حافرها].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِي ﷺ قال (لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْت) رواه البخاري. … [وَالْكُرَاع مِنْ الدَّابَّة مَا دُون الْكَعْب].
قَالَ اِبْن بَطَّال: هذا حض منه لأمته على المهاداة، والصلة، والتأليف، والتحاب، وإنما أخبر أنه لا يحقر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى
إليه، لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المهدى، وإنما أشار بالكراع وفرسن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية، لا إلى إعطاء الكراع والفرسن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك " انتهى.
- فيستحب قبول الهدية وذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن قبول الهدية هو هدي النبي ﷺ .
الأمر الثاني: أن في قبولها فوائد متعددة منها: إرضاء المهدي، وجبر خاطره، وتقديراً لهديته، والنظر إليها بعين الاعتبار، ولأن في ردها: مخالفة للسنة، وفيه كسر لقلب المهدي وإساءة إليه.
فائدة: ١
لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية قبول الهدية، وإنما الخلاف في وجوب قبولها على قولين:
الجمهور أن قبولها مستحب لا واجب.
قال النووي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ جَاءَهُ مَال هَلْ يَجِب قَبُوله أَمْ يُنْدَب؟ عَلَى ثَلَاثَة مَذَاهِب حَكَاهَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيُّ، وَالصَّحِيح الْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور
فائدة: ٢
بل كان قبول الهدية إحدى علامات نبوته لدى أهل الكتب السابقة، حتى عرفه بها سلمان الفارسي ﵁ في قصة إسلامه، كما في مسند الإمام أحمد.
стр. 2344
فائدة: ٣
ورد أشياء بعينها لا ترد.
عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيب) رواه البخاري.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيِّبُ الرِّيح) رواه مسلم.
ولفظ أبي داود (من عرض عليه طيب … ).
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ الْوَسَائِدُ وَالدُّهْنُ وَاللَّبَنُ) رواه الترمذي. الدُّهْنُ يَعْنِى بِهِ الطِّيبَ.
الوسائد: جمع وسادة وهي المخدّة.
(ويكره رد الهدية وإن قلّت).
أي: يكره للإنسان أن يرد الهدية مهما صغرت.
عَنْ خَالِدِ بْنِ عَدِيٍّ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ، فَلْيَقْبَلْهُ وَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْهِ) وصححه الألباني
ب- لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (أَجِيبُوا الدَّاعِيَ، وَلا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ، وَلا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ) رواه أحمد.
يقول ابن حبان في (روضة العقلاء) زجر النبي ﷺ في هذا الخبر عن ترك قبول الهدايا بين المسلمين، فالواجب على المرء إذا أهديت إليه هدية أن يقبلها ولا يردها، ثم يثيب عليها إذا قدر، ويشكر عنها.
ج- وتقدم حديث (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ! لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ).
د- وحديث (وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْت) رواه البخاري.
стр. 2345
فائدة:
يستحب لمن امتنع من قبول الهدية أن يبيّن السبب.
عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ (أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ فَلَمَّا أَنْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا فِي وَجْهِى قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُم) متفق عليه
قال القاضي عياض: وفى اعتذار النبي ﵇ دليل على استحباب قبول هدية الصديق وكراهة ردها لما يقع في نفسه، ألا ترى تطييب النبي ﵇ قلبه.
وقال النووي: فيه أنه يستحب لمن امتنع من قبول هدية ونحوها لعذر أن يعتذر بذلك إلى المهدي تطييباً لقلبه.
وقال ابن حجر: فيه الاعتذار عن رد الهدية تطييباً لقلب المهدي.
(وإن علِم أنهُ أهدى حَياءً وَجَبَ الرد).
أي: يستحب قبول الهدية ويكره ردها إلا إذا تضمنت محذوراً شرعياً:
فيشترط لقبول شروط الهدية شروطاً:
أولاً: ألا يكون أهدى له حياء وخجلاً.
فإذا علم أنه وهب له حياء وخجلاً فلا يجوز له أن يقبلها.
ثانياً: ألا يتضمن محذوراً شرعياً.
كما لو وقعت موقع الرشوة، أو السكوت عن حق أو الدفاع عن باطل.
ثالثاً: ألا تكون محرمه (لعينها) مثل: الخنزير، والميتة، والدم (أو لحق الغير) مثل: المغصوب، والمسروق، والمختلس.
فائدة:
أما المحرم لكسبه فإنه يجوز قبولها، لأن النبي ﷺ قبل هدية اليهودية، مع أن اليهود كانوا يتعاملون بالربا.
قال الشيخ ابن عثيمين: كان النبي ﷺ يتعامل مع اليهود بالبيع و الشراء، ويقبل منهم الهدية مع أنهم يتعاملون بالربا.
قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل).
ومع ذلك قَبِل النبي ﷺ هديّتهم. قَبِل هدية المرأة التي أهدت الشاة بخيبر وعاملهم ومات ودرعه مرهونة عند يهودي.
стр. 2346
(بل السنة أن يثيب عليها أو يدعو).
أي: يسن الإثابة على الهدية، وأن المكافأة عليها أمر مطلوب، اقتداء بالنبي ﷺ .
لحديث عائشة السابق (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا).
فإن لم يقدر فليدعو للمهدي.
أ-عن جَابِر. قال: قال ﷺ (مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيُجْزِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
ب- وَلِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا (مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) رواه الترمذي.
ج- وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَر، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) رواه أبو داود.
(وتلزم بالقبض).
أي: تلزم الهبة بالقبض بإذن الواهب، وأما قبل القبض وبعد القبول فهي غير لازمة، فيجوز الرجوع فيها.
فلو قال: وهبتك كذا ولم يسلمه له ثم رجع، فرجوعه جائز.
وهذا قول أكثر العلماء.
ويستدل على جواز الرجوع قبل القبض:
أ- ما ورد عن أبي بكر وعمر وعلي وغيرهم ﵃.
ب- أن النبي ﷺ (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) والرجوع في الموهوب إنما يكون في حق الأعيان دون الأقوال، والهبة قبل القبض رجوع في قول فلا يدخل في هذا الحديث؛ لأن عقد الهبة لم يتم.
стр. 2347
ج-ويمكن أن يستدل لذلك أيضاً: بأن عقد الهبة من عقد التبرعات التي لا تلزم باتفاق، وإلزام المتبرع بقوله الصادر منه مصير إلى اللزوم دون حاجة تدعو إلى ذلك؛ لأن مجرد القول لم يترتب عليه استحقاق أو ظلم، وإنما هو مجرد وعد.
(وأما بعدَ القبض فيحرمُ الرجوع فيها).
هذا حكم الرجوع في الهبة بعد قبضها، وأنه حرام.
وهذا مذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة.
قال ابن حجر: بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب جمهور العلماء.
جاء في (الموسوعة الفقهية) ويجوز الرجوع في الهبة قبل القبض عند الجمهور، فإذا تم القبض: فلا رجوع عند الشافعية والحنابلة إلا فيما وهب الوالد لولده.
أ- لحديث اِبْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (اَلْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِي (لَيْسَ لَنَا مَثَلُ اَلسَّوْءِ، اَلَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ).
قال الحافظ ابن حجر عن ترجمة البخاري: باب لا يحل لأحدٍ أن يرجع في هبته وصدقته، ثم ذكر البخاري حديث الباب (العائد في هبته … ).
стр. 2348
قال الحافظ: كذا بت الحكم في هذه المسألة لقوة الدليل عنده.
وقال أيضاً قوله ﷺ (ليس لنا مثل السوء) أي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، قال الله (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك، وأدل على التحريم مما لو قال مثلا: لا تعودوا في الهبة.
وقال النووي: هَذَا ظَاهِر فِي تَحْرِيم الرُّجُوع فِي الْهِبَة وَالصَّدَقَة بَعْد إِقْبَاضهمَا. (شرح مسلم).
فقد شبه النبي ﷺ العائد في هبته في أقبح صورة، فإن الكلب من أخبث الحيوانات، ثم إن هذه الصورة من أبشع الصور، أن يقيء ثم يعود في قيئه.
ب- ولحديث ابن عمر وابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه أبو داود.
(إلا للأب بشروط أربعة).
أي: إلا للأب فيجوز الرجوع في هبته لولده.
لحديث عَنْ اِبْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ السابق (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ اَلْعَطِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا; إِلَّا اَلْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ.
فهذا الحديث دليل على جواز رجوع الوالد في هبته لولده صغيراً كان أم كبيراً.
стр. 2349
فائدة:
كما تقدم: الأصل تحريم الرجوع في الهبة بعد القبض، ويستثنى من ذلك أمران:
الأول: رجوع الأب في ما وهبه لأولاده.
كما تقدم في الحديث السابق (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ).
الثاني: من وهب هبة لغرض ولم يتحقق غرضه، جاز له الرجوع في هبته.
لأن هذه الهبة ليست هبة محضة، بل فيها معنى المعاوضة، والفقهاء يسمونها: الهبة للثواب أي للعوض، فإذا لم يُثب من هبته، جاز له الرجوع فيها.
ويدل لذلك ما روى مالك في "الموطأ" (١٤٧٧) أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَال (مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ: فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ: فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ؛ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يُرْضَ مِنْهَا).
قال الألباني: " وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
(أن لا يُسقط حقه من الرجوع).
هذا الشرط الأول من شروط رجوع الأب في هبته، أن لا يسقط حقه من الرجوع.
كما لو قال: وهبتك هذه السيارة ولن أرجع فيها.
(أن تكون باقية في ملكهِ).
هذا الشرط الثاني من شروط رجوع الأب في هبته، أن تكون الهبة باقية في ملك الابن.
فلو أن الأب وهب ابنه سيارة، ثم الابن وهبها أو باعها، فالأب في هذه الحالة لا يملك الرجوع، لأنه يلزم من رجوعه إبطال حق الغير.
стр. 2350
(وأن لا يتعلق بها حق الغير).
هذا الشرط الثالث من شروط رجوع الأب في هبته، أن لا يتعلق بها حق للغير.
كما لو رهنها الولد، لما في ذلك من إسقاط حق المرتهن.
فائدة: ١
ومن الشروط التي ذكرها بعض العلماء:
ألا يكون ما وهبه له نفقة: فلو أعطاه (١٠٠) ليشتري ثوباً، فهنا ليس للأب أن يرجع في هبته، لأنه رجوع في أمر واجب.
فائدة: ٢
ومن الشروط: ألا يتعلق بها رغبة الغير للولد.
مثال: وهب الأب ابنه ألف ريال، فرغب بعض الناس بهذا الولد فزوجوه مثلاً أو أصبح يجد من يقرضه، فهل للأب أن يرجع أم لا؟
فيه خلاف:
قيل: ليس له أن يرجع.
لأنه تعلق به حق لغير الابن، لما في ذلك من الإضرار بالناس، لأن الناس ربما يكونوا قد أقرضوه أو بايعوه.
وقيل: للأب أن يرجع.
لعموم الحديث السابق.
وقيل: ليس له أن يرجع بقدر الرغبة، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
وهذا اختيار ابن تيمية. (مسائل مهمة في الهبة والهدية).
следующие страницы →