← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

(بل السنة أن يثيب عليها أو يدعو). أي: يسن الإثابة على الهدية، وأن المكافأة عليها أمر مطلوب، اقتداء بالنبي ﷺ . لحديث عائشة السابق (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا). فإن لم يقدر فليدعو للمهدي. أ-عن جَابِر. قال: قال ﷺ (مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيُجْزِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. ب- وَلِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا (مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) رواه الترمذي. ج- وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَر، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) رواه أبو داود. (وتلزم بالقبض). أي: تلزم الهبة بالقبض بإذن الواهب، وأما قبل القبض وبعد القبول فهي غير لازمة، فيجوز الرجوع فيها. فلو قال: وهبتك كذا ولم يسلمه له ثم رجع، فرجوعه جائز. وهذا قول أكثر العلماء. ويستدل على جواز الرجوع قبل القبض: أ- ما ورد عن أبي بكر وعمر وعلي وغيرهم ﵃. ب- أن النبي ﷺ (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) والرجوع في الموهوب إنما يكون في حق الأعيان دون الأقوال، والهبة قبل القبض رجوع في قول فلا يدخل في هذا الحديث؛ لأن عقد الهبة لم يتم.

стр. 2347

ج-ويمكن أن يستدل لذلك أيضاً: بأن عقد الهبة من عقد التبرعات التي لا تلزم باتفاق، وإلزام المتبرع بقوله الصادر منه مصير إلى اللزوم دون حاجة تدعو إلى ذلك؛ لأن مجرد القول لم يترتب عليه استحقاق أو ظلم، وإنما هو مجرد وعد. (وأما بعدَ القبض فيحرمُ الرجوع فيها). هذا حكم الرجوع في الهبة بعد قبضها، وأنه حرام. وهذا مذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة. قال ابن حجر: بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب جمهور العلماء. جاء في (الموسوعة الفقهية) ويجوز الرجوع في الهبة قبل القبض عند الجمهور، فإذا تم القبض: فلا رجوع عند الشافعية والحنابلة إلا فيما وهب الوالد لولده. أ- لحديث اِبْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (اَلْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِي (لَيْسَ لَنَا مَثَلُ اَلسَّوْءِ، اَلَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ). قال الحافظ ابن حجر عن ترجمة البخاري: باب لا يحل لأحدٍ أن يرجع في هبته وصدقته، ثم ذكر البخاري حديث الباب (العائد في هبته … ).

стр. 2348

قال الحافظ: كذا بت الحكم في هذه المسألة لقوة الدليل عنده. وقال أيضاً قوله ﷺ (ليس لنا مثل السوء) أي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، قال الله (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك، وأدل على التحريم مما لو قال مثلا: لا تعودوا في الهبة. وقال النووي: هَذَا ظَاهِر فِي تَحْرِيم الرُّجُوع فِي الْهِبَة وَالصَّدَقَة بَعْد إِقْبَاضهمَا. (شرح مسلم). فقد شبه النبي ﷺ العائد في هبته في أقبح صورة، فإن الكلب من أخبث الحيوانات، ثم إن هذه الصورة من أبشع الصور، أن يقيء ثم يعود في قيئه. ب- ولحديث ابن عمر وابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه أبو داود. (إلا للأب بشروط أربعة). أي: إلا للأب فيجوز الرجوع في هبته لولده. لحديث عَنْ اِبْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ السابق (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ اَلْعَطِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا; إِلَّا اَلْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ. فهذا الحديث دليل على جواز رجوع الوالد في هبته لولده صغيراً كان أم كبيراً.

стр. 2349

فائدة: كما تقدم: الأصل تحريم الرجوع في الهبة بعد القبض، ويستثنى من ذلك أمران: الأول: رجوع الأب في ما وهبه لأولاده. كما تقدم في الحديث السابق (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ). الثاني: من وهب هبة لغرض ولم يتحقق غرضه، جاز له الرجوع في هبته. لأن هذه الهبة ليست هبة محضة، بل فيها معنى المعاوضة، والفقهاء يسمونها: الهبة للثواب أي للعوض، فإذا لم يُثب من هبته، جاز له الرجوع فيها. ويدل لذلك ما روى مالك في "الموطأ" (١٤٧٧) أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَال (مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ: فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ: فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ؛ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يُرْضَ مِنْهَا). قال الألباني: " وهذا سند صحيح على شرط مسلم. (أن لا يُسقط حقه من الرجوع). هذا الشرط الأول من شروط رجوع الأب في هبته، أن لا يسقط حقه من الرجوع. كما لو قال: وهبتك هذه السيارة ولن أرجع فيها. (أن تكون باقية في ملكهِ). هذا الشرط الثاني من شروط رجوع الأب في هبته، أن تكون الهبة باقية في ملك الابن. فلو أن الأب وهب ابنه سيارة، ثم الابن وهبها أو باعها، فالأب في هذه الحالة لا يملك الرجوع، لأنه يلزم من رجوعه إبطال حق الغير.

стр. 2350

(وأن لا يتعلق بها حق الغير). هذا الشرط الثالث من شروط رجوع الأب في هبته، أن لا يتعلق بها حق للغير. كما لو رهنها الولد، لما في ذلك من إسقاط حق المرتهن. فائدة: ١ ومن الشروط التي ذكرها بعض العلماء: ألا يكون ما وهبه له نفقة: فلو أعطاه (١٠٠) ليشتري ثوباً، فهنا ليس للأب أن يرجع في هبته، لأنه رجوع في أمر واجب. فائدة: ٢ ومن الشروط: ألا يتعلق بها رغبة الغير للولد. مثال: وهب الأب ابنه ألف ريال، فرغب بعض الناس بهذا الولد فزوجوه مثلاً أو أصبح يجد من يقرضه، فهل للأب أن يرجع أم لا؟ فيه خلاف: قيل: ليس له أن يرجع. لأنه تعلق به حق لغير الابن، لما في ذلك من الإضرار بالناس، لأن الناس ربما يكونوا قد أقرضوه أو بايعوه. وقيل: للأب أن يرجع. لعموم الحديث السابق. وقيل: ليس له أن يرجع بقدر الرغبة، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. وهذا اختيار ابن تيمية. (مسائل مهمة في الهبة والهدية).

стр. 2351

فائدة: ٣ اختلف العلماء: هل الرجوع في الهبة خاصة بالأب، أم يجوز للأم أيضاً على قولين: القول الأول: ليس لها الرجوع. لأن الأب هو الذي يتملك من مال ولده دون الأم. القول الثاني: أن الأم لها الرجوع في هبتها لولدها. أ- لعموم قوله ﷺ ( … إلا الوالد فيما يعطي ولده). وجه الدلالة: أن لفظ الوالد يشمل الأم. ب-وكقوله ﷺ (واعدلوا بين أولادكم) فيدخل فيه الأم، فإنها مأمورة بالتسوية والعدل، والرجوع في الهبة طريق التسوية. ج-ولأنها دخلت في المعنى في حديث بشير فينبغي أن تدخل في جميع مدلوله؛ لقوله ﷺ (فأرجعه) أي: أن الهبة المذكورة كانت بمشورة من والدة النعمان كما سبق. د- أنها ساوت الأب في تحريم تفضيل بعض ولدها فينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضلته به تخليصاً لها من الإثم وإزالة التفضيل المحرم كالأب. فائدة: ٤ حكم تعليق الهبة وإضافتها إلى المستقبل؟ كأن يقول الرجل: وهبتك هذا المال إن قدم زيد، على قولين: قيل: لا يصح. وهذا قول الجمهور. قالوا: إن الهبة عقد تمليك، وعقود التمليك لا تقبل التعليق كالبيع. قال ابن حزم: وَلَا تَجُوزُ الْهِبَةُ بِشَرْطٍ أَصْلاً.

стр. 2352

وقال ابن قدامة: لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْهِبَةِ بِشَرْطٍ; لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِمُعَيَّنٍ فِي الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ، كَالْبَيْع. وقيل: يصح. وهذا مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية. لعدم الدليل الذي يمنع من ذلك، والأصل في المعاملات الصحة والجواز. فائدة: ٥ قال ابن قدامة: فَأَمَّا الْهِبَةُ مِنْ الصَّبِيِّ لِغَيْرِهِ، فَلَا تَصِحُّ، سَوَاءٌ أَذِنَ فِيهَا الْوَلِيُّ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَظِّ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ، كَالسَّفِيهِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَهَبَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لِسَيِّدِهِ، وَمَالُهُ مَالٌ لِسَيِّدِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِهِ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، كَالْأَجْنَبِيِّ. (المغني) فائدة: ٦ اختلف الفقهاء في هبة الهازل على قولين: قيل: هبته صحيحة. وهذا مذهب الحنفية. وقيل: لا تصح. وهذا مذهب الحنابلة.

стр. 2353

فائدة: ٧ فهل تبطل الهبة بموت الواهب قبل القبض؟ في ذلك خلاف بين الفقهاء. مذهب الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة: أنها تبطل. ومذهب الشافعية والحنابلة: أنها لا تبطل، لكن يقوم الورثة مقام الواهب، فيحق لهم الإذن في الهبة أو الرجوع فيها. قال في (الإنصاف) قوله (وإن مات الواهب: قام وارثه مقامه في الإذن والرجوع) هذا المذهب … جاء في (الموسوعة الفقهية) اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْعَقْدِ إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ أَوِ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْل قَبْضِهَا. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوِ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْل الْقَبْضِ لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ، لأِنَّهُ يَئُول إلَى اللُّزُومِ، وَيَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْل الْقَبْضِ بَطَل الْعَقْدُ، أَمَّا إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ فَلَا تَبْطُل الْهِبَةُ، وَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الإْقْبَاضِ أَوِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَة. فائدة: ٨ المقولة المشهورة بين كثير من الناس: " الهدية لا تُهدى ولا تُباع" مقولة غير صحيحة، ومخالفة للشرع، بل من تملَّك هدية بطريق شرعي فإن له الحق في التصرف بها بيعاً وإجارة وإهداءً ووقفاً، ولا حرج عليه في ذلك، ومن منع شيئاً من ذلك لم يُصب، وقد جاء في السنَّة النبوية الصحيحة ما يدل على هذا. أولاً: عن عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَ حَرِيرٍ، فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا، فَقَالَ: (شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِم). متفق عليه "أُكَيْدِرَ دُومَةَ": هو أكيدر بن عبد الملك الكندي، واختلف في إسلامه والأكثر على أنه لم يُسلم. " الخُمُر": جمع خمار.

стр. 2354

"الفواطم": هن ثلاث: فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وفاطمة بنت أسد، وهي أم علي بن أبي طالب، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب. وفي الحديث أن النبيَّ ﷺ أهدى ما أُهدي إليه، وعليه: فهو يدل على بطلان من منع من إهداء الهدية. ثانياً: وعن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ قَالَ: (أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ، فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قُلْتَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ، وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ الْجُبَّةِ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ). رواه البخاري ومسلم وفي الحديث نصٌّ على جواز بيع الهدية، حيث قال النبي ﷺ لعمر في الهدية التي أهداه إياها: " تبيعها ". ثالثاً: وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ الْقَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: بِعْنِيهِ. قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: بِعْنِيهِ. فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ) رواه البخاري.

стр. 2355

(بَكر): ولد الناقة أول ما يُركب. (صعب) كثير النفور. فقول الرسول ﷺ لعبد الله بن عمر: هُوَ لَكَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ يدل على أن من أهدي إليه شيء فقد صار ملكاً له، يتصرف فيه كما يشاء، بالبيع أو الهدية أو غير ذلك. فصل (ويجب أن يعدل في عطية أولاده بقدر إرثهم). أي: يجب على الوالد أن يسوي في عطية أولاده، ويحرم التفضيل. فلا يجوز أن يعطي الولد دون البنت، أو البنت دون الولد، أو ولد دون ولد. وإلى هذا ذهب الحنابلة، والظاهرية. أ- لحديث النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ (تَصَدَّقَ عَلَىَّ أَبِى بِبَعْضِ مَالِهِ فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقَ أَبِى إِلَى النَّبي ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ». قَالَ لَا. قَالَ «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ». فَرَجَعَ أَبِى فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ) ق. ولمسلم (. . . قال: فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِى - ثُمَّ قَالَ - أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً». قَالَ بَلَى. قَالَ «فَلَا إِذًا). وفي رواية (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا». قَالَ نَعَمْ. فَقَالَ «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا». قَالَ لَا. قَالَ «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ).

стр. 2356

وجه الدلالة من وجوه: الأول: أمره بالعدل والأمر يقتضي الوجوب. الثاني: بيانه أن تفضيل أحدهم أو تخصيصه دون الباقين ظلم وجور، إضافة إلى امتناعه عن الشهادة عليه وأمره برده وهذا كله يدل على تحريم التفضيل. ب- واستدلوا أيضا بحجج عقلية: فمنها: ما ذكره ابن حجر في (فتح الباري) حيث قال ﵀: ومن حجة من أوجب: أن هذا مقدمة الواجب لأن قطع الرحم والعقوق محرمان فما يؤدي إليهما يكون محرما والتفضيل مما يؤدي إلى ذلك ". ويؤيد ذلك ما جاء في لفظ عند مسلم (قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ثُمَّ قَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً قَالَ بَلَى قَالَ فَلَا إِذًا). ومنها: أن تفضيل بعضهم على بعض يورث العداوة والبغضاء فيما بينهم، وأيضاً فيما بينهم وبين أبيهم فمنع منه. واختار هذا القول: ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية، والشوكاني، والشيخ صديق حسن خان. قال الشوكاني: وبه صرح البخاري، وهو قول طاووس والثوري وأحمد وإسحاق وبعض المالكية. وذهب بعض العلماء إلى أن التسوية مستحبة غير واجبة، والتفضيل مكروه. وهذا مذهب الجمهور.

стр. 2357

قال النووي: فَلَوْ فَضَّلَ بَعْضهمْ، أَوْ وَهَبَ لِبَعْضِهِمْ دُون بَعْض، فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبِي حَنِيفَة: أَنَّهُ مَكْرُوه وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَالْهِبَة صَحِيحَة، وَقَالَ طَاوُسٌ وَعُرْوَة وَمُجَاهِد وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَدَاوُد: هُوَ حَرَام. (شرح مسلم). وعلى هذا القول: فلو أعطى ولداً ولم يعط الآخر، فلا يحرم، وإذا أعطى ولداً دون بنت، فلا يحرم. واستدلوا بقوله ﷺ (سووا بينهم). وحملوا الأمر في حديث الباب على الاستحباب. - وأجابوا عن حديث النعمان بن بشير بأجوبة كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري: منها: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، حكاه ابن عبد البر. وتعقب: بأن كثيراً من طرق الحديث مصرحة بالبعضية، كما في قوله (تصدق علي أبي ببعض ماله).

стр. 2358

ومنها: أن العطية المذكورة لم تنجز، وإنما جاء بشير يستشير النبي ﷺ في ذلك فأشار عليه بأن لا يفعل فترك. وتعقب: بأن أمر النبي ﷺ له بالارتجاع يشعر بالتنجيز. ومنها: أن قوله ﷺ : (أشهد على هذا غيري) إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد لأن الإمام ليس من شأنه أن يحكم. وتعقب: أن الإذن المذكور المراد به التوبيخ، لما تدل عليه بقية الروايات. وغيرها من الأجوبة الضعيفة. والراجح الوجوب وتحريم التفضيل. فائدة: إذا تقرر وجوب العدل في عطية الأب، فهل يجري الحكم في حق الجد، بمعنى هل يجب على الجد أن يعدل في الهبة بين أحفاده أم لا يجب عليه العدل؟ الذي عليه جمهور العلماء أن ذلك مستحب غير واجب. قال ابن قدامة: وجبت التسوية بين الأولاد بالخبر وليس غيرهم في معناهم؛ لأنهم استووا في وجوب بر والدهم فاستووا في عطيته، وبهذا علل النبي ﷺ حين قال: (أيسرك أن يستووا في برك؟)، قال: نعم، قال: (فسوّ بينهم) ولم يوجد هذا في غيرهم … ولأن الأولاد لشدة محبة الوالد لهم، وصرف ماله إليهم عادة يتنافسون في ذلك. (المغني).

стр. 2359

قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فإن قال قائل: وهل يشمل ذلك الجد، يعني لو كان له أولادُ أولادٍ، فهل يجب أن يُعَدِّل بينهم؟ الجواب: الظاهر أنه لا يجب؛ لأن قوة الصلة بين الأب وابنه، أقوى من قوة الصلة بين الجد وأبناء أبنائه، لكن لو كان هناك خوف من قطيعة رحم، فيتجه مراعاتهم بأن يعطي من يعطي على وجه السر. (الشرح الممتع). (بقدر إرثهم). أي: إذا أعطى أولاده عطية قسمها بينهم على قدر إرثهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم. أ-لقوله ﷺ (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). قالوا: ولا أحد أعدل من الله، حيث قال (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن). ب- ولأن حاجة الأنثى ليست كحاجة الذكر. قال ابن قدامة ﵀: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالتَّسْوِيَةُ الْمُسْتَحَبَّةُ أَنْ يُقَسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْمِيرَاثَ، فَيَجْعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَشُرَيْحٌ، وَإِسْحَاقُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. قَالَ شُرَيْحٌ لِرَجُلٍ قَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ وَلَدِهِ: اُرْدُدْهُمْ إلَى سِهَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَرَائِضِهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَا كَانُوا يُقَسِّمُونَ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. لأَنَّ اللَّهِ تَعَالَى قَسَّمَ بَيْنَهُمْ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَأَوْلَى مَا اقْتَدَى بِقِسْمَةِ اللَّهِ، وَلِأَنَّ الْعَطِيَّةَ فِي الْحَيَاةِ أَحَدُ حَالَيْ الْعَطِيَّةِ، فَيُجْعَلُ لِلذَّكَرِ مِنْهَا مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، كَحَالَةِ الْمَوْتِ. يَعْنِي الْمِيرَاث. (المغني).

стр. 2360

قال ابن تيمية: ويجب التعديل في عطية أولاده على حسب ميراثهم. وهو مذهب أحمد. فإذا أعطى الذكر [١٠] أعطى الأنثى [٥]. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يعطي الأنثى قدر الذكر. فإذا أعطى الذكر [١٠] يعطي الأنثى [١٠]. وهذا مذهب الجمهور. لأن النبي ﷺ قال لبشير بن سعد (سوِّ بينهم)، وعلل ذلك بقوله (أيسرك أن يستووا في برك؟ قال: نعم، قال: فسوِّ بينهم). والبنت كالابن في استحقاق برها، وكذلك في عطيتها. لقوله ﷺ (سووا بينهم). والراجح الأول. (والأم كالأب). أي: والأم كالأب في التسوية بين أولادها في العطية، فيجب عليها العدل في العطية لأولادها. قال ابن قدامة: وَالأُمُّ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الأَوْلادِ كَالأب. أ- لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (اتَّقُوا اللَّهِ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ). ب- وَلأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ، فَمُنِعَتْ التَّفْضِيلَ كَالأَبِ. ج- وَلأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِتَخْصِيصِ الأَبِ بَعْضَ وَلَدِهِ مِنْ الْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ، يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي تَخْصِيصِ الأُمِّ بَعْضَ وَلَدِهَا، فَثَبَتَ لَهَا مِثْلُ حُكْمِهِ فِي ذَلِك. (المغني).

стр. 2361

(فإنْ فضّل بعضَهم سوّى بينهم برجوع أو زيادة). أي: إن فضل أو خص بعض الأولاد على بعض سوى بينهم. التفضيل: أن يعطي بعضهم [١٠٠] والآخر يعطيه [٥٠]. التخصيص: أن يعطي أحدهم [١٠٠] والآخر لا يعطه شيئاً، فهنا يجب التعديل. فإذا أعطى أحدهم [١٠٠] والآخر [٥٠] فيجب التعديل، ويكون كالتالي: أولاً: أن يأخذ من صاحب المائة خمسين. (هذا برجوع). ثانياً: أن يعطي صاحب الخمسين خمسين أخرى. (هذا بزيادة). ثالثاً: أن يأخذ من صاحب المائة خمس وعشرين يضعها على الناقص، فيكون نصيب كل واحد منهم خمس وسبعون. قال ابن قدامة: … أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ، وَإِذَا لَمْ يَخْتَصَّ أَحَدُهُمْ بِمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِعَطِيَّتِهِ، أَوْ فَاضَلَ بَيْنَهُمْ فِيهَا أَثِمَ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ مَا فَضَّلَ بِهِ الْبَعْضَ، وَإِمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الْآخَرِ. (المغني) (فإن ماتَ قبلَهُ ثبتت). أي: إن مات قبله (أي قبل التسوية) ثبتت العطية. يعني إذا مات الأب الذي فضل بعض الأولاد قبل أن يسوي ثبتت العطية. وبهذا قال الجمهور. قالوا: لأن المطالب بالرجوع الأب وقد مات. ولقول أبي بَكْرٍ ﵁، لِعَائِشَةَ، لَمَّا نَحَلَهَا نِحَلًا: وَدِدْت لَوْ أَنَّك كُنْت حُزْتِيهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَازَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ: لَا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةً يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَالِدِ وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لِوَلَدِهِ فَلَزِمَتْ بِالْمَوْتِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ.

стр. 2362

وذهب بعض العلماء: أن الوالد إذا مات وقد فضّل بعض أولاده بعطية فإنها لا تثبت له، وللباقين الرجوع. واختاره ابن تيمية. وبهذا قال الظاهرية. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى ذَلِكَ جَوْرًا بِقَوْلِهِ (لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ) وَالْجَوْرُ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ لِلْفَاعِلِ فِعْلُهُ، وَلَا لِلْمُعْطَى تَنَاوُلُهُ. وَالْمَوْتُ لَا يُغَيِّرُهُ عَنْ كَوْنِهِ جَوْرًا حَرَامًا، فَيَجِبُ رَدَّهُ. وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَمَرَا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، أَنْ يَرُدَّ قِسْمَةَ أَبِيهِ حِينَ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ، وَلَا أَعْطَاهُ شَيْئًا، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ سَعْد. (المغني). وهذا الراجح. فائدة: ذهب بعض العلماء إلى أن التفضيل إذا كان لسبب شرعي، فإنه يجوز. واختار هذا القول ابن قدامة، وابن تيمية. واستدل هؤلاء بما رواه مالك في الموطأ بسنده عن عائشة ﵄ الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا أَبَتِ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ فَمَنْ الأُخْرَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أُرَاهَا جَارِيَة). قال ابن حجر في الفتح (٥/ ٢١٥) إسناده صحيح.

стр. 2363

ووجه الدلالة منه ما ذكره ابن قدامة: " يحتمل أن أبابكر خصها بعطية لحاجتها وعجزها عن الكسب، مع اختصاصها بالفضل وكونها أم المؤمنين وغير ذلك من فضائلها. وأجيب عنه بما ذكره الحافظ في الفتح (٥/ ٢١٥) قال: "قد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك " قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لا يجوز للإنسان أن يفضل بعض أبنائه على بعض إلا بين الذكر والأنثى فإنه يعطي الذكر ضعف ما يعطي الأنثى لقول النبي ﷺ (اتقوا الله واعدلوا في أولادكم) فإذا أعطى أحد أبنائه ١٠٠ درهم وجب عليه أن يعطي الآخرين مائة درهم ويعطي البنات ٥٠ درهما، أو يرد الدراهم التي أعطاها لابنه الأول ويأخذها منه، وهذا الذي ذكرناه في غير النفقة الواجبة، أما النفقة الواجبة فيعطي كلا منهم ما يستحق فلو قدر أن أحد أبنائه احتاج إلى الزواج، وزوجه ودفع له المهر لأن الابن لا يستطيع دفع المهر فإنه في هذه الحال لا يلزم أن يعطي الآخرين مثل ما أعطى لهذا الذي احتاج إلى الزواج ودفع له المهر لأن التزويج من النفقة، وأود أن أنبه على مسألة يفعلها بعض الناس جهلا؛ يكون عنده أولاد قد بلغوا النكاح فيزوجهم، ويكون عنده أولاد آخرون صغار، فيوصي لهم بعد موته بمثل ما زوج به البالغين وهذا حرام لا يجوز لأن هذه الوصية تكون وصية لوارث والوصية لوارث محرمة لقوله ﷺ : " إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". أخرجه بهذا اللفظ أبوداود (٣٥٦٥) والترمذي (٢/ ١٦) وغيرهما؛ وحسن الألباني الإسناد بهذا اللفظ، وصحح لفظ " لا وصية لوارث " في الإرواء (٦/ ٨٧).

стр. 2364

فإن قال أوصيت لهم بهذا المال لأني قد زوجت إخوتهم بمثله فإننا نقول إن بلغ هؤلاء الصغار النكاح قبل أن تموت فزوجهم مثلما زوجت إخوتهم فإن لم يبلغوا فليس واجبا عليك أن تزوجهم. قال الشيخ ابن عثيمين: وهنا مسألة: لو كان لرجل عدة أبناء منهم الذي بلغ سن الزواج فزوجه، ومنهم الصغير فهل يجوز لهذا الرجل أن يوصي بشيء من ماله يكون مهرا للأبناء الصغار لأنه أعطى أبناءه الكبار؟ الجواب: لا يجوز للرجل إذا زوج أبناءه الكبار أن يوصي بالمهر لأبنائه الصغار، ولكن يجب عليه إذا بلغ أحد من أبنائه سن الزواج أن يزوجه كما زوج الأول. أما أن يوصي له بعد الموت فإن هذا حرام. وقال ابن عثيمين أيضاً: الزواج من النفقة فمن احتاجه من الأولاد قام الوالد بحاجته فيه، ومن لم يحتجه فإنه لا يجوز له أن يعطيه شيئا، وعلى هذا فإذا كان للإنسان ثلاثة أبناء وزوج اثنين منهم في حياته، وبقي الصغير لم يصل إلى حد الزواج، ثم إن هذا الأب أوصى للصغير بمقدار المهر الذي أعطاه أخويه، فإن ذلك حرام، والوصية باطلة، فإذا مات فإن هذه الوصية ترد في التركة، إلا أن يسمح عنه بقية الورثة لقول النبي ﷺ (لا وصية لوارث). (وللأب أن يتملك من مال ولده، إن حازه، ولم تتعلق حاجة الابن به). أي: للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء. أ- لحديث جابر. قال: قال ﷺ (أنت ومالك لأبيك) رواه ابن ماجه. ب- ولحديث عائشة. قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ) رواه الترمذي. - وقوله (من مال ولده) يشمل الذكر والأنثى، والمراد الولد لصلبه. وهذا مذهب الحنابلة.

стр. 2365

قال ابن قدامة: وَلِأَبٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ، وَيَتَمَلَّكَهُ، مَعَ حَاجَةِ الْأَبِ إلَى مَا يَأْخُذُهُ، وَمَعَ عَدَمِهَا، صَغِيرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ كَبِيرًا، بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُجْحِفَ بِالِابْنِ، وَلَا يَضُرَّ بِهِ، وَلَا يَأْخُذَ شَيْئًا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ فَيُعْطِيَهُ الْآخَرَ. (المغني). وذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس للأب أن يتملك من مال ولده إلا بإذنه أو بقدر حاجته. أ- لقوله ﷺ (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام … ) متفق عليه. وهذا عام يشمل الولد وغيره. ب- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ إِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِه) متفق عليه. ج- ولأن ملك الولد تام على ماله، فلم يجز انتزاعه منه. وجاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَالِدَ لا يَأْخُذُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ شَيْئًا إِلا إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ وَيَتَمَلَّكُهُ مَعَ حَاجَةِ الأَبِ إِلَى مَا يَأْخُذُهُ وَمَعَ عَدَمِهَا، صَغِيرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ كَبِيرًا بِشَرْطَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ لا يُجْحِفَ بِالابْنِ وَلا يَضُرَّ بِهِ، وَلا يَأْخُذَ شَيْئًا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ. الثَّانِي: أَنْ لا يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ فَيُعْطِيهِ وَلَدَهُ الآخَرَ. فائدة: هل للأم أن تتملك من مال ولدها؟ قيل: ليس لها ذلك. لأن الخبر ورد في الأب لقوله (أنت ومالك لأبيك). وقيل: أن لها التملك كالأب. والأول أرجح.

стр. 2366

• لكن لتملك الأب من مال ولده شروط هي: الأول: أن يحوز المال. والحيازة أن يضم الإنسان إلى نفسه شيئاً ويضع يده عليه، والمراد هنا: أن يقبض المال ليصح تصرفه فيه ببيع أو هبة، فإن تصرف قبل حيازته لم يصح تصرفه، لأنه لا يملكه إلا بالقبض. الثاني: ألا تتعلق حاجة الابن بهذا المال. فإن تعلقت حاجته به لم يجز للأب أن يتملكه. لأن حاجة الإنسان مقدمة على دَينه، فلأن تقدم على أبيه بطريق الأولى. مثال الحاجة: ألا يكون عنده غير هذا المال، كسيارة يركبها، أو بيت يسكنه. وقد قال ﷺ (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجه. ومن باب أولى لو كان هذا الأمر يضر بالابن، فلا يجوز أن يتملك. الثالث: أن لا يكون وسيلة للتفضيل. فإذا كان الأب يمنع أن يخصص أحد أولاده من ماله، فكذلك يمنع كونه يتملكه من ابنه زيد ويعطيه عمراً، فهذا ممنوع من باب أولى. الرابع: أن لا يكون في مرض أحدهما المخوف. لأن الإنسان إذا مرض مرضاً مخوفاً لا يملك من ماله إلا الثلث، فهذا هو الذي يملك أن يتبرع به، وعلى هذا إذا مرض الأب مرضاً مخوفاً فليس له أن يتملك الآن، كذلك الابن إذا مرض مرضاً مخوفاً فليس للأب أن يتملك، لأننا لو قلنا يتملك، لكان تملك مال غيره، لأن هذا المال للورثة لانعقاد سبب الإرث.

стр. 2367

(وليس للولد مُطالبة أبيه بدينٍ ونحوه). أي: لا يملك الولد أن يطالب والده بدين ونحوه. لقول النبي ﷺ (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم). ولأنه إذا جاز أن يتملك من ماله فإنه لا يجوز للولد أن يطالبه بدَينه. مثال ذلك: استقرض الأب من ابنه عشرة آلاف ريال، فليس للولد أن يقول: يا أبتِ أعطني الدَّين، وليس له أن يطالبه، ولكن له أن يُعَرِّض ويقول: يا أبت أنا محتاج، وأنت قد أغناك الله. فائدة: ١ إذا كان سبب الدين النفقة فإنه يجوز أن يطالب والده، لأنها واجبة على الأب. فائدة: ٢ وهل له أن يطالب أمه بدينه؟ الصحيح أنه لا يملك أن يطالب أمه. لقول النبي ﷺ وقد سئل من أحق الناس بحسن صحبتي؟ فقال (أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك). وهذا صريح في أنه إذا كان لا يملك مطالبة أبيه فعدم مطالبته أمه من باب أولى، وهل من البر أن يقود أمه عند رُكَبِ القضاة؟! أبداً ليس من البر، هذا مستهجن شرعاً وعادة. (الشرح الممتع).

стр. 2368

فائدة: ٣ لا تجب التسوية بين الأقارب. فالأخ لا يجب أن يسوي بين إخوانه. لأن النص إنما ورد في الأولاد. ولأن الأصل براءة الذمة وعدم وجوب التسوية. فصل في تبرعات المريض (والمرض غير المخوف تبرع صاحبهِ نافذ في جميع ماله، وتبرعات المريض مرض المخوف، أو كالمخوف، كحالة التحام الحرب، وهيجان البحر، والطاعون، ومن قُدّم ليُقتل، إذا اتصل بهم الموت، حكمه حكم الوصية، فلا تنفذ إلا في الثلث فأقل، إلا بإجازة الورثة). هذا الفصل خاص بتبرعات المريض مرضاً مخوفاً. والمرض المخوف: هو كل ما يخشى منه الهلاك عرفاً، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان. والمرض ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: المرض غير المخوف. هذا حكمه حكم الصحيح، فللإنسان أن يتبرع من كل ماله. جاء في (الملخص الفقهي) … مرض غير مخوف، أي: لا يخاف منه الموت في العادة، كوجع ضرس، وعين، وصداع يسير؛ فهذا القسم من المرض يكون تصرف المريض فيه لازماً كتصرف الصحيح، وتصح عطيته من جميع ماله، ولو تطور إلى مرض مخوف ومات منه، اعتبارًا بحاله حال العطية، لأنه في حال العطية في حكم الصحيح.

стр. 2369

القسم الثاني: المرض مرضاً مخوفاً (يخشى منه الهلاك). ومن كان في حكمه كالواقف بين الصفين، ومن قدم ليقتل قصاصاً وكراكب البحر حال هيجانه. فهذا ليس له من ماله تبرعاً إلا الثلث (كأنه مات). وحكمه: حكم الوصية. فلا تجوز بزيادة على الثلث ولا لوارث بشيء ولو أقل من الثلث إلا بإجازة الورثة. لحديث ابن عمر (أن رجلاً أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم النبي ﷺ فجزأهم أثلاثاً، فأعتق اثنين وأرق أربعة) رواه مسلم. فائدة: ١ مرض الموت: هو كل مرض يكون الغالب منه الموت. وهذا قول الجمهور. وقيل: ما يكثر حصول الموت منه، وإن لم يكن غالباً. قال الشيخ ابن عثيمين: فالمرض المخوف هو الذي إذا مات به الإنسان لا يعد نادراً، أي: لا يستغرب أن يموت به الإنسان، وقيل: ما يغلب على الظن موته به، وغير المخوف هو الذي لو مات به الإنسان لكان نادراً. … (الشرح الممتع) فائدة: ٢ فالعطية في مرض الموت المخوف حكمها حكم الوصية. هذا قول جمهور العلماء. في أنها تنفذ في الثلث فما دونه لأجنبي، وتقف على إجازة الورثة فيما زاد عليه، أو لوارث بشيء. مثال: لو أن شخصاً وهو في مرض الموت تبرع بنصف ماله، نقول: ليس لك أن تتبرع إلا بالثلث إلا أن يجيز الورثة.

стр. 2370

فائدة: ٣ يستثنى من ذلك عدة أمور: أي: أن حكم العطية في مرض الموت حكم الوصية، ويستثنى من ذلك أربعة أحكام، تخالف فيها العطية الوصية: أولاً: كونها لازمة، فلا رجوع فيها. هذا الفارق الأول، وهو أن العطية بعد قبضها تكون لازمة، فلا يملك المعطي الرجوع، وتنتقل إلى المعطى في الحياة ولو كثرت، بخلاف الوصية فليست لازمة، فله الرجوع فيها متى شاء. ثانياً: ويُبدأ بالأول عند ضيق ثُلثهِ. هذا الفارق الثاني، وهو أن العطايا إذا كانت في أزمنة مختلفة وعجَز الثلث عن جميعها بُدئ بالأول فالأول، لأن الأول في العطية راجح على ما بعده، لسبقه له في الاستحقاق، والوصية بخلاف ذلك، فيُسوَى فيها بين الأول والآخر. مثال: قال: زيد يعطى خمسون ألف وعمرو يعطى خمسون ألف وبكر يعطى خمسون ألف فلما مات الثلث مائة ألف وهذه عطاباً، ماذا نعمل؟ في العطية نبدأ بالأول فالأول، فنعطي زيداً خمسون وعمرواً خمسون وبكراً ليس له شيء انتهى الثلث استغرق الثلث زيد وعمرو، هذا بالنسبة للعطية، وأما بالنسبة للوصية لا تقدم بعضهم على بعض حتى لو سبقت وصية أحدهما على الآخر. ثالثاً: أن العطية تنفذ من حينها. هذا الفارق الثالث، وهو أن قبول العطية ينفذ من حين التبرع، وهو حال حياة المعطي، لأنها تصرف في الحال، بخلاف الوصية، فلا حكم لقبولها أو ردها إلا بعد موت الموصِي.

стр. 2371

رابعاً: أن العطية يعتبر قبولها وردها عند وجودها قبل موت المعطي. هذا الفارق الرابع، أن العطية يعتبر قبولها وردها عند وجودها قبل موت المعطي، بخلاف الوصية، فلا يعتبر قبولها ولا ردها إلا بعد موت الموصِي. فائدة: ٤ لو أن شخصاً وهو في مرض الموت تبرع بنصف ماله، نقول: ليس لك أن تتبرع إلا بالثلث إلا أن يجيز الورثة كما تقدم. فنقول للورثة: هذا مورثكم أبوكم تبرع بنصف المال، هل تجيزونه أو لا؟ إن أجازوه نفذ وإن لم يجيزوه لا ينفذ إلا ثلث المائتين فقط. تنبيه: لو مرض مرضاً من الأمراض المخوفة، وقد تبرع بنصف ماله، ثم عافاه الله ، قال: فهل ينفذ الثلث أم ينفذ جميع ما تبرع به (النصف)؟ قال: أنا تبرعت كنت أظن أنه مرض موت وسوف أموت، لا ينفذ مني إلا الثلث، نقول له: هذا شيء أخرجته لا يجوز أن ترجع فيه. فائدة: ٥ ويعتبر ثلثه عند موته. فهو كما تقدم لا يملك أن يتبرع إلا بالثلث، والمعتبر عند الموت لا عند التبرع. مثال: أن هذا الشخص تبرع بمائة ألف، وعنده ثلاثمائة ألف تبرع بالثلث وهو مريض مرض مخوف، وقال: ثلثي أخرجته لله وقف مسجداً وعنده من المال ثلاثمائة ألف يكون ثلثه مائة ألف، قبل أن يموت جاءته مكاسب وأصبحت الشركة ستمائة ألف أصبح الثلث مائتي ألف فنعتبر حين الموت لا نعتبر حين التبرع. فائدة: ٦ الحكمة لا ينفذ إلا الثلث: لأنه في حال المرض المخوف يغلب موته به، فكانت عطيته من رأس المال تجحف بالوارث، فردت إلى الثلث كالوصية.

стр. 2372

كتاب العتق تعريفه. الْعِتْقُ فِي اللُّغَةِ: الْخُلُوصُ. وَمِنْهُ عَتَاقُ الْخَيْلِ وَعِتَاقُ الطَّيْرِ، أَيْ خَالِصَتُهَا، وَسُمِّيَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ عَتِيقًا؛ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وَتَخْلِيصُهَا مِنْ الرِّقِّ. يُقَالُ: عَتَقَ الْعَبْدُ، وَأَعْتَقْته أَنَا، وَهُوَ عَتِيقٌ، وَمُعْتَقٌ. - سواء كان التخليص من مالك أو من غيره. من مالك: كأن يكون عنده رقاب فأعتقها. أو من غيره: كما لو اشترى رقبة وأعتقها. - وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَكُّ رَقَبَةٍ). وَأَمَّا السُّنَّةُ: الحديث الآتي، فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذَا. وَأَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى صِحَّةِ الْعِتْقِ، وَحُصُولِ الْقُرْبَةِ بِهِ. (المغني).

стр. 2373

(وهو من أفضلِ القُرَبِ). أي: العتق من أعظم القرب التي يتقرب بها إلى الله، وهو من أفضل العبادات. قال ابن قدامة: وَالْعِتْقُ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. أ-لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ كَفَّارَةً لِلْقَتْلِ، وَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ وَالْأَيْمَانِ. ب- وَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِكَاكًا لِمُعْتِقِهِ مِنْ النَّارِ. ج- وَلِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا لِلْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ وَمِلْكَ نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ، وَتَمَكُّنَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ، عَلَى حَسْبِ إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ. (المغني). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ) متفق عليه وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ (وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ اِمْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ، كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ). وَلِأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ (وَأَيُّمَا اِمْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ اِمْرَأَةً مُسْلِمَةً، كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ اَلنَّارِ). [أيما أمرى مسلم] هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري (أيما رجل). [مسلم] يخرج الكافر، [مسلمة] هذا قيد في الرقبة المعتقة، فهذه الفضيلة لا تنال إلا بعتق الرقبة المسلمة. [(أعتق الله) وفي رواية: استنقذ الله منه] أي وقى وأنقذ وخلص. [بكل عضو منه] أي من المعتَق [عضواً منه] أي من المعتِق. [فكاكه] أي: خلاصه. فالحديث دليل على فضل عتق الرقاب وتخليصها من الرق وأن ذلك من أجل الطاعات وأعظم القربات، لأنه من أسباب العتق من النار. وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه) رواه أحمد. وهذا الفضل - والله أعلم - لكون الرقيق قبل العتق كان في حكم المعدوم، إذ لا تصرف له في نفسه، بل هو يُتصرف فيه.

стр. 2374

(وأفضلها أنفسها عند أهلها). أي: أفضل الرقاب للعتق أنفسها عند أهلها، وأغلاها ثمناً. لحديث أبي ذر. قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ: «الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ». قَالَ قُلْتُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَناً» رواه مسلم. [أي الرقاب أفضل؟] المراد بالرقبة الرقيق، وسمي رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، والمعنى: أي المماليك أحب في العتق إلى الله. [أعلاها ثمناً] أي: أكثرها ثمناً. [وأنفسها عند أهلها] أي: أكرمها عند أهلها وأغلاها عندهم. فالحديث دليل على أن أفضل الرقاب التي يراد إعتاقها ما كان أكثرها قيمة وأكثرها نفاسة عند أهلها لحسن أخلاقها وكثرة منافعها، والنفس إذا جادت بالنفيس دل هذا على قوة إيمانها لقوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). قال النووي: قوله ﷺ في الرقاب (أفضلها أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً) فالمراد به والله أعلم إذا أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما اذا كان معه ألف درهم وأمكن أن يشترى بها رقبتين مفضولتين أو رقبة نفيسة مثمنة فالرقبتان أفضل وهذا بخلاف الأضحية فان التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها في السمن.

стр. 2375

(يستحب عتق من له كسب، ويكره إن كان لا قوة له). الأصل في العتق الاستحباب، لكن يكون مستحباً ويكون مكروهاً. يكون مستحباً: إذا كان المعتَق قادر على التكسب المباح. ويكون مكروهاً: إذا كان لا قدرة له على التكسب، كأن يكون كبيراً، أو مرضاً، أو ضعيفاً. لأنه سيكون عالة على غيره. ويكون حراماً: إن علم منه أنه سيقع في الزنا، أو في الحرام، أو التكسب عن طريق الحرام. قال ابن قدامة: وَالْمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ لَهُ دِينٌ وَكَسْبٌ يَنْتَفِعُ بِالْعِتْقِ. فَأُمًّا مَنْ يَتَضَرَّرُ بِالْعِتْقِ، كَمَنْ لَا كَسْبَ لَهُ، تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ عَنْ سَيِّدِهِ، فَيَضِيعُ، أَوْ يَصِيرُ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْمَسْأَلَةِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ عِتْقُهُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَالرُّجُوعُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ، كَعَبْدٍ يُخَافُ أَنَّهُ إذَا أُعْتِقَ وَاحْتَاجَ سَرَقَ، وَفَسَقَ، وَقَطَعَ الطَّرِيقَ أَوْ جَارِيَةٍ يُخَافُ مِنْهَا الزِّنَى وَالْفَسَادُ، كُرِهَ إعْتَاقُهُ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إفْضَاؤُهُ إلَى هَذَا، كَانَ مُحَرَّمًا؛ لِأَنَّ التَّوَسُّلَ إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ. (المغني).

стр. 2376

(ويحصل العتق: بالقول: وهو لفظ العتق وما في معناه). أي: ويحصل العتق بالصيغة القولية، وهي نوعان: صريح وكناية. أ- الصريح: ما لا يحتمل إلا العتق، مثل: أعتقتك، حررتك، أنت عتيق، أنت حر. لِأَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَرَدَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْعِتْقِ عُرْفًا، فَكَانَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ، فَمَتَى أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، حَصَلَ بِهِ الْعِتْقُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، عَتَقَ أَيْضًا. (المغني). ب- الكناية: كل لفظ يحتمل المعنى وغيره. أي: يحتمل العتق ويحتمل غيره، فلا يقع العتق به إلا بالنية. قال ابن قدامة: وَأَمَّا الْكِنَايَةُ، فَنَحْوُ قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك، وَأَنْتَ سَائِبَةٌ، وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْت، وَقَدْ خَلَّيْتُك. فَهَذَا إنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ، عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ بِهِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ. وَلَمْ يَرِدْ بِهِ كِتَابٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا عُرْفُ اسْتِعْمَالٍ. (المغني). إذاً: الفرق بينهما: أن الصريح لا يحتاج إلى نية، والكناية يحتاج إلى نية. قال ابن قدامة: وَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ، فَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، كَسَائِرِ الْإِزَالَةِ.

стр. 2377

(وبالملك، فمن ملك ذا رَحِم محرَّمٍ من النسب عتق عليه). أي: ويحصل العتق بملك ذا رحم. لحديث سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرّ) رواه أبو داود. [من ملك] عام يدخل فيه من ملك ذا رحم بالشراء أو بالهبة أو بالغنيمة أو أي نوع من أنواع الملك. [ذا رحِم] الرحم اسم لكل من بينك وبينه قرابة نسب توجب تحريم النكاح، ولهذا قال العلماء: ذو الرحم: هو القريب الذي يحرم نكاحه لو كان أحدهما رجلاً والآخر أنثى .. كالأخ والعم والخال وابن الأخ. [فهو حر] أي يعتق على مالكه بسبب ملكه له. فالحديث دليل على أن ملك من بينه وبينه رحِم محرمة للنكاح فإنه يعتق عليه بمجرد ملكهِ له فيكون حراً، فإذا ملك أباه أو أمه أو أخته أو خالته، ملكها بشراء أو بهبة أو بغنيمة فإنه بمجرد دخوله في ملكه فإنه يعتق عليه، فيدخل في الحديث الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأخوال والخالات، والأعمام والعمات لا أولادهم، لأنهم ليسوا من ذي الرحِم المحرّم. قال ابن قدامة: ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ: الْقَرِيبُ الَّذِي يَحْرُمُ نِكَاحُهُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَجُلًا وَالْآخَرُ امْرَأَةً. وَهُمْ الْوَالِدَانِ وَإِنْ عَلَوْا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ جَمِيعًا، وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، وَالْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ دُونَ أَوْلَادِهِمْ.

стр. 2378

فَمَتَى مَلَكَ أَحَدًا مِنْهُمْ عَتَقَ عَلَيْهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَشَرِيكٌ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ. (المغني). - وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَحَارِمَ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا يُعْتِقُونَ عَلَى سَيِّدِهِمْ، كَالْأُمِّ وَالْأَخِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَالرَّبِيبَةِ، وَأُمِّ الزَّوْجَةِ، وَابْنَتِهَا إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَشَرِيكٍ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَخِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ، وَالْأُوَلُ أَصَحُّ. (المغني) (وبالتمثيل بعبده بقطع عضو من أعضائه أو تحريقه). أي: ويحصل بالتمثيل بعبده، كإنسان عنده عبد فحل، وخاف على أهله منه فخصاه، أي: قطع خصيتيه، فإنه يعتق عليه، وكذلك لو غضب على عبده فقطع شحمة أذنه فإنه يعتق. (وبالسراية). وهو نوعان: الأول: أن يعتق جزءاً من عبده، مشاعاً أو معيناً، عتق كله. فلو أن إنساناً عنده عبد فقال: عشرك حر، يعتق كله، أو: إصبعك حر، يسري العتق إليه كله، فلا يتبعض العتق. الثاني: أن يعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره، فيسري العتق إلى نصيب الشركاء. لحديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ اَلْعَبْدِ، قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ اَلْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وَلَهُمَا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْه). اختلف في رواية (وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْه) هل هي من كلام النبي ﷺ أو مدرجة من كلام أبي هريرة؟ وقد رجح البخاري ومسلم بأنها غير مدرجة حيث أدخلا الحديث في كتابيهما، وكذا ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي.

стр. 2379

[من أعتق شركاً له] الشِرْك: الحصة والنصيب. [في عبد] اسم للمملوك الذكر. [فكان له مال] الضمير يعود على من أعتق نصيبه. [يبلغ ثمن العبد] أي: قيمة بقية العبد، والمراد: مالاً يعتق منه، والمعنى: إذا كان شخص مشترك بين أربعة، فأعتق واحد منهم نصيبه وهو الربع [وكان العبد قيمته: ٤٠٠٠ مثلاً] وبقي ثلاثة أرباع، ولكن هذا المعتِق كان غنياً يملك ٣ آلاف وأكثر، فإن الشرع يلزمه بعتق الباقي، ويدفع [٣٠٠٠ ريال] لأصحاب الحصص. [قوِّم عليه قيمة عدل] أي: قدر هذا العبد تقديراً عادلاً لا زيادة فيه ولا نقصان، فيقدر العبد كاملاً لا عتق فيه، وتعرف قيمة حصص الذين لم يعتقوا نصيبهم. [وأعطى شركاءه] أي: المعتِق أعطى الشركاء نصيبهم ويعتق عليه العبد كاملاً. وهذا خبر بمعنى الأمر. [وعتَقَ عليه العبد] أي: صار جميع العبد حراً. [وإلا فقد عتق منه ما عتق] أي: وإن لم يكن للمعتِق نصيبه مالٌ يكفي بعتق باقي العبد، فإنه يعتق من العبد ما عتق، ويبقى الباقي على ما هو ويكون العبد مبعضاً. [واستسعي عليه] أي: ألزم العبد بالاكتساب وتحصيل ما يفك باقيه من الرق، وقيل معنى استسعي: أي أن يخدم سيده الذي لم يعتقه بقدر ماله من الرق. [غير مشقوق عليه] أي: لا يكلف المملوك ما يشق عليه في الكسب والتحصيل وهذا على المعنى الأول، أو لا يكلف ما لا يستطيع من الخدمة على المعنى الثاني. الحديث دليل على جواز عتق العبد المشترك من بعض الشركاء، وأن من أعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره، لزمه عتق باقيه وخلاصه كله من ماله إذا كان غنياً قادراً على دفع قيمة أنصباء الشركاء الذين لم يعتقوا نصيبهم، لان تبعيض العتق مع القدرة يضر بالعبد ولا تتم به المصلحة. وأما إذا كان الذي أعتق نصيبه فقيراً غير قادر على دفع أنصباء شركائه.

стр. 2380

فقد اختلف العلماء فيما إذا أعتق الشريك نصيبه من عبد بينه وبين غيره وعجز عن عتق باقيه على قولين: القول الأول: أنه ينفذ العتق في نصيب المعتِق ولا يطالب المعتَق بالاستسعاء. وهذا قول مالك والشافعي وهو قول أبي عبيد. لرواية (فقد عَتَقَ منه ما عتق). وأما لفظ (واستسعي) فهي من كلام الراوي وليست من كلام النبي ﷺ . القول الثاني: أن الشريك إذا أعتق نصيبه استسعي العبد وطلب منه أن يعمل لتحصيل نصيب بقية الشركاء. وهذا مذهب أبي حنيفة، واختار هذا القول ابن تيمية وابن القيم، وهؤلاء أثبتوا لفظ (واستسعي … ). وهذا القول هو الراجح. (وإذا قال لعبدهِ أنت حرٌ في وقتٍ سماه عتَقَ إذا جاء الوقت). كقوله أنت حر إذا جاء شهر رمضان، فإنه يعتق إذا جاء رمضان. (أو علّقَ عِتقَه على شرطٍ عتق إذا وجِدَ الشرط). كقوله إذا قدم زيد فأنت حر، فإنه لا يعتق حتى يقدم زيد. (ولمْ يعتقْ قبلَه). أي: فلا يعتق حتى يجيء الشرط، لأن المعلق على شرط ينعدم عند عدمه، ويعتق عند وجوده، لوجود السبب. لكن بشرط: أن يكون في ملكه عند حصول الشرط، فإن خرج من ملكه لم يعتق لقوله ﷺ (ولا عتق فيما لا يملك).

стр. 2381

كما لو مات السيد قبل رمضان، أو قبل قدوم زيد. (ولا يَملكُ إبطالَهُ بالقوْل). أي: لا يبطل التعليق بقوله: أبطلت ما علقت عليه العتق، لأنها صفة لازمة ألزمها نفسه. (وإن علق عتقه بموته فهو المدبّر، يعتق بموته إذا خرج من الثلث). التدبير: مأخوذ من دبر الحياة، أي: ما بعدها. وهو تعليق العتق بالموت. أن يقول لرقيقه: أنت حر بعد موتي، فهذا هو المدبَّر، فعتقه معلق بالموت، فلا يعتق إلا إذا مات مدبِّرُه. وسمي تعليق العتق بالموت تدبيراً، لأمرين: أولاً: لأن الرقيق يعتق بعدما يُدْبِر سيده، أي يموت. ثانياً: أو لأن فاعله دبّر أمر دنياه (لأنه استفاد من هذا العبد في حال الحياة بالخدمة) ودبر أمر آخرته (لأنه لما جعل عتقه بعد موته حصل له ثواب العتق). ويدل له: عَنْ جَابِر (أَنَّ رَجُلًا مِنْ اَلْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ اَلنَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي? " فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَاحْتَاجَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ (وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ وَقَالَ (اِقْضِ دَيْنَكَ). [غلاماً له] أي عبداً رقيقاً له. [عن دبر] أعتقه بعد موته. الحديث دليل على مشروعية التدبير وهو عتق العبد بالموت وعلى صحته.

стр. 2382

فائدة: ١ اختلف العلماء في التدبير هل يكون من الثلث أو من رأس المال؟ الجمهور قالوا: يحسب عتقه من الثلث قياساً على الوصية، بجامع النفوذ بعد الموت. فائدة: ٢ الحديث دليل على جواز بيع العبد المدبر قبل موت سيده، لكن ظاهر الحديث أن النبي ﷺ باع هذا العبد لما علم حاجة صاحبه. والقول: أن العبد المدبر لا يباع إلا من حاجة هو قول الحسن وجماعة. وقيل: يجوز بيعه مطلقاً سواء كان لحاجة أو لغير حاجة وهذا قول الشافعي. لأنه شبيه بالوصية، ومن المعلوم أن الموصي يجوز له الرجوع بالوصية في حياته. وقيل: لا يجوز بيع المدبر، وهذا قول ابن عمر وسعيد بن المسيب وهو قول أبي حنيفة ومالك. لعموم (أوفوا بالعقود) وهذا عقد بينه وبين رقيقه في أنه يعتق بعد موته. وقالوا: لأن المدبر استحق العتق بموت سيده فصار شبيهاً بأم الولد. والراجح القول بالجواز. فائدة: ٣ الحديث دليل على أنه ينبغي لمن ليس عنده سعة في الرزق وأموره ضيقة أن يهتم بنفسه أولاً وبمن يعول.

стр. 2383

باب الكتابة (وهي: أن يشتري الرقيق نفسه من سيده بثمن مؤجل). هذا تعريف الكتابة: أن يشتري الرقيق نفسه … الخ. قال ابن قدامة: الْكِتَابَةُ: إعْتَاقُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدَّى مُؤَجَّلًا، سُمِّيَتْ كِتَابَةً؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَكْتُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كِتَابًا بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ كِتَابَةً مِنْ الْكَتْبِ، وَهُوَ الضَّمُّ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَضُمُّ بَعْضَ النُّجُومِ إلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْخَرَزُ كِتَابًا؛ لِأَنَّهُ يَضُمُّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ إلَى الْآخَرِ بِخَرْزِهِ. (المغني). فالكتابة: هو شراء العبد نفسه من سيده بأن يقع بين الرقيق وسيده عقد اتفاق على أن الرقيق يدفع لسيده مبلغاً من المال وتكون هذه المال نجوماً موزعة على مدد معينة. فإذا أداها العبد لسيده عتق العبد وصار حراً. - قوله (بثمن مؤجل) أي: لا بد أن يكون المال مؤجلاً فلا تصح بمال حال. لأن العبد ليس عنده مال ولو ملَّكه أحد مالاً فماله لسيده. ولو قال قائل: العبد ليس عنده مال، ولكن لو فرض أن أحداً من الناس قال له: اشترِ نفسك من سيدك، وأنا أعطيك المال نقداً، ولهذا إن أراد المؤلف أنه لا بد من التأجيل فهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد تكون القضية كقضية بريرة مع عائشة ﵄ فإن بريرة كاتبت أهلها على تسع أواقٍ، ثم جاءت تستعين عائشة ﵂، فقالت: إن أراد أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فهذا دليل على أن الكتابة يجوز أن تكون بحالٍ إذا كان من غير العبد، أما من العبد فهذا متعذر؛ لأنه لا يملك. (الشرح الممتع) - والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 2384

(وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). ومن السنة: حديث عَائِشَة. أَنَّهَا قَالَتْ (جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِلَىَّ فَقَالَتْ يَا عَائِشَةُ إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ … ) متفق عليه. وحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ) رواه أبو داود. وحديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَاف) رواه الترمذي. وأجمع العلماء على مشروعية الكتابة. فائدة: قال ابن قدامة: وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَدَاءِ عِوَضِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْأَدَاءُ إلَّا بِالِاكْتِسَابِ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ مِنْ أَقْوَى جِهَاتِ الِاكْتِسَابِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ، أَنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ. وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَيُعْطِيَ، فِيمَا فِيهِ الصَّلَاحُ لِمَالِهِ، وَالتَّوْفِيرُ عَلَيْهِ. وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ؛ فِي مَأْكَلِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَكُسْوَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ مِمَّا لَا غَنَاءَ لَهُ عَنْهُ، وَعَلَى رَقِيقِهِ، وَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ. وَلَهُ تَأْدِيبُ عَبِيدِهِ، وَتَعْزِيرُهُمْ، إذَا فَعَلُوا مَا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ مِلْكِهِ، فَمَلَكَهُ، كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ. (المغني)

стр. 2385

(وتسن مع أمانة العبد وكسبه). أي: تسن الكتابة إذا طلب العبد ذلك من سيده. لقوله تعالى (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). لكن الله اشترط أن يعلم أسيادهم فيهم خيراً، وهو: أ- الصلاح في الدين. ب- والقدرة على الاكتساب. لأنه لو كان غير صالح في دينه ازداد بعد عتقه فساداً، ويخشى أن يميل بعاطفته إلى الكفر، ولو كان غير قادر على الاكتساب كمريض صار كَلاًّ على الناس. وهذا مذهب جماهير العلماء: أن الأمر للاستحباب. قال ابن قدامة: إذَا سَأَلَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ مُكَاتَبَتَهُ، اُسْتُحِبَّ لَهُ إجَابَتُهُ، إذَا عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ. فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم. (المغني) وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجب إجابته، إن علمنا فيه خيراً. (صلاح في الدين - وقدرة على الكسب). لظاهر الآية (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). وهذا أمر، والأمر للوجوب. والراجح مذهب الجمهور. لأن العبد مال للسيد، وقد قال الرسول ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد.
следующие страницы →