← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

كما لو مات السيد قبل رمضان، أو قبل قدوم زيد. (ولا يَملكُ إبطالَهُ بالقوْل). أي: لا يبطل التعليق بقوله: أبطلت ما علقت عليه العتق، لأنها صفة لازمة ألزمها نفسه. (وإن علق عتقه بموته فهو المدبّر، يعتق بموته إذا خرج من الثلث). التدبير: مأخوذ من دبر الحياة، أي: ما بعدها. وهو تعليق العتق بالموت. أن يقول لرقيقه: أنت حر بعد موتي، فهذا هو المدبَّر، فعتقه معلق بالموت، فلا يعتق إلا إذا مات مدبِّرُه. وسمي تعليق العتق بالموت تدبيراً، لأمرين: أولاً: لأن الرقيق يعتق بعدما يُدْبِر سيده، أي يموت. ثانياً: أو لأن فاعله دبّر أمر دنياه (لأنه استفاد من هذا العبد في حال الحياة بالخدمة) ودبر أمر آخرته (لأنه لما جعل عتقه بعد موته حصل له ثواب العتق). ويدل له: عَنْ جَابِر (أَنَّ رَجُلًا مِنْ اَلْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ اَلنَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي? " فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَاحْتَاجَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ (وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ وَقَالَ (اِقْضِ دَيْنَكَ). [غلاماً له] أي عبداً رقيقاً له. [عن دبر] أعتقه بعد موته. الحديث دليل على مشروعية التدبير وهو عتق العبد بالموت وعلى صحته.

стр. 2382

فائدة: ١ اختلف العلماء في التدبير هل يكون من الثلث أو من رأس المال؟ الجمهور قالوا: يحسب عتقه من الثلث قياساً على الوصية، بجامع النفوذ بعد الموت. فائدة: ٢ الحديث دليل على جواز بيع العبد المدبر قبل موت سيده، لكن ظاهر الحديث أن النبي ﷺ باع هذا العبد لما علم حاجة صاحبه. والقول: أن العبد المدبر لا يباع إلا من حاجة هو قول الحسن وجماعة. وقيل: يجوز بيعه مطلقاً سواء كان لحاجة أو لغير حاجة وهذا قول الشافعي. لأنه شبيه بالوصية، ومن المعلوم أن الموصي يجوز له الرجوع بالوصية في حياته. وقيل: لا يجوز بيع المدبر، وهذا قول ابن عمر وسعيد بن المسيب وهو قول أبي حنيفة ومالك. لعموم (أوفوا بالعقود) وهذا عقد بينه وبين رقيقه في أنه يعتق بعد موته. وقالوا: لأن المدبر استحق العتق بموت سيده فصار شبيهاً بأم الولد. والراجح القول بالجواز. فائدة: ٣ الحديث دليل على أنه ينبغي لمن ليس عنده سعة في الرزق وأموره ضيقة أن يهتم بنفسه أولاً وبمن يعول.

стр. 2383

باب الكتابة (وهي: أن يشتري الرقيق نفسه من سيده بثمن مؤجل). هذا تعريف الكتابة: أن يشتري الرقيق نفسه … الخ. قال ابن قدامة: الْكِتَابَةُ: إعْتَاقُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدَّى مُؤَجَّلًا، سُمِّيَتْ كِتَابَةً؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَكْتُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كِتَابًا بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ كِتَابَةً مِنْ الْكَتْبِ، وَهُوَ الضَّمُّ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَضُمُّ بَعْضَ النُّجُومِ إلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْخَرَزُ كِتَابًا؛ لِأَنَّهُ يَضُمُّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ إلَى الْآخَرِ بِخَرْزِهِ. (المغني). فالكتابة: هو شراء العبد نفسه من سيده بأن يقع بين الرقيق وسيده عقد اتفاق على أن الرقيق يدفع لسيده مبلغاً من المال وتكون هذه المال نجوماً موزعة على مدد معينة. فإذا أداها العبد لسيده عتق العبد وصار حراً. - قوله (بثمن مؤجل) أي: لا بد أن يكون المال مؤجلاً فلا تصح بمال حال. لأن العبد ليس عنده مال ولو ملَّكه أحد مالاً فماله لسيده. ولو قال قائل: العبد ليس عنده مال، ولكن لو فرض أن أحداً من الناس قال له: اشترِ نفسك من سيدك، وأنا أعطيك المال نقداً، ولهذا إن أراد المؤلف أنه لا بد من التأجيل فهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد تكون القضية كقضية بريرة مع عائشة ﵄ فإن بريرة كاتبت أهلها على تسع أواقٍ، ثم جاءت تستعين عائشة ﵂، فقالت: إن أراد أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فهذا دليل على أن الكتابة يجوز أن تكون بحالٍ إذا كان من غير العبد، أما من العبد فهذا متعذر؛ لأنه لا يملك. (الشرح الممتع) - والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 2384

(وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). ومن السنة: حديث عَائِشَة. أَنَّهَا قَالَتْ (جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِلَىَّ فَقَالَتْ يَا عَائِشَةُ إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ … ) متفق عليه. وحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ) رواه أبو داود. وحديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَاف) رواه الترمذي. وأجمع العلماء على مشروعية الكتابة. فائدة: قال ابن قدامة: وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَدَاءِ عِوَضِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْأَدَاءُ إلَّا بِالِاكْتِسَابِ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ مِنْ أَقْوَى جِهَاتِ الِاكْتِسَابِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ، أَنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ. وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَيُعْطِيَ، فِيمَا فِيهِ الصَّلَاحُ لِمَالِهِ، وَالتَّوْفِيرُ عَلَيْهِ. وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ؛ فِي مَأْكَلِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَكُسْوَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ مِمَّا لَا غَنَاءَ لَهُ عَنْهُ، وَعَلَى رَقِيقِهِ، وَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ. وَلَهُ تَأْدِيبُ عَبِيدِهِ، وَتَعْزِيرُهُمْ، إذَا فَعَلُوا مَا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ مِلْكِهِ، فَمَلَكَهُ، كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ. (المغني)

стр. 2385

(وتسن مع أمانة العبد وكسبه). أي: تسن الكتابة إذا طلب العبد ذلك من سيده. لقوله تعالى (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). لكن الله اشترط أن يعلم أسيادهم فيهم خيراً، وهو: أ- الصلاح في الدين. ب- والقدرة على الاكتساب. لأنه لو كان غير صالح في دينه ازداد بعد عتقه فساداً، ويخشى أن يميل بعاطفته إلى الكفر، ولو كان غير قادر على الاكتساب كمريض صار كَلاًّ على الناس. وهذا مذهب جماهير العلماء: أن الأمر للاستحباب. قال ابن قدامة: إذَا سَأَلَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ مُكَاتَبَتَهُ، اُسْتُحِبَّ لَهُ إجَابَتُهُ، إذَا عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ. فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم. (المغني) وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجب إجابته، إن علمنا فيه خيراً. (صلاح في الدين - وقدرة على الكسب). لظاهر الآية (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). وهذا أمر، والأمر للوجوب. والراجح مذهب الجمهور. لأن العبد مال للسيد، وقد قال الرسول ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد.

стр. 2386

(وتكرهُ معَ عدمهِ). أي: وتكره الكتابة مع عدم الخير. فإذا كان يخشى منه الشر والفساد، أو إذا لم يكن ذا كسب، لأنه إذا أعتق وليس ذا كسب صار كَلاًّ على نفسه وعلى غيره. (ويجوزُ بيعُ المكاتَب، ومُشْتريهِ يقومُ مَقامَ مُكاتِبِه). أي: ويجوز بيع المكاتب. لحديث عائشة ﵂ قالت (جاءَتني بريرة فقالت: كاتَبْتُ أَهلي عَلى تسعِ أوَاقٍ، في كلِّ عَامٍ أُوقيةٌ، فأعينيني. فقلت: إن أحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أعُدَّها لَهُم، ويَكُونَ وَلَاؤُكِ لي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهَا، فقالت لَهُمْ، فأبَوْا عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِم، ورَسولُ الله ﷺ جَالِسٌ، فقالت: إنِّي عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيْهِمْ، فأبَوْ إلاَّ أنْ يكُونَ لَهُم الْوَلاءُ، فأخْبَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ النبي ﷺ فقالَ: (خُذِيَها، وَاشْتَرطِي لهُم الوَلَاءَ، فإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ) فَفَعَلَتْ عائشة، ثم قام النبي ﷺ في النَّاسِ، فحمدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: ما بالُ رجالٍ يشترطونَ شرُوطاً لَيْسَتْ في كتابِ اللهِ ما كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كتاب اللهِ فَهُوَ باطلٌ وَإنْ كانَ مَائَةَ شَرْط، فقضاءُ الله أحق، وَشَرْطُهُ أوْثَقُ، فإنما الولاء لمن أعتق) متفق عليه. قال ابن الملقن: اختلف العلماء في جواز بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب: أحدها: جوازه. وهو قول عطاء والنخعي وأحمد ومالك في رواية الشافعي في أحد قوليه. استدلالاً بهذا الحديث.

стр. 2387

وعليه بوب البخاري بيع المكاتبة إذا رضي المكاتب. فإن بريرة كانت مكاتبة وباعتها الموالي واشترتها عائشة وأمر ﷺ ببيعها وعليه بوب البخاري بيع المكاتب إذا رضي المكاتب. (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام) (ومُشْتريهِ يقومُ مَقامَ مُكاتِبِه). أي: ويقوم مشتري المكاتب مقام سيده. (فإنْ أدّى له عَتَقَ). أي: فإن أدى المكاتب للمشتري ما بقي من مال الكتابة عتق. (وولاؤه له). أي: للمشتري. لأن العتق حصل تحت ملكه. والرسول ﷺ يقول (إنما الولاء لمن أعتق). قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ وَلَاءَ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ، إذَا أَدَّى إلَيْهِ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إنْعَامٌ وَإِعْتَاقٌ لَهُ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ كَانَ لِسَيِّدِهِ بِحُكْمِ مِلْكِهِ إيَّاهُ، فَرَضِيَ بِهِ عِوَضًا عَنْهُ، وَأَعْتَقَ رَقَبَتَهُ عِوَضًا عَنْ مَنْفَعَتِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَكَانَ مُعْتِقًا لَهُ، مُنْعِمًا عَلَيْهِ، فَاسْتَحَقَّ وَلَاءَهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ -

стр. 2388

(الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ). وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عِدَّةً وَاحِدَةً، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي، فَعَلْتُ. فَرَجَعَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُمْ، فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ عَلَى الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ كَانَ مُتَقَرِّرًا عِنْدَهُمْ. (المغني) (وإن عجز). أي: عجز المكاتب عن أداء جميع مال الكتابة.

стр. 2389

(عادَ قِناً). أي: رجع عبداً. (ولا يعتق المكاتَب إلا بالأداء). أي: أن العبد الذي كاتب سيده لا يعتق ما دام بقي شيء من مال كتابته. لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: قال ﷺ (المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم) رواه أبو داود. فهذا الحديث يدل على أن المكاتب لا يعتق ويكون له حكم الأحرار حتى يؤدي ما عليه من مال الكتابة، فإن بقي عليه شيء ولو قليلاً فهو عبد، تجري عليه أحكام الرقيق، وهذا مذهب جمهور العلماء. قال النووي: أَنَّ الْمُكَاتَب لَا يَصِير حُرًّا بِنَفْسِ الْكِتَابَة بَلْ هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَم كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث الْمَشْهُور فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء. (ومتى أدى المكاتب ما عليه لسيده، أو أبرأه منه عتَق). أي: أن المكاتب يعتق بأمرين: الأول: أن يؤدي المال المنفق عليه في الكتابة، وقد تقدم هذا. الثاني: إذا أبرأ السيد الرقيق من باقي ما عليه أصبح حراً. فلو بقي عليه من دين الكتابة ألف، فقال: تنازلت عنها. فائدة: ١ الكتابة عقد لازم، فليس للآخر فسخ الكتابة إلا بإذن صاحبه.

стр. 2390

فائدة: ٢ ولا تنفسخ بموت السيد وجنونه، لأنها عقد لازم أشبه البيع، فإذا مات السيد أدى المكاتب ما عليه لورثة السيد. قال ابن قدامة: … وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ جِهَتِهِ، لَا سَبِيلَ إلَى فَسْخِهِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يُؤَدِّي نُجُومَهُ، وَمَا بَقِيَ مِنْهَا، إلَى وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لِمَوْرُوثِهِمْ، وَيَكُونُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، كَسَائِرِ دُيُونِهِ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. (المغني) فائدة: ٣ إذا حلّ نجم فلم يؤده فلسيده الفسخ، لأن السيد رضي بالكتابة على أن يسلم له مال الكتابة على الوجه الذي كاتبه عليه، فإذا لم يف فله الحق في فسخ العتق. فائدة: ٤ قال ابن قدامة: وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ، وَيَمُوتُ عَبْدًا، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْفَتْوَى مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ. فائدة: ٥ ليس للمكاتب أن يتزوج من غير إذن سيده. قال ابن قدامة: هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ لقول النَّبِيِّ ﷺ (أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ). وَلِأَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرًا، لِأَنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ نَاقِصَ الْقِيمَةِ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ مِنْ كَسْبِهِ، فَيَعْجِزُ عَنْ تَأْدِيَةِ نُجُومِهِ، فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، كَالتَّبَرُّعِ بِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ. … (المغني)

стр. 2391

أحكام أمهات الأولاد أم الولد: هي التي ولدت لسيدها في ملكه (أن يطأ سيد أمته فتضع ما يتبين فيه خلق إنسان سواء وضعته حياً أو ميتاً) فإنها تعتق بموته من رأس ماله. (إذا أوْلد حر أمتَه بما يتبين فيه خلق إنسان فإنها تعتق بموته). أي: إذا وطأ السيد أمته، فولدت له، فإنها تسمى أم ولد، وتعتق بموت سيدها. وقد جاء عن ابن عباس مرفوعاً وعن عمر موقوفاً (أيما أمَة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته) أخرجه ابن ماجه، والراجح الموقوف على عمر ﵁. فهذا الحديث دليل على أن السيد إذا وطئ أمته صارت أم ولد، بشرط أن تضع ما يتبين فيه خلق إنسان سواء ولدته حياً أو ميتاً، وتكون حرة بعد موت سيدها وتعتق عتقاً قهرياً من رأس المال. قال الشيخ ابن عثيمين: يعني إذا ولدت ولو ميتاً أو حياً فإنه لا بد أن يتبين فيه خلق إنسان، يتبين فيه اليدان والرجلان والرأس، وهذا إنما يكون بعد بلوغ الحمل ثمانين يوماً، أما قبل ذلك فلا يمكن أن يُخَلَّق؛ لأن الجنين في بطن أمه يكون في الأربعين الأولى نطفة، وفي الثانية علقة، ثم في الثالثة يكون مضغة مخلقة وغير مخلقة، إذاً لا يمكن أن يبدأ التخطيط إلا بعد الثمانين، فبعد الثمانين يمكن أن يخلق، وفي التسعين الغالب أنه مخلَّقٌ.

стр. 2392

كتاب النكاح مقدمة - شروط النكاح - المحرمات في النكاح - الشروط في النكاح العيوب في النكاح - نكاح الكفار - الصداق - الوليمة - آداب الأكل عشرة النساء - القسم - النشوز - الخلع

стр. 2393

كتاب النكاح النكاح في اللغة: الضم والجمع والتداخل، ومنه: تناكحت الأشجار: إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض. ويقال (نكح المطر الأرض: اعتمد عليها) ونكحت القمح في الأرض: إذا حرثتها، وبذرته فيها، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل. و في المصباح (نكحه الدواء إذا خامره وغلبه) وسواء كان التداخل حسياً كما سبق أو معنوياً، ففي القاموس (نكح النعاس عينه غلبها والنكح بالفتح: البضع، والمناكح: النساء). وأما اصطلاحاً: فأدق ما قيل فيه: إنه عقد وضعه الشارع ليفيد حل استمتاع كل من الزوج والزوجة بالآخر على الوجه المشروع. (وهوَ سُنَّةٌ). أي: أن الأصل في النكاح أنه سنة. وقد جاءت النصوص الكثيرة في الحث عليه والترغيب فيه. فهو من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً). وقال تعالى (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء). قوله في عباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا). وقوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). وقوله تعالى (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

стр. 2394

عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ لَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَا مَعْشَرَ اَلشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ اَلْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ; فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعَنْ أَنَسٍ (أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. فَقَالَ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّى وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّى) متفق عليه. وَعن أنس. قال (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا اَلْوَدُودَ اَلْوَلُودَ. إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ اَلْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ. وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا، قَالَ: لَا ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ هَلْ تَزَوَّجْتَ قُلْتُ: لَا قَالَ فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ (حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه أحمد.

стр. 2395

وعَنْ أَبِى ذَرٍّ (أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْىٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْر) رواه مسلم. فائدة: ١ قوله في حديث ابن مسعود ( … مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ اَلْبَاءَةَ) اختلف العلماء في المراد بها على قولين: القول الأول: القدرة على الوطء. القول الثاني: القدرة على مؤن النكاح، وهو الصحيح لأمور ثلاثة: أولاً: أن الخطاب إنما جاء للقادر على الجماع وهم الشباب أصلاً. ثانياً: أن الرسول ﷺ قال في آخر الحديث (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) لو فسرنا الباءة بالجماع يصير المعنى: ومن لم يستطع الجماع فعليه بالصوم ولا ريب أن الذي لا يستطيع الجماع لا معنى لكونه يؤمر بالصوم. ثالثاً: جاء في رواية عند النسائي (من كان ذا طول فليتزوج). قال شيخ الإسلام: وَاسْتِطَاعَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَئُونَةِ لَيْسَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَطْءِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْقَادِرِ عَلَى فِعْلِ الْوَطْءِ، وَلِهَذَا أُمِرَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَصُومَ فَإِنَّهُ وِجَاءٌ. وذهب بعض العلماء إلى الجمع بين القولين:

стр. 2396

قال النووي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِد أَصَحّهمَا: أَنَّ الْمُرَاد مَعْنَاهَا اللُّغَوِيّ وَهُوَ الْجِمَاع، فَتَقْدِيره: مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْجِمَاع لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنه وَهِيَ مُؤَن النِّكَاح فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاع لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنه فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَع شَهْوَته، وَيَقْطَع شَرّ مَنِيّه، كَمَا يَقْطَعهُ الْوِجَاء. ا. هـ. وقال ابن القيم: وقوله (من استطاع منكم الباءة فليتزوج) فسرت الباءة بالوطء، وفسرت بمؤن النكاح، ولا ينافي التفسير الأول إذ المعنى على هذا مؤن الباءة. فائدة: ٢ قوله (فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً) قال الحافظ ابن حجر: قيل المعنى: خير أمة محمد من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل، والذي يظهر أن مراد ابن عباس بالخير النبي ﷺ ، وبالأمة أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحاً ما آثر النبي ﷺ غيره.

стр. 2397

فائدة: ٣ بعض حكم النكاح: الحكمة الأولى: طلب النسل، لأنه ليس المقصود من الزواج التلذذ قضاء الوطر وإنما من مقاصده العظيمة طلب النسل. الحكمة الثانية: الاستمتاع، استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر. الحكمة الثالثة: تحصيل النسل لتكثير الأمة ولا ريب أن تكثير الأمة هو مصدر قوتها وعزتها وهيبتها بين الأمم فهذا مقصد عظيم من مقاصد الزواج وهو تكثير الأمة. الحكمة الرابعة: حفظ المرأة والإنفاق عليها لأن الزواج يهيئ للمرأة حياة سعيدة كريمة في ظل الزوج. الحكمة الخامسة: تحصين كل من الزوجين الآخر كما قال ﷺ : فإنه أغض للبصر وأحصن لفرج، فما حفظ الفرج وغض البصر بمثل الزواج. فائدة: ٤ استدل بعض العلماء بحديث ابن مسعود (يا معشر الشباب من استطاع … ) على تحريم الاستمناء. وهذه العادة قديمة معروفة في الجاهلية قبل الإسلام، فقد كانوا يجلدون عُمَيْرَة إذا خلوا بواد لا أنيس به. كما قال الشاعر: إذا ما خلوتَ بوادٍ لا أنيسَ به … فاجْلدْ عُمَيْرةَ لا عيبٌ ولا حرجُ وعميرة كناية عن الذكر. ومعنى الاستمناء: هو استدعاء خروج المني بغير جماع، سواء كان باليد أو بغيرها.

стр. 2398

وقد اختلف العلماء في حكمه: القول الأول: أنه حرام. وهذا مذهب جماهير العلماء. أ-لقوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُون). فأوجب الله على المسلم أن يحفظ فرجه إلا من زوجته أو ما ملكت يمينه، فإذا تجاوز زوجته وملك يمينه إلى غيرهما فإنه من العادين. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد استدل الإمام الشافعي ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية ب-ولحديث ابن مسعود (من استطاع منكم الباءة … فعليه بالصوم) فالرسول ﷺ أمر بالصيام، ولو كان الاستمناء جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ . ج-ومن الأدلة: أن الله أباح للصحابة المتعة في أول الأمر، ثم نسخت بعد، وسبب إباحتها ما لقوه من شدة العزوبة في أسفارهم، وقد جعلها الله حلاً مؤقتاً لدفع حاجتهم، ولو كان الاستمناء مباحاً لبينه لهم، وهو أيسر وأقل مؤونة وأثراً. وسئل ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الاستمناء هل هو حرام أم لا؟ فأجاب: أما الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور العلماء وهو أصح القولين في مذهب أحمد، وكذلك يعزر مَن فعله وفي القول الآخر هو مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه لخوف العنت ولا غيره، ونقل عن طائفة من الصحابة والتابعين أنهم رخَّصوا فيه للضرورة مثل أن يخشى الزنا فلا يعصم منه إلا به، ومثل أنْ يخاف إن لم يفعله أن يمرض وهذا قول أحمد وغيره وأما بدون الضرورة فما علمتُ أحداً رخَّص فيه.

стр. 2399

وقال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ آيَةَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ هَذِهِ الَّتِي هِيَ (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) تَدُلُّ بِعُمُومِهَا عَلَى مَنْعِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ. لِأَنَّ مَنْ تَلَذَّذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَنْزَلَ مَنِيَّهُ بِذَلِكَ، قَدِ ابْتَغَى وَرَاءَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، فَهُوَ مِنَ الْعَادِينَ بِنَصِّ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى مَنْعِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عَمِيرَةَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَى قَوْلِهِ الْعَادُونَ). قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ اسْتِدْلَالَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، عَلَى مَنْعِ جَلْدِ عَمِيرَةَ الَّذِي هُوَ الِاسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَرِدْ شَيْءٌ يُعَارِضُهُ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. (أضواء البيان). وقال الشيخ الألباني: وأما نحن فنرى أن الحق مع الذين حرموه مستدلين بقوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُون) ولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنا، إلا إذا استعمل الطب النبوي وهو قوله ﷺ للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج (فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ولذلك فإننا ننكر أشد الإنكار على الذين يفتون الشباب بجوازه خشية الزنى، دون أن يأمروهم بهذا الطب النبوي الكريم.

стр. 2400

القول الثاني: أنه مباح. وهو قول لبعض أهل الظاهر. لعدم الدليل المانع، حيث لم يثبت دليل على المنع. وهو قول ابن حزم. والراجح القول الأول. o لكن يباح الاستمناء في حالتين: الحالة الأولى: خوف الوقوع بالزنا. الحالة الثانية: التضرر بحبس هذا الماء. فائدة: ٥ حث النبي ﷺ على الصيام لمن لا يستطيع على مؤن النكاح لأمرين: أولاً: لأن الصيام يورث التقوى. كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون). ثانياً: لأن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، تقوى بقوته وتضعف بضعفه. فائدة: ٦ استدل العلماء بهذا الحديث بأنه لا ينبغي أن يستقرض من أجل الزواج. فإن النبي ﷺ قال: من لم يستطع فعليه بالصوم، ولم يقل: فليستقرض. ويدل لذلك قوله تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) فأمره الله بالتعفف حتى يغنيه الله، ولم يأمر بالاستدانة. [المراد بالتعفف: حفظ الفرج وغض البصر].

стр. 2401

فائدة: ٧ هل يجوز استعمال دواء لدفع الشهوة؟ المسألة تنقسم إلى حالتين: الحالة الأولى: أن يستعمل دواء لقطعها، فهذا حرام. لأنه قد يقدر بعدُ فيندم. الحالة الثانية: أن يستعمل دواء لتخفيفها. فقيل: لا يجوز. لأن النبي ﷺ أرشد إلى الصيام لمن عجز عن مؤن النكاح، فهو العلاج النبوي، فلا يجوز غيره. وقيل: يجوز. وهذا هو الصحيح. (وفعلهُ مع الشهوةِ أفضلُ من نوافلِ العبادة). أي: أن النكاح أفضل من الاشتغال بنفل العبادة. وهذا مذهب جماهير العلماء. أ-لأن النكاح من سنن المرسلين. ب-والأحاديث في الحث عليه، والأمر به، والرغبة في الولد، أكثر من أن تحصر. ج-ولأن أثر النكاح يصل إلى المرأة، وإلى المجتمع، فضلاً عن الزوج نفسه. وذهب بعض العلماء: إلى أن التخلي لنوافل العبادة أفضل. وهذا مذهب الشافعي. أ-لأن الله مدح يحيي بقوله (وسيداً وحصوراً) والحصور الذي لا يأتي النساء، فلو كان النكاح أفضل لما مدح بتركه. ب-ولأن الله سبحانه ذكر النساء من جملة المزّينات فقال (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِين). والراجح الأول.

стр. 2402

قال الشنقيطي: وَالتَّحْقِيقُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ (وَحَصُورًا) أَنَّهُ الَّذِي حَصَرَ نَفْسَهُ عَنِ النِّسَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِتْيَانِهِنَّ تَبَتُّلًا مِنْهُ، وَانْقِطَاعًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِ، وَأَمَّا سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فَهِيَ التَّزْوِيجُ وَعَدَمُ التَّبَتُّلِ. أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَصُورَ فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَأَنَّهُ مَحْصُورٌ عَنِ النِّسَاءِ; لِأَنَّهُ عِنِّينٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِتْيَانِهِنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. لِأَنَّ الْعُنَّةَ عَيْبٌ وَنَقْصٌ فِي الرِّجَالِ، وَلَيْسَتْ مِنْ فِعْلِهِ حَتَّى يُثْنَى عَلَيْهِ بِهَا، فَالصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ هُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاء. (أضواء البيان). (ويجب على من يخاف زناً بتركهِ). أي: يجب النكاح إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنا، لأن ترك الزنا واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال القرطبي: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزوج، لا يُختلف في وجوب التزويج عليه. وقال ابن قدامة: وَالنَّاسُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ إنْ تَرَكَ النِّكَاحَ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعْفَافُ نَفْسِهِ، وَصَوْنُهَا عَنْ الْحَرَامِ، وَطَرِيقُهُ النِّكَاحُ. (المغني). وقال المرداوي ﵀ في كتابه الإنصاف: الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ خَافَ الْعَنَتَ. فَالنِّكَاحُ فِي حَقِّ هَذَا: وَاجِبٌ. قَوْلا وَاحِدًا .. " الْعَنَتُ " هُنَا: هُوَ الزِّنَا. عَلَى الصَّحِيحِ. • ولهذا قال بعض العلماء: أن النكاح تجري فيه الأحكام الخمسة: أولاً: مستحب، وهذا هو الأصل. ثانياً: واجب، على من خاف الزنا بتركه، لأن ترك الزنا واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 2403

ثالثاً: مكروه، إذا كان فقيراً لا شهوة له، لأنه سوف يرهق نفسه بالنفقات، وليس لديه شهوة. رابعاً: مباح، إذا كان غنياً لا شهوة له، لأنه قادر على الإنفاق، فهو قد ينفع المرأة بالإنفاق عليها. خامساً: حرام، وذلك فيما إذا كان بدار حرب، لأنه قد يؤدي إلى أن يكون له أولاد، فيقتل أولاده أو يخطفون، ويحرم أيضاً إذا أراد أن يتزوج ثانية وهو يعلم أنه غير قادر على العدل. (ويسن نكاح ذات دين). أي: من صفات المرأة التي يستحب للرجل أن يتزوجها: أن تكون ديّنة. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (تُنْكَحُ اَلْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ اَلدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. (وَلِحَسَبِهَا) الحسب في الأصل الشرف بالآباء والأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد على غيره. وقيل: المراد بالحسب هنا الفعال الحسنة. (فَاظْفَرْ بِذَاتِ اَلدِّينِ) أي: احرص بالزواج بالمرأة ذات الدين، تكتسب بها مصالح الدنيا والآخرة. قال ابن حجر: والمعنى، أن اللائق بذي الدين والمروءة، أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء، لا سيّما فيما تطول صحبته. (تَرِبَتْ يَدَاكَ) لصقت يداك بالتراب، والعرب تعني به حصول الفقر - كلمة دعاء لا يراد معناها - يقصدون بها التحريض بها، واللوم من جهة أخرى.

стр. 2404

فائدة: ١ معنى الحديث: قال النووي: الصَّحِيح فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلهُ النَّاس فِي الْعَادَة فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ هَذِهِ الْخِصَال الْأَرْبَع وَآخِرهَا عِنْدهمْ ذَات الدِّين، فَاظْفَرْ أَنْتَ أَيّهَا الْمُسْتَرْشِد بِذَاتِ الدِّين. لَا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ. وقال القرطبي: أي: هذه الأربع الخصال هي الْمُرغِّبة في نكاح المرأة، وهي التي يقصدها الرِّجال من النساء، فهو خبرٌ عما في الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك، وظاهره إباحة النكاح؛ لقصد مجموع هذه الخصال أو لواحدة منها، لكن قصد الدِّين أولى وأهم؛ ولذلك قال (فاظفر بذات الدِّين). فائدة: ٢ وحث النبي ﷺ على الزواج بذات الدين لحكم: أولاً: فهي تعين على طاعة الله. ثانياً: تُصلح من يتربى علي يديها. ثالثاً: ويأمن أولاده عندها. رابعاً: تحفظ ماله وبيته في غيبته. قال الغزالي: وليس أمره ﷺ بمراعاة الدين نهيًا عن مراعاة الجمال، ولا أمرًا بالإضراب عنه، وإنما هو نهي عن مراعاته مجردًا عن الدين، فإن الجمال في غالب الأمر يرغب الجاهل في النكاح دون الالتفات إلى الدين، فوقع في النهي عن هذا. (الإحياء).

стр. 2405

وقد جاء في حديث ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مَا نَزَلَ قَالُوا: فَأَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ قَالَ عُمَرُ: فَأَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ فَأَوْضَعَ عَلَى بَعِيرِهِ فَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا فِي أَثَرِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ (لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ) رواه الترمذي. قال المباركفوري ﵀ (وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه) أي: على دينه، بأن تذكره الصلاة، والصوم، وغيرهما من العبادات، وتمنعه من الزنا، وسائر المحرمات. … وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَرْبَعٌ مِنَ اَلسعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ ألوَاسِعُ، وَاَلجَار الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ اَلهَنِيءُ، وَأَرْبَع مِنَ اَلشًقَاوَةِ: اَلْجَارُ السُّوءُ، والمرأة اَلسُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ اَلضيقُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ) رواه ابن حبان. (الولود). أي: ويستحب أن تكون ولوداً. أ- لحديث أنس. قال (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا اَلْوَدُودَ اَلْوَلُودَ. إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ اَلْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ. ب- وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا، قَالَ: لَا ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ) رواه أبو داود. • ويمكن معرفة المرأة الولود بأحد طريقين: الأولى: من النظر في حال أمها وأخواتها. والثانية: أن تكون تزوجت قبل ذلك، فيُعلم ذلك من زواجها المتقدم. o

стр. 2406

ذكر الغزالي أن الرجل إذا تزوج ونوى بذلك حصول الولد كان ذلك قربة يؤجر عليها من حسنت نيته، وبَيَّن ذلك بوجوه: الأول: موافقة محبة الله في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان. الثاني: طلب محبة الرسول ﷺ في تكثير من يباهي بهم الأنبياء والأمم يوم القيامة. الثالث: طلب البركة، وكثرة الأجر، ومغفرة الذنب بدعاء الولد الصالح له بعده. (الإحياء). (الودود). للأحاديث السابقة. قال الخطابي: (الودود) هي التي تحب زوجها. قال في عون المعبود: وَقَيَّدَ بِهَذَيْنِ لأَنَّ الْوَلُود إِذَا لَمْ تَكُنْ وَدُودًا لَمْ يَرْغَب الزَّوْج فِيهَا، وَالْوَدُود إِذَا لَمْ تَكُنْ وَلُودًا لَمْ يَحْصُل الْمَطْلُوب وَهُوَ تَكْثِير الأُمَّة بِكَثْرَةِ التَّوَالُد، وَيُعْرَف هَذَانِ الْوَصْفَانِ فِي الأَبْكَار مِنْ أَقَارِبهنَّ إِذْ الْغَالِب سِرَايَة طِبَاع الأَقَارِب بَعْضهنَّ إِلَى بَعْض ا. هـ (البكر). أي: يسن أن تكون المرأة بكراً. أ- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ - أَوْ قَالَ سَبْعَ - فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ». قَالَ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «فَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ». قَالَ قُلْتُ بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ». أَوْ قَالَ «تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ) متفق عليه. قال النووي: وفيه فضيلة تزوج الأبكار وثوابهن أفضل.

стр. 2407

وقال الحافظ: وفي الحديث الحث على نكاح الأبكار. ب-وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِياً وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَراً لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ قَالَ «فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا». تَعْنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْراً غَيْرَهَا) رواه البخاري. ج- وقال عثمان لابن مسعود: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكراً تُذكرك ما كنت تعهد. د- وفي الحديث عن جابر. قال: قال ﷺ (عليكم بالأبكار، فإنهنَّ أنتق أرحامًا، وأعذب أفواهًا، وأقل خبًا، وأرضى باليسير). د- ولأن البكر تحب الزوج وتألفه أكثر من الثيب، وهذه طبيعة جُبِل الإنسان عليها - أعني الأنس بأول مألوف. وقد مدح الله الأبكار وجعل هذه الصفة من صفات نساء الجنة قال تعالى (إنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً). يقول الغزالي: في البكر خواص لا توجد في الثيب: منها: أنها لا تحن أبدًا إلا للزوج الأول، وآكد الحب ما يقع في الحبيب الأول. ومنها: إقبال الرجل عليها، وعدم نفوره منها، فإن طبع الإنسان النفور عن التي مسها غيره، ويثقل عليه ذلك. ومنها: أنها ترضى في الغالب بجميع أحوال الزوج؛ لأنها أنست به ولم تر غيره، وأما التي اختبرت الرجال ومارست معهم الأحوال فربما لا ترضى بعض الأوصاف التي تخالف ما ألفته.

стр. 2408

(الأجنبية). أي: ليس بينه وبينها نسب. وهذا ذهب إليه جماعة من الفقهاء، وعللوا ذلك بأمور: الأول: نجابة الولد، أي حسن صفاته، وقوة بدنه، لأنه يأخذ من صفات أعمامه وأخواله. الثاني: أنه لا يؤمن أن يقع بينهما فراق، فيؤدي إلى قطيعة الرحم. قال ابن قدامة: وَيَخْتَارُ الْأَجْنَبِيَّةَ، فَإِنَّ وَلَدَهَا أَنْجَبُ، وَلِهَذَا يُقَالُ: اغْتَرِبُوا لَا تَضْوُوا يَعْنِي: انْكِحُوا الْغَرَائِبَ كَيْ لَا تَضْعُفَ أَوْلَادُكُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْغَرَائِبُ أَنْجَبُ، وَبَنَاتُ الْعَمِّ أَصْبَرُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الْعَدَاوَةُ فِي النِّكَاحِ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى الطَّلَاقِ، فَإِذَا كَانَ فِي قَرَابَتِهِ أَفْضَى إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (المغني). قال في (الإنصاف): ويستحب تخيّر ذات الدين الولود البكر الحسيبة الأجنبية. لكن هذا فيه نظر: فقد تزوج علي بن أبي طالب بفاطمة بنت رسول الله ﷺ (وأبوها رسول الله ﷺ ابن عم علي) وأنجبا سيدا شباب الجنة. وتزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش وهي ابنة عمته. وقد جاء في بعض الأحاديث الحث على تغريب النكاح، إلا أن هذه الأحاديث لم يثبت منها شيء عن النبي ﷺ . قال الحافظ ابن الملقن ﵀: لم أر أنا في الباب في كتاب حديثي ما يستأنس به" انتهى من "البدر المنير" (٧/ ٥٠٠). وهذه بعض الأحاديث الواردة في هذا: حديث (غربوا النكاح) وحديث (لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاوياً).

стр. 2409

قال السبكي ﵀ معلقا على القول باستحباب تغريب النكاح - ينبغي أن لا يثبت هذا الحكم لعدم الدليل، وقد زوج النبي ﷺ علياً بفاطمة رضي الله تعالى عنهما، وهي قرابة قريبة. وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀: قرأتُ قولاً يقول: (اغتربوا لا تضووا) هل هو حديث صحيح، وهل هناك أحاديث أخرى حول هذا الموضوع؟ نرجو توضيح السنة الصحيحة في مسألة اختيار الزوجة؟ فأجاب: ليس لهذا أصل، بل كونها تتزوج من الأقارب أفضل، والنبي ﷺ زوج من أقاربه ﵊، أما قول بعض الفقهاء هذا لا أصل له، بل هو مخير، إن شاء تزوج قريبة كبنت عمه وخاله، وإن شاء تزوج بعيداً، لا حرج في ذلك. وأما قول من قال: الأجنبية أنجب وأفضل، فهذا لا أصل له، ولا دليل عليه، فإن تيسرت قريبة طيبة فهي أولى، وهي من هذا الباب صلة رحم، أما إن كانت الأجنبية أزين، وأكثر خيراً، فالأجنبية أفضل، المقصود أن يتحرى المرأة الصالحة قريبة أو غير قريبة، لقوله ﷺ (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، فالمؤمن يلتمس ذات الدين الطيبة وإن كانت من غير أقاربه، والزوجة كذلك تلتمس الزوج الصالح، وتسأل عنه، وإن كان من غير أقاربها. (فتاوى نور على الدرب) (واحدة). أي: يسن نكاح واحدة لا أكثر. لأن الزيادة عليها تعريض للمحرم، قال الله تعالى (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم). قال المرداوي الحنبلي: وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا: أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى وَاحِدَةٍ، إنْ حَصَلَ بِهَا الْإِعْفَافُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ … قَالَ ابْنُ خَطِيبِ السَّلَامِيَّةِ: جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ اسْتَحَبُّوا أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى وَاحِدَة. (الإنصاف). وقال الحجاوي: " ويُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى وَاحِدَةٍ إنْ حَصَلَ بِهَا الْإِعْفَافُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْمُحَرَّمِ، قَالَ تَعَالَى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)، وَقَالَ ﷺ (مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ) رَوَاهُ الْخَمْسَة. (كشاف القناع).

стр. 2410

وذهب بعض العلماء: إلى أن السنة التعدد بشروطه. قال ابن قدامة: ولأن النبي ﷺ تزوج وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي ﷺ وأصحابه إلا بالأفضل. ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل، والاشتغال بالأدنى. (المغني). وقال الشيخ ابن باز: الأصل في ذلك شرعية التعدّد لمن استطاع ذلك، ولم يخف الجور، لما في ذلك من المصالح الكثيرة في عفة فرجه، وعفة من يتزوجهن، والإحسان إليهن، ويكثر النسل الذي به تكثر الأمة. وكثير من يعبد الله وحده، ولأنه ﷺ تزوج أكثر من واحدة. (ويحرُمُ نَظرُ الرجل إلى المرأةِ الأجنبية). أي: يحرم الرجل أن ينظر إلى المرأة الأجنبية عنه، فيجب على الإنسان أن يغض بصره عن كل ما حرم الله تعالى. أ- قال تعالى (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ … ). ب- وقال النبي ﷺ (إياكم والجلوس في الطرقات … ثم قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام … ). ج- وعن جرير قال (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري) رواه مسلم. د- عَنِ ابْنِ بُرَيْدَة. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيٍّ (يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ) رواه أبو داود. هـ- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَي مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُه) متفق عليه.

стр. 2411

فائدة: ١ قوله (يغضوا من أبصارهم) قدم غض البصر على حفظ الفرج، لأن غض البصر وسيلة إلى حفظ الفرج، وإطلاق البصر سبب لعدم حفظ الفرج. فائدة: ٢ في غض البصر فوائد: أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق نظره دامت حسرته. ثانيها: أنه يورث القلب نوراً وإشراقاً يظهر في العين وفي الوجه. ثالثها: أنه يورث حجة الفراسة. فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله إطلاق نور بصيرته. رابعها: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه. خامسها: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته، وفي الأثر: أن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله. سادسها: أنه يورث القلب سروراً وفرحة وانشراحاً أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر. سابعها: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة. قال ابن القيم: فتنة النظر أصل كل فتنة. وقال: من أطلق بصره دامت حسرته. قال في الفروع: وَلْيَحْذَرْ الْعَاقِلُ إطْلَاقَ الْبَصَرِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ تَرَى غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْعِشْقُ فَيُهْلِكُ الْبَدَنَ وَالدِّينَ، فَمَنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَتَفَكَّرْ فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذَا أَعْجَبَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَةٌ فَلْيَذْكُرْ مَثَانَتَهَا، وَمَا عِيبَ نِسَاءُ الدُّنْيَا بِأَعْجَبَ مِنْ قَوْلِهِ (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) وَإِيَّاكَ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ يُشَتِّتُ الشَّمْلَ، وَيُكْثِرُ الْهَمَّ.

стр. 2412

فائدة: ٣ الزواج سبب للإحصان. عَنْ جَابِرٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهْىَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِه) رواه مسلم. قال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ رَأَى اِمْرَأَة فَتَحَرَّكَتْ شَهْوَته أَنْ يَأْتِي اِمْرَأَته أَوْ جَارِيَته إِنْ كَانَتْ لَهُ، فَلْيُوَاقِعهَا لِيَدْفَع شَهْوَته، وَتَسْكُن نَفْسه، وَيَجْمَع قَلْبه عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ. قَوْله ﷺ : (إِنَّ الْمَرْأَة تُقْبِل فِي صُورَة شَيْطَان وَتُدْبِر فِي صُورَة شَيْطَان) قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ: الْإِشَارَة إِلَى الْهَوَى وَالدُّعَاء إِلَى الْفِتْنَة بِهَا لِمَا جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى فِي نُفُوس الرِّجَال مِنْ الْمَيْل إِلَى النِّسَاء، وَالِالْتِذَاذ بِنَظَرِهِنَّ، وَمَا يَتَعَلَّق بِهِنَّ، فَهِيَ شَبِيهَة بِالشَّيْطَانِ فِي دُعَائِهِ إِلَى الشَّرّ بِوَسْوَسَتِهِ وَتَزْيِينه لَهُ. وَيُسْتَنْبَط مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهَا أَلَّا تَخْرُج بَيْن الرِّجَال إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الْغَضّ عَنْ ثِيَابهَا، وَالْإِعْرَاض عَنْهَا مُطْلَقًا. وقال القرطبي: ( … في صورة شيطان) أي: في صفته من الوسوسة، والتحريك للشهوة؛ بما يبدو منها من المحاسن المثيرة للشهوة النفسية، والميل الطبيعي، وبذلك تدعو إلى الفتنة التي هي أعظم من فتنة الشيطان، ولذلك قال ﷺ (ما تركت في أمتي فتنة أضر على الرجال من النساء) فلمّا خاف ﷺ هذه المفسدة على أمته أرشدهم إلى طريق بها تزول وتنحسم، فقال (إذا أبصر أحدكم المرأة فأعجبته فليأت أهله)، ثم أخبر بفائدة ذلك، وهو قوله (فإن ذلك يردّ ما في نفسه)، وللردّ وجهان: أحدهما: أنَّ المنَّي إذا خرج؛ انكسرت الشهوة، وانطفأت، فزال تعلُّق النَّفْس بالصّورة الْمَرئية. وثانيهما: أن محل الوطء والإصابة متساوٍ من النساء كلِّهن، والتفاوت إنما هو من خارج ذلك، فليُكْتَف بمحلِّ الوطء، الذي هو المقصود، ويُغْفَل عمَّا سواه، وقد دلّ على هذا ما جاء في هذا الحديث في غير "الأم" بعد قوله (فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها).

стр. 2413

(إلا من يريد خِطبتها فله رؤيتها). أي: يستثنى من النظر المحرّم: الرجل إذا رغب في خطبة امرأة فله رؤيتها. قوله (فله) يحتمل أن تكون اللام للإباحة ويحتمل أن تكون للاستحباب، وهذا هو الراجح. أ- لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنْصَارِ شَيْئاً». قَالَ قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا) رواه مسلم. - قوله (فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنْصَارِ شَيْئاً) اختلف في المراد بقوله (شيئاً) فقيل: عمش، وقيل: صغر، قال الحافظ: الثاني وقع في رواية أبي عوانة في مستخرجه، فهو المعتمد. ب- وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ، قَالَ: فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا) رواه أبو داود. ج- وعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا) رواه الترمذي. د- وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، قَالَ (خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهَا فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا) رواه ابن ماجه. فهذه الأحاديث تدل على جواز نظر الرجل للمرأة التي يريد أن يخطبها وأن ذلك مستحب.

стр. 2414

قال النووي: وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ قَوْم كَرَاهَته، وَهَذَا خَطَأ مُخَالِف لِصَرِيحِ هَذَا الْحَدِيث. (نووي). وقال في (روضة الطالبين) إذا رغب في نكاحها استحب أن ينظر إليها لئلا يندم، وفي وجه: لا يستحب هذا النظر بل هو مباح، والصحيح الأول للأحاديث. وقال الصنعاني: دلت الأحاديث على أنه يُندب تقديم النظر إلى من يريد نكاحها، وهو قول جماهير العلماء. ولأن النبي ﷺ علل الحكم بعلة تدل على الطلب وهي قوله (فإنه أحرى أن يُؤدم بينكما).

стр. 2415

فائدة: ١ متى يكون النظر؟ الصحيح أنه يكون بعد العزم وقبل الخِطبة. قال ابن تيمية: ينبغي أن يكون النظر بعد العزم على نكاحها وقبل الخطبة. ويدل لذلك: أ- حديث محمد بن مسلمة السابق (إِذَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ … ). ففي هذا الحديث رتب الإذن بالنظر بمجرد الإلقاء في القلب، والإلقاء يكون قبل الخطبة، مما يدل على أن وقت النظر بعد العزم وقبل الخطبة. ب- وحديث جابر السابق في قوله (إذا خطب أحدكم المرأة … ) أي: إذا أراد أن يخطب. ج- وأيضاً من أجل أن يُقدِمَ أو يحجِم، ولا يكون بعد الخطبة، لأنه لو خطب امرأة ثم نظر إليها ولم تعجبه وتركها، فهذا يؤثر عليه وعليها. فائدة: ٢ هل يشترط رضا المخطوبة؟ لا يشترط رضا المخطوبة في النظر، وهذا مذهب جمهور العلماء، ينظر إليها ولو لم ترض. فهو قول الشافعية، والحنابلة، والظاهرية. قال النووي: … ثُمَّ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَأَحْمَد وَالْجُمْهُور أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِي جَوَاز هَذَا النَّظَر رِضَاهَا، بَلْ لَهُ ذَلِكَ فِي غَفْلَتهَا، وَمَنْ غَيْر تَقَدُّم إِعْلَام، لَكِنْ قَالَ مَالِك: أَكْرَه نَظَرَهُ فِي غَفْلَتهَا مَخَافَة مِنْ وُقُوع نَظَره عَلَى عَوْرَة. وَعَنْ مَالِك رِوَايَة ضَعِيفَة أَنَّهُ لَا يَنْظُر إِلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَدْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَشْتَرِط اِسْتِئْذَانهَا، وَلِأَنَّهَا تَسْتَحْيِي غَالِبًا مِنْ الْإِذْن، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا، فَرُبَّمَا رَآهَا فَلَمْ تُعْجِبهُ فَيَتْرُكهَا فَتَنْكَسِر وَتَتَأَذَّى. (نووي). أ- لحديث أبي حميد قال: قال ﷺ (إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها لخطبته وإن كانت لا تعلم) رواه أحمد.

стр. 2416

وحديث جابر - السابق - وفيه ( … فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها، فتزوجتها). ففي هذين الحديثين دلالة على جواز النظر بدون رضاها وإعلامها، للتصريح بذلك في الحديث الأول، وتخبأ جابر في الحديث الثاني، ولو كان النظر بإعلامها لما احتاج إلى ذلك، مما يدل على عدم اشتراط إعلامها قبل النظر. فائدة: ٣ ولكن كيف ينظر؟ إذا أمكن أنه ينظر إليها باتفاق مع وليها، بأن يحضر وينظر لها فله ذلك، فإن لم يمكن فله أن يختبئ لها في مكان تمر منه، وما أشبه ذلك، وينظر إليها. … (الشرح الممتع). (فَينظرُ منها ما يظهَرُ غالباً). هذا بيان ما الذي يجوز لهذا الخاطب أن ينظر من هذه المرأة: وهو ما يظهر غالباً. كالوجه، واليدين، والقدمين، هذا الراجح من أقوال العلماء. لأنه ﷺ لما أذن في النظر إليها من غير علمها عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر غالباً، إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره في الظهور، ولأنه يظهر غالبا أشبه الوجه. (كشاف القناع). ورجح هذا القول الألباني، وهو الصحيح. وقال بعض العلماء: ينظر إلى الوجه والكفين فقط. وهذا مذهب الشافعي. قال النووي: ثم إنه يباح النظر إلى وجهها وكفيها فقط، لأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها. وقال بعضهم: ينظر إلى جميع بدنها. وهو قول داود.

стр. 2417

(بلا خَلوة). أي: لا يجوز أن يخلو بها، لأنها ما زالت أجنبية. قال ابن قدامة: ولا يجوز له الخلوة بها لأنها مُحرّمة، ولم يَرد الشرع بغير النظر فبقيت على التحريم، ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور. عن ابن عباس. قال: ﷺ (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) متفق عليه. وقال ﷺ (لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان). • الخلوة بالمرأة الأجنبية حرام. قال في الفتح: وهو إجماع. للأحاديث السابقة. ولحديث عقبة بن عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْت) رواه مسلم. قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم": قَالَ اللَّيْث بْن سَعْد: الْحَمو أَخُو الزَّوْج، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِب الزَّوْج: اِبْن الْعَمّ وَنَحْوه. اِتَّفَقَ أَهْل اللُّغَة عَلَى أَنَّ الْأَحْمَاء أَقَارِب زَوْج الْمَرْأَة كَأَبِيهِ، وَأَخِيهِ، وَابْن أَخِيهِ، وَابْن عَمّه، وَنَحْوهمْ. وَالْأُخْتَانِ أَقَارِب زَوْجَة الرَّجُل. وَالْأَصْهَار يَقَع عَلَى النَّوْعَيْنِ. وَأَمَّا قَوْله ﷺ (الْحَمو الْمَوْت) فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَوْف مِنْهُ أَكْثَر مِنْ غَيْره، وَالشَّرّ يُتَوَقَّع مِنْهُ، وَالْفِتْنَة أَكْثَر لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُول إِلَى الْمَرْأَة وَالْخَلْوَة مِنْ غَيْر أَنْ يُنْكَر عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيّ. وَالْمُرَاد بِالْحَمْوِ هُنَا أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ. فَأَمَّا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء فَمَحَارِم لِزَوْجَتِهِ تَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا، وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْأَخ، وَابْن الْأَخ، وَالْعَمّ، وَابْنه، وَنَحْوهمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ. وَعَادَة النَّاس الْمُسَاهَلَة فِيهِ، وَيَخْلُو بِامْرَأَةِ أَخِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْمَوْت، وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته هُوَ صَوَاب مَعْنَى الْحَدِيث - هذه الحرمة مطلقة، سواء أمنت الفتنة أم لم تؤمن، وسواء وجدت العدالة أو لم توجد.

стр. 2418

• وفي قوله (لا يخلون … ) نستفيد: جواز الخلوة مع وجود المحْرَم. فائدة: ما يرفع الخلوة بين امرأة أجنبية ورجل أجنبي: أ- الزوج. قال النووي: لو كان معها زوجها كان كالمحرم وأولى بالجواز. ب-محرَم المرأة - كأبيها أو أخيها - وهو يرفع الخلوة بلا ريب ؛ لنص الحديث على ذلك؛ ففي الصحيحين عن ﷺ قال (لَا يَخْلونَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إِلاَّ وَمَعَها ذُو مَحْرَم) وإنه إذا صلح محرماً لها في السفر فأولى أن يرفع الخلوة المحرمة في الحضر. ج-وجود امرأة مأمونة أو أكثر. قال النووي: وأمَّا إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما: فهو حرام باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يُستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك؛ فإن وجوده كالعدم. (شرح مسلم). وقال أيضاً: والمشهور جواز خلوة رجل بنسوة لا محرَم له فيهن؛ لعدم المفسدة غالباً؛ لأن النساء يستحين من بعضهن بعضاً. (المجموع)

стр. 2419

وقال الشيخ ابن عثيمين: إذا كان مع المرأة مثلُها انتفت الخَلوة. د-وجود رجل مأمون أو أكثر. قال الشيخ عبد العزيز بن باز: أما إذا كان معهما رجل آخر أو أكثر، أو امرأة أخرى أو أكثر: فلا حرج في ذلك إذا لم يكن هناك ريبة؛ لأن الخلوة تزول بوجود الثالث أو أكثر. وقال الشيخ ابن عثيمين: أما إذا كان معه امرأتان فأكثر: فلا بأس؛ لأنه لا خلوة حينئذٍ بشرط أن يكون مأموناً، وأن يكون في غير سفر. فائدة: ٢ شروط النظر إلى المخطوبة: أولاً: أن يغلب على ظنه الإجابة. ثانياً: أن لا يقصد التلذذ، لأن المقصود الاستعلام لا الاستمتاع. ثالثاً: أن لا يكون بخلوة، لأنها أجنبية عنه. رابعاً: أن يكون عازماً على الخطبة. خامساً: ألا تكون المرأة متجملة، لأمرين: الأمر الأول: أنه تدليس بالنسبة للرجل، والأمر الثاني: أنه فتنة. فائدة: ٣ يجوز تكرار النظر للمخطوبة: يجوز للخاطب أن ينظر للمخطوبة، ويجلس معها، ويحادثها، ولو تكرر ذلك أكثر من مرة، ما دام متردداً ويهدف للوصول إلى قناعة تامة، وقَبول كلٍّ منهما بالآخر، شريطة أن يكون ذلك دون خلوة، وفي حدود الكلام المباح والمعتاد. فإذا جزم بالخطبة أو عدمها، رجع الحكم إلى الأصل وهو تحريم النظر إليها، لأن سبب الإباحة قد زال. ويدل على هذا قوله ﵊ (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ).

стр. 2420

قال الشيخ ابن عثيمين: يجوز أن يكرر النظر إليها … فإذا كان في أول مرة ما وجد ما يدعوه إلى نكاحها، فلينظر مرة ثانية، وثالثة. (الشرح الممتع). وقال الشيخ ابن باز: يجوز للرجل إذا أراد خطبة المرأة أن يتحدث معها، وأن ينظر إليها من دون خلوة … ، فإذا كان الكلام معها فيما يتعلق بالزواج والمسكن وسيرتها، حتى تعلم هل تعرف كذا، فلا بأس بذلك إذا كان يريد خطبتها. وفي (الموسوعة الفقهية) يَجُوزُ تَكْرَارُ النَّظَرِ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لِيَتَبَيَّنَ هيئتها، فَلَا يَنْدَمُ بَعْدَ النِّكَاحِ، إِذْ لَا يَحْصُل الْغَرَضُ غَالِبًا بِأَوَّل نَظْرَة. فائدة: ٤ الصورة لا تقوم مقام النظر، لأن التصوير حرام، ولأن الصورة لا تقوم مقام الحقيقة، فإن الصورة تجمل الإنسان أكثر مما هو عليه. فائدة: ٥ قال أبو الفرج المقدسي: ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها .. مجمع المحاسن، وموضع النظر. فائدة: ٦ هل يجوز أن ترسل امرأة صورتها بالإنترنت لرجل خاطب في مكان بعيد ليراها فيقرر هل يتزوجها أم لا؟ الجواب: لا أرى هذا: أولا: لأنه قد يشاركه غيره في النظر إليها. ثانيا: لأن الصورة لا تحكي الحقيقة تماماً، فكم من صورة رآها الإنسان فإذا شاهد المصوَّر وجده مختلف تماماً. ثالثا: أنه ربما تبقى هذه الصورة عند الخاطب ويعدل عن الخطبة ولكن تبقى عنده يلعب بها كما شاء. والله أعلم. (ابن عثيمين).
следующие страницы →