Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
وحديث جابر - السابق - وفيه ( … فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها، فتزوجتها).
ففي هذين الحديثين دلالة على جواز النظر بدون رضاها وإعلامها، للتصريح بذلك في الحديث الأول، وتخبأ جابر في الحديث الثاني، ولو كان النظر بإعلامها لما احتاج إلى ذلك، مما يدل على عدم اشتراط إعلامها قبل النظر.
فائدة: ٣
ولكن كيف ينظر؟ إذا أمكن أنه ينظر إليها باتفاق مع وليها، بأن يحضر وينظر لها فله ذلك، فإن لم يمكن فله أن يختبئ لها في مكان تمر منه، وما أشبه ذلك، وينظر إليها. … (الشرح الممتع).
(فَينظرُ منها ما يظهَرُ غالباً).
هذا بيان ما الذي يجوز لهذا الخاطب أن ينظر من هذه المرأة: وهو ما يظهر غالباً.
كالوجه، واليدين، والقدمين، هذا الراجح من أقوال العلماء.
لأنه ﷺ لما أذن في النظر إليها من غير علمها عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر غالباً، إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة
غيره في الظهور، ولأنه يظهر غالبا أشبه الوجه. (كشاف القناع).
ورجح هذا القول الألباني، وهو الصحيح.
وقال بعض العلماء: ينظر إلى الوجه والكفين فقط.
وهذا مذهب الشافعي.
قال النووي: ثم إنه يباح النظر إلى وجهها وكفيها فقط، لأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها.
وقال بعضهم: ينظر إلى جميع بدنها.
وهو قول داود.
стр. 2417
(بلا خَلوة).
أي: لا يجوز أن يخلو بها، لأنها ما زالت أجنبية.
قال ابن قدامة: ولا يجوز له الخلوة بها لأنها مُحرّمة، ولم يَرد الشرع بغير النظر فبقيت على التحريم، ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور.
عن ابن عباس. قال: ﷺ (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) متفق عليه.
وقال ﷺ (لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان).
• الخلوة بالمرأة الأجنبية حرام.
قال في الفتح: وهو إجماع.
للأحاديث السابقة.
ولحديث عقبة بن عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْت) رواه مسلم.
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم": قَالَ اللَّيْث بْن سَعْد: الْحَمو أَخُو الزَّوْج، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِب الزَّوْج: اِبْن الْعَمّ وَنَحْوه. اِتَّفَقَ أَهْل اللُّغَة عَلَى أَنَّ الْأَحْمَاء أَقَارِب زَوْج الْمَرْأَة كَأَبِيهِ، وَأَخِيهِ، وَابْن أَخِيهِ، وَابْن عَمّه، وَنَحْوهمْ. وَالْأُخْتَانِ أَقَارِب زَوْجَة الرَّجُل. وَالْأَصْهَار يَقَع عَلَى النَّوْعَيْنِ. وَأَمَّا قَوْله ﷺ (الْحَمو الْمَوْت) فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَوْف مِنْهُ أَكْثَر مِنْ غَيْره، وَالشَّرّ يُتَوَقَّع مِنْهُ، وَالْفِتْنَة أَكْثَر لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُول إِلَى الْمَرْأَة وَالْخَلْوَة مِنْ غَيْر أَنْ يُنْكَر عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيّ. وَالْمُرَاد بِالْحَمْوِ هُنَا أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ. فَأَمَّا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء فَمَحَارِم لِزَوْجَتِهِ تَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا، وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْأَخ، وَابْن الْأَخ، وَالْعَمّ، وَابْنه، وَنَحْوهمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ. وَعَادَة النَّاس الْمُسَاهَلَة فِيهِ، وَيَخْلُو بِامْرَأَةِ أَخِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْمَوْت، وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته هُوَ صَوَاب مَعْنَى الْحَدِيث
- هذه الحرمة مطلقة، سواء أمنت الفتنة أم لم تؤمن، وسواء وجدت العدالة أو لم توجد.
стр. 2418
• وفي قوله (لا يخلون … ) نستفيد: جواز الخلوة مع وجود المحْرَم.
فائدة:
ما يرفع الخلوة بين امرأة أجنبية ورجل أجنبي:
أ- الزوج.
قال النووي: لو كان معها زوجها كان كالمحرم وأولى بالجواز.
ب-محرَم المرأة - كأبيها أو أخيها - وهو يرفع الخلوة بلا ريب ؛ لنص الحديث على ذلك؛ ففي الصحيحين عن ﷺ قال (لَا يَخْلونَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إِلاَّ وَمَعَها ذُو مَحْرَم) وإنه إذا صلح محرماً لها في السفر فأولى أن يرفع الخلوة المحرمة في الحضر.
ج-وجود امرأة مأمونة أو أكثر.
قال النووي: وأمَّا إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما: فهو حرام باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يُستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك؛ فإن وجوده كالعدم. (شرح مسلم).
وقال أيضاً: والمشهور جواز خلوة رجل بنسوة لا محرَم له فيهن؛ لعدم المفسدة غالباً؛ لأن النساء يستحين من بعضهن بعضاً. (المجموع)
стр. 2419
وقال الشيخ ابن عثيمين: إذا كان مع المرأة مثلُها انتفت الخَلوة.
د-وجود رجل مأمون أو أكثر.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز: أما إذا كان معهما رجل آخر أو أكثر، أو امرأة أخرى أو أكثر: فلا حرج في ذلك إذا لم يكن هناك ريبة؛ لأن الخلوة تزول بوجود الثالث أو أكثر.
وقال الشيخ ابن عثيمين: أما إذا كان معه امرأتان فأكثر: فلا بأس؛ لأنه لا خلوة حينئذٍ بشرط أن يكون مأموناً، وأن يكون في غير سفر.
فائدة: ٢
شروط النظر إلى المخطوبة:
أولاً: أن يغلب على ظنه الإجابة.
ثانياً: أن لا يقصد التلذذ، لأن المقصود الاستعلام لا الاستمتاع.
ثالثاً: أن لا يكون بخلوة، لأنها أجنبية عنه.
رابعاً: أن يكون عازماً على الخطبة.
خامساً: ألا تكون المرأة متجملة، لأمرين:
الأمر الأول: أنه تدليس بالنسبة للرجل، والأمر الثاني: أنه فتنة.
فائدة: ٣
يجوز تكرار النظر للمخطوبة:
يجوز للخاطب أن ينظر للمخطوبة، ويجلس معها، ويحادثها، ولو تكرر ذلك أكثر من مرة، ما دام متردداً ويهدف للوصول إلى قناعة تامة، وقَبول كلٍّ منهما بالآخر، شريطة أن يكون ذلك دون خلوة، وفي حدود الكلام المباح والمعتاد.
فإذا جزم بالخطبة أو عدمها، رجع الحكم إلى الأصل وهو تحريم النظر إليها، لأن سبب الإباحة قد زال.
ويدل على هذا قوله ﵊ (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ).
стр. 2420
قال الشيخ ابن عثيمين: يجوز أن يكرر النظر إليها … فإذا كان في أول مرة ما وجد ما يدعوه إلى نكاحها، فلينظر مرة ثانية، وثالثة. (الشرح الممتع).
وقال الشيخ ابن باز: يجوز للرجل إذا أراد خطبة المرأة أن يتحدث معها، وأن ينظر إليها من دون خلوة … ، فإذا كان الكلام معها فيما يتعلق بالزواج والمسكن وسيرتها، حتى تعلم هل تعرف كذا، فلا بأس بذلك إذا كان يريد خطبتها.
وفي (الموسوعة الفقهية) يَجُوزُ تَكْرَارُ النَّظَرِ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لِيَتَبَيَّنَ هيئتها، فَلَا يَنْدَمُ بَعْدَ النِّكَاحِ، إِذْ لَا يَحْصُل الْغَرَضُ غَالِبًا بِأَوَّل نَظْرَة.
فائدة: ٤
الصورة لا تقوم مقام النظر، لأن التصوير حرام، ولأن الصورة لا تقوم مقام الحقيقة، فإن الصورة تجمل الإنسان أكثر مما هو عليه.
فائدة: ٥
قال أبو الفرج المقدسي: ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها .. مجمع المحاسن، وموضع النظر.
فائدة: ٦
هل يجوز أن ترسل امرأة صورتها بالإنترنت لرجل خاطب في مكان بعيد ليراها فيقرر هل يتزوجها أم لا؟
الجواب: لا أرى هذا:
أولا: لأنه قد يشاركه غيره في النظر إليها.
ثانيا: لأن الصورة لا تحكي الحقيقة تماماً، فكم من صورة رآها الإنسان فإذا شاهد المصوَّر وجده مختلف تماماً.
ثالثا: أنه ربما تبقى هذه الصورة عند الخاطب ويعدل عن الخطبة ولكن تبقى عنده يلعب بها كما شاء. والله أعلم. (ابن عثيمين).
стр. 2421
وسئل الشيخ ابن عثيمين عن حكم لبس دبلة الخطوبة فقال:
دبلة الخطوبة عبارة عن خاتم، والخاتم في الأصل ليس فيه شيء إلا أن يصحبه اعتقاد كما يفعله بعض الناس يكتب اسمه في الخاتم الذي يعطيه مخطوبته، وتكتب اسمها في الخاتم الذي تعطيه إياه زعماً منهما أن ذلك يوجب الارتباط بين الزوجين، ففي هذه الحال تكون هذه الدبلة محرّمة، لأنها تعلّق بما لا أصل له شرعاً ولا حسّاً، كذلك أيضاً لا يجوز في هذا الخاتم أن يتولى الخاطب إلباسه مخطوبته، لأنها لم تكن زوجه بعد، فهي أجنبيّة عنه، إذ لا تكون زوجة إلا بعد العقد.
(وَيَحْرُمُ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ، وَالْمُبَانَةِ دُونَ التَّعْرِيض).
أي: يحرم ولا يجوز أن يصرح بخطبة المرأة المعتدة مطلقاً، ويجوز التعريض بخطبة المعتدة من وفاة أو مطلقة ثلاثاً.
- والخِطبة بكسر الخاء طلب المرأة للزواج.
- والمعتدة: من لم يمض على وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً، وعلى طلاقها ثلاث حيضات إن لم تكن حاملاً.
- التصريح: هو وعد المرأة بالنكاح أو طلب التزوج بها باللفظ الصريح، نحو أريد أن أتزوجك، أو زوجيني نفسك، أو فإذا انقضت عدتك تزوجتك، ونحو ذلك مما لا يحتمل غير النكاح.
- التعريض: خلاف التصريح، نحو: إني في مثلك لراغب، أو إذا انقضت عدتك فأعلميني، أو لا تفوتيني على نفسك.
حكم المسألة:
يجوز التعريض بخطبة المعتدة من وفاة زوجها، أو في المرأة التي طلقها زوجها طلاقاً بائناً لا يستطيع الرجوع إليها، وهي إما أن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات، أو مطلقة على عرض، ويحرم التصريح:
стр. 2422
والدليل على ذلك:
أ- قوله تعالى (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ).
أي لا إثم عليكم أيها الرجال في التعريض بخطبة النساء المتوفى عنهن أزواجهن في العدة بطريق التلميح لا التصريح، فخص التعريض بنفي الحرج، وذلك يدل على وجود الحرج في التصريح، فيكون ذلك دليلاً على عدم جوازه، ولأن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها.
ب- وعن فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قالها لما طلقها زوجها ثلاثاً (فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَآذِنِينِي) وفي لفظ (لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ) رواه مسلم
فائدة:
المطلقة الرجعية [وهي من طلقت طلقة واحدة أو اثنتين] لا يجوز التعريض بخطبتها، لأنها زوجة حكمها حكم الزوجات.
(ويحرم أن يخطب على خِطبة أخيهِ المسلم إن أُجيب).
أي: لا يجوز للرجل أن يخطب امرأة خطبها رجل آخر وأجيب.
أ- لحديثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ اَلْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ اَلْخَاطِبُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ولفظه عند مسلم (لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ) متفق عليه.
ب- وعن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ
أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ).
ج- وعن أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) رواه مسلم.
قال النووي: هَذِهِ الْأَحَادِيث ظَاهِرَة فِي تَحْرِيم الْخِطْبَة عَلَى خِطْبَة أَخِيهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمهَا إِذَا كَانَ قَدْ صُرِّحَ لِلْخَاطِبِ بِالْإِجَابَةِ، وَلَمْ يَأْذَن، وَلَمْ يَتْرُك. (شرح مسلم).
стр. 2423
وقال ابن قدامة: أَنْ تَسْكُنَ إلَى الْخَاطِبِ لَهَا، فَتُجِيبَهُ، أَوْ تَأْذَنَ لِوَلِيِّهَا فِي إجَابَتِهِ أَوْ تَزْوِيجِهِ، فَهَذِهِ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ خَاطِبِهَا خِطْبَتُهَا:
وذكر الأحاديث السابقة.
وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إفْسَادًا عَلَى الْخَاطِبِ الْأَوَّلِ.
وَإِيقَاعَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّ قَوْمًا حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَالظَّاهِرُ أَوْلَى. (المغني).
وقال ابن حجر: قال الجمهور، هذا النهي للتحريم. (الفتح).
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْخِطْبَةَ عَلَى الْخِطْبَةِ حَرَامٌ إِذَا حَصَل الرُّكُونُ إِلَى الْخَاطِبِ الأْول.
فائدة:
الحكمة من تحريم الخطبة على خطبة المسلم:
أن هذا التصرف من أسباب العداوة والبغضاء بين الناس.
ولأن هذا التصرف فيه ظلم للخاطب الأول وفيه تعد عليه لأن الحق له ما دام أنه هو الخاطب.
(فإِنْ رُدَّ أَوْ أَذِنَ جَاز).
أي: أنه في حالتين يجوز أن يخطب الثاني:
الأولى: إن رُد الخاطب.
لأن حق الخاطب الأول سقط بالرد.
الثانية: إذا أذِن له.
стр. 2424
للحديث السابق ( .... لَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ اَلْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ اَلْخَاطِبُ).
ومن الحالات التي يجوز:
الثالثة: إذا ترك الخاطب الأول الخطبة.
لرواية (وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ).
قال النووي: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْخِطْبَة رَغْبَة عَنْهَا، وَأَذِنَ فِيهَا، جَازَتْ الْخِطْبَة عَلَى خِطْبَته، وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث
فائدة: ١
اختلف العلماء: إذا لم يركنوا إلى الخاطب. (يعني لم يقبلوا حتى الآن، ما زالوا في التفاوض وفي طور البحث) هل يجوز أن يخطب على خطبته أم لا على قولين:
القول الأول: يجوز.
القول الثاني: لا يجوز.
لأن هذا يعتبر خطبة على خطبة أخيه.
لأنهم قد يكونون على وشك الموافقة.
والله أعلم.
فائدة: ٢
اختلف العلماء: هل يجوز أن يخطب على خطبة غير المسلم أم لا على قولين:
مثال: أن يخطب يهودي يهودية، فهل يجوز للمسلم أن يذهب ويخطب هذه اليهودية؟
القول الأول: أنه يجوز.
قال النووي: وبه قال الأوزاعي، ورجحه ابن المنذر، والخطابي.
أ- لقوله (على خِطبة أخيه) والكافر ليس أخاً للمسلم.
ويؤيده رواية (الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ).
стр. 2425
قال الخطابي: قطع الله الأخوة بين الكافر والمسلم، فيختص النهي بالمسلم.
ب- ولأن الكافر ليس له حرمة.
القول الثاني: أنه لا يجوز.
وبه قال جمهور العلماء.
لرواية (ولا يخطب الرجل على خطبة الرجل).
وأما التقييد (بأخيه) فيحمل على الغالب، فلا مفهوم له كقوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق).
وهذا القول هو الصحيح.
فائدة: ٣
يحرم أن تخطب المرأة على خطبة المرأة لنفس العلة.
مثال: امرأة عرضت نفسها على رجل، فلا يحل لامرأة أخرى أن تأتي وتعرض نفسها عليه وتزهده في التي قبلها.
فائدة: ٤
الجواب عن قصة فاطمة بنت قيس، أنها جاءت تستشير النبي ﷺ لما خطبها ثلاثة: أبو جهم، ومعاوية، وأسامة، الجواب: أن تحمل هذه القصة على أن الواحد منهم لم يعلم بخطبة الآخر.
فائدة: ٥
قال ابن قدامة المقدسي: وَلَا يُكْرَه لِلْوَلِيِّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِجَابَةِ، إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَهُوَ نَائِبٌ عَنْهَا فِي النَّظَرِ لَهَا، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ الرُّجُوعُ الَّذِي رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ … وَلَا يُكْرَه لَهَا أَيْضًا الرُّجُوعُ إذَا كَرِهَتْ الْخَاطِبَ; لِأَنَّهُ عَقْدُ عُمْرٍ يَدُومُ الضَّرَرُ فِيهِ، فَكَانَ لَهَا الِاحْتِيَاطُ لِنَفْسِهَا، وَالنَّظَرُ فِي حَظِّهَا.
стр. 2426
وَإِنْ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ، كُرِهَ; لِمَا فِيهِ مِنْ إخْلَافِ الْوَعْدِ، وَالرُّجُوعِ عَنْ الْقَوْلِ، وَلَمْ يُحَرَّمْ; لِأَنَّ الْحَقَّ بَعْدُ لَمْ يَلْزَمْهُمَا. (المغني).
(ويصحُ العقد).
أي: مع تحريم الخطبة.
وهذا قول أكثر العلماء، أن العقد صحيح.
وإنما كان صحيحاً: لأن النهي في الحديث مسلط على الخطبة لا على العقد، والعقد استوفى شروطه وأركانه، والمخالفة في الوسيلة وهي غير لا زمة، فقد يجري العقد من غير خطبة. (فقه الدليل).
قال النووي: فَلَوْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَته، وَتَزَوَّجَ وَالْحَالَة هَذِهِ عَصَى، وَصَحَّ النِّكَاح، وَلَمْ يُفْسَخ. هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور.
وقال ابن قدامة: فَإِنْ فَعَلَ فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
أَنَّ الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنْ الْعَقْدَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ. (المغني).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَى مَنْ تَحْرُمُ خِطْبَتُهَا - كَعَقْدِ الْخَاطِبِ الثَّانِي عَلَى الْمَخْطُوبَةِ،
وَكَعَقْدِ الْخَاطِبِ فِي الْعِدَّةِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا - يَكُونُ صَحِيحًا مَعَ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ الْخِطْبَةَ الْمُحَرَّمَةَ لَا تُقَارِنُ الْعَقْدَ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ؛ وَلأِنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ فَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِوُقُوعِهَا غَيْرَ صَحِيحَة.
стр. 2427
(وَيُسَنُّ أن يخطب بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ).
أي: يستحب للعاقد أن يخطب بخطبة ابن مسعود.
قال ابن قدامة: يستحب أن يخطب العاقد أو غيره، قبل التواجب [أي: قبل الإيجاب والقبول] ثم يكون العقد بعده … والمستحب أن يخطب بخطبة عبد الله بن مسعود التي قال: (علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة. (المغني).
عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: (عَلَّمَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلتَّشَهُّدَ فِي اَلْحَاجَةِ: " إِنَّ اَلْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اَللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ:
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).
وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ.
فالحديث دليل على استحباب تقديم هذه الخطبة على عقد النكاح.
стр. 2428
فائدة: ١
- هذه الخطبة سنة عند جماهير العلماء وليست واجبة، ومما يدل على عدم وجوبها:
حديث الواهبة نفسها، فإن الرسول ﷺ قال (زوجتكها بما معك من القرآن) ولم يذكر الخطبة.
فائدة: ٢
وهذه الخطبة قصد بها: إظهار النكاح وإشهاره، وبيان خطر هذا العقد.
فائدة: ٣
لم يرد عن أحد من السلف أنه كان يزيد على هذه الخطبة بشيء مما يزيده بعض الناس من الخطب المطولة إما في فضل النكاح أو في الترغيب في الطاعات أو الترهيب من المعاصي عند عقد النكاح، وهذه بدعة وقد قال النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)
فائدة: ٤
ذهب بعض العلماء إلى أنه يسن العقد في المسجد.
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى اسْتِحْبَابِ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِمَا، فَقَدْ قَال الرَّسُول ﷺ : أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ. (الموسوعة).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ استحباب عقد النكاح في المسجد لا أعلم له أصلاً، ولا دليلاً عن النبي ﷺ ، لكن إذا صادف أن الزوج والولي موجودان في المسجد وعقد: فلا بأس؛ لأن هذا ليس من جنس البيع والشراء، ومن المعلوم أن البيع والشراء في المسجد حرام، لكن عقد النكاح ليس من البيع والشراء، فإذا عقد في المسجد: فلا بأس، أما استحباب ذلك بحيث نقول: اخرجوا من البيت إلى المسجد، أو تواعدوا في المسجد ليعقد فيه: فهذا يحتاج إلى دليل، ولا أعلم لذلك دليلاً. (الفتاوى).
стр. 2429
والحديث الوارد في ذلك رواه الترمذي، وهو حديث ضعيف، ضعفه الترمذي، وابن حجر، والألباني، وغيرهم.
وقولهم: بأن عقد النكاح في المسجد بركة، لكن يُشْكِل على ذلك أنه لو كان الأمر كذلك لحرص النبي ﷺ على عقد الأنكحة لنفسه في المسجد، ولحرص على تبيين ذلك لأصحابه.
وعليه، فالأظهر هنا أن يقال:
أن إنشاء عقد الزواج في المسجد جائز من حيث الأصل، لا سيما إن كان ذلك في بعض الأحيان، أو كان أبعد لهم عن المنكر، مما لو عقد في مكان آخر. وأما التزام ذلك في كل عقد، أو اعتقاد أن له فضلاً خاصاً: فهو بدعة، ينبغي التنبيه عليها، ونهي الناس عن فعله على هذا الوجه.
وإن كان أثناء العقد وُجد اختلاط بين الرجال والنساء، أو حصل استعمال للمعازف: صار عقده في المسجد أشد حرمة من عقده خارجه؛ لما في ذلك من التعدي على حرمة بيت الله.
ودليل مشروعية عقد النكاح في المسجد، من حيث الأصل: حديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ ، والذي رواه البخاري ومسلم، حيث ثبت أنه زوجها لأحد أصحابه في المسجد، ولا يُحفظ أنه كرر ذلك في عقدٍ غيره.
стр. 2430
فائدة: ٥
ذهب بعض العلماء إلى استحباب عقد النكاح يوم الجمعة.
جاء في (الموسوعه الفقهية) ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ عَقْدُ النِّكَاحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأِنَّ جَمَاعَةً مِنَ السَّلَفِ اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ، مِنْهُمْ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ وَحَبِيبُ بْنُ عُتْبَةَ، وَلأِنَّهُ يَوْمٌ شَرِيفٌ، وَيَوْمُ عِيدٍ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ أَوَّل النَّهَارِ لِخَبَرِ (اللَّهُمَّ بَارِكْ لأِمَّتِي فِي بُكُورِهَا).
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الإْمْسَاءُ بِالنِّكَاحِ أَوْلَى، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال (أَمْسُوا بِالْمِلَاكِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ) وَلأِنَّهُ أَقْرَبُ لِمَقْصُودِهِ وَأَقَل لاِنْتِظَارِهِ، وَلأِنَّ فِي آخِرِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ سَاعَةَ الإْجَابَة. (الموسوعة الفقهية).
قال ابن قدامة: يستحب عقد النكاح يوم الجمعة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لا أعلم في هذا سنة، وقد علَّلوا ذلك بأن يوم الجمعة آخره فيه ساعة الإجابة، فيرجى إجابة الدعاء الذي يكون عادة بين الزوج ومن يبرِّكون عليه، بارك الله لك وعليك، ولكن يقال: هل النبي ﵇ من هديه وسنته أنه يتحرى هذا الوقت؟
إذا ثبت هذا فالقول بالاستحباب ظاهر، وأما إذا لم يثبت فلا ينبغي أن تُسن سنة، ولهذا كان النبي ﷺ يزوج في أي وقت، ويتزوج في أي وقت، ولم يثبت أنه اختار شيئاً معيناً.
نعم لو صادف هذا الوقت لقلنا: هذا ـ إن شاء الله ـ مصادفة طيبة، وأما تقصُّد هذا الوقت ففيه نظر، حتى يقوم دليل على ذلك. فالصواب: أنه متى تيسر العقد، سواء في المسجد أو البيت أو السوق أو الطائرة ونحو ذلك، وكذلك ـ أيضاً ـ يعقد في كل زمان.
стр. 2431
(وإعلان النكاح).
أي: ويسن إعلان النكاح وإظهاره.
عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (أَعْلِنُوا اَلنِّكَاحَ) رَوَاهُ أَحْمَد.
والمقصود بإعلان النكاح: إشهاره و ضرب الدف عليه للنساء والغناء المباح، وجعله ظاهراً بين الناس لا خفية لا يعلم به إلا بعض الناس. وهذا الإشهار مستحب في النكاح.
(والضرب بالدفِ للنساء).
أي: ويسن أيضاً الضرب بالدف للنساء.
والفَرقُ بين الطبل والدف على الرَّاجِحِ: أنَّ الدُّفَّ مفتوحٌ مِن أحدِ طَرَفيه وليس له جلاجِلُ، أمَّا الطَّبلُ فمُغلَقٌ مِن الجِهَتين.
أ-قال ﷺ (فصل ما بين الحلال والحرام الصوت بالدف) رواه أحمد وغيره، وحسنه الألباني.
وجه الدلالة: أنه ﷺ جعل ضرب الدف في النكاح وما يلحق به من إشهار النكاح بين الناس، جعل ذلك فارقاً بين هذا النكاح المشروع وبين السفاح الذي حرمه الشارع لخفائه وعدم إعلانه، وهذا من أوضح الأدلة على مشروعيته.
ب-وتقدم قوله ﷺ (أعلنوا النكاح).
ج-وعَنْ عَائِشَةَ (أَنَّهَا زَفَّتِ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْو) رواه البخاري.
د-عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّى، وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ، يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَا تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِين) رواه البخاري.
стр. 2432
وهذا إنما كان في عرس الرُّبيِّع بنت مُعوَّذ ﵂.
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث أفاد مشروعية إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح. فإن النبي ﷺ لم ينكر على هؤلاء الجواري ضربهن بالدف ولم ينكر عليها سماعها لهن.
هـ- (وكان عمر ﵁ إذا استمع صوتاً أنكره وسأل عنه، فإن قيل عرس أو ختان أقرّه) رواه معمر بن راشد في كتاب الجامع وابن أبي شيبة.
وفي رواية للبيهقي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا سمع صوتاً أو دُفّاً قال: ما هذا؟ فإن قالوا: عرس أو ختان صمت.
ففسّرت رواية البيهقي الصوت الذي يُنكره عمر ﵁، وأنه صوت الدفّ.
ووجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب كان يرى أن ضرب الدف في النكاح لا محظور فيه، بدليل سكوته، وعدم إنكاره.
و- وعن عامر بن سعد قال (دخلت على ابن مسعود وقرظة بن كعب وعندهما جوارٍ تغنين فقلت: أتفعلون هذا وأنتم أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: فقال: إنه رُخِّص لنا في اللهو عند العرس) رواه النسائي وابن أبي شيبة والحاكم.
ك- وعن عمرو بن ربيعة أنه قال (كنت مع ثابت بن وديعة وقرظة بن كعب في عرس فسمعت صوت غناء، فقلت: ألا تسمعان؟ فقال: إنه قد رخص لنا في الغناء عند العرس والبكاء على الميت من غير نياحة) رواه ابن أبي شيبة والحاكم في المستدرك.
стр. 2433
فائدة: ١
قال بعض العلماء:
روى البخاري أن النَّبِيَّ ﷺ قال: لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ.
و (الْحِرَ) أي الزنا.
فهذا الحديث يدل على تحريم كل الآلات الموسيقية ومنها الدف.
وقال عبد الله بن عباس ﵄ قال: الدف حرام، والمعازف حرام، والكوبة [أي الطبل] حرام، والمزمار حرام. رواه البيهقي
ولكن وردت أحاديث تدل على إباحة الضرب بالدف في بعض المواطن وهي:
العيد، والعرس، وقدوم الغائب.
وهذه أدلتها مرتبة:
أولاً: عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى) متفق عليه.
ثانياً: عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِين) رواه البخاري.
قال المهلب: في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح. انتهى من (فتح الباري).
قال ابن بطال: اتفق العلماء على جواز اللهو في وليمة النكاح، مثل ضرب الدف وشبهه ما لم يكن محرمًا.
стр. 2434
ثالثاً: عن بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ ﵁ قال: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلاَّ فَلَا) فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ). رواه الترمذي
قال ابن القيم ﵀: حديث صحيح، وله وجهان:
أحدها: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح؛ تطييباً لقلبها؛ وجبراً وتأليفاً لها على زيادة الإيمان، وقوته، وفرحها بسلامة رسول الله ﷺ .
والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله ﷺ سالماً، مؤيداً، منصوراً على أعدائه، قد أظهره الله، وأظهر دينه، وهذا من أفضل القُرَب، فأُمرت بالوفاء به. (إعلام الموقعين).
وقال العراقي في (طرح التثريب) وقد يقترن بالضرب بالدف قصد جميل كجبر يتيمة في عرسها، وإظهار السرور بسلامة من قد يعود نفعه على المسلمين، ومن ذلك: ضرب هذه المرأة بالدف، فهو مباح بلا شك" انتهى.
стр. 2435
وقال زكريا الأنصاري في (أسنى المطالب) وضرب الدف مباح في العرس والختان وغيرهما مما هو سبب لإظهار السرور كعيد وقدوم غائب وذكر حديث الجارية المتقدم.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) تعقيباً على حديث الجارية: "وهذا نص في إباحة الغناء عند قدوم غائب تأكيداً للسرور" انتهى.
فهذه الأحاديث تدل على جواز الضرب بالدف في هذه المواطن الثلاثة، وما عدا ذلك فيبقى على الأصل وهو التحريم، وتوسع بعض العلماء فقالوا يجوز الضرب بالدف في الولادة والختان، وتوسع آخرون أكثر فقالوا بجوازه في كل ما سبب لإظهار السرور كشفاء مريض ونحوه. (انظر الموسوعة الفقهية).
والأولى الاقتصار على ما ورد به النص والله اعلم. … (الإسلام سؤال وجواب).
فائدة: ٢
حكم ضرب الدف للرجال؟
اختلف العلماء في حكم الضرب به للرجال في الأعراس:
فمذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة: الجواز.
لأن الأحاديث لم تفرق بين الرجال والنساء.
وذهب الحنفية، وبعض العلماء من المذاهب الأخرى إلى اختصاص الضرب به بالنساء؛ لأن المعهود في عهد النبي ﷺ والصحابة أن يضرب به النساء لا الرجال، وهو من الأعمال الخاصة بهن.
وهو اختيار الحافظ ابن حجر، وابن قدامة المقدسي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء.
قال ابن حجر: والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء، فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن.
стр. 2436
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: رُخِّصَ للنساءِ أن يَضْرِبْنَ بالدُّفِّ في الأعراسِ والأفراحِ، وأمَّا الرِّجالُ على عَهدِه فلم يَكُنْ أحدٌ منهم يَضرِبُ بدُفٍّ، ولا يُصَفِّق بكَف.
وقال الحافِظُ ابنُ رَجبٍ: ولهذا كان جمهورُ العلماءِ على أنَّ الضَّربَ بالدُّفِّ للغِناءِ لا يُباحُ فِعلُه للرِّجالِ؛ فإنَّه من التشبُّه بالنِّساء، وهو ممنوعٌ منه، هذا قولُ الأوزاعي وأحمد، وكذا ذكَرَ الحليمي وغيره من الشافعية … فأمَّا الغِناءُ بغَيرِ ضَربِ دُفٍّ، فإن كان على وجهِ الحُداء والنَّصْبِ [وهو ضَربٌ من أغانِي العرَبِ شِبْه الحُداء]، فهو جائزٌ، وقد رُوِيَت الرخصةُ فيه عن كثيرٍ من الصَّحابة.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: وإنما الرخصة لهن في استعمال الدف خاصة، أما الرجال فلا يجوز لهم استعمال شيء من ذلك لا في الأعراس ولا في غيرها، وإنما شرع الله للرجال التدرب على آلات الحرب كالرمي وركوب الخيل والمسابقة بها وغير ذلك.
وقال أيضاً ﵀ أما الزواج فيشرع فيه ضرب الدف مع الغناء المعتاد الذي ليس فيه دعوة إلى محرم ولا مدح لمحرم في وقت من
الليل للنساء خاصة لإعلان النكاح والفرق بينه وبين السفاح كما صحت السنة بذلك عن النبي ﷺ .
(ولا يَنعقِدُ النكاح إلا بالإيجاب والقبول).
أي: لا يصح النكاح إلا بإيجاب وقبول.
فالإيجاب: وهو اللفظ الصادر من الولي، كقوله: زوجتك أو أنكحتك.
والقبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج أو نائبه كقوله: قبلت هذا الزواج، أو قبلت، ونحوه.
стр. 2437
(وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ بِغَيْرِ لَفْظِ زَوَّجْتُ، أَوْ أَنْكَحْتُ).
أي: لابد أن يكون الإيجاب والقبول بلفظ: زوجتك، أو أنكحتك.
فلو قال: جوزتك، أو ملكتك فإنه لا يصح.
وهذا المذهب، وهذا مذهب الشافعي وجماهير أصحابه.
أ- لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن الكريم.
قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا .. ).
وقال تعالى (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ … ).
وقال ابن مفلح: ولا ينعقد الإيجاب إلا بلفظ النكاح والتزويج إجماعاً، لورودهما في نص القرآن في قوله تعالى (زَوَّجْنَاكَهَا) (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم) ولا ينعقد بغيرهما، إذ العادل عنهما - مع معرفته لهما - عادل عن اللفظ الذي ورد القرآن بهما مع القدرة.
ب- قال الله تعالى (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين).
وجه الاستدلال: أنّ الآية دلَّت أنّ النبي ﷺ مخصوصٌ بلفظ الهبة، فلا يجوز أن تشاركه الأمة في ذلك.
وقال ابن قدامة: ولنا: قوله تعالى (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين)، فذكر ذلك خالصًا لرسول الله ﷺ .
ج-عن جابر بن عبدالله ﵁ في حديثه في صفة حجة النبي ﷺ أنه قال (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) رواه مسلم.
وجه الاستدلال: قال الماوردي: فموضوع الدليل من هذا الحديث قوله (واستحللتم فروجهن بكلمة الله)، وليس في كتاب الله إلا لفظ النكاح والتزويج، فدلَّ على أنه لم يستحل الفرج إلا بهما.
стр. 2438
وقال البيهقي: وفيه الدليل على أنّ الفرج لا يُستباح إلا بكلمة الله: النكاح أو التزويج، وهما اللذان قد ورد بهما القرآن.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشترط، وأنه يجوز بغير لفظ الإنكاح والتزويج، فأي لفظ يدل على النكاح فإنه يجوز.
وهذا قول جماهير العلماء، وهو اختيار ابن تيمية ﵀.
أ-لقول النبي ﷺ للذي طلب أن يزوجه الواهبة نفسها (ملكتكها بما معك من القرآن).
ب- ولحديث أنس (أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها) متفق عليه.
ج- ولأن العبرة في العقود المعاني، لا بالألفاظ والمباني، فألفاظ البيع والشراء والإجارة والهبة والنكاح ليست ألفاظاً تعبدية لا يجوز تجاوزها إلى غيرها، وإنما المرجع فيها إلى ما تعارف الناس عليه.
وهذا القول هو الصحيح.
شروط النكاح
(وَلَهُ شُرُوطٌ:)
أي: وللنكاح شروط:
هناك فرق بين شروط النكاح، والشروط في النكاح:
أولاً: شروط النكاح قيود وضعها الشرع ولا يمكن إبطالها، والشروط في النكاح شروط وضعها العاقد ويمكن إبطالها.
ثانياً: شروط النكاح يتوقف عليها صحته، والشروط في النكاح يتوقف عليها لزومه.
стр. 2439
(أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ).
هذا الشرط الأول من شروط النكاح: وهو تعيين الزوجين.
أ- لأن المقصود من النكاح التعيين، فلا يصح بدونه، كزوجتك بنتي وله غيرها. (الروض المربع).
ب- ولِأَنَّ كُلَّ عَاقِدٍ وَمَعْقُودٍ عَلَيْهِ يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا، كَالْمُشْتَرِي وَالْمَبِيعِ. (المغني).
ج- ولأن النكاح لابد فيه من الإشهاد، والإشهاد لا يكون على مبهم. (الشرح الممتع).
(فَإِنْ أَشَارَ الوَلِيُّ إِلَى الزَّوْجَةِ، أَوْ سَمَّاهَا، أَوْ وَصَفَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ صح).
هذه طرق تعيين الزوجة:
(فَإِنْ أَشَارَ الوَلِيُّ إِلَى الزَّوْجَةِ) هذا الطريق الأول: وهو الإشارة إلى الزوجة بيده.
كأن يقول: زوجتك بنتي هذه، ويشير إليها بيده.
قال ابن قدامة: … فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً، فَقَالَ: زَوَّجْتُك هَذِهِ صَحَّ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ تَكْفِي فِي التَّعْيِينِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: بِنْتِي هَذِهِ، أَوْ هَذِهِ فُلَانَةُ كَانَ تَأْكِيدًا.
(أَوْ سَمَّاهَا) هذا الطريق الثاني: أن يسميها باسمها التي تعرف به.
كأن يقول زوجتك بنتي عائشة.
(أَوْ وَصَفَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ) هذا الطريق الثالثة: أن يصفها بصفة تتميز به عن غيرها.
كأن يقول: زوجتك بنتي العوراء، أو القصيرة، أو الموظفة.
стр. 2440
(أَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَلَهُ وَاحِدَةٌ لَا أَكْثَرَ صَحَّ).
أي: لو قال الولي: زوجتك بنتي، وليس له غيرها، فإن ذلك يصح.
لعدم الإلباس.
(الثَّانِي: رِضَاهُمَا).
أي: الشرط الثاني من شروط النكاح: رضا الزوجين.
فلا يصح إجبار الرجل على نكاح من لا يريده، ولا إجبار المرأة على نكاح من لا تريده.
عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ: أَنْ تَسْكُت) رواه مسلم. [الأيم] هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق، وقد تطلق على من لا زوج لها.
وعند مسلم (وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن تزويجها بدون إذنها، ولو لم يكن إذنها معتبراً لما جعله غاية لإنكاحها.
ب- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ رواه أبو داود.
ج- وقياساً على البيع فإنه يشترط فيه الرضا فكذلك النكاح.
(إِلاَّ البَالِغَ المَعْتُوهَ، وَالمَجْنُونَةَ، وَالصَّغِيرَ، وَالبِكْرَ وَلَوْ مُكَلَّفَةً).
ذكر هنا من لا يشترط رضاهم:
(الصَّغِيرة) أي: التي لم تبلغ، فهذه لا يشترط رضاها.
قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز، إذا زوجها من كفء.
стр. 2441
وقال المهلب: وأجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها.
وقال ابن بطال: يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعاً، ولو كانت في المهد، لكن لا يمكّن منها حتى تصلح للوطء.
وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن للأب أن يزوج ابنته الصغيرة ولا يشاورها، لتزويج رسول الله ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين، إلا أن العراقيين قالوا: لها الخيار إذا بلغت، وأبى ذلك أهل الحجاز، ولا حجة مع من جعل لها الخيار - عندي - والله أعلم.
أ-عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِين) متفق عليه.
وجه الدلالة: تزويج أبي الصديق ابنته عائشة إلى رسول الله ﷺ وهي صغيرة، ومعلوم أنها لم تك في تلك الحال ممن يعتبر إذنها.
قال النووي: هَذَا صَرِيح فِي جَوَاز تَزْوِيج الْأَب الصَّغِيرَة بِغَيْرِ إِذْنهَا لِأَنَّهُ لَا إِذْن لَهَا، وَالْجَدّ كَالْأَبِ عِنْدنَا … وَأَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز تَزْوِيجه بِنْته الْبِكْر الصَّغِيرَة لِهَذَا الْحَدِيث، وَإِذَا بَلَغَتْ فَلَا خِيَار لَهَا فِي فَسْخه عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَسَائِر فُقَهَاء الْحِجَاز.
ب- فعل الصحابة: فقد زوّج علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم وهي صغيرة، عمر بن الخطاب. أخرجه البيهقي.
(وَالبِكْرَ وَلَوْ مُكَلَّفَةً) أي: البنت البكر البالغة، فهذه لا يشترط رضاها.
стр. 2442
وهذا مذهب مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وعليها جماهير أصحابه.
أي: أن للأب أن يجبر بنتها البكر البالغة على النكاح.
واستدلوا: أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تُنْكَحُ اَلْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ اَلْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا? قَالَ: " أَنْ تَسْكُتَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وجه الدلالة: أنه جعل الثيب أحق بنفسها من وليها، فدل على أن ولي البكر أحق بها منها، وأما الاستئذان فهو تطييب لخاطرها.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجب استئذانها ولا تجبر على النكاح.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والثوري، ورجحه ابن المنذر، واختاره ابن تيمية.
أ-للحديث السابق (ولا تنكح البكر حتى تستأذن).
وجه الدلالة: فعلق النبي ﷺ النكاح على الإذن، فدل على أنه واجب.
ب- وفي رواية (والبكر يستأذنها أبوها في نفسها) وهذا نص في محل النزاع.
ج- وعن ابن عباس: (أن جارية أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ رواه أبو داود. (هذا الحديث أعله أبو حاتم، وأبو زرعة، والبيهقي بالإرسال، وقد رد ابن القيم التعليل بالإرسال).
ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ ردّ نكاح البكر التي زوجها أبوها وهي كارهة، فدل على أن إذن البكر لا بد منه في النكاح.
ج- أنه لا ولاية للأب فضلاً عن غيره في التصرف في مالها إلا بإذنها، وبُضعها أعظم من مالها.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 2443
ورجحه ابن القيم، وقال: وهو الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم الرسول ﷺ وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته.
الخلاصة:
إذن المرأة في الزواج له أحوال:
أولاً: أن تكون البنت بكراً صغيرة، فهذه يجوز تزويجها من غير إذنها.
ثانياً: أن تكون بكراً بالغة، فالمذهب للأب إجبارها، والراجح أنه لا يجوز إجبارها.
ثالثاً: أن تكون ثيباً.
فهذه لا بد من رضاها واستئمارها بذلك.
قال ابن تيمية: وأما البالغ الثيب فلا يجوز تزويجها بغير إذنها لا للأب ولا لغيره بإجماع المسلمين.
أ- للحديث السابق (لَا تُنْكَحُ اَلْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ)، وفي رواية (الأيم أحق بنفسها من وليها).
ب- وعَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ (أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْىَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهَا) رواه البخاري.
وجه الدلالة: ردّ الرسول ﷺ نكاح خنساء، لأنها زوّجت بغير إذنها، مع أن المزوّج كان أباً.
ج- أن الثيب الكبيرة، رشيدة، عالمة بالمقصود من النكاح، وقد خبرت الرجال، وهي أدرى بمصلحتها، فلم يجز إجبارها على النكاح.
стр. 2444
فائدة: ١
أما غير الأب، فلا يجوز له أن يزوج البكر الكبيرة بالاتفاق.
قال الشافعي: ولم أعلم أهل العلم اختلفوا في أنه ليس لأحد من الأولياء غير الآباء أن يزوّج بكراً ولا ثيباً إلا بإذنها.
فائدة: ٢
بم يكون إذن الثيب والبكر؟
أما الثيب، فقد اتفق الفقهاء أن إذنها بالنطق.
أ-للحديث السابق (لَا تُنْكَحُ اَلْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ اَلْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ .. ).
وجه الدلالة: إخبار الرسول ﷺ بأن إذن البكر هو السكوت، فدل بمفهومه على أن إذن الثيّب بالنطق
ب- قال ﷺ (الثيب تعرب عن نفسها) رواه أحمد وابن ماجه.
وجه الدلالة: أن الحديث صريح في أن الثيب تعرب عن نفسها، والإعراب لا يكون إلا بالكلام.
ج-من المعقول: أن البكر تستحي لعدم مخالطة الرجال، والحياء يمنعها من النطق، فلذلك جعل إذنها سكوتها، وأما الثيب فقد مارست الرجال، وخالطتهم فلم يبق لديها حياء الأبكار، فجعل إذنها بالنطق.
وأما البكر، فإذنها الصمت.
وبهذا قال عامة العلماء.
للحديث السابق (وَكَيْفَ إِذْنُهَا? قَالَ: " أَنْ تَسْكُتَ).
стр. 2445
(الثَّالِثُ: الوَلِيُّ).
أي: الشرط الثالث من شروط النكاح: الولي.
والمراد بالولي: القريب الذي ولاه الله أمر تزويج من لا يجوز أن يزوج نفسه بنفسه، كالمرأة، والصغير.
وهذا قول جماهير العلماء.
قال البغوي في (شرح السُنّة) والعمل على حديث النبي ﷺ : لا نكاح إلا بولي، عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم.
ويدل على أنه لا بد من ولي لصحة النكاح:
أ- قوله تعالى (فَلا تَعْضُلُوهُن).
فقد جاء في سبب نزولها ما رواه البخاري: عن مَعْقِل بْن يَسَار (أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ زَوَّجْتُ أُخْتاً لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَداً، وَكَانَ رَجُلاً لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فَقُلْتُ الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاه). رواه البخاري
قال الحافظ ابن حجر في شأن هذه الآية: وهي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لرفضه معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج
نفسها لم تحتج إلى أخيها.
وقال القرطبي: ففي الآية دليلٌ على أنّه لا يجوزُ النكاحُ بغير ولي لأنّ أُختَ معقل كانت ثيباً، ولو كان الأمرُ إليها دون وليها لزوّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل فالخطاب إذاً في قوله تعالى (فلا تعضلوهن) للأولياء، وأنّ الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن.
وقال الإمام الطبري: وفي هذه الآية الدلالةُ الواضحة على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بولي من العصبة.
ب- وقال تعالى (ولا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا .. ) فالذي يُنكح هو الولي، فالخطاب للأولياء.
قال الحافظ في الفتح: ووجه الاحتجاج من الآية والتي بعدها أنّه تعالى خاطب بالنكاح الرجال، ولم يخاطب به النساء فكأنه قال: لا تُنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين.
стр. 2446
وقال ابن كثير: لا تُزوِّجوا الرجالَ المشركين النساء المؤمنات.
وقال القرطبي في الجامع: وفي هذه الآية دليل بالنصّ على أنه لا نكاح إلا بولي.
ج- وعن أبي موسى الأشعري. قال: قال رسول الله ﷺ (لا نكاح إلا بولي) رواه أبوداود.
دـ- وعن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) رواه أبوداود.
هـ- وقال ﷺ (لا تزوج المرأة نفسها) رواه ابن ماجه.
و- وقول عمر لعثمان - بعد أن تأيمت حفصة - (إن شئت أنكحتك حفصة) رواه البخاري.
فائدة:
ذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراط الولي، وقاسوا ذلك على البيع، وهذا قول ضعيف.
والقياس على البيع قياس لا يصح لأمرين:
أولاً: هذا قياس باطل، لأنه في مقابلة النص.
ثانياً: لأن عقد النكاح أخطر من عقد البيع.
قال ابن حجر: وذهب أبو حنيفة إلى انه لا يُشترط الولي أصلاً، ويجوز أن تُزوِّج المرأةُ نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤاً، واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة وخصّ بهذا القياس عمومها- وهو عمل سائغ في الأصول وهو جواز تخصيص العموم بالقياس - لكنّ حديث معقل المذكور رفع هذا القياس.
стр. 2447
(وَشُرُوطُهُ: التَّكْلِيفُ، وَالذُّكُورِيَّةُ، وَالحُرِّيَّةُ، وَالرُّشْدُ فِي العَقْدِ، وَاتِّفَاقُ الدِّينِ).
هذه الشروط التي يجب توافرها بالولي:
والشروط جمع شرط، والشرط اصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. كالطهارة للصلاة، والعقل للوليّ.
الأول: أن يكون مكلفاً (بالغاً عاقلاً):
لأن غير المكلف يحتاج من يتولى أمره فكيف يتولى أمر غيره.
قال ابن قدامة: أمَّا الْعَقْلُ، فَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ نَظَرًا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ، وَلَا يَلِي نَفْسَهُ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لِصِغَرِهِ كَطِفْلٍ، أَوْ مَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ كِبَرٍ، كَالشَّيْخِ إذَا أَفْنَدَ قَالَ الْقَاضِي: وَالشَّيْخُ الَّذِي قَدْ ضَعُفَ لِكِبَرِهِ، فَلَا يَعْرِفُ مَوْضِعَ الْحَظِّ لَهَا، لَا وِلَايَةَ لَهُ.
ثانياً: أن يكون ذكراً:
فالمرأة لا تكون ولية في النكاح، لأنها هي بحاجة إلى ولي فكيف تتولى أمر غيرها.
ولأنها ولاية يعتبر فيها الكمال، والمرأة ناقصة قاصرة.
وقد جاء في الحديث قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تُزَوِّجُ اَلْمَرْأَةُ اَلْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ اَلْمَرْأَةُ نَفْسَهَا) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَه.
ثالثاً: أن يكون حراً.
لأن العبد لا ولاية له على نفسه، ففي غيره أولى.
رابعاً: أن يكون رشيداً:
والرشد في باب النكاح: هو معرفة الكفء ومصالح النكاح.
خامساً: اتفاق الدين.
يعني بين المرأة ووليها، فلا ولاية لكافر على مسلمة.
وقد نقل ابن المنذر، وابن قدامة، وابن رشد الإجماع على ذلك.
قال ابن قدامة: أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال، بإجماع أهل العلن.
стр. 2448
فائدة: ١
هناك مسائل لا يشترط فيها اتفاق الدين:
أمَة كافرة لمسلم، والسلطان يزوج من لا ولي لها من أهل الذمة.
أمة كافرة لمسلم: يعني إنساناً عنده أمة، وهو مسلم وهي كافرة، فهذا يزوجها؛ لأنه سيدها، ولا نقول له: أنت مسلم وهي كافرة، فتجبر على إزالة الملك؛ لأن السيد أعلى.
والسلطان يزوج من لا ولي لها من أهل الذمة: فإذا وُجِدَ امرأة من أهل الذمة ما لها ولي فله أن يزوجها، مع أنها كافرة وهو مسلم.
فائدة: ٢
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْوَلِيِّ على رَأْيَيْنِ:
الأول: تشترط.
وَهُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةِ كَذَلِكَ وَغَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
لحديث (لا نكاح إلا بإذن ولي مرشد) رواه الطبراني. (الصحيح أنه موقوف).
وقد نقل عن الشافعي ﵀ قوله: والمراد بالمرشد في الحديث العدل، أي أنَّ الفاسق غير رشيد.
ب-ولأنَّ ولاية النِّكاح ولاية نظر، فلا تثبت لفاسق، كولاية المال.
ج- ولأنَّ الفسق عيب قادح في الشهادة فكذلك الولاية.
стр. 2449
والرأي الثاني: لا تشترط.
وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
أ-لأن فسقه لا يمنع وجود الشفقة لديه ورعاية المصلحة لقريبه، ولأن حق الولاية عام.
ب- ولم ينقل أن ولياً في عهد الرسول ﷺ ومن بعده منع من التزويج بسبب فسقه.
ج- ولأنَّ الفاسق يلي نكاح نفسه، فثبت له الولاية على غيره كالعدل.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: إنه الصحيح، فللرجل أن يزوج ابنته ولو كان فاسقاً، لأن ولاية النكاح ولاية نظر، والفسق لا يقدح في القدرة على تحصيل النظر، والرجل ولو كان فاسقاً يختار لموليته الكفء خشية لحوق العار بهم. (فقه الدليل).
(وَأَحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا، ثم أبوه وإن علا).
أي: أن أولى الناس بتزويج الحرة أبوها، وَلَا وِلَايَةَ لَأَحَدٍ مَعَهُ.
لِأَنَّ الْأَبَ أَكْمَلُ نَظَرًا، وَأَشَدُّ شَفَقَةً، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ فِي الْوِلَايَةِ.
(ثم أبوه) يعني الجد، فإنه كالأب في مزيد حنوه ورأفته على بنات ابنه.
قال ابن قدامة: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ غَيْرَ الْأَبِ، وَأَوْلَى الْأَجْدَادِ أَقْرَبُهُمْ وَأَحَقُّهُمْ فِي الْمِيرَاثِ.
فائدة:
قال ابن قدامة: إنَّمَا قَيَّدَ الْمَرْأَةَ بِالْحُرَّةِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا وِلَايَةَ لِأَبِيهَا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا وَلِيُّهَا سَيِّدُهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ.
стр. 2450
(ثُمَّ ابْنُهَا وَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ).
أي: مَتَى عُدِمَ الْأَبُ وَآبَاؤُهُ، فَأَوْلَى النَّاسِ بِتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ ابْنُهَا، ثُمَّ ابْنُهُ بَعْدَهُ وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ.
لأنه أولى بالميراث من غيره، فكذا في النكاح.
(ثُمَّ أَخُوهَا لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا).
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَقْدِيمِ الْأَخِ بَعْدَ عَمُودَيْ النَّسَبِ؛ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ الْعُصُبَاتِ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُ ابْنُ الْأَبِ، وَأَقْوَاهُمْ تَعْصِيبًا، وَأَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ. (المغني).
(ثم لأب ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ).
أي: ثم الأخ لأب، ثم بنو الإخوة لأبوين، ثم بنو الإخوة لأب، ثم الأعمام كذلك، ثم بنوهم.
يقدم في جهة الولاية: الأبوة، ثم البنوة، ثم الأخوة، ثم العمومة.
أمثلة: لو كان للبنت ابن وأب، فالأب هو الذي يزوج، لو وجد ابن وأخ شقيق، فيقدم الابن.
فائدة: ١
هل تستفاد الولاية بالوصية؟
لا خلاف بين الفقهاء في أن للولي أن يوكّل عنه من يعقد النكاح في حياته.
واختلفوا فيما لو أوصى من يُنكح موليته بعد وفاته، فهل تكون للوصي ولاية النكاح كالوكيل؟
فذهب الحنفية والشافعية وأحمد في رواية إلى أنه لا تستفاد ولاية النكاح بالوصية.
وقالوا: إن زَوَّجها في حياة الموصي فهو وكيل. وإن كان الميت قد أوصى إليه فلا يملك ذلك؛ ويكون الحق في تزويجها لعصبتها، كأخيها وعمها.
وذهب المالكية والحنابلة في المذهب إلى أن ولاية النكاح تستفاد بالوصية.
стр. 2451
قال في (كشاف القناع) ووصي كلِّ واحدٍ من الأولياء في النكاح بمنزلته، لقيامه مقامه، فتستفاد ولاية النكاح بالوصية إذا نص له على التزويج، لأنها ولاية ثابتة للولي فجازت وصيته بها كولاية المال، ولأنه يجوز أن يستنيب فيها في حياته ويكون نائبه قائما مقامه فجاز أن يستنيب فيها بعد موته.
ورجح الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنه لا تستفاد ولاية النكاح بالوصية.
قال: والصحيح أنها لا تستفاد بالوصية، وأنها تسقط بموت صاحبها، فإذا مات الأب فإنه لا حق له في الوصية بالتزويج، بل إن الوصية في الأصل لم تنعقد؛ لأن ولاية النكاح ولاية شرعية تستفاد من الشرع، ونحن إذا قلنا باستفادة الولاية بالوصية ألغينا ما اعتبره
الشرع، فكما أن الأب لا يوصي بأن يرث ابنه وصيه، فكذلك لا يوصي بأن يزوج بنته وصيه.
فلو أن إنساناً قال: أوصيت بنصيب بنتي أن يملكه فلان، ومات الأب ثم ماتت البنت، فهل يرثها الوصي؟ لا يرثها؛ لأنه لا يملك بالوصاية، كذلك الولاية لا تملك بالوصاية، فإذا مات الأب وقد أوصى بطلت الوصية، وهذا هو القول الصحيح؛ لأن الولاية متلقاة من الشرع.
نعم، له أن يوكل ما دام حياً، أما بعد الموت فولايته ماتت بموته. … (الشرح الممتع).
стр. 2452
فائدة: ٢
قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةَ تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَدَمِ أَوْلِيَائِهَا أَوْ عَضْلِهِمْ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
لقوله النبي ﷺ (فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) وَرَوَى أَبُو دَاوُد.
وَلِأَن لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةً عَامَّةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَلِي الْمَالَ، وَيَحْفَظُ الضَّوَالَّ، فَكَانَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ فِي النِّكَاحِ كَالْأَبِ. (المغني).
(فَإِنْ عَضَلَ الأَقْرَبُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً، أَوْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لَا تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ، وَمَشَقَّةٍ زَوَّجَ الأَبْعَدُ).
هذه حالات: متى يجوز تزويج الولي الأبعد:
الحالة الأول: (فَإِنْ عَضَلَ الأَقْرَبُ).
أي: منع الولي الأقرب من تزويجها من كفء وهي ترغبه.
الحالة الثانية (أَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً).
أي: كان الولي الأقرب ليس بأهل، كأن يكون صغيراً، أو مجنوناً.
الحالة الثالثة (أَوْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لَا تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ، وَمَشَقَّةٍ).
أي: إذا غاب الأقرب غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة فإنه يزوج الأبعد.
هذا حد الغيبة المنقطعة عند الحنابلة: هي التي تقطع بكلفة عرفاً.
وحد الغيبة المنقطعة عند الحنفية هو أن يكون في بلد لا تصل إليها القوافل في السنة إلا مرة واحدة، وهو اختيار القدوري.
وقيل: أدنى مدة السفر; لأنه لا نهاية لأقصاه، وقيل: إذا كان بحال يفوت الخاطب الكفء باستطلاع رأي الولي.
стр. 2453
فائدة:
قال ابن قدامة: وَمَعْنَى الْعَضْلِ مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ التَّزْوِيجِ بِكُفْئِهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَرَغِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ.
وَسَوَاءٌ طَلَبَتْ التَّزْوِيجَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ دُونَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُمْ مَنْعُهَا مِنْ التَّزْوِيجِ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عَارًا، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى نِسَائِهَا، لِنَقْصِ مَهْرِ مِثْلِهِنَّ.
فَإِنْ رَغِبَتْ فِي كُفْءٍ بِعَيْنِهِ، وَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِهِ مِنْ أَكْفَائِهَا، وَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا مِنْ الَّذِي أَرَادَتْهُ، كَانَ عَاضِلًا لَهَا.
فَأَمَّا إنْ طَلَبَتْ التَّزْوِيجَ بِغَيْرِ كُفْئِهَا، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ عَاضِلًا لَهَا. (المغني).
وقد عده بعض العلماء من الكبائر، جاء في (الزواجر عن اقتراف الكبائر) الكبيرة الخامسة والخمسون بعد المائتين: عضل الولي موليته عن النكاح، بأن دعته إلى أن يزوجها من كفء لها، وهي بالغة عاقلة: فامتنع.
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الْعَضْل مِنَ الْوَلِيِّ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِتَزْوِيجِهَا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَضْل بِسَبَبٍ مَقْبُولٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ انْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إِلَى غَيْرِهِ.
لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَنْتَقِل إِلَيْهِ الْوِلَايَةُ:
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - عَدَا ابْنَ الْقَاسِمِ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْوِلَايَةَ تَنْتَقِل إِلَى السُّلْطَانِ.
لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ (فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَه).
стр. 2454
وَلأِنَّ الْوَلِيَّ قَدِ امْتَنَعَ ظُلْمًا مِنْ حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ فَيَقُومُ السُّلْطَانُ مَقَامَهُ لإِزَالَةِ الظُّلْمِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَامْتَنَعَ عَنْ قَضَائِهِ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِذَا عَضَل الْوَلِيُّ الأْقْرَبُ انْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إِلَى الْوَلِيِّ الأْبْعَدِ.
لأنه تَعَذَّرَ التَّزْوِيجُ مِنْ جِهَةِ الأْقْرَبِ فَمَلَكَهُ الأْبْعَدُ كَمَا لَوْ جُنَّ،؛ وَلأِنَّهُ يَفْسُقُ بِالْعَضْل فَتَنْتَقِل الْوِلَايَةُ عَنْهُ.
فَإِنْ عَضَل الأْوْلِيَاءُ كُلُّهُمْ زَوَّجَ الْحَاكِمُ، وَأَمَّا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ فَيُحْمَل عَلَى مَا إِذَا عَضَل الْكُل. (الموسوعة)
(وَإِنْ زَوَّجَ الأَبْعَدُ، أَوْ أَجْنَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَصِحَّ).
أي: وإن زوج المرأة الولي الأبعد، أو زوجها أجنبي من عير عذر للأقرب لم يصح النكاح.
أ- لعدم الولاية من العاقد عليها مع وجود مستحقها. (الروض المربع).
ب- لأن هذا مستحق بالتعصيب، فلم يثبت للأبعد مع وجود الأقرب؛ كالميراث. وبهذا فارق القريب. (المغني).
سئل الشيخ ابن عثيمين: امرأة عقد لها ابنها مع وجود أبيها، ما حكم هذا العقد؟
فأجاب: ننظر أيهما أولى أن يزوج المرأة أبوها أو ابنها؟ الجواب: أبوها هو الذي يزوجها، فإذا زوجها ابنها مع وجود الأب فإن كان الأب في مكان بعيد لا يمكن مراجعته فلا حرج، أو كان الأب منعها أن يزوجها من هذا الشخص الذي رضيته وهو كفء في دينه وخلقه فلا بأس أن يزوجها ابنها، أما إذا كان الأب حاضراً ولم يمتنع فالعقد غير صحيح وتجب إعادته. (لقاء الباب المفتوح لقاء).
стр. 2455
فائدة:
قال ابن قدامة: فإن لم يوجد للمرأة وليّ ولا سلطان، فعن أحمد ما يدل على أنه يزوجها رجل عدل بإذنها.
وقال ابن تيمية: أما من لا ولي لها فإن كان في القرية أو المحلة نائب حاكم زوجها .. ورئيس القرية، وإذا كان فيهم إمام مطاع زوّجها أيضاً بإذنها.
(الرَّابِعُ: الشَّهَادَةُ).
أي: الشرط الرابع من شروط النكاح: الشهادة.
أي: أن يشهد على عقد النكاح شاهدان.
وهذا قول أكثر العلماء.
قال به الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
قال ابن قدامة: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. … (المغني).
وقال ابن رشد: وكثير من الناس رأى هذا داخلاً في باب الإجماع وهو ضعيف. (بداية المجتهد).
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود، لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم إلا قوماً من المتأخرين من أهل العلم.
واستدل الجمهور بعدة أحاديث فيها ضعف:
عن جابر. قال: قال ﷺ (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) رواه الدارقطني وهو ضعيف بزيادة وشاهدي عدل.
следующие страницы →