← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

قال في (كشاف القناع) ووصي كلِّ واحدٍ من الأولياء في النكاح بمنزلته، لقيامه مقامه، فتستفاد ولاية النكاح بالوصية إذا نص له على التزويج، لأنها ولاية ثابتة للولي فجازت وصيته بها كولاية المال، ولأنه يجوز أن يستنيب فيها في حياته ويكون نائبه قائما مقامه فجاز أن يستنيب فيها بعد موته. ورجح الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنه لا تستفاد ولاية النكاح بالوصية. قال: والصحيح أنها لا تستفاد بالوصية، وأنها تسقط بموت صاحبها، فإذا مات الأب فإنه لا حق له في الوصية بالتزويج، بل إن الوصية في الأصل لم تنعقد؛ لأن ولاية النكاح ولاية شرعية تستفاد من الشرع، ونحن إذا قلنا باستفادة الولاية بالوصية ألغينا ما اعتبره الشرع، فكما أن الأب لا يوصي بأن يرث ابنه وصيه، فكذلك لا يوصي بأن يزوج بنته وصيه. فلو أن إنساناً قال: أوصيت بنصيب بنتي أن يملكه فلان، ومات الأب ثم ماتت البنت، فهل يرثها الوصي؟ لا يرثها؛ لأنه لا يملك بالوصاية، كذلك الولاية لا تملك بالوصاية، فإذا مات الأب وقد أوصى بطلت الوصية، وهذا هو القول الصحيح؛ لأن الولاية متلقاة من الشرع. نعم، له أن يوكل ما دام حياً، أما بعد الموت فولايته ماتت بموته. … (الشرح الممتع).

стр. 2452

فائدة: ٢ قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةَ تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَدَمِ أَوْلِيَائِهَا أَوْ عَضْلِهِمْ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. لقوله النبي ﷺ (فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) وَرَوَى أَبُو دَاوُد. وَلِأَن لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةً عَامَّةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَلِي الْمَالَ، وَيَحْفَظُ الضَّوَالَّ، فَكَانَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ فِي النِّكَاحِ كَالْأَبِ. (المغني). (فَإِنْ عَضَلَ الأَقْرَبُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً، أَوْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لَا تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ، وَمَشَقَّةٍ زَوَّجَ الأَبْعَدُ). هذه حالات: متى يجوز تزويج الولي الأبعد: الحالة الأول: (فَإِنْ عَضَلَ الأَقْرَبُ). أي: منع الولي الأقرب من تزويجها من كفء وهي ترغبه. الحالة الثانية (أَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً). أي: كان الولي الأقرب ليس بأهل، كأن يكون صغيراً، أو مجنوناً. الحالة الثالثة (أَوْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لَا تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ، وَمَشَقَّةٍ). أي: إذا غاب الأقرب غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة فإنه يزوج الأبعد. هذا حد الغيبة المنقطعة عند الحنابلة: هي التي تقطع بكلفة عرفاً. وحد الغيبة المنقطعة عند الحنفية هو أن يكون في بلد لا تصل إليها القوافل في السنة إلا مرة واحدة، وهو اختيار القدوري. وقيل: أدنى مدة السفر; لأنه لا نهاية لأقصاه، وقيل: إذا كان بحال يفوت الخاطب الكفء باستطلاع رأي الولي.

стр. 2453

فائدة: قال ابن قدامة: وَمَعْنَى الْعَضْلِ مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ التَّزْوِيجِ بِكُفْئِهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَرَغِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ. وَسَوَاءٌ طَلَبَتْ التَّزْوِيجَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ دُونَهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُمْ مَنْعُهَا مِنْ التَّزْوِيجِ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عَارًا، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى نِسَائِهَا، لِنَقْصِ مَهْرِ مِثْلِهِنَّ. فَإِنْ رَغِبَتْ فِي كُفْءٍ بِعَيْنِهِ، وَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِهِ مِنْ أَكْفَائِهَا، وَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا مِنْ الَّذِي أَرَادَتْهُ، كَانَ عَاضِلًا لَهَا. فَأَمَّا إنْ طَلَبَتْ التَّزْوِيجَ بِغَيْرِ كُفْئِهَا، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ عَاضِلًا لَهَا. (المغني). وقد عده بعض العلماء من الكبائر، جاء في (الزواجر عن اقتراف الكبائر) الكبيرة الخامسة والخمسون بعد المائتين: عضل الولي موليته عن النكاح، بأن دعته إلى أن يزوجها من كفء لها، وهي بالغة عاقلة: فامتنع. جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الْعَضْل مِنَ الْوَلِيِّ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِتَزْوِيجِهَا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَضْل بِسَبَبٍ مَقْبُولٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ انْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إِلَى غَيْرِهِ. لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَنْتَقِل إِلَيْهِ الْوِلَايَةُ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - عَدَا ابْنَ الْقَاسِمِ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْوِلَايَةَ تَنْتَقِل إِلَى السُّلْطَانِ. لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ (فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَه).

стр. 2454

وَلأِنَّ الْوَلِيَّ قَدِ امْتَنَعَ ظُلْمًا مِنْ حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ فَيَقُومُ السُّلْطَانُ مَقَامَهُ لإِزَالَةِ الظُّلْمِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَامْتَنَعَ عَنْ قَضَائِهِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِذَا عَضَل الْوَلِيُّ الأْقْرَبُ انْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إِلَى الْوَلِيِّ الأْبْعَدِ. لأنه تَعَذَّرَ التَّزْوِيجُ مِنْ جِهَةِ الأْقْرَبِ فَمَلَكَهُ الأْبْعَدُ كَمَا لَوْ جُنَّ،؛ وَلأِنَّهُ يَفْسُقُ بِالْعَضْل فَتَنْتَقِل الْوِلَايَةُ عَنْهُ. فَإِنْ عَضَل الأْوْلِيَاءُ كُلُّهُمْ زَوَّجَ الْحَاكِمُ، وَأَمَّا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ فَيُحْمَل عَلَى مَا إِذَا عَضَل الْكُل. (الموسوعة) (وَإِنْ زَوَّجَ الأَبْعَدُ، أَوْ أَجْنَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَصِحَّ). أي: وإن زوج المرأة الولي الأبعد، أو زوجها أجنبي من عير عذر للأقرب لم يصح النكاح. أ- لعدم الولاية من العاقد عليها مع وجود مستحقها. (الروض المربع). ب- لأن هذا مستحق بالتعصيب، فلم يثبت للأبعد مع وجود الأقرب؛ كالميراث. وبهذا فارق القريب. (المغني). سئل الشيخ ابن عثيمين: امرأة عقد لها ابنها مع وجود أبيها، ما حكم هذا العقد؟ فأجاب: ننظر أيهما أولى أن يزوج المرأة أبوها أو ابنها؟ الجواب: أبوها هو الذي يزوجها، فإذا زوجها ابنها مع وجود الأب فإن كان الأب في مكان بعيد لا يمكن مراجعته فلا حرج، أو كان الأب منعها أن يزوجها من هذا الشخص الذي رضيته وهو كفء في دينه وخلقه فلا بأس أن يزوجها ابنها، أما إذا كان الأب حاضراً ولم يمتنع فالعقد غير صحيح وتجب إعادته. (لقاء الباب المفتوح لقاء).

стр. 2455

فائدة: قال ابن قدامة: فإن لم يوجد للمرأة وليّ ولا سلطان، فعن أحمد ما يدل على أنه يزوجها رجل عدل بإذنها. وقال ابن تيمية: أما من لا ولي لها فإن كان في القرية أو المحلة نائب حاكم زوجها .. ورئيس القرية، وإذا كان فيهم إمام مطاع زوّجها أيضاً بإذنها. (الرَّابِعُ: الشَّهَادَةُ). أي: الشرط الرابع من شروط النكاح: الشهادة. أي: أن يشهد على عقد النكاح شاهدان. وهذا قول أكثر العلماء. قال به الحنفية، والشافعية، والحنابلة. قال ابن قدامة: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. … (المغني). وقال ابن رشد: وكثير من الناس رأى هذا داخلاً في باب الإجماع وهو ضعيف. (بداية المجتهد). قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود، لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم إلا قوماً من المتأخرين من أهل العلم. واستدل الجمهور بعدة أحاديث فيها ضعف: عن جابر. قال: قال ﷺ (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) رواه الدارقطني وهو ضعيف بزيادة وشاهدي عدل.

стр. 2456

عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له). ففي هذا الحديث نص صريح على نفي صحة النكاح إلا بالشاهدين كما أنه لا يصح إلا بولي. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لا نكاح إلا بولي وشاهدين ومهر ما قل أو كثر). عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل). وهذه الأحاديث - وإن كانت ضعيفة - لكن يقوي بعضها بعضاً، كما قال الشوكاني. ب- وَلِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ الْوَلَدُ، فَاشْتُرِطَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ، لِئَلَّا يَجْحَدَهُ أَبُوهُ، فَيَضِيعَ نَسَبُهُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. ج- ولأن في اشتراط الشهادة في عقد النكاح احتياطاً للأبضاع، وصيانة للأنكحة عن الجحود. جاء في (نيل المآرِب بشرح دليل الطالب) منْ شروطِ صحةِ النكاح: الشهادة عليهِ؛ احتياطاً للنَّسَبِ خوفَ الإِنكارِ، ولأنّ الغَرَضَ من الشَّهادةِ إعلانُ النكاحِ، وأن لا يكون مستوراً " وذهب بعض العلماء: إلى أنه إذا أعلن النكاح لا يشترط الشهادة. (المغني). وهذا قول مالك واختاره ابن تيمية وقالوا: إن زيادة وشاهدي عدل لا تصح. قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين خبر. والراجح أنها شرط لصحة النكاح. قال الشوكاني: وَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَدَاوُد أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْإِشْهَادُ وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَكْفِي الْإِعْلَانُ بِالنِّكَاحِ، وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَوَّلُونَ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالنَّفْيُ فِي قَوْلِهِ: " لَا نِكَاحَ" يَتَوَجَّهُ إلَى الصِّحَّةِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ شَرْطًا لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَلْزَمَ عَدَمُهُ عَدَمَ الصِّحَّةِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ شَرْط. (نيل الأوطار)

стр. 2457

(فَلَا يَصِحُّ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ، عَدْلَيْنِ، ذَكَرَيْنِ، مُكَلَّفَيْنِ، سَمِيعَيْنِ، نَاطِقَيْنِ). هذه شروط الشهود: (أن يكونا عدلين) فلا تقبل شهادة الفاسق. والعدالة: هي: الصلاح في الدين والمروءة، باستعمال ما يجمله ويزينه، واجتناب ما يدنسه ويشينه، والعدالة معتبرة في الشهادة بنص القرآن والسنة. قال تعالى (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم). وجه الدلالة: لما شرط الله العدالة في الشهادة على الرجعة وهي أخف كان اشتراطها في النكاح أولى؟ ب- ولحديث عائشة وقد تقدم (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل). فالحديث حجة على اشتراط العدالة في الشهود. ج- ولأن كل موضع وجبت فيه الشهادة اعتبرت فيه العدالة كالحقوق. (ذكَرَيْنِ) فلا تصح شهادة الأنثى، ولا شهادة رجل وامرأتين. أ-قال الزهري: مضت السنة من رسول الله ﷺ أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق. ب- ولأن النكاح عقد ليس بمال ولا يقصد منه المال ويحضره الرجال في غالب الأحوال؛ فلم يثبت بشهادتهن كالحدود. ج- قالوا: إن هذا القول مروي عن عدد من التابعين مثل: إبراهيم النخعي والحسن البصري وابن المسيب وقتادة وربيعة وعمر بن عبد العزيز. د- ولأن هذا الأمر يطلع عليه الرجال.

стр. 2458

قال ابن قدمة: وَلَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. (مُكَلَّفَيْنِ) بالغين عاقلين. (سَمِيعَيْنِ) لأن الأصم لا يسمع العقد فيشهد به. (نَاطِقَيْنِ) أي: فلا بد أن يكون الشاهد ناطقاً لا أخرس. لأن الشهادة تفتقر إلى صريح اللفظ، والأخرس لا يتأتى منه ذلك، فلا يتمكن من أداء الشهادة فوجوده كعدمه. فائدة: ١ حكم شهادة عمودي نسب الزوجين والولي في النكاح: اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ينعقد النكاح بشهادة عمودي نسب الزوجين أو عمودي نسب الولي. وهذا هو مذهب الحنفية، والصحيح عند الشافعية، ووجه في مذهب الإمام أحمد، وقدمه ابن قدامة. أ- لعموم قوله ﷺ (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) فيدخل فروع الزوجين وأصولهما، وكذا فروع الولي وأصوله في هذا العموم ولا مخصص لهم. ب- ولأنه ينعقد بالفروع والأصول نكاح غير هذا الزوج، لأنهم أهل الشهادة لذا انعقد بهما النكاح كسائر العدول. القول الثاني: لا ينعقد النكاح بشهادة عمودي نسب الزوجين أو عمودي نسب الولي. وهذا القول هو مذهب الحنابلة، ووجه عند الشافعية. أ- قالوا: إن شهادة الابن لا تقبل لوالده وكذا العكس للتهمة؛ لقول رسول الله ﷺ (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حداً ولا مجلودة ولا ذي غمر لأخيه ولا مجرب شهادة ولا القانع أهل البيت لهم، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة).

стр. 2459

وموضع الاستدلال في قوله ﵊: (ولا ظنين في ولاء ولا قرابة) أي متهم في شهادته بسبب القرابة، والأب يتهم لولده وكذا العكس. ولأن بين الفروع والأصول بعضية فكأن الشاهد يشهد لنفسه، ولهذا قال ﷺ (فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها). قال الشيخ ابن عثيمين: القول الثاني في المسألة: أنه يصح أن يكون الشاهدان أو أحدهما من الأصول أو من الفروع، وهذا القول هو الصحيح بلا شك؛ لأن شهادة الأصول والفروع ممنوعة حيث كانت شهادة للإنسان؛ خشية التهمة، أما حيث تكون الشهادة عليه وله، كما هو الحال في عقد النكاح فلا تمنع … فالنكاح في الحقيقة ليس حقا للزوج أو للزوجة، ولا حقا عليه، بل هو له وعليه؛ لأنه يوجب حقوقاً للعاقد وحقوقاً عليه، فالصواب إذاً أنه يصح العقد، وهو رواية عن أحمد ﵀، واختارها كثير من الأصحاب (الشرح الممتع). فائدة: ٢ اختلف الفقهاء في شهادة الإخوة على عقد زواج أخيهم أو أختهم: فذهب الحنفية إلى جواز شهادتهم وصحة العقد بها ابتداء. وذهب المالكية إلى خلاف ما ذهب إليه الحنفية، حيث لم يجيزوا شهادة كل من يصح أن يكون ولياً للزوجة. وأما الشافعية، فشهادة الإخوة عندهم على عقد أختهم جائزة بشرط عدم توكيل غيرهما من الأولياء في العقد، فإن وكلا غيرهما من الأولياء في العقد لم تصح شهادتهما. والقاعدة عند الحنابلة أن الشهود إذا كانوا من غير عمودي النسب (وهم أصول وفروع الزوجين) جازت شهادتهم، ما لم يكن الشاهد ابناً للولي. … والله أعلم.

стр. 2460

فائدة: ٣ حكم شهادة الأعمى: اختلف في صحة عقد النكاح بشهادة الأعمى على قولين: القول الأول: ينعقد النكاح بشهادة الأعمى. وهو قول الإمام أحمد، ووجه عند الشافعية. وقال به الحسن البصري وابن سيرين وعطاء والشعبي، وهو قول البخاري، وابن حزم. أ- أن الشهادة في النكاح شهادة على قول فصحت من الأعمى كالشهادة بالاستفاضة، وإنما تعتبر شهادتهما إذا تيقنا الصوت على وجه لا يشك فيه. ب- أن قبول شهادة الأعمى مروي عن جابر، وابن عباس، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة لحصول العلم له بذلك كاستمتاعه بزوجته. ج- الأعمى ثبتت السنة بجواز نكاحه ومبايعته وبقبول تأذينه وروايته، فكذا شهادته على ما استيقنه من الأصوات القول الثاني: لا ينعقد النكاح بشهادة الأعمى. وهو مذهب الحنفية، والصحيح في مذهب الشافعية. أ- لأن الأعمى لا يميز بين المشهود له والمشهود عليه إلا بدليل مشتبه وهو النغمة والصوت، فلم تصح شهادته لورود الشبهة. ب- قياس الأعمى على الأصم في عدم جواز صحة عقد النكاح بشهادته بجامع عدم معرفتهما التامة للعاقد، ولعدم الرؤية في الأعمى وعدم السماع في الأصم. والراجح الجواز.

стр. 2461

(وَلَيْسَتِ الكَفَاءَةُ ـ وَهِيَ دِينٌ ونسب - شَرْطاً فِي صِحَّتِهِ). أي: أن الكفاءة في الدين ليست شرطاً في صحته، لكن للزوم النكاح، فلِمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخ. الكفاءة لغة: المماثلة و المساواة، فيقال: فلان كفء لفلان، أي مساوٍ له، وكل شيء يساوي شيئاً فهو مكافئ له، وكُفء و كَفء و كِفء والجمع أكفاء و كِفاء بمعنى مثلٌ و نظير. و في الحديث (المؤمنون تتكافأ دماؤهم). والكفاءة اصطلاحاً: هي المماثلة بين الزوجين في أمور مخصوصة. وقد اختلف العلماء: هل الكفاءة شرط لصحة النكاح أم لا على أقوال: القول الأول: أن النسب معتبر به في الكفاءة، وهو شرط لصحة النكاح. (الأعجمي ليس كفواً للعربية). أ- لحديث (اَلْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، إِلَّا حَائِكٌ) وهو حديث لا يصح. ب- عن عائشة قالت (تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم) رواه ابن ماجه. وجه الاستدلال: أنّ النبي ﷺ أمر بإنكاح الأكفاء، والكفاءة إذا أطلقت انصرفت إلى النسب؛ لأنّ العرب يعدُّون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصًا وعارًا، فإذا أطلقت الكفاءة وجب حملها على المتعارف، وهو النسب. ج- قال عمر (لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء) رواه البيهقي. وجه الاستدلال: ظاهر في منع عمر ذوات الأحساب - وهي الأنساب - إلا ممن كافأهنّ في ذلك. لكن هذا لا يثبت عن عمر. فيه تدليس حبيب. قال ابن حجر: ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس.

стр. 2462

وفيه الانقطاع بين إبراهيم وعمر، فإنه لم يدركه فضلاً عن أن يسمع منه. د- قال ابن قدامة: ولأن العرب يعدون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصاً وعاراً، فإذا أطلقت الكفاءة، وجب حملها على المتعارف، ولأن في فقد ذلك عاراً ونقصاً، فوجب أن يعتبر في الكفاءة كالدين. القول الثاني: أن النسب معتبر به في الكفاءة، ولكنه شرط لزوم وليس شرط صحة. وبه قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم. أ- واستدلوا هؤلاء بالأدلة السابقة، ولكنهم لم يحملوها على اشتراط الكفاءة لصحة النكاح، وإنما جعلوها دالة على اشتراطها للزوم. ومن المعقول: ب- قالوا: أن في ذلك غضاضة على أولياء المرأة وعليها، فالأمر إليهم في ذلك. ج- أن المعنى في اشتراط الأولياء في النكاح لكيلا تضع المرأة نفسها عند غير الكفء. تنبيه: الفرق بين اللزوم والصحة أن كون الكفاءة شرطًا للزوم العقد معناه أن المرأة إذا تزوجت غير كفءٍ كان العقد صحيحًا، وكان لأوليائها حق الاعتراض عليه وطلب فسخه دفعًا لضرر العار عن أنفسهم، إلا أن يسقطوا حقَّهم في الاعتراض فيلزم، ولو كانت الكفاءة شرطًا للصحة لما صح العقد أصلًا.

стр. 2463

القول الثالث: أن النسب لا اعتبار به في الكفاءة، وإنما الكفاءة في الدين فقط. وبه قال المالكية، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم. واختاره ابن حزم فقال: أي مسلم -ما لم يكن زانياً- فله الحق أن يتزوج أية مسلمة، ما لم تكن زانية. أ- لقوله تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). ب- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إِلَيْهِ" وَكَانَ حَجَّامًا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ فأمر النبي ﷺ هذه القبيلة، وهي القبيلة القحطانية الأزدية العربية أن ينكحوا أبا هند، وهو أحد موالي بني بياضة المذكورين، وكان حجاماً والحجامة عند العرب صناعة ومهنة دنيئة. قال الخطابي: في هذا الحديث حجة لمالك ولمن ذهب مذهبه في أنّ الكفاءة بالدِّين وحده دون غيره، وأبو هند مولى بني بياضة ليس من أنفسهم. وقال الصنعاني: فهو من أدلة عدم اعتبار كفاءة الأنساب. ج- وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا (اِنْكِحِي أُسَامَةَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وكان مولى، فهو غير كفؤاً لها، لأنها قرشية وهو قد مسه الرق. قال الخطابي: وفيه دليل على جواز نكاح المولى القرشية.

стр. 2464

قال القرطبي: وقوله (انكحي أسامة) فيه ما يدلُّ على جواز نكاح المولى للقرشية، فإنّ أسامة مولى وفاطمة قرشية كما تقدم، وإنّ الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدِّين لا النسب، كما هو مذهب مالك. (المفهم). وقال ابن عبد البر: وهذا أقوى شيء في نكاح المولى العربية والقرشية ونكاح العربي القرشية. د- عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ قَالَتْ وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلاَّ وَجِعَةً فَقَالَ لَهَا حُجِّي وَاشْتَرِطِي قُولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ) رواه البخاري. وجه الاستدلال: أنّ المقداد بن الأسود من حلفاء قريشٍ، وضباعة هاشميَّة، فلمَّا تزوج بها دلَّ على أنّ الكفاءة في النسب غير معتبرة. قال ابن حجر: فلولا أنّ الكفاءة لا تعتبر بالنسب لَمَا جاز له أن يتزوجها؛ لأنها فوقه في النسب. هـ-عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ (أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَهْوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ) رواه البخاري. وجه الاستدلال: أنّ سالمًا كان مولى، في حين أنّ هندًا قرشية.

стр. 2465

قال العيني: مطابقته للترجمة تؤخذ من تزويج أبي حذيفة بنت أخيه هندًا لسالم الذي تبناه وهو مولى لامرأة من الأنصار، ولم يعتبر فيه الكفاءة إلا في الدِّين. وقال ابن العربي: فدلّ على جواز نكاح المولى العربية، وإنما تُراعى الكفاءة في الدِّين. قال ابن القيم: فَاَلّذِي يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ ﷺ اعْتِبَارُ الدّينِ فِي الْكَفَاءَةِ أَصْلًا وَكَمَالًا فَلَا تُزَوّجُ مُسْلِمَةٌ بِكَافِرٍ وَلَا عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ. فائدة: تعتبر الكفاءة - عند من يقول بها - وقت إنشاء العقد فهي شرط في ابتدائه ولا تشترط لبقائه. وعلى ذلك لو تزوج رجل امرأة وكان كفئاً لها ثم زالت كفاءته بأن كان غنياً فافتقر، أو كان صالحاً ثم انحرف وأصبح فاسقاً، أو كان صاحب حرفة شريفة فاحترف غيرها أقل منها، فالزواج باق لا يفسخ لزوال الكفاءة. جاء في المغني: فإذا قلنا باشتراطها (يعني الكفاءة) فإنما يعتبر وجودها حال العقد، فإن عدمت بعده، لم يبطل النكاح؛ لأن شروط النكاح إنما تعتبر لدى العقد؛ وإن كانت معدومة حال العقد فالنكاح فاسد حكمه حكم العقود الفاسدة. ولأننا لو اشترطنا استمرار الكفاءة لتهدمت الأسر ولما استقر عقد من عقود الزواج؛ لتقلب الأحوال كما هي سنة الحياة؛ ولأن المرأة في هذه الحالة لا يلحقها عار ببقائها مع من زالت كفاءته؛ بل قد تكون محمودة مشكورة على صبرها ورضاها بقضاء الله، وفي عرف الناس يعد بقاؤها ورضاها وفاءً، ونفورها وعدم رضاها غير ذلك.

стр. 2466

(فلا تُزوج مسلمةٌ بفاجر أو كافر). أي: لا يجوز أن تتزوج عفيفة بفاجر، وهو الزاني. فيحرم على الرجل أن ينكح زانية، ويحرم على المرأة أن تنكح زانياً. وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، واختاره ابن قدامة، واختاره ابن تيمية. أ- لقوله تعالى (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ). وهذه الآية للعلماء كلام كثير، رجح بعض العلماء المعاصرين معناها: أن المرأة إذا تزوجت الرجل الزاني، فإن كانت مستحلة للزنا فهي مشركة، وإن كانت تقر بتحريم الزنا لكن رضيتْ به فهي زانية، لأن الراضي كالفاعل، وكذا الرجل إذا تزوج امرأة يعلم أنها زانية، فإن كان مستحلاً له فهو مشرك، وإن كان مقراً بتحريم الزنا لكنه رضي فهو زان. قال السعدي ﵀ في تفسير الآية السابقة: هذا بيان لرذيلة الزنا، وأنه يدنس عرض صاحبه، وعرض من قارنه ومازجه، ما لا يفعله بقية الذنوب. فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء، إلا أنثى زانية، تناسب حالُه حالَها، أو مشركةٌ بالله، لا تؤمن ببعث ولا جزاء، ولا تلتزم أمر الله. والزانية كذلك، لا ينكحها إلا زان أو مشرك (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي: حرم عليهم أن يُنْكِحوا زانيا، أو يَنْكِحوا زانية. (التفسير). وقد ورد في سبب نزول الآية ما يزيد الحكم بياناً. ب- وهو ما رواه أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ كَانَ يَحْمِلُ الْأَسَارَى بِمَكَّةَ وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ. قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحُ عَنَاقَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، فَنَزَلَتْ (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، وَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا).

стр. 2467

قال في "عون المعبود: فيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّج بِمَنْ ظَهَرَ مِنْهَا الزِّنَا، وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث لِأَنَّ فِي آخِرهَا: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فَإِنَّهُ صَرِيح فِي التَّحْرِيم" انتهى. ج- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَنْكِحُ اَلزَّانِي اَلْمَجْلُودُ إِلَّا مِثْلَهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد. قال الشوكاني: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الزِّنَى وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَنْ ظَهَرَ مِنْهَا الزِّنَى، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّ فِي آخِرِهَا: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز نكاح الزانية قبل توبتها. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية. لأن المولى بعد من ذكر المحرمات من النساء قال (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُم). والراجح التحريم. وقال ابن تيمية: نكاح الزانية حرام حتى تتوب، سواء كان زنى بها هو أو غيره. هذا هو الصواب بلا ريب وهو مذهب طائفة من السلف والخلف: منهم أحمد بن حنبل وغيره، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار. فائدة: ١ حكم نكاح الزانية بعد توبتها؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يحل نكاحها لمن زنا بها ولغيره. وهذا هو قول الجمهور من العلماء وهو مذهب الأئمة الأربعة. أ- لقوله تعالى (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (٦٩) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً (٧٠) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً).

стр. 2468

وجه الدلالة: أولاً: أن الله صرح بأن الذين يزنون ومن ذكر معهم، إن تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات، فإن الله يتوب عليهم، ويبدل سيئاتهم حسنات. ثانياً: إن القرآن الكريم ذكر أنه تقبل التوبة من الشرك وهو أعظم الذنوب، فلأن يقبل التوبة من الزنا من باب أولى وأحرى. القول الثاني: أن الزانية التائبة لا تحل لمن زنا بها أبداً. وهو مروي عن ابن مسعود، والبراء، وعائشة. والقول الأول أصح. قال ابن قدامة: ويحتمل أنهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة، أو قبل استبرائها، فيكون كقولنا. فأما تحريمها على الإطلاق فلا يصح؛ لقوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم). ولأنها محللة لغير الزاني، فحلت له، كغيرها. (المغني). قال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي أَنَّ الزَّانِيَةَ وَالزَّانِيَ إِنْ تَابَا مِنَ الزِّنَا وَنَدِمَا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمَا وَنَوَيَا أَنْ لَا يَعُوَدَا إِلَى الذَّنْبِ، فَإِنَّ نِكَاحَهُمَا جَائِزٌ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدَ تَوْبَتِهِمَا، وَيَجُوزَ نِكَاحُ غَيْرِهِمَا لَهُمَا بَعْدَ التَّوْبَةِ; لِأَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ. (أضواء البيان). فائدة: ٢ كيفية توبة الزانية: اختلف العلماء في كيفية توبتها على قولين: القول الأول: أن توبة الزانية كتوبة غيرها، وتكون بالإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى الذنب. وهذا هو قول الجمهور. القول الثاني: أن تراود على الزنا فتمتنع. وهو مروي عن عمر، وابنه، وابن عباس، وهو المشهور من مذهب الحنابلة. ودليلهم ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قيل له: "كيف تعرف توبتها؟ قال: يريدها على ذلك، فإن طاوعته فلم تتب، وإن أبت فقد تابت. والراجح القول الأول.

стр. 2469

قال ابن قدامة مرجحاً القول الأول: وَأَمَّا التَّوْبَةُ، فَهِيَ الِاسْتِغْفَارُ وَالنَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الذَّنْبِ، كَالتَّوْبَةِ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْف تُعْرَفُ تَوْبَتُهَا؟ قَالَ: يُرِيدُهَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَمْ تَتُبْ، وَإِنْ أَبَتْ فَقَدْ تَابَتْ. فَصَارَ أَحْمَدُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ اتِّبَاعًا لَهُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَمُسْلِمٍ أَنْ يَدْعُوَ امْرَأَةً إلَى الزِّنَى، وَيَطْلُبَهُ مِنْهَا. وَلِأَنَّ طَلَبَهُ ذَلِكَ مِنْهَا إنَّمَا يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ، وَلَا تَحِلُّ الْخَلْوَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَلَوْ كَانَ فِي تَعْلِيمِهَا الْقُرْآنَ، فَكَيْفَ يَحِلُّ فِي مُرَاوَدَتِهَا عَلَى الزِّنَى، ثُمَّ لَا يَأْمَنُ إنْ أَجَابَتْهُ إلَى ذَلِكَ أَنْ تَعُودَ إلَى الْمَعْصِيَةِ، فَلَا يَحِلُّ لِلتَّعَرُّضِ لِمِثْلِ هَذَا، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ، وَفِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ، عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا. (المغني). قال الشيخ ابن عثيمين عن القول الأول: هذا القول ضعيف لأسباب ذكرها الشيخ ابن عثيمين ﵀ منها: إنه بالمراودة قد تعود بعد أن تابت _ وأن هذا المراوِد لا يأمن على نفسه لو وافقته _ أن المراودة إما بخلوة وهذا حرام وإما بحضرة ناس فإنها لن تطيع. فائدة: ٣ قال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ نِكَاحِ الْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ، لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ زَوْجُ الزَّانِيَةِ الْعَفِيفُ دَيُّوثًا; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا لِيَحْفَظَهَا، وَيَحْرُسَهَا، وَيَمْنَعَهَا مِنَ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي مَنْعًا بَاتًّا بِأَنْ يُرَاقِبَهَا دَائِمًا، وَإِذَا خَرَجَ تَرَكَ الْأَبْوَابَ مُقْفَلَةً دُونَهَا، وَأَوْصَى بِهَا مَنْ يَحْرُسُهَا بَعْدَهُ فَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا، مَعَ شِدَّةِ الْغَيْرَةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مِنَ الرِّيبَةِ، وَإِنْ جَرَى مِنْهَا شَيْءٌ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ مَعَ اجْتِهَادِهِ فِي صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ بِهِ دَيُّوثًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ كَعَكْسِهِ، وَأَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا بِمَنْعِ ذَلِكَ.

стр. 2470

بَابُ المُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ (وهُنّ قسمان: محرمات إلى الأبد، ومحرمات إلى أمد). أي: المحرمات التي يحرم على الإنسان التزوج بهن قسمان: القسم الأول: محرمات إلى الأبد. فلا تحل أبداً. القسم الثاني: محرمات إلى أمد. أي إلى غاية، فمتى زال المانع فإنها تحل له. (فالمحرمات إلى الأبد سبع من النسب وهن: الأمهات وإن علون، والبنات. . . . .). هذا القسم الأول: المحرمات إلى الأبد وهن سبع: قال تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ). (الأمهات وإن علون). لقوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ). ويدخل فيهن: الأم والجدات، سواء كن من جهة الأب أو من جهة الأم. (والبنات وإن نزلن). لقوله تعالى (وَبَنَاتُكُمْ). ويدخل فيهن: بنات الصلب، وبنات الأبناء، وبنات البنات وإن نزلن.

стр. 2471

فائدة: وتحرم البنت ولو كانت من زنا، وهذا قول جماهير العلماء. أ-لقوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُم). وجه الشاهد: قالوا هذه ابنته فإنها أنثى مخلوقة من مائه هذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة. ب-قول النبي ﷺ في امرأة هلال بن أمية انظروه يعني ولدها فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك بن سحماء، يعني المتهم بالزنا. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ نسب الابن من الزنا لأبيه على الحقيقة، مع أنه خلق بماء غير محترم. ج- وقول النبي ﷺ في قصة جريج -: يا غلام من أبوك؟ قال فلان الراعي. وجه الشاهد: فهذا يدل على أن الزنا يحرم كما يحرم الوطء الحلال فلا تحل أم المزني بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده. د- قالوا: لأنها أشبهت المخلوقة من وطء بشبهة ولأنها بضعة منه فلم تحل له كابنته من النكاح وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتا كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين. سئل ابن تيمية عَنْ بِنْتِ الزِّنَا: هَلْ تُزَوَّجُ بِأَبِيهَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّزْوِيجُ بِهَا، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ؛ حَتَّى تَنَازَعَ الْجُمْهُورُ: هَلْ يُقْتَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ عَلَى قَوْلَيْن. (والأخوات مطلقاً). لقوله تعالى (وَأَخَوَاتُكُمْ)، شقيقة كانت، أو لأب، أو لأم.

стр. 2472

(و بنات الأخ). أي: ويحرم عليه نكاح بنت أخيه، لأنه عمها. لقوله تعالى (وَبَنَاتُ الْأَخِ). ويدخل فيهن: بنات الأخ الشقيق، وبنات الأخ لأب، وبنات الأخ لأم، وبنات أبنائهم، وبنات بناتهن وإن نزلن. (وبنات الأخوات). أي: وكذلك يحرم عليه نكاح بنت الأخت، لأنه خالها. لقوله تعالى (وَبَنَاتُ الْأُخْتِ). ويدخل فيهن: بنات الأخت الشقيقة، وبنات الأخت لأب، وبنات الأخت من الأم، وبنات أبنائهن وبنات بناتهن وإن نزلن (والعمات والخالات له أو لأحد أصوله). لقوله تعالى (وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ). العمات جمع عمة، وهي أخت الأب أو الجد وإن علا، والخالات: جمع خالة، وهي أخت الأم، أو الجدة وإن علت. قال ابن جرير: فكل هؤلاء اللواتي سماهن الله تعالى وبيّن تحريمهن محرمات غير جائز نكاحهن لمن حرّم الله ذلك عليه من الرجال بإجماع جميع الأمة لا اختلاف بينهم. وممن حكى الإجماع القرطبي، والطحاوي، وابن تيمية.

стр. 2473

فائدة: ١ أما بنات العمات والأعمام، وبنات الخالات والأخوال فلا يحرمن لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ. . .) وحكم الأمَّة حكمه ﷺ ما لم يدل دليل على تخصيصه. فائدة: ٢ قال السعدي في كتابة (نور البصائر): فالقرابات كلهن حرام، إلا بنات العم وبنات العمات، وبنات الأخوال، وبنات الخالات. (وسبع من الرضاع نظير المذكورات). أي: ومن المحرمات تأبيداً المحرمات بالرضاع، وهن سبع نظير المحرمات بالنسب. والدليل على التحريم بالرضاع: قوله ﷺ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) متفق عليه. والمعنى: يحرم بسبب الرضاع نظير ما يحرم بسبب النسب (من للسببية). فتحرم عليك أختك من الرضاع كما تحرم عليك أختك من النسب، وتحرم عمتك من الرضاع كما تحرم عمتك من النسب وهكذا. قال ابن قدامة: كُلُّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ مِنْ النَّسَبِ حَرُمَ مِثْلُهَا مِنْ الرَّضَاعِ، وَهُنَّ الأُمَّهَاتُ، وَالْبَنَاتُ، وَالأَخَوَاتُ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالاتُ، وَبَنَاتُ الأَخِ، وَبَنَاتُ الأُخْتِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلافاً. فتحرم عليك أمك من الرضاع، وأختك من الرضاع، وبنتك من الرضاع. . . الخ.

стр. 2474

(ويحرمُ - بالعقد - زوجة أبيهِ). أي: ومما يحرم أبداً، المحرمات بالصهر، وهن أربع، ثلاث بمجرد العقد الصحيح. (لا يشترط للتحريم وطء أو خلوة). الصهر هو الاتصال بين إنسانين بسبب عقد النكاح، فليس هناك قرابة ولا رضاع ولكن سببه عقد النكاح. (زوجةُ أبيه). أي: ومما يحرم بالمصاهرة زوجة الأب وجده وإن علا، وهذه تحرم بمجرد العقد، دخل بها أبوه أو لم يدخل. قال تعالى (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً). فزوجة أبيك حرام عليك على التأبيد حتى لو مات أبوك عنها. وكذلك لو طلقها. (وزوجة الابن وإن سفل). أي: ومما يحرم بالمصاهرة زوجة ابنك. قال تعالى (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ). أي أنه لو كان لابنك زوجة ثم طلقها فإنها لا تحل لك.

стр. 2475

(وأم الزوجة وإن علت). أي: وما يحرم بسبب الصهر أم زوجتك وجدتها وإن علون، فيحرمن بمجرد العقد على البنت. لقوله تعالى (وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ). مثلاً: زوجتك اسمها رقية ولها أم اسمها خديجة، فإنها لا تحل لك، لأنها أم زوجتك وكذلك جدتها وأم جدتها. وهذه تحرم بمجرد العقد. فائدة: حكم من زنى بأم زوجته - عياذاً بالله من ذلك -هل تحرم عليه زوجته بذلك أم لا؟ فيه خلاف بين الفقهاء. ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه تحرم عليه زوجته بسبب زناه بأمها. جاء في عمدة الفقه (ومن وطئ امرأة حلالاً أو حراماً حرُمتْ على أبيهِ وابنهِ، وحرُمتْ عليهِ أمهاتها وبناتها). وجعلوا هذا الوطء المحرَّم كالوطء الحلال في تحريم المصاهرة، فإن الرجل لو نكح امرأة ودخل بها حرمت عليه بنتها إجماعاً. لقوله تعالى في المحرَّمات من النساء: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ). وذهب المالكية والشافعية: إلى أنه لا تحرم عليه زوجته بسبب وطئه لأمها بالزنا؛ لأن الحرام لا يحرِّم الحلال.

стр. 2476

قال ابن قدامة: وَلَوْ وَطِئَ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْوَطْءَ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَعُرْوَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ) وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَوْطُوءَةُ فِرَاشًا، فَلَا يُحَرِّمُ كَوَطْءِ الصَّغِيرَةِ. (المغني). والقول الثاني، الذي ذهب إليه المالكية والشافعية، قد رجحه جماعة من أهل التحقيق، منهم العلامة محمد الأمين الشنقيطي، قال ﵀: " الخلاف في هذه المسألة مشهور معروف، وأرجح القولين دليلاً فيما يظهر أن الزنى لا يحرُم به حلال. وقال الشيخ ابن عثيمين: لو زنى رجل بامرأة فهل يحرم عليها أصله وفرعه، وهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ الجواب: لا يحرم، لأنه لا يدخل في الآية، قال تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ) قال (مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) والزانية لا تدخل في هذا ومع هذا فمذهب الحنابلة أن الزنى كالنكاح، فإذا زنى بامرأة حرم عليه أصولها وفروعها، وحرم عليها أصوله وفروعه تحريماً مؤبداً، بل من غرائب العلم أن يجعل السفاح كالنكاح، بل من أغرب ما يكون، وهو من أضعف الأقوال والصواب أنه لا أثر في تحريم المصاهرة لغير عقد صحيح؛ وذلك لأن العقود إذا أطلقت في الشرع حملت على الصحيح، فالصواب في هذه المسألة أن كل ما كان طريقه محرماً فإنه لا أثر له في التحريم والمصاهرة. (الشرح الممتع).

стр. 2477

(وبنت الزوجة إن دخل بأمها). أي: ومما يحرم من المصاهرة بنت زوجته، وهذه تحرم إذا دخل بأمها [وهو وطء الزوجة بنكاح صحيح]. وهذه هي الربيبة. (الربيبة بنت الزوجة). قال تعالى (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ). [ومعنى دخلتم بهن: أي جامعتموهن]. مثال: لو كان لك زوجة ولها بنت من رجل آخر، فهذه البنت حرام عليك. لكن لا يقع التحريم إلا بالدخول وهو الجماع، فإن حصل الفراق قبل الجماع فلا تحرم. لقوله تعالى (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ). لكن الآية فيها قيدان: اللاتي في حجوركم - أن تكون من نسائكم اللاتي دخلتم بهن. لكن أكثر العلماء على أنه يشترط شرط واحد وهو الدخول ﴿الجماع﴾، وأما شرط كونها في الحجر فهذا شرط أغلبي. فائدة: قال الشيخ ابن عثيمين: المراد بالدخول هنا الوطء يعني الجماع، فلو تزوج امرأة وخلا بها، ولم تعجبه وطلقها فله أن يتزوج بنتها.

стр. 2478

فَصْلٌ (وَتَحْرُمُ إِلَى أَمَدٍ) هذه النوع الثاني من المحرمات، وهي من تحرم إلى أمد، أي إلى غاية، فمتى زال المانع فإنها تحل له. وهذا القسم نوعان: الأول: المحرمات لأجل الجمع. الثاني: المحرمات إلى أمد، وهن المحرمات لعارض قابل للزوال. (أخْتُ زَوْجَتِهِ). أي: ومما يحرم إلى أمد أخت زوجته. (المحرّم الجمع بينهما). فيحرم الجمع بين الأختين. أ- قال تعالى (وأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ). قال ابن جرير: معناه: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح. قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديماً وحديثاً على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح. قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين الأختين في التزويج حرام بالإجماع، سواء كانت شقيقتين أم من أب أم من أم، وسواء البنت من الرضاع. ومن الأدلة على التحريم: ب- حديث أُمِّ حَبِيبَة بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ فَقَالَ «أَفْعَلُ مَاذَا» قُلْتُ تَنْكِحُهَا. قَالَ «أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ». قُلْتُ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي. قَالَ «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي». قُلْتُ فَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ. قَالَ «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ). رواه مسلم

стр. 2479

فائدة: ١ إذا طلقت المرأة وانتهت عدتها، حلت أختها وعمتها وخالتها، لانتفاء الضرر. ومثل ذلك الرضاع فأخت زوجتك من الرضاع لا تجمعها مع زوجتك، كذلك عمة زوجتك من الرضاع لا يجوز، وكذلك خالة زوجتك من الرضاع لا يجوز. فإذا توفيت زوجة الرجل، أو طلقها، فله نكاح أختها سواء كانت الصغرى أو الكبرى؛ لأن الممنوع هو الجمع بينهما؛ فإذا حصلت الفرقة، بالموت أو بالطلاق، انقطعت العلاقة الزوجية، فجاز له نكاح أختها. قال الشيخ حمد بن عبد الله الحمد: إذا طلق المرأة وفرغت من عدتها، فله أن ينكح أختها، وله أن ينكح عمتها، وله أن ينكح خالتها وذلك؛ لأن التحريم إلى أمدٍ وليس بتحريم على الأبد، فقد زال المانع وهو الجمع وهنا لا جمع، فإذا طلق المرأة وقضت عدتها، أو ماتت، ثم نكح أختها أو عمتها أو خالتها فذلك جائز لزوال المانع " انتهى من "شرح الزاد". وسئل الشيخ ابن جبرين ﵀: هل يجوز لرجل توفيت زوجته أن يتزوج من ابنة أخيها أو عمتها أو خالتها أو بناتهن؟ فأجاب: يجوز ذلك لفقد المحذور، وهو الجمع بين الأقارب الذي يسبب قطع الأرحام، فإذا طلق الرجل زوجته، أو ماتت: حلت له أختها، أو بنت أخيها، أو بنت أختها، أو عمتها، أو خالتها، أو بنات المذكورات ". انتهى من (فتاوى إسلامية). (وعمتها وخالتها). أي: ومما يحرم إلى أمد عمة زوجته، وخالتها. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ اَلْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ اَلْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ففي هذا الحديث: تحريم أن يجمع الرجل في عصمته بين المرأة وعمتها، أو المرأة وخالتها.

стр. 2480

قال النووي: في هذا دليل لمذهب العلماء كافة أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها. وقال ابن قدامة في بيان محرمات النكاح (والجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها)، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ - بِحَمْدِ اللَّهِ - اخْتِلَافٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّنْ لَا تُعَدُّ مُخَالَفَتُهُ خِلَافًا، وَهُمْ الرَّافِضَةُ وَالْخَوَارِجُ، لَمْ يُحَرِّمُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد (لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، لَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى) وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) خَصَّصْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَاه. (المغني) فائدة: ١ بيّن ﷺ الحكمة من ذلك، فقال ﷺ (إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) رواه ابن حبان. وذلك لما يكون بين الضرائر من الغيرة. قال السعدي: وذلك لما في ذلك من أسباب التقاطع بين الأرحام.

стр. 2481

(فإنْ جمعَ بين من لا يجوز الجمع بينَهُ في عقد واحد فسد). أي: فسد العقد. مثاله: بأن يقول الأب للشخص: زوجتك ابنتيَّ هاتين، فيقول: قبلت، فهنا لا يصح إنكاح واحدة منهما، فلا يصح العقد لا على هذه، ولا على هذه. (الشرح الممتع). أو يعقد على امرأة وعمتها، أو على امرأة وخالتها، فيفسد العقد. قال ابن قدامة: فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ. (المغني) وقال في الكافي: فإن تزوج أختين في عقد واحد بطل فيهما، لأن إحداهما ليست أولى بالبطلان من الأخرى، فبطل فيهما. (وإنْ كانا في عقدينِ لم يصحَّ الثاني منهما). أي: وإن كان كل واحدة بعقد، فنكاح الثاني مفسوخ باطل. كأن يعقد على امرأة ثم بعد فترة عقد على أختها، أو عمتها، أو خالتها، فإن الذي يصح هو العقد السابق ويبطل الثاني. قال ابن قدامة: فَإِنْ تَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَنِكَاحُ الْأُولَى صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ جَمْعٌ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ. (المغني). فائدة: قال ابن قدامة: وَلَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ ابْنَتَيْ الْعَمِّ، وَابْنَتَيْ الْخَالِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمَا بِالتَّحْرِيمِ، وَدُخُولِهِمَا فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) وَلِأَنَّ إحْدَاهُمَا تَحِلُّ لَهَا الْأُخْرَى لَوْ كَانَتْ ذَكَرًا. … (المغني).

стр. 2482

(ولَو أسلمَ كافرٌ وتحتَه أُختانِ اختار منهما واحدةً). أي: فمن أسلم وتحته أختان خُيّر، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. عَنِ اَلضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ) رَوَاهُ أَحْمَد. قال ابن قدامة: ومن أسلم وتحته أختان لزمه أن يختار إحداهما. لما روى الضاحك بن فيروز عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان قال: (طلق أيهما شئت) رواه أبو داود. ولأن الجمع بينهما محرم فأشبه الزيادة على الأربع. وهذا القول في المرأة وعمتها والمرأة وخالتها لأن جمعهما محرم. (الكافي). (وليس للحرِّ أن يجمعَ أكثر من أربع). أي: ويحرم على الرجل أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات في وقت واحد. وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم (ابن حجر، وابن قدامة، وابن كثير). قال تعالى (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ). أي إن شاء أحدكم اثنتين، وإن شاء ثلاثاً، وإن شاء أربعاً. قال ابن حزم: واتفقوا على أن نكاح أكثر من أربع زوجات لا يحل لأحد بعد رسول الله ﷺ . وقال ابن رشد: واتفق المسلمون على جواز نكاح أربعة من النساء معاً، وذلك للأحرار من الرجال.

стр. 2483

وقال الإمام البغوي: وهذا إجماع أن أحداً من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي ﷺ لا مشاركة معه لأحد من الأمة فيها. (تفسير البغوي). والشافعي ﵀ حيث نقل عنه الحافظ ابن كثير في "تفسيره" أنه قال: (وقد دلت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة). قال ابن كثير: وهذا الذي قاله الشافعي ﵀ مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع، وقال بعضهم: بلا حصر. وقد بوب البخاري (باب لا يتزوج أكثر من أربع لقوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع). قال الحافظ ابن حجر: أما حكم الترجمة فبالإجماع إلا قول من لا يعتد بخلافه من رافضي ونحوه. عن ابن عمر (أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِي. - من خصوصيات النبي ﷺ أن له أن يجمع أكثر من أربع. - وأما ملك اليمين: فله أن يطأ ما شاء. قال تعالى (فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ولم يقيد قال تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم .. ) ولم يحدد. فيجوز أن يطأ من ملك اليمين ما أراد.

стр. 2484

فائدة: حكم من أسلم وعنده أكثر من أربع. أنه من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، فإنه يتخير منهن أربعاً ويطلق الباقي. قال ابن القيم: فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَوْ عَلَى أُخْتَيْنِ فِي التّرْمِذِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنّ غَيْلَانَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ اخْتَرْ مِنْهُنّ أَرْبَعًا) وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى: وَفَارِقْ سَائِرَهُنّ، وَأَسْلَمَ فَيْرُوزُ الدّيْلَمِيّ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ اخْتَرْ أَيّتَهُمَا شِئْتَ، فَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ صِحّةَ نِكَاحِ الْكُفّارِ وَأَنّهُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ شَاءَ مِنْ السّوَابِقِ وَاللّوَاحِقِ لِأَنّهُ جَعَلَ الْخِيرَةَ إلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ تَزَوّجَهُنّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ وَإِنْ تَزَوّجَهُنّ مُتَرَتّبَاتٍ ثَبَت. (ولا للعبد أن يجمعَ أكثر من زوجتين). أي: لا يجوز للعبد أن يجمع أكثر من اثنتين، لأنه قول عمر وعلي وغيرهما ولا مخالف لهما. (وَتَحْرُمُ الْمُعْتَدَّةُ). أي: ومن المحرمات إلى أمد، المرأة التي في عدتها من الغير، فلا يحل لأحد نكاحها حتى تنقضي عدتها. لقوله تعالى (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) أي: ولا تعقدوا عقد النكاح حتى تنتهي العدة والمراد: ببلوغ الكتاب أجله: انقضاء العدة.

стр. 2485

وقد نقل ابن رشد الاتفاق على أن النكاح لا يجوز في العدة. قال ابن قدامة: المعتدة لا يجوز لها أن تنكح في عدتها، إجماعاً، أي عدة كانت; لقول الله تعالى: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) .. وإن تزوجت، فالنكاح باطل. جاء في (الموسوعة الفقهية) اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلأْجْنَبِيِّ نِكَاحُ الْمُعْتَدَّةِ أَيًّا كَانَتْ عِدَّتُهَا مِنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ شُبْهَةٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَمْ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى أَوْ كُبْرَى. وَذَلِكَ لِحِفْظِ الأْنْسَابِ وَصَوْنِهَا مِنَ الاِخْتِلَاطِ وَمُرَاعَاةً لِحَقِّ الزَّوْجِ الأْوَّل. فائدة: ١ فإذا وقع فإنه يجب التفريق بينها وبين زوجها الثاني، ثم تكمل عدتها من الأول، ثم إذا فرغت من عدة الأول جاز للثاني أن يعقد عليها عقداً جديداً. قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ فِي عِدَّتِهَا، إجْمَاعًا، أَيَّ عِدَّةٍ كَانَتْ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ). وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ. وَإِنْ تَزَوَّجَتْ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ النِّكَاحِ لِحَقِّ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ نِكَاحًا بَاطِلًا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَالْعِدَّةُ بِحَالِهَا، وَلَا تَنْقَطِعُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ شَيْءٌ، وَتَسْقُطُ سُكْنَاهَا وَنَفَقَتُهَا عَنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ، وَإِنْ وَطِئَهَا، انْقَطَعَتْ الْعِدَّةُ سَوَاءٌ عَلِمَ التَّحْرِيمَ أَوْ جَهِلَهُ.

стр. 2486

ثم قال: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَعَلَيْهِ فِرَاقُهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ فَارَقَهَا أَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَعِدَّتُهُ وَجَبَتْ عَنْ وَطْءٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا أَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْ الثَّانِي، وَلَا تَتَدَاخَلُ الْعِدَّتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلَيْنِ. … (المغني). قال ابن كثير: قد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة، واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبدا؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها، وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد. … (التفسير). فائدة: ٢ قال ابن قدامة: وَإِذَا تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً، وَهُمَا عَالِمَانِ بِالْعِدَّةِ، وَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ فِيهَا، وَوَطِئَهَا، فَهُمَا زَانِيَانِ، عَلَيْهِمَا حَدُّ الزِّنَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ. وَإِنْ كَانَا جَاهِلِينَ بِالْعِدَّةِ، أَوْ بِالتَّحْرِيمِ، ثَبَتَ النَّسَبُ، وَانْتَفَى الْحَدُّ، وَوَجَبَ الْمَهْرُ. (وَالزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُها). أي: ومما يحرم إلى أمد: نكاح الزانية حتى تتوب. (الزنا: فعل الفاحشة في قبُل أو دُبُر). وقد تقدم الكلام على هذه المسألة، وأن الراجح تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذا يحرم على العفيفة أن تنكح الزاني حتى يتوب. فائدة: ١ قوله (حتى تتوب) اختلف العلماء في كيفية توبتها: والراجح أن تتوب وتقلع عن ذلك كغيرها، ورجح ذلك ابن قدامة.

стр. 2487

قال ابن قدامة: وَأَمَّا التَّوْبَةُ، فَهِيَ الِاسْتِغْفَارُ وَالنَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الذَّنْبِ، كَالتَّوْبَةِ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْف تُعْرَفُ تَوْبَتُهَا؟ قَالَ: يُرِيدُهَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَمْ تَتُبْ، وَإِنْ أَبَتْ فَقَدْ تَابَتْ فَصَارَ أَحْمَدُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ اتِّبَاعًا لَهُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ: فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَمُسْلِمٍ أَنْ يَدْعُوَ امْرَأَةً إلَى الزِّنَى، وَيَطْلُبَهُ مِنْهَا. وَلِأَنَّ طَلَبَهُ ذَلِكَ مِنْهَا إنَّمَا يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ، وَلَا تَحِلُّ الْخَلْوَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَلَوْ كَانَ فِي تَعْلِيمِهَا الْقُرْآنَ، فَكَيْفَ يَحِلُّ فِي مُرَاوَدَتِهَا عَلَى الزِّنَى. ثُمَّ لَا يَأْمَنُ إنْ أَجَابَتْهُ إلَى ذَلِكَ أَنْ تَعُودَ إلَى الْمَعْصِيَةِ، فَلَا يَحِلُّ لِلتَّعَرُّضِ لِمِثْلِ هَذَا. وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ، وَفِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ، عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا. (المغني). فائدة: ٢ قوله (وتنقضي عدتها) اختلف العلماء في عدة الزانية: فقيل: ثلاث حيض كغيرها. وهذا مذهب الحنابلة. قال ابن قدامة معللاً لهذا القول: لأنه وَطْءٌ يَقْتَضِي شَغْلَ الرَّحِمِ، فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ مِنْهُ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَأَمَّا وُجُوبُهَا كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِعِدَّةٍ كَامِلَةٍ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ. (المغني).

стр. 2488

وقيل: ليس عليها عدة، وإنما استبراء بحيضة. واختار هذا القول ابن تيمية. وهو الراجح. وقد جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية): اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عِدَّةِ الزَّانِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّ الزَّانِيَةَ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، حَامِلاً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ. وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل الرَّسُول ﷺ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. وَلأِنَّ الْعِدَّةَ شُرِعَتْ لِحِفْظِ النَّسَبِ، وَالزِّنَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ، وَلَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ. الْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لَدَى الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ: أَنَّ الْمَزْنِيَّ بِهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ. لأِنَّهُ وَطْءٌ يَقْتَضِي شُغْل الرَّحِمِ، فَوَجَبَتِ الْعِدَّةُ مِنْهُ، وَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِعِدَّةٍ كَامِلَةٍ قِيَاسًا عَلَى الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَلأِنَّ الْمَزْنِيَّ بِهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ قَبْل الاِعْتِدَادِ اشْتَبَهَ وَلَدُ الزَّوْجِ بِالْوَلَدِ مِنَ الزِّنَا، فَلَا يَحْصُل حِفْظُ النَّسَبِ. الْقَوْل الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى أَنَّ الزَّانِيَةَ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً. تنبيه: أَمَّا الْحَامِل مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ غَصْبٍ فَيَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا وَطْؤُهَا قَبْل الْوَضْعِ اتِّفَاقًا، وَإِذَا كَانَتِ الزَّانِيَةُ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا زَمَنَ الاِسْتِبْرَاءِ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا وَجَبَ فَسْخُهُ.

стр. 2489

(وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثاً حَتَّى يَطَأَهَا زوْجٌ غَيْرُهُ). أي: ومن المحرمات إلى أمد مطلقته ثلاثاً، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غير زوجها نكاحاً صحيحاً (نكاح رغبة)، ثم يطلقها بعد ذلك، فيجوز للأول إعادتها. لقوله تعالى (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ … ) ثم قال ( … فَإِن طَلَّقَهَا) يعني الثالثة (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ). فائدة: ١ فمن طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، فإنها لا ترجع إليه إلا بشروط: الشرط الأول: أن تنكح زوجاً غيره. أ- لقوله تعالى (فَإِنْ طَلَّقَهَا [يعني الثالثة] فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه). ب- ولحديث عَائِشَةَ قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». قَالَتْ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَنَادَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ متفق عليه. [فبت طلاقي] البت بمعنى القطع. يحتمل أنه قال لها: أنت طالق البتة، ويحتمل أنه طلقها الطلقة الأخيرة، وهذا الراجح، فقد جاء عند البخاري: (طلقني آخر ثلاث تطليقات) فيكون طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها. [عبد الرحمن بن الزَّبير] الزَّبِير: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة. [مثل هدبة الثوب] هدبة بضم الهاء وسكون الدال هو طرف الثوب، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. [عسيلته] العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، قال الجمهور: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة.

стр. 2490

الشرط الثاني: أن يجامعها في الفرج. أ-لقوله ﷺ : (حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) فعلق النبي ﷺ الحل على ذواق العسيلة منها، ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج. ب- ولقوله (حتى تنكح زوجاً غيره) فالمراد بالنكاح هنا الوطء لدلالة حديث عائشة السابق. وهذا مذهب جمهور العلماء أنه لا بد من الجماع، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، إلا سعيد بن المسيب. يعني أنه قال: يكفي العقد. قال النووي ﵀: قَوْله ﷺ (لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك) كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع، شَبَّهَ لَذَّته بِلَذَّةِ الْعَسَل وَحَلَاوَته. وَفِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا لَا تَحِلّ لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره، وَيَطَأهَا ثُمَّ يُفَارِقهَا، وَتَنْقَضِي عِدَّتهَا. فَأَمَّا مُجَرَّد عَقْده عَلَيْهَا فَلَا يُبِيحهَا لِلْأَوَّلِ. وَبِهِ قَالَ جَمِيع الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ، إلا سعيد بن المسيب، وَلَعَلَّه لَمْ يَبْلُغهُ هَذَا الْحَدِيث" انتهى. وقال ابن قدامة: ومع تصريح النبي ﷺ ببيان المراد من كتاب الله تعالى، وأنها لا تحل للأول حتى يذوق الثاني عسيلتها وتذوق عسيلته، لا يعرج على شيء سواه، ولا يجوز لأحد المصير إلى غيره. … (المغني).
следующие страницы →