Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
ثم قال:
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَعَلَيْهِ فِرَاقُهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ فَارَقَهَا أَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَعِدَّتُهُ وَجَبَتْ عَنْ وَطْءٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا أَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْ الثَّانِي، وَلَا تَتَدَاخَلُ الْعِدَّتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلَيْنِ. … (المغني).
قال ابن كثير: قد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة، واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبدا؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها، وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد. … (التفسير).
فائدة: ٢
قال ابن قدامة: وَإِذَا تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً، وَهُمَا عَالِمَانِ بِالْعِدَّةِ، وَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ فِيهَا، وَوَطِئَهَا، فَهُمَا زَانِيَانِ، عَلَيْهِمَا حَدُّ الزِّنَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ.
وَإِنْ كَانَا جَاهِلِينَ بِالْعِدَّةِ، أَوْ بِالتَّحْرِيمِ، ثَبَتَ النَّسَبُ، وَانْتَفَى الْحَدُّ، وَوَجَبَ الْمَهْرُ.
(وَالزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُها).
أي: ومما يحرم إلى أمد: نكاح الزانية حتى تتوب. (الزنا: فعل الفاحشة في قبُل أو دُبُر).
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة، وأن الراجح تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذا يحرم على العفيفة أن تنكح الزاني حتى يتوب.
فائدة: ١
قوله (حتى تتوب) اختلف العلماء في كيفية توبتها:
والراجح أن تتوب وتقلع عن ذلك كغيرها، ورجح ذلك ابن قدامة.
стр. 2487
قال ابن قدامة: وَأَمَّا التَّوْبَةُ، فَهِيَ الِاسْتِغْفَارُ وَالنَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الذَّنْبِ، كَالتَّوْبَةِ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْف تُعْرَفُ تَوْبَتُهَا؟ قَالَ: يُرِيدُهَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَمْ تَتُبْ، وَإِنْ أَبَتْ فَقَدْ تَابَتْ
فَصَارَ أَحْمَدُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ اتِّبَاعًا لَهُ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ:
فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَمُسْلِمٍ أَنْ يَدْعُوَ امْرَأَةً إلَى الزِّنَى، وَيَطْلُبَهُ مِنْهَا.
وَلِأَنَّ طَلَبَهُ ذَلِكَ مِنْهَا إنَّمَا يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ، وَلَا تَحِلُّ الْخَلْوَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَلَوْ كَانَ فِي تَعْلِيمِهَا الْقُرْآنَ، فَكَيْفَ يَحِلُّ فِي مُرَاوَدَتِهَا عَلَى الزِّنَى.
ثُمَّ لَا يَأْمَنُ إنْ أَجَابَتْهُ إلَى ذَلِكَ أَنْ تَعُودَ إلَى الْمَعْصِيَةِ، فَلَا يَحِلُّ لِلتَّعَرُّضِ لِمِثْلِ هَذَا.
وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ، وَفِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ، عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا. (المغني).
فائدة: ٢
قوله (وتنقضي عدتها) اختلف العلماء في عدة الزانية:
فقيل: ثلاث حيض كغيرها.
وهذا مذهب الحنابلة.
قال ابن قدامة معللاً لهذا القول: لأنه وَطْءٌ يَقْتَضِي شَغْلَ الرَّحِمِ، فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ مِنْهُ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَأَمَّا وُجُوبُهَا كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِعِدَّةٍ كَامِلَةٍ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ. (المغني).
стр. 2488
وقيل: ليس عليها عدة، وإنما استبراء بحيضة.
واختار هذا القول ابن تيمية.
وهو الراجح.
وقد جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية): اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عِدَّةِ الزَّانِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّ الزَّانِيَةَ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، حَامِلاً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ.
وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل الرَّسُول ﷺ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ.
وَلأِنَّ الْعِدَّةَ شُرِعَتْ لِحِفْظِ النَّسَبِ، وَالزِّنَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ، وَلَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ.
الْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لَدَى الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ: أَنَّ الْمَزْنِيَّ بِهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ
الْمُطَلَّقَةِ.
لأِنَّهُ وَطْءٌ يَقْتَضِي شُغْل الرَّحِمِ، فَوَجَبَتِ الْعِدَّةُ مِنْهُ، وَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِعِدَّةٍ كَامِلَةٍ قِيَاسًا عَلَى الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَلأِنَّ الْمَزْنِيَّ بِهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ قَبْل الاِعْتِدَادِ اشْتَبَهَ وَلَدُ الزَّوْجِ بِالْوَلَدِ مِنَ الزِّنَا، فَلَا يَحْصُل حِفْظُ النَّسَبِ.
الْقَوْل الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى أَنَّ الزَّانِيَةَ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً.
تنبيه: أَمَّا الْحَامِل مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ غَصْبٍ فَيَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا وَطْؤُهَا قَبْل الْوَضْعِ اتِّفَاقًا، وَإِذَا كَانَتِ الزَّانِيَةُ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا زَمَنَ الاِسْتِبْرَاءِ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا وَجَبَ فَسْخُهُ.
стр. 2489
(وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثاً حَتَّى يَطَأَهَا زوْجٌ غَيْرُهُ).
أي: ومن المحرمات إلى أمد مطلقته ثلاثاً، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غير زوجها نكاحاً صحيحاً (نكاح رغبة)، ثم يطلقها بعد ذلك، فيجوز للأول إعادتها.
لقوله تعالى (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ … ) ثم قال ( … فَإِن طَلَّقَهَا) يعني الثالثة (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).
فائدة: ١
فمن طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، فإنها لا ترجع إليه إلا بشروط:
الشرط الأول: أن تنكح زوجاً غيره.
أ- لقوله تعالى (فَإِنْ طَلَّقَهَا [يعني الثالثة] فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه).
ب- ولحديث عَائِشَةَ قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». قَالَتْ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَنَادَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ متفق عليه.
[فبت طلاقي] البت بمعنى القطع. يحتمل أنه قال لها: أنت طالق البتة، ويحتمل أنه طلقها الطلقة الأخيرة، وهذا الراجح، فقد جاء عند البخاري: (طلقني آخر ثلاث تطليقات) فيكون طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها.
[عبد الرحمن بن الزَّبير] الزَّبِير: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة. [مثل هدبة الثوب] هدبة بضم الهاء وسكون الدال هو طرف الثوب، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. [عسيلته] العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، قال الجمهور: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة.
стр. 2490
الشرط الثاني: أن يجامعها في الفرج.
أ-لقوله ﷺ : (حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) فعلق النبي ﷺ الحل على ذواق العسيلة منها، ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج.
ب- ولقوله (حتى تنكح زوجاً غيره) فالمراد بالنكاح هنا الوطء لدلالة حديث عائشة السابق.
وهذا مذهب جمهور العلماء أنه لا بد من الجماع، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، إلا سعيد بن المسيب. يعني أنه قال: يكفي العقد.
قال النووي ﵀: قَوْله ﷺ (لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك) كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع، شَبَّهَ لَذَّته بِلَذَّةِ الْعَسَل وَحَلَاوَته.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا لَا تَحِلّ لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره، وَيَطَأهَا ثُمَّ يُفَارِقهَا، وَتَنْقَضِي عِدَّتهَا. فَأَمَّا مُجَرَّد عَقْده عَلَيْهَا
فَلَا يُبِيحهَا لِلْأَوَّلِ. وَبِهِ قَالَ جَمِيع الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ، إلا سعيد بن المسيب، وَلَعَلَّه لَمْ يَبْلُغهُ هَذَا الْحَدِيث" انتهى.
وقال ابن قدامة: ومع تصريح النبي ﷺ ببيان المراد من كتاب الله تعالى، وأنها لا تحل للأول حتى يذوق الثاني عسيلتها وتذوق عسيلته، لا يعرج على شيء سواه، ولا يجوز لأحد المصير إلى غيره. … (المغني).
стр. 2491
فائدة: ١
يكفي لحلها لمطلقها ثلاثاً، تغييب حشفة الرجل في الفرج، ولا بد من انتشار الذكر.
ولا يشترط الإنزال، وهذا مذهب الجمهور خلافاً للحسن البصري.
الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً.
فإن كان فاسداً كنكاح التحليل أو الشغار، فإنه لا يحلها وطئها.
ونكاح التحليل هو: أن يعمد الرجل إلى المرأة المطلقة ثلاثاً فيتزوجها ليحلها لزوجها الأول.
وهو حرام ولا تحل به المرأة لزوجها الأول.
لحديث ابن مسعود قال: (لعن رسول الله المحلل والمحلل له). رواه أحمد والترمذي
وسماه النبي ﷺ تيساً مستعاراً.
فمتى نوى الزوج الثاني أنه متى حللها طلقها، فإنه لا تحل للأول، والنكاح باطل.
فالملعون على لسان الرسول ﷺ هو:
المحلل: هو الزوج الثاني إذا قصد التحليل ونواه، وكان عالماً.
والمحلل له: هو الزوج الأول، فيلحقه اللعن إذا كان عالماً. … (وستأتي المسألة إن شاء الله).
стр. 2492
فائدة: ٢
لو وطأها الثاني بحيض أو نفاس أو إحرام، هل تحل؟
قيل: لا تحل بالوطء المحرَّم.
قالوا لأنه وطء حرام لحق الله، فلم يحصل به الإحلال.
وقيل: أنه يحلها.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.
ورجحه ابن قدامة في المغني، حيث قال: وَظَاهِرُ النَّصِّ حِلُّهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) وَهَذِهِ قَدْ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ). وَهَذَا قَدْ وُجِدَ.
وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فِي مَحَلِّ الْوَطْءِ عَلَى سَبِيلِ التَّمَامِ، فَأَحَلَّهَا، كَالْوَطْءِ الْحَلَالِ، وَكَمَا لَوْ وَطِئَهَا وَقَدْ ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، أَوْ وَطِئَهَا مَرِيضَةً يَضُرُّهَا الْوَطْءُ.
وَهَذَا أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. … (المغني).
فائدة: ٣
الحكمة من كون الزوج الأول لا يحل له نكاح مطلقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره:
أولاً: تعظيم أمر الطلاق، حتى لا يكثر وقوعه، فإنه إذا علم أنه لا ترجع إليه بعد الثلاث حتى يتزوجها غيره، لم يستعجل بإيقاعه.
ثانياً: الرفق بالمرأة، فإن المرأة إذا طلقت ثلاثاً فإنها تتزوج غيره، وقد يكون خيراً من زوجها الأول فتسعد به.
(وَالْمُحْرِمَةُ حَتَّى تَحِلَّ).
أي: ومن المحرمات إلى أمد: المحرمة حتى تحل من إحرامها ﴿التحلل الثاني عند جمهور العلماء﴾.
لحديث عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَنْكِحُ اَلْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِح) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (وَلَا يَخْطُبُ). وَزَادَ اِبْنُ حِبَّانَ (وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ).
стр. 2493
(لَا يَنْكِحُ اَلْمُحْرِمُ) بفتح الياء، أي لا يتزوج لنفسه، (وَلَا يُنْكِحُ) بضم الياء، لا يزوج امرأة بولاية ولا وكالة في مدة الإحرام.
ففي هذا الحديث: أن المحرِم محرّم عليه أن يَنكح - بفتح الياء - أي: يتزوج، أو يُنكِح - بضم الياء - أي: يعقد النكاح لغيره، أو يخطب، أي: يطلب زواج المرأة من نفسها أو من أهلها.
تحريم عقد النكاح للمحرم لنفسه سواء كان رجلاً أو امرأة كلاهما محرماً أو أحدهما محرماً والآخر حلالاً.
فلا يجوز أن يكون المُحْرِم ولياً في عقد النكاح، ولو كان الزوج والزوجة حلالاً.
فلو عقد لرجل محرم على امرأة حلال فالنكاح لا يصح، ولو عقد لرجل محل على امرأة والولي محرم لا يصح.
فائدة: ١
فإن قيل: ما الجواب عن حديث ابن عباس (أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم) رواه مسلم؟
الجواب من وجوه:
أولاً: أن ابن عباس وهِم إذ نسب إلى النبي ﷺ أنه تزوج ميمونة محرماً.
قال سعيد بن المسيب: وهِم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرِم.
ثانياً: أن ميمونة وهي صاحبة القصة قالت (أن النبي ﷺ تزوجها حلالاً).
ثالثاً: أن أبا رافع كان الرسول بينهما حيث قال (تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما) رواه الترمذي.
رابعاً: أن الرواة بأنه ﷺ تزوجها حلالاً كثيرون، منهم ميمونة نفسها، ومنهم أبو رافع، وسليمان بن يسار، ومنهم صفية بنت شيبة.
стр. 2494
قال ابن عبد البر: وما أعلم أحداً من الصحابة روى أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم إلا عبد الله بن عباس، ورواية من ذكرنا معارضة لروايته، والقلب إلى رواية الجماعة أميل، لأن الواحد أقرب إلى الغلط.
وقال: والرواية أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال متواترة عن ميمونة بعينها، وعن أبي رافع مولى النبي ﷺ ، وعن سليمان بن يسار مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها.
وقال عياض: الذي صححه أهل الحديث أن النبي ﷺ تزوجها حلالاً، وهو قول كبراء الصحابة ورواياتهم، ولم يأت عن أحد منهم أنه تزوجها محرماً إلا ابن عباس وحده.
فائدة: ٢
حكم الخطبة للمحْرِم؟ لأهل العلم في خطبة المحرم قولان:
القول الأول: تكره الخطبة للمحرم، والمحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين.
وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، واختيار ابن قدامة.
القول الثاني: أنه تحرم خطبة المحرم.
وهو مذهب المالكية، واختيار ابن حزم، وابن تيمية والصنعاني، والشنقيطي، وابن باز، وابن عثيمين.
أ-لرواية (. . . ولا يخطب).
فالنبي ﷺ نهى عن الجميع نهياً واحداً ولم يفصل وموجب النهي التحريم وليس لنا ما يعارض ذلك من أثر ولا نظر.
ب-أن الخطبة مقدمة النكاح وسبب إليه كما أن العقد سبب للوط، والشرع قد منع من ذلك كله حسما للمادة.
قال الشنقيطي: الأظهر عندي أن المحرِم لا يجوز له أن يخطب امرأة، وكذلك المحرمة لا يجوز للرجل خطبتها لما تقدم من حديث عثمان، وبه تعلم أن ما ذكره كثير من أهل العلم من أن الخطبة لا تحرم في الإحرام وإنما تكره أنه خلاف الظاهر من النص.
стр. 2495
فائدة: ٣
أن المحرم يجوز له أن يشهد على عقد النكاح لرجل وامرأة ليسا مُحْرمين.
(وَلَا يَنْكِحُ كَافِرٌ مُسْلِمَةً).
أي: لا يجوز لأي كافر كان أن يتزوج مسلمة.
أ-لقوله تعالى (وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ).
ب-ولقوله تعالى (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
ج-والنظر يقتضي ذلك: فإنه لا يمكن أن يكون للكافر سلطة على المسلم أو المسلمة.
قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه، لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام، وأجمع القراء على ضم التاء من تنكحوا.
وقال الرازي: فلا خلاف ههنا أن المراد به الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة.
- وهذا الحكم عام فيحرم على المسلمة أن تنكح أي رجل كافر سواء كان من أهل الكتاب يهودي أو نصراني أو كان وثنيا أو مجوسيا أو ملحدا لأن الشارع لم يستثن شيئاً من هذا العموم. فما دام أن الرجل ثابت كفره فلا يحل للمسلمة قبول خطبته ونكاحه لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
стр. 2496
فائدة:
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " تزوج رجل بامرأة مسلمة ثم ظهر أن الرجل كافر، فما الحكم؟
فأجاب: إذا ثبت أن الرجل المذكور حين عقد النكاح كان كافراً والمرأة مسلمة: فإن العقد يكون باطلاً؛ لأنه لا يجوز بإجماع المسلمين نكاح الكافر للمسلمة؛ لقوله الله سبحانه (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) وقوله (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) الآية.
(وَلَا مُسْلِمٌ وَلَوْ عَبْداً كَافِرَةً إِلاَّ حُرَّةً كِتَابِيَّةً).
أي: لا يجوز للمسلم - ولو كان عبداً - أن يتزوج كافرة، ويستثنى من ذلك الحرة الكتابية فيجوز التزوج بها.
قال تعالى (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ).
وقال تعالى (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) (الكوافر) جمع كافرة.
قال ابن كثير: تحريم من الله على عباده المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن. (التفسير).
ويستثنى من هذا التحريم: الحرة الكتابية:
لقوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: وأحل لكم المحصنات من الذين أوتوا الكتاب.
قال ابن كثير: هذا تحريم من الله على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن كان عمومها مراداً وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين. (التفسير).
стр. 2497
قال ابن قدامة: ليْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، بِحَمْدِ اللَّهِ، اخْتِلَافٌ فِي حِلِّ حَرَائِرِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَحُذَيْفَةُ وَسَلْمَانُ، وَجَابِرٌ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَوَائِلِ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ.
ثم قال ﵀: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلَّذِينَ تَزَوَّجُوا مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ: طَلِّقُوهُنَّ.
فَطَلَّقُوهُنَّ إلَّا حُذَيْفَةَ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَالَ إلَيْهَا قَلْبُهُ فَفَتَنَتْهُ، وَرُبَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَيَمِيلُ إلَيْهَا. (المغني).
• وقد اختلف في المراد بالمحصنات هنا على قولين:
قيل: المراد بالمحصنات الحرائر، وقيل: المراد بالمحصنات العفيفات منهن.
ورجحه ابن كثير وقال: ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه، وهو قول الجمهور ههنا، وهو الأشبه، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية.
قال ابن القيم: ويجوز نكاح الكتابية بنص القرآن، قال تعالى (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) والمحصنات هنا هن العفائف.
الخلاصة: يجوز للمسلم أن يتزوج كافرة بشرطين:
أن تكون كتابية، وأن تكون محصنة.
стр. 2498
فائدة: ١
وقد تزوج بعض الصحابة من الكتابيات:
تزوج عثمان نصرانية، وتزوج طلحة بن عبيد الله نصرانية، وتزوج حذيفة يهودية.
عنْ شَقِيقٍ، قَالَ (تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ يَهُودِيَّةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: خَلِّ سَبِيلَهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَتَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ فَأُخَلِّيَ سَبِيلَهَا؟ فَقَالَ: لَا أَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَعَاطَوُا الْمُومِسَاتِ مِنْهُنَّ) رواه ابن جرير.
قال ابن كثير: إسناده صحيح.
وعن عامِرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نِسْطَاسٍ، (َأنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ نَكَحَ بِنْتَ عَظِيمِ الْيَهُودِ قَالَ: فَعَزَمَ عَلَيْهِ عُمَرُ إِلَّا مَا طَلَّقَهَا) رواه عبدالرزاق.
قال ابن جرير: إِنَّمَا كَرِهَ عُمَرُ، لِطَلْحَةَ، وَحُذَيْفَةَ، ﵀ عَلَيْهِمْ نِكَاحَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ، حَذَرًا مِنْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمَا النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَيَزْهَدُوا فِي الْمُسْلِمَاتِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي، فَأَمَرَهُمَا بِتَخْلِيَتِهِمَا.
فائدة: ٢
اختلف العلماء في الحربية من أهل الكتاب هل يجوز الزواج منها أو لا على أقوال:
فقيل: يكره.
وهذا المذهب عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، واختيار ابن تيمية.
وقيل: يجوز نكاحها في دار الإسلام لا في دار الحرب.
وقيل: يحرم. والله أعلم.
فائدة: ٣
اختلف العلماء: المرأة إذا كانت تدين بدين أهل الكتاب من نصرانية أو يهودية، ولكن أبوَيّها ليسا من أهل الكتاب، فهل تعتبر كتابية يباح نكاحها، أو لا تعتبر فيمنع النكاح منها؟ على قولين:
стр. 2499
القول الأول: أن العبرة في إطلاق وصف الكتابي على دين الشخص نفسه دون النظر إلى أبويه، فتحل الكتابية وإن لم يكن أبواها كتابيين.
وبهذا قال الحنفية، والمالكية، واختاره ابن تيمية.
القول الثاني: أن من كان أبواها غير كتابيين فلا تحل، وإن كانت تدين بدين أهل الكتاب.
وبهذا قال الشافعية، والحنابلة.
(وَلَا يَنْكِحُ حُرٌّ مُسْلِمٌ أَمَةً مُسْلِمَةً، إِلاَّ أَنْ يَخَافَ عَنَتَ العُزُوبَةِ، لِحَاجَةِ المُتْعَةِ، وَيَعْجَزُ عَنْ طَوْلِ حُرَّةٍ).
أي: لا يجوز للحر المسلم أن يتزوج الأمَة المسلمة إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يخاف العنت، وهو المشقة بعدم الزواج ويخشى الزنا.
الشرط الثاني: أن يعجز عن مهر الحرة.
قال تعالى (ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ … ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ).
والحكمة من أن الحر لا يتزوج أمة كما قال الإمام أحمد: لأنه إذا تزوج الأمة رق نصفه، أي صار رقيقاً، لأن الأولاد يكونون أرقاء تبعاً لأمهم.
قال ابن قدامة: أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ إذَا وُجِدَ فِيهِ الشَّرْطَانِ، عَدَمُ الطَّوْلِ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافًا فِيهِ.
стр. 2500
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا) الْآيَةُ.
وَالصَّبْرُ عَنْهَا مَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ).
إذَا عُدِمَ الشَّرْطَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا لِحُرٍّ.
لقوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ) إلَى قَوْلِهِ: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ).
فَشَرَطَ فِي نِكَاحِهَا عَدَمَ اسْتِطَاعَةِ الطَّوْلِ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مَعَ عَدَمِ اسْتِطَاعَةِ الْإِعْتَاقِ.
وَلِأَنَّ فِي تَزْوِيجِ الْأَمَةِ إرْقَاقَ وَلَدِه. (المغني).
(وَمَتَى عَقَدَ عَلَيْهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ؛ عَدَمُ الطَّوْلِ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ، ثُمَّ أَيْسَرَ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ).
هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَفِي الْمَذْهَبِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَفْسُدُ النِّكَاحُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، فَإِذَا زَالَتْ الْحَاجَةُ لَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ، كَمَنْ أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ، فَإِذَا وُجِدَ الْحَلَالَ لَمْ يَسْتَدِمْهُ.
وَلَنَا، أَنَّ فَقْدَ الطَّوْلِ أَحَدُ شَرْطَيْ إبَاحَةِ نِكَاحِ الْأَمَةِ، فَلَمْ تُعْتَبَر اسْتَدَامَتْهُ، كَخَوْفِ الْعَنَتِ، وَيُفَارِقُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّ أَكْلَهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ ابْتِدَاءٌ لِلْأَكْلِ، وَهَذَا لَا يَبْتَدِئُ النِّكَاحَ إنَّمَا يَسْتَدِيمُهُ، وَالِاسْتِدَامَةُ لِلنِّكَاحِ تُخَالِفُ ابْتِدَاءَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِدَّةَ وَالرِّدَّةَ وَأَمْنَ الْعَنَتِ يَمْنَعْنَ ابْتِدَاءَهُ
دُونَ اسْتِدَامَتِهُ. … (المغني)،
стр. 2501
(وَلَا يَنْكِحُ عَبْدٌ سَيِّدَتَهُ).
أي: لا يجوز أن ينكح العبد سيدته حتى يخرج من ملكها.
لإجماع العلماء على تحريم ذلك.
قال ابن قدامة: يَحْرُمُ عَلَى الْعَبْدِ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ عَبْدَهَا بَاطِلٌ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْت جَابِرًا عَنْ الْعَبْدِ يَنْكِحُ سَيِّدَتَهُ، فَقَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَنَحْنُ بِالْجَابِيَةِ، وَقَدْ نَكَحَتْ عَبْدَهَا، فَانْتَهَرَهَا عُمَرُ وَهَمَّ أَنْ يَرْجُمَهَا، وَقَالَ: لَا يَحِلُّ لَكِ ....
وَلَوْ مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا [يعني: إن كان عبداً أو اشترته مثلاً]، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا. (المغني).
ونقل الزيلعي الحنفي ﵀ الإجماع على بطلان نكاح العبد لسيدته.
قال ابن القيم: وَأَمَّا قَوْلُهُ: " أَبَاحَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْ أَمَتِهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِالْوَطْءِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُبِحْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتَمْتِعَ مِنْ عَبْدِهَا لَا بِوَطْءٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَهَذَا أَيْضًا مِنْ كَمَالِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَحِكْمَتِهَا، فَإِنَّ السَّيِّدَ قَاهِرٌ لِمَمْلُوكِهِ، حَاكِمٌ عَلَيْهِ، مَالِكٌ لَهُ، وَالزَّوْجُ قَاهِرٌ لِزَوْجَتِهِ حَاكِمٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ تَحْتَ سُلْطَانِهِ وَحُكْمِهِ شِبْهُ الْأَسِيرِ; وَلِهَذَا مَنَعَ الْعَبْدَ مِنْ نِكَاحِ سَيِّدَتِهِ لِلتَّنَافِي بَيْنَ كَوْنِهِ مَمْلُوكَهَا وَبَعْلَهَا، وَبَيْنَ كَوْنِهَا سَيِّدَتَهُ وَمَوْطُوءَتَهُ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ بِالْفِطْرَةِ وَالْعُقُولِ قُبْحُهُ، وَشَرِيعَةُ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ مُنَزَّهَةٌ عَنْ أَنْ تَأْتِيَ بِه. (إعلام الموقعين).
стр. 2502
(وَلَا سَيِّدٌ أَمَتَهُ).
أي: لا ينكح السيد أمته، (لا يجوز أن يتزوجها).
فقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز للسيد أن يتزوج أمته.
لأن عقد الملك أقوى من عقد الزوجية، ويفيد ما يفيده عقد الزوجة وزيادة، ويجوز له أن يتزوج أمَةَ غيره إذا توفرت شروط ذلك.
لأنه يستغني بوطئها بملك اليمين عن نكاحها بالعقد.
ولأن النبي ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها، فهو ﷺ لم يتزوجها إلا بعد أعتقها.
ولأن ملك اليمين أقوى من عقد النكاح.
قال ابن قدامة: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، وَإِبَاحَةَ الْبُضْعِ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَقْدٌ أَضْعَفُ مِنْهُ.
وقال القرطبي: ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوّج أَمَةَ نفسه؛ لتعارض الحقوق واختلافها. (التفسير).
стр. 2503
بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ
تقدم تعريف الشرط.
(وهي ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر).
أي: أن الشروط في النكاح: هي ما كان من وضع العاقدين، يشترطه أحد الزوجين على الآخر.
والفرق بينها وبين شروط النكاح:
أ- أن شروط النكاح من وضع الشارع، والشروط في النكاح من وضع العاقد.
ب- أن شروط النكاح يتوقف عليها صحة النكاح، وأما الشروط في النكاح فلا يتوقف عليها صحة النكاح وإنما يتوقف عليها لزومه.
ج- شروط النكاح لا يمكن إسقاطها، والشروط في النكاح يمكن إسقاطها. (وقد تقدم ذلك).
(وهي قسمان).
أي أن الشروط في النكاح تنقسم إلى قسمين.
(صحيح).
هذا النوع الأول من أنواع الشروط، وهو: الشروط الصحيحة، وهو كل شرط لا يستلزم وقوعه في محرم.
وليعلم أنه يجب الوفاء بالشروط وخاصة شروط النكاح.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود).
وقال تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً).
وهناك حديث خاص في المسألة:
عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ) متفق عليه.
стр. 2504
[توفوا] أي تؤتوها وافية كاملة. [ما استحللتم به الفروج] أي أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح، لأن أمره أحوط وبابه أضيق
فالحديث يبين أنه ينبغي لكل من الزوجين الوفاء بالشروط في النكاح، فأحق شرط يجب الوفاء به وأولاه، هو ما استحل به الفرج.
(كشرط زيادة في مهرِها، أو لا يُخرجها من دارها أو بلدها، أو شَرطت نقداً معيناً).
هذه أمثلة للشروط الصحيحة، فإذا اشترطت أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو اشترطت زيادة في مهرها أو زيادة في نفقتها، صح الشرط، ووجب الوفاء به، للحديث السابق (إن أحق الشروط أن توفا به. . .).
(أو أن لا يتزوج عليها).
أي: كأن تشترط الزوجة أن لا يتزوج عليها.
فهذا الشرط صحيح، فإن نكث بالشرط وتزوج عليها كان من حقها فسخ النكاح، لأنها إنما قبلت بالزواج منه على هذا الشرط.
وهذا المذهب عند الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم: أنه شرط صحيح، ويجب على الزوج الوفاء به.
أ- للحديث السابق (إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ).
فهو صريح في وجوب الوفاء بشروط النكاح، ومنها اشتراط المرأة على ناكحها أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق، فإذا أخل بذلك فلها حق الفسخ.
стр. 2505
ب- وقد وقع في زمن الصحابة ﵃ اشتراط مثل ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولأن رجلا زَوَّج امرأة بشرط أن لا يتزوج عليها، فرفع ذلك إلى عمر، فقال: مقاطع الحقوق عند الشروط.
ج- ولحديث (المسلمون على شروطهم). وهو صريح في وجوب أن يفي المسلم بما شرط عليه.
د- أن اشتراط المرأة على ناكحها عدم تزوجه عليها فيه منفعة ومصلحة لها، وهذا الشرط لا يمنع المقصود من النكاح فكان صحيحاً لازماً
هـ- أن في موافقة الزوج على هذا الشرط إسقاط لحقه في الزواج بأخرى، ويجوز أن يتنازل الزوج عن حق من حقوقه عند عقد النكاح.
و- أن الشارع حرم على الإنسان مال غيره إلا عن تراض منه، ولا شك أن المرأة لم ترض ببذل فرجها إلا بهذا الشرط، وشأن الفرج أعظم من المال، فإذا حرم المال إلا بالتراضي فالفرج أولى.
ز- أن المرأة قد تشترط هذا الشرط، كأن تكون شديدة الغيرة، فتخشى أن تضيع حق بعلها
وذهب بعض العلماء: أن الشرط باطل، والنكاح صحيح.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية.
أ-أن رسول الله ﷺ قال (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)، قالوا: وهذا الشرط الذي اشترط يحرم الحلال، وهو التزوج والتسري وغير ذلك.
ب- لحديث (لا تسأل المرأة طلاق أختها … ).
стр. 2506
ج-ولقوله ﷺ (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط) متفق عليه.
وقالوا: وهذا ليس في كتاب الله، لأن الشرع لا يقتضيه.
د- وقالوا: إن هذه الشروط ليست من مصلحة العقد ولا مقتضاه.
والراجح الجواز، ورجحه ابن القيم.
قال ابن القيم: وتضمن حكمُه ﷺ بطلانَ اشتراط المرأة طلاقَ أختها، وأنه لا يجب الوفاءُ به. فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها حتى صححتم هذا وأبطلتم شرط الضرة؟ قيل: الفرقُ بينهما أن في اشتراط طلاقِ الزوجة من الإضرار بِها، وكسرِ قلبها، وخرابِ بيتها، وشماتةِ أعدائها ما ليس في اشتراط عدمِ نكاحها، ونكاحِ غيرها، وقد فرق النصُّ بينهما، فقياس أحدهما على الآخر فاسد.
قال ابن قدامة: (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا، وَشَرَطَ لَهَا أَنْ لا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا فَلَهَا شَرْطُهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ بِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ) وَإِنْ تَزَوَّجَهَا، وَشَرَطَ لَهَا أَنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَلَهَا فِرَاقُهُ إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشُّرُوطَ فِي النِّكَاحِ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلاثَةً، أَحَدُهَا مَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهُوَ مَا يَعُودُ إلَيْهَا نَفْعُهُ وَفَائِدَتُهُ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لَهَا أَنْ لا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا أَوْ لا يُسَافِرَ بِهَا، أَوْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَلا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، فَهَذَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ لَهَا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاح. (المغني).
стр. 2507
(أو طلاق ضرتِها).
كأن تقول الزوجة عند العقد، رضيت به زوجاً بشرط أن يطلق زوجته.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وبه قال أبو الخطاب. [قال ابن قدامة: ولم أره لغيره]. (المغني).
أنه شرط لا ينافي العقد، ولأن لها فيه فائدة، إذ إن خلو المرأة من ضرة من أكبر أغراضها.
وذهب بعض العلماء: إلى هذا الشرط باطل.
وهو قول جمهور العلماء.
للنهي الوارد في ذلك.
أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا) متفق عليه.
وفي رواية (لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِحْ فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا) متفق عليه.
وفي رواية (نَهَى رسول الله ﷺ أَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) متفق عليه.
وفي رواية (لا تشترط المرأة طلاق أختها) رواه أحمد.
وقد بوب البخاري في صحيحه على هذا الحديث بقوله: باب الشروط التي لا تحل في النكاح.
ب- ولما فيه من الظلم والعدوان، لأن حق الزوجة سابق.
стр. 2508
[ولا تسأل المرأة] أي المرأة الأجنبية. [أختها] أي أختها في الدين، وفي التعبير باسم الأخت تشنيع لفعلها وتأكيد للنهي عنه، وتحريض لها على تركه. [لتكفئ ما في إنائها] هذا تمثيل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها إذا سألت
الطلاق.
نقل الحافظ في (الفتح) عن ابن عبد البر قوله: الأخت الضرة، وفيه من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به.
وقال الشوكاني: ومن الشروط التي تنافي مقتضى العقد أن تشترط عليه أن لا يقسم لضرتها أو ينفق عليها، أو يطلق من كانت تحته، فلا يجب الوفاء بشيء من ذلك.
فائدة: ١
إن شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها. فهذا يصح.
لحديث سودة (أنها جعلت يومها لعائشة على أن تبقى زوجة للرسول ﷺ متفق عليه.
لأن الحق لها وقد أسقطته.
стр. 2509
فائدة: ٢
إن شرط أن لا نفقة لها.
الصحيح أنه يصح، لأن المرأة قد ترغب بالزوج لدينه وخلقه ويكون هو فقير.
فائدة: ٣
إن شرطت الزوجة الجديدة أن يقسم لها أكثر من ضرتها. فهذا شرط لا يصح.
لأنه متضمن للجور، وكذلك يتضمن إسقاط حق الغير بغير إذنه.
فائدة: ٤
إن شرط لا مهر لها.
قال بعض العلماء: يصح النكاح دون الشرط، واختار ابن تيمية أن هذا الشرط فاسد مفسد.
لقوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ).
فشرط الله للحل أن تبتغوا بأموالكم، وما كان مشروطاً في الحل، فإن الحل لا يتم إلا به.
ولأنه إذا تزوجها بلا مهر، صار ذلك بمعنى الهبة، ومعلوم أن الهبة خاصة بالرسول ﷺ .
стр. 2510
(فإن خالفَهُ فلها الفسخُ).
أي: إن خالف الزوج هذه الشروط فللمرأة الفسخ، حسب رغبتها، إن شاءت فسخت وإن شاء لم تفسخ.
وقد تقدم أن مخالفة الشرط الصحيح حرام، وأنه يجب الوفاء بالشرط الصحيح، خلافاً لبعض العلماء الذين قالوا: إن الوفاء الشرط مستحب.
إذاً: يترتب على إخلال الزوج بالوفاء بالشرط أمرين:
الأول: الوقوع في الإثم.
لمخالفته قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وأولى العقود أن يُوفى بها: عقود الزواج.
الثاني: حق الزوجة في طلب فسخ النكاح.
فهي بالخيار إن شاءت فسخت النكاح، وإن شاءت تنازلت عنه وبقيت على نكاحها.
قال ابن قدامة: … مثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا أَوْ لَا يُسَافِرَ بِهَا، أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، فَهَذَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ لَهَا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ.
يُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵃ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ
بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَطَاوُسٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
стр. 2511
(على التراخي ولا يسقط إلا بما يدل على رضاها من قول أو تمكين).
أي: فسخ المرأة للنكاح على التراخي وليس على الفور، إلا إن وجد منها ما يدل على الرضا من قول أو فعل.
من قول: كأن تقول: رضيت، أو تنازلت ونحو ذلك.
وفعل: كأن تُمكّنَه من وطئها.
(والفاسد نوعان).
أي: أن الشروط الفاسدة نوعان: نوع يبطل العقد، ونوع لا يبطله.
(نوع يُبطلُ النكاح، كنكاح الشغار: أن يزوج موليته بشرط أن يزوجه الآخر موليته ولا مهر بينهما).
تعريف نكاح الشغار:
الشغار: بالتشديد والكسر من شغر الكلب برجله إذا رفعها، بال أو لم يبل، أو من شغر المكان من أهله، أو من شغرت القرية من أميرها.
تعريفه اصطلاحاً:
تعريفه اصطلاحاً: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق.
وسمي نكاح الشغار شغاراً: لأن المتزوجين يرفعان المهر بينهما، أو أنهما يخليان النكاح من المهر.
حكمه حرام.
ونكاح الشغار حرام والنكاح باطل.
قال ابن عبد البر ﵀: وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَةِ: فَهُوَ أَنْ يُنْكِحَ الرَّجُلُ وَلَيَّتَهُ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ الْآخَرُ وَلَيَّتَهُ، وَلَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بُضْعُ هَذِهِ بِبُضْعِ هَذِهِ، عَلَى مَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاء. … (الاستذكار).
стр. 2512
وقال - أيضاً -: " وهذا ما لا خلاف بين العلماء فيه أَنَّهُ الشِّغَارُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيث. (التمهيد).
وقال ابن رشد ﵀: فَأَمَّا نِكَاحُ الشِّغَارِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِفَتَهُ هُوَ أَنْ يُنْكِحَ الرَّجُلُ وَلِيَّتَهُ رَجُلًا آخَرَ عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ، وَلَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بُضْعَ هَذِهِ بِبُضْعِ الْأُخْرَى، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ نِكَاحٌ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْه. (بداية المجتهد).
أدلة تحريمه:
أ- عَنْ نَافِعٍ، عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ; وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ اَلرَّجُلُ اِبْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ اَلْآخَرُ اِبْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ب- وعن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ) رواه مسلم.
ج- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّغَار، وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجُكَ أُخْتي) رواه مسلم.
فإذا وقع نكاح الشغار: فهو باطل سواء وقع قبل الدخول أم بعده.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث الباب، وفيما معناه من الآثار التي تدل على النهي عن نكاح الشغار، وأن النهي عن الشيء حكم بفساده وبطلانه.
إذا وقع نكاح الشغار فهو باطل يجب فسخه عند جمهور العلماء، وتجديد العقد.
وقال الشافعي: فَلَا يَحِلُّ النِّكَاحُ، وَهُوَ مَفْسُوخ. (الأم).
стр. 2513
وقال ابن قدامة: وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ فَاسِد. (المغني).
وقال ابن عبد البر: وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ هَذَا النِّكَاحِ، وَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَه. (الاستذكار).
حكمه إذا سمي المهر؟
اختلف العلماء إذا سمي المهر، هل هو من الشغار أم لا على قولين:
القول الأول: إن سمي المهر فليس بشغار.
فالشغار لابد فيه من شرطين: وجود الشرط - وعدم المهر.
وهذا مذهب الحنابلة والحنفية.
قال الشَّافِعِي: وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الرَّجُلَ أَوْ الْمَرْأَةَ يَلِي أَمْرَهَا، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، أَوْ الْمَرْأَةَ يَلِي أَمْرَهَا، عَلَى أَنَّ صَدَاقَ إحْدَاهُمَا كَذَا، لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ، وَصَدَاقَ الْأُخْرَى كَذَا، لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ، أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ … فَلَيْسَ هَذَا بِالشِّغَارِ الْمَنْهِيِّ عَنْه.
وقال ابن قدامة: فَأَمَّا إنْ سَمَّوْا مَعَ ذَلِكَ صَدَاقًا، فَقَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي، عَلَى أَنْ تُزَوِّجُنِي ابْنَتَك، وَمَهْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ، أَوْ مَهْرُ ابْنَتِي مِائَةٌ وَمَهْرُ ابْنَتِك خَمْسُونَ، أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ: صِحَّتُه. (المغني).
стр. 2514
القول الثاني: أنه متى وجد الشرط فهو شغار ولو ذكر المهر.
وهذا مذهب المالكية والظاهرية، واختيار الخرقي.
أ-لحديث ابن عمر السابق (لا شغار في الإسلام).
ب- ولحديث أبي هريرة. قال (نهى رسول الله ﷺ عن الشِّغار، زاد ابن نمير - والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأزوجك أختي) رواه مسلم.
ج- وبأن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته وكانا جعلا صداقاً، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال معاوية: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ رواه أبو داود.
قال ابن حزم: فهذا معاوية بحضرة الصحابة لا يعرف له منهم مخالف يفسخ هذا النكاح، وإن ذكر فيه الصداق، ويقول: إنه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، فارتفع الإشكال جملة.
قال الشيخ ابن باز: فهذه الحادثة التي وقعت في عهد أمير المؤمنين معاوية توضح لنا معنى الشغار الذي نهى عنه الرسول ﷺ في الأحاديث المتقدمة، وأن تسمية الصداق لا تصحح النكاح ولا تخرجه عن كونه شغاراً؛ لأن العباس بن عبد الله، وعبد الرحمن بن الحكم قد سميا صداقاً، ولكن لم يلتفت معاوية ﵁ إلى هذه التسمية وأمر بالتفريق بينهما، وقال: (هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ومعاوية ﵁ أعلم باللغة العربية وبمعاني أحاديث الرسول ﷺ من نافع مولى ابن عمر رضي الله عن الجميع.
стр. 2515
أما العلاج لمن وقع في نكاح الشغار وهو يرغب في زوجته وهي ترغب فيه: فهو تجديد النكاح بولي، ومهر جديد، وشاهدي عدل؛ وبذلك تبرأ الذمة وتحل الزوجة، مع التوبة إلى الله سبحانه مما سلف. (انتهى).
تنبيه:
اختيار الشيخ ابن عثيمين:
قال ﵀: إذا توفرت في هذا النكاح ثلاثة شروط فإنه يصح ولا محظور وهي: رضا الزوجين، ومهر المثل، وأن يكون الزوج كفواً.
العلة من تحريمه:
قيل: الخلو من الصداق.
وقيل: هو اشتراط كل واحد من الرجلين أن ينكحه موليته.
وقيل: التشريك في البضع.
قال ابن القيم ﵀: واختلف في علة النهي:
فقيل: هي جعل كل واحد من العقدين شرطاً في الآخر.
وقيل: العلة التشريك في البُضع، وجعل بضع كل واحدة مهراً للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به، وهذا هو الموافق للغة العرب. (زاد المعاد).
стр. 2516
وقال الشوكاني مبيناً علة النهي:
الأول: هي خلو بضع كل منهما من الصداق - وليس المقتضي للبطلان عندهم مجرد ترك ذكر الصداق؛ لأن النكاح يصح بدون تسميته - بل المقتضي لذلك جعل البضع صداقاً.
ثانياً: التعليق والتوقيف؛ وكأنه يقول: لا ينعقد لك نكاح ابنتي حتى ينعقد لي نكاح ابنتك.
- ومن الحكم: أن الغالب أن الولي لا يختار الكفء لموليته، لأنه يريد شخصاً يزوجه ويبادله.
فائدة:
قال النووي: وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام، والإماء، كالبنات في هذا.
(ونكاح التحليل: أن يتزوج بشرط أنه إذا أحلها طلقها).
هذا النوع الثاني من الشروط الفاسدة التي تبطل النكاح.
نكاح التحليل هو: أن يعمد الرجل إلى المرأة المطلقة ثلاثاً فيتزوجها ليحلها لزوجها الأول.
وهو حرام ولا تحل به المرأة لزوجها الأول.
قال ابن قدامة ﵀: نكاح المحلل حرام باطل، في قول عامة أهل العلم، … فإن شُرط عليه التحليل قبل العقد، ولم يذكره في العقد، أو نوى التحليل من غير شرط، فالنكاح باطل أيضاً. … (المغني).
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) رَوَاهُ أَحْمَد.
الْمُحَلِّلَ هو من تزوجها ليحلها لزوجها الأول - وَالْمُحَلَّلَ له هو زوجها الأول.
стр. 2517
وجه الاستدلال: إن رسول الله ﷺ لعن المحلل، فعلم أن فعله حرام؛ لأن اللعن لا يكون إلا على معصية، بل لا يكاد يلعن إلا على فعل الكبيرة إذ الصغيرة تقع مكفرة بالحسنات إذا اجتنبت الكبائر - واللعنة هي الإقصاء والإبعاد عن رحمة الله - ولم يستوجب ذلك إلا بكبيرة.
قال ابن القيم: ولعنه ﷺ لهما: إما خَبَر عن الله تعالى بوقوع لعنته عليهما، أو دُعاء عليهما باللعنة، وهذا يدلُّ على تحريمه، وأنه من الكبائر. (زاد المعاد).
ب- وسماه النبي ﷺ تيساً مستعاراً.
عن عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) رواه ابن ماجه.
فهذه الأحاديث تدل على تحريم نكاح التحليل، وأنه من كبائر الذنوب، وتدل أيضاً على عدم صحته.
فمتى نوى الزوج الثاني أنه متى حللها طلقها، فإنه لا تحل للأول، والنكاح باطل.
فالملعون على لسان الرسول ﷺ هو:
المحلل: هو الزوج الثاني إذا قصد التحليل ونواه، وكان عالماً.
والمحلل له: هو الزوج الأول، فيلحقه اللعن إذا كان عالماً.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وقد صرح الجمهور - المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية - بفساد هذا النكاح؛ للحديثين السابقين، ولأن النكاح بشرط الإحلال في معنى النكاح المؤقت، وشرط التأقيت في النكاح يفسده، وما دام النكاح فاسداً: فلا يقع به
التحليل، ويؤيد هذا قول عمر ﵁: (والله لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما).
стр. 2518
فائدة:
قال ابن القيم ﵀: ولا فرقَ عند أهل المدينة، وأهلِ الحديث، وفُقهائهم، بين اشتراط ذلك بالقول، أو بالتواطؤ، والقصدِ، فإن القُصود في العُقود عندهم معتبرة، والأعمالُ بالنيَّات، والشرطُ المتواطَأُ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان: كالملفوظِ عندهم، والألفاظُ لا تُراد لعينها، بل لِلدلالَة على المعاني، فإذا ظهرت المعاني والمقاصدُ: فلا عِبْرَة بالألفاظ؛ لأنها وسائل، وقد تحقَّقت غاياتُها، فترتَّبَتْ عليها أحكامُها. … (زاد المعاد).
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: إذا تزوج الرجل المرأة بشرط التحليل، أو نواه، أو اتفقا عليه: فالعقد باطل، والنكاح غير صحيح.
وروى البيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٢٠٨): عن نافع أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵁ فسأله عن رجل طلَّق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخٌ له عن غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه: هل تحل للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنَّا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله ﷺ .
وسئل الإمام أحمد عن الرجل يتزوج المرأة، وفي نفسه أن يحلها لزوجها الأول، ولم تعلم المرأة بذلك. فقال: هو محلل، إذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: إذا نوى الزوج الثاني أنه متى حلَّلها للأول طلقها: فإنها لا تحل للأول، والنكاح باطل، والدليل: أن هذا نوى التحليل، فيكون داخلاً في اللعن، وقد قال النبي ﵇: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى). (الممتع)
قال ابن عبد البر ﵀: وفي قوله ﷺ لامرأة رفاعة: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) دليل على أن إرادة المرأة الرجوع إلى زوجها لا يضر العاقد عليها، وأنها ليست بذلك في معنى التحليل المستحق صاحبه اللعنة " انتهى. "التمهيد" (١٣/ ٢٢٧).
стр. 2519
وقال ابن القيم ﵀: لا أثر لنية الزوجة ولا الولي وإنما التأثير لنية الزوج الثاني فإنه إذا نوى التحليل كان محللاً فيستحق اللعنة ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل، فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئاً. وقد علم النبي ﷺ من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه ولم يجعل ذلك مانعاً من رجوعها إليه، وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني فقال: (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك).
الخلاصة:
إذا تم الاتفاق مع الزوج الثاني أنه سيتزوجها ليحلها لزوجها الأول، أو نوى الزوج الثاني ذلك من غير اتفاق مع أحد، وليس له رغبة في نكاحها ولا البقاء معها، فهذا هو نكاح التحليل الذي لعن رسول الله ﷺ من فعله، ولا تحل المرأة بهذا النكاح المحرم لزوجها الأول، حتى لو جامعها الثاني.
فائدة:
لكن هل نية المرأة معتبرة أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن النية المعتبرة في نكاح التحليل هي نية الزوج المحلل الناكح فقط.
وهذا مذهب المالكية، والحنابلة، ورجحه ابن عبد البر.
لأن الطلاق والإمساك في عقد النكاح إنما هو للمحلل الناكح، وأما المرأة المحللة وكذا الزوج المحلل له فلا مدخل لهما في ذلك، فلزم أن لا يعتبر في نكاح التحليل سوى نية المحلل، لعدم تأثير من سواه في بقاء عقد النكاح وزواله.
قال ابن قدامة: ونية المرأة ليس بشيء، إنما قال النبي ﷺ (لعن الله المحلل والمحلل له) ولأن العقد إنما يبطل بنية الزوج؛ لأنه الذي إليه المفارقة والإمساك، أما المرأة فلا تملك رفع العقد، فوجود نيتها وعدمها سواء، وكذلك الزوج الأول لا يملك شيئاً من العقد، ولا من رفعه، فهو أجنبي كسائر الأجانب.
стр. 2520
فإن قيل: فكيف لعنه النبي ﷺ ؟ قلنا: إنما لعنه إذا رجع إليها بذلك التحليل؛ لأنها لم تحل له، فكان زانياً، فاستحق اللعنة لذلك.
القول الثاني: أن النية المعتبرة هي نية المرأة أو وليها أو الزوج الناكح.
وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن المسيب.
القول الثالث: أن النية المعتبرة هي نية الزوج المحلل والزوجة المحللة فقط.
ومال إلى هذا ابن تيمية.
لأن فعلها ذلك تحايل على ما حرمه الشرع، فإن الشرع منعها من الرجوع إلى الأول حتى يحصل النكاح الثاني المبني على الرغبة والتأبيد، لا النكاح المؤقت التي يتوصل به إلى الرجوع للزوج الأول، ولما في عملها هذا من غش الزوج الثاني وخداعه، وإلحاق الضرر به غالباً، فإنها قد لا تتوصل إلى الخلاص منه إلا بتنغيص عيشه والإساءة إليه حتى يطلقها أو يخلعها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقال الحسن والنخعي وغيرهما: إذا همّ أحد الثلاثة فهو نكاح محلل، ويروى ذلك عن ابن المسيب. ولفظ إبراهيم النخعي: إذا كانت نية أحد الثلاثة: (الزوج الأول، أو الزوج الثاني، أو المرأة) أنه محلل فنكاح هذا الأخير باطل، ولا تحل للأول.
ووجه هذا: أن المرأة إذا نكحت الرجل وليست هي راغبة فيه فليست هي ناكحة كما تقدم، بل هي مستهزئة بآيات الله متلاعبة بحدود الله، وهي خادعة للرجل ماكرة به، وهي إن لم تملك الانفراد بالفرقة فإنها تنوي التسبب فيها على وجه تحصل به غالباً بأن تنوي الاختلاع منه وإظهار الزهد فيه وكراهته وبغضه، وذلك مما يبعثه على خلعها أو طلاقها، ويقتضيه في الغالب، ثم إن انضم إلى ذلك أن تنوي النشوز عنه، وفعل ما يكره لها، وترك ما ينبغي لها، فهذا أمر محرم وهو موجب للفرقة في العادة، فأشبه ما لو نوت ما يوجب الفرقة شرعاً، وإن لم تنو فعل محرم ولا ترك واجب، فهي ليست مريدة له، ومثل هذه في مظنة أن لا تقيم حدود الله معه، ولا يلتئم مقصود النكاح بينهما، فيفضي إلى الفرقة غالباً.
стр. 2521
وأيضاً: فإن النكاح عقد يوجب المودة بين الزوجين والرحمة كما ذكره الله سبحانه في كتابه، ومقصوده السكن والازدواج، ومتى كانت المرأة من حين العقد تكره المقام معه وتود فرقته لم يكن النكاح معقوداً على وجه يحصل به مقصوده.
وأيضاً: فإن الله سبحانه قال (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) فلم يبح إلا نكاحاً يظن فيه أن يقيم حدود الله ومثل هذه المرأة لا تظن أن تقيم حدود الله; لأن كراهيتها له تمنع هذا الظن، ولأن المرأة تستوفي منافع الزوج بالنكاح كما يستوفي الرجل منافعها، وإذا كانت إنما تزوجت لتفارقه وتعود إلى الأول لا لتقيم معه لم تكن قاصدة للنكاح ولا مريدة له، فلا يصلح هذا النكاح على قاعدة إبطال الحيل. (الفتاوى الكبرى) (٦/ ٢٩٨).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وماذا لو نوته الزوجة، فوافقت على التزوج بالثاني من أجل أن تحل للأول؟ فظاهر كلام المؤلف أنه لا أثر لنية الزوجة؛ ووجهه: أنه ليس بيدها شيء، والزوج الثاني لا يطلقها؛ لأنه تزوجها نكاح رغبة، فليس على باله هذا الأمر، فإن لم تنوه هي ولكن نواه وليها فكذلك.
ولهذا قال بعض الفقهاء عبارة تعتبر قاعدة، قال: من لا فرقة بيده لا أثر لنيته، فعلى هذا تكون الزوجة ووليها لا أثر لنيتهما؛ لأنه لا فرقة بيدهما.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن نية المرأة ووليها كنية الزوج، وهو خلاف المذهب، وسلموا بأنه لا فرقة بيدهما، لكن قالوا: بإمكانهما أن يسعيا في إفساد النكاح، بأن تنكد على الزوج حتى يطلقها، أو يُغروه بالدراهم، والنكاح عقد بين زوج وزوجة، فإذا كانت نية الزوج مؤثرة فلتكن نية الزوجة مؤثرة أيضاً.
فعندنا ثلاثة: الزوج، والزوجة، والولي، والذي تؤثر نيته منهم هو الزوج على المذهب، والقول الراجح أن أي نية تقع من واحد من الثلاثة فإنها تُبطل العقد، لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) والولي حينما عقد لم ينو نكاحاً مستمراً دائماً، وكذلك الزوجة.
стр. 2522
فإذا قال قائل: امرأة رفاعة القرظي تزوجت عبد الرحمن بن الزبير ﵄ وجاءت تشكو للرسول ﵊ أن ما معه
مثل هدبة الثوب، فقال لها: (أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة)، فقالت: نعم، ألا يدل ذلك على أن نية الزوجة لا تؤثر؟ نقول: هذه الإرادة، هل هي قبل العقد، أو حدثت بعد أن رأت الزوج الثاني بهذا العيب؟ الذي يظهر أنها بعد أن رأته؛ لأن كون الرجل يتزوجها ويدخل بها، وليس عندها أي ممانعة، ثم جاءت تشتكي، فظاهر الحال أنه لولا أنها وجدت هذه العلة ما جاءت تشتكي، والله أعلم، وإن كان الحديث فيه احتمال " انتهى من "الشرح الممتع" (١٢/ ١٧٧).
فائدة: ٢
نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من أوجه:
قال ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من أوجه:
أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعاً في أول الإسلام، ونكاح التحليل لم يشرع في زمن من الأزمان.
الثاني: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبي ﷺ ، ولم يكن في الصحابة محلل قط.
стр. 2523
الثالث: أن رسول الله ﷺ لم يجيء عنه في لعن المستمتِع والمستمتَع بها حرف واحد، وجاء عنه في لعن المحلِل والمحلَل له.
الرابع: أن المستمتِع له غرض صحيح في المرأة، ولها غرض أن تقيم معه مدة النكاح، فغرضه المقصود بالنكاح مدة، والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار للضراب كالتيس، فنكاحه غير مقصود له، ولا للمرأة، ولا للولي، وإنما هو كما قال الحسن: مِسمار نار في حدود الله، وهذه التسمية مطابقة للمعنى.
الخامس: أن المستمتع لم يَحْتَل على تحليل ما حرم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهراً وباطناً، والمحلل ماكر مخادع، متخذ آيات الله هزواً، ولذلك جاء في وعيده ولعنه ما لم يجيء في وعيد المستمتع مثله، ولا قريب منه.
السادس: أن الفِطَر السليمة، والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد، تنفر من التحليل أشد نفار، وتُعيِّر به أعظم تعيير، حتى إن كثيراً من النساء تعيّر المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا.
السابع: أن المحلل من جنس المنافق، فإن المنافق يُظهِر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهراً وباطناً، وهو في الباطن غير ملتزم به له، وكذلك المحلل يظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويُسمِّي المهر، ويُشهِد على رضا المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك.
(ونكاح المتعة: وهو أن يتزوجها إلى مدة).
هذا النوع الثالث من الشروط الفاسدة المفسدة للعقد، وهو نكاح المتعة.
ونكاح المتعة: هي النكاح إلى أجل محدد بمهر.
قال ابن قدامة: معنى نكاح المتعة أن تزوج المرأة مدة، مثل أن يقول زوجتك ابنتي شهراً أو سنة.
وقال الحافظ ابن حجر: يعني تزويج المرأة إلى أجل، فإذا انقضى وقعت الفرقة.
وحكمه: حرام.
وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل الفقه والحديث.
стр. 2524
قال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة.
أ- عن الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عام الفتح فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً). وفي رواية (أن رسول الله ﷺ نهىَ يومَ الفتحِ عن مُتعَةِ النسَاء). رواه مسلم.
ب- وعَنْ سَلَمَةَ بن الأَكْوَع قَالَ (رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثاً ثُمَّ نَهَى عَنْهَا). رواه مسلم
[عام أوطاس] أي سنة غزوة أوطاس، وأوطاس واد في الطائف، غزوة أوطاس في شوال سنة ٨ هـ[فتح مكة في رمضان وأوطاس في شوال]
ج- وعَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ).
فائدة: ١
هل كان هذا النكاح مباحاً في أول الإسلام؟
نعم، كان مباحاً في أول الإسلام ثم نهى عنه النبي ﷺ .
كما في الحديث السابق [الربيع بن سبرة عن أبيه].
فائدة: ٢
والحكمة من تحريم نكاح المتعة:
أن المقصود من النكاح هو العشرة الدائمة، وبناء البيت والأولاد، وهذا لا يمكن مع النكاح المؤجل في الحقيقة، كأنه استئجار للزنا.
стр. 2525
فائدة: ٣
سبب إذن النبي ﷺ للصحابة بالاستمتاع بالنساء:
سبب ذلك: هو الحاجة والحرب.
أ- ففي حديث ابن مسعود قال (كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ ليس معنا نساء، فقلنا ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل) متفق عليه.
ب-وذكر أبو ذر كما رواه عنه البيهقي بسند حسن: (أن الرسول ﷺ أذن لهم فيها لحربهم ولخوفهم).
ج- وعن أبي جمرة قال (سمعت ابن عباس يُسأل عن متعة النساء فرخص، فقال مولى له: إنما ذلك في حال الشديد وفي النساء قلة؟ فقال: نعم).
د-وفي حديث جابر وسلمة بن الأكوع قالا (كنا في جيشٍ فأتانا رسولُ رسولِ الله ﷺ فقال: إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا) رواه البخاري.
فقوله (في جيش) تدل على أن الحال حال غزو.
هـ-ولحديث سبرة: (أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فقال: يا أيها الناس، إني قد كنت آذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة).
قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر هذه الآثار: هذه أخبار يقوي بعضها بعضاً، وحاصلها أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العزبة في حال السفر.
следующие страницы →