Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
وأيضاً: فإن النكاح عقد يوجب المودة بين الزوجين والرحمة كما ذكره الله سبحانه في كتابه، ومقصوده السكن والازدواج، ومتى كانت المرأة من حين العقد تكره المقام معه وتود فرقته لم يكن النكاح معقوداً على وجه يحصل به مقصوده.
وأيضاً: فإن الله سبحانه قال (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) فلم يبح إلا نكاحاً يظن فيه أن يقيم حدود الله ومثل هذه المرأة لا تظن أن تقيم حدود الله; لأن كراهيتها له تمنع هذا الظن، ولأن المرأة تستوفي منافع الزوج بالنكاح كما يستوفي الرجل منافعها، وإذا كانت إنما تزوجت لتفارقه وتعود إلى الأول لا لتقيم معه لم تكن قاصدة للنكاح ولا مريدة له، فلا يصلح هذا النكاح على قاعدة إبطال الحيل. (الفتاوى الكبرى) (٦/ ٢٩٨).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وماذا لو نوته الزوجة، فوافقت على التزوج بالثاني من أجل أن تحل للأول؟ فظاهر كلام المؤلف أنه لا أثر لنية الزوجة؛ ووجهه: أنه ليس بيدها شيء، والزوج الثاني لا يطلقها؛ لأنه تزوجها نكاح رغبة، فليس على باله هذا الأمر، فإن لم تنوه هي ولكن نواه وليها فكذلك.
ولهذا قال بعض الفقهاء عبارة تعتبر قاعدة، قال: من لا فرقة بيده لا أثر لنيته، فعلى هذا تكون الزوجة ووليها لا أثر لنيتهما؛ لأنه لا فرقة بيدهما.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن نية المرأة ووليها كنية الزوج، وهو خلاف المذهب، وسلموا بأنه لا فرقة بيدهما، لكن قالوا: بإمكانهما أن يسعيا في إفساد النكاح، بأن تنكد على الزوج حتى يطلقها، أو يُغروه بالدراهم، والنكاح عقد بين زوج وزوجة، فإذا كانت نية الزوج مؤثرة فلتكن نية الزوجة مؤثرة أيضاً.
فعندنا ثلاثة: الزوج، والزوجة، والولي، والذي تؤثر نيته منهم هو الزوج على المذهب، والقول الراجح أن أي نية تقع من واحد من الثلاثة فإنها تُبطل العقد، لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) والولي حينما عقد لم ينو نكاحاً مستمراً دائماً، وكذلك الزوجة.
стр. 2522
فإذا قال قائل: امرأة رفاعة القرظي تزوجت عبد الرحمن بن الزبير ﵄ وجاءت تشكو للرسول ﵊ أن ما معه
مثل هدبة الثوب، فقال لها: (أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة)، فقالت: نعم، ألا يدل ذلك على أن نية الزوجة لا تؤثر؟ نقول: هذه الإرادة، هل هي قبل العقد، أو حدثت بعد أن رأت الزوج الثاني بهذا العيب؟ الذي يظهر أنها بعد أن رأته؛ لأن كون الرجل يتزوجها ويدخل بها، وليس عندها أي ممانعة، ثم جاءت تشتكي، فظاهر الحال أنه لولا أنها وجدت هذه العلة ما جاءت تشتكي، والله أعلم، وإن كان الحديث فيه احتمال " انتهى من "الشرح الممتع" (١٢/ ١٧٧).
فائدة: ٢
نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من أوجه:
قال ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من أوجه:
أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعاً في أول الإسلام، ونكاح التحليل لم يشرع في زمن من الأزمان.
الثاني: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبي ﷺ ، ولم يكن في الصحابة محلل قط.
стр. 2523
الثالث: أن رسول الله ﷺ لم يجيء عنه في لعن المستمتِع والمستمتَع بها حرف واحد، وجاء عنه في لعن المحلِل والمحلَل له.
الرابع: أن المستمتِع له غرض صحيح في المرأة، ولها غرض أن تقيم معه مدة النكاح، فغرضه المقصود بالنكاح مدة، والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار للضراب كالتيس، فنكاحه غير مقصود له، ولا للمرأة، ولا للولي، وإنما هو كما قال الحسن: مِسمار نار في حدود الله، وهذه التسمية مطابقة للمعنى.
الخامس: أن المستمتع لم يَحْتَل على تحليل ما حرم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهراً وباطناً، والمحلل ماكر مخادع، متخذ آيات الله هزواً، ولذلك جاء في وعيده ولعنه ما لم يجيء في وعيد المستمتع مثله، ولا قريب منه.
السادس: أن الفِطَر السليمة، والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد، تنفر من التحليل أشد نفار، وتُعيِّر به أعظم تعيير، حتى إن كثيراً من النساء تعيّر المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا.
السابع: أن المحلل من جنس المنافق، فإن المنافق يُظهِر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهراً وباطناً، وهو في الباطن غير ملتزم به له، وكذلك المحلل يظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويُسمِّي المهر، ويُشهِد على رضا المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك.
(ونكاح المتعة: وهو أن يتزوجها إلى مدة).
هذا النوع الثالث من الشروط الفاسدة المفسدة للعقد، وهو نكاح المتعة.
ونكاح المتعة: هي النكاح إلى أجل محدد بمهر.
قال ابن قدامة: معنى نكاح المتعة أن تزوج المرأة مدة، مثل أن يقول زوجتك ابنتي شهراً أو سنة.
وقال الحافظ ابن حجر: يعني تزويج المرأة إلى أجل، فإذا انقضى وقعت الفرقة.
وحكمه: حرام.
وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل الفقه والحديث.
стр. 2524
قال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة.
أ- عن الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عام الفتح فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً). وفي رواية (أن رسول الله ﷺ نهىَ يومَ الفتحِ عن مُتعَةِ النسَاء). رواه مسلم.
ب- وعَنْ سَلَمَةَ بن الأَكْوَع قَالَ (رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثاً ثُمَّ نَهَى عَنْهَا). رواه مسلم
[عام أوطاس] أي سنة غزوة أوطاس، وأوطاس واد في الطائف، غزوة أوطاس في شوال سنة ٨ هـ[فتح مكة في رمضان وأوطاس في شوال]
ج- وعَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ).
فائدة: ١
هل كان هذا النكاح مباحاً في أول الإسلام؟
نعم، كان مباحاً في أول الإسلام ثم نهى عنه النبي ﷺ .
كما في الحديث السابق [الربيع بن سبرة عن أبيه].
فائدة: ٢
والحكمة من تحريم نكاح المتعة:
أن المقصود من النكاح هو العشرة الدائمة، وبناء البيت والأولاد، وهذا لا يمكن مع النكاح المؤجل في الحقيقة، كأنه استئجار للزنا.
стр. 2525
فائدة: ٣
سبب إذن النبي ﷺ للصحابة بالاستمتاع بالنساء:
سبب ذلك: هو الحاجة والحرب.
أ- ففي حديث ابن مسعود قال (كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ ليس معنا نساء، فقلنا ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل) متفق عليه.
ب-وذكر أبو ذر كما رواه عنه البيهقي بسند حسن: (أن الرسول ﷺ أذن لهم فيها لحربهم ولخوفهم).
ج- وعن أبي جمرة قال (سمعت ابن عباس يُسأل عن متعة النساء فرخص، فقال مولى له: إنما ذلك في حال الشديد وفي النساء قلة؟ فقال: نعم).
د-وفي حديث جابر وسلمة بن الأكوع قالا (كنا في جيشٍ فأتانا رسولُ رسولِ الله ﷺ فقال: إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا) رواه البخاري.
فقوله (في جيش) تدل على أن الحال حال غزو.
هـ-ولحديث سبرة: (أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فقال: يا أيها الناس، إني قد كنت آذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة).
قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر هذه الآثار: هذه أخبار يقوي بعضها بعضاً، وحاصلها أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العزبة في حال السفر.
стр. 2526
فائدة: ٤
متى كان تحريم نكاح المتعة؟
وقع الخلاف بين العلماء متى كان تحريم نكاح المتعة وهل حرمت ثم أبيحت ثم حرمت أو حرمت مرة واحدة على أقوال:
القول الأول: أن تحريمها كان عام خيبر.
وهذا قول الشافعي وغيره.
لحديث عَلِىِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ).
القول الثاني: أنها حرمت عام الفتح.
ورجحه ابن القيم.
لحديث سبرة الماضي، فإن فيه التصريح أن التحريم كان عام الفتح.
والرواية الصحيحة عن سبرة أنها عام الفتح.
جاء في رواية لحديث سبرة: (أن رسول الله ﷺ نهى عنها في حجة الوداع) رواه أبو داود.
لكن هذه الرواية شاذة، كما قال البيهقي، ولذلك قال الحافظ ابن حجر: الرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر.
والراجح أنها حرمت عام الفتح كما قال ابن القيم.
فائدة: ٥
النكاح بنية الطلاق.
تعريفه: أن يتزوج الرجل المرأة وهو يضمر في نيته طلاقها من غير علم المرأة أو وليها بذلك.
جاء في (المجمع الفقهي) الزواج بنية الطلاق وهو: زواج توافرت فيه أركان النكاح وشروطه وأضمر الزوج في نفسه طلاق المرأة بعد مدة معلومة كعشرة أيام، أو مجهولة؛ كتعليق الزواج على إتمام دراسته أو تحقيق الغرض الذي قدم من أجله. (المجمع الفقهي)
стр. 2527
اختلف العلماء في حكم الزواج بنية الطلاق هل هو متعة أم لا على أقوال:
اختلف العلماء في حكمه على أقوال:
فقيل: جائز وليس بمتعة.
وهو قول الجمهور.
قالوا: إن النكاح بنية الطلاق لا ينطبق عليه تعريف نكاح المتعة الذي ينكح فيه الزوجة إلى أجل، ومقتضى أنه إذا انتهى الأجل انفسخ النكاح ولا خيار للزوج فيه ولا للزوجة.
وقيل: حرام وهو نكاح متعة.
قال ابن مفلح: وإن تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها، فالنكاح صحيح في قول عامتهم خلافاً للأوزاعي فإنه قال: نكاح متعة والصحيح لا بأس به.
وقيل: هو حرام لكن النكاح صحيح.
وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين.
لما يترتب عليه من غش الزوجة وغش أهلها، ولما يترتب عليه من مفاسد كثيرة.
(وفاسدٌ لا يبطلُه).
هذا النوع الثالث من أنواع الشروط: شروط فاسدة لكن لا تبطل العقد. (يصح النكاح).
(كشرطِ أن لا مهرَ لها).
أي: إن شرط الزوج عدم المهر، فهذا شرط فاسد لكن النكاح صحيح.
وبهذا قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
стр. 2528
يبطل الشرط: لأنه ينافي مقتضى العقد.
ويصح النكاح: لأن هذا الشرط يعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به فلم يبطل كما لو شرط في العقد صداقاً محرماً.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يصح النكاح.
وهذا اختيار ابن تيمية.
أ- لقوله تعالى (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم).
فشرط الله للحل أن تبتغوا بأموالكم، وما كان مشروطاً في الحل، فإن الحل لا يتم إلا به.
ب- ولأنه إذا تزوجها بلا مهر، صار ذلك بمعنى الهبة، ومعلوم أن الهبة خاصة بالرسول ﷺ .
ج- أن اشترط عدم المهر شبيه بنكاح الشغار.
وهذا الصحيح.
(أو لا نفقةَ).
أي: إن شرط الزوج أن لا نفقة لها، فهذا شرط فاسد لكن النكاح صحيح.
لأنه ينافي مقتضى العقد، لأن مقتضى العقد أن الزوج ينفق على زوجته.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه شرط صحيح.
لأن المرأة قد ترغب بالزوج لدينه وخلقه ويكون هو فقير.
стр. 2529
فائدة: ١
اختلف أهل العلم فيما إذا اشترط الزوج على زوجته أن يقسم لها مبيتا أقل من ضرتها، أو ينفق عليها أقل من ضرتها، هل لها أن ترجع عما شُرط عليها وتنازلت عنه، على قولين.
القول الأول: لها أن ترجع وعلى الزوج حينئذ أن يعطيها حقها من القسم والنفقة.
وهذا قول جمهور أهل العلم من الحنفية والحنابلة والشافعية والمالكية.
لها أن ترجع، وعلى الزوج حينئذ أن يعطيها حقها من القسم والنفقة، فإن لم يستطع الوفاء، أو لم يُرِد: فلها الحق في فسخ النكاح.
والقول الثاني: ليس لها الرجوع.
وهو قول الحسن وعطاء وغيرهما.
فإن رجعت مستقبلاً وأصرّت على المطالبة بكامل حقها من المبيت أو النفقة، فلا يجبر الزوج على الطلاق، بل تفتدي نفسها وتختلع.
وأظهر القولين في المسألة -والله أعلم- هو القول الثاني؛ فإن هذا شرط رضيت به على نفسها عند العقد، وقد قال ﷺ (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) وكما أنها إذا شَرطت عليه إسقاط بعض حقه لزمه، فكذلك إذا شرط عليها إسقاط بعض حقها فيلزمها.
стр. 2530
(أو أن يقسمَ لها أقل من ضرتِها).
فهذا شرط فاسد لكن النكاح صحيح.
وذهب بعض العلماء: إلى صحة هذا الشرط.
لحديث سودة (أنها جعلت يومها لعائشة على أن تبقى زوجة للرسول ﷺ متفق عليه.
قال الشيخ ابن عثيمين: إذا شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها، فالمذهب لا يصح.
والصحيح أنه يصح، فإذا قال: أنا عندي زوجة سأعطيها يومين وأنت يوماً، فرضيت بذلك فلا مانع، فهذه سودة بنت زمعة ﵂ وهبت يومها لعائشة ﵂ فأقرها النبي ﷺ . (الشرح الممتع).
فائدة: ١
حكم إن شرطت أن يكون الطلاق بيدها؟
قيل: لا يجوز هذا الشرط.
وهذا قول المالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لأن الله قال (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم).
والطلاق فرع عن جعل القوامة للرجل، وبالتالي فإن الطلاق في الأصل هو من حق الرجل، وهذا هو الذي يتفق مع الفطرة.
ب- وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ).
فجعل الله الطلاق بيد الرجل، واشتراط أن الطلاق بيد المرأة مخالف لظاهر الآية.
стр. 2531
وقيل: يصح هذا الشرط.
وهو قول الحنفية.
واستدلوا بعموم الأدلة الآمرة بالوفاء بالعقود والعهود.
والراجح الأول.
فائدة: ٢
قال ابن قدامة: الزَّوْجَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَ بِنَفْسِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُفَوِّضَهُ إلَى الْمَرْأَةِ، وَيَجْعَلَهُ إلَى اخْتِيَارِهَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَاخْتَرْنَهُ، وَمَتَى جَعَلَ أَمَرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا، فَهُوَ بِيَدِهَا أَبَدًا، لَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَبِهِ قَالَ الْحَكَمُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وقال النووي: يصح توكيل المرأة في طلاق غيرها على الأصح، كما يصح أن يفوض إليها طلاق نفسها. (روضة الطالبين)
وجاء في (الموسوعة الفقهية) الطَّلَاقُ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ قَوْلِيٌّ، وَهُوَ حَقُّ الرَّجُل كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَمْلِكُهُ وَيَمْلِكُ الإْنَابَةَ فِيهِ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ الأْخْرَى الَّتِي يَمْلِكُهَا، كَالْبَيْعِ وَالإْجَارَةِ … فَإِذَا قَال رَجُلٌ لآِخَرَ: وَكَّلْتُكَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِي فُلَانَةَ، فَطَلَّقَهَا عَنْهُ، جَازَ، وَلَوْ قَال لِزَوْجَتِهِ نَفْسِهَا: وَكَّلْتُكِ بِطَلَاقِ نَفْسِكِ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا، جَازَ أَيْضًا، وَلَا تَكُونُ فِي هَذَا أَقَل مِنَ الأْجْنَبِيِّ. . " انتهى.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: الأصل أن الطلاق بيد الزوج، ومن يفوض إلى ذلك من طريق الزوج، هذا إذا كان الزوج أهلاً لصدور الطلاق منه، وأما إذا لم يكن أهلاً فإن وليه يقوم مقامه.
وإذا فوض الزوج إلى زوجته أن تطلق نفسها منه فلها أن تطلق نفسها منه ما لم يفسخ الوكالة، وأما جعل الزوج العصمة بيد الزوجة بشرط في العقد؛ متى شاءت طلقت نفسها: فهذا الشرط باطل؛ لكونه يخالف مقتضى العقد، وقد قال النبي ﷺ : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. (فتاوى اللجنة).
стр. 2532
(وإنْ عتَقتْ تحت عبد فلها الخيار لا تحت حر).
أي: إذا عتقت الأمَة وكان زوجها عبداً، فإن لها الخيار بين البقاء معه وبين فراقه.
لحديث عَائِشَة قَالَتْ (كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ وَعَتَقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وكان زوجها عبداً. قَالَتْ وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِى لَنَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ) رواه مسلم.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَة) رواه البخاري
قال ابن قدامة: ولأن عليها ضرراً في كونها حرة تحت العبد فكان لها الخيار، وهذا مما لا خلاف فيه.
(فإنْ مكنتْهُ من وطئِها أو مباشرتها أو قُبلتها بطلَ خيارُها).
يسقط خيار المرأة في الفسخ:
بالقول: كأن تقول: رضيت به.
بالفعل: بأن تمكنه من نفسها بوطء أو مباشرة أو قُبلة بعد علمها بثبوت الحق لها.
وقد روى أبو داود عن عائشة (أن بريرة أعْتقتْ وهي عند مُغيث، فخيّرها رسول الله ﷺ وقال لها: إن قَرَبَكِ فلا خيارَ لكِ).
стр. 2533
(لا تحت حر).
أي: إذا عتقت الأمَة وزوجها حر فلا خيار لها.
وهذا قول أكثر العلماء.
قال ابن قدامة: وَإِنْ عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ، فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وقال ابن حجر عند قول البخاري (باب خيار الأمة تحت العبد) واقتضت الترجمة بطريق المفهوم أن الأمة إذا كانت تحت حر فعتقت لم يكن لها خيار، وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب الجمهور إلى ذلك.
أ- أنه لا خيار لها، لأن الحديث (كان زوجها عبداً) فمفهومه أنه إذا كانت تحت حر فعتقت لم بكن لها خيار.
ب- لأنها كافأت زوجها في الكمال، فلم يثبت لها الخيار، كما لو أسلمت الكتابية تحت مسلم.
وذهب بعض العلماء: إلى أن لها الخيار.
وهذا قول الحنفية.
أ- واحتجوا برواية (وكان زوجها حراً) وتقدم أن الصواب أن زوجها كان عبداً.
ب- ولأنها كملت بالحرية، فكان لها الخيار، كما لو كان زوجها عبداً.
والراجح الأول.
стр. 2534
باب العيوب في النكاح
العيوب: لغة جمع عيب وهو النقص.
واصطلاحاً: نقصٌ عقلي أو بدني في أحد الزوجين يمنع من تحصيل مقاصد النكاح أو التمتع بالحياة الزوجية.
فائدة: ١
ذهب جمهور العلماء إلى ثبوت فسخ النكاح إذا وجد عيب بأحد الزوجين.
وذهب الحنفية إلى أن الزوج لا حق له في الفسخ إذا وجد زوجته معيبة، استغناءً بما جعل له الشرع من الطلاق، وستراً على المرأة، وتجنباً للتشهير بها، وأما الزوجة فيقولون: إن كانت عيوباً منفرة فلا فسخ لها، وإن كان العيب يمنع الوطء فلها الفسخ.
فائدة: ٢
اختلف العلماء في العيوب التي يفسخ بها النكاح، هل هي محصورة بعدد معين أم لا على قولين:
القول الأول: أن العيوب التي يفسخ بها عقد النكاح محصورة في عدد معين من العيوب.
وإلى هذا ذهب جماهير العلماء.
كعيوب الفرج والجذام والبرص والجنون، قالوا: لأن هذا هو المروي عن الصحابة فلا نتعداه لغيره.
القول الثاني: عدم حصر العيوب الموجبة لفسخ عقد النكاح بعدد معين.
بل إن كل عيب يحصل به ضرر فاحش، أو يكون منفراً يمنع المقاصد المشروعة من النكاح يفسخ به عقد النكاح إذا طالب المتضرر من الزوجين بذلك.
وإلى هذا ذهب الزهري، وأبو ثور، وابن تيمية، وابن القيم.
стр. 2535
قال ابن القيم: وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها فلا وجه له.
وهذا الأرجح.
فكل عيب يمنع استمتاع الزوجين أو ينفر عن كماله أو يخشى تعدية أو لا يحصل معه مقصود النكاح من الرحمة والمودة
فإن هذا يثبت الخيار، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية واختيار الشيخ السعدي.
وعلى هذا: فالعمى عيب، وكذلك الخرس، وكذلك قطع أحد الأعضاء.
أ- عموم الأدلة الدالة على جواز فسخ العقد بالعيب كما سبق ذكرها فإن تلك الأدلة عامة تدل على جواز فسخ عقد النكاح بالعيب، وما ذكر فيها من العيوب إنما جاء ذلك على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر.
قال العلامة ابن القيم: ومن تأمل في فتاوى الصحابة والسلف علم أنهم لم يخصوا الرد بعيب دون عيب.
ب- ما رواه عبدالرزاق (أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث رجلاً على بعض السعاية فتزوج امرأة وكان عقيماً، فقال له عمر: «أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها ثم خيرِّها).
وجه الاستدلال: أن عمر أمره بتخيير زوجته بعيب العقم، والعقم ليس من العيوب التي ذكرها المخالفون على سبيل الحصر، وهذا يدل على أنه لا حصر في العيوب الموجبة لفسخ النكاح.
стр. 2536
ج- قياس عقد النكاح على عقد البيع، وذلك لأن كلاً منهما عقد يجب أن يوفي بالشروط التي تشترط فيه، ولما كان عقد البيع يثبت فيه الفسخ بأي عيب جرى العرف السلامة منه، فكذلك عقد النكاح يثبت فيه الفسخ إذا وجد في أحد الزوجين عيب جرى العرف السلامة منه، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، بل إن عقد النكاح أولى بذلك من عقد البيع، لما ورد من التأكيد على الوفاء بشرطها.
د-أن ثبوت الفسخ ببقية العيوب المذكورة المتفق عليها إنما جاء لدفع الضرر عن الطرف الخالي منها من الزوجين، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء جميعاً كما ظهر ذلك من خلال تعليلاتهم للفسخ بالعيوب التي قالوا بالفسخ بها، وإذا كان الأمر كذلك، فهناك من العيوب ما هو أشد ضرراً على الزوج السليم وعلى النسل منهما، من العيوب المذكورة؛ لأن بعضها قد تكون عيوبا معدية، فلما ثبت الخيار ببرص صغير في الجسم، فلأن تثبت بتلك العيوب والأمراض المضرة والخطيرة من باب أولى.
فائدة: ٣
الأصل في هذا الباب:
أ- ما ورد عن عمر، وابنه، وابن عباس وغيرهم. (لم يرد شيء مرفوع إلى النبي ﷺ .
ب- والقياس على العيوب في البيع.
(متى وجد أحد الزوجين الآخر مملوكاً أو مجنوناً أو أبرص أو مجذوماً أو وجد الرجل المرأة رتقاء أو وجدته مجبوباً، أو عنيناً فله فسخ النكاح إن لم يكن علم ذلك قبل العقد).
هذه جملة من العيوب، متى وجدت في أحد الزوجين جاز له الفسخ.
стр. 2537
والعيوب ثلاثة أقسام:
قسم مشترك بين الزوجين. (كالجذام، والجنون، والبرص، وبخر الفم).
وقسم مختص بالزوجة. (كالرتق. . .).
وقسم مختص بالزوج. (كالعنة، أو مقطوع الذكر، أو. . .).
(مملوكاً) فمتى تزوج الحر امرأة فبانت أمَة فله الفسخ.
أو العكس، أي: تزوجت الحرة رجلاً فبان عبداً مملوكاً فلها الفسخ.
(أو مجنوناً) الجنون: اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال على نهجة إلا نادراً.
(أو أبرص) البرص: بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد المزاج، وعند الفقهاء هو: بياض شديد يبقع الجلد ويذهب دمويته.
(أو مجذوماً) الجذام: علة يحمر منها العضو ثم يسود، ثم ينقطع ويتناثر، وينتشر في كل عضو، غير أنه يكون في الوجه أغلب.
(أو وجد الرجل المرأة رتقاء) الرتق: انسداد الفرج باللحم.
أو وجدته مجبوباً) الجب: قطع الذكر كله بحيث لم يبق منه ما يطأ به.
(أو عنيناً) العنين هو من لا يقدر على جماع فرج زوجته مع وجود الآلة لمانع منه ككبر أو سحر.
(فله فسخ النكاح إن لم يكن علم ذلك قبل العقد) أي: فلكل من وجد عيباً في صاحبه من العيوب السابقة فسخ النكاح إن لم يكن علم بذلك.
стр. 2538
فائدة:
قال ابن قدامة: إِنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ، فَبَانَ بِهِ غَيْرُهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَلَا بِجِنْسِهِ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَالْمَبِيعِ إذَا رَضِيَ بِعَيْبٍ فِيهِ، فَوَجَدَ بِهِ غَيْرَهُ.
وَإِنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ، فَزَادَ بَعْدَ الْعَقْدِ، كَأَنْ بِهِ قَلِيلٌ مِنْ الْبَرَصِ، فَانْبَسَطَ فِي جِلْدِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِهِ رِضًى بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ. (المغني)
وقال الشيخ ابن عثيمين: فإذا ظن العيب يسيراً فبان كبيراً.
مثال ذلك: رأى في أصبع امرأته برصاً، أو هي رأت في طرف أصبعه فظنت أنه يسير، لكن تبين أنه غالب جلده المستور بالثياب.
فهنا يسقط الخيار؛ لأنها رضيت بجنس العيب، وكذلك هو بالعكس، لما رضي بجنس العيب، قلنا: أنت الذي فرطت، لماذا لم تنقب عن هذا العيب، هل هو كثير أو قليل؟
وكذلك لو رضيت بجنونه أو رضي هو بجنونها لمدة ساعة، فتبين أنها تجن لساعات، أو لأيام فإنه يسقط الخيار؛ وذلك لأنه رضي بجنس العيب، أما مقداره فهو المفرط في عدم التثبت والتنقيب عن مدى هذا العيب. (الشرح الممتع).
(ولو حدثَ بعدَ العقدِ).
أي: ولو حدث العيب بعد العقد، فلمن له الحق أن يفسخ.
стр. 2539
(أو كانَ بالآخرِ عيبٌ مثلُهُ).
أي: فله الفسخ.
لأن الإنسان ينفر من عيب غيره ولا ينفر من عيب نفسه.
قال ابن قدامة: إذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ عَيْبًا، وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَالْأَبْرَصِ يَجِدُ الْمَرْأَةَ مَجْنُونَةً أَوْ مَجْذُومَةً، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، إلَّا أَنْ يَجِدَ الْمَجْبُوبُ الْمَرْأَةَ رَتْقَاءَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُمَا خِيَارٌ؛ لِأَنَّ عَيْبَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَانِعَ لَصَاحِبِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَيْبِ نَفْسِهِ.
وَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ عَيْبًا بِهِ مِثْلُهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا، لَا خِيَارَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَلَا مَزِيَّةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبهِ، فَأَشْبَهَا الصَّحِيحَيْنِ.
وَالثَّانِي، لَهُ الْخِيَارُ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غُرَّ عَبْدٌ بِأَمَةٍ. (المغني).
(وإذا وجدتُه عنّيناً: أجل إلى سنة، فإن مضت وهو على حاله فلها الفسخ).
أي: وإذا وجدت المرأة الزوج عنيناً [وهو العاجز عن الجماع لمرضٍ أصابه أو لضعف خلقتهِ أو لكبرِ سنهِ] فإنه يؤجل سنة.
فالعنين يؤجل سنة منذ رفعته للحاكم لا منذ دخوله عليها.
فالعنّة عيب، يثبت للزوجة الفسخ، لأن العنّة معنى لا يمكن معه الوطء، وذلك هو المقصود بالنكاح.
وقد جاء التفريق بالعنة: عن عمر وعثمان وابن مسعود وسمرة بن جندب ومعاوية بن أبي معاوية وغيرهم من الصحابة.
-وقوله (أجل إلى سنة) الحكمة من تأجيله سنة: لتمر عليه الفصول الأربعة، فإن تعذر الجماع قد يكون لعارض حرارة فيزول في الشتاء، أو لبرودة فيزول في الصيف، أو يبوسة فيزول في الربيع أو رطوبة فيزول في الخريف، فإذا مضت الفصول فلم يزل علمَ أنه خِلْقة.
стр. 2540
(فيفسخ بكل عيبٍ تقدم لا بغيره، كعور وعرج وقطع رجل وعمى).
تقدم أن أكثر العلماء يرون أن العيوب في النكاح محصورة في عدد معين.
وعلى هذا القول: فالعمى، والعور، والعرج، وقطع الرجِل لا تعتبر عيوباً.
لأن ذلك لا يمنع الاستمتاع، ولا يخشى تعديه.
قال ابن قدامة: وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْفَسْخُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الْمَقْصُودَ بِالنِّكَاحِ، فَإِنَّ الْجُذَامَ وَالْبَرَصَ يُثِيرَانِ نَفْرَةً فِي النَّفْس تَمْنَعُ قُرْبَانَهُ، وَيُخْشَى تَعَدِّيهِ إلَى النَّفْسِ وَالنَّسْلِ، فَيَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ، وَالْجُنُونُ يُثِيرُ نَفْرَةً وَيُخْشَى ضَرَرُهُ، وَالْجَبُّ وَالرَّتْقُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْوَطْءُ، وَالْفَتْقُ يَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ وَفَائِدَتَهُ. (المغني).
وقال ﵀: لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ:
لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يُخْشَى تَعَدِّيهِ، فَلَمْ يُفْسَخْ بِهِ النِّكَاحُ، كَالْعَمَى وَالْعَرَجِ.
وَلِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَلَا نَصَّ فِي غَيْرِ هَذِهِ وَلَا إجْمَاعَ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى هَذِهِ الْعُيُوبِ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْق. … (المغني).
وتقدم أن الراجح أن العيوب في النكاح ليست محصورة بعدد معين، بل كل عيب ينفر منه الآخر عرفاً يعتبر عيباً.
ورجحه ابن القيم كما تقدم.
فائدة: ١
هل العقم عيب أم لا؟
اختلف الفقهاء في العقم هل يعد عيباً في النكاح، على قولين:
الأول: أنه لا يعد عيباً.
وهو قول جمهور أهل العلم، إلا الحسن البصري ﵀ فقد جعله عيباً يوجب الفسخ، واستحب أحمد أن يبين الرجل العقيم أمره قبل الزواج.
стр. 2541
القول الثاني: أنه يعتبر عيباً.
بناء على ما قرره ابن القيم: أن كل عيب ينفر أحد الزوجين من الآخر، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة، فإنه عيب يوجب الخيار.
وهذا المروي عن عمر بن الخطاب ورجحه ابن القيم.
وذلك لأن تحصيل الولد من أهم وأعظم مقاصد النكاح.
قال الشيخ ابن عثيمين: والصواب: أن العيب كل ما يفوت به مقصود النكاح، ولا شك أن من أهم مقاصد النكاح المتعة والخدمة والإنجاب، فإذا وجد ما يمنعها فهو عيب، وعلى هذا فلو وجدت الزوج عقيماً، أو وجدها هي عقيمة فهو عيب.
فصل
(وَمَنْ رَضِيَ بِالعَيْبِ، أَوْ وُجِدَتْ مِنْهُ دَلَالَتُهُ مَعَ عِلْمِهِ فَلَا خِيَارَ لَهُ).
أي: فإن رضيَ أحد الزوجين بعيب الآخر فلا خيار له.
كأن تقول المرأة: رضيت به معيباً.
قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ، فَأَشْبَهَ مُشْتَرِيَ الْمَعِيبِ.
стр. 2542
وقوله (أَوْ وُجِدَتْ مِنْهُ دَلَالَتُهُ … ) فلا خيار.
كأن تُمكّنه من الجماع، فإذا مكنته من ذلك مع علمها بعيبه، دل ذلك على رضاها.
إذاً: يسقط الخيار بأمور:
أولاً: الرضا الصريح.
ثانياً: تمكين المرأة لزوجها مع وجود العيب.
(ولا يَتِمّ فسْخُ أَحَدِهِما إلا بحاكمٍ).
أي: لا يصح فسخ أحدهما إلا بحاكم يفسخ النكاح، وذلك لسببين:
الأول: لقطع النزاع.
الثاني: ولأن بعض العيوب مختلف فيها وحكم الحاكم يرفع الخلاف.
فائدة:
الفرق بين الفسخ والطلاق من وجهين:
أولاً: أن الفسخ لا يحتسب من الطلاق.
ثانياً: أن عدة الفسخ تكون استبراء بحيضة وعدة الطلاق ثلاث حيض.
(وإذا وقع الفسخُ قبل الدخول فلا مهر).
أي: إذا وجد الزوج في زوجته عيباً من العيوب التي ينفسخ بها النكاح (كالجذام أو البرص أو غيرها)، فإن كان قبل الدخول بها فلا مهر لها.
стр. 2543
مثال: إذا اتضح له قبل الدخول أن بها برصاً أو جذاماً ثم طلقها وحصل الفراق، فهنا لا مهر لها.
لأن الفُرقة جاءت من قِبلها، لأنها هي المتسببة في فسخ النكاح.
• فإن كان العيب في الزوج، وهي فسخت من أجل عيب الزوج:
فقيل: لا مهر لها.
لأن الفرقة جاءت من قبلها، فهي التي طلبت الفسخ.
وقيل: لها نصف المهر، كالمطلقة قبل الدخول.
لأن الزوج هو السبب، وهذا هو مقتضى العدل، واختار هذا القول ابن عثيمين.
قال ابن قدامة: الْفَسْخَ إذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الْمَرْأَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنْ كَانَ مِنْهَا، فَالْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا، فَسَقَطَ مَهْرُهَا، كَمَا لَوْ فَسَخَتْهُ بِرَضَاعِ زَوْجَةٍ لَهُ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ، فَإِنَّمَا فَسَخَ لَعَيْبٍ بِهَا دَلَّسَتْهُ بِالْإِخْفَاءِ، فَصَارَ الْفَسْخُ كَأَنَّهُ مِنْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَعَلْتُمْ فَسْخَهَا لِعَيْبِهِ، كَأَنَّهُ مِنْهُ؛ لِحُصُولِهِ بِتَدْلِيسِهِ؟ قُلْنَا: الْعِوَضُ مِنْ الزَّوْجِ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِهَا، فَإِذَا اخْتَارَتْ فَسْخَ الْعَقْدِ مَعَ سَلَامَةِ مَا عَقَدَتْ عَلَيْهِ، رَجَعَ الْعِوَضُ إلَى الْعَاقِدِ مَعَهَا، وَلَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا عِوَضٌ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ لِأَجْلِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهَا، لَا لِتَعَذُّرِ مَا اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَتِهِ عِوَضًا، فَافْتَرَقَا. (المغني).
стр. 2544
(وبعدَه يستقر).
أي: ذا علم بالعيب بعد الدخول بها، فإن المهر يستقر للزوجة وتملكه، سواء كان العيب فيها أو فيه.
لقوله ﷺ (. . . ولها المهر بما استحللت من فرجها).
لكن هل يضيع حق الزوج إذا كان العيب في الزوجة؟
(ويرجعُ على من غرّه إنْ وُجِدَ).
أي: ويرجع الزوج على من غرّه إن كان هناك غروراً.
مثال: لو قال أحد للزوج، إن هذه الزوجة سليمة من العيوب، فتبين بها عيباً. فإنه يرجع على من غره.
سواء كان الذي غرّه أباها أو أخاها، أو الذي خطبها له ومدحها.
لقول عمر (أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً، فَدَخَلَ بِهَا، فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا اَلصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا) أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَالِك.
لكن بشرط أن يكون الولي عالماً بالعيب، فإن كان جاهلاً فلا غرم عليه.
• فإن كان الغرور من المرأة، بمعنى أن المرأة فيها عيباً فسكتت كتمت؟ فإنه يرجع عليها.
• إذا لم يكن هناك غرور، فإنه لا يرجع على أحد.
وذهب بعض العلماء: أنه لا يرجع على أحد.
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، واختاره الشوكاني.
قالوا: لان المهر ثبت عليه بمسيسه إياها.
стр. 2545
باب نكاح الكفار
(نِكاحُهُمْ مُعتَبَرٌ ما اعتقدُوا حِلَّهُ، ولَم يَتَرافَعُوا إلينا).
أي: أن نكاح الكفار معتبر ويقرون على فاسده وإن خالف أنكحة المسلمين وذلك بشرطين:
الأول: أن يعتقدوا حله وصحته في شرعهم ولو كان محرماً في شرعنا.
والثاني: ألا يترافعوا إلينا.
قال ابن قدامة: أنْكِحَةُ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، يُقَرُّونَ عَلَيْهَا إذَا أَسْلَمُوا أَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فِي الْحَالِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى صِفَةِ عَقْدِهِمْ وَكَيْفِيَّتِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ الْوَلِيِّ، وَالشُّهُودِ، وَصِيغَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. (المغني).
وقال ابن عبد البر: وقد أسلم خلق في زمن النبي ﷺ ونساؤهم وأقروا على أنكحتهم ولم يسألهم رسول الله ﷺ عن شروط النكاح ولا عن كيفيته، وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة، فكان يقيناً.
وقال السيد سابق: القاعدة العامة في زواج غير المسلمين: إقرار ما يوافق الشرع منها إذا أسلموا.
إن أنكحة الكفار لم يتعرض لها رسول الله ﷺ ، كيف وقعت، وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح، أم لم تصادفها فتبطل؟.
وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج، فإن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرهما، ولو كان في الجاهلية وقد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك، وإن لم يكن ممن يجوز له الاستمرار لم يقر عليه، كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم، أو أختان، أو أكثر، فهذا هو الأصل الذي أصلته سنة رسول الله ﷺ وما خالفه فلا يلتفت إليه. (فقه السنة).
стр. 2546
وقد تقدم:
الرجل يسلم وتحته أختان، يخير في إمساك إحداهما وترك الأخرى.
والرجل يسلم وعنده أكثر من أربع يختار أربعاً منهن.
(وإن تَرافَعوا صَارَ كَأنكِحَتِنَا).
أي: وإن ترافعوا إلينا قبل عقده عقدناه على حكمنا، كأنكحة المسلمين، بإيجاب وقبول، وولي، وشهود.
قال تعالى (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط).
وإن ترافعوا إلينا بعد العقد، فإن كان مقتضى الفساد قائماً، كأن تكون زوجته من محارمه، فسخنا النكاح.
وإن كان مقتضيه قد زال أقررناهم عليه، مثل أن يكون قد تزوجها في عدة انقضت، أو بدون ولي، أو على أخت زوجة ماتت.
(وإنْ أسلمَ الزوجانِ معاً، أو أسلمَ زوج الكتابية، فهما على نكاحهما).
أي: فإن أسلم الزوجان معاً، بأن تلفظا بالإسلام دفعة واحدة فهما على نكاحهما، سواء كان قبل الدخول أو بعده.
لأنه لم يحصل بينهما اختلاف في الدين، وهذا بالإجماع.
قال ابن قدامة: أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ اخْتِلَافُ دِينٍ. (المغني).
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معاً في حالة واحدة، أن لهما المقام على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسب ولا رضاع، وقد أسلم خلق في زمن النبي ﷺ ونساؤهم وأقروا على أنكحتهم ولم يسألهم رسول الله ﷺ عن شروط النكاح ولا عن كيفيته، وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة، فكان يقيناً.
стр. 2547
وقال ابن المنذر: وأجمعوا على أنّهما -أي الزوجين غير المسلمين- لو أسلما معاً، أنهما على نكاحهما؛ كانت مدخولاً بها، أو لم تكن. (الإجماع).
قال ابن رشد: وأمّا الأنكحة التي انعقدت قبل الإسلام، ثمّ طرأ عليها الإسلام؛ فإنهم اتفقوا على أنّ الإسلام إذا كان منهما معاً؛ أعني من الزوج والزوجة، وقد كان عقد النكاح على من يصحُّ ابتداءً العقد عليها في الإسلام، أنّ الإسلام يصحِّح ذلك. (بداية المجتهد).
- وكذا إن أسلم زوج الكتابية - سواء كان كتابياً أو غير كتابي - فعلى نكاحهما.
لأنه يجوز للمسلم نكاح الكتابية في الإسلام، فبقاؤه أولى من ابتدائه.
(وإنْ أسلَمَ أحَدُ الزَّوجَينِ غَيرَ الكِتَابِيَينِ، أو زَوجَةُ كِتَابِيٍّ فلا نِكَاحَ قبلَ الدُّخولِ، ولا مَهْرَ)
أي: وإن أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين، كالمجوسيين يسلم أحدهما قبل الدخول بطل النكاح.
لأن اختلاف الدين يمنع الإقرار على النكاح.
أو أسلمت زوجة كتابي أو غير كتابي قبل الدخول فلا نكاح.
لأن المسلمة لا تحل لكافر.
(وبَعْدَهُ تَقِفُ الفُرْقَةُ على إسلامِ الآخَرِ في العِدَّةِ).
وبعده: أي بعد الدخول.
أي: إذا أسلم أحد الزوجيين غير الكتابيين، أو زوجة كتابي أو غيره، بعد الدخول:
فإن الفرقة تتوقف على انقضاء العدة:
فإن أسلم الآخر قبل انقضائها فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة وقعت الفرقة بينهما.
وهذا قول جمهور العلماء.
стр. 2548
لحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ رَدَّ اِبْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ) رواه الترمذي.
وذهب بعض العلماء: أن النكاح باق حكماً ما لم تتزوج المرأة بآخر، ولو مكثت سنين، والأمر في ذلك إليها، ولا حكم له عليها، ولا حق لها عليه.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين ﵏ أجمعين -.
أ- لحديث ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (رَدَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ اِبْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ اَلرَّبِيعِ، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ اَلْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا) رَوَاه الترمذي.
وكان إسلامه بعد نزول آيات سورة الممتحنة والتي فيها تحريم المسلمات على المشركين بسنتين، والظاهر انقضاء عدتها في هذه المدة. ومع ذلك ردها النبي ﷺ إليه بالنكاح الأول.
ب- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال (كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ، وَلَا يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ) رواه البخاري.
وجه الدلالة: قوله (فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ) يدل على أن الزوجة ترد إليه وإن طال الزمن، لأنه أطلق في هذا الحديث.
стр. 2549
قال ابن القيم: الذي دلَّ عليه حُكمُه ﷺ : أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبلَ انقضاء عِدتها: فهي زوجتُه، وإن انقضت عدتها: فلها أن تنكِحَ من شاءت، وإن أحبَّت انتظرته، فإن أسلم: كانَتْ زوجته مِن غير حاجة إلى تجديد نكاح. (زاد المعاد).
فائدة:
أجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأجوبة:
أولاً: أنه معارض بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والمثبت مقدم على النافي.
وأجيب: بأن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، حديث ضعيف.
قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال.
ثانياً: أن عدة زينب امتدت إلى أن أسلم زوجها.
وأجيب: بأن هذا بعيد غاية البعد، وخلاف ما عرف من طبيعة النساء أن تبقى العدة إلى ست سنين.
ثالثاً: أن القصة كانت قبل تحريم المسلمات على المشركين، فلا دلالة فيها على هذا الحكم أصلاً.
وأجيب: بأن هذا مخالف لما أطبق عليه أهل المغازي أن إسلام أبي العاص كان بعد نزول تحريم المسلمة على المشرك.
وأيضاً: أسلم أناس بعد نزول التحريم كما أسلم الطلقاء وأسلم أهل الطائف وغيرهم فلم يفرق النبي ﷺ بينهم وبين نسائهم، مع أن إسلامهم لم يكن في لحظة واحدة قطعاً.
رابعاً: أن معنى ردها بالنكاح الأول، أي: على مثل الصداق الأول.
وأجيب: بأن هذا عكس المفهوم من الحديث والظاهر منه.
стр. 2550
كتاب الصداق
تعريفه: هو ما تعطاه المرأة من المال، أو ما يقوم مقامه عوضاً عن عقد النكاح عليها.
فائدة: ١
الحكمة من الصداق:
أن الصداق إظهار لشرف هذا العقد وأهميته.
أن فيه إعزاز للمرأة وتشريف لها.
أن فيه الدليل على الرغبة في الزوجة.
تمكين المرأة من تجهيز نفسها بما أحبت من لباس ونفقة وزينة.
فائدة: ٢
وللصداق عدة أسماء:
فيسمى نِحلة كما قال تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
ويسمى فريضة كما قال تعالى (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً).
ويسمى أجراً كما قال تعالى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً).
ويسمى طوْلاً كما قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ).
стр. 2551
(وهو واجب)
وقد نقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم على وجوبه.
أ- لقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
قال ابن عباس: النحلة: المهر
قال ابن كثير: في مضمون كلام المفسرين في هذه الآية: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتما وأن يكون طيّب النفس.
ب- ولأن الله تعالى قيّد الحل بقوله (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ).
قال القرطبي: (بِأَمْوَالِكُم) أباح اللّه تعالى الفروج بالأموال ولم يفصل، فوجب إذا حصل بغير المال ألّا تقع الإباحة به؛ لأنّها على غير الشّرط المأذون فيه. (تفسير القرطبي).
ج- ولأن النبي ﷺ لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتماً من حديد حتى ألزمه أن يعلمها من القرآن.
قال ابن حجر: فيه أن النكاح لا بد فيه من الصداق لقوله: هل عندك من شيء تصدقها؟ وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يطأ فرجاً بغير ذكر صداق.
د- ولأن شرط إسقاطه يجعل العقد شبيهاً بالهبة، والزواج بالهبة من خصائص النبي ﷺ .
(ويسن تخفيفُه).
أي: يسن تخفيف الصداق.
أ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ; أَنَّهُ قَالَ: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ اَلنَّبِيِّ ﷺ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا اَلنَّشُّ? قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ. فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(أوقِيَّة) الأوقية ٤٠ درهماً. (وَنَشًّا) النَشّ نصف أوقية. (فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ) يعني ذلك الصداق ٥٠٠ درهم (١١٥٠) جرام (١٧٢٥) ريالاً. (فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه) أي: هذا غالب أزواجه.
стр. 2552
ب-عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خَيْرُ اَلصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
ج- وعن عائشة. عَنْ النّبِيّ ﷺ قال (إنّ أَعْظَمَ النّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً) رواه أحمد.
د- وقال النبي ﷺ لرجل أراد الزواج (التمس ولو خاتماً من حديد) متفق عليه.
هـ- وقد ضرب النبي ﷺ لأمته المثل الأعلى في ذلك، حتى ترسخ في المجتمع النظرة الصادقة لحقائق الأمور، وتشيع بين الناس روح السهولة واليسر.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: تَزَوَّجْتُ فَاطِمَةَ ﵂، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنِ هـ - وهو الدخول بالزوجة - قَالَ: أَعْطِهَا شَيْئًا. قُلْتُ: مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟ قُلْتُ: هِيَ عِنْدِي. قَالَ: فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ).؟؟؟
فهذا كان مهر فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء أهل الجنة.
و- وروى ابن ماجه أن عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ قال: لا تُغَالُوا صَدَاقَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ كَانَ أَوْلاكُمْ وَأَحَقَّكُمْ بِهَا مُحَمَّدٌ ﷺ مَا أَصْدَقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُثَقِّلُ صَدَقَةَ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ وَيَقُولُ قَدْ كَلِفْتُ إِلَيْكِ عَلَقَ الْقِرْبَةِ.
قال ابن القيم: تضمنت الأحاديث أن الصداق لا يتقدر أقله، وأن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها من قلة بركته وعسره، وأن المرأة إذا رضيت بعلم الزوج وحفظه للقرآن أو بعضه مهرها جاز ذلك، بل إن رضيت بالعلم والدين وإسلام الزوج وقراءته القرآن، كان من أفضل المهور وأنفعها وأجلها. (زاد المعاد).
стр. 2553
وقال الإمام الشوكاني تعليقاً على حديث عائشة (إن أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة) فيه دليل على أفضلية النكاح مع قلة المهر، وأن الزواج بمهر قليل مندوب إليه؛ لأن المهر إذا كان قليلا، لم يستصعب النكاح من يريده؛ فيكثر الزواج المرغب فيه، ويقدر عليه الفقراء، ويكثر النسل الذي هو أهم مطالب النكاح، بخلاف ما إذا كان المهر كثيراً، فإنه لا يتمكن منه إلا أرباب الأموال، فيكون الفقراء الذين هم الأكثر في الغالب غير مزوجين، فلا تحصل المكاثرة التي أرشد إليها النبي ﷺ .
فائدة:
بعض مصالح تخفيف الصداق؟
أولاً: العمل بالسنة وامتثال ما أرشدت إليه.
ثانياً: تيسير سبل الزواج.
ثالثاً: أن تخفيفه من أسباب المحبة ودوام المودة.
رابعاً: أن تخفيف الصداق يسهل على الزوج مفارقة زوجته إذا ساءت العشرة، ولم يحصل توافق بينهما.
(وَتَسْمِيَتُهُ فِي العَقْد).
أي: يسن أن يذكر ويسمى الصداق في العقد.
قال ابن قدامة: فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم.
أ- لقول النبي ﷺ (التمس ولو خاتماً من حديد).
ب- ولقوله ﷺ لعلي - لما أراد أن يتزوج فاطمة - أعطها شيئاً، قلت (أي علي) ما عندي شيء، قال: فأين درعك الحطمية، قلت: هي عندي، قال: فأعطها إياها.
ج- ولأنه أقطع للنزاع والخلاف.
стр. 2554
فائدة:
وليست تسميته شرطاً، وهذا مذهب الجمهور.
لقوله تعالى (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَة).
وجه الدلالة: أن الله تعالى رفع الحرج عن الطلاق في النكاح الذي لم يسم فيه المهر، والطلاق لا يكون إلا في نكاح قد تم بعقد
صحيح.
ب- ولحديث ابن مسعود (أنه قضى في رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقاً، قال ﵁: لها الصداق كاملاً، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى في بِرْوع بنت واشق بمثل ذلك).
وجه الدلالة: أن العقد صح مع عدم تسميته المهر، فلو لم يكن نكاحاً صحيحاً لما قضى النبي ﷺ لبروع بالصداق.
стр. 2555
(وَكُلُّ مَا صَحَّ ثَمَناً أَوْ أُجْرَةً صَحَّ مَهْراً وَإِنْ قَلَّ).
كل ما صح العقد عليه بيعاً، أو إجارة، فإنه يصح أن يكون صداقاً، سواء كان عيناً أو منفعة، ولو كان شيئاً قليلاً.
فالعين مثل: أن يعطيها دراهم أو يعطيها متاعاً.
والمنفعة مثل: استخدامها إياه، أو تستوفي منه بغير الخدمة أن يبني لها بيتاً.
ويدل على أنه يجوز ولو كان قليلاً:
حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ اَلسَّاعِدِيِّ ﵄ قَالَ (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ اَلنَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ اَلْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. قَالَ: "فَهَلْ عِنْدكَ مِنْ شَيْءٍ? "فَقَالَ: لَا، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، فَقَالَ: "اِذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا? "فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ? فَقَالَ: لَا، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ "انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ، يَا رَسُولَ اَللَّهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي -قَالَ سَهْلٌ: مَالُهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ? إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ فَجَلَسَ اَلرَّجُلُ، وَحَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ; فَرَآهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ. قَالَ: "مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ? "قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: "تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ? "قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اِذْهَبْ، فَقَدَ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
стр. 2556
والخاتم من الحديد لا يساوي شيئاً.
وقد ذهب بعض العلماء: أن أقل الصداق عشرة دراهم.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم) رواه الدار قطني وهو حديث ضعيف.
وذهب بعضهم: إلى أن أقله ربع دينار.
وهذا مذهب مالك.
قياساً على نصاب القطع في السرقة، وهذا قياس في مقابل النص.
فائدة:
لا حد لأكثر الصداق.
قال ابن قدامة: ويجوز أن يكون كثيراً.
لقوله تعالى (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئاً). (الكافي).
قال القرطبي: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ. (بداية المجتهد).
جاء في (الموسوعة الفقهية) لا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَا حَدَّ لأِكْثَرِ الْمَهْر.
(وأن يكون معلوماً).
أي: يجب أن يكون المهر معلوماً.
فإن اتفقا على مهر مجهول لم يصح، ووجب للزوجة مهر المثل.
стр. 2557
مثال: لو قال أعطيك أحد دوري، أو أحد عبيدي، فلها مهر المثل.
قال ابن قدامة: ولا يصح الصداق إلا معلوما، وهذا مذهب الشافعي.
وقال الشيخ ابن عثيمين: لو أصدقها شيئاً مجهولاً فلا يجوز، ولها مهر المثل.
(وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ لَمْ يَصِح).
أي: إن جعل صداقها أن يعلمها القرآن لم يصح.
أ-لقوله تعالى (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ … ).
ب- وقال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَات … )، فالفروج لا تستباح إلا بالأموال.
ج-وروي أن رسول الله ﷺ زوج امرأة على سورة من القرآن، ثم قال (لا تكون لأحد بعدك مهراً) رواه سعيد بن منصور ولا يصح.
د- وقالوا: إن تعليم القرآن لا يقع إلا قربة، فلا يجوز أن يكون صداقاً كالصلاة.
هـ-أن تعليم القرآن أمر يختلف ولا ينضبط فأشبه المجهول، والمجهول لا يصح جعله مهراً.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز.
وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن القيم.
لحديث الواهبة نفسها وفيه (قَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).
والراجح - والله أعلم - أنه لا يصح جعل تعليم القرآن صداقاً إذا كان المال متيسراً على الزوج، فإن لم يتيسر المال صح جعله صداقاً، وهذا هو الذي يدل عليه حديث الواهبة، فإن الرسول ﷺ ما جعل تعليم القرآن صداقاً لهذا الرجل إلا حينما تعذر عليه المال ولم يجد شيئاً.
стр. 2558
فائدة:
قال ابن قدامة: فإن قلنا بجوازه فأصدقها تعليم بعض القرآن فمن شرطه تعيين ذلك البعض لأن التعليم والمقاصد تختلف باختلافه. (الكافي)
(وَمَتَى بَطَلَ المُسَمَّى وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ).
هذه قاعدة: إذا بطل المسمى لأي سبب فلها مهر المثل.
ويبطل المسمى: إما لجهالته، أو لعدم ماليته، أو لكونه مغصوباً.
لجهالته: لو أصدقها عبد آبق لم يصح، ولها مهل المثل.
لعدم ماليته: كأن يصدقها شيئاً محرماً كخمر.
فإذا بطل المسمى وجب مهر المثل.
وقد تقدم في حديث ابن مسعود في امرأة عقد عليها زوجها ثم مات ولم يسم لها صداقاً فقال (لها مهر مثلها) رواه أبو داود.
- والمراد بمثلها: ما اعتاد الناس أن يدفعوه مهراً لأمثال هذه المرأة من قريباتها.
(وَإِذَا أُجِّلَ الصَّدَاقُ أَوْ بَعْضُهُ صَح).
أي: يَجُوز أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مُعَجَّلًا، وَمُؤَجَّلًا، وَبَعْضُهُ مُعَجَّلًا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ كَالثَّمَنِ. (المغني).
مثال: قال لكِ خمسة آلاف حالة وخمسة آلاف مؤجلة إلى سنة، فإن هذا التأجيل يصح.
- لكن الأولى عدم التأجيل:
لقصة الواهبة، فإن النبي ﷺ قال للرجل (التمس ولو خاتماً من حديد) ولم يقل النبي ﷺ يبقى في ذمتك.
стр. 2559
(فَإِنْ عَيَّنَا أَجَلاً أُنِيط به، وَإِلاَّ فَمَحِلُّهُ الْفُرْقَةُ).
أي: إذا عيّن الزوج والزوجة أجلاً معيناً للصداق تعين به.
وإن لم يعينا فمحله ومكانه الفرق بموت أو طلاق.
قال ابن القيم: تأجيل جزء من المهر وحكم المؤجل … الذي اتفق الزوجان على تأخير المطالبة به، وان لم يسميا أجلاً، بل قال الزوج مائة مقدمة ومائة مؤخرة؛ فإن المؤخر لا يستحق المطالبة به إلا بموت أو فرقة. هذا هو الصحيح، وهو منصوص أحمد فإنه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوجها على العاجل والآجل، لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة. واختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية، وهو قول النخعي والشعبي والليث بن سعد. (إعلام الموقعين).
قال الشيخ ابن عثيمين: الصداق المؤجل جائز ولا بأس به، فإذا اشترط الرجل تأجيل الصداق أو بعضه فلا بأس، ولكن يحل إن كان قد عين له أجلاً معلوماً، فيحل بهذا الأجل، وإن لم يؤجل فيحل بالفرقة: بطلاق، أو فسخ، أو موت، ويكون دَيْنًا على الزوج يطالب به بعد حلول أجله في الحياة، وبعد الممات كسائر الديون. … (مجموع الفتاوى).
فإن مات الزوج أولاً: حق للزوجة أن تأخذ من تركته مؤخر صداقها، قبل إخراج وصيته، أو توزيع تركته على الورثة، ثم تأخذ نصيبها من التركة كاملاً، إن بقي شيء فيها.
وإن كانت الزوجة هي التي ماتت قبل زوجها: فلورثتها أن يأخذوا نصيبهم في مؤخر الصداق، كغيره من أموالها، ويوزع عليهم بحسب نصيبهم في الميراث، بمن فيهم الزوج.
стр. 2560
الخلاصة:
أن المهر المؤجل لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يعين الأجل، مؤجل إلى مدة سنة أو إلى سنتين، فيرجع إلى هذا الاتفاق.
والثاني: أن يكون مؤجلاً ويطلق، فيحل إذا حصلت الفرقة، إما بموت إذا مات الزوج حل المهر، أو طلقها طلاقاً بائناً حل المهر.
(وَإِنْ وَجَدَتِ المُبَاحَ مَعِيباً خُيِّرَتْ بَيْنَ أَرْشِهِ وَقِيمَتِه).
أي: وإن وجدت المرأة المهر معيباً فإنها تخيّر بين أمرين: بين أرشه وقيمته.
مثال: هذا رجل أصدقها بعيراً، ثم وجدته يعرج، فنقول لك الخيار، إن شئت أخذت القيمة، وإن شئت أخذت الأرش، فتأخذ القيمة إذا ردته إلى زوجها، وإن أبقته فلها الأرش، فيقال: هذا البعير يساوي لو كان سليماً مائة، ومعيباً ثمانين، فتعطى عشرين.
- والمراد بالعيب ما تنقص به قيمة المبيع.
- والأرش هو فرق ما بين القيمتين معيباً وسليماً.
(ويصح على ألف لها وألف لأبيها ويملكه بقبضه).
أي: إذا قال الأب في النكاح مهرها ألف لي وألف لها، فهذا صحيح.
لماذا صحيح؟
لقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ ﵇ (إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) فَجَعَلَ الصَّدَاقَ الْإِجَارَةَ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ لِنَفْسِهِ.
следующие страницы →